علم النفس الإكلينيكينظريات الشخصية والجنسانية

نظرية التكوينات الجنسية (SCT) – ساري فان أندرز

دليل أكاديمي شامل لنظرية التكوينات الجنسية (SCT) لعالمة النفس والأعصاب ساري فان أندرز، وتفكيك أبعاد الجنسانية والجاذبية والتنوع البشري.

تاريخ النشر

شهدت دراسات الجنسانية والنوع الاجتماعي في العقود الأخيرة تحولات إبستمولوجية ومنهجية عميقة، قادها السعي المستمر لتجاوز النماذج الاختزالية التي طالما قيدت فهم التجربة الإنسانية داخل ثنائيات صلبة وأطر خطية ضيقة. في خضم هذا الحراك الفكري والعلمي، برزت نظرية التكوينات الجنسية (Sexual Configurations Theory – SCT) التي صاغتها عالمة النفس والأعصاب السلوكية الكندية الدكتورة ساري فان أندرز (Sari van Anders) عام 2015، بوصفها إحدى أهم المبادرات المعرفية الثورية الرامية إلى إعادة هيكلة المفاهيم الكلاسيكية المتعلقة بالتوجه الجنسي، والهوية الجندرية، والانجذاب العاطفي، وأنماط العلاقات الإنسانية.

تستند هذه النظرية إلى رؤية تكاملية فريدة تجمع بين رصانة البحث التجريبي في علم الغدد الصماء العصبي الاجتماعي (Social Neuroendocrinology) والعمق المفاهيمي للدراسات النقدية والنسوية والتفكيكية. تنطلق فان أندرز من نقد منهجي رصين للأدوات القياسية التقليدية—مثل مقياس كينزي ونماذج الاستقطاب الثنائي—مبرزة عجزها البنيوي عن استيعاب التعقيدات الواقعية للتنوع البشري، لاسيما تجارب الأقليات الجنسية والجندرية، والأنماط اللاجنسية (Asexuality)، واللارومانسية (Aromanticism)، والتعددية العلائقية التوافقية (Consensual Non-Monogamy).

يقدم هذا المقال دراسة تفصيلية شاملة لنظرية التكوينات الجنسية، متناولاً سياقاتها التاريخية والأكاديمية، وركائزها المفاهيمية وأبعادها المستقلة، وأدواتها القياسية البصرية المبتكرة، وتطبيقاتها الإكلينيكية والإرشادية، مع تقديم تقييم نقدي يقارنها بالنظريات النفسية والاجتماعية والتطورية المعاصرة، واستشراف آفاقها المستقبلية في إعادة تعريف الصحة النفسية والعلاقات الإنسانية في عالم متغير.

1. مقدمة لنظرية التكوينات الجنسية (SCT) وسياق نشأتها الأكاديمي

1.1 التعريف النظري العام بنموذج التكوينات الجنسية

تُعرَّف نظرية التكوينات الجنسية (SCT) بأنها إطار مفاهيمي ومنهجي متعدد الأبعاد صُمم لفهم ورسم خرائط التنوع المعقد في الجنسانيات والجندريات البشرية دون اختزالها في تصنيفات قطعية مبسطة. تقطع النظرية مع التقليد الذي يرى التوجه الجنسي كخاصية أحادية البُعد وثابتة وموجهة حصراً نحو “نوع اجتماعي معين”، وتطرح بدلاً من ذلك مفهوماً ديناميكياً يُعرف بـ التكوين (Configuration)، وهو نمط مركب ينتج عن تقاطع تفاعلي بين أبعاد متعددة ومستقلة تشمل: الانجذاب الجنسي، والانجذاب الرومانسي، وخصائص الجندر/الجنس للشريك المستهدف وللذات، ونمط عدد الشركاء المفضل، والسياقات الثقافية والاجتماعية والبيولوجية المحيطة بالفرد.

يمثل هذا النموذج نقلة نوعية في علم النفس الإكلينيكي والاجتماعي؛ حيث يتجاوز النظرة الخطية التقليدية التي تقيس الرغبة الإنسانية على مسطرة ممتدة بين قطبين متنافرين (الغيرية التامة مقابل المثلية التامة). يُفسح نموذج التكوينات المجال لاستيعاب الطبيعة المتشابكة للتجربة الحية، معتمداً على تكامل فريد يربط بين الفسيولوجيا العصبية والعلوم المعرفية من جهة، والتحليلات البنائية والاجتماعية من جهة أخرى، مما ينتج صياغة نظرية قادرة على تفسير الفروق الفردية الدقيقة وتغيراتها الظرفية والتطورية عبر مسار الحياة.

1.2 الظروف التاريخية والأكاديمية التي أدت لظهور النظرية

نُشرت الورقة التأسيسية لنظرية التكوينات الجنسية في أواخر عام 2015 في المجلة العلمية المرموقة Archives of Sexual Behavior تحت عنوان: “Beyond Sexual Orientation: Integrating Gender/Sex and Diversities via Sexual Configurations Theory”. جاء هذا النشر ليتوج سنوات من النقاش الأكاديمي المحتدم حول القصور الإبستمولوجي والمنهجي الذي اعترى مقاييس الجنسانية الموروثة منذ منتصف القرن العشرين.

تجلت المشكلة المركزية في أن أدوات مثل مقياس ألفريد كينزي (Kinsey Scale) ونماذج التقييم السيكومتري اللاحقة قد بُنيت على افتراضات معيارية مسبقة، افترضت تلازم الرغبة الجنسية مع الانجذاب العاطفي، وحصرت خيارات الاستجابة في ثنائية الجندر (رجل/امرأة)، واعتبرت الأحادية الشريكة (Monogamy) هي الحالة الطبيعية والبديهية الوحيدة. أدى ذلك إلى ظهور فجوة معرفية شاسعة بين الواقع المعاش للأفراد—الذي يتسم بتزايد الإفصاح عن الهويات غير الثنائية، واللاجنسية، والتعددية العلائقية—وبين البيانات التي تنتجها البحوث الكمية، مما ولّد حاجة ملحة لنموذج علمي جديد يستند إلى أسس تجريبية منفتحة ويتحلى بالصرامة المنهجية اللازمة لاستيعاب هذا التنوع المعاصر دون تشويهه.

1.3 الأهداف المعرفية والمنهجية لنظرية SCT

تسعى نظرية التكوينات الجنسية إلى تحقيق منظومة متكاملة من الأهداف المعرفية والمنهجية الرامية إلى ترقية البحث العلمي في دراسات الجنسانية، وتتلخص أبرز هذه الأهداف في النقاط التالية:

  • توفير لغة علمية معيارية ودقيقة: تهدف النظرية إلى تزويد الباحثين والأطباء والمسترشدين بمصطلحات دقيقة ومحايدة قادرة على وصف التجارب الجنسية والعاطفية المعقدة دون اللجوء إلى تعميمات مخلة أو أحكام قيمية مسبقة.
  • إلغاء التهميش المفاهيمي للأقليات الجنسية والجندرية: تعمل SCT على إدماج الهويات والتجارب التي لطالما اعتبرت “استثناءات” أو “انحرافات إحصائية”—مثل اللاجنسية، والهويات الجندرية غير الثنائية، والممارسات التعددية التوافقية—في صلب البنية النظرية كخيارات تكوينية أصلية ومتكافئة الوجود مع الأنماط المعيارية.
  • تجسير الفجوة بين العلوم الحيوية النفسية والعلوم الاجتماعية: تُعد النظرية محاولة رائدة لدمج أحدث معطيات علم الغدد الصماء العصبي السلوكي مع الأطر التفكيكية والنقدية للدراسات الجندرية، متجاوزة الصراع التقليدي بين الحتمية البيولوجية المطلقة والبنائية الاجتماعية المحضة، لصالح نموذج بيولوجي نفسي اجتماعي متكامل وديناميكي.

2. ساري فان أندرز: المسيرة العلمية والخلفية المعرفية

2.1 الخلفية الأكاديمية والاهتمامات البحثية

تُعد الدكتورة ساري فان أندرز واحدة من أبرز الباحثات المعاصرات في مجالات علم النفس، والدراسات الجندرية، وعلم الأعصاب السلوكي. شغلت مناصب أكاديمية وبحثية رفيعة في جامعات مرموقة كجامعة ميشيغان (University of Michigan) وتشغل حالياً كرسي أبحاث كندا في التنوع الجنسي والجندري والقيادة الأكاديمية في جامعة كوينز (Queen’s University). كرست فان أندرز مسيرتها لدراسة الروابط المعقدة بين الهرمونات، والسلوك الإنساني، والعلاقات الاجتماعية، مع التركيز بصورة خاصة على علم الغدد الصماء العصبي الاجتماعي (Social Neuroendocrinology).

ركزت أبحاثها المخبرية والميدانية على دراسة هرمون التستوستيرون والهرمونات الجنسية الأخرى ليس كعوامل محددة ومسببة للسلوك بشكل خطي، بل كمستجيبات فسيولوجية حساسة للسياقات العلائقية والاجتماعية ومفاهيم القوة والهيمنة والرعاية والارتباط الحميمي. وقد أتاح لها هذا التخصص المزدوج بين المختبر البيولوجي والمناهج النفسية الاجتماعية موقعاً متميزاً لنقد الفرضيات التقليدية حول الفروق بين الجنسين وتقديم نماذج تفسيرية جديدة قائمة على الأدلة الإمبريقية الرصينة.

2.2 التفاعل بين البيولوجيا والبيئة الاجتماعية في أبحاثها

ترفض فان أندرز الحتمية البيولوجية الصارمة التي تدعي أن التوجه الجنسي والهوية الجندرية هما نتاج مسبق ومطلق لمصفوفات جينية أو هرمونية عصبية غير قابلة للتغيير، وفي المقابل ترفض البنائية الراديكالية التي تتجاهل الجسد والفيزيولوجيا الحيوية. بدلاً من ذلك، صاغت فان أندرز منهجية ثورية تُعرف باسم علم الأعصاب الاجتماعي النسوي (Feminist Social Neuroendocrinology)، وهي منهجية تُخضع العلوم البيولوجية الصعبة لأدوات الفحص والمساءلة النقدية النسوية.

يُبرز هذا النموذج التفاعلي كيف أن البيئات الاجتماعية، والأدوار الجندرية، والضغوط الثقافية، وتجارب التمييز، والترتيبات العلائقية تُحدث تغييرات عضوية ملموسة في الإفرازات الهرمونية والنشاط العصبي للأفراد. وبالتالي، تصبح البيولوجيا وفق رؤيتها كياناً ديناميكياً نسيجياً يتأثر بالثقافة والسلوك ويتفاعل معهما باستمرار، مما أسس للقاعدة الفلسفية التي انبثقت منها نظرية التكوينات الجنسية، حيث يُنظر إلى التكوين الجنسي للإنسان بوصفه نتاجاً لتفاعل مستمر بين الجسد والخبرة الاجتماعية الممتدة.

3. نقد النماذج التقليدية للتوجه الجنسي والجندر

3.1 محدودية مقياس كينزي ونماذج الاستقطاب الثنائي

شكل مقياس كينزي، الذي وضعه عالم الأحياء الأمريكي ألفريد كينزي في أواخر أربعينيات القرن العشرين، خطوة تقدمية في وقته عبر إظهاره أن السلوك الجنسي ليس ثنائياً خالصاً (غيري تماماً أو مثلي تماماً)، مقدماً مقياساً تدريجياً من 0 إلى 6. غير أن نظرية التكوينات الجنسية توجه نقداً جوهرياً لهذا المقياس ولنماذج الاستقطاب الخطي المشابهة؛ لكونها تظل أسيرة لمنطق “الخط المتصل الواحد” (Unidimensional Continuum) الذي يفترض أن أي زيادة في الانجذاب لنفس الجنس تعني بالضرورة نقصاناً موازياً في الانجذاب للجنس الآخر.

توضح فان أندرز أن هذا الافتراض يغفل الاستقلالية الإحصائية والسيكولوجية لمسارات الانجذاب؛ فالشخص ثنائي الجنس (Bisexual) لا يعيش بالضرورة في حالة توازن نصفي على خط متصل، بل يمتلك سعات انجذاب مستقلة لكل فئة. وعلاوة على ذلك، يفشل مقياس كينزي فشلاً ذريعاً في تفسير واستيعاب اللاجنسية (Asexuality)؛ إذ يصنف غياب الرغبة الجنسية كحالة انعدام على المقياس (الرقم X)، متجاهلاً الطبيعة التكوينية المعقدة للاجنسية التي قد تقترن بحياة رومانسية ثرية وانجذاب عاطفي عميق للأفراد بغض النظر عن الجسد.

3.2 الخلط المعرفي بين الجنس البيولوجي، والهوية الجندرية، والتوجه الجنسي

تشير الانتقادات التي أسست لنظرية SCT إلى وجود خلط معرفي مزمن في الأدبيات النفسية والطبية التقليدية بين ثلاثة مفاهيم مستقلة ومتباينة جوهرياً:
الجنس البيولوجي (Sex)، والهوية الجندرية (Gender Identity)، والتوجه الجنسي (Sexual Orientation). لقد افترضت النماذج السائدة لسنوات طويلة أن الذكورة البيولوجية تستلزم بالضرورة تعبيراً جندرياً ذكورياً وتوجهاً جنسياً نحو الإناث، والعكس صحيح بالنسبة للأنوثة.

تفكك فان أندرز هذه التوليفة القسرية، موضحة أن تصنيف الأفراد بناءً فقط على جنس الشريك الفعلي يطمس الفروق السيكولوجية الدقيقة؛ إذ إن الانجذاب قد يتوجه نحو العرض الجندري الخارجي للشريك (Gender Expression)—سواء كان أنثوياً (Femme) أو ذكورياً (Masc)—أو نحو صفات سلوكية وشخصية معينة، بغض النظر عن تشريح جسد الشريك. كما أن دمج الرومانسية مع الجنسانية ككتلة واحدة غير قابلة للتجزئة قد أدى إلى تشويه تشخيصي وبحثي واسع النطاق في تقييم اضطرابات الرغبة والتوافق العلائقي في العيادات النفسية.

3.3 التمركز المعياري الغيري وقيود القياس النفسي التقليدي

تتعرض أدوات القياس السيكومتري التقليدية لنقد لاذع في إطار نظرية SCT بسبب انغماسها في المعيارية الغيرية (Heteronormativity)، وهي المنظومة الفكرية التي تفترض أن الغيرية الجنسية والأحادية الشريكة هما المعيار البيولوجي والسلوكي الطبيعي، وأن كل ما عداهما يشكل انحرافاً يحتاج إلى تفسير علّي خاص. انعكس هذا الانحياز في صياغة الاستبيانات واستطلاعات الرأي النفسية التي كانت تحصر خيارات المستجيبين في أسئلة مغلقة مثل “هل أنت غيري، مثلي، أم ثنائي؟”، مجبرة الملايين على تصنيف قسري لا يعكس حقيقة مشاعرهم وسلوكياتهم.

أدت هذه القيود المنهجية إلى حرمان الباحثين من القدرة على رصد وتتبع التغيرات التطورية في الجنسانية عبر دورة الحياة؛ إذ تم التعامل مع التوجه الجنسي كسمة موروثة ثابتة ومجمدة زمنياً. هذا العجز عن التقاط الديناميكية الحياتية حال دون فهم الآليات الحقيقية لكيفية استجابة الأفراد للتحولات الهرمونية، والنضج النفسي، والتغيرات السياقية، مما جعل الاستبدال بأدوات قياس بارامترية متعددة الأبعاد أمراً حتمياً لتطور علم الجنسانية المعاصر.

4. الركائز والمفاهيم الأساسية لنظرية التكوينات الجنسية

4.1 مفهوم التكوينات (Configurations) مقابل التوجه الثابت (Orientation)

يُمثل استبدال مصطلح “التوجه الجنسي” (Sexual Orientation) بمصطلح التكوين الجنسي (Sexual Configuration) جوهر الثورة المفاهيمية التي قادتها ساري فان أندرز. يُنظر إلى التوجه في الفكر الكلاسيكي كشعاع أو بوصلة ذات اتجاه ثابت وأحادي يحدد مسار الرغبة طوال العمر. في المقابل، يُعرَّف التكوين كبنية هندسية مركبة ومتعددة المكونات تتألف من توليفات مرنة تضم الانجذابات البيولوجية، والتفضيلات السلوكية، والتطلعات العاطفية، والهويات الذاتية، وشبكات الارتباط الاجتماعي.

يوفر مفهوم التكوين مرونة إبستمولوجية تتيح للفرد التموضع في الفضاء الجنسي بطريقة فريدة تمثله تمثيلاً صادقاً. إنه يقر بأن التكوين الجنسي لأي إنسان ليس مجرد رقم على مسطرة أو صندوق تصنيفي يُحشر فيه، بل هو ملف شخصي متكامل (Configuration Profile) يتشكل ويعاد تشكيله باستمرار وفق تفاعلات الذات مع العالم الخارجي والداخلي، مما يرفع عن الفرد عبء التناقض المصطنع عندما تتنوع رغباته عبر سياقات زمنية أو علائقية مختلفة.

4.2 الأبعاد المستقلة للشخصية الجنسية في SCT

تقوم نظرية SCT على مبدأ أساسي مفاده أن الجنسانية البشرية تتكون من عدة أبعاد متعامدة ومستقلة إحصائياً ومفاهيمياً، بحيث لا يمكن التنبؤ بقيمة أحد هذه الأبعاد بمجرد معرفة قيمة بُعد آخر. وتتمثل أبرز هذه الأبعاد المستقلة فيما يلي:

  • بُعد الجاذبية الجنسية (Sexuality/Eroticism): ويشمل الرغبة الجسدية، والاستثارة الفسيولوجية، والتخيلات الشهوانية الموجهة نحو سمات معينة في الآخرين.
  • بُعد الجاذبية العاطفية والرومانسية (Romance/Affection): ويتعلق بالرغبة في القرب النفسي، والحميمية العاطفية، وبناء روابط التعلق والشراكة الإنسانية.
  • بُعد خصائص الشريك المستهدف (Partner Gender/Sex): ويتناول تفضيلات الفرد تجاه الجنس التشريحي، أو التعبير الجندري، أو السمات الذكورية/الأنثوية للشريك.
  • بُعد عدد الشركاء ونمط الشراكة (Partner Number/Relational Structure): ويتعلق بتفضيل الأحادية المطلقة أو التعددية العلائقية التوافقية كبنية بنائية للارتباط.

4.3 المجال والموقع داخل الفضاء الجنسي (Parameter Spaces)

تستخدم نظرية التكوينات الجنسية مفهوماً رياضياً وهندسياً متقدماً يُعرف بـ المساحات البارامترية (Parameter Spaces) لرسم خريطة الرغبات والانجذابات البشرية. داخل هذا الفضاء متعدد الأبعاد، لا يتم تحديد موقع الفرد بنقطة صلبة واحدة، بل بمساحة أو سحابة احتمالية تحدد مجاله المريح ونطاقات اهتماماته الفعلية والممكنة عبر محاور متعددة.

تؤكد فان أندرز في هذا الإطار على ضرورة التفريق الدقيق المنهجي بين ثلاثة مستويات من التجربة الإنسانية داخل هذه المساحة البارامترية:
الانجذاب الحقيقي (Attraction) وهو الميل الداخلي الشعوري واللاوعي؛ والسلوك الفعلي (Behavior) وهو الممارسة الحقيقية التي قد تخضع للقيود أو الفرص المتاحة؛ والهوية (Identity) وهي التسمية الاجتماعية والثقافية التي يختار الفرد تبنيها لتقديم نفسه للمجتمع. يسمح هذا التفريق بفهم حالات التباعد التي يعيشها الكثيرون، حيث قد يمارس الشخص سلوكاً معيناً يختلف عن مجاله الانجذابي الداخلي نتيجة للضغوط المعيارية أو العكس.

5. التمييز بين الجنسانية (Sexuality) والجاذبية العاطفية (Romance)

5.1 تفكيك الرابط بين الجنس والرومانسية

يُعد التفكيك المنهجي للرابط التلقائي بين الجنسانية والرومانسية أحد أعظم إسهامات نظرية SCT في الثقافة النفسية المعاصرة. انطلقت النظرية من دراسة مجتمعات الأشخاص اللاجنسيين (Asexual Community) واللارومانسيين (Aromantic Community) لتبرهن أن الانجذاب الشهواني والارتباط العاطفي ليسا عمليتين بيولوجيتين مترادفتين، بل هما نظامان عصبيان وسلوكيان متميزان يمكن أن يعملا معاً في انسجام، أو يعمل أحدهما بمعزل تام عن الآخر.

أتاح هذا الفصل استيعاب حالات كانت تُصنف سابقاً كاضطرابات نفسية أو برود عاطفي؛ فالشخص اللاجنسي لكنه رومانسي (Asexual Alloromantic) يختبر رغبة عميقة في الحب والحميمية النفسية والمصادقة والالتزام الحياتي دون أن تتضمن تلك المشاعر رغبة في النشاط الجنسي الجسدي. وبالمثل، فإن الشخص اللارومانسي لكنه جنسي (Aromantic Allosexual) قد يختبر رغبة واستثارة جنسية صحية وطبيعية تماماً تجاه الآخرين دون أي حاجة أو رغبة في تطوير تعلق رومانسي أو مشاعر غرامية تقليدية مع الشركاء.

5.2 الأنماط التقاطعية بين التوجه الجنسي والتوجه الرومانسي

ينتج عن تقاطع محوري الجنسانية والرومانسية عدد هائل من التكوينات البشرية الفريدة، التي تصنفها النظرية إلى نوعين رئيسيين من التكوينات:

  • التكوينات المتطابقة (Congruent Configurations): وهي الحالات التي يتطابق فيها اتجاه الانجذاب الجنسي مع اتجاه الانجذاب الرومانسي، مثل الشخص غيري الجنس وغيري الرومانسية (Heterosexual-Heteroromantic)، أو مثلي الجنس ومثلي الرومانسية (Homosexual-Homoromantic).
  • التكوينات المتباينة (Crossed/Mixed Configurations): وهي الحالات التي يختلف فيها مسار الرغبة الجنسية عن مسار الرغبة العاطفية؛ ومثال ذلك الشخص ثنائي الجنس لكنه أحادي الرومانسية نحو جنس واحد فقط (Bisexual-Homoromantic أو Bisexual-Heteroromantic)، أو الشخص اللاجنسي ثنائي الرومانسية (Asexual-Biromantic).

يحمل تشخيص وفهم هذه التكوينات المتباينة أهمية بالغة في العلاج النفسي والعلاقات الزوجية؛ حيث إن الجهل بهذا التمايز يؤدي في كثير من الأحيان إلى صراعات داخلية حادة وشعور بالاغتراب والذنب لعدم القدرة على مطابقة التوقعات الرومانسية مع الدوافع الجنسية للشخص.

5.3 الأبعاد السلوكية والفيزيولوجية للرومانسية المستقلة

تدعم الأدلة البيولوجية العصبية هذا الفصل المفاهيمي الذي تتبناه نظرية SCT. فقد أظهرت أبحاث الدكتورة هيلين فيشر وفان أندرز أن الدوائر العصبية والمسارات الكيميائية الحيوية المسؤولة عن الرغبة الجنسية تختلف بنيوياً عن تلك المسؤولة عن التعلق الرومانسي والحب طويل الأمد. ترتبط الرغبة الجنسية الغريزية بشكل وثيق بإفرازات الأندروجينات (مثل التستوستيرون والإستروجين) ومراكز المكافأة الدوبامينية العامة.

في المقابل، يرتبط الارتباط الرومانسي والشعور بالولع بأنظمة عصبية تشمل تركيزات عالية من الدوبامين والنورإبينفرين مقترنة بانخفاض السيروتونين، بينما يعتمد التعلق والشعور بالأمان والشراكة العميقة على هرموني الأوكسيتوسين (Oxytocin) والفازوبريسين (Vasopressin). يثبت هذا التمايز الفسيولوجي أن الحب والرغبة ليسا مجرد وجهين لعملة واحدة، بل مساران تكيفيان مستقلان طورهما التطور لخدمة أهداف بيولوجية واجتماعية متباينة، مما يجعل النظرية متوافقة تماماً مع معطيات البيولوجيا العصبية الحديثة.

6. أبعاد الجندر والجنس في التكوينات: الهوية، التعبير، والشركاء

6.1 محددات الجندر/الجنس المستهدف بالانجذاب (Gender/Sex of Partner)

تُدخل نظرية SCT ابتكاراً لغوياً ومفاهيمياً دقيقاً في معالجة مسألة الجنس والجندر؛ حيث تستخدم فان أندرز المصطلح المركب الجندر/الجنس (Gender/Sex) بخط مائل للإشارة إلى التداخل الذي لا ينفصم في التجربة الإنسانية بين الأبعاد الحيوية والتشريحية (Sex) والأبعاد الثقافية والاجتماعية والنفسية (Gender). وعند تقييم الشريك المستهدف بالانجذاب، تفكك النظرية الانجذاب إلى مكونات نوعية متعددة تتجاوز المسميات التقليدية (رجل/امرأة).

توضح النظرية أن بعض الأفراد قد يوجهون انجذابهم نحو السمات البيولوجية التشريحية المحددة للجسد، بينما ينجذب آخرون في المقام الأول إلى العرض والتعبير الجندري (Gender Expression). يتيح هذا النموذج صياغة مصطلحات مثل الانجذاب المتمركز حول الأنوثة (Femme-attraction) أو المتمركز حول الرجولة (Masc-attraction) بغض النظر عما إذا كان حامل تلك السمات رجلاً مطابقاً جندرياً، أو امرأة، أو شخصاً عابر الجندر (Transgender)، أو شخصاً غير ثنائي الجندر (Non-binary)، مما يمنح البحث العلمي دقة فائقة في قراءة تفضيلات الأفراد الواقعية.

6.2 التمييز بين هوية الذات (Self) وخصائص الشريك المفضل (Partner)

تعتبر النماذج القديمة أن هوية الفرد الذاتية تحدد تلقائياً معنى توجهه الجنسي؛ فإذا كان الفرد رجلاً وينجذب لامرأة سُمي غيرياً. لكن نظرية التكوينات الجنسية تفصل منهجياً بين جندر/جنس الذات (Self Gender/Sex) وجندر/جنس الشريك المفضل (Partner Gender/Sex)، مؤكدة أن العلاقة بين الاثنين ليست علاقة حتمية أو آلية، بل هي مساحة تفاعلية تبني الإحساس السيكولوجي بالتوافق.

تدرس النظرية كيف تؤثر المعايير الثقافية الجندرية على الفرد في تقييم نفسه كشريك جنسي وعاطفي، وكيف ينعكس ذلك على نوعية الشركاء الذين يبحث عنهم. هناك تكوينات جنسية تُبنى على أساس “التوافق الجندري” (Gender-similarity)، حيث ينجذب الشخص لمن يشاركونه نفس التعبير والتجربة الجندرية، وتكوينات أخرى تقوم على “التباين الجندري” (Gender-difference)، وتكوينات ثالثة لا تعير الجندر أي وزن نوعي في معادلة الانجذاب (Gender-blind/Pansexual configurations)، مما يثبت استقلالية الذات عن معايير الاختيار العلائقي.

6.3 اللامعيارية الجندرية وتأثيرها على التكوينات الجنسية

توفر نظرية SCT بيئة آمنة ومرنة لتوصيف وفهم تجارب الأشخاص ذوي الهويات الجندرية غير النمطية، مثل ذوي الهويات السائلة (Genderfluid)، واللاجندريين (Agender)، ومزدوجي الجندر (Bigender). في النماذج الكلاسيكية، كان هؤلاء الأفراد يواجهون مأزقاً تصنيفياً محيراً: فإذا كان الفرد غير ثنائي الجندر، فكيف يُصنف انجذابه للنساء أو للرجال؟ هل يُعد غيرياً أم مثلياً؟

تتجاوز نظرية فان أندرز هذا المأزق الجذري بإلغاء ضرورة توصيف الانجذاب من خلال مقارنته الحتمية بجندر الذات. يمكن للأفراد ذوي اللامعيارية الجندرية رسم خرائط تكويناتهم مباشرة بتحديد السمات والشركاء الذين ينجذبون إليهم دون الحاجة لمواءمة هوياتهم مع ثنائيات لغوية مستحيلة، مما يقلل بشكل ملحوظ من التوتر النفسي واضطراب الهوية والقلق الناتج عن الضغوط التصنيفية المعيارية.

7. بُعد عدد الشركاء ونمط العلاقات: الأحادية والتعددية (Partner Number)

7.1 إدراج بُعد عدد الشركاء كعنصر تكويني أصيل

يُعد إدراج بُعد عدد الشركاء (Partner Number) كمرتكز بنيوي أصيل في صلب التكوين الجنسي أحد أبرز الجوانب الرائدة في نظرية SCT. في معظم الأدبيات النفسية السابقة، كان التوجه الجنسي يُعرف حصراً بنوع الشريك (من هو؟)، بينما كان عدد الشركاء (كم عددهم؟) يُعامل كمجرد سلوك عابر، أو خيار أخلاقي، أو اضطراب في ضبط النزوات والالتزام.

تثبت فان أندرز أن الميل نحو الأحادية (Monogamy) أو نحو التعددية التوافقية (Consensual Non-Monogamy – CNM) هو بعد نفسي واجتماعي عميق ومتجذر في البنية التكوينية للفرد. تنقد النظرية بشدة مفهوم المعيارية الأحادية (Mononormativity)، التي تفرض أن الشراكة الثنائية المغلقة هي النموذج الوحيد الصحي والمقبول نفسياً، مؤكدة أن فرض هذا القالب على الأفراد الذين يمتلكون تكويناً يميل بطبيعته إلى التعددية يؤدي إلى اضطرابات علائقية حادة واغتراب نفسي مزمن.

7.2 أنماط التعددية والعلاقات في ضوء نظرية SCT

تقدم النظرية تصنيفاً دقيقاً وموضوعياً للأنماط المتنوعة للشراكات المتعددة القائمة على التراضي والوعي المشترك، مميزة بينها على أسس نفسية وعاطفية رصينة:

  • تعدد العلاقات الحميمية (Polyamory): وهو النمط الذي يتضمن قدرة الفرد ورغبته في بناء علاقات عاطفية ورومانسية عميقة ومستمرة مع أكثر من شريك في نفس الوقت، بمعرفة وموافقة جميع الأطراف المعنية، مع التمييز الواضح بينه وبين التعدد الجنسي المحض.
  • العلاقات المفتوحة (Open Relationships): وهي الترتيبات التي يتفق فيها الشريكان الأساسيان على السماح بممارسات وتجارب جنسية مع أطراف خارجية مع الاحتفاظ بالرابطة العاطفية الرومانسية الحصرية بينهما.
  • الفوضى العلائقية (Relationship Anarchy): وهي فلسفة وممارسة ترفض التراتبية الاجتماعية التقليدية المفروضة على العلاقات الإنسانية، وتلغي التمييز التقييمي بين “الحبيب” و”الصديق”، مانحة كل علاقة شكلها الخاص المتفق عليه دون قوالب مسبقة.

7.3 الديناميات النفسية لتفضيلات عدد الشركاء

تربط أبحاث فان أندرز في علم الغدد الصماء العصبي الاجتماعي بين تفضيلات عدد الشركاء والخصائص النفسية والفسيولوجية للأفراد. فقد أظهرت الدراسات التجريبية أن الرغبة في التعددية أو الأحادية ترتبط بسمات شخصية محددة في نموذج العوامل الخمسة الكبرى، مثل الانفتاح العالي على الخبرة (Openness to Experience) ومستويات محددة من الانبساطية (Extraversion).

وعلاوة على ذلك، كشفت الأبحاث الهرمونية أن التفاعل مع أكثر من شريك في سياقات تنافسية أو رعاية يؤثر على مستويات التستوستيرون والأوكسيتوسين بطرق نوعية تختلف عن العلاقات الأحادية المستقرة. وتبرز النظرية أن التكوينات التعددية تتطلب آليات نفسية متقدمة لإدارة مشاعر الغيرة (Jealousy) وتحويلها إلى مشاعر المشاركة الوجدانية الإيجابية (Compersion)—وهي السعادة والارتياح لرؤية الشريك سعيداً مع طرف آخر—مما يبرهن على النضج المعرفي والمهارات التواصلية العالية التي تتطلبها هذه التكوينات.

8. ديناميكية وانسيابية التكوينات الجنسية عبر الزمن والسياق

8.1 مفهوم الانسيابية الجنسية (Sexual Fluidity) في إطار SCT

تدمج نظرية SCT مفهوم الانسيابية الجنسية (Sexual Fluidity)—الذي طورته بشكل موسع عالمة النفس ليزا دايموند (Lisa Diamond)—كعنصر جوهري في فهم البنية التكوينية. ترفض النظرية النظرة التي تعتبر أي تغير أو تحول في مشاعر الشخص الجنسية أو العاطفية دليلاً على “عدم النضج”، أو “الاضطراب”، أو “المرحلة الانتقالية”، وتؤكد بدلاً من ذلك أن الانسيابية هي خاصية تكيفية صحية وأصيلة في الجهاز النفسي البشري.

تُظهر الأدلة الطولية أن مساحات التكوين الجنسي يمكن أن تتوسع أو تضيق أو تتحول استجابة للنمو المعرفي، والتحولات الحيوية عبر مراحل العمر المختلفة (مثل البلوغ، والولادة، وسن اليأس)، والتجارب الحياتية المؤثرة. تتجلى الانسيابية في إعادة تشكيل الأوزان النسبية للأبعاد المختلفة؛ حيث قد يصبح بُعد الرومانسية أكثر أهمية للفرد في مرحلة ما من حياته مقارنة ببُعد الاستثارة الجسدية، مما يؤكد أن التكوين ليس قالباً إسمنتياً جامداً بل منظومة تفاعلية حية.

8.2 السياق والبيئة كمحددات ديناميكية للتكوين الجنسي

تمنح نظرية فان أندرز وزناً حاسماً للسياق البيئي والثقافي في تفعيل أو تثبيط المكونات المختلفة للمساحة البارامترية للفرد. لا تعيش التكوينات في فراغ بيولوجي منعزل، بل تتشكل باستمرار تحت تأثير القوانين، والتقاليد، والمناخات الأسرية، وشبكات الدعم الاجتماعي.

تُميز النظرية بين البيئات القمعية التي تجبر الفرد على إخفاء مساحات واسعة من تكوينه الحقيقي وحصر سلوكه في أضيق نطاق ممكن، وبين البيئات الداعمة والمتقبلة التي تسمح بالاستكشاف الآمن والتعبير الكامل عن الذات. كما تفسر النظرية ظاهرة الانسيابية الظرفية (Situational Fluidity) التي تحدث في سياقات بيئية مغلقة أو مؤقتة (مثل المدارس الداخلية المنفصلة جندرياً، أو السجون، أو البيئات العسكرية)، حيث يعيد الأفراد تكييف سلوكياتهم التكوينية استجابة للفرص والقيود المتاحة دون أن يعني ذلك تغيراً جذرياً في نواة تكوينهم الأساسي.

8.3 التناقض الظاهري بين الثبات البيولوجي والمرونة السلوكية

تنجح نظرية التكوينات الجنسية في حل التناقض الظاهري الشائع بين الأدلة العلمية التي تؤكد وجود ركائز فسيولوجية وجينية مستقرة للرغبة، وبين المشاهدات الواقعية التي تثبت المرونة والتغير السلوكي لدى البشر. تفسر SCT هذا التناقض عبر التمييز بين الاستعداد التكويني الكامن والتعبير التكويني الفعلي.

يحدد الأساس البيولوجي العصبي نطاقاً عريضاً من الإمكانات والاستجابات الفسيولوجية (المساحة البارامترية الكلية)، بينما يتولى التفاعل المستمر بين المحفزات البيئية والتجارب الذاتية تحديد النقطة أو المسار الذي يتفعّل في وقت معين. وبذلك، تثبت النظرية أن الانسيابية نفسها ليست نقيضاً للبيولوجيا، بل هي سمة بيولوجية نفسية متباينة بين الأفراد؛ فهناك أفراد يمتلكون تكوينات ذات ثبات بنيوي صلب وقليل المرونة، بينما يمتلك آخرون تكوينات شديدة الانسيابية، وكلا النموذجين يمثل تنوعاً طبيعياً وصحياً في الطيف البشري.

9. المنهجيات والأدوات القياسية المبتكرة في نظرية SCT

9.1 أداة التكوينات الجنسية البصرية (SCT Visual Diagrams)

أحدثت فان أندرز ثورة منهجية في جمع البيانات السيكومترية عبر تصميم وتطوير المخططات البصرية لنظرية التكوينات الجنسية (SCT Visual Diagrams). بدلاً من إجبار المشاركين في الأبحاث على اختيار خانة نصية واحدة مقيدة، تقدم هذه الأداة رسومات ومصفوفات هندسية ومخططات مستديرة تفاعلية ثنائية وثلاثية الأبعاد تُمكّن الفرد من رسم خريطته التكوينية بنفسه بدقة متناهية.

يستطيع المشارك عبر هذه الأداة رسم مساحات متداخلة لتحديد نطاقات الانجذاب الجنسي الفعلي والمحتمل، وتحديد مساحات منفصلة للانجذاب الرومانسي، مع تحديد مدى اتساع أو ضيق دائرة الشركاء وتفضيلات الجندر المرغوبة. تمنح هذه المنهجية البصرية صوتاً حقيقياً للمشاركين، وتلغي الانحيازات المسبقة للباحث، وتلتقط الفروق الدقيقة التي كانت تفلت تماماً من الاستبيانات التقليدية الجافة.

9.2 التطبيقات المنهجية في البحوث الكمية والنوعية

تتميز أدوات نظرية SCT بقدرتها الفائقة على تكييف البيانات الوصفية والنوعية المعقدة وتحويلها إلى متغيرات رياضية وإحصائية قابلة للتحليل الإمبريقي في الدراسات الكمية والمسوح السكانية واسعة النطاق. يتم قياس المساحات والتقاطعات والمحاور كمتغيرات مستمرة (Continuous Variables) وليست فئوية منفصلة (Categorical Variables)، مما يرفع من القوة الإحصائية للتحليلات النفسية والعصبية.

كما تُطبق النظرية في الدراسات النوعية والمقابلات الإكلينيكية المعمقة بوصفها أداة استكشافية نوعية؛ إذ تُمكّن الباحثين من تفكيك السرديات الذاتية للأفراد وفهم كيفية تفاعل هوياتهم مع تجاربهم الواقعية، مما يقلل إلى أدنى حد من التحيز المنهجي الناجم عن الأسئلة الموجهة أو أسئلة “نعم/لا” الثنائية التي شوهت تاريخ البحث النفسي للجنسانية.

9.3 مقارنة أدوات SCT بالمقاييس السيكومترية التقليدية

عند مقارنة أدوات SCT بالمقاييس التاريخية مثل مقياس كينزي أو حتى شبكة كلاين للتوجه الجنسي (Klein Sexual Orientation Grid – KSOG)، يظهر التفوق المنهجي والمعرفي لنموذج التكوينات بوضوح جلي. يوضح الجدول المفاهيمي التالي أوجه التمايز بين هذه المقاييس:

  • مقياس كينزي (Kinsey Scale): أحادي البُعد، خطي، يخلط بين السلوك والانجذاب، يفترض تلازم الجنس والرومانسية، يستبعد اللاجنسية والهويات غير الثنائية، ويعتمد المعيارية الأحادية.
  • شبكة كلاين (KSOG): متعددة المتغيرات زمنياً، لكنها تظل محصورة في المقارنة الثنائية بين الانجذاب لنفس الجنس مقابل الجنس الآخر، وتفتقر للمرونة البصرية في تمثيل التنوع الجندري اللامعياري.
  • أداة التكوينات الجنسية (SCT): متعددة الأبعاد المستقلة، غير خطية، تفصل بين الرومانسية والجنسانية كمسارين مستقلين، تتضمن بُعد عدد الشركاء كعنصر تكويني، تستوعب اللاجنسية والانسيابية واللامعيارية الجندرية، وتعتمد خرائط بارامترية بصرية ذات موثوقية وثبات سيكومتري تجريبي عالٍ.

10. التطبيقات النفسية، الإكلينيكية، والإرشادية للنظرية

10.1 العلاج النفسي الداعم والتحرري (Affirmative Therapy)

تمتلك نظرية التكوينات الجنسية تطبيقات علاجية ثورية في مجال العلاج النفسي الداعم (Affirmative Psychotherapy). تُمكّن النظرية المعالجين النفسيين من استخدام خرائط SCT كأداة تشخيصية وحوارية تفاعلية تساعد المسترشدين على استكشاف ذواتهم دون خوف من الأحكام السريرية المسبقة أو التصنيفات المرضية التقليدية.

تساعد هذه المقاربة العملاء على تفكيك مشاعر الذنب والعار المزمنة الناتجة عن التناقضات الظاهرية بين رغباتهم الجنسية وتطلعاتهم العاطفية، مثل مساعدة شخص يختبر انجذاباً جنسياً نحو جنس معين بينما لا يرغب في الارتباط العاطفي إلا بجنس آخر. يساهم تطبيع هذه التكوينات المتباينة وإبراز مشروعيتها العلمية في تقليل التوتر الداخلي للأقليات (Minority Stress)، والتخفيف من أعراض القلق والاكتئاب المرتبطة بالهوية، مما يعزز الصلابة النفسية وتقدير الذات لدى المسترشدين.

10.2 الإرشاد الزواجي والأسري وتحديات العلاقات

في سياق الإرشاد الزواجي والأسري، توفر نظرية SCT إطاراً عملياً بالغ الفعالية لحل النزاعات العميقة الناتجة عن عدم تطابق التكوينات الجنسية بين الشركاء. فبدلاً من لوم الشريك أو اتهامه بالبرود أو الخيانة النفسية، تساعد النظرية الزوجين على إدراك أن التباين في مستويات الرغبة أو في التطلعات الرومانسية قد يكون نابعاً من فروق تكوينية بنيوية أصيلة وليس من نقص في الحب أو الاحترام.

تتيح النظرية للمعالجين الأسريين مساعدة الأزواج على إعادة التفاوض حول حدود العلاقة (Relationship Boundaries) بناءً على معرفة موضوعية باحتياجات كل طرف، سواء كان ذلك عبر تعديل التوقعات الجنسية والرومانسية، أو استكشاف ترتيبات علائقية مرنة، أو تقديم الدعم التكيفي في الحالات التي يمر فيها أحد الشركاء بتحولات انسيابية في تكوينه الجنسي أو الجندري، مما يحول دون الانهيار العدائي للعلاقات ويحافظ على الروابط الإنسانية العميقة.

10.3 التثقيف الجنسي والصحة النفسية العامة

تُمثل SCT أساساً علمياً متقدماً لتطوير مناهج التثقيف الجنسي الشامل والقائم على الأدلة (Evidence-Based Comprehensive Sexuality Education). من خلال تعليم الأجيال الشابة أبعاد التكوينات الجنسية المتعددة، تُسهم النظرية في وقاية اليافعين من التشوهات المعرفية والقلق المرتبط بالنمو والجسد والتفضيلات الشخصية.

يعزز نشر هذه المفاهيم في برامج الصحة العامة ثقافة القبول المجتمعي والتنوع الإنساني، ويحد بشكل حاسم من الوصمة الاجتماعية والتنمر الموجه ضد الأقليات الجنسية والجندرية أو ضد الأفراد اللاجنسيين والتعدديين. يُمكّن هذا الوعي العلمي المبكر الأفراد من بناء هويات جنسية وعاطفية متوازنة، ويعزز من مهارات التواصل الرضائي الواعي، ويقلل من معدلات العنف القائم على النوع الاجتماعي في المجتمعات المعاصرة.

11. التقييم النقدي والمقارنات مع النظريات النفسية والاجتماعية الأخرى

11.1 مقارنة SCT بنظرية الكوير (Queer Theory) والنماذج البنائية

تتقاطع نظرية التكوينات الجنسية مع نظرية الكوير (Queer Theory) والبارادايمات البنائية في نقدها الجذري للمعيارية الغيرية وثنائيات الجندر المصطنعة وتفكيك الهيمنة التصنيفية للمؤسسات الطبية الكلاسيكية. غير أن SCT تتميز باختلاف إبستمولوجي ومنهجي حاسم يجعلها نموذجاً مستقلاً بذاته.

بينما تميل نظرية الكوير إلى تبني طروحات ما بعد حداثية ترفض القياس التجريبي وتشكك في جدوى المنهج العلمي الوضعي وتعتبر كل تصنيف أداة للقمع السلطوي، تتمسك نظرية التكوينات الجنسية بصرامة المنهجية العلمية الإمبريقية وأدوات علم النفس العصبي والقياس السيكومتري. تنجح SCT في دمج النقد التفكيكي العميق مع أدوات القياس الإحصائي والتجريب المخبري، مقدمة نموذجاً تجريبياً قابلاً للاختبار وإعادة الإنتاج العلمي دون الوقوع في الفوضى العدمية التي تُتهم بها بعض الاتجاهات الكويرية الراديكالية.

11.2 مقارنة SCT بنظريات علم النفس التطوري (Evolutionary Psychology)

توجه نظرية التكوينات الجنسية نقداً منهجياً صارماً للنماذج التبسيطية في علم النفس التطوري التقليدي، التي تختزل السلوك الجنسي البشري في استراتيجيات تزاوجية آلية تهدف حصراً إلى تعظيم النجاح التناسلي ونقل الجينات (مثل فرضيات الاستثمار الوالدي الثابت لروبرت تريفيرس). ترى فان أندرز أن هذه النماذج التطورية القديمة تسقط معايير ثقافية ذكورية وغربية معاصرة على التاريخ التطوري للإنسان.

في المقابل، تقدم SCT بديلاً تطورياً مرناً يرى في التنوع التكويني (بما في ذلك التعددية، واللاجنسية، والانسيابية، والانجذاب المثلي) سمات تكيفية عليا ساهمت في بقاء النوع البشري. فالمرونة التكوينية، وتنوع أنماط الشراكة، وتوزيع الرعاية الاجتماعية خارج حدود الثنائية التناسلية الضيقة عززت من التماسك الاجتماعي، وتقاسم الموارد، وقدرة المجتمعات البشرية الأولى على التكيف مع التغيرات البيئية القاسية عبر التاريخ.

11.3 التحديات والانتقادات الموجهة لنظرية التكوينات الجنسية

على الرغم من القيمة العلمية الهائلة لنظرية SCT، إلا أنها واجهت عدداً من التحديات والانتقادات الأكاديمية والعملية التي تستحق الفحص، وتشمل أبرز هذه النقاط:

  • التعقيد المنهجي وصعوبة التطبيق المسحي: يرى بعض علماء الاجتماع والإحصاء أن النموذج متعدد الأبعاد شديد التعقيد مقارنة بالأسئلة التصنيفية البسيطة، مما يجعله صعب التطبيق في التعدادات السكانية الوطنية الضخمة والاستطلاعات الهاتفية السريعة التي تتطلب بيانات مختصرة ومحدودة التكلفة.
  • المخاوف السياسية والحقوقية: أبدى بعض نشطاء حقوق الأقليات الجنسية مخاوف من أن يؤدي تفكيك مفاهيم الهوية الثابتة (مثل “المثلية الفطرية الثابتة”) لصالح مفاهيم الانسيابية والتكوينات المتغيرة إلى تقويض الحجج القانونية والحقوقية التي استندت تاريخياً إلى فكرة الثبات البيولوجي غير القابل للتغيير للمطالبة بالحماية والمساواة.
  • الحاجة للمزيد من الدراسات العابرة للثقافات: انتقد بعض الباحثين تركز الاختبارات الميدانية الأولية للنظرية في المجتمعات الغربية (أمريكا الشمالية وأوروبا)، مؤكدين الحاجة الملحة لإجراء دراسات طولية موسعة في المجتمعات غير الغربية والجمعية للتحقق من مدى عالمية وصلاحية هذه الأدوات البصرية والمفاهيمية عبر الثقافات المختلفة.

12. الآفاق المستقبلية وتطوير أبحاث الجنسانية وفق نموذج ساري فان أندرز

12.1 آفاق البحث في علم الأعصاب الاجتماعي والتكوينات الجنسية

يفتح نموذج SCT آفاقاً بحثية لا متناهية لتطوير دراسات متقدمة في علم الأعصاب الاجتماعي المعرفي. تتيح الأدوات البارامترية للنظرية تصميم تجارب تعتمد على التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) وتخطيط الدماغ الكهربائي (EEG) لدراسة الاستجابات العصبية الدقيقة للمحفزات الجندرية والرومانسية والجنسية كأبعاد منفصلة.

يتيح هذا التمييز للعلماء فك شفرة الشبكات العصبية الخاصة بكل مكون تكويني، ومراقبة التغيرات الهرمونية والناقلات العصبية المرتبطة بالانسيابية والتفضيلات المتعددة في الوقت الحقيقي. يمثل هذا التوجه العلمي قطيعة نهائية مع المحاولات الاختزالية القديمة التي كانت تسعى عبثاً للبحث عن “جين للمثلية” أو “منطقة دماغية أحادية للرغبة”، متجهاً نحو فهم الديناميكيات الشبكية المعقدة للدماغ البشري في سياقه الاجتماعي الحي.

12.2 التوسع العابر للثقافات والمجتمعات غير الغربية

يمثل التوسع البحثي في السياقات الثقافية والاجتماعية غير الغربية أحد أهم المحاور المستقبلية لتطوير نظرية التكوينات الجنسية. تعمل فرق بحثية متعددة التخصصات حالياً على تكييف الأدوات البصرية والمصفوفات الهندسية للنظرية لغوياً وثقافياً لتلائم المفاهيم المحلية للجنسانية والجندر في مجتمعات آسيا، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية، والشرق الأوسط.

يسهم هذا التوسع في دراسة كيفية تأثير الثقافات الجمعية—التي تعلي من شأن الروابط الأسرية والمجتمعية على حساب الفردية المطلقة—في تشكيل المساحات البارامترية للأفراد، وفهم التعبيرات الجندرية التقليدية غير الثنائية المتجذرة تاريخياً في العديد من الثقافات الأصلية (مثل مجتمعات “الهجرة” في جنوب آسيا أو “الروحين” في أمريكا الشمالية)، مما يعزز من شمولية النظرية وعالميتها المعرفية بعد تحريرها من أي مركزية غربية محتملة.

12.3 مستقبل التصنيف والتشخيص في الأدلة النفسية الإكلينيكية

من المتوقع أن تمارس نظرية التكوينات الجنسية تأثيراً جذرياً على الإصدارات المستقبلية من الأدلة التشخيصية النفسية العالمية، مثل الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM) الصادر عن الجمعية الأمريكية للطب النفسي، والتصنيف الدولي للأمراض (ICD) الصادر عن منظمة الصحة العالمية.

يقود الإطار المفاهيمي لـ SCT التحول النهائي والكامل في الطب النفسي من نماذج “الاضطراب والانحراف” إلى نماذج التنوع التكويني الطبيعي في الصحة الجنسية والعلاقاتية. سيؤدي اعتماد هذا النموذج إلى إعادة صياغة معايير تشخيص اضطرابات الرغبة والانتصاب والنفور الجنسي؛ بحيث يُنظر إليها في ضوء التوافق أو عدم التوافق التكويني والسياقي للفرد بدلاً من افتراض وجود خلل عضوي أو نفسي فردي معزول، مما يضع اللبنات الأساسية لعلم جنساني إنساني جديد يجمع بين أعلى درجات الدقة التجريبية والعمق الوجودي للتجربة الإنسانية.

خاتمة: نحو رؤية شمولية وإنسانية للجنسانية البشرية

تمثل نظرية التكوينات الجنسية (SCT) التي صاغتها الدكتورة ساري فان أندرز معلماً إبستمولوجياً بارزاً ونقطة تحول تاريخية في مسار العلوم النفسية والاجتماعية المعاصرة. لقد استطاعت هذه النظرية بجرأة منهجية ورصانة علمية تفكيك القوالب الصلبة والمفاهيم الاختزالية التي هيمنت على دراسات التوجه الجنسي والهوية الجندرية لأكثر من سبعة عقود، مستبدلة الرؤى الخطية الأحادية بفضاءات بارامترية متعددة الأبعاد تستوعب تعقيدات النفس البشرية وثراءها اللامحدود.

إن إسهام فان أندرز لا يقتصر على تقديم أدوات بحثية وقياسية بارعة تخدم علماء النفس والأعصاب في مختبراتهم، بل يمتد ليمس صميم الحياة اليومية لملايين البشر حول العالم؛ حيث توفر النظرية لغة تحررية قائمة على الأدلة ترفع مشاعر الوصمة والاضطراب عن التجارب اللامعيارية، وتعيد الاعتبار للاجنسية، واللارومانسية، والتعددية التوافقية، والانسيابية الجنسية بوصفها تجليات أصيلة وطبيعية للطيف الإنساني الرحب. إنها دعوة علمية وأخلاقية عميقة للنظر إلى الذات الإنسانية في كليتها الديناميكية، حيث تلتقي البيولوجيا بالثقافة في تناغم خلاق يرسم أفقاً جديداً للصحة النفسية والتفاهم الإنساني المشترك.

المراجع (References)

  • Diamond, L. M. (2008). Sexual Fluidity: Understanding Women’s Desire and Love. Harvard University Press. https://doi.org/10.4159/9780674033627
  • Fisher, H. E., Aron, A., & Brown, L. L. (2006). Romantic love: A mammalian brain system for mate choice. Philosophical Transactions of the Royal Society B: Biological Sciences, 361(1476), 2173–2186. https://doi.org/10.1098/rstb.2006.1938
  • Kinsey, A. C., Pomeroy, W. B., & Martin, C. E. (1948). Sexual Behavior in the Human Male. W.B. Saunders Co.
  • Klein, F., Sepekoff, B., & Wolf, T. J. (1985). Sexual orientation: A multi-variable dynamic process. Journal of Homosexuality, 11(1–2), 35–49. https://doi.org/10.1300/J082v05n01_01
  • van Anders, S. M. (2013). Beyond masculinity: Testosterone, gender/sex, and human social behavior in a comparative context. Frontiers in Neuroendocrinology, 34(3), 198–210. https://doi.org/10.1016/j.yfrne.2013.07.001
  • van Anders, S. M. (2015). Beyond sexual orientation: Integrating gender/sex and diversities via Sexual Configurations Theory. Archives of Sexual Behavior, 44(5), 1177–1213. https://doi.org/10.1007/s10508-015-0498-8
  • van Anders, S. M., Schudson, Z. C., Abed, E. C., & Beischel, W. J. (2020). Biological and social intersections in Sexual Configurations Theory. Current Opinion in Behavioral Sciences, 34, 60–67. https://doi.org/10.1016/j.cobeha.2019.12.010
  • van Anders, S. M., Goldey, K. L., & Kuo, P. X. (2011). The Steroid/Peptide Theory of Social Bonds: Integrating testosterone and oxytocin into the study of bonding and aggression. Social Neuroscience, 6(5–6), 252–275. https://doi.org/10.1080/17470919.2011.558781

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أغسطس 28). نظرية التكوينات الجنسية (SCT) – ساري فان أندرز. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/theories/sexual-configurations-theory-sari-van-anders/
looti, Mohammed. “نظرية التكوينات الجنسية (SCT) – ساري فان أندرز.” عرب سايكلوجي, 28 أغسطس 2026, https://arabpsychology.com/theories/sexual-configurations-theory-sari-van-anders/.
looti, Mohammed. “نظرية التكوينات الجنسية (SCT) – ساري فان أندرز.” عرب سايكلوجي. أغسطس 28, 2026. https://arabpsychology.com/theories/sexual-configurations-theory-sari-van-anders/.