أليكسي ليونتيف – 1903 1979

أليكسي نيكولايفيتش ليونتيف (Aleksei Nikolaevich Leontiev)

  • 25 فبراير 1903، موسكو – 1979
  • سوفيتي
  • نظرية النشاط، المدرسة الثقافية-التاريخية
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 7 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 7 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

أبرز الإسهامات

  • تأسيس نظرية النشاط وتطويرها
  • المشاركة في تأسيس المدرسة الثقافية التاريخية (الترويكا)
  • تأسيس مدرسة خاركوف السيكولوجية
  • تأسيس كلية علم النفس في جامعة موسكو الحكومية والعمادة الأولى لها
  • صياغة البنية الثلاثية للنشاط الإنساني

السيرة

يحتل عالم النفس السوفيتي الفذ أليكسي نيكولايفيتش ليونتيف (Aleksei Nikolaevich Leontiev: 1903–1979) مكانة استثنائية في تاريخ العلوم الإنسانية المعاصرة؛ إذ يُعد المعمار النظري الأول والواضع المنهجي الأبرز لما بات يُعرف عالمياً بـ نظرية النشاط (Activity Theory). لم تكن إسهامات ليونتيف مجرد تنويع أو استطالة على النظريات السيكولوجية التي راجت في مطلع القرن العشرين، بل جسدت ثورة إبستمولوجية حقيقية استهدفت تفكيك المعضلات الكلاسيكية التي مزقت علم النفس إلى تيارين متناحرين: التيار الذاتي الاستبطاني (Subjective Introspectionism) الذي حبس العقل داخل قوقعة الوعي المنعزل، والتيار الآلي السلوكي (Mechanical Behaviorism) الذي اختزل الإنسان إلى مجرد مستقبل سلبي خاضع لثنائية المثير والاستجابة. في مواجهة هذا التمزق، شيد ليونتيف منظومة علمية متماسكة تجعل من “النشاط العملي الهادف والموضوعي” فئة وسيطة تشتق منها كافة مظاهر الوعي والوجدان والشخصية الإنسانية.

تزامن صعود المشروع الفكري لليونتيف مع التحولات العاصفة التي شهدتها روسيا عقب ثورة أكتوبر 1917، حيث ولدت الحاجة الماسة إلى تأسيس علم نفس ماركسي موضوعي يتجاوز التخمينات الفلسفية المجردة دون السقوط في المادية البيولوجية الابتذالية. ومن خلال انخراطه الباكر في “الدائرة الثلاثية” الأسطورية (Troika) التي ضمته إلى جانب معلمه وملهمه ليف فيغوتسكي وزميله الوثيق ألكسندر لوريا، شارك ليونتيف في بلورة مبادئ المدرسة الثقافية-التاريخية. غير أن عبقرية ليونتيف الذاتية تجلت في استقلاله النظري اللاحق، لاسيما عبر تأسيسه لمدرسة خاركوف السيكولوجية، حيث نقل مركز الثقل التحليلي من “الوساطة السيميائية واللغوية” التي ركز عليها فيغوتسكي، إلى “الوساطة بالنشاط المادي والعمل البشري”، محققاً بذلك الترجمة السيكولوجية الأدق للمادية الجدلية والتاريخية.

تستعرض هذه الدراسة الموسوعية الشاملة المسار الحياتي والفكري لليونتيف عبر اثني عشر محوراً رئيساً تستقصي نشأته، وتعاونه التاريخي مع أقطاب مدرسة موسكو، والأسس الفلسفية العميقة لنظريته، والتشريح البنيوي لمستويات النشاط الإنساني الثلاثة (النشاط والدافع، الفعل والهدف، والعمليات والظروف). كما تتناول الدراسة النشوء الارتقائي للوعي، وآليات الاستبطان، وسيكولوجية المعنى والدلالة الشخصية، ونظرية الشخصية وهرمية الدوافع، والأبحاث التجريبية والميدانية المبتكرة التي أجراها، وصولاً إلى تطبيقات النظرية في التربية والتعليم، والمناظرات الحامية مع معاصريه كسيرجي روبنشتاين، وانتهاءً بالإرث المعاصر لنظرية النشاط وتطبيقاتها الحديثة في مجالات التفاعل بين الإنسان والحاسوب وتطوير المنظمات والمجتمعات المعرفية.

1. السيرة والنشأة التاريخية والأكاديمية لأليكسي ليونتيف

1.1 البدايات والتكوين العلمي في جامعة موسكو الحكومية

ولد أليكسي نيكولايفيتش ليونتيف في موسكو في الخامس والعشرين من فبراير (وفق التقويم القديم: الثامن عشر من فبراير) عام 1903، في بيئة اجتماعية وعائلية متوسطة وفرت له تعليماً أولياً رصيناً اتسم بالتنوع الإنساني والعلمي. وقد تزامن بلوغه سن الرشد الأكاديمي مع التحولات الكبرى التي تمخضت عنها الحرب الأهلية الروسية وتثبيت دعائم الدولة السوفيتية الفتية. فالتحق في عام 1921 بكلية العلوم الاجتماعية في جامعة موسكو الحكومية، وهي مؤسسة كانت تموج آنذاك بصراعات أيديولوجية وفكرية عميقة حول المناهج والمنطلقات المعرفية لإعادة بناء المعرفة الإنسانية برمتها.

بدأ ليونتيف مساره الأكاديمي بدراسة التاريخ والفلسفة والأدب الكلاسيكي، وهو ما صبغ عقليته بنزعة تاريخانية وإنسانية واضحة رافقته طوال مسيرته العلمية. إلا أن المناخ الفكري المشبع بالرغبة في فهم “الإنسان الجديد” سرعان ما جذبه نحو دراسة العلوم النفسية التجريبية. وتأثر في بداياته بالمناخ السيكولوجي السائد في معهد علم النفس بموسكو، الذي كان تحت قيادة البروفيسور غيورغي شيلبانوف (Georgy Chelpanov)، ممثل علم النفس التجريبي الاستبطاني ذي النزعة الفونتية (نسبة إلى فلهلم فونت). أدرك الشاب ليونتيف مبكراً الأزمة البنيوية الخانقة التي كبلت علم النفس التقليدي؛ إذ كان يرى أن حصر دراسة الظواهر العقلية في تقارير الاستبطان الذاتي المعزولة داخل المختبرات ينزع عن الظاهرة النفسية واقعيتها الحياتية، ويحولها إلى ظلال تجريدية تفتقر إلى أي وظيفة حيوية حقيقية في سلوك الكائن البشري.

تخرج ليونتيف من الجامعة عام 1924 في خضم مرحلة حاسمة من إعادة هيكلة المؤسسات العلمية، حيث تم استبعاد شيلبانوف وتعيين قسطنطين كورنيلوف (Konstantin Kornilov) مديراً لمعهد علم النفس، بهدف تطبيق منهج التفاعلية (Reactology) الساعي لأسلمة علم النفس وتأسيسه على قواعد ماركسية شكلية. وفي هذه البيئة البحثية الفتية المفتوحة على شتى المغامرات الفكرية، بدأ ليونتيف خطواته المنهجية الأولى باحثاً عن نموذج يتجاوز كل من الاستبطانية التأملية والآلية التفاعلية، مدفوعاً بالقناعة بأن النفس الإنسانية يجب أن تُدرس ككيان يتشكل ويتغير عبر الصيرورة المادية والتاريخية لنشاط الإنسان الواقعي.

1.2 التحول نحو علم النفس والتأثر بالبيئة الثورية السوفيتية

مثلت السنوات الأولى التالية للثورة البلشفية مختبراً اجتماعياً وثقافياً فريداً كان له أبلغ الأثر في توجيه اختيارات ليونتيف العلمية؛ إذ لم تكن السيكولوجيا بالنسبة له ولأقرانه ترفاً أكاديمياً أو مبحثاً نظرياً منعزلاً، بل أداة حيوية لإعادة تشكيل الإنسان والمجتمع، والمساهمة في القضاء على الأمية الواسعة، وإعادة تأهيل ملايين الأطفال المشردين وضحايا الحرب، وبناء نظام تعليمي جماهيري جديد. هذا الأفق المجتمعي الرحب فرض على الباحثين البحث عن منطلقات منهجية قادرة على تفسير كيف يغير الإنسان محيطه المادي والاجتماعي، وكيف يرتد هذا التغيير ليحدث تحولات نوعية في بنيته النفسية والمعرفية الخاصة.

انخرط ليونتيف بعمق في النقاشات الفلسفية الحامية الدائرة حول تطبيق المادية الجدلية في العلوم الخاصة. وعبر مشاركته الفاعلة في المؤتمرات السيكولوجية الروسية الأولى، سعى ليونتيف إلى تفنيد التصورات المزدوجة التي تفصل الجسد عن الروح، أو تعد العقل مجرد إفراز كيميائي ثانوي للنشاط الدماغي. كان هدفه، إلى جانب زملائه من الجيل الثوري، صياغة علم نفس موضوعي حقيقي لا يسقط في الشراك السلوكية الاختزالية؛ فالسلوكية وإن كانت تبدو موضوعية في رصد الحركات الخارجية، إلا أنها تلغي الذاتية الإنسانية والوعي الهادف، محولة الكائن الحي إلى آلة بيولوجية مستجيبة ميكانيكياً لمحفزات المحيط الخارجي.

في هذا السياق المتوثب، انكب ليونتيف على دراسة مؤلفات الفلسفة الكلاسيكية وتراث الفكر المادي، باحثاً عن الإطار النظري الكفيل باستيعاب “الذات الفاعلة” دون التورط في المثالية الذاتية. وتوصل إلى أن المدخل الوحيد لحل هذه المعضلة يكمن في فكرة النشاط البشري المنتج؛ فالإنسان لا يتصل بالعالم عبر التأمل السلبي أو الانعكاس الشرطي البحت، بل من خلال الممارسة العملية التاريخية التي يغير من خلالها الطبيعة ويصنع أدواته، ومن ثم يصنع وعيه الخاص ونظامه النفسي الداخلي المعقد.

1.3 المسار المهني وتأسيس كلية علم النفس بجامعة موسكو

شهد المسار الأكاديمي لأليكسي ليونتيف صعوداً مطرداً اتسم بالجمع النادر بين الإنتاج النظري الرفيع والقدرة التنظيمية والمؤسسية الفائقة. فبعد سنوات من البحث الميداني والتنقل العلمي شملت فترة حاسمة في مدينة خاركوف الأوكرانية، عاد ليونتيف إلى موسكو ليتبوأ مواقع قيادية في البنية السيكولوجية السوفيتية. وبلغ هذا المسار ذروته عندما نجح، بعد جهود مضنية لإثبات الاستقلال المعرفي والمنهجي لعلم النفس عن الفلسفة والطب، في تأسيس كلية علم النفس المستقلة في جامعة موسكو الحكومية عام 1966، ليصبح أول عميد لها حتى وفاته عام 1979.

تحت إدارته الرشيدة، تحولت كلية علم النفس بجامعة موسكو إلى صرح علمي عالمي استقطب كبار المفكرين والباحثين من شتى أرجاء المعمورة، وباتت معقلاً لما عُرف بمدرسة موسكو السيكولوجية. كما انتُخب ليونتيف عضواً عاملاً في أكاديمية العلوم التربوية في الاتحاد السوفيتي، وتولى قيادة كبرى البرامج البحثية القومية التي دمجت السيكولوجيا النظرية بمشكلات العمل، والصناعة الفضائية، والتأهيل العصبي، وإصلاح المناهج المدرسية. وبفضل نفوذه العلمي، وفر حماية أكاديمية للأفكار المتقدمة في فترات التصلب الأيديولوجي، مما حافظ على حيوية التفكير السيكولوجي السوفيتي واستمراره في مواكبة النقاشات العالمية.

توج هذا المسار الأكاديمي الحافل بنيله أرفع الأوسمة العلمية السوفيتية، وكان أبرزها حصوله على جائزة لينين عام 1975 تقديراً لكتابه الموسوعي الفذ “النشاط، الوعي، الشخصية” (Деятельность. Сознание. Личность)، الذي مثل الذروة التركيبية لمشروعه النظري برمته. وتخرج على يديه مئات الباحثين والمفكرين الذين قادوا أقسام علم النفس في الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية، وتغلغلت أفكاره عميقاً في الدوائر السيكولوجية في أوروبا الغربية والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية واليابان، ليرسخ اسمه كأحد الآباء المؤسسين لعلم النفس الإنساني المعاصر.

2. الدائرة الثلاثية: التعاون التاريخي بين فيغوتسكي ولوريا وليونتيف

2.1 تشكيل مدرسة موسكو لعلم النفس الثقافي التاريخي

شهد منتصف العقد الثاني من القرن العشرين، وتحديداً في عام 1924، حدثاً مفصلياً غير مجرى تاريخ علم النفس العالمي، تمثل في اللقاء التاريخي بين الشاب العبقري القادم من غوميل، ليف فيغوتسكي، واثنين من ألمع الباحثين الشبان في معهد علم النفس بموسكو: ألكسندر لوريا وأليكسي ليونتيف. نشأت بين الثلاثة ألفة فكرية وروحية نادرة سرعان ما تبلورت في تأسيس ما أُطلق عليه تاريخياً “الترويكا” (Troika) أو الدائرة الثلاثية المؤسسة لـ المدرسة الثقافية التاريخية في علم النفس.

انطلقت الترويكا من فرضية ثورية مشتركة مفادها أن الوظائف النفسية العليا لدى الإنسان (مثل الانتباه الإرادي، التذكر المنطقي، التفكير المجرد، وتشكيل المفاهيم) لا يمكن اختزالها في الأسس الفسيولوجية للجهاز العصبي ولا في القوانين البيولوجية للتطور الدارويني، بل هي ذات طبيعة “اجتماعية تاريخية” بالضرورة. فالإنسان لا يتفاعل مع بيئته بصورة بيولوجية فطرية مجردة، بل من خلال “وسائط” ثقافية وتاريخية راكمتها الخبرة الجمعية للجنس البشري عبر العصور. وقد تطلب هذا المنطلق صياغة استراتيجيات ومنهجيات تجريبية مغايرة تماماً لأساليب الاختبارات والقياسات النفسية الكمية السائدة في الغرب آنذاك؛ حيث ركز الثلاثي على المنهج الجيني-التكويني (Genetic-Developmental Method) الذي يرصد الوظيفة النفسية لحظة نشوئها وتحولها وارتقائها تحت تأثير التدخل التجريبي الموجه، بدلاً من مجرد قياس نواتجها الساكنة.

توزعت الأدوار البحثية داخل الترويكا بتكامل مدهش؛ فقد كان فيغوتسكي يمثل العقل النظري الفلسفي الموجه ومفجر الإشكاليات الكبرى، في حين ركز لوريا على الجوانب الإكلينيكية، والفسيولوجية العصبية، والأنثروبولوجية، بينما تفرغ ليونتيف لتصميم النماذج التجريبية الدقيقة التي تبرهن مخبرياً على مسارات تشكل الوظائف العليا عبر الوسائط المادية والرمزية. وقد أنتج هذا التحالف الفكري الخصب في زمن وجيز تراثاً سيكولوجياً زاخراً أعاد صياغة المفاهيم الجوهرية للنمو المعرفي والوعي الإنساني.

2.2 التكامل والتمايز الفكري بين ليونتيف وفيغوتسكي

على الرغم من التوافق المنهجي العميق والولاء الشخصي والفكري الدائم الذي حمله ليونتيف لمعلمه ليف فيغوتسكي طوال حياته، إلا أن التطور الذاتي لأبحاث ليونتيف كشف تدريجياً عن تمايز نظري جوهري حيال المسألة المحورية لعلم النفس: ما هو المحرك والأساس التوليدي للوعي الإنساني؟ ركز فيغوتسكي في أعماله المكثفة على مفهوم “الوساطة السيميائية” (Semiotic Mediation)، معتبراً أن العلامات اللغوية والرموز الثقافية هي الأداة النفسية الجوهرية التي تقود استدخال الوظائف الاجتماعية وتحويلها إلى وظائف ذهنية داخلية، جاعلاً من البعد التواصلي والدلالي اللغوي حجر الزاوية في مشروعه.

في المقابل، بدأ ليونتيف، ابتداءً من أواخر العشرينيات وبداية الثلاثينيات، يبدي تحفظات منهجية على الاقتصار على الوساطة الرمزية واللغوية؛ إذ خشي أن يؤدي التركيز المفرط على العلامات والكلمات إلى الانزلاق مجدداً نحو النزعة المثالية السيميائية أو اللغوية، حيث تصبح اللغة كائناً قائماً بذاته يولد الوعي بمعزل عن الممارسة المادية. ومن هنا، انتقل ليونتيف بجرأة منهجية نحو التأكيد على أن “النشاط العملي المادي الموضوعي” هو الأصل التوليدي الذي تنبثق منه العلامات اللغوية ذاتها، وأن الكلمة ليست سوى وسيط مشتق من النشاط الإنتاجي الحسي الذي يربط الإنسان بالطبيعة والمجتمع.

تبلور هذا الاستقلال النظري بوضوح عندما انتقل ليونتيف إلى مدينة خاركوف عام 1931 إثر تشديد الرقابة الأيديولوجية على أبحاث فيغوتسكي وبيدولوجيا (علم رعاية الأطفال) في موسكو. وهناك، قاد ليونتيف “مدرسة خاركوف السيكولوجية” بمشاركة نخبة لامعة من علماء النفس الشبان كألكسندر زابوروجيتس، وبيوتر زينتشنكو، ودانييل إلكونين، وبيوتر غالبيرين. ركزت أبحاث خاركوف التجريبية على إثبات أن الإدراك، والذاكرة، والتفكير، ليست مشروطة بنظام العلامات بقدر ما هي نتاج للأفعال الحركية والعملية الهادفة التي يمارسها الفرد مع الأشياء المادية في العالم الواقعي. ورغم هذا التحول المفاهيمي، ظل ليونتيف يعد نظريته امتداداً وتعميقاً مادياً لمشروع فيغوتسكي التأسيسي وليس نقضاً له، مبرزاً الشق العملي الذي كان كامناً في الأفكار الأولى للمدرسة الثقافية التاريخية.

2.3 التعاون البحثي مع ألكسندر لوريا وأثره على النظرية

ارتبط أليكسي ليونتيف بعلاقة صداقة علمية وشخصية وطيدة واستثنائية مع ألكسندر لوريا امتدت لأكثر من نصف قرن، شكلت رافداً أساسياً من روافد تطور نظرية النشاط وميداناً لاختبار فرضياتها على نحو تجريبي وإكلينيكي لا نظير له. تجلى هذا التعاون بأبهى صوره خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، عندما انتقل الاثنان للعمل في مستشفى إعادة تأهيل جراحة الأعصاب الذي أقيم في مستوطنة كيسيغاتش بمنطقة الأورال، حيث واجها التحدي الإنساني والطبي الهائل المتمثل في استعادة الوظائف المعرفية والحركية لآلاف الجنود المصابين بإصابات دماغية وأطراف مدمرة.

أثمر هذا التعاون المشترك عن دمج خلاق بين علم النفس العصبي الوليد الذي صاغه لوريا، والتحليل البنيوي للنشاط الذي أسسه ليونتيف. فقد برهن الاثنان عملياً وتجريبياً على أن استعادة وظيفة حركية معطوبة (كحركة اليد أو الذراع) لا تتحقق بكفاءة عبر التمارين الميكانيكية المعزولة، بل بإدراج العضو المصاب ضمن “نشاط بشري هادف ومحفز بدافع ملموس”؛ فالجندي الذي يعجز عن تحريك ذراعه بمقدار سنتيمترات عند مطالبته بتمرين تجريدي، يتمكن من رفعها لمسافة أطول بكثير حين يُطلب منه مسك رغيف خبز أو الإمساك بفرشاة لرسم لوحة أو التقاط أداة عمل لإصلاح آلة. هذا الاكتشاف الحاسم قدم دليلاً قاطعاً على أن الأنظمة الوظيفية في الدماغ البشري ليست كيانات جامدة متمركزة في مناطق مغلقة، بل هي ديناميكية تتشكل وتترابط وفق بنية النشاط الهادف الذي يمارسه الفرد في العالم الخارجي.

امتد هذا التأثير المتبادل إلى الدراسات الأنثروبولوجية التي خاضها لوريا في آسيا الوسطى (أوزبكستان) مطلع الثلاثينيات، والتي تابعها ليونتيف باهتمام بالغ؛ حيث أثبتت تلك الدراسات الميدانية أن التغيرات الجذرية في البنية الاقتصادية والاجتماعية والنشاط الإنتاجي للفلاحين (عبر التعاونيات ومحو الأمية) أدت إلى طفرات موازية وفورية في بنية العمليات العقلية كالتصنيف الإدراكي والتفكير الاستدلالي. عززت هذه البيانات القناعة الراسخة لدى ليونتيف بأن النشاط هو الفئة المشتركة التي تجسر الهوة بين الدماغ كعضو بيولوجي، والثقافة كواقع تاريخي موضوعي.

3. التأسيس الفلسفي والمنهجي لنظرية النشاط

3.1 الجذور المادية الجدلية في المنظومة الفكرية لليونتيف

ترتكز نظرية النشاط لدى أليكسي ليونتيف على التبني الفلسفي الواعي والصارم لمنهج المادية الجدلية والتاريخية، وتحديداً الأطروحات الفلسفية التأسيسية التي صاغها كارل ماركس في كتابه الباكر “مخطوطات 1844 الاقتصادية والفلسفية” وموجزه الكلاسيكي المكثف في “تزاحمات حول فيورباخ” (Theses on Feuerbach). كان المأزق التاريخي الذي انطلق منه ليونتيف هو ذات المأزق الذي شخصه ماركس في أطروحته الأولى ضد فيورباخ؛ ومفاده أن المادية السابقة ظلت عاجزة عن فهم الواقع الحسي والشيء والموضوعية إلا بوصفها موضوعاً للتأمل المجرد فقط، في حين تُرك الجانب الفاعل والنشط للمثالية الفلسفية، مما أدى إلى تجريده وعزله عن الواقع المادي الملموس.

تلقف ليونتيف هذا المفتاح الفلسفي ليصيغ مفهومه المحوري حول “النشاط العملي الحسي للإنسان” (Sensuous Human Activity). فالنشاط البشري ليس تفاعلاً فيزيائياً ميكانيكياً، بل هو عملية موضوعية يتوسط فيها الكائن الحي العالم الخارجي. ومن خلال العمل، الذي يُعرف فلسفياً بأنه عملية تبادل مادي وأيضي (Metabolic Exchange) بين الإنسان والطبيعة، يُغير الإنسان شكل المادة الخارجية ليجعلها متوافقة مع حاجاته، وفي خضم هذه الصيرورة عينها، يغير الإنسان طبيعته الخاصة، ويولد قدرات وملكات نفسية جديدة لم تكن موجودة لديه بيولوجياً من قبل.

تبنى ليونتيف “التاريخانية” (Historicism) كمنهج صارم لا مهرب منه لدراسة الظواهر النفسية؛ فالنفس الإنسانية ليست جوهراً ثابتاً ولا مجموعة من الغرائز المغروسة سلفاً في الجينات، بل هي صيرورة حركية دائمة التبدل والنشوء. ومن هنا، رفض ليونتيف بحزم كل أشكال “البيولوجيزم” (Biologism) التي تختزل السلوك الإنساني في علم وظائف الأعضاء، كما رفض بالتوازي النزعة المثالية التأملية التي تدعي وجود وعي باطني خالص مستقل عن الشروط التاريخية والمادية لوجود الإنسان الاجتماعي.

3.2 مفهوم الوساطة والعمل كحلقة وصل بين الذات والموضوع

يشكل مفهوم “الوساطة” (Mediation) الركيزة الجوهرية التي تفصل بين سيكولوجيا الحيوان وسيكولوجيا الإنسان في نسق ليونتيف؛ فالكائن الحيواني يظل محكوماً بعلاقة تكيفية بيولوجية مباشرة مع محيطه الطبيعي عبر محددات المثير والاستجابة الفطرية أو الشرطية. أما الإنسان، فيكسر هذه المباشرة التاريخية عبر توسط “أداة العمل” (Tool/Instrument). الأداة المادية ليست مجرد جسم فيزيائي مضاف إلى يد العامل، بل هي “علاقة اجتماعية متجسدة ومتبلورة” تحمل داخل شكلها وطريقة استخدامها خبرة ملايين البشر الذين طوروها عبر الأجيال.

يترتب على توسط الأداة تحول كيفي عميق في علاقة الذات بالموضوع؛ فالإنسان بفضل الأداة يتوقف عن التكيف السلبي مع البيئة ليبدأ في “التغيير الفاعل والموجه للواقع الموضوعي”. وهذا الفعل الإنتاجي يحمل طابعاً مزدوجاً ومتزامناً: فهو من جهة يُفرغ الطاقة النفسية والذهنية للذات في موضوع مادي خارجي (الإنتاج الموضوعي)، ولكنه من جهة ثانية يطبع الذات بخصائص وقوانين ذلك الموضوع ذاته (إنتاج الذات العارفة). فالحداد حين يتعامل مع الحديد عبر المطرقة لا يكتفي بتشكيل السندان، بل تُشكل ذراعه وجهازه الحسي الحركي وإدراكه البصري والمفاهيمي طبقاً لمقاومة المادة وقوانين تشكيلها.

من هذا المنطلق، أكد ليونتيف أن العلاقات الإنتاجية والاجتماعية ليست ظروفاً خارجية تحيط بالنفس من الخارج، بل هي البنية المحددة لمضمون العمليات النفسية الفردية ذاتها. فالإنسان حين ينخرط في تقسيم اجتماعي للعمل، يكتسب نظامه النفسي بنية اجتماعية وساطية؛ إذ تصبح حاجاته، ورغباته، وأساليب تفكيره، وأدوات استدلاله متطابقة بنيوياً مع آليات النشاط المشترك الذي يمارسه ضمن المجموع البشري.

3.3 تجاوز الثنائية الديكارتية ونقد الاتجاهات المعاصرة

خاض ليونتيف معركة إبستمولوجية ضارية ضد الإرث الفلسفي الموروث عن رينيه ديكارت، الذي شطر الكائن الإنساني شطراً مصطنعاً إلى جوهرين مستقلين: جوهر مفكر غير مادي (Res Cogitans)، وجوهر مادي ممتد غير واعٍ (Res Extensa). رأى ليونتيف أن علم النفس طوال تاريخه كان يدور في حلقة مفرغة ناتجة عن هذا التقسيم الديكارتي؛ فإما أن ينحاز إلى الجوهر المفكر فيتحول إلى دراسة استبطانية للوعي المحض المنعزل داخل الفرد، وإما أن ينحاز إلى الجوهر المادي الممتد فيتحول إلى دراسة سلوكية وحركية تصف الإنسان كآلة ردود أفعال آلية، مع إسقاط الوعي والنية والمعنى خارج نطاق العلم الرصين.

قدم ليونتيف فئة “النشاط الموضوعي” بوصفها الحل الوحيد القادر على تجاوز هذه الثنائية الديكارتية وتوحيد شطري الإنسان؛ فالنشاط ليس حركة ميكانيكية بحتة تنتمي للجسد الممتد، ولا هو فكرة باطنية مجردة تنتمي للجوهر المفكر، بل هو “العين العينية المشتركة التي تربط الذات بالعالم”. النشاط هو الوسيط الحي الذي يلتقي فيه المادي بالروحي؛ فهو يبدأ كعمل مادي في العالم الممتد، ثم يتحول وينعكس عبر مسار التطور إلى وعي باطني، ثم يعود الوعي مجدداً ليتجسد عبر الأفعال العملية ليغير الواقع المادي.

وجه ليونتيف نقداً راديكالياً لاذعاً للمدارس السيكولوجية المعاصرة في الغرب؛ حيث انتقد المدرسة السلوكية بشتى تنويعاتها (سواء الكلاسيكية مع واطسون أو الإجرائية مع سكينر) لأنها أفرغت السلوك من معناه ومحتواه التوليدي، واعتبرت الكائن الحي صندوقاً أسود عاجزاً عن الفعل الموجه، متجاهلة دور الدافع والغائية الواعية. وفي المقابل، انتقد التيارات الفينومينولوجية والتحليلية النفسية الوجودية لعزلها الوعي والتجربة المعاشة عن شروط الإنتاج المادي، محولة الذات إلى كيان تائه في تجاربه الداخلية المجردة. وأكد ليونتيف بحسم منهجي جازم: “إن النفس ليست وعاءً مسحوراً تسكنه الأفكار والمشاعر، بل هي وظيفة عضوية وتاريخية نشأت لغرض وحيد وحاسم: توجيه نشاط الكائن الحي في خضم العالم الموضوعي المحيط به”.

4. البنية الهيكلية لنظرية النشاط: المستويات التحليلية الثلاثة

4.1 مستوى النشاط والدافع (Activity and Motive)

يمثل “النشاط” (Деятельность / Activity) في نسق ليونتيف الوحدة التحليلية المولارية الكبرى والأشمل لدراسة السلوك البشري؛ فالنشاط ليس مجرد تجمع كمي للحركات العضلية، بل هو صيرورة نظامية متكاملة تهدف إلى إشباع حاجة محددة يعاني منها الكائن الحي. غير أن الحاجة في حد ذاتها، بحسب ليونتيف، تظل حالة بيولوجية أو نفسية مبهمة تفتقر إلى التوجيه ما دامت حبيسة الجسد الداخلي؛ إنها طاقة توترية تبحث عن مخرج، ولا تتحول إلى قوة سيكولوجية محركة إلا عندما تلتقي بموضوعها الخاص في العالم الخارجي.

هنا يطرح ليونتيف تعريفه الخالد والمحوري: “الدافع هو موضوع الحاجة المتجسد” (Motive as Objectified Need). فالدافع ليس رغبة باطنية غامضة، بل هو الموضوع العيني (سواء كان مادياً كالغذاء، أو مثالياً كالمعرفة والاعتراف الاجتماعي) الذي تستقر عليه الحاجة وتتحقق من خلاله. فعندما تجد الحاجة غير المحددة موضوعها الملموس في العالم، تكتسب دافعية موجهة، ويسمى المسار الإنساني الموجه نحو هذا الموضوع “نشاطاً”. ومن هذا المنطلق، لا يوجد نشاط بشري دون دافع؛ حتى ولو كان هذا الدافع مجهولاً أو غير واعٍ بالنسبة للفرد في لحظة معينة، فإن تحليلاً موضوعياً دقيقاً لسياق السلوك كفيل بإماطة اللثام عن موضوعه المحرك.

تتميز الدوافع البشرية بأنها ليست معطيات بيولوجية مغلقة، بل هي كينونات ديناميكية متولدة وثقافية وتاريخية. فمع تطور المجتمع وتنوع الإنتاج، تتفرع الدوافع وتتعقد؛ إذ لا يعود دافع العمل مثلاً مجرد سد الرمق البيولوجي للجوع، بل يتشابك مع دوافع الانتماء الطبقي، والتحقق المهني، والواجب الأخلاقي، والإبداع الفني. وتشكل هذه المنظومة المتشابكة شبكة الأنشطة الإنسانية التي ينخرط فيها الإنسان طوال دورة حياته.

4.2 مستوى الفعل والهدف الواعي (Action and Conscious Goal)

إذا كان النشاط ككل يرتبط بالدافع العام الذي يشبعه، فإن النشاط في واقعه العملي لا يتحقق دفعة واحدة وبضربة مفردة، بل يتفكك بالضرورة إلى سلسلة من الوحدات المكونة التي يطلق عليها ليونتيف مصطلح “الأفعال” (Действия / Actions). يُعرف ليونتيف “الفعل” بأنه عملية نفسية-فيزيائية تخضع لتمثيل ذهني مسبق ومقصود يسمى “الهدف الواعي” (Conscious Goal). الفعل إذن هو السلوك الموجه نحو تحقيق نتيجة متصورة سلفاً تمثل خطوة مرحلية لإنجاز النشاط الكلي.

تتسم العلاقة بين الفعل والنشاط، وبين الهدف والدافع، بطابع جدلي بالغ العمق والديناميكية؛ فالهدف الواعي للفعل لا يتطابق بالضرورة مع الدافع العام للنشاط. ولتوضيح ذلك، يقدم ليونتيف مثال الطالب الذي يدرس لامتحان معقد في مادة التشريح: النشاط الكلي للطالب مدفوع بدافع عام هو “أن يصبح طبيباً يمارس مهنة الشفاء ويفيد مجتمعه”، لكن هذا النشاط الكلي لا يمكن إنجازه إلا عبر ملايين الأفعال الصغرى، مثل فتح كتاب وقراءة صفحة محددة، أو حفظ مصطلحات العظام، أو حضور محاضرة في الساعة الثامنة صباحاً. كل فعل من هذه الأفعال موجه بهدف واعٍ محدد (الانتهاء من قراءة الفصل الثاني اليوم مثلاً)، وهو هدف لا يشبع دافع النشاط ككل بذاته، لكنه يمثل شرطاً حتمياً لتحقيقه التدريجي.

من أهم اكتشافات ليونتيف المنهجية في هذا المستوى ما يعرف بظاهرة “تحول الهدف إلى دافع” (Shift of Goal to Motive)، أو ما أسماه لاحقاً بآلية نمو الدوافع وتطورها. ويقصد بها الحالة التي يبدأ فيها الفرد بممارسة فعل معين لخدمة دافع خارجي عام، ولكن عبر الاستغراق في الممارسة وإتقانها واكتشاف آفاق جديدة فيها، يكتسب هذا الفعل الصغير استقلاله الذاتي، ويتحول هدفه المباشر إلى دافع قائم بذاته يولد نشاطاً مستقلاً تماماً. فالطالب الذي بدأ قراءة كتب الكيمياء لمجرد النجاح في الامتحان (فعل)، قد يكتشف في خضم القراءة شغفاً علمياً غامراً بالأبحاث الجزيئية يغير مجرى حياته كلها، ليتحول هذا البحث إلى دافع مركزي يولد نشاطاً بحثياً دائماً ومستقلاً عن امتحان المدرسة الأصلي. وتعد هذه الآلية المحرك النفسي التطوري لاكتساب الإنسان لاهتمامات وقيم ودوافع جديدة ومستمرة عبر مراحل ارتقائه الشخصي.

4.3 مستوى العمليات والظروف المادية (Operations and Conditions)

يمثل المستوى الثالث والأدنى في البنية التشريحية للنشاط ما يطلق عليه ليونتيف مصطلح “العمليات” (Операции / Operations). إذا كان النشاط محكوماً بالدافع، والفعل محكوماً بالهدف، فإن العملية محكومة بالضرورة بـ “الشروط والظروف المادية الموضوعية الراهنة” (Conditions) التي يجري في ظلها تنفيذ الفعل. فالعمليات هي الوسائل والأدوات الإجرائية التنفيذية والآليات الحركية والمعرفية المباشرة التي يتم بها تجسيد الفعل على أرض الواقع.

يكمن التمايز الجوهري بين الفعل والعملية في درجة “الوعي والانتباه” المصاحبة للسلوك؛ فالفعل يتطلب دوماً رقابة وتوجيهاً ذهنياً واعياً للهدف المنشود، بينما تنحو العمليات نحو الطابع الآلي المعتاد أو المبرمج مسبقاً (Automation). ويقدم ليونتيف هنا تحليلاً عبقرياً لكيفية تشكل العمليات؛ فالعملية في أصلها النشوئي كانت فعلاً واعياً مستقلاً يتطلب تركيزاً شديداً. وكمثال على ذلك: عندما يتعلم الإنسان قيادة السيارة للمرة الأولى، فإن تغيير ذراع ناقل السرعة يكون “فعلاً واعياً” مستقلاً يستنزف كل انتباه المتعلم، حيث يوجه ذهنه بدقة نحو إمساك المقبض ونقله بسلاسة من السرعة الأولى إلى الثانية وفق هدف واعٍ. ولكن مع كثرة التكرار والممارسة المستمرة، تتراجع الرقابة الواعية عن هذه الحركات المفردة، ويهبط هذا الفعل إلى مستوى “عملية آلية” تنفذ تلقائياً دون أدنى تفكير، وتتكيف ذاتياً مع شروط الطريق، مما يحرر الطاقة الانتباهية والوعي ليركز على أفعال عليا جديدة (كالتركيز على مسار الطريق العام، أو مراقبة إشارات المرور والمشاة).

تتسم هذه المنظومة بالمرونة والديناميكية الفائقة؛ فالعمليات المؤتمتة ليست مسارات مسدودة، بل يمكن إعادة تنشيطها فوراً ورفعها مجدداً إلى مصاف “الأفعال الواعية” بمجرد اصطدامها بعائق أو تغير مفاجئ في الشروط المادية. فإذا تعطل ناقل السرعة فجأة أو أصدر صوتاً خشناً غير معتاد، تتوقف العملية الآلية عن السريان التلقائي، ويعود ذهن السائق ليركز بكامل وعيه وانتباهه على حركة يده وموقع المقبض لإصلاح الخلل، فتحول العملية من جديد إلى فعل واعٍ. يوضح هذا التبادل الحيوي المستمر بين مستويات النشاط الثلاثة كيف تتكامل السلوكيات الإنسانية في وحدة وظيفية هرمية مرنة وشديدة التكيف مع العالم الواقعي.

5. التطور النفسي والنشوء الارتقائي للوعي

5.1 المراحل التطورية للنفس الحيوانية: من الحسي إلى الإدراكي

لم يكتفِ ليونتيف بدراسة النشاط الإنساني الراشد، بل صاغ نظرية تطورية مقارنة شاملة لتتبع “النشوء الارتقائي للنفس” (Phylogeny of the Psyche) عبر السلم الحيواني بأسره، نُشرت في عمله التأسيسي الضخم “مشكلات تطور النفس” (Problems of the Development of the Psyche). انطلق ليونتيف من فرضية مادية جذرية مفادها أن النفس والظواهر الانعكاسية لم تكن معطى أزلياً ملازماً للمادة الحية، بل نشأت في مرحلة محددة من تطور الكائنات الحية كاستجابة موضوعية لحاجة الكائن إلى التوجيه الحركي والفعال في بيئة معقدة وغير متجانسة.

ميز ليونتيف ثلاث مراحل تطورية كبرى تمر بها النفس الحيوانية قبل بلوغ الوعي الإنساني:

  • مرحلة النفس الحسية الأولية (Sensory Psyche): وتمثل الطور الأدنى في التطور النفسي الحيواني، وتظهر لدى اللافقاريات البسيطة؛ حيث يعجز الكائن عن إدراك الموضوعات كأشياء متكاملة، ويقتصر جهازه النفسي على الاستجابة المنعكسة لـ “خصائص حسية معزولة ومباشرة” في البيئة (كالضوء أو الرطوبة أو الاهتزاز الميكانيكي) التي تشير إلى وجود الغذاء أو الخطر. فالديدان أو القواقع مثلاً لا تدرك الفريسة ككائن، بل تنقاد آلياً وراء خاصية كيميائية أو حرارية معزولة.
  • مرحلة النفس الإدراكية (Perceptual Psyche): تظهر لدى الفقاريات العليا كالحشرات المتقدمة والأسماك والطيور والثدييات؛ حيث تحدث طفرة كيفية في بنية الانعكاس النفسي. يصبح الكائن قادراً على عكس البيئة ليس كحزم من الخصائص المعزولة، بل كـ “أشياء وموضوعات متكاملة” (Integrated Objects) متميزة عن خلفيتها المكانية. وتتطور هنا أشكال معقدة من المهارات الحسية الحركية والتعلم الارتباطي وعادات التوجه والتنقل المكاني.
  • مرحلة الذكاء العملي للثدييات العليا (Intellect / Practical Thinking): وتصل ذروتها لدى الرئيسيات المتقدمة (مثل الشمبانزي)؛ حيث يتجلى الذكاء الحركي البصري في القدرة على حل مشكلات مستحدثة عبر استخدام أدوات طبيعية وسيطة (كالعصي والحجارة للوصول إلى طعام بعيد)، والقدرة على اكتشاف الروابط والعلاقات المكانية والزمانية المباشرة بين الأشياء.

إلا أن ليونتيف وضع خطاً فاصلاً وحاسماً بين أرقى أشكال الذكاء الحيواني وأدنى أشكال الوعي الإنساني؛ فالقرد الأكثر ذكاءً يظل مقيداً كلياً بحدوده البيولوجية الغريزية والمجال البصري المباشر الراهن. لا يستطيع الحيوان الحفاظ على الأداة بعد انتهاء حاجته الآنية منها، ولا يمكنه تصنيع أداة بمساعدة أداة أخرى، ولا ينقل خبرة استخدامها لأقرانه كعرف ثقافي متراكم. لقد استنفد التطور البيولوجي والانتخاب الطبيعي طاقتهما هنا، وكان لابد من ظهور آلية جديدة كلياً لتحقيق القفزة نحو الوعي الإنساني.

5.2 نشوء الوعي البشري المقترن بالعمل المشترك وتقسيم الأدوار

قدم ليونتيف تحليله الأنثروبولوجي السيكولوجي العبقري لنشوء الوعي الإنساني مستنداً إلى فكرة العمل الجماعي المشترك وتقسيم الأدوار الاجتماعية في المجتمعات البدائية، مقدماً مثاله الشهير والتاريخي المعروف بـ “صيادي المجتمع البدائي” (The Primitive Collective Hunt). يفترض هذا التحليل فحص سلوك فرد بدائي يمارس دور “الطارد” (The Beater) ضمن جماعة صيد مشتركة تسعى لاقتناص طريدة حيوانية ضخمة.

إذا حللنا سلوك “الطارد” من وجهة نظر بيولوجية محضة ومعزولة، فإننا سنجد سلوكاً غير عقلاني بل ومناقضاً تماماً لغريزة البقاء؛ فالطارد يقوم بإحداث ضجيج هائل وقرع الطبول وملاحقة الحيوان، مما يؤدي مباشرة إلى “إخافة الطريدة وجعلها تركض هاربة بعيداً عنه”. لو كان هذا الكائن يتصرف بمفرده وفق الدوافع الحيوانية المباشرة (الجوع والرغبة في التهام الفريسة)، لكان هذا السلوك انتحارياً وسخيفاً؛ لأنه يبعد موضوع الحاجة عنه بدلاً من الاقتراب منه واصطياده. ولكن لماذا يقوم الطارد بهذا الفعل إذن؟ يقوم به لأن سلوكه ليس فعلاً حيوانياً منفرداً، بل هو جزء من “نشاط جماعي منقسم ومترابط”؛ إنه يخيف الحيوان عمداً ليدفعه نحو كمين نصبه رفاقه “القناصون” (The Hunters) في الجهة الأخرى من الوادي، والذين سيقومون بقتل الطريدة ثم تقاسم لحمها مع الطارد في نهاية المطاف.

يستنبط ليونتيف من هذا المشهد العبقري ولادة الوعي البشري؛ إذ حدث هنا للمرة الأولى في تاريخ الكوكب “انفصال بنيوي بين الفعل المباشر (إخافة الحيوان) والدافع العام الكلي (الحصول على الغذاء)”. لكي يستطيع الفرد تنفيذ هذا الفعل غير المباشر، وجب عليه بالضرورة أن يحمل في ذهنه “تمثيلاً واعياً للهدف المشترك ولأفعال زملائه في الجماعة”، أي أن يدرك معنى فعله في ضوء العلاقة الاجتماعية التي تربطه بالآخرين. في هذه اللحظة التاريخية الدقيقة ولد الوعي الإنساني؛ فالوعي ليس انعكاساً سلبياً للمادة، بل هو “معرفة مشتركة” (Со-знание / Con-sciousness) تنشأ حصراً من الحاجة إلى تنظيم وتنسيق العمل والإنتاج الجماعي بين أفراد المجتمع.

5.3 التحول التاريخي من النشاط الخارجي إلى الوعي المعرفي

تتطابق البنية المعرفية للوعي الإنساني في نسق ليونتيف مع المسار التاريخي للتحولات التي طرأت على أدوات وأشكال النشاط المادي للإنسان؛ فمع تطور قوى الإنتاج وتقدم تقسيم العمل الاجتماعي، لم يعد النشاط مقتصراً على الجهد العضلي المباشر لتأمين القوت اليومي، بل بدأت تتمايز وتتبلور أشكال جديدة متقدمة من الأنشطة الإنسانية لم تكن معهودة في الطبيعة الحيوانية.

لعب التراكم الثقافي للأدوات واستقرار التقاليد الاجتماعية وتطور أنظمة الإشارات دوراً مصيرياً في نقل وتوارث الخبرات الإنسانية عبر الأجيال المتعاقبة دون الحاجة إلى تعديل الشفرة الجينية للكائن البشري. فالطفل البشري لا يبدأ تاريخه من الصفر البيولوجي كما يفعل صغير الشمبانزي، بل يولد في بيئة مشبعة بمنتجات الثقافة المادية والروحية التي جسد فيها أسلافه خبراتهم المعرفية؛ ويتعين عليه من خلال التربية والتعليم استيعاب وإعادة إنتاج طرق التعامل البشري مع هذه الأدوات والمفاهيم، وهو ما أطلق عليه ليونتيف مبدأ “الاستملاك الثقافي والتاريخي” (Appropriation of Culture).

أدى هذا الانفصال التدريجي للوظائف الاجتماعية في المجتمعات المركبة إلى ظهور شق نظري وتأملي خالص للنشاط البشري؛ حيث استقل النشاط الفكري (الرياضي، الفلسفي، الفني، والعلمي) كأنشطة متخصصة تمارسها فئات اجتماعية محددة. إلا أن هذا النشاط النظري المجرد، مهما بدا محلقاً في سماء التجريد، يظل في جوهره البنيوي والوظيفي وثيق الصلة بأصله المادي الأول؛ فهو يحمل ذات الهيكلية التوليدية المكونة من دوافع وأهداف وعمليات، ويستمد مشروعيته وصدقه النهائي من مدى قدرته على العودة إلى أرض الواقع لتوجيه وتطوير الممارسة العملية الموضوعية للبشر.

6. مفهوم الاستبطان والانتقال بين النشاطين الخارجي والداخلي

6.1 ميكانيزمات التحول من النشاط العملي المادي إلى النشاط الذهني

يعد مفهوم “الاستبطان” أو “الاستدخال” (Интериоризация / Interiorization) من أعظم المفاهيم النظرية التي فككها وطورها ليونتيف، متجاوزاً الاستخدامات المبكرة للمفهوم في علم الاجتماع الفرنسي (لدى دوركايم وتارد) وفي أبحاث فيغوتسكي التأسيسية. يُعرف ليونتيف الاستبطان بأنه “عملية تحول وانتقال منهجي ينتقل من خلاله النشاط العملي المادي الخارجي ليصبح نشاطاً داخلياً ذهنياً ومعرفياً خالصاً”. النشاط الداخلي إذن ليس ملكة عقلية غامضة تولد مسبقاً في الدماغ، بل هو نتاج إعادة بناء داخلية لسلسلة من الأفعال التي تمت ممارستها أصلاً في العالم الحسي المادي.

يتدرج هذا التحول عبر مسار تكويني معقد ومحدد تجريبياً؛ فالطفل الصغير عندما يتعلم العد الحسابي لأول مرة، لا يستطيع حل مسألة جمع مجردة (مثل 3 + 2) داخل رأسه بصورة ذهنية باطنية؛ إنه يحتاج حتماً إلى الانخراط في “نشاط مادي خارجي ملموس”: فيقوم بتحريك مكعبات خشبية حقيقية بيديه، أو يستعين بأصابع كفيه، محركاً جسده وعينيه في الفضاء الخارجي الممتد. وفي مرحلة تالية، يتقلص هذا النشاط العضلي الخارجي بمساعدة اللغة المنطوقة بصوت مسموع (فيعد الأصوات دون لمس الأشياء)، ثم ينسحب الكلام المسموع تدريجياً ليتحول إلى “كلام باطني صامت” (Inner Speech)، حتى يستقر الفعل أخيراً في صورة عملية عقلية مجردة وفورية تتم كلياً في الفضاء المعرفي الداخلي.

الأمر البالغ الأهمية في أطروحة ليونتيف، والذي يميزه عن غيره من المنظرين، هو تأكيده القاطع على أن “النشاط الذهني الداخلي يحافظ على نفس البنية الهيكلية والمفاهيمية للنشاط الخارجي”؛ فالنشاط المعرفي الداخلي ليس نوعاً مختلفاً من الوجود، بل هو نشاط كامل الأركان يتغذى على دوافع محددة، ويتفكك إلى أفعال عقلية موجهة بأهداف واعية، ويتحقق عبر عمليات ذهنية مؤتمتة تخضع لشروط التفكير المنطقي. التفكير إذن هو مجرد “فعل عملي جرى استبطانه واختزاله في الفضاء الداخلي”.

6.2 دور الأدوات المادية والرموز اللغوية كأدوات وساطة

لكي يتحقق الاستبطان وتتشكل العمليات العقلية العليا، لابد من وجود وسائط نوعية تيسر عملية النقل والتحول الوظيفي؛ وهذه الوسائط تظهر في صورتين متكاملتين في منظومة ليونتيف: الأدوات المادية التكنولوجية، والأنظمة الرمزية اللغوية والثقافية. تعمل الأداة المادية كحامل موضوعي للمعرفة البشرية؛ فحين يتعلم الطفل كيف يمسك بملعقة أو قلم، فإنه لا يكتسب مهارة عضلية فحسب، بل يُخضع جهازه الحركي لقانون ثقافي صاغه المجتمع لاستخدام تلك الأداة، مما يطور قدرته على ضبط انتباهه وحركاته الإرادية.

في المقابل، تمثل اللغة أعظم نظام وساطة ابتكره التاريخ البشري، حيث تنقل الفعل من طابعه الحسي الفردي المباشر إلى مصاف التجريد والتعميم الاجتماعي. فاللغة، عبر أسمائها ومفاهيمها وقواعدها النحوية، لا تسمي الأشياء فحسب، بل تقوم بعملية “تحليل وإعادة تركيب للواقع”؛ إنها تبرز الخصائص الجوهرية للأشياء وتعزلها عن السياقات العرضية، مما يمكن الذات من التفكير في الغائب، ومحاكمة الماضي، والتخطيط للمستقبل، دون الحاجة للوجود العيني للأشياء أمام الحواس.

تتمتع هذه الوسائط بطبيعة مزدوجة ومذهلة بحسب تحليل ليونتيف؛ فهي من جهة أداة موجهة نحو الخارج تهدف إلى إخضاع الموضوع وتغييره، ولكنها من جهة ثانية تنعكس نحو الداخل لتصبح أداة سيكولوجية تُمكّن الذات من السيطرة على عملياتها النفسية الخاصة والتحكم فيها. فالإنسان الذي يربط عقدة في منديله ليتذكر موعداً ما، أو يكتب ملاحظة على ورقة، لا يغير شيئاً في العالم الخارجي، ولكنه يستخدم موضوعاً مادياً كوسيط خارجي لإخضاع ذاكرته الداخلية وتوجيهها إرادياً.

6.3 التجسيد الخارجي (Externalization) وتكامل الدورة النفسية

حذر ليونتيف بشدة من الوقوع في فخ النظر إلى الاستبطان كحركة ذات اتجاه واحد تنتهي بحبس النفس داخل عالم ذهني مقفل؛ فالنشاط الإنساني ليس مجرد ابتلاع واستدخال مستمر للعالم الخارجي، بل هو حركة جدلية دائرية لا تكتمل دورتها إلا بالعملية العكسية والمكملة حتماً: عملية “التجسيد الخارجي” أو “الإخراج الموضوعي” (Экстериоризация / Externalization).

يُعرف التجسيد الخارجي بأنه العملية التي يقوم من خلالها الإنسان بتحويل المخططات الذهنية، والأفكار، والدوافع، والتصورات المعرفية المستقرة في وعيه الباطني، إلى أفعال مادية ملموسة ومنتجات موضوعية واقعية في العالم الخارجي. إنها لحظة تجسد الفكر في المادة؛ فالمهندس المعماري الذي استبطن قوانين الهندسة ومفاهيم الفضاء المكاني، يعود ليمارس التجسيد الخارجي عبر رسم مخططات تفصيلية وتشييد ناطحة سحاب مادية حقيقية من الخرسانة والصلب، والكاتب يجسد منظومته الفكرية والوجدانية في رواية مطبوعة تتداولها الأيدي.

يمثل التجسيد الخارجي في المنظور المادي لليونتيف “محك الصدق والموضوعية” لأي انعكاس نفسي؛ فالوعي الداخلي لا يختبر صحته وصواب تمثيله للعالم عبر التأمل الذاتي الصامت، بل عبر الممارسة والتحقق الموضوعي في النشاط الخارجي. فإذا طابق البناء المادي ما تم التخطيط له ذهنياً وصمد أمام قوانين الجاذبية والرياح، ثبتت علمية وصحة الفعل الذهني المستبطن. هذا التدفق الحيوي المتصل — من النشاط العملي الخارجي إلى النشاط الذهني الباطني (الاستبطان)، ومن ثم العودة من النشاط الذهني لتغيير وتشكيل العالم الواقعي (التجسيد الخارجي) — يمثل الدورة الجدلية الكاملة للحياة النفسية للإنسان.

7. سيكولوجية الوعي والمعنى والدلالة الشخصية

7.1 التمييز النظري بين المعنى الاجتماعي الموضوعي والمعنى الشخصي

قدم أليكسي ليونتيف مساهمة إبستمولوجية وسيكولوجية فريدة في تحليل بنية الوعي الإنساني، تجلت في تفكيكه للثنائية الدلالية المعقدة بين مفهومين متمايزين غالباً ما يخلط بينهما علم النفس واللسانيات: مفهوم “المعنى الموضوعي/الاجتماعي” (Значение / Meaning or Signification) ومفهوم “المعنى الذاتي/الدلالة الشخصية” (Смысл / Personal Sense). هذا التمييز يمثل مفتاح الفهم السيكولوجي لكيفية تفاعل الفرد مع الثقافة والمجتمع.

يُعرف ليونتيف “المعنى الاجتماعي” (Значение) بأنه نظام التعاريف، والمفاهيم، والمعارف اللغوية والاجتماعية المشتركة التي تمت بلورتها وصياغتها تاريخياً عبر التجربة الجمعية للبشرية؛ إنه المعنى المحايد كما تدونه المعاجم وتصوغه كتب العلوم، والذي يتداوله الناس كعملة فكرية مقبولة للتواصل والتفاهم المتبادل. فمفهوم “الحرب” مثلاً، كمعنى اجتماعي، يعني صداماً مسلحاً بين دولتين أو جيشين يترتب عليه استخدام القوة لتحقيق أهداف سياسية.

في المقابل الصارم، يُعرف ليونتيف “الدلالة الشخصية” (Смысл) بأنها “العلاقة الذاتية التي تنشأ بين الدافع الأصلي لنشاط الفرد والهدف المباشر لفعله الراهن”؛ إنها القيمة الوجودية الحارة والمغزى العاطفي والحيوي الذي يكتسبه الموضوع أو الحدث بالنسبة لحياة هذا الفرد العيني بالذات. لنعد إلى مفهوم “الحرب”: فرغم أن المعنى الاجتماعي للحرب واضح ومتطابق لدى الجميع، إلا أن “الدلالة الشخصية” للحرب تختلف جذرياً وبشكل متناقض تماماً بين جنرال يبحث عن المجد العسكري والأوسمة وتراه يرى فيها فرصة حياته، وبين أم فقدت وحيدها في ساحة المعركة وتراها جحيماً وكارثة ساحقة تلتهم وجودها، وبين تاجر سلاح يرى فيها صفقة ربحية طائلة تدر عليه الملايين.

يوضح هذا التمايز أن الوعي الفردي ليس مجرد استنساخ ببغائي للمعارف الاجتماعية؛ فالإنسان يستوعب المعاني الاجتماعية العامة، ولكنه يصبغها حتماً بدلالاته الشخصية المشتقة من شبكة أنشطته ودوافعه الحياتية الخاصة. وعندما يحدث انفصام أو فجوة حادة بين المعاني الاجتماعية المفروضة والدلالات الشخصية المعاشة، ينشأ ما وصفه ليونتيف بظاهرة “الاغتراب النفسي” (Alienation) أو الصراع المعرفي والوجداني الحاد، حيث ينطق الفرد بكلمات ومعانٍ عامة لا تعني شيئاً حقيقياً لوجدانه ومسار حياته.

7.2 النسيج الحسي للصورة الذهنية وتشكيل الوعي الفردي

لكي لا يتحول الوعي إلى بناء لغوي بارد ومجرد يتكون حصراً من معانٍ ودلالات عقلية، كشف ليونتيف عن المكون الثالث والأساسي لبنية الوعي، والذي أطلق عليه مصطلح “النسيج الحسي” (Чувственная ткань / Sensory Fabric). يمثل النسيج الحسي المادة الإدراكية الخام والمباشرة التي تتدفق من الحواس: الألوان، والظلال، والأصوات، والروائح، ودرجات المقاومة اللمسية، وحركات الجسد في الفضاء الفيزيائي.

تتمثل الوظيفة الجوهرية للنسيج الحسي في أنه “يمنح الواقع واقعيته وموضوعيته في وعي الذات”؛ إنه الجسر الذي يربط بين الذات والعالم المادي الخارجي مانعاً الوعي من السقوط في الهلوسة أو الانقطاع الذهاني عن البيئة. فبفضل النسيج الحسي، لا نرى العالم كمجرد منظومة مفاهيم مجردة، بل نختبره كوجود عيني محسوس ينبض بالحياة، ممتد في المكان والزمان، ويفرض شروطه المادية على حركتنا ونشاطنا.

يقدم ليونتيف تحليله التركيبي لصورة العالم (Образ мира / World Image) كنتاج للتفاعل الجدلي الدائم بين هذه المكونات الثلاثة المتضافرة:

  • النسيج الحسي: الذي يثبت الصورة في الواقع الموضوعي ويمنحها كينونتها الحية وملمسها المادي.
  • المعاني الاجتماعية: التي تمنح الصورة طابعها المفهومي والتعميمي، وتربطها بالفكر الإنساني واللغة والخبرة التاريخية.
  • الدلالة الشخصية: التي تضفي على الصورة مغزاها الدافعي وقيمتها الحيوية، وتربطها بمصير الفرد واختياراته الوجودية.

7.3 ديناميكية الدوافع وتوجيه الوعي والانفعال

في إطار هذا البناء الدلالي، يقدم ليونتيف حلاً سيكولوجياً عبقرياً لمسألة “الانفعالات والمشاعر” (Emotions and Feelings)، رافضاً التصورات الفسيولوجية التي تعتبر الانفعال مجرد اضطراب عضوي أو استجابة فسيولوجية باطنية عمياء. يُعرف ليونتيف الانفعالات بأنها “إشارات تقييمية داخلية تعكس مدى تطابق أو تعارض مسار الفعل الراهن مع الدافع الأصلي للنشاط”.

الانفعال إذن هو البوصلة الوجدانية التي تخبر الفرد في ومضة سريعة عما إذا كان ما يفعله يقربه من تحقيق دافعه الحقيقي أم يباعده عنه؛ فالطالب الذي يدرس قد يشعر بملل مفاجئ أو قلق غامر ليس بسبب صعوبة الكلمات في الصفحة، بل لأن هذا الفعل بالذات بات يصطدم مع دافع آخر أقوى (كالرغبة في لقاء أصدقائه، أو شعوره الدفين بأن هذا التخصص لا يمثل دافعه الشخصي الأصيل). الانفعال هنا بمثابة جرس إنذار باطني يدعو الوعي لإعادة فحص “الدلالة الشخصية” للأفعال التي يمارسها.

تؤدي الانفعالات دوراً توجيهياً فائق الأهمية في إعادة هيكلة الانتباه والتركيز، وإعادة ترتيب هرمية الدوافع في المواقف الحرجة. وعندما تنشأ تناقضات مؤلمة بين دوافع متصارعة داخل الفرد (كدوافع الواجب الأخلاقي في مواجهة دوافع المصلحة الذاتية الأنانية)، فإن الوعي بالمعنى الشخصي العميق هو وحده الكفيل بحسم هذا الصراع وتوحيد طاقة الذات في مسار نشاطي موحد ومتسق.

8. نظرية الشخصية في أطروحات ليونتيف المتأخرة

8.1 تعريف الشخصية كبناء اجتماعي متأخر ناتج عن شبكة الأنشطة

توج أليكسي ليونتيف مشروعه العلمي في سبعينيات القرن العشرين بصياغة نظرية فريدة ومتكاملة في “سيكولوجية الشخصية” (Psychology of Personality)، شكلت قطيعة ابستمولوجية تامة مع كافة النظريات البيولوجية والنفسية التقليدية. صاغ ليونتيف مبدأه التأسيسي الشهير بعبارة قاطعة: “إن الإنسان يولد فرداً بيولوجياً (Индивид / Individual)، ولكنه لا يولد شخصية (Личность / Personality)؛ فالشخصية بناء اجتماعي يتشكل ويُصنع من خلال النشاط”.

يقيم ليونتيف تمايزاً منهجياً حاسماً بين مفهومين أساسيين:

  • الفرد (Individual): وهو الكائن العضوي البيولوجي، الحامل للجينات والخصائص التشريحية والفسيولوجية، والنمط العصبي (المزاج)، والغرائز الفطرية التي تضمن تكيفه العضوي مع البيئة. وهذه سمات يشترك فيها الإنسان مع المملكة الحيوانية وتولد معه كمعطى طبيعي.
  • الشخصية (Personality): وهي تشكيل نفسي كيفي متأخر وتاريخي بالكامل، لا يمكن اشتقاقها من البيولوجيا ولا من الدماغ بحد ذاته، بل هي نتاج “شبكة العلاقات الاجتماعية الحية والأنشطة الموضوعية المتعددة” التي ينخرط فيها الإنسان طوال مسار حياته الاجتماعية. الشخصية إذن هي “تكوين فوق عضوي” (Supra-organic Formation).

رفض ليونتيف بشدة كل النماذج التي تقيس الشخصية عبر السمات الوراثية أو الميول الغريزية الكامنة؛ فالشخصية ليست مخبأة داخل تجاويف الجمجمة أو ألياف الجهاز العصبي، بل هي قائمة وموزعة في “الفضاء الاجتماعي لأنشطة الفرد”؛ إنها تتحدد بما يفعله الإنسان في العالم، وبالأدوار والمسؤوليات التي يتحملها، وبالطريقة التي ينسق بها علاقاته المتشابكة مع مجتمعه وأقرانه.

8.2 التسلسل الهرمي للدوافع: ولادة الشخصية الأولى والثانية

إذا كانت الشخصية تتشكل من خلال الأنشطة، والأنشطة تقودها الدوافع، فإن جوهر البنية الداخلية للشخصية في نظرية ليونتيف يتمثل في “التسلسل الهرمي المستقر للدوافع” (Hierarchy of Motives). فالطفل الصغير في مراحله الأولى ينقاد وراء دوافع متناثرة وعشوائية ومتضاربة تلح عليه بالتناوب؛ فهو يريد اللعبة الآن، ثم يريد الحلوى، ثم يريد النوم، دون وجود نسق قيمي أو رابط داخلي ينظم هذه الرغبات الآنية.

يكتشف ليونتيف مرحلتين نوعيتين وتحولين حاسمين في حياة الإنسان يطلق عليهما مصطلحاً مجازياً عميقاً: “الولادتان الحقيقيتان للشخصية”:

  1. ولادة الشخصية الأولى (First Birth of Personality): وتحدث في سن الطفولة المبكرة (مرحلة ما قبل المدرسة، في سن الثالثة إلى الخامسة تقريباً)؛ وتتجلى في اللحظة التي تتشكل فيها العلاقات الأولى للتبعية والتسلسل الهرمي بين الدوافع. هنا ينجح الطفل للمرة الأولى في “إخضاع نزواته ودوافعه المباشرة لدوافع اجتماعية وأخلاقية أعلى”؛ كأن يمتنع عن لمس الحلوى اللذيذة الموضوعة أمامه التزاماً بوعد قطعه لأمه، أو أن يستمر في أداء دور الحارس الممل في لعبة جماعية حتى لا يفسد نشاط رفاقه. هنا تولد الشخصية في طورها الجنيني الأول؛ حيث تحل العلاقات الوساطية محل الرغبات البيولوجية المباشرة.
  2. ولادة الشخصية الثانية (Second Birth of Personality): وتحدث في مرحلة المراهقة والشباب؛ وتتطابق مع بزوغ “الوعي الذاتي بالدوافع” والقدرة على إعادة ترتيبها وبنائها إرادياً ونقدياً. لا يعود الفرد خاضعاً فقط للتراتبية الاجتماعية المفروضة عليه من الخارج من قبل الوالدين أو المدرسة، بل يبدأ في التساؤل الوجودي الواعي: “لماذا أفعل هذا؟ وما هي قيمتي؟ وما هو الدافع الأسمى الذي أريد تكريس حياتي من أجله؟”. في هذه المرحلة، تتشكل الهرمية الواعية المستقرة للدوافع، ويصبح الفرد قادراً على كبح أقوى الدوافع البيولوجية والآنية (حتى غريزة حفظ الحياة ذاتها) في سبيل قضية أسمى، أو واجب وطني، أو مبدأ أخلاقي راسخ، كما يتجلى في بطولات التضحية والفداء التاريخية.

8.3 نقد النماذج الغربية في تفسير الشخصية

انطلاقاً من منظومته المتماسكة لهرمية الدوافع، شيد ليونتيف نقداً رصيناً ومفصلاً لمدارس علم نفس الشخصية السائدة في الفكر الغربي والبرجوازي المعاصر؛ إذ رأى أنها تقع جميعاً في شرك النزعة الطبيعية المغلقة أو الفردانية المجردة.

وجه ليونتيف سهام نقده في المقام الأول إلى التحليل النفسي الفرويدي والمدرستين النيوفرويدية؛ فرغم اعترافه بعبقرية فرويد في لفت الانتباه إلى صراعات الدوافع والديناميات النفسية، إلا أنه رفض بشدة فرضية فرويد القائلة بأن الشخصية مسيرة بقوى بيولوجية غريزية عمياء (الليبيدو وغريزة الموت/الثاناتوس) مدفونة في لاوعي بدائي أزلي، وأن المجتمع ليس سوى قوة قمعية خارجية تكبت هذه الغرائز. وأكد ليونتيف أن دوافع الشخصية ليست حيوانية مكبوتة، بل هي دوافع اجتماعية وتاريخية نشأت وتشكلت من خلال النشاط الإنساني الخارجي، وأن الصراع النفسي ليس بين الغريزة والمجتمع، بل بين دوافع موضوعية حقيقية تتصادم وتتنافر داخل شبكة أنشطة الفرد في المجتمع.

كما انتقد ليونتيف “نظريات السمات” (Trait Theories) الكلاسيكية القائمة على التحليل العاملي والإحصائي لقياس سمات مثل الانبساط، والانطواء، والعصابية؛ معتبراً أن هذه النظريات تصف الشخصية كـ “قائمة جرد سكونية جامدة” لمجموعة من الخصائص المتجاورة، وتفشل تماماً في فهم الطبيعة الحركية والتوليدية للنشاط البشري. فسمات الإنسان ليست خصائص فيزيائية معطاة كوزنه وطوله، بل هي مظاهر سلوكية مشتقة تتغير بتغير بنية نشاطه ودوافعه في العالم.

ولم تسلم الاتجاهات الإنسانية الوجودية (Humanistic Psychology) مثل نظريات روجرز وماسلو من نقده المنهجي؛ فرغم تعاطفه مع تركيزها على الحرية والقيم العليا، إلا أنه انتقد مفهوم “تحقيق الذات” (Self-Actualization) باعتباره نزعة فردانية مجردة تفترض وجود “بذرة داخلية مثالية” يرغب الفرد في إنمائها بمعزل عن الشروط الموضوعية للصراع الطبقي والتاريخي. وأكد ليونتيف أن “حرية الشخصية لا تكمن في الهروب من الضرورة، ولا في الاستغراق النرجسي في تحقيق الذات، بل في الوعي العميق بضرورات النشاط المجتمعي والقدرة على الاختيار الأخلاقي المسؤول والانخراط الفاعل في تغيير الواقع الموضوعي”.

9. الأبحاث التجريبية والميدانية لليونتيف

9.1 دراسات التذكر وتكوين الوظائف النفسية العليا (خط المتوازي التذكري)

حرص ليونتيف طوال مسيرته العلمية على ألا تظل أطروحاته النظرية مجرد بناءات فلسفية مجردة، فصمم سلسلة من التجارب السيكولوجية الرائدة التي دخلت التاريخ الكلاسيكي للعلوم التجريبية، وكان على رأسها أبحاثه المبتكرة حول التذكر غير المباشر، والتي بلورت ما عُرف بـ “خط متوازي الأضلاع الوظيفي للتذكر” (Functional Parallelogram of Memory).

استهدفت التجربة تتبع المسار النشوئي لكيفية تحول عملية التذكر من “تذكر طبيعي مباشر وفطري” إلى “تذكر ثقافي غير مباشر وموجه بالوسائط والأدوات”. قام ليونتيف بتصميم موقف تجريبي دقيق تضمن مجموعات عمرية متباينة: أطفال ما قبل المدرسة (من 4 إلى 6 سنوات)، وأطفال المدارس الابتدائية، والمراهقين، والطلاب البالغين. طُلب من المشاركين في التجربة حفظ واسترجاع سلاسل طويلة وصعبة من الكلمات المجردة تحت شرطين مختلفين:

  • الشرط الأول (التذكر المباشر): حيث يُلقى على المفحوص الكلمات ويُطلب منه حفظها بقواه العقلية المباشرة دون الاستعانة بأي وسيلة مساعدة.
  • الشرط الثاني (التذكر غير المباشر عبر وسيط): حيث وُضعت أمام المفحوصين بطاقات ورقية مصورة تحتوي على أشكال وصور لأشياء متباينة (مثل صورة شجرة، سكين، منزل، حصان…) وطُلب منهم استخدام هذه البطاقات كـ “أدوات مساعدة” لتذكر الكلمات المسموعة عند استدعائها.

كشفت النتائج عن تشكيل بياني أسطوري يشبه متوازي الأضلاع أثبت صدق الفرضية النشوئية:

  • لدى أطفال ما قبل المدرسة الصغار: لم تُحدث البطاقات المساعدة أي فارق إيجابي في أدائهم؛ فالمنحنى ظل منخفضاً في الحالتين، لأن الطفل الصغير لم يطور بعد القدرة على استخدام أداة خارجية وسيطة للسيطرة على ذاكرته الخاصة.
  • لدى أطفال المدارس الابتدائية: حدثت طفرة هائلة وقفزة حادة في كفاءة التذكر عند توفير البطاقات المصورة مقارنة بالتذكر المباشر؛ حيث استخدم الأطفال الصور بوعي فائق كجسور وساطية (فإذا سمع كلمة “صيد” نظر إلى صورة “السكين” ليربط بينهما في علاقة نشاطية مساعدة)، وانفتح خطان متباعدان في الرسم البياني.
  • لدى البالغين والراشدين: عاد خطا التذكر (المباشر وغير المباشر) ليتقاربا ويرتفعا معاً في أعلى الرسم البياني؛ مما جعل الشكل العام للنتائج عبر المراحل العمرية يتخذ صورة متوازي أضلاع وظيفي متكامل.

فسر ليونتيف هذا التقارب المذهل لدى الراشدين ليس بعودتهم إلى التذكر الطبيعي، بل بحدوث عملية “الاستبطان الداخلي للأداة الوسيطة”؛ فالراشد لم يعد بحاجة إلى بطاقات كرتونية مادية خارجية على الطاولة، لأن البطاقة تحولت واستبطنت داخلياً في وعيه إلى صورة ذهنية وشفرة دلالية واستراتيجية تذكر منطقية باطنية، مما جعل تذكره يبدو خارجياً وكأنه مباشر في حين أنه وساطي وثقافي في بنيته العميقة.

9.2 تجارب إدراك النغمات وإعادة بناء الحساسية السمعية

خاض ليونتيف في الأربعينيات مغامرة تجريبية مذهلة استهدفت تفكيك أحد أكثر المعتقدات البيولوجية تجذراً في علم النفس الكلاسيكي: مسألة “الحساسية السمعية الموسيقية” (Pitch Perception)، والتي كان يُعتقد عالمياً أنها هبة بيولوجية وموهبة فطرية مغروسة في البنية التشريحية للأذن الداخلية والعصب السمعي لا يمكن اكتسابها أو تعديلها لمن حُرم منها وراثياً.

رفض ليونتيف هذه الرؤية البيولوجية الحتمية، وافترض فرضية جريئة مستمدة من نظرية النشاط: “إن الإدراك الحسي ليس مجرد انطباع سلبي تستقبله الأعصاب، بل هو في جوهره فعل حسي-حركي استكشافي موجه” (Perception as an Action). وإذا كان الإدراك فعلاً، فإنه بالإمكان تدريبه وتكوينه عبر تنظيم نشاط عملي نشط يتطابق مع خصائص الموضوع الفيزيائي.

قام ليونتيف ومساعدوه بفحص عينة من الأشخاص الذين تم تشخيصهم بافتقارهم التام للحساسية السمعية الموسيقية (Tone-deafness) وعجزهم عن التمييز بين الطبقات والترددات النغمية المتقاربة. ثم صمم جهازاً تجريبياً خاصاً يولد نغمات بترددات معينة، وألزم المشاركين بالانخراط في “نشاط صوتي-حركي فاعل”؛ حيث طُلب منهم محاكاة تلك النغمات بأحبالهم الصوتية والتنغيم معها بصوت مسموع، واستخدام حركات اليد لمطابقة اهتزاز الصوت. من خلال هذا النشاط الحركي المشترك، تعلم المشاركون تشكيل نموذج حركي داخلي للنغمة عبر عضلات الحنجرة.

كانت النتيجة التجريبية مذهلة وتاريخية؛ إذ تمكن المشاركون خلال فترة وجيزة من تطوير حدة سمع نغمية فائقة مكنتهم من التمييز الدقيق بين الترددات الصوتية المعقدة، وارتفعت قدرتهم السمعية إلى مستويات تضاهي العازفين المهرة. أثبتت هذه التجربة بشكل قاطع أن الوظائف الحسية الأساسية ليست مجرد مستقبلات تشريحية ثابتة، بل هي “أفعال استكشافية حركية تم استبطانها وتحويلها إلى عمليات إدراكية حساسة”، مما وجه ضربة قاصمة للأطروحات الفطرية الوراثية الجامدة.

9.3 أبحاث إعادة تأهيل الحركة وإصابات الحرب العالمية الثانية

شكلت سنوات الحرب الوطنية العظمى (1941–1945) الميدان التطبيقي والعيادي الأكثر قسوة واختباراً لمفاهيم ليونتيف؛ حيث قاد فريقاً بحثياً ضخماً في مستشفيات جراحة الأعصاب لإعادة التأهيل الوظيفي لآلاف الجنود الذين عانوا من شلل حركي جزئي أو تمزقات عضلية وعصبية شديدة في الأطراف جراء المعارك الدامية.

اصطدم ليونتيف وفريقه بالمنهجية الطبية الكلاسيكية المتبعة آنذاك، والتي كانت تعتمد على التمارين العلاجية الميكانيكية التجريدية (كأن يُطلب من الجندي المريض رفع ذراعه المصابة في الهواء إلى أقصى حد ممكن، أو ثني مفصل الكوع بزاوية معينة). لاحظ ليونتيف أن هذه التمارين الميكانيكية كانت تصطدم بسقف علاجي مبكر، وتسبب ألماً حاداً ومقاومة نفسية للمريض، وكانت استعادة الحركة تتم ببطء شديد وغالباً ما تتوقف عند حدود عجز جزئي دائم.

انطلاقاً من فهمه للبنية الهيكلية للنشاط، غير ليونتيف الاستراتيجية العلاجية جذرياً؛ حيث ألغى الحركات الميكانيكية المعزولة، واستبدلها بإدراج الطرف المصاب ضمن “نشاط إنتاجي واقعي ذي هدف ملموس ودافع واضح للمريض”. أنشأ ليونتيف ورش عمل للنجارة، والحدادة، وصناعة الفخار، وتصليح الساعات داخل المستشفى. وأظهرت البيانات الإكلينيكية المقارنة والدقيقة ما يلي:

  • عندما طُلب من الجندي رفع ذراعه المصابة كحركة تجريدية معزولة (فعل بلا معنى وظيفي)، توقفت حركة المفصل عند زاوية معينة مدعياً استحالة التمدد للأعلى بسبب الألم الحاد.
  • عندما وُضع نفس الجندي أمام طاولة عمل وطُلب منه “إمساك مطرقة وضرب مسمار في لوح خشبي”، أو “التقاط تفاحة من رف مرتفع”، ارتفعت الذراع تلقائياً بنسبة تزيد عن 20% إلى 30% مقارنة بالوضع التجريدي، ودون أن يشعر الجندي بنفس حدة الألم!

فسر ليونتيف هذه المعجزة العلاجية بأن حركة العضو المصاب عندما تندرج كـ “عملية تنفيذية” لخدمة “فعل هادف” منخرط في “نشاط كلي مفهوم ومحفز”، يتغير التنظيم العصبي المركزي للحركة في قشرة الدماغ برمتها؛ إذ ينتقل التركيز الانتباهي من رصد إشارات الألم الداخلية في العضو إلى التوجه نحو إنجاز الهدف الموضوعي الخارجي، مما يسمح للأنظمة العصبية بإعادة تنظيم روابطها التعويضية بكفاءة وسرعة استثنائية. أصبحت هذه الأبحاث حجر الزاوية التاريخي لما يُعرف اليوم بـ العلاج الوظيفي (Occupational Therapy) القائم على علم النفس العصبي والنشاط.

10. التطبيقات التربوية والتعليمية لنظرية النشاط

10.1 مفهوم النشاط الرائد (Leading Activity) ومراحل النمو المعرفي

صاغ أليكسي ليونتيف مفهوماً سيكولوجياً وتربوياً ثورياً أعاد هيكلة علم نفس النمو المعاصر، وهو مفهوم “النشاط الرائد” (Ведущая деятельность / Leading Activity). رفض ليونتيف الربط الميكانيكي بين مراحل النمو الإنساني والعمر الزمني أو النضج البيولوجي العضوي؛ مؤكداً أن ارتقاء الطفل المعرفي والنفسي لا ينتقل من مرحلة إلى أخرى تلقائياً، بل يتحدد بطبيعة “النشاط الرائد” الذي يهيمن على وجوده في سياق تاريخي واجتماعي محدد.

يُعرف النشاط الرائد بأنه ليس النشاط الذي يستغرق أكبر وقت زمني من يوم الطفل بالضرورة، بل هو النشاط النوعي الذي يتميز بثلاث خصائص وظيفية حاسمة:

  • النشاط الذي تنشأ وتتفرع من داخله الأشكال والأنماط النشاطية الجديدة كلياً للمراحل اللاحقة.
  • النشاط الذي تتشكل وتتمايز في سياقه العمليات والوظائف النفسية العليا النوعية لتلك المرحلة (كالانتباه الإرادي، أو التفكير المنطقي، أو التخيل الإبداعي).
  • النشاط الذي تتوقف عليه التحولات الجوهرية في البنية النفسية لشخصية الفرد في تلك المرحلة العمرية.

حدد ليونتيف، وعمقه لاحقاً تلميذه دانييل إلكونين، تعاقب الأنشطة الرائدة عبر مسار النمو الإنساني على النحو التالي:

  • التواصل العاطفي المباشر مع الراشد (الرضاعة): وفيه تتشكل الاستجابات الاجتماعية الأولية والأسس النفسية للشعور بالأمان والانتماء.
  • النشاط التلاعبي بالأشياء (الطفولة المبكرة): وفيه يتعلم الطفل الخصائص الوظيفية للأدوات والموضوعات المادية بتوجيه مباشر من الكبار.
  • اللعب الإيهامي/تقمص الأدوار (ما قبل المدرسة): وفيه ينخرط الطفل في ألعاب تمثيلية جماعية (مثل لعب دور الطبيب، المعلم، الشرطي)؛ حيث يمارس استيعاب القواعد والمعايير والعلاقات الاجتماعية الأخلاقية، مما يشكل النواة الأولى للولادة الأولى للشخصية.
  • النشاط التعليمي/المدرسي (المرحلة الابتدائية): وفيه يتحول التعلم إلى نشاط هادف وموجه ذاتياً يسعى لاكتساب المفاهيم النظرية المجردة والمعارف العلمية المنظمة.
  • التواصل الحميم والمهني (المراهقة والشباب): وفيه يصبح استكشاف الذات، والتواصل مع الأقران، وتحديد الموقع في تقسيم العمل الاجتماعي هو المحرك الرائد للنمو؛ مما يؤذن بالولادة الثانية للشخصية وتثبيت هرمية الدوافع الواعية.

10.2 بيداغوجيا التدريس القائم على النشاط والتفاعل الصفي

أحدثت نظرية النشاط لليونتيف زلزالاً بيداغوجياً أطاح بالنماذج التربوية التقليدية القائمة على التعليم البنكي، والتلقين اللفظي السلبي، وتكديس المعلومات الجاهزة في ذاكرة التلاميذ. فإذا كانت المعرفة تنشأ من النشاط، فإن استيعاب المعرفة لا يمكن أن يتم عبر الاستقبال السلبي للحقائق؛ إذ لا يستطيع التلميذ امتلاك مفهوم رياضي أو فيزيائي أصيل إلا إذا “أعاد إنتاج الفعل العملي والموضوعي الذي ولد ذلك المفهوم تاريخياً”.

استند التطبيق البيداغوجي المباشر لنظرية النشاط إلى الأبحاث المعمقة التي قادها زميل وتلميذ ليونتيف، بيوتر غالبيرين (Pyotr Galperin)، حول “التكوين المرحلي للأفعال الذهنية والمفاهيم” (Stage-by-Stage Formation of Mental Actions). تنص هذه البيداغوجيا النشاطية على أن تدريس أي مفهوم أو مهارة عقلية جديدة في الغرفة الصفية يجب أن يمر بمسار تكويني متدرج لا يجوز القفز فوق مراحله:

  1. توفير الأساس التوجيهي للفعل (Orientation Base): حيث يُعرض على التلميذ الهدف العام والمخطط البصري للمهمة وما هو متوقع تحقيقه.
  2. المرحلة المادية أو المادية المجسدة (Material / Materialized Action): حيث يمارس التلميذ الفعل باستخدام أشياء مادية حقيقية (أو نماذج وبطاقات ورسوم تخطيطية)، محركاً يديه وعينيه في الفضاء الخارجي.
  3. مرحلة الكلام المسموع الصريح (Overt Audible Speech): حيث يعزل التلميذ الأشياء المادية، ويبدأ في نطق وتفسير خطوات الفعل بصوت مرتفع لنفسه ولأقرانه وللمعلم.
  4. مرحلة الكلام الباطني الخافت (Inner Speech): حيث ينسحب الكلام المسموع إلى حديث ذهني باطني يوجه مجريات التفكير بصمت.
  5. مرحلة الفعل الذهني الخالص (Pure Mental Action): حيث يتحول الفعل إلى عملية عقلية داخلية ومؤتمتة بالكامل، تتسم بالسرعة والاختزال والإتقان الفائق.

يتغير دور المعلم في هذه البيداغوجيا تغيراً جذرياً؛ فهو لم يعد ملقناً للمعلومات، بل “مهندساً للبيئة النشاطية للتعلم”؛ يصمم المواقف الإشكالية، ويوفر الأدوات والوسائط المناسبة، ويحفز الدوافع الداخلية للتلاميذ عبر ربط المعرفة الصفية بأنشطة استكشافية جماعية ذات معنى ودلالة شخصية حقيقية للطفل.

10.3 إصلاح المناهج الدراسية وإسهامات مدرسة إلكونين ودافيدوف

تبلورت الذروة المؤسسية لتطبيقات نظرية النشاط في مشروع إصلاح المناهج الدراسية الشامل الذي قاده عالما النفس السوفيتيان دانييل إلكونين وفاسيلي دافيدوف (Vasily Davydov)، والمعروف تاريخياً باسم نظام التعليم التطويري (Developmental Teaching / Развивающее обучение). استهدف هذا النظام إعادة صياغة الكتب المدرسية والمناهج التعليمية في شتى المراحل الدراسية لتجاوز النزعة التجريبية الوصفية نحو التفكير النظري المفهومي الأصيل.

انتقد دافيدوف وإلكونين، بوحي مباشر من ليونتيف وماركس، الطرق التدريسية الشائعة التي تعتمد على “التفكير التجريبي الحسي العرضي” (Empirical Thinking)، والذي يعلم الأطفال استخلاص المفاهيم عبر تجميع الخصائص الخارجية المتشابهة في الأشياء. واستبدلا ذلك بـ “التفكير النظري الصاعد من المجرد إلى المشخص” (Ascending from the Abstract to the Concrete). ففي مناهج الرياضيات المطورة مثلاً، لا يبدأ الأطفال بتعلم الأرقام والعد الحسي للأشياء، بل يتعلمون أولاً مفهوم “العلاقة والكمية والتحول” عبر مقارنة أطوال وأوزان ومساحات باستخدام رموز تجريدية قبل إدخال الأرقام العددية، مما ينمي لديهم تفكيراً رياضياً وجدلياً فائق التطور من سن مبكرة.

أثبتت النتائج الميدانية لتطبيق هذا النظام التعليمي لعقود في المدارس التجريبية قفزات مذهلة في القدرات الفكرية والإبداعية والتحليلية للتلاميذ مقارنة بالمناهج التقليدية. ولم يقتصر تطبيق هذا المنهج على المدارس الابتدائية، بل امتدت تطبيقات نظرية النشاط إلى مجالات التعليم الفني والتدريب المهني للعمال في المجمعات الصناعية الكبرى، وبرامج إعداد وتأهيل الكوادر الفنية المتقدمة، حيث تم تصميم برامج التدريب كمنظومات نشاطية متكاملة تدمج النظري بالعملي، مما جعل مدرسة ليونتيف التربوية واحدة من أخصب الحركات البيداغوجية في التاريخ الحديث.

11. الجدالات النظرية والمناظرات الفكرية في سياقها التاريخي

11.1 المناظرة الكبرى مع سيرجي روبنشتاين حول أسبقية النشاط والوعي

شهدت الساحة السيكولوجية السوفيتية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين واحدة من أعمق وأرقى المناظرات المعرفية في تاريخ العلوم الإنسانية، تمثلت في السجال النظري الحامي بين أليكسي ليونتيف ومؤسس المدرسة السيكولوجية في لينينغراد (سانت بطرسبرغ) الفيلسوف وعالم النفس الفذ سيرجي روبنشتاين (Sergei Rubinstein). ورغم أن الاثنين انطلقا من المادية الجدلية وأسسا علم النفس على مقولة النشاط، إلا أن خلافهما المنهجي حول العلاقة بين “النشاط والوعي” كان عميقاً ومفصلياً.

تمثلت أطروحة سيرجي روبنشتاين في مقولته المنهجية الشهيرة: “إن الشروط الخارجية تعمل وتؤثر من خلال الشروط والوسائط الداخلية” (External causes act through internal conditions)، وصاغ مبدأ “وحدة الوعي والنشاط”؛ حيث أكد روبنشتاين أن “الوعي يتشكل ويظهر في النشاط، ولكنه ليس مشتقاً منه بالكامل كإنتاج أحادي”. كان روبنشتاين يخشى أن يؤدي نموذج ليونتيف إلى نزعة سلوكية جديدة (أو وظيفية خارجية) تذوب استقلالية الحياة النفسية والذاتية الفردية، وتختزل الوعي في مجرد انعكاس آلي مباشر للنشاط العملي الخارجي.

في المقابل، صاغ ليونتيف أطروحته الراديكالية المعاكسة: “إن النشاط لا يظهر الوعي فقط، بل إن النشاط ينتج الوعي، والنشاط هو الذي يحدد البنية الداخلية للوعي ذاتها”. رد ليونتيف على مبدأ روبنشتاين بصيغة منهجية صارمة: “إن الشروط الداخلية ما هي إلا نتاج للنشاط الخارجي الذي تم استبطانه تاريخياً؛ فالداخلي في أصله هو خارجي تم تحويله وتعديله”. رأى ليونتيف أن أطروحة روبنشتاين تفتح الباب موارباً، دون قصد، لعودة الثنائية الديكارتية؛ إذ تجعل “الداخلي” كياناً موجوداً سلفاً يتوسط النشاط، بدلاً من النظر إليه كصيرورة متولدة ديناميكياً من الممارسة التاريخية في العالم الموضوعي.

تجاوزت هذه المناظرة حدود النقاش النظري لتلقي بظلالها على المؤسسات الأكاديمية وصراع النفوذ بين مدارس موسكو ولينينغراد، لكنها أثرت الفكر السيكولوجي بمستويات فائقة من الدقة المنهجية والتحليل المفاهيمي، وظلت حتى اليوم مرجعاً أساسياً لكل من يدرس العلاقة الجدلية بين الذاتية الموضوعية والوعي الإنساني.

11.2 الانتقادات الغربية وتهم الأدلجة الماركسية

واجه مشروع أليكسي ليونتيف الفكري، خاصة خلال ذروة الحرب الباردة، موجة عاتية من الانتقادات والتشكيك في الأوساط الأكاديمية الغربية؛ حيث اتُهمت نظرية النشاط في كثير من الأحيان بأنها مجرد صياغة مأدلجة صُممت خصيصاً لإرضاء المتطلبات العقائدية للحزب الشيوعي السوفيتي، وتبرير التفسير المادي القسري لكل الظواهر الإنسانية والروحية.

أثار بعض النقاد الغربيين تساؤلات حول مدى استقلالية ليونتيف العلمية، لاسيما خلال الحقبة الستالينية الصعبة والمعقدة التي شهدت تصفية حركة البيدولوجيا وقمع العديد من العلماء والمفكرين الأحرار؛ متهمين إياه بالبراغماتية والمناورة الأكاديمية واستخدام المصطلحات اللينينية كدروع حماية لضمان استمرار معاهده البحثية ونفوذه المؤسسي. كما رأى البعض في تركيزه الشديد على النشاط المادي العملي انعكاساً للنزعة الإنتاجوية والعمالية السوفيتية التي تمجد العامل الصناعي وتخفض من قيمة التأمل الفردي الحر.

غير أن هذه الرؤية الاختزالية سرعان ما تراجعت مع نهاية الحرب الباردة وانفتاح النصوص الأصلية لليونتيف وترجمتها الدقيقة؛ حيث تصدى كبار الباحثين الغربيين المدافعين عن نظرية النشاط (مثل مايكل كول، جيروم برونر، وإيفو إنغستروم) لتلك الاتهامات، مؤكدين أن منظومة ليونتيف تستند إلى براهين تجريبية وميدانية رصينة لا غبار عليها، وأن توظيفه للفلسفة الماركسية لم يكن نفاقاً سياسياً، بل كان تبنياً فلسفياً خلاقاً يضاهي توظيف الفلاسفة والعلماء الغربيين للكانطية أو البراغماتية، معترفين بأن نظريته تقدم حلولاً إبستمولوجية لأزمات علم النفس المعاصر تفوق بمراحل النماذج المعرفية والسلوكية الرائجة في الغرب.

11.3 حدود وملاحظات نقدية موجهة للنموذج الهيكلي الثلاثي

بعيداً عن الأدلجة السياسية، واجه النموذج الهيكلي الثلاثي لليونتيف (نشاط – فعل – عملية) انتقادات نظرية وميثودولوجية جادة من داخل المدرسة السوفيتية ذاتها ومن الباحثين المعاصرين المتخصصين في نظرية النشاط، تمحورت حول عدد من الصعوبات البنيوية:

  • صعوبة الفصل التجريبي الدقيق: واجه الباحثون في الميدان صعوبة بالغة في وضع خط فاصل وحاسم في بعض الأحيان بين ما هو “فعل” وما هو “عملية” في خضم السلوك الإنساني الواقعي المعقد والمتغير بسرعة؛ إذ تتداخل المستويات وتتبادل المواقع بصورة بالغة السيولة تجعل التوصيف التجريبي الصارم عسيراً ومربكاً للباحثين المبتدئين.
  • الإفراط في العقلانية والأداتية: أشار نقاد (من بينهم ممثلو السيكوديناميكا وعلم النفس الظاهراتي) إلى أن نموذج ليونتيف يركز تركيزاً مكثفاً وشبه حصري على الجوانب العقلانية، والإنتاجية، والأداتية للنشاط، مغفلاً إلى حد بعيد الأبعاد الوجدانية العميقة، والحالات المزاجية غير الموجهة بهدف، والنزوات اللاشعورية، وعالم الأحلام، والجماليات الخالصة التي لا ترتبط بإنتاج مادي مباشر ولا يمكن حشرها بسهولة في قالب “الفعل الهادف”.
  • ضيق النموذج الفردي وتجاهل الشبكات: ركز ليونتيف في معالجته التجريبية على “الفرد المنخرط في النشاط” (حتى وإن كان النشاط اجتماعياً في أصله)، دون أن يطور نموذجاً بيانياً ومفاهيمياً كافياً يستوعب التفاعلات البنيوية المعقدة لشبكات الأنشطة المتعددة والمتصارعة على مستوى المؤسسات والمجتمعات الكبرى؛ وهي الفجوة المنهجية التي تطلب سدها ظهور الأجيال اللاحقة من نظرية النشاط لتوسيع أطروحات ليونتيف التأسيسية.

12. الإرث العلمي وتطور نظرية النشاط في الساحة المعاصرة

12.1 أجيال نظرية النشاط الثقافية التاريخية (CHAT) وإضافات إنغستروم

لم تمت نظرية النشاط برحيل أليكسي ليونتيف عام 1979، بل تحولت إلى حركة علمية وفكرية عالمية عابرة للقارات واللغات، تبلورت تحت المظلة النظرية الكبرى المعروفة اليوم بـ نظرية النشاط الثقافية التاريخية (Cultural-Historical Activity Theory – CHAT). ويتفق مؤرخو وفلاسفة العلوم المعاصرون على تصنيف مسار تطور هذه النظرية إلى ثلاثة أجيال رئيسية متتابعة:

  • الجيل الأول: ارتبط بأعمال ليف فيغوتسكي التأسيسية، والتي تمحورت حول نموذج “الوساطة الفردية المثلثة” (المثير – الأداة الوسيطة/العلامة – الاستجابة)، مبرزاً الطابع السيميائي والرمزي لتشكل الوعي الفردي.
  • الجيل الثاني: قاده أليكسي ليونتيف بعبقرية استثنائية، وفيه تمت ترقية النظرية من مستوى الفرد إلى مستوى “النشاط العملي المشترك”؛ حيث أدخل ليونتيف التمييز البنيوي الهيكلي الحاسم بين النشاط الجماعي والأفعال الفردية، وربط النشاط بالدافع الموضوعي، والفعل بالهدف، والعملية بالظروف، مقدماً النواة الصلبة التي يقوم عليها كل بناء نظري معاصر للنشاط البشري.
  • الجيل الثالث: يقوده المنظر الفنلندي المعاصر إيفو إنغستروم (Yrjö Engeström)، والذي قام بتوسيع نموذج ليونتيف الهيكلي ليصيغ “مثلث نظام النشاط المعقد” (Activity System Model)؛ مدخلاً عناصر اجتماعية ومؤسسية لم يفصلها ليونتيف بدقة: وهي القواعد واللوائح المجتمعية (Rules)، والمجتمع الحاضن (Community)، وتقسيم العمل المؤسسي (Division of Labor). وركز إنغستروم على دراسة التفاعل والصدام بين “شبكات الأنشطة المتعددة والمتناقضة”، معتبراً أن “التناقضات الداخلية” داخل منظومات العمل والإنتاج هي المحرك الأساسي للتطوير والتعلم والتحول المؤسسي.

يظل نموذج ليونتيف في هذا السياق العالمي النواة الجوهرية والقلب النابض للجيلين الثاني والثالث؛ فلا يمكن فهم أي نظام نشاطي معقد دون الاستناد إلى تشريحه العبقري للعلاقة بين الأفعال والعمليات والدوافع والمعاني الشخصية.

12.2 التطبيقات المعاصرة في التفاعل بين الإنسان والحاسوب (HCI) والتصميم

في تسعينيات القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين، شهدت نظرية النشاط لليونتيف بعثاً علمياً استثنائياً وغير متوقع في قلب وادي السيليكون ومراكز الأبحاث التكنولوجية المتقدمة في الغرب، وتحديداً في حقل التفاعل بين الإنسان والحاسوب (Human-Computer Interaction – HCI) وتصميم واجهات وتجارب المستخدم الرقمية (UI/UX Design).

قاد هذا التحول باحثون ورواد عالميون مثل كاري كابتيلينين (Victor Kaptelinin) وبوني ناردي (Bonnie Nardi)، الذين انتقدوا النماذج المعرفية الحاسوبية الكلاسيكية (Cognitive Psychology) التي كانت تشبه عقل الإنسان بمعالج بيانات حاسوبي معزول. واستعانوا بنظرية ليونتيف في النشاط لتقديم رؤية مغايرة كلياً تؤكد أن المستخدم لا يجلس أمام الحاسوب ليعالج رموزاً تجريدية، بل ليمارس “نشاطاً بشرياً هادفاً واجتماعياً” تتدخل فيه أدوات البرمجيات كوسائط تكنولوجية مساعدة.

وظف مصممو التكنولوجيا المستويات التحليلية الثلاثة لليونتيف بطرق بارعة ومباشرة:

  • مستوى العمليات: تحليل كيف يتحول استخدام الفأرة، أو الضغط على اختصارات لوحة المفاتيح، أو النقر السريع على الشاشة إلى “عمليات مؤتمتة” تجري دون تفكير واعد، مما يتطلب تصميماً برمجياً يقلل العبء المعرفي ويمنع تعثر تلك العمليات.
  • مستوى الأفعال: تصميم الواجهات البرمجية بما يتطابق مع “الأهداف الواعية” المباشرة للمستخدم (كتحرير مستند، أو تحويل مالي، أو تعديل صورة)، مما يسهل مراقبة الفعل وتصحيح الأخطاء.
  • مستوى النشاط: ربط النظام الرقمي بـ “الدافع العام” الحقيقي للمستخدم (كإنجاز مشروع تخرج، أو التواصل مع الأحبة، أو إدارة منظمة عمل)، وهو ما وضع الأسس النظرية الرصينة لتصميم أنظمة العمل الجماعي المدعمة بالحاسوب (Computer-Supported Cooperative Work – CSCW).

12.3 علم النفس التنظيمي ودراسات بيئات العمل والتعلم المستمر

امتد النفوذ المعاصر لأفكار ليونتيف إلى مجالات الإدارة، وعلوم التنظيم، وعلم النفس الصناعي، ودراسات بيئات العمل المعقدة؛ حيث تُستخدم مبادئ نظرية النشاط اليوم كأداة تشخيصية وتحليلية رفيعة المستوى لفهم وتفكيك الاختلالات البنيوية داخل المؤسسات والشركات والمستشفيات ومنظومات الرعاية الصحية الحديثة.

تُطبق مفاهيم ليونتيف حول المعنى الشخصي والدوافع لتحليل ظواهر الإرهاق المهني (Burnout)، والانسحاب الوظيفي، وضعف الإنتاجية؛ حيث أظهرت الدراسات التنظيمية أن عزل الموظف عن الدافع الكلي للنشاط وتحويله إلى مجرد منفذ لعمليات مجزأة مفرغة من المعنى الشخصي يقود حتماً إلى الاغتراب والتدهور المعرفي والمهني. كما تستند برامج تأهيل رواد الفضاء، ومشغلي المفاعلات النووية، والطيارين في الصناعات الدقيقة والحرجة إلى أبحاث ليونتيف في تدريب الأفعال الاستكشافية المعقدة، والتحويل الآمن بين العمليات الآلية والأفعال الواعية في حالات الطوارئ القصوى.

علاوة على ذلك، انبثقت من إرث ليونتيف نظرية “التعلم التوسعي” (Expansive Learning) التي تطبقها كبرى المنظمات العالمية اليوم، والتي لا ترى التعلم كحفظ لمعارف سابقة، بل كعملية إعادة بناء جذرية ومشتركة لمنظومات النشاط القائمة لتجاوز تناقضاتها وخلق ممارسات وحلول مهنية جديدة بالكامل تواكب متطلبات العصر. هذا الحضور الكاسح يؤكد أن أليكسي ليونتيف لم يكن مجرد منظر سوفيتي ارتبط بسياق تاريخي ولى، بل هو فيلسوف وعالم نفس ارتقائي استشرف آفاق المستقبل الإنساني وظل حياً في ضمير الفكر المعرفي المعاصر.

خاتمة

يمثل المشروع العلمي لأليكسي نيكولايفيتش ليونتيف (1903–1979) إحدى أرفع الذرى المعرفية التي بلغها العقل البشري في سعيه لفهم ذاته والتحرر من أوهام الانقسام الديكارتي العقيم. لقد نجح ليونتيف، عبر مسيرة بحثية حافلة امتدت لأكثر من نصف قرن، في انتشال علم النفس من مستنقع الاختزال الميكانيكي ومن أبراج المثالية التأملية العاجزة، ليضعه بقوة على الأرض الصلبة للتاريخ والممارسة المادية؛ مقدماً نظرية متماسكة تشهد على أن الوعي البشري والشخصية والوجدان ليست عطايا جينية مسبقة ولا ظلالاً باطنية معزولة، بل هي ثمرات حية ومستمرة تنبت وتزهر في خضم النشاط العملي الهادف الذي يغير به الإنسان عالمه ويصنع به مصيره المشترك.

إن العبقرية الدائمة لنظرية النشاط تكمن في قدرتها التوليدية المدهشة على مد الجسور الحية بين الفلسفة الجدلية، وعلم الأعصاب الإكلينيكي، والتصميم التكنولوجي المتقدم، والممارسة البيداغوجية والتربوية؛ مما يجعل العودة إلى نصوص ليونتيف اليوم ضرورة إبستمولوجية ملحة لكل باحث يسعى لاستيعاب موقع الإنسان وفاعليته في عصر الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي وتحولات العمل المعاصر. إن أليكسي ليونتيف لم يقدم مجرد فصل في تاريخ علم النفس السوفيتي، بل شيد صرحاً إنسانياً ومعرفياً خالداً سيظل يمد الأجيال القادمة بالأدوات النظرية والمنهجية لفهم كيف يظل الإنسان فاعلاً حراً يصنع تاريخه ووعيه بملء إرادته ونشاطه الموضوعي في العالم.

المراجع

  • Cole, M. (1996). Cultural psychology: A once and future discipline. Harvard University Press.
  • Davydov, V. V. (1990). Types of generalization in instruction: Logical and psychological problems in the structuring of school curricula. Reston, VA: National Council of Teachers of Mathematics.
  • Engeström, Y. (1987). Learning by expanding: An activity-theoretical approach to developmental research. Helsinki: Orienta-Konsultit. https://www.mv.helsinki.fi/home/ye-engest/pages/activity_theory.html
  • Galperin, P. Y. (1969). Stages in the development of mental acts. In M. Cole & I. Maltzman (Eds.), A handbook of contemporary Soviet psychology (pp. 249–273). Basic Books.
  • Kaptelinin, V., & Nardi, B. A. (2006). Acting with technology: Activity theory and interaction design. MIT Press. https://mitpress.mit.edu/9780262513302/acting-with-technology/
  • Leontiev, A. N. (1931). Развитие памяти: Экспериментальное исследование высших психологических функций [Development of memory: Experimental study of higher psychological functions]. Moscow-Leningrad: Uchpedgiz.
  • Leontiev, A. N. (1975). Деятельность. Сознание. Личность [Activity, consciousness, and personality]. Moscow: Politizdat. https://www.marxists.org/archive/leontev/works/activity-consciousness-personality/index.htm
  • Leontiev, A. N. (1981). Problems of the development of the mind. Moscow: Progress Publishers.
  • Luria, A. R. (1976). Cognitive development, its cultural and social foundations. Harvard University Press.
  • Rubinstein, S. L. (1957). Бытие и сознание [Being and consciousness]. Moscow: USSR Academy of Sciences.
  • Vygotsky, L. S. (1978). Mind in society: The development of higher psychological processes (M. Cole, V. John-Steiner, S. Scribner, & E. Souberman, Eds.). Harvard University Press.
  • Zinchenko, V. P. (1995). The cultural-historical psychology and psychological theory of activity: Retrospect and prospect. In J. V. Wertsch, P. del Río, & A. Alvarez (Eds.), Sociocultural studies of mind (pp. 37–55). Cambridge University Press.
★

تقييم هذا المحتوى

5.0 / 5 • 7 تقييمات