السيرة
يقف عالم الإدراك والمهندس المجري-الأمريكي بيلا جوليز (Bela Julesz) في طليعة العلماء الذين أحدثوا تحولاً جذرياً في فهمنا لكيفية معالجة الدماغ البشري للمعلومات الحسية وبناء المشهد البصري ثلاثي الأبعاد. لم يكن جوليز مجرد باحث في علم النفس التجريبي أو فيزيولوجيا الأعصاب بالمعنى التقليدي، بل كان رائداً استثنائياً نجح في الجمع بين الصرامة الرياضية للهندسة الكهربائية ونظرية المعلومات، وبين التعقيد البيولوجي للعلوم العصبية والإدراكية. من خلال ابتكاره الفذ لمخططات النقاط العشوائية المجسمة (Random-Dot Stereograms) في أواخر خمسينيات القرن العشرين، استطاع جوليز تفكيك ألغاز الرؤية المزدوجة التي حيرت الفلاسفة وعلماء البصريات منذ عهد يوهانس كيبلر وتشارلز ويتستون وهرمان فون هيلمهولتز، مؤسساً حقلاً معرفياً جديداً أطلق عليه اسم “الإدراك السيكلوبي” (Cyclopean Perception).
تكمن فرادة جوليز المنهجية في قدرته على توظيف الحواسيب الرقمية في مهدها المبكر داخل أروقة مختبرات بيل (Bell Labs) الشهيرة، ليحول المفاهيم المجردة حول معالجة الصور ونقل الإشارات إلى أدوات تجريبية ميكروسكوبية تسبر أغوار القشرة المخية البصرية بدقة متناهية. لقد أثبتت تجاربه أن الدماغ البشري قادر على استخلاص العمق ثلاثي الأبعاد ودمج الصورتين الواردتين من العينين قبل أن يتعرف على الأشكال أو الحواف أو المعالم الدلالية للمشهد، وهو ما نسف الفرضية السائدة التي دامت لأكثر من قرن حول ضرورة “التعرف المسبق على الأشكال” قبل إدراك العمق المجسم. امتدت بصمته العلمية لتشمل صياغة نظرية التكستون (Texton Theory) لتحليل التمييز البصري التلقائي للقوام، وتحديد الخط الفاصل بين المعالجة السابقة للانتباه وتلك التي تتطلب تركيزاً بؤرياً واعياً.
يقدم هذا المقال الموسوعي دراسة استقصائية شاملة لمسيرة بيلا جوليز الفكرية والعملية، متتبعاً جذوره العلمية والهندسية في بودابست وهجرته عقب أحداث عام 1956، مروراً بعقوده الذهبية في مختبرات بيل، وأبحاثه المتأخرة في جامعة روتجرز. كما يتناول المقال الأبعاد الإبستيمولوجية والفلسفية لأعماله، وأثرها المستمر في الذكاء الاصطناعي، والرؤية الحاسوبية، والواقع الافتراضي، وتشخيص الاضطرابات العصبية والبصرية المعاصرة، مبرزاً كيف يمكن لمنهج هندسي صارم أن يضيء أعمق دهاليز الوعي الحسي البشري.
1. النشأة والخلفية العلمية في المجر (1928-1956)
1.1 السنوات المبكرة والتعليم الهندسي في بودابست
ولد بيلا جوليز في العاصمة المجرية بودابست في التاسع عشر من فبراير عام 1928، في كنف عائلة أولت اهتماماً بالغاً بالتحصيل الأكاديمي والفكري وسط مناخ ثقافي ووسط-أوروبي كان يموج بالاضطرابات والنهضة العلمية في آن واحد. نشأ جوليز في بيئة تعليمية حفزت فضوله المبكر نحو استكشاف الظواهر الطبيعية والرياضية، حيث أظهر منذ سنين يفاعته شغفاً ملحوظاً بالبنى المنطقية والهندسية المعقدة. دفعته هذه الميول إلى الالتحاق بجامعة بودابست للتكنولوجيا والاقتصاد (Budapest University of Technology and Economics)، التي كانت آنذاك إحدى القلاع الأكاديمية الرائدة في تدريس العلوم الفيزيائية والتطبيقية في أوروبا الشرقية، وتخرج منها حاملاً شهادة البكالوريوس في الهندسة الكهربائية والاتصالات عام 1950.
خلال سنوات دراسته الجامعية وما تلاها، تأثر جوليز بشدة بالنظريات الرياضية المتقدمة المرتبطة بنظرية معالجة الإشارات، وتحليل فورييه، والاحتمالات العشوائية. كانت بودابست في تلك الحقبة مركزاً تنويرياً لكبار علماء الرياضيات مثل جون فون نيومان وبول إردوس، وقد تشرب جوليز من هذا المعين الفكري الرصين أهمية الصياغة الرياضية الصارمة للمشكلات التجريبية. عمل بعد تخرجه في معهد أبحاث الاتصالات السلكية واللاسلكية في بودابست، وكرّس نفسه لدراسة نقل إشارات التلفزيون وتعديل النطاق الترددي، وهي المشكلات الهندسية التي تتطلب فهماً عميقاً لكيفية تشفير المعلومات وتجنب الفقد الإشاري، مما فتح عينيه مبكراً على العلاقة التناظرية بين معالجة الإشارات الاصطناعية والمعالجة البيولوجية التي تقوم بها الحواس.
توج جوليز مسيرته الأكاديمية في موطنه بالحصول على درجة الدكتوراه من الأكاديمية المجرية للعلوم (Hungarian Academy of Sciences) عام 1956. تميزت أطروحته البحثية بمعالجة مشكلات النقل التلفزيوني عبر تقنيات الضغط وتشفير الصور، مع التركيز على استغلال أوجه القصور الفيزيولوجية في العين البشرية لتقليل كمية البيانات المرسلة دون التأثير على جودة الصورة المدركة. كانت هذه الأطروحة بمثابة حجر الزاوية الذي مهد لاهتماماته اللاحقة؛ إذ لم يكن ينظر إلى العين البشرية كمجرد عضو بصري تقليدي، بل كقناة اتصال حيوية ذات سعة محددة تخضع لنفس القوانين الرياضية التي تحكم القنوات البرقية والهاتفية، مما شكل الأساس النظري لانتقاله من عالم الدوائر الإلكترونية إلى عالم القشرة البصرية.
1.2 السياق الجيوسياسي والهجرة إلى الولايات المتحدة
شهدت المجر في خريف عام 1956 منعطفاً تاريخياً حرجاً اندلعت معه الثورة المجرية ضد النظام الشيوعي التابع للاتحاد السوفيتي. أدت الاضطرابات السياسية العنيفة، وتدخل الدبابات السوفيتية لقمع الانتفاضة الشعبية، إلى خلق حالة من الشلل التام في المؤسسات الأكاديمية والبحثية، وتصاعد مناخ من القمع الفكري والملاحقات السياسية. في ظل هذه الظروف القاتمة، واجه جوليز، رفقة زوجته مارغيت، خياراً مصيرياً بين البقاء في وطن محاصر يفتقر إلى الحرية الأكاديمية والإمكانات التقنية المتقدمة، أو خوض غمار اللجوء المحفوف بالمخاطر بحثاً عن بيئة علمية تتيح له تحقيق طموحاته الفكرية.
اتخذ جوليز قراره الشجاع بمغادرة البلاد، فانضم إلى قوافل اللاجئين المجريين الذين فروا عبر الحدود النمساوية تحت جنح الظلام في أواخر عام 1956. وصل الزوجان إلى فيينا ومنها شقا طريقهما إلى الولايات المتحدة الأمريكية كجزء من موجة الهجرة النخبوية التي ضمت خيرة العقول الأكاديمية المجرية الهاربة من القمع السوفيتي. لم تكن هذه الرحلة مجرد انتقال جغرافي، بل كانت ولادة علمية جديدة لمهندس شاب يحمل في جعبته تكويناً رياضياً صلباً، واستعداداً كاملاً لإعادة توجيه معارفه التقنية نحو آفاق غير مستكشفة في العالم الجديد.
ترك هذا التحول الجيوسياسي بصمة لا تُمحى في شخصية جوليز ومنهجه الاستقصائي. لقد أدرك أن الهجرة تمنحه فرصة فريدة للتحرر من القيود التقليدية للتعليم الهندسي المغلق؛ فعندما وطأت قدماه الأراضي الأمريكية، لم يكن يفكر كمهندس كهربائي يسعى فقط لبناء دوائر إرسال واستقبال هاتفية، بل كباحث تجريبي يرى في أساليب النمذجة الهندسية، والتحكم في المتغيرات، واستخدام المولدات العشوائية، أدوات ثورية يمكن إسقاطها مباشرة على دراسة الجهاز العصبي المركزي. هذا المزيج النادر بين الانضباط التقني المجري والحرية المؤسسية والوفرة المادية الأمريكية هو ما صنع البيئة الخصبة للثورة الإدراكية التي قادها لاحقاً.
2. الانضمام إلى مختبرات بيل وبداية التحول نحو علم الإدراك
2.1 البيئة العلمية الاستثنائية في مختبرات بيل (Bell Labs)
في أواخر عام 1956، التحق بيلا جوليز بمختبرات بيل للهواتف (Bell Telephone Laboratories) في موراي هيل، نيوجيرسي، والتي كانت تمثل آنذاك الفردوس الأكاديمي والبحثي المطلق في العالم، وحاضنة الابتكارات التكنولوجية الكبرى كالمقاحل (Transistors)، والليزر، وتطوير لغات البرمجة. عُين جوليز في البداية كعضو في الطاقم الفني لقسم أبحاث معالجة الإشارات والاتصالات، وكان الهدف المؤسسي من استقطابه هو الاستفادة من خبرته في ضغط نطاق الإشارات التلفزيونية ونقل الصور عبر الكابلات المحورية وشبكات الميكروويف.
سرعان ما وجد جوليز نفسه منغمساً في حوارات فكرية عميقة مع نخبة من ألمع العقول في تاريخ العلم الحديث؛ فقد تزامنت مسيرته هناك مع وجود عمالقة مثل كلود شانون، مؤسس نظرية المعلومات الرياضية، وجون توكي، رائد الإحصاء الحديث، والعديد من رواد الحوسبة وعلم النفس الإدراكي. أتاحت له مختبرات بيل حرية بحثية نادرة لم تكن تقيد العلماء بأهداف تجارية قصيرة المدى، بل كانت تشجع الأبحاث الأساسية الجريئة التي تبحث في الحدود القصوى للاتصال بين الآلات والبشر. ومن خلال التفاعل المستمر مع الباحثين في علم النفس الحاسوبي والفيزيولوجيا، بدأ اهتمام جوليز يتحول تدريجياً من السؤال الهندسي: “كيف نضغط إشارة الصورة عبر وسيط مادي؟” إلى السؤال الإدراكي الجذري: “كيف يفك الدماغ البشري شفرة المشهد البصري ويستخلص منه المعلومات الحيوية؟”.
أدرك جوليز أن كفاءة أي نظام اتصالات تعتمد بنيوياً على خصائص المتلقي النهائي، وهو في هذه الحالة الجهاز البصري للإنسان. قاده هذا المنطق إلى استنتاج أن دراسة الإدراك البصري ليست ترفاً معرفياً مفصولاً عن الهندسة، بل هي جوهر تصميم أنظمة نقل المعلومات الفعالة. بدأت أبحاثه تتجاوز حدود معالجة الإشارات التناظرية لتركز على الكيفية التي يعالج بها العقل البصري التكرار الإحصائي، والتباين، والضوضاء، مما شكل المنعطف الحاسم الذي قاده لمغادرة الهندسة التقليدية ودخول التاريخ كواحد من كبار منظري العلوم المعرفية.
2.2 تأسيس قسم أبحاث العمليات الحسية والإدراكية
بفضل نتائجه الرائدة وأطروحاته المبتكرة، صعد جوليز سريعاً في الهيكل العلمي لمختبرات بيل، حيث كُلّف في مطلع الستينيات بتأسيس وقيادة “قسم أبحاث الرؤية والإدراك” (Vision Research Department)، والذي تطور لاحقاً ليصبح قسماً لأبحاث العمليات الحسية والإدراكية. شكل هذا القسم واحة أكاديمية فريدة جمعت تحت سقف واحد علماء النفس التجريبي، والمهندسين، وعلماء الرياضيات، وفيزيولوجيي الأعصاب، وأسس لمفهوم الفرق متعددة التخصصات قبل عقود من تبني الجامعات لهذا النهج البحثي الحديث.
كان الإنجاز اللوجستي والمنهجي الأبرز لجوليز في تلك الفترة هو الاستخدام المبكر والاستثنائي للحواسيب الرقمية الضخمة من طراز (IBM 704) ثم (IBM 7090) لتوليد المثيرات البصرية التجريبية بدقة خوارزمية مطلقة. في ذلك الوقت، كانت معظم تجارب علم النفس البصري تعتمد على رسومات يدوية، أو بطاقات كرتونية، أو محفزات ضوئية ميكانيكية بسيطة، مما كان يترك هامشاً واسعاً للتشويش والمتغيرات الدخيلة. أدخل جوليز مفهوم “المثير الرقمي المضبوط إحصائياً”، حيث أمكنه كتابة برامج حاسوبية بلغة الفورتران لتوليد أنماط بصرية معقدة ومصفوفات نقطية محسوبة بدقة بكسل واحد، وهو ما منح تجاربه قوة برهانية وتكرارية لم يشهدها تاريخ علم النفس الحسي من قبل.
نجح جوليز عبر هذا القسم في بناء جسر معرفي غير مسبوق بين الهندسة الكهربائية وسيكولوجيا الرؤية؛ إذ استعار مفاهيم مثل “نسبة الإشارة إلى الضوضاء” (Signal-to-Noise Ratio)، و”الارتباط المتبادل” (Cross-Correlation)، و”الاستجابة النبضية”، وطبقها كأدوات لفهم معالجة الصور داخل شبكية العين والمسار البصري المركزي. استمر جوليز في قيادة هذا القسم لأكثر من خمسة وعشرين عاماً، محولاً إياه إلى المرجعية العالمية الأولى في دراسة الرؤية المجسمة وتحليل القوام، ومثبتاً أن مختبرات الأبحاث الصناعية يمكن أن تكون مهداً لأعمق الثورات في العلوم الإنسانية والبيولوجية.
3. ابتكار مخططات النقاط العشوائية المجسمة (Random-Dot Stereograms)
3.1 الخلفية المنهجية لمعضلة المطابقة البصرية
لفهم الثورة العلمية التي فجرها بيلا جوليز، ينبغي العودة إلى المفهوم الكلاسيكي للرؤية المجسمة (Stereopsis) كما صاغه السير تشارلز ويتستون في عام 1838 عندما اخترع المجسم (Stereoscope). أثبت ويتستون أن العينين تستقبلان صورتين ثنائيتي الأبعاد مختلفتين قليلاً بسبب التباعد الأفقي بينهما في الجمجمة، ويُطلق على هذا الاختلاف الأفقي اسم “التباين الشبكي” (Retinal Disparity). يقوم الدماغ بطريقة ما بدمج هاتين الصورتين لإنتاج تجربة إدراكية واحدة لعمق ثلاثي الأبعاد متماسك.
إلا أن النظرية السائدة التي هيمنت على الفكر البصري والفسيولوجي لأكثر من مائة عام، بقيادة العالم الألماني الشهير هرمان فون هيلمهولتز، كانت تفترض أن الرؤية المجسمة تتطلب عملية “استدلال لا واعٍ” (Unconscious Inference)، وتعتمد بشكل حتمي على التعرف المسبق على الأشكال (Prior Form Recognition). وفقاً لهذا النموذج التقليدي، يقوم الدماغ أولاً، وبشكل مستقل في كل عين، بالتعرف على الحواف، والخطوط، والظلال، والمعالم البصرية، والأشياء (كأن يتعرف على وجه، أو شجرة، أو كرسي)، ومن ثم يقارن بين تلك الأشكال المتطابقة في الصورتين لحساب الفارق المكاني بينهما وتوليد العمق. أدى ذلك إلى ظهور ما يُعرف في الأدبيات المعرفية باسم “معضلة المطابقة الثنائية” (The Correspondence Problem): كيف يعرف الدماغ أي بكسل أو نقطة أو حافة في شبكية العين اليسرى يتطابق بالضبط مع نظيره في شبكية العين اليمنى وسط ملايين الإشارات المتداخلة؟
أدرك جوليز بحدسه الهندسي أن هذه المعضلة كانت محاطة بخلط منهجي كبير سببه عدم قدرة الباحثين على عزل الإشارات المجسمة النقية عن “الإشارات أحادية العين” (Monocular Cues). ففي أي صورة مجسمة كلاسيكية، تحتوي كل صورة فردية يراها الشخص بعين واحدة على معلومات دلالية كافية (مثل المنظور، والظلال، وتداخل الحواف) تتيح للدماغ تخمين الشكل والعمق جزئياً. رأى جوليز ضرورة ابتكار منهجية حاسمة تقتلع جميع الإشارات أحادية العين من التجربة البصرية، ليبقى التباين الشبكي المجرد هو المتغير الوحيد المتاح، وذلك لمعرفة ما إذا كان الدماغ قادراً على حساب العمق دون أي مساعدة من التعرف المسبق على الأشكال.
3.2 الآلية التقنية لمخطط النقاط العشوائية (RDS) عام 1959
في عام 1959، وعبر ورقة بحثية بارزة غيرت مجرى تاريخ علوم الرؤية، قدم جوليز اختراعه العبقري: “مخطط النقاط العشوائية المجسم” (Random-Dot Stereogram – RDS). اعتمدت الآلية التقنية لهذا الابتكار على استغلال قدرات الحواسيب الرقمية لتوليد مصفوفات ضخمة من النقاط السوداء والبيضاء الموزعة عشوائياً بنسبة تماثل تام تبلغ خمسين بالمائة لكل منهما، وذلك باستخدام خوارزميات توليد الأرقام العشوائية (Pseudo-Random Number Generators).
تتألف التجربة من زوج من الصور المصفوفية المتجاورة (الصورة اليسرى والصورة اليمنى):
- الصورة اليسرى: عبارة عن مصفوفة عشوائية تماماً من آلاف النقاط الصغيرة الموزعة بنمط فوضوي يشبه الشوشرة التلفزيونية الثلجية (White Noise)، ولا تحتوي بحد ذاتها على أي شكل أو حافة أو معنى دلالي.
- الصورة اليمنى: نسخة طبق الأصل من المصفوفة اليسرى، باستثناء منطقة مركزية مربعة أو دائرية تم تحديدها مسبقاً؛ حيث قام جوليز بإزاحة نقاط هذه المنطقة المركزية أفقياً بمقدار وحدات بكسل قليلة (محاكياً التباين الشبكي الأفقي)، ثم ملأ الفراغ الناتج عن الإزاحة بنقاط عشوائية جديدة.
كانت النتيجة المادية مذهلة: عندما ينظر المراقب إلى أي من الصورتين بعين واحدة بمفردها (Monocularly)، يستحيل عليه تماماً رؤية أي شكل؛ إذ تبدو كل صورة مجرد حقل عشوائي لا نهائي من الضوضاء البصرية الخالية من أي ملمح بنائي. ولكن، اللحظة المفصلية تحدث عندما يوضع هذا الزوج من الصور داخل المجسم أو عند دمج الرؤية عبر النظارات المستقطبة؛ إذ تندمج الصورتان الثنائيتان في القشرة المخية، وفي غضون بضع أجزاء من الثانية، تنبثق فجأة من وسط الضباب النقطي العشوائي منطقة مربعة ثلاثية الأبعاد تطفو بوضوح تام في مستوى عمق مختلف (إما طافية للأمام أو غائرة للخلف بحسب اتجاه الإزاحة)، وتظهر حوافها المربعة بحدة قاطعة ووضوح بلوري غير قابل للشك.
3.3 الأثر الثوري للتجربة على علم النفس العصبي
أحدث نجاح تجربة مخططات النقاط العشوائية زلزالاً معرفياً في أروقة علم النفس العصبي والفيزيولوجيا الحيوية؛ إذ دحض جوليز بضربة تجريبية قاضية فرضية هرمان فون هيلمهولتز الكلاسيكية. لقد أثبتت التجربة بما لا يدع مجالاً للشك أن الدماغ ليس بحاجة للتعرف المسبق على الأشكال أو استخلاص الحواف أحادية العين لكي يحسب العمق ثلاثي الأبعاد؛ فالشكل المربع لم يكن موجوداً على الإطلاق في الإشارات القادمة من أي من الشبكيتين على انفراد، بل انبثق حصرياً وآنياً كنتيجة مباشرة للدمج الثنائي في القشرة المخية.
أدى هذا الاكتشاف إلى إثبات أن “الإدراك المجسم” هو عملية مبكرة ومنخفضة المستوى (Early/Low-Level Vision) تجري في المراحل الأولى من المعالجة البصرية، وتسبق زمنياً ووظيفياً مرحلة التعرف المعرفي والدلالي على الأشياء (Semantic Object Recognition). لقد كانت الفكرة السائدة تعتبر الدماغ أشبه بنظام هرمي ينطلق من التعرف على الخطوط البسيطة، ثم الحواف، ثم الأشكال المركبة، ثم يقارن بينها لاستنتاج العمق (معالجة نازلة / Top-down). أظهر جوليز أن الدماغ يقوم بعملية حسابية موازية فائقة التعقيد، يقارن فيها الملايين من النقاط المتناثرة ويستخلص التباين الشبكي المحلي (Point-by-point cross-correlation) كخطوة أولى مستقلة، مما جعل استخلاص العمق مدخلاً رئيساً يوجه عملية استخلاص الأشكال نفسها (معالجة صاعدة / Bottom-up).
أعادت هذه الرؤية تعريف مسارات المعالجة البصرية في الدماغ، وألهمت علماء الأعصاب للبحث عن الآليات الحسابية والخلوية المسؤولة عن هذه المطابقة النقطية السريعة، مؤكدة أن القشرة البصرية تمتلك بنية معمارية قادرة على حل مشكلات رياضية بالغة التعقيد دون الحاجة إلى تدخل الوعي العالي أو العمليات الفكرية التأملية.
4. نظرية الإدراك السيكلوبي (Cyclopean Perception)
4.1 تأصيل مفهوم العين الواحدة المركزية (عين السيكلوب)
انطلاقاً من نجاح تجارب مخططات النقاط العشوائية، صاغ بيلا جوليز مفهوماً نظرياً ثورياً أسماه “الإدراك السيكلوبي” (Cyclopean Perception)، مستلهماً هذا التوصيف من الكائن الأسطوري الإغريقي “السيكلوب” (Cyclops) ذي العين الواحدة المتمركزة في منتصف جبهته. استند جوليز في تأصيله التاريخي والفلسفي إلى أفكار عالم وظائف الأعضاء الألماني إيفالد هيرينغ (Ewald Hering)، الذي افترض في القرن التاسع عشر وجود “عين مزدوجة افتراضية” أو عين مركزية ذاتية تقع في منتصف المسافة بين العينين الحقيقيتين وتدرك اتجاهات الأجسام كما لو كانت تنبع من نقطة مرجعية واحدة.
طور جوليز مفهوم هيرينغ ونقله من الحقل الفلسفي والوصفي إلى حقل علم الأعصاب التشريحي والوظيفي؛ فعرف “الشبكية السيكلوبية” (The Cyclopean Retina) بأنها ليست عضواً فيزيائياً في الجمجمة، بل هي مرحلة وظيفية افتراضية داخل القشرة البصرية للدماغ، تحديداً في المواقع التي تندمج فيها المسارات العصبية القادمة من العينين معاً لأول مرة (في الطبقات القشرية المتقدمة وما بعدها). يتميز المنبه السيكلوبي بأنه منبه لا وجود له على مستوى الشبكية الطرفية في أي من العينين كشكل متماسك، ولكنه ينشأ حصرياً بعد نقطة الدمج ثنائي العينين في الدماغ.
مكن هذا المفهوم جوليز من الفصل الصارم والدقيق بين “المعالجة الحسية الطرفية” (Peripheral Sensory Processing) التي تتم في الشبكيات والأعصاب البصرية، وبين “الدمج القشري المركزي المشترك” (Central Cortical Integration). أصبحت “العين السيكلوبية” استعارة علمية دقيقة تصف قدرة القشرة المخية على توليد واقع بصري جديد كلياً يتجاوز المعطيات الفيزيائية الأولية التي سجلتها المستشعرات الطرفية المنفصلة.
4.2 التحفيز السيكلوبي كأداة تشريحية وظيفية للدماغ
تحول التحفيز السيكلوبي في يد جوليز إلى ما يشبه “المبضع التشريحي اللامرئي” لدراسة الدماغ البشري حياً دون تدخل جراحي. فبما أن المثير السيكلوبي (مثل الحافة أو الحركة أو الشكل الناتج عن مخططات النقاط العشوائية) لا يتولد إلا داخل القشرة المخية بعد التقاء الإشارتين، فإن استخدام هذا النوع من المثيرات سمح للعلماء بتحديد الموقع الوظيفي لمختلف العمليات البصرية: هل تحدث هذه العملية قبل مرحلة الدمج الثنائي (أي في شبكية العين أو في النواة الركبية الوحشية LGN) أم أنها تحدث بعد الدمج الثنائي في القشرة البصرية؟
استخدم جوليز وفريقه المثيرات السيكلوبية لدراسة ظواهر بصرية بالغة التعقيد، مثل “الخداع البصري” (Optical Illusions) و”الحركة الظاهرية” (Apparent Motion). فعلى سبيل المثال، قام بتوليد أوهام بصرية كلاسيكية، مثل وهم مولر-لاير (Müller-Lyer Illusion) ووهم إبنجهاوس (Ebbinghaus Illusion)، باستخدام حواف سيكلوبية نقية لا يمكن رؤيتها إلا بالرؤية المزدوجة ومكونة من نقاط عشوائية. أظهرت النتائج أن هذه الأوهام البصرية ظلت تعمل بكامل قوتها على المستوى السيكلوبي، مما قدم دليلاً قاطعاً على أن هذه الخدع البصرية لا تنشأ عن انحرافات فيزيائية أو تفاعلات استباقية داخل شبكية العين، بل هي نتاج معالجة إدراكية عليا تتم داخل القشرة المخية المركزية.
علاوة على ذلك، وظف جوليز هذه التقنية لقياس “الفترات الزمنية للدمج الثنائي في الوعي” بدقة الميلي ثانية. أظهرت تجارب وميض المثيرات السيكلوبية أن الدماغ يحتاج إلى نافذة زمنية تتراوح بين 50 إلى 200 ميلي ثانية ليتمكن من إجراء حسابات الترابط المتبادل واستخلاص سطح العمق. سمحت هذه القياسات الزمنية برسم خارطة ديناميكية لتدفق المعلومات عبر شبكات الدماغ، وفهم كيفية انتقال الإشارات من المعالجة المحلية السريعة إلى الاندماج الإدراكي الواعي الشامل.
5. كتاب أسس الإدراك السيكلوبي (1971): دراسة تحليلية
5.1 البنية المنهجية والمحتوى العلمي للمؤلف
في عام 1971، نشر بيلا جوليز كتابه المرجعي الخالد الذي حمل عنوان “أسس الإدراك السيكلوبي” (Foundations of Cyclopean Perception)، والصادر عن دار نشر جامعة شيكاغو. لم يكن هذا العمل مجرد كتاب علمي تقليدي يستعرض نظريات الباحث، بل كان تحفة طباعية وتجريبية غير مسبوقة في تاريخ النشر الأكاديمي. أرفق جوليز في جيب داخلي مع الكتاب نظارات بلاستيكية ثنائية اللون (حمراء وزرقاء / Anaglyph 3D Glasses)، وقام بتضمين مئات المخططات المجسمة التفاعلية المطبوعة بالألوان المتراكبة، مما أتاح للقارئ أو الباحث أن يختبر كل تجربة نفس-فيزيائية مذكورة في النص بعينيه مباشرة وبشكل فوري.
تميز الكتاب ببنية منهجية صارمة وعميقة، حيث قسمه جوليز إلى فصول تتدرج من معالجة الرياضيات البسيطة للرؤية المزدوجة إلى تحليل المسارات العصبية المعقدة. احتوى الكتاب على مئات التجارب النفس-فيزيائية المحوسبة والموثقة بالأرقام والرسوم التوضيحية، والتي تغطي:
- الخصائص الهندسية للتباين الشبكي واستجابة العين للمستويات المتعددة من العمق.
- دراسة “التنافس الثنائي” (Binocular Rivalry) وكيف يتعامل الدماغ عندما يتم تغذية العينين بأنماط متعارضة لا يمكن دمجها رياضياً.
- تأثير التشويش البصري واختبارات التحمل الإحصائي للدمج الستيريوسكوبي تحت ظروف التشويه والضوضاء البصرية الاصطناعية.
- تطبيق النماذج السبرانية (Cybernetic Models) ونظرية الترابط الآلي في تفسير استقرار المجال البصري أثناء حركات العين.
مثل هذا العمل قمة النضوج المنهجي لجوليز؛ حيث استطاع من خلاله تفكيك كل زاوية من زوايا الرؤية المجسمة، مقدماً دليلاً تجريبياً دامغاً على أن العقل البشري يحل أعقد المعضلات الهندسية من خلال آليات معالجة موازية محلية (Local Parallel Processing)، ممهداً الطريق لولادة عصر الرؤية الحاسوبية القائمة على المحاكاة الحيوية.
5.2 الأصداء الأكاديمية والمكانة في تاريخ علم النفس التجريبي
أحدث كتاب “أسس الإدراك السيكلوبي” دوياً هائلاً في الأوساط العلمية فور صدوره، واعتُبر نقطة تحول كبرى رسخت مكانة علم النفس التجريبي كعلم كمي صارم يضاهي الفيزياء والهندسة. وفي مطلع الألفية الجديدة، صنفت جمعية العلوم المعرفية الأمريكية الكتاب ضمن قائمة “أعظم مئة كتاب ومقال علمي أثرت في تطور العلوم المعرفية في القرن العشرين”، واضعاً اسم جوليز إلى جانب رواد الفكر المعرفي الحديث مثل نعوم تشومسكي وجان بياجيه وآلان تورنغ.
أرسى الكتاب معايير بحثية جديدة لما يجب أن يكون عليه “البحث النفس-فيزيائي المحوسب”؛ إذ وضع حداً نهائياً للاعتماد على الوصف الكيفي الذاتي للانطباعات البصرية، واستبدله بقياسات رياضية كمية صارمة لا تقبل التأويل. كما قدم إطاراً مرجعياً موحداً لدراسة التفاعل بين البصريات الفيزيائية وفيزيولوجيا الدماغ، مما جعل الكتاب مرجعاً إلزامياً ليس لعلماء النفس والفسيولوجيا فحسب، بل لمهندسي معالجة الصور الرقمية ومصممي أنظمة الذكاء الاصطناعي الناشئة في تلك الحقبة.
من أبرز التأثيرات المباشرة للكتاب هو الأثر العميق الذي تركه في صياغة أفكار عالم الأعصاب والرؤية الحاسوبية البريطاني الأسطوري ديفيد مار (David Marr). فقد اعتمد مار وفريقه في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) على مخططات جوليز للنقاط العشوائية كأرضية تجريبية انطلقوا منها لبناء أول نموذج حاسوبي للرؤية المجسمة (The Marr-Poggio Algorithm). كان مار يردد دوماً أن تجارب جوليز السيكلوبية هي الدليل التجريبي الحاسم الذي أثبت إمكانية بناء مستويات معالجة مستقلة تماماً داخل النظام الإدراكي، وهو المبدأ الذي شيد عليه مار نظريته الثلاثية الشهيرة في الرؤية الحسابية (Computational, Algorithmic, and Implementational levels).
6. نظرية التكستون والتمييز البصري الأولي للقوام (Texton Theory)
6.1 مفهوم التكستونات (Textons) كوحدات بنائية أساسية
بعد إنجازاته الكبرى في مجال الرؤية المجسمة خلال الستينيات ومطلع السبعينيات، وجّه بيلا جوليز طاقته البحثية الهائلة نحو معضلة إدراكية أخرى بالغة الصعوبة: “كيف يُميز الدماغ البشري الأنسجة والقوام البصري (Texture Discrimination) بصورة فورية؟”. لاحظ جوليز أن الإنسان يستطيع عندما ينظر إلى غابة أو حقل أو قطعة قماش أن يدرك فوراً وجود اختلاف في القوام أو نمط مغاير دون الحاجة إلى فحص كل جزء على حدة. قاده هذا الاستكشاف إلى صياغة “نظرية التكستون” (Texton Theory) في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات.
عرّف جوليز “التكستون” بأنه الذرة البصرية الأولية أو أصغر وحدة بنائية شكلية غير قابلة للاختزال يتعامل معها النظام البصري التلقائي في معالجة القوام. تماماً كما تعتبر الفوتونات وحدات الضوء والذرات وحدات المادة، فإن التكستونات هي اللبنات الهندسية الأساسية للإدراك البصري التلقائي. وقد حدد جوليز التكستونات في ثلاث فئات رئيسية:
- الأجسام المتطاولة المحدودة (Elongated Blobs): مثل المقاطع المستقيمة، والأشكال البيضاوية أو المستطيلة ذات العرض واللون والاتجاه الزاوي المحدد.
- النهايات الطرفية للخطوط (Terminators / End-stops): وهي النقاط التي تنتهي عندها الخطوط الحرة؛ حيث أظهر أن عدد النهايات يلعب دوراً حاسماً في التمييز الإدراكي الفوري.
- التقاطعات البصرية (Crossings and Intersections): وهي التقاء خطين أو أكثر لتشكيل تقاطعات على شكل حرف (X) أو (T) أو (L).
قام جوليز بربط مفهوم التكستون بالتحليل الإحصائي المكاني للصور؛ حيث ميز بين “إحصاءات الدرجة الأولى” (First-Order Statistics) التي تمثل الكثافة العامة للبكسلات أو متوسط السطوع، و”إحصاءات الدرجة الثانية” (Second-Order Statistics) التي تعبر عن التوزيع المكاني للأزواج النقطية والمسافات المتكررة بينها، و”إحصاءات الدرجة العليا” (Higher-Order Statistics). وضع جوليز فرضيته الشهيرة (Julesz Conjecture)، والتي نصت في نسختها الأولى على أن الجهاز البصري البشري لا يستطيع التمييز تلقائياً بين الأنسجة التي تتطابق في إحصاءات الدرجة الثانية وتختلف فقط في إحصاءات الدرجات الأعلى، ما لم تكن هناك تكستونات واضحة ومتباينة تفصل بينها، مقدماً نموذجاً رياضياً بديعاً لتفسير بنية الصورة المعقدة.
6.2 المعالجة السابقة للانتباه مقابل المعالجة البؤرية المركزة
شكلت نظرية التكستون الأساس المتين الذي ميز من خلاله جوليز بين نمطين أساسيين من أنماط المعالجة البصرية داخل القشرة المخية: المعالجة السابقة للانتباه (Preattentive Perception)، والمعالجة البؤرية المركزة (Focal Attentive Perception). يُعد هذا التقسيم المعرفي حتى يومنا هذا حجر الزاوية في دراسات الانتباه وعلم النفس العصبي الحركي للعين.
تتميز “المعالجة السابقة للانتباه” بكونها عملية متوازية (Parallel)، فورية، وتلقائية، تعمل على كامل المجال البصري دفعة واحدة في جزء من الثانية (أقل من 100 ميلي ثانية) وبدون أي جهد واعٍ أو تركيز مكاني مسبق. تحدث هذه المعالجة عندما تختلف المناطق البصرية في كثافة التكستونات (كأن تتجاور منطقة مليئة بالحرف T مع منطقة مليئة بالحرف L، أو خطوط رأسية مع خطوط أفقية). في هذه الحالة، “ينبثق” الاختلاف في القوام ويقفز إلى الوعي بشكل فوري وآني (Pop-out Effect) دون حاجة لتحريك بؤرة النظر.
أما “المعالجة البؤرية المركزة”، فهي عملية تسلسلية (Serial Processing) بطيئة نسبياً، وتتطلب توجيهاً إرادياً لعدسة الانتباه نحو مناطق محددة وضيقة في الفضاء البصري لفحص العلاقات المكانية الدقيقة بين العناصر ومطابقتها. فإذا تساوت الأنسجة في كثافة التكستونات وتطابقت خصائصها الإحصائية الأساسية، يعجز النظام البصري السابق للانتباه عن كشف الفروق بينها، ويضطر المراقب لتحريك عينيه والتدقيق بوعي نقطة تلو الأخرى لتمييز الأشكال المعقدة.
استخدم جوليز هذه النتائج لتفسير آليات “القفز الحركي للعين” (Saccadic Eye Movements)، ورسم خرائط التباين البصري الأولي التي توجه حركة الأعين؛ مبيناً أن الجهاز العصبي يعتمد على التكستونات لإنشاء خريطة للمواقع الجذابة بصرياً (Saliency Map)، والتي تخبر الدماغ تلقائياً بالأماكن الجديرة بتوجيه الانتباه البؤري نحوها، مما يوفر على المعالج الذهني طاقة حاسوبية هائلة في إدراك العالم المحيط.
7. التقاطع المعرفي: بين الرياضيات، علم النفس، والعلوم العصبية
7.1 النمذجة الرياضية لعمليات الإدراك البشري
تجلى العبقري الهندسي في بيلا جوليز من خلال رفضه القاطع للاكتفاء بالنظريات الوصفية الإنشائية؛ إذ أصر طوال مسيرته على إخضاع كل ظاهرة نفسية للصياغة الرياضية والمحاكاة الحاسوبية الصارمة. وظف جوليز ببراعة فائقة النماذج العشوائية (Stochastic Models)، ونظرية الاحتمالات، ونظرية حقول ماركوف العشوائية (Markov Random Fields) لنمذجة القوام البصري وتوليد المصفوفات المكانية الخاضعة لرقابة إحصائية مسبقة.
تمركزت أبحاثه الرياضية حول دراسة دالة “الترابط التلقائي المكاني” (Spatial Autocorrelation) وعزوم التوزيع الإحصائي للصور. أطلق جوليز في سبعينيات القرن العشرين فرضية جريئة تنص على أن النظام البصري البشري حساس حصرياً للتباينات التي تظهر في العزوم الإحصائية من الدرجة الأولى (المتوسط الحسابي / السطوع العام) والدرجة الثانية (دالة التغاير والارتباط المكاني للأزواج النقطية)، وأنه “أعمى” تماماً عن التباينات المكانية المحصورة في العزوم الإحصائية من الدرجة الثالثة أو الرابعة، ما لم تتسبب تلك العزوم العليا في خلق تكستونات محلية يمكن للنظام البصري التقاطها. ورغم أن أبحاثاً لاحقة (بما فيها أبحاث أجراها جوليز نفسه مع زملائه) كشفت عن استثناءات دقيقة لهذه الفرضية، إلا أن المنهج الرياضي الذي دشنه أصبح الأساس النظري لتحليل الصور الرقمية، وضغط الوسائط، واستخراج السمات في الرؤية الاصطناعية.
علاوة على ذلك، استعان جوليز بنظريات “الأنظمة الديناميكية غير الخطية” (Nonlinear Dynamical Systems) ونماذج الرنين الرياضي لتفسير كيفية وصول الدماغ إلى حالة الاستقرار البصري عند مواجهة مدخلات بصرية غامضة أو متنافسة. نظر جوليز إلى القشرة البصرية كشبكة استرخاء عصبي (Neural Relaxation Network) تسعى إلى تقليل دالة الطاقة الكلية لحل معضلة المطابقة الثنائية، واضعاً بذلك اللبنات الأولى لما عُرف لاحقاً في علم الأعصاب الإدراكي بالنماذج الترابطية وشبكات التغذية الراجعة الرياضية.
7.2 التعاون مع رواد الفيزيولوجيا العصبية (هوبل وفيسل)
توازت أبحاث بيلا جوليز النفس-فيزيائية في مختبرات بيل زمنياً مع الاكتشافات الفيزيولوجية العصبية الثورية التي قادها العالمان الحائزان على جائزة نوبل ديفيد هوبل (David Hubel) وتورستن فيسل (Torsten Wiesel) في جامعة هارفارد، واللذان قاما بتسجيل الإشارات الكهربائية من خلايا مفردة في القشرة البصرية للقطط والقرود.
نشأ حوار علمي وتكامل معرفي مذهل بين الطرفين؛ فبينما كان هوبل وفيسل يكتشفان “أعمدة الهيمنة العينية” (Ocular Dominance Columns) والخلايا العصبية الانتقائية للاتجاه والتباين الثنائي في القشرة البصرية المخططة الأولى (V1)، كان جوليز يقدم من جانبه النماذج النفس-فيزيائية والسلوكية الحسابية التي تشرح ما تفعله هذه الخلايا بالضبط في الإدراك الإنساني الكلي. أثبتت تجارب جوليز بمخططات النقاط العشوائية ضرورة وجود خلايا عصبية في المنطقة (V1) وما وراءها (مثل المنطقة V2) لا تستجيب فقط لعين واحدة، بل تمتلك حقول استقبال ثنائية العينين (Binocular Receptive Fields) ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنطاقات تباين شبكي دقيقة ومحددة.
أكد هذا التلاقي المعرفي أن النماذج الحسابية التي اقترحها جوليز ليست مجرد تجريدات رياضية خيالية، بل هي الترجمة الخوارزمية للدوائر الحيوية الموجودة بالفعل داخل القشرة المخية للثدييات. علق هوبل وفيسل في أكثر من مناسبة على أن مخططات جوليز كانت الأداة التجريبية الأكثر إبهاراً في الربط بين الفسيولوجيا المجهرية للخلايا العصبية وبين التجربة الإدراكية الواعية للعمق، مؤكدين أن الرؤية المجسمة تمثل النموذج الأسمى للتطابق التام بين الحساب الذهني والبنية البيولوجية العصبية.
8. مرحلة جامعة روتجرز وإنشاء مختبر أبحاث الرؤية (1989-1999)
8.1 الانتقال إلى العمل الأكاديمي الجامعي بدوام كامل
بعد مسيرة حافلة امتدت لأكثر من اثنين وثلاثين عاماً داخل أروقة مختبرات بيل، قرر بيلا جوليز في عام 1989 خوض تحدٍ أكاديمي جديد بنقله ثقله العلمي بالكامل إلى المجال الجامعي. التحق جوليز بجامعة روتجرز (Rutgers University) العريقة في ولاية نيوجيرسي، حيث عُين في منصب أستاذ الدولة المتميز (State of New Jersey Professor) في قسم علم النفس ومديراً لبرنامج العلوم العصبية الإدراكية.
أسس جوليز في روتجرز “مختبر أبحاث الرؤية” (Laboratory of Vision Research – LVR)، وسرعان ما حوله إلى مركز استقطاب عالمي لألمع الباحثين وطلاب الدراسات العليا وما بعد الدكتوراه من مختلف أنحاء العالم. وفرت البيئة الجامعية لجوليز فرصة ثمينة لنقل خبراته ومنهجيته البحثية إلى جيل جديد من الباحثين، وغرس مبدأ الدمج الصارم بين النمذجة الحاسوبية والتجريب السيكوفيزيائي في عقول تلاميذه. كان جوليز في تلك المرحلة رمزاً أكاديمياً ملحماً، يجمع بين تواضع العلماء الأجلاء والصرامة المنهجية التي لا تساوم على الدقة العلمية، محولاً قسم علم النفس في روتجرز إلى واحد من أبرز معاقل علوم الإبصار في العالم.
شهدت هذه الفترة انفتاح مختبره على التقنيات العصبية الناشئة، كالتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) وتخطيط كهربية الدماغ عالي الكثافة (High-Density EEG)، حيث دمج هذه التقنيات مع محفزاته السيكلوبية الكلاسيكية لرصد النشاط العصبي الدماغي أثناء تشكل الإدراك ثلاثي الأبعاد في الوقت الحقيقي داخل القشرة المخية البشرية.
8.2 المحاور البحثية المتقدمة في مختبر روتجرز
تركزت الأبحاث في مختبر روتجرز تحت قيادة جوليز طوال عقد التسعينيات حول محاور بالغة التطور، تجاوزت الأسئلة الكلاسيكية لتطرق أبواب “مرونة الدماغ” (Brain Plasticity) و”التعلم الإدراكي” (Perceptual Learning). قاد جوليز وفريقه دراسات رائدة أثبتت أن قدرة الدماغ على معالجة المثيرات السيكلوبية ومطابقة النقاط العشوائية ليست قدرة فطرية جامدة ومغلقة، بل هي مهارة إدراكية قابلة للتحسين والتدريب حتى في مراحل العمر المتقدمة، حيث أظهرت التجارب أن التدريب المكثف يقلل من زمن المعالجة ويزيد من حساسية الدماغ لدرجات دقيقة جداً من التباين الشبكي.
كما اتجه المختبر نحو تطوير خوارزميات ذكاء اصطناعي متقدمة مخصصة لمسألة “فصل الشكل عن الخلفية” (Figure-Ground Segmentation) في ظل البيئات البصرية المعقدة والمليئة بالتمويه الكثيف. نجح فريقه في محاكاة الآليات العصبية التي يستخدمها الدماغ البشري لكسر التمويه الطبيعي عبر استخدام تلميحات الحركة المقترنة بالتباين المجسم، مما وفر حلولاً جذرية للعديد من مشكلات الرؤية الروبوتية والملاحة الذاتية للمركبات غير المأهولة.
وكان المحور الثالث البارز هو استكشاف الحدود الفاصلة والتفاعلات المعقدة بين “الانتباه الإرادي الواعي” و”المعالجة البصرية الآلية”. أظهرت أبحاثه المتأخرة في روتجرز أن الانتباه الإرادي يمكنه، في ظل شروط تجريبية محددة، أن يعمل كـ “مضخم إشاري” (Gain Controller) انتقائي يعزز أو يثبط استجابة الخلايا القشرية للمنبهات السيكلوبية، مما عمق الفهم الفلسفي والعصبي لكيفية سيطرة الوعي على المعالجة الحسية الأولية وتوجيهها لخدمة أهداف الكائن الحي.
9. الجوائز والتقدير الأكاديمي الدولي لمسيرة جوليز
9.1 زمالة ماك آرثر والجوائز الكبرى
حصد بيلا جوليز خلال مسيرته العلمية أرفع الأوسمة والجوائز التقديرية الدولية اعترافاً بابتكاراته التي أعادت رسم خرائط العلوم الإدراكية. وكان التتويج الأبرز لعبقريته الاستثنائية نيله في عام 1983 زمالة مؤسسة جون دي وكاثرين تي ماك آرثر (MacArthur Fellowship)، وهي الجائزة المرموقة التي تُعرف شعبياً وأكاديمياً باسم “منحة العباقرة” (Genius Grant). مُنحت هذه الجائزة لجوليز تقديراً لابتكاره مخططات النقاط العشوائية وتأسيسه لعلم الإدراك السيكلوبي، وتفرده في هدم الحواجز المصطنعة بين العلوم الهندسية وسيكولوجيا الإدراك الإنساني.
توالت بعد ذلك الجوائز الكبرى التي تعكس عمق تأثيره؛ فنال جائزة هاورد هيوز للبحوث الطبية المتقدمة، كما مُنح في عام 1989 “جائزة كارل سبنسر لاشلي” (Karl Spencer Lashley Award) المرموقة من الجمعية الفلسفية الأمريكية، وهي واحدة من أعلى الجوائز التخصصية التي تُمنح للعلماء الذين قدموا مساهمات جوهرية وتاريخية في فهم الآليات العصبية التكاملية للسلوك البشري.
وفي عام 1983، انتُخب جوليز عضواً عاملاً في الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة الأمريكية (National Academy of Sciences)، وهو أرفع تقدير يناله عالم في مسيرته بالولايات المتحدة، وجاء انتخابه في قسم العلوم الإنسانية والاجتماعية والعلوم العصبية المشتركة، تأكيداً على المكانة الفريدة التي احتلها كحلقة وصل بين الفيزياء والبيولوجيا والسلوك.
9.2 الاعتراف المؤسسي في مجالات علم النفس والبصريات
لم يقتصر التكريم على الأكاديميات العامة، بل تسابقت الجمعيات العلمية المتخصصة في البصريات وعلم النفس لتكريم جوليز وتقليده أعلى أوسمتها. فقد منحته “الجمعية البصرية الأمريكية” (Optical Society of America – OSA) ميدالية إدغار دي تيليير (Edgar D. Tillyer Award) المرموقة، تقديراً لخدماته الجليلة في تطوير فيزياء البصريات الفسيولوجية وفهم البنية الهندسية للرؤية البشرية.
كما نال الميدالية الذهبية للتميز البحثي من جمعية علم النفس التجريبي (Society of Experimental Psychologists)، وانتُخب زميلاً فخرياً مدى الحياة في “الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم” (American Academy of Arts and Sciences)، إلى جانب عضويته في الجمعية الأمريكية لتقدم العلوم (AAAS). وظل عضواً فخرياً ورمزاً وطنياً في الأكاديمية المجرية للعلوم، التي احتفت به بعد سقوط الستار الحديدي كأحد أعظم علمائها المهاجرين الذين شرفوا بلادهم في المحافل الدولية.
طاف جوليز كبريات الجامعات العالمية كأستاذ زائر ومحاضر شرفي مرموق؛ حيث ألقى محاضرات متميزة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، وجامعة هارفارد، وجامعة أكسفورد، وكالتيك. وكان يُنظر إلى محاضراته العامة بوصفها تظاهرات فكرية ممتعة، يمزج فيها بين عرض الصور المجسمة المدهشة ثلاثية الأبعاد ونكاته المجرية الذكية، مقدماً للحاضرين وجبة معرفية دسمة تجمع بين سحر الإدراك البصري وصرامة المنطق الرياضي.
10. الأبعاد الفلسفية والمعرفية لأبحاث بيلا جوليز
10.1 تفكيك النزعة التجريبية التقليدية ونظرية الجشطالت
تتجاوز مساهمات بيلا جوليز الحدود التقنية للفيزيولوجيا لتضرب في عمق النظريات الفلسفية للإبصار والمعرفة (Epistemology)؛ إذ قدمت أبحاثه تفكيكاً نقدياً حاسماً لاثنتين من كبرى المدارس الفكرية في تاريخ علم النفس: النزعة التجريبية الراديكالية الكلاسيكية، ونظرية الجشطالت (Gestalt Psychology).
فيما يخص علم نفس الجشطالت، كان رواد المدرسة (مثل كوفكا وكولر وفرتهايمر) يؤكدون أن إدراك الشكل الكلي هو عملية متكاملة تعتمد على مبادئ فطرية كلية لتنظيم المجال البصري، مثل “التقارب المكاني” (Proximity)، و”التشابه” (Similarity)، و”الاستمرارية الجيدة” (Good Continuation)، و”الإغلاق” (Closure). وكانت الجشطالت تفترض أن هذه القوانين تعمل على مستوى الحواف والمعالم ثنائية الأبعاد في الصورة لإنتاج الشكل المتكامل. إلا أن جوليز نسف هذا الطرح في أصله؛ فقد أظهرت مخططات النقاط العشوائية السيكلوبية أن التماسك البصري والشكل يمكن بناؤه داخلياً داخل القشرة المخية في غياب تام لأي من مبادئ الجشطالت الكلاسيكية على المستوى أحادي العين؛ فلا يوجد تشابه أو استمرارية أو إغلاق في نقاط الضوضاء العشوائية، ومع ذلك ينتج الدماغ شكلاً مكتملاً في مستوى العمق.
أما على صعيد النزعة التجريبية الفلسفية (Empiricism)، فقد أثبت جوليز أن العقل البشري ليس “لوحاً أبيض” (Tabula Rasa) يستقبل الصور الساكنة وينتظر التجربة الواعية لترتيبها عبر التداعي والمنطق الفكري؛ بل إن الجهاز العصبي مجهز بآليات معمارية وخوارزمية فطرية متطورة للغاية لحل مشكلات رياضية استدلالية معقدة (مثل المطابقة التبادلية للنقاط العشوائية) في أجزاء من الثانية وقبل أن تتاح لأي فكر واعٍ فرصة التدخل. شكلت هذه النتائج ركيزة أساسية دعمت الموقف الواقعي المعرفي الذي يؤكد أن ما ندركه كـ “واقع خارجي” هو تمثيل داخلي منظم (Internal Mental Representation) يعيد الدماغ تشييده حسابياً من بيانات مشفرة ومبعثرة.
10.2 مسألة الوعي الحسي ومشكلة ‘الكواليا’ (Qualia)
وضعت تجارب جوليز فلاسفة العقل وجهاً لوجه أمام واحدة من أعمق معضلات الوعي الإنساني: مشكلة “الكواليا” (Qualia)، أو التجربة الذاتية الكيفية للوعي الحسي. والسؤال الفلسفي الجوهري هنا: كيف يمكن لنظام مادي بيولوجي يعالج مجرد مصفوفات ثنائية مبعثرة من الأصفار والآحاد (النقاط البيضاء والسوداء في شبكيتي العينين) أن يولد فجأة تجربة شعورية نوعية ذاتية للعمق الحقيقي، يشعر فيها المراقب بأن شكلاً ما يطفو في الفضاء المادي أمامه؟
أبرزت أبحاث جوليز الحد الفاصل الحرج بين “المعالجة الحسابية المجردة” (Computational Processing) و”التجربة البصرية الواعية” (Conscious Visual Experience). لقد بيّن أن هناك عمليات معالجة مكثفة تجري في الدماغ بصمت تام ودون أن نشعر بها (مثل حساب معاملات الارتباط وحل تضارب النقاط العشوائية)، وفقط عندما يصل النظام الحسابي إلى “حل مستقر” وتتطابق المصفوفات، ينبثق الوعي بالعمق إلى السطح. هذا الانبثاق الفجائي اللحظي (The Sudden Emergence of 3D Form) أصبح نموذجاً تجريبياً مفضلاً لعلماء وفلاسفة الأعصاب الذين يدرسون الركائز العصبية للوعي (Neural Correlates of Consciousness – NCC).
أثرت هذه الرؤية تأثيراً بالغاً في النقاشات الفلسفية المعاصرة حول ما إذا كان الإدراك المباشر يعكس العالم الخارجي كما هو، أم أن أدمغتنا تعمل كـ “آلات توليدية احتمالية” تقوم بالتنبؤ وبناء الواقع الداخلي المتماسك لتمكين الكائن الحي من النجاة. كان جوليز يصف تجربة رؤية المجسم السيكلوبي بأنها “تجربة سحرية تُرينا كيف يخلق العقل نظامه الخاص من قلب الفوضى الإحصائية المطلقة”، معتبراً أن الرؤية ليست مجرد تسجيل للضوء، بل هي فعل خلق وإبداع هندسي مستمر يقوم به الدماغ في كل لحظة يقظة.
11. التطبيقات الإكلينيكية والتكنولوجية الحديثة لأعماله
11.1 التشخيص الإكلينيكي لأمراض الإبصار وعلم الأعصاب
لم تتوقف ثورة بيلا جوليز عند حدود النظرية الفكرية والفلسفية، بل كان لها أثر تطبيقي وإنقاذي هائل في الطب الإكلينيكي وطب العيون وطب أعصاب الأطفال؛ إذ شكلت مخططات النقاط العشوائية الأساس العلمي لتطوير الاختبارات المعيارية الذهبية المستخدمة حتى اليوم في المستشفيات والعيادات حول العالم لتقييم الرؤية المجسمة واكتشاف الاعتلالات البصرية مبكراً.
ومن أبرز هذه التطبيقات الطبية:
- الكشف المبكر عن كسل العين (Amblyopia) والحول الخفي (Strabismus): ابتكر أطباء العيون، استناداً إلى مبادئ جوليز، اختبارات شهيرة مثل (Random Dot E Test) واختبار لانغ (Lang Stereotest). تتميز هذه الاختبارات بأنها قادرة على فحص الرؤية المجسمة لدى الرضع والأطفال في سن ما قبل الكلام؛ فإذا كان الطفل يعاني من كسل في إحدى عينيه، فإنه سيعجز تماماً عن رؤية الشكل السيكلوبي المندمج في لوحة النقاط العشوائية، مما يسمح للأطباء بالتدخل العلاجي السريع (مثل تغطية العين السليمة) في النافذة العمرية الحرجة لمرونة الدماغ قبل أن يفقد الطفل قدرته على الرؤية ثلاثية الأبعاد نهائياً وبشكل لا رجعة فيه.
- تقييم الحول العصبي المجهري (Microstrabismus): حيث تفشل الفحوصات التقليدية في رصد الانحرافات الدقيقة للغاية في محاذاة العينين، بينما تكشفها المخططات النقطية في ثوانٍ معدودة؛ نظراً لأن الدمج السيكلوبي يتطلب محاذاة بصرية بالغة الدقة على مستوى الدقائق القوسية.
- رصد التدهور العصبي المركزي: باتت المثيرات السيكلوبية تُستخدم كأداة تشخيصية عصبية لتقييم سلامة القشرة البصرية ومسارات نقل الإشارات لدى المرضى الذين تعرضوا لسكتات دماغية (Strokes)، أو إصابات دماغية رضية، أو أولئك الذين يعانون من بدايات مرض الزهايمر والتصلب المتعدد (Multiple Sclerosis)، حيث يمثل فقدان القدرة على دمج النقاط العشوائية مؤشراً حساساً ومبكراً على تلف الشبكات العصبية التكاملية في المناطق القشرية الترابطية.
11.2 التطبيقات التكنولوجية: من أوتوستيريوغرام إلى الواقع الافتراضي
على الصعيد التكنولوجي والثقافي، مهدت أعمال جوليز الطريق لسلسلة من القفزات الثورية في مجالات معالجة الصور الرقمية، والترفيه، وتكنولوجيا العرض التفاعلي:
- ظاهرة “العين السحرية” (Autostereograms): في عام 1979، قام كريستوفر تايلر (Christopher Tyler)، وهو أحد طلاب جوليز وباحث ما بعد الدكتوراه في مختبره بمختبرات بيل، بابتكار “مخطط النقاط العشوائية أحادي الصورة” (Single-Image Random-Dot Stereogram – SIRDS)، والذي تطور لاحقاً ليصبح ظاهرة “العين السحرية” (Magic Eye) التي اجتاحت الثقافة الشعبية العالمية في تسعينيات القرن العشرين، حيث مكنت الملايين من رؤية أشكال ثلاثية الأبعاد مذهلة كامنة داخل صور نقطية مكررة ومطبوعة على ورقة واحدة دون الحاجة إلى نظارات خاصة، وذلك عبر تقنيات فك اقتران تركيز العينين (Divergent Viewing).
- الرؤية الحاسوبية والروبوتات المستقلة: شكلت خوارزميات جوليز الرياضية لحل معضلة المطابقة الثنائية حجر الأساس لتطوير خوارزميات الرؤية الحاسوبية (Stereo Vision Algorithms) المستخدمة في استشعار العمق وخرائط الملاحة. تعتمد الروبوتات المعاصرة والمركبات ذاتية القيادة وتقنيات التوطين ورسم الخرائط في الوقت الحقيقي (SLAM) على خوارزميات مطابقة الكثافة النقطية المشتقة مباشرة من مفاهيم جوليز لحساب المسافات وتجنب العوائق.
- تقنيات الواقع الافتراضي (VR) والمعزز (AR): تدين نظارات الواقع المعاصر (مثل Meta Quest وApple Vision Pro) بالكامل لمبادئ الإدراك السيكلوبي التي وضعها جوليز؛ حيث تعتمد شاشات هذه النظارات على تقديم صور منفصلة ومتحكمة بالبكسل لكل عين ومحاكاة التباين الشبكي بدقة خوارزمية عالية لمنح المستخدم تجربة غمر ثلاثية الأبعاد مقنعة في العوالم الرقمية المولدة بالكمبيوتر، وهي نفس العملية الحسابية التي اختبرها جوليز لأول مرة على حواسيب (IBM) قبل أكثر من ستة عقود.
12. إرث بيلا جوليز العلمي وخاتمة المسيرة (1928-2003)
12.1 السنوات الأخيرة والرحيل عام 2003
في أواخر تسعينيات القرن العشرين، تقاعد بيلا جوليز رسمياً من منصبه الأكاديمي النشط في جامعة روتجرز كأستاذ متفرغ فخري، لكنه لم يتوقف يوماً عن التفكير والتأمل العلمي. كرّس سنواته الأخيرة لكتابة المقالات التأملية والمراجعات النقدية لتاريخ تطور علوم الرؤية والإدراك، وكان يتابع بشغف كبير التقدم المذهل في مجالات الذكاء الاصطناعي والتصوير العصبي، مبدياً إعجابه بكيفية تحقق نبوءاته الرياضية القديمة عبر التكنولوجيا الحديثة.
نشر في عام 1995 كتاباً سيرياً وتأملياً بارزاً بعنوان “الحوارات حول الإدراك” (Dialogues on Perception)، استعرض فيه مسيرته الفكرية وتأملاته في فلسفة الاكتشاف العلمي، وطبيعة التفكير الحدسي، والتفاعل الإنساني الخلاق بين الفن والعلم. كان ينظر إلى العلم كرحلة جمالية مستمرة لا تختلف في جوهرها عن تأليف سيمفونية موسيقية متقنة.
في الثلاثين من ديسمبر عام 2003، رحل بيلا جوليز عن عالمنا في مستشفى بمدينة سومرسيت، نيوجيرسي، عن عمر يناهز الخامسة والسبعين عاماً، بعد مسيرة علمية ملحمية حافلة بالعطاء والابتكار الفذ. نعته كبرى الأكاديميات العلمية والصحف العالمية المرموقة، مثل مجلة “نيتشر” (Nature) و”نيويورك تايمز” (The New York Times)، واصفة إياه بـ “الرجل الذي جعلنا نرى العقل وهو يفكر”، ومعتبرة رحيله خسارة جسيمة لواحد من أعظم رواد الثورة المعرفية في القرن العشرين.
12.2 المكانة الخالدة في تاريخ العلوم المعرفية
يخلد تاريخ العلم بيلا جوليز ليس فقط كمخترع لأداة بصرية عبقرية، بل كأحد الآباء المؤسسين الحقيقيين لعلم الأعصاب الإدراكي الحديث (Modern Cognitive Neuroscience). لقد أثبتت مسيرته أن الحدود المصطنعة بين التخصصات الأكاديمية تسقط وتتلاشى عندما تُقارب الأسئلة الكبرى بمنهجية علمية صارمة وعقل منفتح؛ حيث استطاع مهندس اتصالات مجري نازح أن يعيد كتابة علم النفس التجريبي والفسيولوجيا البصرية بالكامل.
تظل مخططات جوليز للنقاط العشوائية أداة معيارية لا غنى عنها في آلاف المختبرات حول العالم؛ حيث تواصل الأجيال الجديدة من الباحثين استخدام “العين السيكلوبية” لاختبار فرضيات جديدة حول طبيعة الوعي، وآليات معالجة المعلومات، وعمل القشرة البصرية. إن الدرس المنهجي الخالد الذي تركه لنا بيلا جوليز هو أن فهم العقل البشري المعقد لا يتأتى من خلال التخمينات الفلسفية المعزولة، بل عبر بناء نماذج هندسية ورياضية دقيقة تُجبر الطبيعة على الكشف عن أسرارها في المختبر التجريبي، مبرهناً للأبد على أن أعمق أسرار الروح والوعي تخضع في النهاية لأناقة القوانين الرياضية وجمالها المتسق.
في الختام، تجسد مسيرة بيلا جوليز شهادة حية على انتصار الإرادة الإنسانية والعبقرية العلمية على قسوة الظروف التاريخية والسياسية؛ فمن أزقة بودابست المحاصرة إلى قمم المجد الأكاديمي في مختبرات بيل وروتجرز، حفر جوليز اسمه بحروف من نور في السجل الخالد لعلماء البشرية الكبار. لقد علمنا كيف “نرى ما لا يمكن للعين المجردة أن تراه”، وأثبت أن أروع المشاهد ثلاثية الأبعاد لا تتشكل في العدسات الزجاجية أو في شبكيات العيون، بل في ذلك السحر الخالص الكامن في القشرة المخية للإنسان، حيث يلتقي الضوء بالوعي ليصنع معجزة الإدراك.
المراجع
- Hubel, D. H., & Wiesel, T. N. (1962). Receptive fields, binocular interaction and functional architecture in the cat’s visual cortex. The Journal of Physiology, 160(1), 106–154. https://doi.org/10.1113/jphysiol.1962.sp006837
- Julesz, B. (1960). Binocular depth perception of computer-generated patterns. Bell System Technical Journal, 39(5), 1125–1162. https://doi.org/10.1002/j.1538-7305.1960.tb03954.x
- Julesz, B. (1971). Foundations of cyclopean perception. University of Chicago Press. https://mitpress.mit.edu/9780262600156/foundations-of-cyclopean-perception/
- Julesz, B. (1981). Textons, the elements of texture perception, and their interactions. Nature, 290(5802), 91–97. https://doi.org/10.1038/290091a0
- Julesz, B. (1986). Texton theory of two-dimensional and three-dimensional vision. In Frontiers of Visual Science (pp. 120–139). National Academy Press.
- Julesz, B. (1995). Dialogues on perception. MIT Press. https://doi.org/10.7551/mitpress/2422.001.0001
- Marr, D., & Poggio, T. (1976). Cooperative computation of stereo disparity. Science, 194(4262), 283–287. https://doi.org/10.1126/science.968482
- Marr, D. (1982). Vision: A computational investigation into the human representation and processing of visual information. W. H. Freeman and Company.
- Papathomas, T. V., Chubb, C., Gorea, A., & Kowler, E. (Eds.). (1995). Early vision and beyond. MIT Press.
- Tyler, C. W. (2004). Bela Julesz: Pioneer of cyclopean vision. Spatial Vision, 17(4), 263–266. https://doi.org/10.1163/1568568041928814