السيرة
يمثل الفيلسوف وعالم الاجتماع والأنثروبولوجيا الفرنسي برونو لاتور (Bruno Latour، 1947–2022) إحدى أبرز القامات الفكرية التي أعادت تشكيل مشهد العلوم الإنسانية والاجتماعية وفلسفة العلوم في النصف الثاني من القرن العشرين ومستهل القرن الحادي والعشرين. لم تكن مساهمته مجرد إضافة تنظيرية إلى حقل سوسيولوجيا المعرفة التقليدي، بل دشنت زلزالاً إبستمولوجياً وأنطولوجياً زعزع الثوابت الديكارتية والكانطية التي قامت عليها الحداثة الغربية. من خلال تفكيكه للحدود المصطنعة بين الطبيعة والثقافة، وبين الذات والموضوع، وبين الإنساني وغير الإنساني، أعاد لاتور صياغة فهمنا لكيفية إنتاج الحقيقة، وتأسيس النظام الاجتماعي، ومواجهة التحولات البيئية والمناخية الكوكبية الكبرى التي تهدد استقرار الوجود البشري برمتها.
يتسم المشروع الفكري لبرونو لاتور بنزعة تجريبية وميدانية متفردة نأت به عن الفلسفة التأملية المجردة القابعة في الأبراج العاجية؛ إذ انطلق من مختبرات العلوم الدقيقة، ومصانع التقنية، والبيئات الزراعية والمؤسسات البيروقراطية والقانونية، ليعاين كيفية تبلور الوقائع وصياغة العالم الفعلي عبر سلاسل معقدة من التفاعلات والوساطات. لقد قدم لاتور رفقة زملائه في المدرسة الفرنسية والبريطانية نظرية شبكة الفواعل (Actor-Network Theory)، التي قلبت الموازين السوسيولوجية المعيارية عبر إدخال الأشياء والتقنيات والميكروبات والمستندات والآلات كشركاء كاملين في صلب الفاعلية الاجتماعية والتاريخية، محطماً بذلك أسطورة الاستثنائية الإنسانية التي هيمنت لقرون على الفكر الإنساني.
في هذا البحث الموسع، نقدم قراءة إبستمولوجية وفلسفية وسيكولوجية شاملة لمسار برونو لاتور الفكري، متتبعين ينابيعه المعرفية، وتحولاته الجذرية من دراسة إثنوغرافيا المختبرات وصناعة الحقائق العلمية، إلى نقد أسس الحداثة وبناء برلمان الأشياء، وصولاً إلى مشروعه في استقصاء أنماط الوجود وقراءته المعمقة لأزمة المناخ في عصر الأنثروبوسين. تهدف هذه الدراسة إلى إبراز الترابط العميق بين الترسانة المفاهيمية اللاتورية وبين الأسئلة السيكولوجية والإدراكية التي تعيد تعريف النفس البشرية لا بوصفها جوهراً داخلياً منعزلاً، بل كذات موزعة ومشتبكة عضوياً وتقنياً وأنطولوجياً مع العالم الأرضي الذي تسكنه.
1. المدخل التمهيدي إلى فكر برونو لاتور وسيرته الفكرية (1947-2022)
1.1 السياق التاريخي والنشأة الفكرية لبرونو لاتور
ولد برونو لاتور في الثاني والعشرين من يونيو عام 1947 في مدينة بون (Beaune) التابعة لمنطقة بورغوندي (Burgundy) الفرنسية، لأسرة عريقة ومتميزة اشتهرت لقرون في مجال صناعة وتجارة النبيذ. هذا الامتياز الطبقي والجغرافي ترك بصمة لا تُمحى في تشكيل بنيته المعرفية وإحساسه الوجودي بالأشياء؛ إذ نشأ لاتور في بيئة تولي اهتماماً فائقاً للأرض (Terroir)، والتربة، والتخمر، والبراميل، والمواسم الزراعية، والتقنيات الحرفية. في هذه البيئة البورغوندية، لم تكن الأشياء مجرد مواد خاملة أو ديكورات خلفية للنشاط الإنساني، بل كانت كينونات حية ومتطلبة تفرض إيقاعها وقوانينها وشروطها على صانعي النبيذ، وتجبر الإنسان على الدخول في مفاوضات مستمرة مع الطقس والبكتيريا والنباتات. هذه الحساسية المادية المبكرة تجاه الطبيعة المصنوعة والتقنية المتجذرة في الأرض شكلت الحصن المنيع الذي حماه لاحقاً من الانزلاق إلى النزعات المثالية التجريدية أو النزعات النصية اللغوية البحتة التي طغت على الفكر البنيوي وفكر ما بعد البنيوية في باريس آنذاك.
بدأ لاتور مساره الأكاديمي بدراسة الفلسفة الكلاسيكية وتعمق في اللاهوت المسيحي التفسيري والتأويلي (Hermeneutics)، وهو تكوين ترك أثراً حاسماً في قدرته على قراءة النصوص ومساءلة أنظمة المعنى وكيفية بناء الحقيقة وشرعنتها. غير أن التحول الجوهري في مساره حدث عندما قرر الابتعاد عن الفلسفة النظرية المجردة متجهاً نحو الأنثروبولوجيا الميدانية؛ إذ شعر بأن المفاهيم الفلسفية المعزولة عن العمل الميداني تفقد قدرتها على الإحاطة بتعقيدات العالم الواقعي. ومن خلال الخدمة العسكرية البديلة التي قضاها في ساحل العاج (Abidjan) في مطلع السبعينيات، تحولت رؤيته جذرياً؛ حيث شرع في دراسة تكوين الكوادر والمهندسين التقنيين الأفارقة، متسائلاً عن الكيفية التي تُنقل بها العقلانية الغربية وتُفرض كنموذج أحادي على مجتمعات غير غربية، وهو ما مهد لولادة اهتمامه العميق بدراسات العلوم والتقنية.
خلال مسيرته التكوينية، تأثر لاتور بعمق بعدد من المفكرين الذين كسروا القوالب الأكاديمية الصارمة؛ وعلى رأسهم الفيلسوف الفرنسي ميشيل سير (Michel Serres)، الذي علمه كيف يعبر الجسور بين العلوم الطبيعية والأدب والفلسفة، وكيف يتأمل العلاقات الهجينة بين البشر والأشياء. كما استلهم من جيل دولوز (Gilles Deleuze) وفيليكس غاتاري (Félix Guattari) مفهوم الصيرورة والشبكة والقطيعة مع الهرميات المركزية، واكتسب من عالم البيئة والأنثروبولوجيا غريغوري بيتسون (Gregory Bateson) وعياً مبكراً بوحدة العقل والطبيعة ونقد الفصل بين الفكر وبيئته المحيطة. هذا الخليط الفكري الاستثنائي تبلور مهنياً وأكاديمياً عبر مسار حافل شغله لاتور في أعرق المؤسسات الفكرية؛ بدءاً من المدرسة الوطنية العليا للمناجم في باريس (École des Mines de Paris) حيث عمل لسنوات طويلة إلى جانب علماء الاجتماع والمهندسين، وصولاً إلى معهد باريس للعلوم السياسية (Sciences Po) الذي أصبح نائباً لمديره للأبحاث، والمؤسس لمختبر الوسائط (médialab)، ومحاضراً زائراً في أرقى الجامعات العالمية مثل هارفارد وأكسفورد ولندن للاقتصاد، وانتهاءً بتكريمه الرفيع في كوليج دو فرانس والمحافل الدولية قبل وفاته في أكتوبر 2022.
1.2 المشروع الفكري العام: تفكيك المركزية البشرية والنزعة الوضعية
يتمحور المشروع الفكري العام لبرونو لاتور حول غاية كبرى ومحورية: تفكيك أسطورة الاستثنائية الإنسانية والنزعة الوضعية العلموية التي نصبت الإنسان الذاتي كمركز وحيد وواعٍ للعالم في مقابل طبيعة خاملة مسلوبة الإرادة تنتظر من يكتشفها ويسيطر عليها. خاض لاتور معركة فكرية ضارية لتجاوز الثنائيات الديكارتية الصارمة التي قسمت العالم إلى (ذات مفكرة / موضوع ممتد)، و(عقل / جسد)، و(طبيعة / مجتمع). رأى لاتور أن هذا التقسيم الثنائي ليس مجرد خطأ فلسفي نظري، بل هو الأيديولوجيا التأسيسية التي شرعنت استغلال الأرض، وتهميش الفواعل غير البشرية، وعزل الإنسان في قوقعة عقلانية متوهمة قطعت أواصر اتصاله المادي مع شبكات الحياة التي تدعمه.
في قلب هذا المشروع يكمن السعي إلى إعادة صياغة العلاقة بين الطبيعة والمجتمع ضمن إطار أنطولوجي موحد ومتماثل. يرفض لاتور أن تكون الطبيعة حقلاً مغلقاً خاصاً بالعلوم الطبيعية والفيزيائية بينما يُترك المجتمع حقلاً حصرياً لعلماء الاجتماع والسياسة؛ فالطبيعة والمجتمع ليسا كيانين منفصلين يوجدان مسبقاً، بل هما نتاج وتراكيب تاريخية تنتج عن ارتباطات شبكية كثيفة. ولتحقيق هذه القفزة، طور لاتور برفقة زملائه إطاراً تحليلياً يدمج كل الموجودات في حقل علائقي واحد، مؤكداً أن الاستقرار الاجتماعي لا يمكن فهمه إلا عبر الأدوات المادية والتقنيات التي تثبت هذا الاستقرار، كما أن الحقائق العلمية لا يمكن فهمها بمعزل عن المفاوضات الإنسانية والسياسية والمؤسسية التي تجعلها صلبة ومقبولة.
هذا المسار قاد لاتور تدريجياً عبر أربعة عقود من التفكير الدؤوب إلى الانتقال العضوي من سوسيولوجيا العلم التجريبية الضيقة—المعنية بدراسة حياة المختبرات والمقالات العلمية والميكروبات—إلى صياغة فلسفة متكاملة وشاملة للوجود البيئي والسياسي. لم يعد لاتور يكتفي بالسؤال: “كيف يُصنع العلم في المعامل؟”، بل انتقل إلى السؤال الوجودي والسياسي الحاسم: “كيف نسكن هذه الأرض المتصدعة بعد أن استيقظت الطبيعة فجأة من سباتها لتصبح فاعلاً جيولوجياً ومناخياً جباراً؟”. إن مشروعه يمثل محاولة لإعادة ربط الفلسفة بالأرض الحقيقية، وإسقاط النزعة الإمبريالية للعقل الحداثي الغربي الذي تصور نفسه قادراً على الهيمنة على الكون دون أن يتحمل التبعات المادية لتدخلاته.
1.3 الأبعاد السيكولوجية والمعرفية في مقاربات لاتور الفلسفية
على الرغم من أن برونو لاتور عُرف في المقام الأول بوصفه عالم اجتماع وفيلسوفاً للعلوم، إلا أن مقاربته تنطوي على أبعاد سيكولوجية ومعرفية (Cognitive) ثورية تعيد رسم معالم النفس الإنسانية. ينصب نقد لاتور الحاد على التصور الحداثي للعقل البشري، ذلك التصور الديكارتي والكانطي الذي يختزل الوعي في “شبح داخل آلة”، أو في كوغيتو منغلق على ذاته، يعالج المعلومات داخلياً عبر ملكات فطرية مستقلة تماماً عن البيئة المادية. يرى لاتور أن هذا التصور النفسي هو وهم سيكولوجي ناتج عن التجريد الفلسفي الحداثي؛ فالإنسان لا يفكر بعقله المجرد بمفرده، بل يفكر دائماً بواسطة، ومن خلال، وعبر الأدوات، والرسوم البيانية، والملاحظات، والكتب، والأجهزة المخبرية، واللغات، والوسطاء الماديين المحيطين به.
من هذا المنظور، تصبح “الذات” عند لاتور ذاتاً متشابكة (Entangled Self)، لا تمتلك حدوداً نفسية مصمتة تعزلها عن عالم الأشياء. إن العمليات المعرفية كالتذكر، والاستنتاج، وتكوين القناعات، واليقين العلمي، وتوليد الشك، ليست أحداثاً نفسية داخلية تجري في الصمت العصبي للدماغ البشري فحسب، بل هي عمليات معرفية موزعة وممتدة مادياً. إن المختبر العلمي، على سبيل المثال، يعمل بمثابة “بدلة معرفية خارجية” تمنح العقل البشري قدرات خارقة على إدراك الميكروبات والذرات والجينات التي يعجز الجهاز العصبي المجرد عن التقاطها. وبالتالي، فإن الذاتية الإنسانية تُصنع صناعة عبر تفاعلاتها مع الأجهزة والتقنيات، وتتغير بنيتها السيكولوجية كلما تغيرت الأدوات التي تشتبك معها.
إن هذا التفكيك اللاتوري يمارس أثراً عميقاً في فهم التمثلات السيكولوجية للجماعات والعمليات الذهنية المشتركة. فالقناعات الجمعية لا تتماسك بفعل “وعي جمعي” طافي ومجرد على طريقة دوركهايم، بل بفضل شبكات مادية صلبة من الوثائق، والشاشات، والمعايير المعمارية، والقوانين المكتوبة التي توجه الانتباه البشري، وتثبت المشاعر، وتقود الإدراك. إن مقاربة لاتور تفكك النرجسية النفسية للإنسان الحديث الذي تخيل أنه يمتلك احتكاراً تاماً للمعنى والقصدية والشعور، وتستبدلها برؤية سيكولوجية-علائقية ترى في الإنسان كائناً هجيناً يستمد هويته وقوته النفسية ووعيه التفكيري من شبكة التحالفات والروابط التي ينسجها يومياً مع العناصر الحية والجامدة على حد سواء.
2. التكوين الأكاديمي والتحولات الإبستمولوجية المبكرة
2.1 من التأويل اللاهوتي إلى الأنثروبولوجيا الميدانية
شكّلت الأطروحة الجامعية الأولى لبرونو لاتور، والتي نال بها شهادة الدكتوراه في اللاهوت والفلسفة في جامعة تور (Université de Tours) عام 1975، المنطلق التأويلي الخفي الذي ظل يغذي منهجيته النقدية لعقود لاحقة. تمحورت دراسته حول التفسير والتأويل اللاهوتي عند رودولف بولتمان وإكسيجيجيس العهد الجديد، وبشكل خاص حول مفهوم “القيامة” والبعث ونقل الحقيقة الدينية عبر النصوص والشهادات. تعلم لاتور من هذه التجربة أن النصوص والخطابات الدينية لا تشير إلى وقائع تجريبية خارجية بأسلوب وصفي مباشر، بل تبني شبكات من المعنى تهدف إلى تغيير المتلقي وتجديد حضوره الوجودي؛ أي أن الحقيقة ليست انعكاساً سلبياً للمادة، بل هي حركة تجديد وتوليد ونقل مستمر، تتطلب وساطات ومؤسسات لحمايتها من الاندثار. هذا الوعي بآليات “النقل والتأويل والترجمة” صار لاحقاً العمود الفقري لمنهجيته في تفكيك الحقيقة العلمية ذاتها.
غير أن المنعطف الراديكالي تمثل في خروجه من دوائر التأويل النصي المغلقة إلى الميدان الأنثروبولوجي المباشر. في ساحل العاج، وجد لاتور نفسه أمام تحدٍ معرفي عميق أثناء عمله في المعهد الفرنسي للبحوث العلمية للتنمية في الخارج (ORSTOM). كان التحدي يتمثل في دراسة أسباب الصعوبات التي يواجهها المهندسون والتقنيون الإيفواريون في استيعاب التكنولوجيا الصناعية الغربية والتعامل مع الآلات المعقدة. بدلاً من تبني الفرضيات العنصرية أو التنموية الاستعمارية السائدة التي عزت هذه الصعوبات إلى “عقلية بدائية” تعجز عن التفكير المجرد المنطقي، دشن لاتور نقداً بنيوياً لهذا الطرح، مبيناً أن المشكلة ليست في القدرات الذهنية للأفارقة، بل في الكيفية التي تُفرض بها المنظومات التقنية الغربية باعتبارها صناديق سوداء منغلقة تقتلع التقنية من بيئتها الاجتماعية وتدمر علاقات الإنتاج المحلية.
من خلال هذا العمل الميداني، تبلور لدى لاتور نقد منهجي راديكالي للمفاهيم الاستعمارية حول العقلانية والبدائية. أدرك أن ما يُسمى بـ”العقلانية العلمية الغربية” ليس خاصية ذهنية جوهرية تميز العقل الأوروبي الأبيض عن سائر البشر، بل هو نتاج تنظيم شبكي محدد، وترتيب مادي للأدوات، والمؤسسات، والمختبرات، وأدوات الكتابة والتوثيق. لقد اكتشف لاتور أن التفكير الإنساني في كل مكان يظل محكوماً بالبيئة المادية والوسائط التقنية التي يشتغل بها؛ فلا يوجد “فكر بدائي” و”فكر متحضر”، بل توجد شبكات مادية قصيرة وبسيطة، وشبكات مادية ممتدة ومعقدة تعتمد على الكتابة والأجهزة والتراكم الإمبراطوري. هذا الاكتشاف الأنثروبولوجي مهّد لقراره الجريء بتطبيق مناهج الأنثروبولوجيا—التي كانت تُخصص عادة لدراسة “القبائل البدائية”—على أرقى معاقل العقلانية الحداثية الغربية: مختبرات العلوم الدقيقة في كاليفورنيا.
2.2 بواكير التحول نحو دراسات العلوم والتقنية (STS)
شكّل ولوج برونو لاتور إلى حقل دراسات العلوم والتكنولوجيا (Science and Technology Studies – STS) في أواخر السبعينيات قطيعة إبستمولوجية حاسمة مع تقاليد فلسفة العلوم المعيارية التي سادت الساحة الفكرية لعقود طويلة. تمثلت هذه القطيعة في رفض النماذج الإبستمولوجية التي أسس لها غاستون باشلار (Gaston Bachelard) وجورج كانغيلام (Georges Canguilhem) في فرنسا، وكارل بوبر (Karl Popper) في الفضاء الأنجلو-ساكسوني. انتقد لاتور تلك الفلسفات لأنها تعاملت مع العلم بوصفه نتاجاً عقلياً معيارياً خالصاً يتقدم عبر قفزات مفاهيمية مجردة، أو قطيعات إبستمولوجية، أو مبادئ منطقية تدحض الفرضيات عبر “التكذيب” الصوري، متجاهلة بالكامل البيئة المادية واليومية الملموسة التي يُنتج فيها العلم.
بدلاً من الاكتفاء بتحليل النصوص العلمية المكتملة والنظريات المنشورة في أوراق بحثية نهائية ومصقولة، تبنى لاتور مقاربة إثنوغرافية جريئة تدعو إلى فحص العلم في طور التكوين والإنتاج الفعلي. رأى لاتور أن الفلاسفة والإبستمولوجيين التقليديين ارتكبوا خطأً فادحاً حين درسوا “العلم المكتمل” (Ready-made Science)، ذلك العلم الذي يبدو منيعاً، محكماً، خالياً من الثغرات، وقائماً بذاته، واستنتجوا منه قوانين منطقية مجردة؛ بينما السبيل الوحيد لفهم الطبيعة الحقيقية للعلم هو مراقبة “العلم أثناء صناعته” (Science in the making)، أي رصد اللحظات الأولى من الفوضى المعملية، والشك، والنزاع بين العلماء، وفشل التجارب، وضياع العينات، والمفاوضات المالية والسياسية حول منح التمويل.
تأسس هذا المنحى على مبدأ مفاده أن دراسة العلم يجب ألا تختلف إطلاقاً عن دراسة أي ظاهرة ثقافية أخرى؛ فالباحث الميداني يجب أن ينظر إلى علماء الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا بالفضول والحياد نفسهما اللذين ينظر بهما إلى أفراد قبيلة في غابات الأمازون. لقد كانت هذه النقلة تمثل تجريداً للكهنوت العلمي الحديث من هالته القدسية، وإعادة إدماج لممارسات العلماء ضمن النسيج الاجتماعي والمادي الأوسع. عبر هذا التأسيس، تحول لاتور من فيلسوف تأملي إلى إثنوغرافي يرتدي المعطف الأبيض داخل أروقة المعامل، ليدشن مرحلة جديدة بالغة الأهمية في تاريخ دراسات المعرفة تمثلت في بحثه الميداني الرائد في معهد سولك.
3. الحياة المختبرية وتفكيك البناء النفسي والمعرفي للحقائق العلمية
3.1 إثنوغرافيا المختبر في معهد سولك بالاشتراك مع ستيف وولغار
في عام 1979، نشر برونو لاتور بالاشتراك مع عالم الاجتماع البريطاني ستيف وولغار (Steve Woolgar) كتابهما التأسيسي المزلزل: “الحياة المختبرية: البناء الاجتماعي للحقائق العلمية” (Laboratory Life: The Construction of Scientific Facts). استند الكتاب إلى عمل ميداني إثنوغرافي استثنائي استمر لسنتين كاملتين (1975–1977) داخل مختبر عالم الغدد الصماء روجيه غيلمان (Roger Guillemin) في معهد سولك للدراسات البيولوجية (Salk Institute) في سان دييغو بكاليفورنيا، وهو المختبر الذي فاز مديره بجائزة نوبل في الطب عام 1977 تقديراً لعزله وتصنيعه للهرمون المحرر لمنبه الغدة الدرقية (TRH).
تعامل لاتور مع العلماء داخل معهد سولك تماماً كما يتعامل الأنثروبولوجي مع “قبيلة غريبة” تمارس طقوساً تدوينية وتجريبية مشحونة بالرمزية والمادية. لم يذهب لاتور لمناقشة النظريات البيوكيميائية في عقول العلماء، بل جلس يراقب حركاتهم اليومية: كيف يغسلون الأنابيب، كيف يعايرون الأجهزة، كيف يتحدثون، وكيف يدونون الملاحظات في كراساتهم. وجد لاتور أن الغالبية الساحقة من أنشطة المختبر ليست تأملات فكرية ولا إلهامات عبقرية خارقة، بل هي عمليات مادية شاقة تتمحور حول ما أسماه بـ”أجهزة التسجيل والكتابة” (Inscription Devices). هذه الأجهزة هي ترتيبات مادية—تتألف من مجاهر، وأجهزة طرد مركزي، ومطياف كتلة، وكمبيوترات—تقوم بتحويل المواد البيولوجية الفوضوية الرطبة، مثل أمخاخ الخراف والدم والأنسجة، إلى نقوش ورسوم بيانية وجداول وأرقام جافة ومسطحة ثنائية الأبعاد يمكن طباعتها ونقلها والتجادل حولها بسهولة.
قاد هذا الرصد إلى نتيجة صادمة للفكر الوضعي: إن الإنتاج المعملي لا يمثل “كشفاً موضوعياً محضاً” عن حقائق كانت موجودة سلفاً في الطبيعة وتنتظر من يرفع الستار عنها، بل هو “صناعة سياقية للحقائق”. إن هرمون (TRH) لم يخرج من أمخاخ الخراف ككيان نقي بذاته، بل صُنع عبر سلاسل لا نهائية من التطهير الكيميائي، والفرز الميكانيكي، والترميز الرياضي، والنقاشات الإقناعية المحتدمة. إن أجهزة التسجيل والنقوش هي التي تولد في نهاية المطاف “اليقين النفسي والمعرفي” لدى المجتمع العلمي؛ إذ يصبح من المستحيل التشكيك في وجود الهرمون بمجرد أن تتطابق النقوش الناتجة عن أجهزة متعددة وتُطبع في مجلة علمية محكمة، مما يحول الظاهرة البيولوجية من مادة هلامية غامضة إلى واقعة علمية صلبة لا يتطرق إليها الشك.
3.2 آليات بناء الحقيقة وسيكولوجيا الإقناع العلمي
في “الحياة المختبرية”، فكك لاتور ووولغار التدرج المعرفي والنفسي الذي تسلكه العبارات العلمية للتحول من مجرد تكهنات مشكوك فيها إلى حقائق بديهية ومطلقة. قسم المؤلفان البيانات اللغوية المتداولة داخل المختبر وخارجه إلى خمسة مستويات دقيقة:
- المستوى الأول: تكهنات وتخمينات أولية غير مستقرة، تظهر عادة في الأحاديث الشفهية غير الرسمية في كافتيريا المختبر (مثل: “ربما تكون هذه القمة في الرسم البياني دليلاً على وجود ببتيد جديد”).
- المستوى الثاني: ادعاءات مدعومة ببعض التجارب الأولية لكنها تظل مرتبطة بأسماء الباحثين وظروف المختبر وتحفل بالمحاذير (مثل: “يقترح الفريق الفلاني أن هذه المادة قد تؤثر تحت شروط كيميائية خاصة”).
- المستوى الثالث: عبارات تفيد وجود ظاهرة معينة ولكنها تصاغ مع الإشارة إلى القيود المنهجية أو الأدوات المستخدمة (مثل: “أظهرت نتائج مطياف الكتلة دليلاً على التركيب البنيوي للببتيد”).
- المستوى الرابع: عبارات علمية مستقرة تماماً، حُذفت منها أسماء الباحثين وظروف المختبر وأسماء الأجهزة، وتقدم في الكتب الجامعية المقررة كحقائق مسلم بها (مثل: “هرمون TRH هو ببتيد ثلاثي يفرزه الوطاء”).
- المستوى الخامس: عبارات بلغت من البداهة والصلابة حداً جعل من غير الضروري ذكرها أصلاً، لأنها تحولت إلى خلفية فكرية ومادية بديهية تُبنى عليها جميع الأبحاث اللاحقة دون أي نقاش.
تتمثل سيكولوجيا الإقناع العلمي بحسب لاتور في التحريك المنهجي للادعاءات من المستوى الأول وصولاً إلى المستويين الرابع والخامس عبر تجريدها التدريجي من كل الآثار المادية والتاريخية والبشرية التي رافقت ولادتها. يتم طمس أثر الشك، والصراعات النفسية، وتنافس المختبرات، والأخطاء التجريبية، لتبدو النتيجة النهائية وكأن الطبيعة نفسها هي التي نطقت بها وليس العلماء وأجهزتهم. ويشير لاتور إلى أن التكلفة السيكولوجية والمادية لتفكيك حقيقة علمية استقرت في المستويين الرابع والخامس باهظة للغاية؛ فالأمر يتطلب من المشكك أن يعيد بناء مختبر كامل، ويشتري أجهزة تماثل قيمتها ملايين الدولارات، ويجند حلفاء أكاديميين، ويتحمل ضغطاً نفسياً واجتماعياً هائلاً من مجتمع الباحثين الذي يميل بطبيعته إلى صيانة استقرار حقائقه لتجنب الانهيار المعرفي.
إن بناء الحقيقة العلمية هو نتاج ديناميات تفاوض اجتماعي وذهني شديدة التعقيد داخل الفضاءات المعملية؛ إذ يتحرك العلماء في شبكة من الإكراهات النفسية والمادية، ويسعون دوماً إلى تراكم “رأس المال المصداقي” (Credibility Capital). هذا الرأسمال ليس مجرد هيبة معنوية، بل هو عملة سيكولوجية تتيح للعالم الحصول على تمويلات إضافية، وتعيين باحثين أكفاء، وشراء أجهزة أحدث، لكتابة أوراق بحثية أكثر صلابة، وهي الدورة التي تجعل من بناء الحقائق صيرورة سياسية ومادية ونفسية متكاملة تدمج الرغبة الإنسانية في الاعتراف بالبنية الصارمة للمؤسسة العلمية.
3.3 الصندوق الأسود وكيفية طمس المسارات التأسيسية للأفكار
يعد مفهوم “الصندوق الأسود” (Black Box)—المستعار من مجال علم التحكم الآلي (Cybernetics) ونظرية النظم—من أدق المفاهيم التي صاغها لاتور لتفسير كيف تُطمس المسارات التأسيسية للحقائق والتقنيات. يعرف لاتور الصندوق الأسود بأنه أي قطعة تقنية، أو نظرية علمية، أو إجراء مؤسسي، بلغ حداً من التماسك والكفاءة بحيث لم يعد هناك داعٍ للنظر في تركيبته الداخلية المعقدة، بل يتم الاكتفاء بالتركيز فقط على مدخلاته ومخرجاته. فعندما نستخدم جهاز كمبيوتر، أو نطبق قانوناً فيزيائياً، أو نستخدم هرموناً معزولاً في علاج طبي، فإننا نتعامل مع صندوق أسود لا نسأل عن كيفية تجميعه ولا عن الأزمات والصراعات التي واجهت صانعيه الأوائل؛ إنه يعمل ببساطة وكأنه حقيقة موضوعية مطلقة.
ينطوي إغلاق الصناديق السوداء على تداعيات نفسية ومعرفية هائلة على المجتمعات الأكاديمية والعامة؛ فالصندوق الأسود يريح العقل البشري من القلق الشديد الناجم عن التفكير المستمر في المقدمات، ويوفر جهداً معرفياً استثنائياً يتيح للعلماء البناء على ما سبق دون البدء من الصفر. غير أن هذا الإغلاق يؤدي في الوقت نفسه إلى حالة من “العمى المعرفي”؛ حيث يُنسى الطابع الإنساني والتاريخي والمحفوف بالاحتمالات لتلك الحقائق، ويتحول الناتج المعرفي إلى دوغما مستقرة غير قابلة للمساءلة، تُمارس سلطة نفسية قاهرة تمنع أي تفكير نقدي بديل.
من هنا، دعا لاتور إلى ضرورة تطوير استراتيجيات منهجية تهدف إلى “فتح الصناديق السوداء” (Opening Black Boxes). إن إعادة فتح هذه الصناديق تعني إعادة تمثيل التاريخ المادي للصراعات والشكوك والمفاوضات التي تم طمسها لحظة استقرار الحقيقة. إن فتح الصندوق الأسود يكشف عن الهشاشة التأسيسية التي قامت عليها أعظم الاكتشافات، ويحرر العقل النقدي من أسر الحتمية التكنولوجية والوضعية العلمية، مبيناً أن كل حقيقة صلبة كانت يوماً ما عبارة عن خلاف محتدم كان يمكن أن ينتهي إلى نتائج مغايرة تماماً لولا تدخل شبكة معقدة من الفواعل المادية والاجتماعية.
4. نظرية شبكة الفواعل: إعادة تعريف الفاعلية الإنسانية وغير الإنسانية
4.1 المبادئ التأسيسية لنظرية شبكة الفواعل (ANT)
تعتبر نظرية شبكة الفواعل (Actor-Network Theory – ANT) الإنجاز النظري الأبرز الذي ارتبط باسم برونو لاتور، والتي طورها بالتعاون الوثيق مع زميليه عالمي الاجتماع ميشيل كالون (Michel Callon) وجون لو (John Law). لم تنشأ النظرية كنظام فلسفي مجرد، بل ولدت كأداة منهجية لمقاربة التعقيد المتزايد للأنظمة التقنية والعلمية المعاصرة. تقوم النظرية على تفكيك النموذج السوسيولوجي التقليدي الذي يقسم العالم مسبقاً إلى قطبين متنافرين: “المجتمع” من جهة، و”الطبيعة أو الأشياء” من جهة أخرى، مقترحة بدلاً من ذلك تصوراً علائقياً جذرياً يرى العالم كسلسلة لا متناهية من الشبكات المترابطة.
يرتكز الإطار المنهجي لنظرية شبكة الفواعل على ركيزتين فلسفيتين ثوريتين:
- السيميائية المادية (Material Semiotics): استعارة أدوات السيميائيات واللسانيات—التي ترى أن الكلمات لا تكتسب معناها من ذاتها بل من علاقتها واختلافها مع الكلمات الأخرى في الجملة—وتطبيقها على الكيانات المادية والفيزيائية. في هذا الإطار، لا يمتلك أي كائن (بشرياً كان أم غير بشري) جوهراً ثابتاً أو معنى مستقلاً بذاته، بل يُحدد دوره ووزنه وهويته فقط من خلال شبكة العلاقات والارتباطات التي ينسجها مع سائر العناصر المحيطة به.
- مبدأ التماثل المعمم (Generalized Symmetry): المبدأ الإبستمولوجي الأكثر راديكالية وإثارة للجدل في فكر لاتور؛ حيث يطالب الباحث بتبني لغة وصفية موحدة ومحايدة تماماً لا تميز مسبقاً بين العوامل البشرية والعوامل التقنية أو الطبيعية عند تفسير أي ظاهرة. يرفض هذا المبدأ الاحتكام إلى “المجتمع” أو “السلطة” لتفسير نجاح نظرية علمية، كما يرفض الاحتكام إلى “قوانين الطبيعة الموضوعية” لتفسير فشلها، بل يوجب تتبع كيفية تشابك البشر والجمادات معاً لبناء الشبكة دون منح امتياز أنطولوجي مسبق لأي منهما.
تؤكد النظرية أن الوجود بأكمله شبكي؛ فلا يوجد فاعل يعمل بمفرده في فراغ، ولا توجد شبكة لا تتجسد في فواعل ملموسة. إن هذا التماهي والترابط المستمر يسقط الحدود المصطنعة بين الميكرو (الفرد، اللقاء اليومي) والماكرو (المؤسسة، الدولة، النظام الرأسمالي)؛ فما يبدو “كلياً أو ضخماً” مثل الدولة أو النظام الاقتصادي العالمي ليس سوى شبكة ممتدة تتألف من نقاط مادية متصلة (مكاتب، حواسيب، كابلات، موظفين، قوانين)، يمكن تتبع خيوطها خطوة بخطوة دون الحاجة إلى افتراض قوى سوسيولوجية غيبية خارقة للطبيعة.
4.2 مفهوم الفاعل – المتصرف والتحول السيكولوجي لمعنى الإرادة
أعاد برونو لاتور تعريف مفهوم الفاعل عبر نحت مصطلح “الفاعل – المتصرف” أو الفاعل المحرك (Actant)، وهو مفهوم مستعار من السيميائيات السردية لـ ألجيرداس غريماس (Algirdas Greimas). يعرف لاتور الفاعل بأنه: “أي كائن يحدث فرقاً في مسار الأحداث، أو يغير مجرى فعل كائن آخر، أو يترك أثراً يمكن تتبعه”. ومن خلال هذا التعريف، ينتزع لاتور مفهوم الفاعلية من احتكار الوعي الإنساني والإرادة الذاتية؛ فالقصدية والوعي ليسا شرطين ضروريين للفاعلية، بل إن الشرط الوحيد هو القدرة على تعديل حالة الأشياء وتوجيه السلوك.
يفرض هذا الطرح تحولاً سيكولوجياً وفلسفياً عميقاً في فهم معنى “الإرادة الحرة”. يرفض لاتور التصور الكلاسيكي السائد في علم النفس التقليدي والتحليل النفسي، والذي يفترض وجود إرادة داخلية معزولة تنبع من صميم الأنا الواعية وتتجه للسيطرة على العالم الخارجي. يوضح لاتور أن الإرادة والقدرة على الفعل هما “أثر ناشئ عن شبكة” (Network-emergent effect) وليسا ملكية فردية أصيلة محبوسة داخل الجمجمة البشرية. لكي يفعل الإنسان أي شيء، يجب أن يتسلح بالأشياء ويتشابك معها؛ فالإنسان المجرد العاري من كل أداة أو لباس أو لغة أو وسيط عاجز تماماً عن ممارسة أي شكل من أشكال الفاعلية الاجتماعية المعقدة.
يوضح لاتور هذا التحول السيكولوجي بمثاله الشهير حول العلاقة بين الإنسان والسلاح الناري: هل يقتل الإنسان أم يقتل السلاح؟ تجيب الفلسفة الإنسانية الليبرالية: “الإنسان هو الذي يقتل، والسلاح مجرد أداة محايدة تسخرها الإرادة الخيرة أو الشريرة للبشر”. في حين يجيب الحتميون التكنولوجيون: “السلاح هو الذي يقتل؛ لأن وجوده يفرض القتل”. يرفض لاتور كلا الطرحين مقدماً تحليله الشبكي: عندما يمسك الإنسان بالسلاح، يتغير كلا الطرفين جذرياً؛ فالإنسان المسلح ليس هو نفسه الإنسان الأعزل مضافاً إليه مسدس، والسلاح في يد إنسان ليس هو المسدس الموضوع في خزانة. ينشأ كائن هجين جديد هو (إنسان-سلاح)، وتتولد إرادة جديدة وإمكانية فعل لم تكن موجودة لدى أي منهما بمفرده. إن السلاح يغير التكوين النفسي للإنسان، ويوحي له بإمكانات حركية وسلوكية جديدة، ويوجه رغبته وانفعالاته نحو مسارات تصبح فيها ممارسة العنف أكثر يسراً وإغراءً. وهكذا، تتوزع الإرادة والمسؤولية بين البشر وغير البشر، محطمة الوهم النفسي بالأنا المستقلة كلياً عن محيطها المادي.
4.3 الترجمة والوساطة مقابل النقل المحايد
لإدراك الكيفية التي تتماسك بها شبكات الفواعل، بلور لاتور وميشيل كالون مفهوم “الترجمة” (Translation) بوصفه الآلية المركزية للربط والتنسيق الاجتماعي. لا تعني الترجمة هنا النقل اللغوي من لسان إلى لسان، بل تعني: “العملية التي يقوم من خلالها فاعل ما بدمج مصالح ورغبات فواعل أخرى ضمن مساره الخاص، وإعادة تعريف أهدافهم، وتوجيه حركاتهم ليصبح هو المتحدث الرسمي باسمهم”. إن الترجمة هي مفاوضة مستمرة وتعديل في المعنى لربط عناصر غير متجانسة معاً.
يميز لاتور بدقة صلبة بين نوعين من الكيانات داخل أي شبكة:
- الموزع أو الناقل (Intermediary): كيان ينقل المعنى، أو الطاقة، أو القوة دون أي تعديل أو تحريف؛ فمخرجاته متوقعة تماماً ومطابقة لمدخلاته (مثل سلك كهربائي سليم ينقل التيار بأمانة تامة).
- الوسيط (Mediator): كيان نشط يقوم بتحويل، وترجمة، وتشويه، وإعادة إنتاج، وتعديل المعنى أو القوة التي تمر عبره؛ مخرجاته غير متوقعة وتستحيل معرفتها مسبقاً، إذ يمتلك القدرة على مفاجأة النظام وإعادة تشكيله (مثل محادثة عميقة بين شخصين، أو لوحة فنية، أو جهاز حاسوبي يرتكب خطأ غير متوقع).
تتضمن عملية الترجمة أربع مراحل ديناميكية ونفسية دقيقة صاغها ميشيل كالون وطورها لاتور:
- المشكلة أو التأطير (Problematization): المرحلة التي يحدد فيها الفاعل المبادر طبيعة المشكلة المعقدة التي تواجه أطرافاً متعددة، ويطرح نفسه كـ “نقطة عبور إلزامية” (Obligatory Passage Point) لا يمكن حل الأزمة دون المرور عبر شروطه وحلوله.
- الانخراط أو التوريط (Interessment): الاستراتيجيات والحيل النفسية والمادية التي يستخدمها المبادر لعزل الفواعل المستهدفة عن شبكات تحالفاتها السابقة، وقطع الروابط التي تنافس مشروعه، لجعلهم يلتفتون نحو الحل المقترح.
- التجنيد (Enrolment): التفاوض الناجح لتوزيع وتثبيت الأدوار المحددة؛ حيث يقبل الفواعل (بشراً كانوا أم غير بشر، مثل ميكروبات تستجيب للمصل أو مجتمع مزارعين يوافق على تقنية جديدة) الانخراط في أدوارهم المرسومة لهم داخل الشبكة.
- التعبئة والتمثيل (Mobilization): اللحظة التي يضمن فيها الفاعل المبادر ولاء المتحدثين باسم كل مجموعة، بحيث يستطيع هو شخصياً الوقوف نيابة عن الشبكة بأكملها، متحدثاً باسم آلاف الفواعل ككتلة واحدة متراصة وموحدة الإرادة.
تعتمد هذه المسارات الأربعة على ديناميات سيكولوجية عميقة؛ فهي تفاوض مباشر حول الرغبات والمصالح والهويات، وتفكيك للقلق والشكوك الجمعية، وتأسيس لثقة بنيوية جديدة بين عناصر كانت في السابق متباعدة أو معادية لبعضها البعض، مما يثبت أن السوسيولوجيا عند لاتور ليست دراسة للأشكال الجاهزة، بل هي رصد مستمر لهذا العمل الشاق من الترجمة والتحويل.
5. نقد الحداثة ومفهوم لم نكن قط حديثين
5.1 دستور الحداثة وفصل الطبيعة عن الثقافة
في عام 1991، أصدر برونو لاتور عمله الفلسفي الأكثر تأثيراً وعنوانه الصادم: “لم نكن قط حديثين: مقال في الأنثروبولوجيا المتماثلة” (Nous n’avons jamais été modernes: Essai d’anthropologie symétrique). في هذا الكتاب، يوجه لاتور ضربة قاصمة إلى صلب السردية التاريخية والفلسفية التي بنت عليها أوروبا هويتها وتميزها الحضاري منذ عصر التنوير. يطرح لاتور أطروحته المركزية: إن الحداثة لم تبدأ قط في الواقع؛ لأن التعريف الذي قدمته الحداثة عن نفسها يقوم على وهم أنطولوجي مستحيل التطبيق.
يحلل لاتور ما يسميه بـ”دستور الحداثة” (The Modern Constitution)، وهو الإطار النظري غير المكتوب الذي أسس للفكر الغربي عبر ممارستين متعارضتين كلياً:
- ممارسة التطهير (Purification): السعي الحثيث المستمر لفرز العالم وفصله قسرياً إلى منطقتين أنطولوجيتين متمايزتين بالكامل لا تداخل بينهما إطلاقاً: منطقة “الطبيعة” (المحكومة بقوانين موضوعية، ومادية، وخاملة، ومسيرة بالحتمية) ومنطقة “الثقافة أو المجتمع” (المحكومة بالحرية الإنسانية، والقيم، واللغة، والقصدية، والسياسة).
- ممارسة التهجين (Hybridization): الإنتاج الهائل والمتسارع في الوقت نفسه لكائنات ومخلوقات وشبكات “هجينة” تجمع بين الطبيعة والمجتمع في آن واحد دون انفصال (مثل الآلات، والصناعات الكيماوية، والطب الحيوي، وشبكات الري الكبرى، والتلوث البيئي).
يكمن التناقض النفسي والمعرفي للحداثة بحسب لاتور في أن الحداثيين تمكنوا من إنتاج هذه الكائنات الهجينة بكثافة استثنائية لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية تحديداً لأنهم أنكروا وجودها على المستوى النظري! فبفضل إيمانهم الراسخ بأنهم يفصلون فصلاً مطلقاً بين الطبيعة والسياسة، شعروا بالحرية الكاملة للعب بالطبيعة وتطويعها وتقنيتها دون أدنى قلق سياسي أو أخلاقي. هذا الانفصام المعرفي يمثل نكوصاً فلسفياً يعود بجذوره إلى الفلسفة الكانطية النقدية، التي نصبت حاجزاً مانعاً ومحكماً بين “عالم الأشياء في ذاتها” (Noumena) غير القابل للإدراك المباشر، وبين “عالم الظواهر” (Phenomena) المشروط بمقولات العقل البشري؛ مما أغلق الإنسان داخل سجن وعيه الذاتي ونفى الفاعلية الحية عن العالم المادي المحيط به.
5.2 ولادة الكائنات الهجينة وانفجار الأزمات الوجودية
يرى لاتور أن الأوهام الحداثية لم تعد قادرة على الصمود والاستمرار في أواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين؛ والسبب في ذلك هو انفجار وتكاثر “الكائنات الهجينة” (Hybrids) إلى الحد الذي جعل من المستحيل على ممارسات التطهير القديمة حجبها أو تصنيفها. يقدم لاتور أمثلة فاقعة على هذه الكائنات الهجينة التي تملأ صفحات الأخبار اليومية: ثقب الأوزون، ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ، مرض جنون البقر، الفيروسات التاجية والمتحورة، وتطبيقات الهندسة الوراثية والتعديل الجيني.
أين نضع ظاهرة مثل الاحتباس الحراري في الدستور الحداثي؟ هل هي ظاهرة طبيعية تنتمي إلى فيزياء الغلاف الجوي ودورات الكربون، أم هي ظاهرة اجتماعية وسياسية واقتصادية تنتمي إلى الرأسمالية الصناعية وأنماط النقل والاستهلاك والتشريعات الضريبية؟ يجيب لاتور بأنها كائن هجين مئة بالمئة: إنها طبيعية كلياً واجتماعية كلياً وتقنية وسياسية كلياً في اللحظة نفسها. إنها شبكة مادية لا يمكن تفكيكها إلى عناصرها الأولية دون تدمير حقيقتها المعاشة.
يتسبب هذا التكاثر الجامح للهجائن في اضطراب معرفي ونفسي هائل لدى الإنسان الحداثي؛ إذ يشعر بالعجز الوجودي والارتباك المفهومي حين يجد أن أدواته المعرفية المعتادة (التي اعتادت فصل العلوم الدقيقة عن العلوم الاجتماعية والعلوم السياسية) تفشل فشلاً ذريعاً في تفسير أو إدارة أي أزمة كبرى من أزمات العصر الراهن. هذا الإحباط السيكولوجي يولد حالة من الهلع الأخلاقي أو الإنكار المرضي لمخاطر العصر الحديث. ومن هنا تنبع، في نظر لاتور، الحاجة الملحة إلى إسقاط دستور الحداثة التطهيري، وتدشين “دستور بديل” يعترف صراحة بشرعية وموقع هذه الكائنات الهجينة الأنطولوجية، ويمنحها مكاناً واضحاً في قلب الفكر والفعل الإنساني دون خجل أو إنكار.
5.3 برلمان الأشياء كأفق سياسي ونفسي جديد
كنتيجة منطقية لضرورة تأسيس هذا الدستور الجديد، أطلق برونو لاتور أطروحته السياسية والفلسفية الجريئة المعروفة بـ “برلمان الأشياء” (The Parliament of Things). يرفض لاتور المفهوم الحداثي للسياسة الذي تأسس مع توماس هوبز (Thomas Hobbes) وجون لوك، والذي يقصر التمثيل السياسي والديمقراطي على الكائنات البشرية العاقلة وحدها، تاركاً الطبيعة موضوعاً صامتاً للهيمنة والاستغلال المعرفي والتقني.
يقوم برلمان الأشياء على منح التمثيل السياسي المباشر للموجودات غير البشرية وللظواهر الطبيعية والتقنية المركبة. لكن كيف تتحدث الأشياء غير البشرية في البرلمان؟ يوضح لاتور أن الأشياء ليست خرساء؛ فالأنهار الملوثة، والغابات المحترقة، والحيوانات المهددة بالانقراض، والمناخ المتغير، والميكروبات المتحورة تتحدث جميعها ولكن عبر “وسائط ومتحدثين رسميين” (Spokespersons) يمثلونها: إنهم العلماء، وأجهزة القياس، والمحامون البيئيون، والنشطاء، والمهندسون الذين يحملون بياناتها ونقوشها ومطالبها إلى الساحة العامة. في برلمان الأشياء، يجلس العالم الممثل للشعب المرجانية بجانب النائب الممثل للصناعات السمكية وبجانب ممثل المجتمعات الساحلية، في فضاء ديمقراطي موسع لا يستبعد شروط الوجود المادية للحياة لصالح صراعات أيديولوجية بشرية محضة.
إن هذا الأفق السياسي ينطوي على تحول نوعي في الوعي الجمعي والسيكولوجيا العامة للبشرية؛ إنه انتقال من عقلية “الهيمنة والسيطرة على الطبيعة” (Mastery and Possession) التي روج لها فرانسيس بيكون ورينيه ديكارت، إلى عقلية “الدبلوماسية المستمرة” (Diplomacy) والتعايش الحذر مع شركاء متطلبين وأقوياء لا يمكن سحقهم دون الانتحار الجماعي للبشر أنفسهم. إن برلمان الأشياء يعيد بناء العقد الاجتماعي ليشمل كافة الشركاء في الشبكة الكوكبية، مانحاً الذات الإنسانية توازناً نفسياً جديداً يحررها من عبء الشعور بالانفصال أو التفوق الواهم على الأرض وسكانها من غير البشر.
6. سيكولوجيا التفاعل بين الإنسان والتقنية
6.1 الوساطة التقنية وإعادة هندسة السلوك الأخلاقي والنفسي
في دراساته المعمقة حول التقنية اليومية، يفكك لاتور الأطروحة الكلاسيكية التي ترى في التقنية مجرد أدوات وأجهزة محايدة قيمياً تستخدمها الذات الإنسانية لتحقيق غاياتها المسبقة. يوضح لاتور في نصوصه الشهيرة حول “الوساطة التقنية” (Technical Mediation) أن الأدوات المادية مبرمجة لتمارس أدواراً أخلاقية وسيكولوجية بالغة القوة والدقة؛ فالأشياء ليست محايدة بل هي “فواعل أخلاقية” تفرض سيناريوهات سلوكية ملزمة على مستخدميها، وتعيد هندسة قراراتهم وردود أفعالهم بصمت وصرامة تفوق القوانين الشفهية والمكتوبة.
يقدم لاتور نماذج عبقرية من الحياة اليومية لشرح هذه الوساطة؛ لعل أبرزها نموذج “مطب السرعة” (Speed Bump) ونموذج “قفل الباب التلقائي الميكانيكي” (The Hydraulic Door Closer):
- مطب السرعة (“الشرطي النائم”): عندما ترغب السلطات البلدية في تقليل سرعة السيارات لحماية المشاة قرب المدارس، يمكنها وضع لافتة كتب عليها: “الرجاء تخفيف السرعة، السرعة المحددة 30 كم/ساعة”، معتمدة على الضمير الأخلاقي للسائقين أو خوفهم من عقوبة شرطي المرور. غير أن السائقين غالباً ما يتجاهلون اللافتة بفعل النسيان أو الاستعجال. لمواجهة هذا الفشل البشري، تلجأ السلطة إلى إدماج الواجب الأخلاقي والقانوني داخل قطعة من الإسفلت المرتفع في منتصف الطريق. هنا، يُستبدل الواجب الأخلاقي الحواري بإكراه مادي صلب ومباشر: إذا لم يخفف السائق سرعته، فستتحطم ممتصات الصدمات في سيارته. لقد حلت مادة الإسفلت محل شرطي المرور، وقامت بتعديل السلوك وتغيير الحالة النفسية للسائق فوراً من الاسترخاء أو التهور إلى الحذر الشديد.
- قفل الباب الميكانيكي التلقائي: باب يُترك مفتوحاً يسبب دخول الهواء البارد ويستهلك الطاقة. بدلاً من تدريب البشر على التحلي بفضيلة غلق الأبواب بانتظام ووضع لافتات استعطافية، يدمج المهندسون آلية ميكانيكية زنبركية تتولى إغلاق الباب تلقائياً وبسلاسة بعد خروج الشخص. لقد تم تفويض الفضيلة الإنسانية المتمثلة في الانتباه والحذر إلى نابض حديدي ومكبس هيدروليكي يقوم بالمهمة دون تعب أو نسيان.
توضح هذه النماذج كيف تفرض الأدوات نصوصاً سلوكية مكتوبة في مادتها (Scripts)، مشكّلة الانفعالات والقرارات والمسارات الحركية للأفراد. إن ما نسميه بالمسؤولية الأخلاقية والعبء المعرفي يُوزع بشكل مستمر على الآلات والأجهزة، بحيث يصبح التماسك الحضاري للمجتمعات الحديثة رهيناً بهذه الفواعل التقنية الصامتة وليس بفضل النضج الأخلاقي الداخلي للبشر وحدهم.
6.2 التفويض التقني وأثره على البناء الذاتي للإنسان
يطلق لاتور على عملية نقل الأدوار والوظائف الإنسانية إلى الآلات مصطلح “التفويض التقني” (Technical Delegation). في كل لحظة تاريخية، يقوم البشر بتفويض جزء متزايد من ذاكرتهم، وقراراتهم، وعضلاتهم، ومعاييرهم الأخلاقية إلى وسائط تقنية. فنحن نفوض حفظ أرقام الهواتف والتواريخ لأجهزة الهواتف الذكية، ونفوض الحسابات المعقدة للآلات الحاسبة، ونفوض تذكر مواعيد تناول الدواء للتطبيقات الرقمية، ونفوض تحديد الاتجاهات الجغرافية لأنظمة الملاحة بالأقمار الاصطناعية (GPS).
يترك هذا التفويض التقني المتزايد أثراً نفسياً ووجودياً عميقاً ومزدوجاً على بنية الذات الإنسانية المعاصرة:
- توسيع القدرات وتخفيف العبء الذهني: يمنح التفويض الذات البشرية طاقة إدراكية هائلة؛ إذ يحرر طاقتها الذهنية من أعباء الحفظ والمهام الروتينية ليركزها في مجالات إبداعية وتأملية جديدة، مما يجعل الإنسان يبدو كائناً فائق القوة ومحاطاً بشبكة دعم صلبة لا تنام.
- القلق الوجودي والشعور بالهشاشة: في المقابل، يولد هذا الاعتماد المفرط على تقنيات شديدة التعقيد وغير شفافة حالة من القلق المزمن وفقدان السيطرة؛ فالذات الحداثية تشعر بالضياع والشلل التام بمجرد انقطاع التيار الكهربائي أو توقف شبكة الإنترنت أو تعطل نظام الملاحة. إن الإنسان يكتشف فجأة أنه لا يستطيع العمل أو التفكير أو حتى العودة إلى منزله بمفرده بمعزل عن هذه الصناديق السوداء التي يجهل تماماً كيفية عملها الميكانيكي أو الرقمي الداخلي.
يقودنا هذا التحليل إلى استنتاج سيكولوجي ثوري: في العصر الحديث والمشهد الرقمي الراهن، لم يعد من الممكن التحدث عن “ذاتية إنسانية نقية” (Pure Subjectivity) تقف في مواجهة التقنية، بل يجب الحديث عن “ذات تقنية-نفسية هجينة” (Techno-psychological Hybrid). إن وعي الإنسان بذاته، وثقته بنفسه، وهويته الفردية تتشكل وتنمو وتتحول باستمرار داخل هذه العلاقة التكافلية والاندماجية التي لا تنفصم مع الآلات والمنصات والخوارزميات التي تحيط بوجوده من كل جانب.
7. تفكيك علم الاجتماع التقليدي وإعادة تجميع الاجتماعي
7.1 نقد سوسيولوجيا الاجتماعي مقابل سوسيولوجيا الارتباطات
في عام 2005، نشر برونو لاتور أحد أهم كتبه المنهجية بعنوان: “إعادة تجميع الاجتماعي: مقدمة لنظرية شبكة الفواعل” (Reassembling the Social: An Introduction to Actor-Network-Theory). في هذا العمل المرجعي، أعلن لاتور قطيعته النهائية والشاملة مع التيار السائد في علم الاجتماع الكلاسيكي منذ إميل دوركهايم، مخصصاً نقداً لاذعاً لما أسماه بـ “سوسيولوجيا الاجتماعي” (Sociology of the Social)، ومقترحاً بديلاً راديكالياً سماه “سوسيولوجيا الارتباطات” (Sociology of Associations).
يرى لاتور أن الخطأ الأساسي الذي ارتكبه علماء الاجتماع التقليديون هو تعاملهم مع كلمة “الاجتماعي” (The Social) بوصفها مادة قائمة بذاتها، أو غراءً سحرياً خاصاً، أو مجففاً كلياً يُستخدم كسبب وعلة لتفسير كافة الظواهر الإنسانية. فعندما يواجه عالم الاجتماع التقليدي ظاهرة مثل القانون، أو الدين، أو العلم، أو الجريمة، يسارع إلى القول: “هذه الظاهرة سببها البعد الاجتماعي، أو سببها الطبقة الاجتماعية، أو صراعات القوة في المجتمع”. يتساءل لاتور بسخرية لاذعة: ما هذا الكيان المسمى “المجتمع” الذي يظهر فجأة كإله خفي يفسر كل شيء ولا يحتاج إلى من يفسره؟ إن استخدام المجتمع كعلة جاهزة هو هروب إبستمولوجي من التحليل الحقيقي؛ لأن “الاجتماعي” ليس مادة أو سبباً، بل هو نتيجة تحتاج هي نفسها إلى التفسير المستمر.
في المقابل، تؤكد “سوسيولوجيا الارتباطات” أن الاجتماعي ليس مادة متجانسة مصنوعة من البشر وحدهم، بل هو “حركة متقلبة لتجميع وتتبع الروابط” (A movement of reassembling associations). لا يوجد شيء اسمه مجتمع يسبق هذه الروابط؛ فكل ما لدينا هو تجمعات هشة وغير متجانسة تتألف من كلمات، وأجساد، وأموال، وعقود، ومبانٍ، ووثائق، وبرامج، وميكروبات، وسياسات. إن النظام الاجتماعي لا يدوم من تلقاء نفسه، بل يحتاج إلى عمل شاق ويومي تبذله هذه الشبكات المادية لصيانته ومنعه من التفكك؛ وإذا أردت فهم السلطة أو الهيمنة، فلا تقل “إنها سلطة المجتمع”، بل تتبع الأسلاك والهواتف والمستندات والسجون والمراسيم والطقوس التي تجعل هذه الهيمنة ممكنة وقابلة للاستمرار على أرض الواقع.
7.2 إعطاء الصوت للمبحوثين وإسقاط الوصاية الأكاديمية
ينطوي التحول المنهجي الذي دشنه لاتور في “إعادة تجميع الاجتماعي” على بعد تحرري وأخلاقي عميق في الممارسة البحثية، يتمثل في إسقاط الوصاية الأكاديمية المتعالية التي مارسها علماء الاجتماع والنفس لعقود على الفواعل والمبحوثين. وجه لاتور نقداً لاذعاً لعلماء الاجتماع النقدي—وعلى رأسهم تيار بيير بورديو (Pierre Bourdieu)—الذين يتعاملون مع الناس العاديين بوصفهم “دمى مغفلة” (Cultural Dopes) مسلوبة الإرادة، تتحكم فيها قوى سوسيولوجية ونفسية خفية وعميقة لا يراها سوى عالم الاجتماع العبقري المترفع عنهم من برجه العاجي، بينما يتخبط الناس في الجهل بالدوافع الحقيقية لأفعالهم.
يطالب لاتور بوقف هذه التعالي المنهجي فوراً، وتبني مبدأ متواضع وصارم: “أعطِ الصوت للفواعل أنفسهم” (Feed off the actors’ own vocabularies). إن المبحوثين—سواء كانوا أطباء في مشفى، أو مهندسين في معمل، أو مزارعين، أو مرضى نفسيين—يعرفون جيداً ماذا يفعلون، ويمتلكون نظرياتهم التفسيرية الخاصة، ومفاهيمهم المعقدة، وطرائقهم في إدارة الخلاف وصياغة العالم. تتمثل مهمة الباحث الحقيقية ليس في تصحيح كلام المبحوثين أو فرض قوالب نظرية مسبقة عليهم (مثل “الصراع الطبقي”، أو “عقدة أوديب”، أو “الهابيتوس”)، بل في الاستماع المتأني والصادق للمفردات والمصطلحات والتفسيرات التي يقدمها الأفراد بأنفسهم، وتتبع التبريرات التي يسوقونها لأفعالهم، والتعلم منهم بدلاً من التنظير الفوقي عليهم.
يمتلك هذا المبدأ آثاراً إكلينيكية ومنهجية ثورية في مجال العلوم النفسية والدراسات النوعية؛ فهو يعيد الاعتبار للكرامة المعرفية للمفحوص أو المريض، متجاوزاً الإسقاطات التشخيصية التي تختزل معاناته في تسميات مرضية جامدة. إن العلاقة بين الباحث والمبحوث (أو المعالج والمسترشد) تتحول بموجب هذا المنطق إلى علاقة تفاوض وتحالف سيميائي مشترك، حيث يصبح المريض شريكاً أصيلاً وخبيراً في تشريح شبكته الحياتية وعلاقاته المادية التي تحيط به وتصنع ألمه أو تعافيه.
7.3 رسم خرائط الجدل كأداة لتحليل النزاعات المعقدة
انطلاقاً من قناعته بأن العالم المعاصر يموج بنزاعات شبكية هجينة لا يمكن حسمها بالقواعد البسيطة، طور برونو لاتور برفقة فريقه البحثي في معهد باريس للعلوم السياسية منهجية مبتكرة عُرفت بـ “رسم خرائط الجدل” (Mapping Controversies). استُمدت هذه المنهجية في الأصل من دراسات العلم والتقنية، لكنها سرعان ما تحولت إلى أداة بيداغوجية وتحليلية كبرى لدراسة النزاعات العلمية والتقنية والبيئية والاجتماعية التي لم تستقر بعد ولم تُغلق صناديقها السوداء.
تقوم منهجية رسم خرائط الجدل على رصد النزاع في أوج اشتعاله، وتوثيق كافة الأطراف المشتبكة فيه دون الانحياز المسبق لأي طرف. يرفض هذا النهج القفز السريع لتبني “الحل العلمي الصحيح” أو إدانة المخالفين بوصفهم “جهلاء” أو “مغيبين”، بل يسعى إلى تفكيك الاستقطاب النفسي والاجتماعي عبر الخطوات التالية:
- تحديد كافة الفواعل المتورطة في الجدل (علماء، شركات، سياسيون، مؤسسات مجتمع مدني، حيوانات، أدوات قياس، تقارير صحفية).
- تتبع نقاط الخلاف الجوهرية وتحديد كيف يعرّف كل طرف طبيعة المشكلة والحلول المقترحة لها.
- رصد المصالح المادية، والتحالفات الاقتصادية، والأطر المعرفية والنفسية التي تحرك مواقف كل فاعل.
- استخدام أدوات التصور البصري الرقمي وشبكات البيانات الضخمة لرسم خرائط توضح مواضع التقارب والتباعد والتحالفات غير المتوقعة بين الأطراف.
تعتبر هذه الأداة حيوية لفهم القضايا المعقدة مثل: الجدل حول الذكاء الاصطناعي، أو لقاحات الأوبئة، أو الطاقة النووية، أو استخدام الكائنات المعدلة وراثياً. إنها تقدم للرأي العام ولصناع القرار سبيلاً عقلانياً لتجاوز القلق والذعر الأخلاقي، وتؤسس لـ “دبلوماسية معرفية” تساعد المجتمعات على استيعاب مخاوف كافة الأطراف والتفاوض حول مستقبل مشترك بدلاً من الانزلاق إلى الصراعات العقيمة والحروب الرمزية المتبادلة.
8. مشروع أنماط الوجود: إعادة استكشاف التجربة الإنسانية
8.1 أنطولوجيا التعددية وتجاوز هيمنة النمط العلمي
في عام 2012، بلغ المشروع الفلسفي لبرونو لاتور ذروته النظرية الأكثر نضجاً وشمولاً مع إصدار كتابه الضخم: “استقصاء في أنماط الوجود: أنثروبولوجيا للمحدثين” (An Inquiry into Modes of Existence: An Anthropology of the Moderns – AIME). في هذا العمل الذي استغرق الإعداد له أكثر من خمسة وعشرين عاماً، سعى لاتور إلى بناء بديل أنطولوجي إيجابي متكامل للحداثة بعد أن أمضى عقوداً في نقد أسسها وتفكيك دعائمها السوسيولوجية.
ينطلق مشروع أنماط الوجود من نقد لاذع للهيمنة الإمبريالية لما يسميه “النمط المعرفي العلمي الموضوعي” على مجمل التجربة الإنسانية. رأى لاتور أن الحداثة ارتكبت خطيئة فلسفية كبرى حينما جعلت من معيار الحقيقة الخاص بالعلوم الطبيعية—أي المعرفة الموضوعية التجريبية القابلة للقياس الرياضي والنقل السلس عبر سلاسل مرجعية—المعيار الوحيد والمهيمن للحقيقة في الوجود. وبموجب هذا الاستعمار المعرفي، تم تشويه وتسفيه بقية مجالات الوجود الإنساني؛ فصار الدين يُنظر إليه كخرافة أو مجرد أكاذيب تناقض الحقائق العلمية، وصار الفن يُختزل في مجرد متعة ذاتية لا صلة لها بالحقيقة، وصار القانون يُفسر كقناع لإخفاء توازنات القوى الطبقية والاجتماعية، وصارت السياسة تُحتقر كأداة للخداع والانتهازية.
لمواجهة هذا الاختزال، يطرح لاتور “أنطولوجيا تعددية” تعترف بوجود ما لا يقل عن خمسة عشر نمطاً مختلفاً من أنماط الوجود؛ لكل نمط منها شروطه الأنطولوجية الخاصة، ومعاييره المستقلة للصدق والكذب، وفئاته التفسيرية الفريدة التي لا يجوز محاكمتها بمعايير نمط آخر:
- نمط المرجع العلمي [REF]: غايته إنتاج سلاسل من الحقائق القابلة للتحقق التي تربط المفاهيم بالأشياء البعيدة دون انقطاع.
- نمط الدين [REL]: لا يهدف إلى نقل معلومات عن “عالم آخر في السماء”، بل هو خطاب تحويلي حميمي يهدف إلى تجديد الحضور النفسي والروحي وإنقاذ العلاقة بين الكائنات من الموت الرمزي والقطيعة في “هنا والآن”.
- نمط القانون [LAW]: يهدف إلى صيانة التماسك الشكلي للملفات والإجراءات لربط الأطراف بعقود وإسنادات ملزمة تتجاوز الحقائق المادية المجردة.
- نمط السياسة [POL]: يقوم على فن الالتفاف والمناورة الدائمة بهدف تجميع الجماعات المتنافرة وتوحيدها باستمرار تحت راية واحدة.
- نمط التقنية [TEC]: يقوم على الالتفاف المادي واختراع الحيل لحل المعضلات وإعادة توجيه حركة العناصر الطبيعية.
تكتسب هذه التعددية الأنطولوجية أهمية سيكولوجية فائقة لحماية الصحة النفسية للمجتمعات المعاصرة؛ إذ تحرر الإنسان من فخ العدمية والتشيؤ الذي تفرضه الرؤية العلموية المادية الضيقة، وتعيد الاعتبار للتجارب الروحية والفنية والقانونية بوصفها طرائق أصيلة ومشروعة لسكنى العالم واختبار الحقيقة الإنسانية في أبهى تجلياتها.
8.2 نمط التحول ونمط الارتباط في التجربة المعاشة
من بين أكثر أنماط الوجود إثارة وجاذبية في مشروع لاتور نجد نمطين يتقاطعان بعمق مع التجربة النفسية والوجودية المعاشة للفرد:
- نمط التحول [MET – Metamorphosis]: هو النمط المسؤول عن التغيرات النفسية الجذرية، والأزمات الانفعالية، والتحولات المفاجئة في الهوية الشخصية، وحالات الجنون، والشفاء، والمس الشيطاني، والذهان، والتجارب الوجدانية العميقة التي يمر بها الإنسان. يلاحظ لاتور أن التحليل النفسي الكلاسيكي وعلم النفس الحديث يخطئان حين يحبسان هذه الأزمات التحولية داخل الفرد بوصفها “اضطرابات داخلية في الكيمياء الدماغية أو صراعات في اللاوعي”. في المقابل، يرى لاتور—مستلهماً الرؤى الشامانية والأنثروبولوجية—أن نمط التحول يتضمن اشتباكاً مع قوى وكيانات نفسية خارجية قاهرة تهاجم الذات وتغيرها؛ فالشخص الذي يمر بأزمة اكتئاب حاد أو تجربة حب عاصفة يشعر حرفياً بأنه مسكون بقوى تتجاوزه، وتتطلب طقوساً وأدوات علاجية ومواكبة وجودية خاصة لتروييض هذا التحول وضمان عدم انهيار الذات كلياً.
- نمط الارتباط [ATT – Attachment]: وهو النمط الذي يفسر الكيفية التي تمسك بها الشبكات والكيانات عناصرها دون أن تتفكك وتسقط في الفوضى. لا يوجد كائن حر ومستقل بذاته؛ فالحرية عند لاتور ليست غياب الارتباطات، بل هي التمتع بارتباطات متينة وعميقة وصحية. كلما زادت ارتباطات الفرد بأسرته، وأصدقائه، وتقنياته، وأدواته، وطبيعته، وأفكاره، زادت قدرته على الحركة والفعل والازدهار النفسي؛ في حين أن القطيعة ونزع الارتباطات هو الذي يلقي بالإنسان في أتون العزلة والتفسخ والعدم.
يتقاطع هذا التحليل مع نظريات العلاج النفسي الوجودي والسردي الحديث؛ إذ يساعد الأفراد على إعادة سرد قصص حياتهم ليس بوصفهم ذواتاً معزولة وفاشلة في معركة الحياة، بل بوصفهم كائنات مركبة تسعى باستمرار للتفاوض مع شياطين التحول، وبناء ارتباطات مادية واجتماعية حانية وقوية تمكنهم من الصمود والمضي قدماً في عالم متعدد الأبعاد والأنماط.
9. التحول البيئي وقلق الأرض: السيكولوجيا السياسية لمرحلة ما بعد الطبيعة
9.1 مواجهة غايا وإعادة توطين الوعي البشري
في العقد الأخير من حياته، كرس برونو لاتور جل طاقته الفكرية لمعالجة الأزمة البيئية والمناخية، وقدم رؤيته في سلسلة من المحاضرات والكتب المرجعية؛ أهمها كتابه الاستثنائي: “مواجهة غايا: ثماني محاضرات حول النظام المناخي الجديد” (Facing Gaia: Eight Lectures on the New Climatic Regime – 2017). استلهم لاتور مفهوم غايا (Gaia) من نظرية عالم الكيمياء والبيئة البريطاني جيمس لوفلوك (James Lovelock) وعالمة الأحياء لين مارغوليس (Lynn Margulis)، لكنه أعاد صياغتها فلسفياً وسيكولوجياً لتناسب عصر الكوارث البيئية.
يرفض لاتور رفضاً قاطعاً الرؤية الرومانسية الساذجة لـ “غايا” التي تحولها إلى “أم الأرض” (Mother Earth) العطوفة والرحومة التي ترعى أبناءها وتهيئ لهم التوازن المتناغم؛ كما يرفض الرؤية الآلية التي تعامل كوكب الأرض بوصفه ساعة ميكانيكية عملاقة ومحايدة تدور وفق قوانين فيزيائية باردة لا تبالي بالبشر. إن غايا عند لاتور هي: “الطبقة السطحية الحية الرقيقة للكوكب (Critical Zone) التي تشكلت عبر مليارات السنين بفعل التشابك المستمر بين الكائنات الحية والغازات والتربة والماء”. إن غايا كائن شديد الحساسية، وسريع التأثر، وسريع الغضب، ومتقلب، ومحفوف بالاحتمالات؛ إنها لا تبحث عن التناغم، بل هي عبارة عن شبكة متلاطمة من الفواعل الحية المتصارعة التي صنعت الغلاف الجوي الصالح للحياة وتستطيع تدميره وإعادته إلى ظروف بيئية قاتلة إذا ما تم تجاوز حدودها الحرجة.
تنطوي “مواجهة غايا” على تداعيات سيكولوجية مروعة على الوعي البشري الحديث؛ فالإنسان الحداثي استقر لقرون على فكرة مريحة مفادها أن التاريخ البشري يجري على مسرح ثابت ودائم هو “الطبيعة المحايدة والمستقرة”. وفجأة، اهتزت خشبة المسرح بأكملها، ونهض الديكور ليتحول إلى ممثل وبطل رئيسي في الدراما التاريخية! لم تعد الطبيعة تلك الخلفية الخرساء، بل أصبحت قوة جيولوجية تتدخل بعنف في أسعار البورصة، ومصائر الحكومات، وأنماط الحياة اليومية. هذه المواجهة تفكك المركزية الجيوسياسية الحداثية، وتجبر العقل البشري على إعادة توطين وعيه في بيئة أرضية محدودة وهشة، والتخلي عن أحلام الخلود الكوني وغزو الفضاء التي روجت لها الرأسمالية التكنولوجية المنفصلة عن الواقع الترابي لكوكب الأرض.
9.2 قلق المناخ والاضطراب الوجودي في عصر الأنثروبوسين
في سياق تحليله لعصر الأنثروبوسين (Anthropocene)—ذلك العصر الجيولوجي الجديد الذي تحول فيه النشاط البشري إلى القوة المحركة والمدمرة الأكثر تأثيراً في تشكيل كيمياء ومناخ الكوكب—يقدم لاتور تحليلاً رائداً للسيكولوجيا الجماعية التي تسود المجتمعات المعاصرة في مواجهة هذا الواقع المخيف. في كتابه الفلسفي والسياسي العميق “أين نهبط؟ كيف نوجه أنفسنا في السياسة” (Down to Earth: Politics in the New Climatic Regime – 2018)، يرسم لاتور لوحة دقيقة للمأزق الوجودي الذي يعتصر الإنسان اليوم.
يتقاطع فكر لاتور مع المفاهيم النفسية المعاصرة كـ “قلق المناخ” (Eco-anxiety) و”السولاستالجيا” (Solastalgia)—وهو المصطلح الذي نحته غلين ألبرشت لوصف الشعور بالحزن الوجودي والحنين والاغتراب الذي يعتري الإنسان وهو في بيته وموطنه تحديداً لأن تلك البيئة المألوفة تتعرض للدمار والتحول القسري أمام عينيه بفعل التدهور البيئي. يوضح لاتور أن الإنسان الحداثي يشهد انهيار “الأرض الموعودة” التي بشرته بها العولمة والحداثة؛ فالعالم الذي حلم فيه الجميع بالوصول إلى الرفاهية الاستهلاكية على الطريقة الأمريكية اتضح أنه يستلزم خمسة أو ستة كواكب بحجم الأرض، وهو أمر مستحيل فيزيائياً. وبالتالي، وجد البشر أنفسهم محرومين من الأفق المستقبلي، ومحرومين في الوقت نفسه من الرجوع إلى الماضي القومي التقليدي المنغلق.
يفسر لاتور سيكولوجيا “الإنكار المناخي” (Climate Denial) التي تنتشر بين بعض النخب السياسية والاقتصادية والجماهير المحافظة بوصفها آلية دفاعية نفسية عنيفة للهروب من هذا الواقع الصادم. فالاعتراف بحقيقة التغير المناخي يفرض مراجعة جذرية ومؤلمة لكامل نمط العيش الغربي، وتفكيكاً للاقتصاد الرأسمالي الأحفوري، وتنازلاً عن الامتيازات الطبقية والتاريخية. وللهروب من هذا الاستحقاق الوجودي المرعب، تلتجئ النخب إلى نشر حملات التضليل والإنكار، مفضلة الانتحار الجماعي للكوكب على مواجهة الحقيقة، في حين ينتاب الجماهير شعور عميق بالتيه والدوار النفسي وهي تتساءل في رعب: “أين نهبط؟ وأين نجد ملاذاً أرضياً آمناً وصالحاً للسكنى لأبنائنا؟”.
9.3 الطبقة البيئية الجديدة وإعادة صياغة النضال السياسي
في كتابه الأخير، الذي شارك في تأليفه مع نيكولاي شولتز (Nikolaj Schultz)، بعنوان: “مذكرة حول الطبقة البيئية الجديدة” (Mémo sur la nouvelle classe écologique – 2022)، يقدم برونو لاتور وصيته السياسية والأخلاقية الأخيرة للأجيال القادمة، داعياً إلى إعادة صياغة شاملة وجذرية لمعنى الصراع السياسي والنضال الاجتماعي في القرن الحادي والعشرين.
يرى لاتور أن الأطروحات الماركسية الكلاسيكية واليسارية القديمة حول الصراع الطبقي، رغم أهميتها التاريخية، لم تعد كافية لقيادة النضال في عصر غايا والأنثروبوسين؛ فالصراع الطبقي القديم كان يتمحور حول “علاقات الإنتاج” وتوزيع فائض القيمة الصناعية بين العمال ورأس المال، لكن كلا الطرفين (الرأسمالي والاشتراكي الكلاسيكي) اشتركا في الإيمان بالنموذج الإنمائي التدميري نفسه القائم على استنزاف وتدمير الطبيعة لصالح زيادة الإنتاج. يقترح لاتور بناء “وعي طبقي بيئي جديد” يتجاوز مسألة الإنتاج ليركز في المقام الأول على “شروط التوليد والحياة المادية” (Habitability and Conditions of engendering).
تتألف “الطبقة البيئية الجديدة” بحسب لاتور من تحالف عريض يضم كافة القوى الاجتماعية، والمزارعين، والعلماء، والشعوب الأصلية، والشباب والنساء، وكل الفواعل التي تدرك أن مصالحها الحيوية تكمن في الحفاظ على قدرة الأرض على إدامة الحياة وإعادة إنتاج شروط السكنى المشتركة، في مواجهة “طبقة المستنزفين” وحلفاء الاقتصاد الأحفوري الذين يسعون لمواصلة النهب حتى آخر رمق. يشدد لاتور على الأبعاد العاطفية والنفسية الضرورية لبناء هذه الطبقة؛ فالسياسة لا تتحرك بالأرقام والرسوم البيانية العلمية الباردة وحدها، بل تتطلب مشاعر أخلاقية مشتعلة، وطاقة حزن وحداد بيئي شجاع على ما تم فقده، وفخراً بالانتماء إلى الأرض، ورغبة جامحة في الدفاع عن شروط الوجود المشترك، لتحويل القلق البيئي السلبي والشلل السيكولوجي إلى طاقة فعل سياسي وتاريخي منظم يعيد توجيه مسار الحضارة الإنسانية قبل فوات الأوان.
10. تقاطعات فكر برونو لاتور مع علم النفس المعرفي والإدراك الموزع
10.1 الإدراك الموزع والعقل الممتد
تشكل نظرية شبكة الفواعل لبرونو لاتور أرضية فلسفية خصبة تلتقي بشكل مذهل مع التيارات الطليعية في علم النفس المعرفي وفلسفة العقل المعاصرة؛ وبشكل خاص نظرية الإدراك الموزع (Distributed Cognition) التي طورها عالم المعرفة إدوين هتشينز (Edwin Hutchins)، وأطروحة “العقل الممتد” (The Extended Mind) التي صاغها الفيلسوفان أندي كلارك (Andy Clark) وديفيد تشالمرز (David Chalmers) في أواخر التسعينيات.
تثبت هذه المقاربات المشتركة أن العمليات العقلية المعرفية لا تجري حصراً داخل حدود الدماغ العصبي والجمجمة البيولوجية للإنسان، بل تتوزع فيزيائياً وعملياً على البيئة الخارجية والأدوات المادية المحيطة بنا. يوضح لاتور في كتاباته كيف يعتمد العالم والباحث والإنسان العادي على أدوات مادية لأداء وظائف التفكير والتذكر؛ فالدفتر، والملاحظة، والآلة الحاسبة، والرسم البياني، وشاشات الحواسيب ليست ملحقات ثانوية للعقل، بل هي أجزاء تكوينية ومكونات فعلية لمنظومة الإدراك المعرفي ذاتها. إذا انتزعت الدفتر والخرائط وأجهزة القياس من قبطان سفينة أو من عالم أحياء داخل مختبره، فإنك لا تحرمه من أدوات عمله فحسب، بل تبتر جزءاً عضوياً من نظامه المعرفي والإدراكي، وتخفض من قدرته على معالجة المعلومات والتفكير المنطقي إلى مستويات بدائية للغاية.
يقودنا هذا التلاقي النظري إلى إعادة تعريف مفهوم “الذكاء الإنساني” نفسه؛ فالذكاء ليس موهبة دماغية داخلية أو نسبة ثابتة (IQ) محبوسة في الخلايا العصبية للفرد، بل هو قدرة شبكية مركبة على الاتصال، والتفاعل، والتشابك الناجح مع الفواعل والأدوات والمصادر المعرفية الموزعة في البيئة المحيطة. إن العقل البشري هو عقل هجين وممتد بطبيعته، يتوسع وينكمش وفقاً لمتانة وسعة الشبكة المادية التي ينخرط فيها ويسند إليها عبئه المعرفي والتحليلي.
10.2 الذاتية غير المركزية وعلم النفس الاجتماعي العلائقي
يمارس الهجوم اللاتوري على الثنائيات الديكارتية أثراً تفكيكياً بالغ العمق في صلب علم النفس الاجتماعي ونظريات الشخصية؛ إذ يدعو إلى إسقاط مفهوم “الأنا المتعالية” والذات المستقلة ذات البؤرة المركزية المغلقة، لصالح مفهوم ثوري هو “الذاتية غير المركزية” أو “الذاتية المنبثقة” (Decentered / Emergent Subjectivity). إن الفرد لا يولد بهوية نفسية ناجزة وثابتة، بل تنبثق هويته وتتشكل وتتحول باستمرار عبر شبكة علاقاته اليومية المتداخلة مع الفواعل البشرية وغير البشرية على السواء.
تكتسب هذه الرؤية أهمية استثنائية في عصر الثورة التكنولوجية المعاصرة وخوارزميات الذكاء الاصطناعي (AI) والشبكات الاجتماعية الرقمية. يساعدنا فكر لاتور على فهم سيكولوجيا التفاعل بين الإنسان والآلة؛ فالإنسان الذي يتفاعل يومياً مع روبوتات الدردشة الذكية، والخوارزميات التنبؤية، والهواتف الذكية ليس كائناً منفرداً يستخدم أدوات، بل هو شريك في شبكة سيكو-تقنية معقدة تؤثر على مزاجه، وتبني مشاعره، وتوجه رغباته، وتعدل من مسارات انتباهه وقدرته على التواصل الاجتماعي. إن الذاتية المعاصرة هي نتاج مستمر لعمليات الترجمة والوساطة التقنية التي تعيد برمجة البنية الانفعالية والوجدانية للمستخدمين دون وعي مسبق منهم.
علاوة على ذلك، يفتح هذا المنظور آفاقاً علاجية وتطبيقية مبتكرة داخل الإكلينيكا النفسية وعلم النفس الاجتماعي العلائقي؛ إذ يطالب المعالجين والباحثين النفسيين بعدم حصر تشخيص وعلاج الاضطرابات النفسية في الصراعات الأسرية أو الاختلالات الكيميائية الدماغية وحدها، بل بضرورة توسيع الفحص الإكلينيكي ليشمل “الوسط المادي والبيئي والتقني” للمريض: ما هي الأدوات التي تحيط به؟ ما هي الفضاءات المعمارية التي يقيم فيها؟ ما هي الشاشات والأشياء التي يتفاعل معها؟ وكيف تساهم هذه الفواعل غير البشرية في تثبيت معاناته أو فتح مسارات خلاقة لتعافيه واستعادة توازنه الوجودي والشخصي؟
11. النقد والمناظرات الفكرية والمعارك الإبستمولوجية
11.1 حروب العلوم وتهمة النسبية وما بعد الحقيقة
لم يكن مسار برونو لاتور الفكري مفروشاً بالورود؛ بل كان محاطاً بعواصف نقدية عاتية ومناظرات فكرية شرسة، بلغت ذروتها في تسعينيات القرن العشرين فيما عُرف بـ “حروب العلوم” (Science Wars). انطلقت هذه المعارك مع اتهام عدد كبير من علماء الطبيعة والفلاسفة الوضعيين للاتور وزملائه في دراسات العلم والتقنية بالانزلاق إلى “النسبوية المعرفية الراديكالية” (Cognitive Relativism)، وتقويض مكانة وسلطة العلم الموضوعي، ومعاملة الحقائق العلمية وكأنها مجرد أوهام أو تلفيقات لغوية واعتباطية لا تعكس الواقع المادي.
بلغ هذا الصراع ذروته الساخرة مع الفضيحة الشهيرة التي فجرها الفيزيائي الأمريكي آلان سوكال (Alan Sokal) عام 1996، حين نشر مقالاً مفبركاً ومليئاً بالأفكار الفيزيائية المغلوطة والمصطلحات التفكيكية في مجلة دراسات ثقافية بارزة، ليهاجم بعدها لاتور ومفكري ما بعد الحداثة متهماً إياهم بجهل العلوم والدعوة إلى نسبوية عدمية تدمر أسس التنوير. رد لاتور على هذه الهجمات بقوة وعمق، مبيناً سوء الفهم الهائل الذي وقع فيه خصومه؛ فهو لم يقل قط إن الحقائق العلمية “مجرد خيال أو كذب”، بل قال إنها “حقائق مصنوعة بدقة” (Constructed Facts). وأوضح أن كون الحقيقة مصنوعة داخل مختبر عبر أدوات وتقنيات لا يعني أنها غير حقيقية، تماماً كما أن المنزل المصنوع من الطوب والحديد هو منزل حقيقي وقوي وليس وهماً! لقد سمى لاتور موقفه بـ “الواقعية التركيبية” (Constructivist Realism)، مؤكداً أنه دافع عن العلم الحقيقي ضد الأوهام الميثولوجية التي نسجها الفلاسفة الوضعيون حول العلم والتي لا تمت للواقع الميداني بصلة.
ومع ذلك، أظهر لاتور شجاعة نقدية نادرة ومراجعة فكرية عميقة في مطلع الألفية؛ وتحديداً في مقاله المرجعي الشهير لعام 2004 بعنوان: “لماذا نفد وقود النقد؟ من وقائع الأمور إلى أمور الاهتمام” (Why Has Critique Run out of Steam? From Matters of Fact to Matters of Concern). في هذا المقال الصادم، عبّر لاتور عن قلقه الشديد من أن الأسلحة النقدية والتفكيكية التي طورها هو وزملاؤه للتشكيك في يقينيات العلم قد استولت عليها قوى اليمين المتطرف، وشركات الوقود الأحفوري، ومروجو نظريات المؤامرة وما بعد الحقيقة (Post-truth)، لاستخدامها في التشكيك في إجماع علماء المناخ حول الاحتباس الحراري! وأعلن لاتور أن وظيفة النقد الفلسفي الحقيقي اليوم ليست الهدم والتشكيك، بل حماية الحقائق الهشة، وبناء الثقة في المؤسسات العلمية، والانتقال من الوقائع الباردة (Matters of fact) إلى العناية بالأشياء المشتركة التي نقلق بشأنها ونهتم بحمايتها (Matters of concern).
11.2 الانتقادات الموجهة لمفهوم فاعلية غير البشر
إلى جانب حروب العلوم، واجهت أطروحة برونو لاتور حول “فاعلية غير البشر” ومساواة الجمادات والحيوانات بالبشر في القدرة على الفعل انتقادات حادة وعنيفة من مختلف المدارس الفلسفية والاجتماعية؛ وبشكل خاص من الفلسفة الإنسانية النقدية، والمدرسة الماركسية، وتيارات التحليل النفسي والنظرية النقدية لـ مدرسة فرانكفورت.
تتمحور أبرز هذه الانتقادات حول النقاط المفصلية التالية:
- إلغاء البعد الأخلاقي والمسؤولية السياسية: جادل نقاد لاتور—مثل عالم الاجتماع الأمريكي ديفيد بلور (David Bloor) والفيلسوف هاري كولينز—بأن مساواة البشر بالجمادات في الفاعلية تؤدي إلى نسف المسؤولية الأخلاقية والعدالة الجنائية؛ فإذا كان السلاح يمتلك فاعلية موازية للإنسان في جريمة القتل، وإذا كانت البكتيريا أو السد مسؤولة عن الكوارث مثل المهندس والسياسي، فإن هذا يفتح الباب لتبرئة الطغاة والمجرمين والشركات الرأسمالية الجشعة من مسؤوليتهم التاريخية والأخلاقية عن تدمير الكوكب والمجتمعات عبر إلقاء اللوم على أدوات تقنية غير عاقلة.
- تسطيح الفروق النوعية وتجاهل الوعي: يرى الفلاسفة الظاهراتيون (الفينومينولوجيون) والإنسانيون أن نزع الخصوصية عن الوعي الإنساني وتجاهل القصدية، والمشاعر، والرغبة، والمعاناة، والتأمل الباطني لصالح مفهوم سيميائي ميكانيكي بارد هو تسطيح مخل للطبيعة الإنسانية يختزل الإنسان في مجرد عقدة تقنية ضمن شبكة أسلاك وأجهزة.
- غياب نظرية متماسكة لعلاقات القوة والهيمنة: انتقد المنظرون الماركسيون والنسويون لاتور لكونه يتتبع الروابط الأفقية المسطحة بين الفواعل دون أن يقدم تحليلاً بنيوياً عميقاً للهياكل الطبقية، والاستعمار، والنظام الأبوي، واللامساواة الهيكلية المترسخة التي لا يمكن تفكيكها بمجرد رسم شبكات تجريبية محايدة.
رد لاتور على هذه الانتقادات موضحاً أن مفهومه للفاعلية لا يعني أن الأشياء والحيوانات تمتلك نوايا أخلاقية أو وعياً شبيهاً بوعي البشر، بل يعني ببساطة أنها تلزمنا وتغير سلوكنا وتفشل خططنا إذا تجاهلناها. إن إنكار فاعلية غير البشر هو بالضبط ما أودى بنا إلى الكارثة البيئية؛ لأننا تعاملنا مع الطبيعة كأشياء خاملة وميتة لا تفعل شيئاً حتى دمرت استقرارنا الحضاري. وأكد أن الاعتراف بفاعلية الشركاء غير البشر لا يعفي الإنسان من مسؤوليته، بل يضاعف هذه المسؤولية الأخلاقية والسياسية عشرات المرات؛ لأنه يجبره على التخلي عن الغرور، وممارسة أقصى درجات الدبلوماسية والحذر في كل خطوة يخطوها داخل الشبكة الكوكبية المشتركة.
12. إرث برونو لاتور ومستقبل العلوم الإنسانية والنفسية
12.1 التأثير العابر للتخصصات في القرن الحادي والعشرين
مع رحيل برونو لاتور في خريف عام 2022، أجمعت الأوساط الأكاديمية والثقافية العالمية على أن الفكر الإنساني فقد أحد أكثر عقوله خصوبة وإبداعاً وجرأة منذ الحرب العالمية الثانية. امتد إرث لاتور الفكري ليتجاوز أسوار سوسيولوجيا العلم، مارساً تأثيراً عابراً للتخصصات ألهم قطاعات معرفية وفنية واسعة ومتنوعة في شتى بقاع العالم.
في مجال العمارة والتخطيط الحضري، غيرت كتابات لاتور الكيفية التي ينظر بها المعماريون إلى المباني والمدن؛ إذ تحول التصميم المعماري من مجرد هندسة جمالية للمساحات الفارغة إلى فن نسج وتنسيق شبكات الحياة الهجينة المعقدة التي تدمج تدفقات المياه، والرياح، والبشر، والخرسانة، والبيئة المحيطة. وفي مجال الجغرافيا السياسية، كان لمفاهيم لاتور حول “الجيوسياسة الأرضية” والطبقة الحيوية الحرجة فضل الريادة في تحويل الجغرافيا من علم خرائط ساكن إلى استكشاف ديناميكي للصراعات الدائرة حول سكنى الكوكب. وفي الفلسفة المعاصرة، شكل فكر لاتور المرجعية التأسيسية التي ولدت منها حركات فلسفية بارزة؛ مثل الفلسفة الموجهة نحو الموضوع (Object-Oriented Ontology – OOO) بقيادة غراهام هارمان (Graham Harman)، والواقعية التخمينية (Speculative Realism)، التي استلهمت مبدأ التماثل المعمم لكسر المركزية البشرية في الميتافيزيقا الحديثة.
ولم يقتصر إرثه على الأكاديميا النظرية؛ بل امتد بقوة إلى الفنون المعاصرة والمعارض الدولية الكبرى؛ حيث أشرف لاتور بنفسه على تنظيم معارض فنية وفلسفية رائدة في متحف الفن والإعلام (ZKM) في كارلسروه بألمانيا—مثل معرض “جعل الأشياء عامة: أجواء الديمقراطية” (2005)، ومعرض “إعادة ضبط الحداثة” (2016)، ومعرض “المنطقة الحرجة: رصد سياسات الأرض” (2020)—مستخدماً الفن البصري والتجريبي كأداة جسورة لتمثيل الكائنات الهجينة وتدريب الحواس البشرية على الإحساس بأزمة الأرض بطرائق لا تتيحها المقالات الفلسفية المجردة.
12.2 الدروس المستفادة لمستقبل علم النفس والدراسات البيئية
يقدم فكر برونو لاتور دروساً تأسيسية واستشرافية عميقة لمستقبل العلوم الإنسانية والاجتماعية وعلم النفس والدراسات البيئية في العقود القادمة من القرن الحادي والعشرين؛ ويمكن تلخيص هذه الدروس في ثلاث ركائز معرفية ومنهجية كبرى:
- تجسير الهوة بين النفسي والجيولوجي والمادي: يعلمنا لاتور أن دراسة النفس البشرية وسلوكها وعلاقاتها في عصر الأنثروبوسين لم يعد من الممكن فصلها عن الشروط الجيولوجية والمادية والتقنية التي تسندها. إن الصحة النفسية، والاستقرار العاطفي، والنمو الإدراكي أصبحت قضايا مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بنوعية الهواء، وتوفر المياه، والضجيج التقني، ومصير المناخ الكوكبي. يجب على علم النفس المستقبلي أن يكون “علم نفس أرضياً” (Terrestrial Psychology) يأخذ في اعتباره تشابك العقل مع شبكات الكوكب الحية.
- تبني فضيلة التواضع المعرفي (Epistemic Humility): يفرض فكر لاتور على العلماء والباحثين التخلي الكامل عن الغطرسة الاستعلائية التي ميزت الحداثة التنويرية. إن الأنظمة البيئية والتقنية الحديثة بالغة التعقيد والهشاشة إلى حد يجعل ادعاء السيطرة المطلقة عليها وهماً خطيراً يدفع نحو الكوارث. إن التواضع المعرفي، والاعتراف الدائم بمحدودية معرفتنا، والاستعداد لمفاجآت الفواعل غير البشرية يمثل الأساس الفلسفي الوحيد لأي علم حقيقي يبحث عن النجاة والاستدامة.
- إحلال الدبلوماسية الدائمة محل الاستعلاء الحضاري: في عالم متعدد الفواعل والأنماط، يسقط النموذج الحداثي القائم على فرض عقلانية كونية أحادية وموحدة بالقوة على كافة الشعوب والكائنات. يعلمنا لاتور أن البديل الوحيد للحروب والكوارث هو “الدبلوماسية المستمرة والصبورة”؛ فن التفاوض الحذر واليومي مع البشر والتقنيات والمناخ والكائنات الحية لإيجاد تسويات هشة تتيح للجميع فرصة الوجود المشترك فوق هذه الأرض الضيقة التي لا نملك سواها.
خاتمة استشرافية: برونو لاتور وفلسفة السكنى في أرض مضطربة
إن التحديق الملي في المسيرة الفكرية لبرونو لاتور (1947–2022) يكشف عن فيلسوف استثنائي كرس حياته لتشريح أعظم وأخطر وهم عاشته البشرية: وهم الانفصال عن العالم المادي. من خلال خطواته الإثنوغرافية الجريئة داخل مختبرات الغدد الصماء في معهد سولك، وصولاً إلى صياغته الملحمية لنظرية شبكة الفواعل ونقده الصارم لدستور الحداثة، واختتامه لمسيرته بمواجهة غايا والبحث عن ملاذات أرضية تسع الكائنات الهجينة، كان لاتور يبني صرحاً معرفياً جديداً يهدف إلى إعادة ربط الإنسان بأصوله الترابية الملموسة.
لقد أثبت لاتور أن الحداثة الغربية بنت تفوقها على مغالطة أنطولوجية قسمت العالم إلى عقل بشري متغطرس ومادة خاملة صامتة؛ وأن الثمن الباهظ لهذا الوهم يتمثل اليوم في الانفجار الكارثي للأزمات المناخية، والقلق الوجودي المعمم، وتفسخ الروابط الاجتماعية. إن رسالته الفكرية الأخيرة لم تكن دعوة إلى العدمية أو النكوص إلى الماضي البدائي، بل كانت دعوة مفعمة بالأمل والحيوية لإعادة تشكيل حداثة بديلة وصادقة تعترف بأننا “لم نكن قط حديثين”، وأن خلاصنا يكمن في التصالح مع كينونتنا الهجينة، وإفساح المكان في برلماناتنا ومؤسساتنا وقلوبنا لجميع الشركاء غير البشر الذين ينسجون معنا نسيج الحياة اليومي.
يرحل برونو لاتور تاركاً خلفه ترسانة مفهومية جبارة تدعو الأجيال الحالية والقادمة إلى النزول من سماء التجريدات الفلسفية العقيمة، والهبوط فوق الأرض الواقعية الملموسة؛ لنتعلم من جديد، بتواضع وعناية وصبر دبلوماسي لا ينفد، كيف نسكن معاً هذا الكوكب المشترك، وكيف نلملم شتات عالمنا المتصدع ونعيد تجميع الاجتماعي في فضاء أرضي يحترم الحياة بكافة أشكالها وأنماطها وتجلياتها.
المراجع
- Callon, M. (1984). Some elements of a sociology of translation: Domestication of the scallops and the fishermen of St Brieuc Bay. Sociological Review, 32(1_suppl), 196–233. https://doi.org/10.1111/j.1467-954X.1984.tb00113.x
- Clark, A., & Chalmers, D. (1998). The extended mind. Analysis, 58(1), 7–19. https://doi.org/10.1093/analys/58.1.7
- Harman, G. (2009). Prince of networks: Bruno Latour and metaphysics. re.press. https://www.re-press.org/book-files/OA_Version-780980544060-Prince_of_Networks.pdf
- Hutchins, E. (1995). Cognition in the wild. MIT Press. https://doi.org/10.7551/mitpress/1881.001.0001
- Latour, B. (1987). Science in action: How to follow scientists and engineers through society. Harvard University Press.
- Latour, B. (1993). We have never been modern (C. Porter, Trans.). Harvard University Press.
- Latour, B. (1999). Pandora’s hope: Essays on the reality of science studies. Harvard University Press.
- Latour, B. (2004). Why has critique run out of steam? From matters of fact to matters of concern. Critical Inquiry, 30(2), 225–248. https://doi.org/10.1086/421123
- Latour, B. (2005). Reassembling the social: An introduction to actor-network-theory. Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/oso/9780199256044.001.0001
- Latour, B. (2013). An inquiry into modes of existence: An anthropology of the moderns (C. Porter, Trans.). Harvard University Press.
- Latour, B. (2017). Facing Gaia: Eight lectures on the new climatic regime (C. Porter, Trans.). Polity Press.
- Latour, B. (2018). Down to earth: Politics in the new climatic regime (C. Porter, Trans.). Polity Press.
- Latour, B., & Schultz, N. (2022). On the emergence of an ecological class: A memo. Polity Press.
- Latour, B., & Woolgar, S. (1986). Laboratory life: The construction of scientific facts (2nd ed.). Princeton University Press. https://doi.org/10.2307/j.ctt32bbxc
- Law, J. (1992). Notes on the theory of the actor-network: Ordering, strategy, and heterogeneity. Systems Practice, 5(4), 379–393. https://doi.org/10.1007/BF01059830
- Lovelock, J. (2000). Gaia: A new look at life on Earth (3rd ed.). Oxford University Press.
- Serres, M., & Latour, B. (1995). Conversations on science, culture, and time (R. Lapidus, Trans.). University of Michigan Press. https://doi.org/10.3998/mpub.9714
- Sokal, A., & Bricmont, J. (1998). Fashionable nonsense: Postmodern intellectuals’ abuse of science. Picador.