سيسيليا هايز – 1960 حتى الوقت الحاضر

سيسيليا هايز (Cecilia Heyes)

  • مطلع ستينيات القرن العشرين – حتى الآن
  • بريطانية
  • الوضعية الطبيعية المعرفية، التجريبية
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 7 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 7 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

أبرز الإسهامات

  • أطروحة الأدوات المعرفية (Cognitive Gadgets)
  • نقد النزعة الفطرية المتطرفة ونموذج سكين الجيش السويسري
  • نظرية التطور الثقافي لآليات المعالجة الإدراكية
  • دراسة التعلم الترابطي والإدراك المقارن

السيرة

تُمثّل الفيلسوفة وعالمة النفس التجريبي البريطانية البروفيسورة سيسيليا هايز (Cecilia Heyes) واحدةً من أكثر الشخصيات الفكرية تأثيراً وجرأة في المشهد المعاصر للعلوم المعرفية وفلسفة العقل والبيولوجيا التطورية. وُلدت هايز في مطلع عقد الستينيات من القرن العشرين، وكرّست مسيرتها العلمية لإعادة فحص الأركان النظرية والتجريبية التي استندت إليها العلوم المعرفية الكلاسيكية وعلم النفس التطوري التقليدي. ففي سياقٍ فكري هيمنت عليه لعدة عقود فرضيات النزعة الفطرية الصلبة—التي رأت في العقل البشري حزمةً من التكيفات البيولوجية الصارمة المدمجة وراثياً منذ العصر البليستوسيني—برز مشروع هايز الفكري ليقدم تصحيحاً جذرياً يرتكز على دمج صارم بين المنهج التجريبي لنظرية التعلم السلوكي، وأحدث كشوفات العلوم العصبية المعرفية، ونظرية التطور الثقافي التراكمي.

يتجلى إسهام سيسيليا هايز الأكثر إشراقاً وأصالة في نحتها وتطويرها لأطروحة “الأدوات المعرفية” (Cognitive Gadgets)، والتي بلورتها بشكل شامل في كتابها المفصلي الصادر عن دار نشر جامعة هارفارد عام 2018، حاملةً راية نقد نموذج “الغرائز المعرفية” ومفككةً أسطورة سكين الجيش السويسري التي بشر بها علماء النفس التطوريون من أمثال جون توبي، وليدا كوزميدس، وستيفن بينكر. تقترح هايز أن العديد من الوظائف العقلية العليا التي تميز البشر عن سائر الكائنات الحية—مثل التقليد الحركي الدقيق، ونظرية العقل، وقراءة المعتقدات والنوايا، واللغة، والتفكير الأخلاقي المعقد—ليست “غرائز” نحتتها الطفرات الجينية في عتادنا العصبي عبر ملايين السنين، بل هي “أدوات برمجية” شحذها وطورها التطور الثقافي ونقلتها التنشئة الاجتماعية عبر أجيال متتابعة، متكئة في ذلك على محركات تعلم عامة ومطواعة يشترك فيها البشر مع بقية الثدييات والطيور.

يقف القارئ لأعمال هايز أمام مشروع معرفي موسوعي يتجاوز الثنائيات التقليدية بين الطبيعة والتنشئة (Nature vs. Nurture)؛ فهو لا ينكر البيولوجيا لحساب إنشائية اجتماعية مبهمة، ولا يختزل التعقيد الاجتماعي الإنساني في حتميات جينية دوغمائية. تقدم هايز، من موقعها الرفيع كزميلة باحثة أولى في كلية أول سولز بجامعة أكسفورد وزميلة للأكاديمية البريطانية، نموذجاً استثنائياً للباحث التجريبي الذي يمارس التفلسف الدقيق، وللفيلسوف الطبيعاني الذي يختبر فروضه داخل أروقة المعامل السيكولوجية والعصبية. إن هذا المقال الموسوعي يسعى إلى تقديم دراسة شاملة ومعمقة لمسيرة سيسيليا هايز، مستكشفاً أبعاد مشروعها الفلسفي، وتجاربها المخبرية، ومفاهيمها الثورية التي أعادت رسم خرائط الإدراك البشري المعاصر.

1. السيرة الأكاديمية والنشأة الفكرية لسيسيليا هايز

1.1 المسار التعليمي والتكوين الأكاديمي المبكر

بدأت سيسيليا هايز مسارها الأكاديمي الرائد في بيئة معرفية تتسم بالانفتاح الصارم وتداخل الحقول العلمية؛ إذ التحقت بـكلية لندن الجامعية (UCL) في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، وهو صرح علمي عريق كان يشهد حينها فوراناً منهجياً يجمع بين تقاليد الفلسفة التحليلية والعلوم النفسية المعملية الناشئة. انخرطت هايز في دراسة علم النفس التجريبي والأنثروبولوجيا وفلسفة العلوم، الأمر الذي وفر لوعيها الفكري درعاً نقدياً متيناً ومكّنها من تجنب الوقوع في الانعزالية التخصصية التي غالباً ما تصيب الباحثين في العلوم المعرفية. لقد تأثرت هايز في هذه المرحلة التكوينية بالتقاليد التجريبية البريطانية الكلاسيكية المستمدة من أعمال جون لوك وديفيد هيوم، مع إعادة تأويلها في ضوء الإبستيمولوجيا الطبيعية التي أرسى دعائمها فلاسفة من طراز ويلارد فان أورمان كواين، حيث تُعالج مشكلات المعرفة الإنسانية كمسائل تجريبية قابلة للحل عبر أدوات العلوم الطبيعية وليست كتأملات ميتافيزيقية مسبقة الصنع.

عكست أبحاث الدكتوراه وما بعدها التي أنجزتها هايز شغفاً مبكراً بفهم آليات الإدراك المقارن وسلوك الحيوان، حيث ركزت تجاربها الأولى على دراسة التعلم الترابطي والقدرات الإدراكية لدى الكائنات الحية البسيطة والطيور والرئيسيات غير البشرية. كانت هذه المرحلة حاسمة في تكوين منهجها الصارم في الشك العلمي؛ إذ لاحظت هايز كيف كان بعض الباحثين يسارعون إلى إسقاط تفسيرات عقلية معقدة ومفاهيم إنسانية مستعارة على سلوكيات حيوانية يمكن تفسيرها بيسر واقتصاد منهجي عبر قوانين التعلم الكلاسيكي والإشراط الإجرائي. هذا الالتزام بمبدأ “نصل أوكام” و”قانون لويد مورغان” لم يغادر فكر هايز، بل أصبح الأساس الذي استندت إليه لاحقاً في مساءلة الادعاءات الفطرية الرائجة في علم النفس البشري. وبعد مسيرة تدريسية وبحثية مثمرة في كلية لندن الجامعية استمرت لسنوات طويلة، تُوّج مسارها الأكاديمي في عام 2008 بانتقالها التاريخي إلى جامعة أكسفورد لشغل مقعد الأستاذية وزمالة الأبحاث العليا في علوم الحياة النظرية بكلية “أول سولز” (All Souls College)، وهي واحدة من أرفع المؤسسات الأكاديمية مكانةً في العالم، مما منحها الحرية الفكرية لتكريس طاقتها لصياغة نظريتها الكبرى حول التطور الثقافي للعقل البشري.

1.2 التحولات المفاهيمية في مسيرة هايز البحثية

شهد المشروع العلمي لسيسيليا هايز تحولاً نوعياً في مطلع الألفية الجديدة، تمثل في الانتقال التدريجي من تركيز أبحاثها المخبرية على سلوك الحيوان والإدراك المقارن المباشر نحو تفكيك أسرار الإدراك البشري فائق التعقيد. لم يكن هذا الانتقال قطيعةً منهجية مع ماضيها البحثي، بل كان امتداداً وتطبيقاً جريئاً للأدوات التجريبية التي طورتها في مختبرات الإدراك الحيواني لاختبار الفرضيات السائدة حول الطبيعة الإنسانية. أدركت هايز أن علم النفس التطوري الكلاسيكي الذي ازدهر في تسعينيات القرن العشرين كان يقدم سرداً اختزالياً يتجاهل المرونة العصبية الاستثنائية للدماغ البشري، ويعزل الإنسان عن تاريخه الثقافي عبر نسب كل قدرة معرفية متطورة إلى “طفرات جينية افتراضية” حدثت في أسلافنا من مجتمعات الصيد والجمع.

من هنا، كرست هايز جهودها لصياغة إطار باراديغمي جديد يدمج ببراعة فائقة بين صرامة علم النفس التجريبي، ومكتشفات البيولوجيا التطورية المعاصرة، والنماذج الرياضية للأنثروبولوجيا الثقافية التراكمية التي طورها باحثون كبار مثل روبرت بويد وبيتر ريتشاردسون. وقد قادت هايز حركة إعادة نظر واسعة النطاق في وظائف القشرة المخية، مجادلة بأن العقل البشري ليس متحفاً للغرائز الحجرية، بل هو منظومة مفتوحة تعيد الثقافة تشكيل برمجياتها باستمرار. تقديراً لإسهاماتها الثورية في تفكيك بنية الإدراك الاجتماعي وإعادة صياغة نظرية المعرفة التجريبية، تم انتخاب سيسيليا هايز زميلةً في الأكاديمية البريطانية (British Academy) في عام 2012، وشغلت منصب رئيس الجمعية التجريبية لعلم النفس (Experimental Psychology Society)، مما رسّخ مكانتها كأحد أبرز المفكرين الذين أعادوا رسم حدود الفلسفة والعلوم الطبيعية في القرن الحادي والعشرين.

2. الأسس المعرفية والفلسفية لمشروع سيسيليا هايز

2.1 نقد النزعة الفطرية المتطرفة (High Nativism)

ينطلق النقد الأساسي الذي وجهته سيسيليا هايز للمنظومات المعرفية السائدة من رفضها الحازم لما تسميه “النزعة الفطرية المتطرفة” (High Nativism)، وهي المظلة الفكرية التي جمعت أقطاب علم النفس التطوري ومفكري النحو التوليدي والفلسفات المعيارية المعيارية للعقل. يتمثل جوهر هذه النزعة في الافتراض القائل بأن آليات المعالجة المعرفية المميزة للبشر—بدءاً من إدراك الوجوه، والمحاكاة الحركية، وقراءة العقول، وصولاً إلى اكتساب اللغة والحدس الأخلاقي—مشفرة مسبقاً في جيناتنا الوراثية كبرامج حاسوبية مستقلة ومخصصة لمجالات معينة (Domain-Specific Modules). رأت هايز أن هذا التوجه يمثل نكوصاً علمياً خطيراً لأنه يستعير لغة الداروينية ظاهرياً بينما يمارس في الجوهر “حتمية جينية مسبقة” تعطل البحث التجريبي الحقيقي، وتتعامل مع الدماغ وكأنه عتاد ميكانيكي مجهز سلفاً بحلول لكل مشكلات الحياة البيئية القديمة دون أدلة أركيولوجية أو وراثية تدعم وجود هذه الجينات الافتراضية المحددة لكل وظيفة معرفية دقيقة.

انتقدت هايز بشدة نموذج “سكين الجيش السويسري” (Swiss Army Knife Model) الذي صاغه جون توبي وليدا كوزميدس ودعمه ستيفن بينكر؛ ذلك النموذج الذي يصور العقل البشري كمجموعة متباينة من الشفرات والأدوات المستقلة وظيفياً، حيث خُصصت كل أداة جينياً لحل معضلة تكيفية بيئية محددة في العصر الحجري. وأظهرت هايز أن هذا التوصيف يتناقض تناقضاً صارخاً مع معطيات علم الأعصاب النمائي واللدونة الدماغية (Neuroplasticity). فالأدمغة البشرية لا تولد بدوائر وظيفية بالغة التخصص، بل بكتل قشرية عامة المعالجة (Domain-General) شديدة الحساسية للأنماط والاقترانات البيئية. وأكدت هايز أن الخطأ القاتل للفطرية المتطرفة يكمن في خلطها بين “التكيف البيولوجي” (Biological Adaptation) و”التكيف الثقافي” (Cultural Adaptation)؛ فكون السمة الإدراكية معقدة وشاملة بين البشر لا يعني بالضرورة أنها محفورة في الحمض النووي، بل قد تكون نتاجاً لتقنية ثقافية تراكمية أثبتت جدارتها وانتقلت بنجاح مذهل عبر التعليم والتدريب عبر الأجيال.

2.2 الوضعية الطبيعية والتكامل المنهجي متعدد التخصصات

يقوم المشروع الفلسفي لسيسيليا هايز على مبادئ الوضعية الطبيعية المعرفية (Naturalistic Epistemology)، وهي رؤية ترفض الفصل الديكارتي بين التأمل الفلسفي المجرد والاستقصاء العلمي التجريبي. فبالنسبة لهايز، لا يمكن الإجابة عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بطبيعة الوعي، وأصل المعرفة، وكيفية إدراكنا لعقول الآخرين عبر التحليل المفاهيمي الاستبطاني أو الفلسفة المكتبية المعزولة عن الواقع المختبري. عوضاً عن ذلك، تُخضع هايز كل مقولة فلسفية لاختبار التجريب السيكولوجي الصارم، مستفيدة من تصميمات تجريبية بالغة الذكاء تفصل بين المؤثرات الحسية، وتتبع حركة العين، وقياس زمن الاستجابة، والتصوير الوظيفي للدماغ، لتحديد ما إذا كانت القدرة المعرفية المعنية تُدار بواسطة آليات تعلم ترابطي عامة أم عبر أنظمة فطرية متخصصة كما كان يُزعم.

تتجلى قوة هذا المنهج في قدرة هايز على التوفيق المتناغم بين حقول علمية كانت تبدو في كثير من الأحيان متنافرة أو متعادية؛ فهي تعيد الاعتبار لـنظريات التعلم الترابطي والسلوكية الجديدة (Neo-behaviorism) دون التورط في سذاجة اختزال الوعي، وتدمج هذه النظريات بعمق داخل إطار الداروينية الثقافية المعاصرة. ترفض هايز الوقوع في شراك “التجريبية الساذجة” التي تنكر أي استعداد بيولوجي؛ إذ تعترف بوضوح بوجود “بدايات تشغيلية أولية” موروثة جينياً لدى الرضع، مثل تفضيل الوجوه وحساسية الأصوات البشرية والنزوع للتفاعل الاجتماعي، لكنها تبرهن على أن هذه البدايات تمثل مجرد “محفزات توجيهية عامة” توجه انتباه الطفل نحو البيئة الثقافية، بينما تتولى الممارسات التفاعلية والترابط العصبي مهمة بناء الوظائف العقلية التجريدية المعقدة.

3. أطروحة ‘الأدوات المعرفية’ (Cognitive Gadgets): المنطلقات والأبعاد

3.1 مقارنة مفاهيمية: الأدوات المعرفية مقابل الغرائز المعرفية

في قلب الإسهام الفكري لسيسيليا هايز يقبع التمييز المنهجي والمفهومي الصارم بين ما تسميه “الغرائز المعرفية” (Cognitive Instincts) و“الأدوات المعرفية” (Cognitive Gadgets). الغريزة المعرفية، حسب التعريف النظري السائد، هي آلية لمعالجة المعلومات تشكلت عبر ملايين السنين من الانتقاء الطبيعي البيولوجي، وتنتقل وراثياً عبر الجينات، وتتطور نموياً لدى الفرد كنتيجة حتمية للنضج البيولوجي العضوي طالما توفرت بيئة نمو عادية، مثل ردود الفعل الانعكاسية الحركية، أو آليات تنظيم الجوع والعطش، أو القدرات البصرية الحسية الأساسية. أما الأداة المعرفية، فهي على النقيض من ذلك تماماً: إنها آلية عقلية جديدة، ونمط تفكير ومعالجة حسابية نشأ نتيجة لعمليات “الانتقاء الثقافي”، وتنتقل من جيل إلى جيل عبر التفاعل والتعليم الاجتماعي، ويتم غرسها وتثبيتها في الدماغ البشري النامي خلال مرحلة الطفولة بفعل الممارسة والتدريب المكثف.

لتوضيح هذا التمييز الثوري، تستخدم هايز استعارة حاسوبية بالغة الوضوح تفصل بين “العتاد المادي” (Hardware) و”البرمجيات التطبيقية” (Software). العتاد المادي للأدمغة البشرية يشتمل على خلايا عصبية، وقوانين تعلم ترابطي عامة، ودوافع اجتماعية بدائية، وهذه عناصر أنتجها بالفعل التطور البيولوجي وتشاركنا فيها الثدييات والقرود العليا بنسب متفاوتة. لكن ما يجعل الفكر البشري متفوقاً واستثنائياً ليس تطور عتاد جيني خارق جديد كلياً، بل هو تحميل وتثبيت “برمجيات وأدوات عقلية” فائقة التطور أنشأتها الثقافة وصقلتها عبر القرون. من أبرز الأمثلة التمهيدية التي تسوقها هايز لتأكيد ذلك هي مهارة القراءة والكتابة؛ فلا يوجد عاقل يزعم اليوم وجود “غريزة جينية للقراءة” لأن اختراع الكتابة لا يتجاوز خمسة آلاف عام—وهي طرفة عين بالمعايير التطورية لا تكفي لظهور طفرات جينية متخصصة—ومع ذلك، يمتلك الدماغ البشري قدرة مذهلة على إعادة تدوير القشرة البصرية لتأسيس “منطقة بصرية للكلمات” (Visual Word Form Area) تُمكّنه من فك شفرات الحروف. تجادل هايز بأن معظم قدراتنا المعرفية المركزية، كالمحاكاة وقراءة العقول وحساب الأعداد المعقدة، تعمل بنفس منطق القراءة تماماً: إنها أدوات ثقافية تم تدريب الدماغ على بنائها وإدارتها.

3.2 ديناميكية التطور الثقافي للآليات المعرفية

تذهب أطروحة هايز إلى مدى أبعد وأعمق من مجرد اعتبار الثقافة مصدراً للمعلومات أو للمفاهيم المجردة؛ فالفارق الجوهري في نظرية “الأدوات المعرفية” يكمن في التمييز الحاسم بين تطور “محتوى الفكر” وتطور “آلات الفكر ذاتها”. لقد ساد في حقل التطور الثقافي، متأثراً برواد مثل ريتشارد دوكينز ومفهومه الشهير عن “الميمات” (Memes)، تصورٌ يرى أن الأفكار والقصص والمعتقدات والتقنيات هي التي تتطور وتنتقل عبر الثقافة، بينما تبقى آليات المعالجة المعرفية التي تتعامل مع هذه المحتويات ثابتة وبيولوجية ومحكومة بالجينات. هنا تفجر هايز ثورتها النظرية مؤكدة أن آليات المعالجة الإدراكية ذاتها (The Processing Mechanisms Themselves) تتطور وتتشكل وتتحسن عبر الانتقاء الثقافي، تماماً كما تتطور المحتويات والأفكار الخارجية.

تخضع هذه الآليات العقلية لشروط الداروينية التطورية الثلاثة: التنوع (Variation)، والانتقال الوراثي الموثوق (Inheritance)، والتفاضل في البقاء والانتشار (Differential Fitness). يتولد التنوع المعرفي من الابتكارات الفردية أو الأخطاء العشوائية في التطبيق والتعلم، في حين تضمن الممارسات التعليمية والتنشئة المؤسسية نقل هذه الآلية بدرجة عالية من الدقة بين الأجيال. والآلية المعرفية التي تثبت أنها أكثر كفاءة ودقة في حل المعضلات الحسابية أو التواصلية أو التنسيقية داخل المجتمع البشري تمنح الجماعة أو الأفراد ميزة بقائية وتنافسية هائلة، مما يؤدي إلى انتشارها وتعميمها عبر الأجيال على حساب الآليات الأقل كفاءة. إن التطور الثقافي التراكمي لا يقتصر إذن على مراكمة الأدوات المادية كالفؤوس الحجرية والمحركات، بل يراكم “تقنيات التفكير” وصقل البنية الحسابية للدماغ، محولاً كائناً بيولوجياً يمتلك آليات تعلم ترابطية بسيطة إلى ذات قادرة على التجريد المنطقي والتبصر الاستراتيجي في دواخل نفوس الآخرين.

4. آليات التعلم الاجتماعي ونموذج التعلم الترابطي

4.1 إعادة صياغة التعلم الاجتماعي وفق النماذج الترابطية

يحتل التعلم الاجتماعي ركناً أساسياً في فهم الخصوصية المعرفية البشرية، إلا أن النزعة الفطرية لطالما اعتبرت قدرة البشر على التعلم من الآخرين نتاجاً لـ”وحدة معرفية متخصصة وفريدة بيولوجياً” غُرست حصرياً في أسلافنا من الهوموسابيان. تصدت سيسيليا هايز لهذه الفرضية عبر مسار تجريبي مكثف برهن على أن التعلم الاجتماعي لا يتطلب أي آليات حسابية معقدة ومستقلة جينياً عن آليات “التعلم الفردي العام” (Individual Associative Learning). تؤكد هايز أن العمليات الترابطية الأساسية—مثل الاقتران الشرطي البافلوفي (Pavlovian Conditioning) والتعلم الفعال الإجرائي (Operant Learning)—هي ذاتها المحركات الجوهرية التي تقف خلف قدرة الطفل أو الفرد على التقاط السلوكيات من البيئة المحيطة، دون حاجة لافتراض جينات تعلم اجتماعي متخصصة.

يكمن الفارق الحقيقي، حسب هايز، ليس في الجهاز العصبي للنوع البشري، بل في طبيعة “المدخلات والمثيرات” التي يتعرض لها الكائن. فالبيئة البشرية بيئة مشبعة بالمثيرات الاجتماعية المركبة، حيث تصبح أفعال الآخرين وإيماءاتهم وحركات أجسادهم إشارات ترابطية (Predictive Cues) ترتبط بمكافآت بيئية ومادية أو بعقوبات سلوكية. ومن خلال دراساتها المقارنة لسلوكيات التعلم لدى فصائل مختلفة من الحيوانات كالطيور (مثل الغربان وحمام الزاجل) والقوارض والثدييات، أثبتت هايز أن الحيوانات قادرة تماماً على التعلم الاجتماعي واستيعاب إشارات المحيطين بها عبر نفس القوانين الترابطية البسيطة. وبالتالي، فإن ما يميز الإنسان ليس “طريقة التعلم من الآخرين”، بل الكثافة المادية للثقافة وتوافر سياقات اجتماعية مُصممة بعناية تُسهل من حدوث الاقتران الإدراكي وتوجه الانتباه نحو الإشارات ذات القيمة التكيفية العليا.

4.2 الانتقال الثقافي كوسيلة لتطوير أساليب التعلم

إذا كانت آليات التعلم الترابطي الأولية عامة وموروثة بيولوجياً لدى العديد من الأنواع، فكيف استطاع البشر تحويل هذا التعلم الترابطي البسيط إلى نسق حضاري هائل؟ تجيب هايز بأن البشر قاموا بـ”تثقيف أساليب التعلم ذاتها” عبر الانتقاء الثقافي. فالبشر لم يكتفوا بالتعلم الاجتماعي العفوي، بل ابتكروا عبر التاريخ قواعد ومعايير واستراتيجيات توجه وتُحسّن من كفاءة هذا التعلم، وهو ما يُعرف في الأدبيات المعرفية بـ”استراتيجيات التعلم الاجتماعي” (Social Learning Strategies)، مثل ميل الأفراد إلى “التعلم من الشخص الأكثر كفاءة” (Prestige Bias)، أو “تقليد الأغلبية الساحقة” (Conformist Bias).

تجادل هايز، خلافاً لمعظم علماء الأنثروبولوجيا التطورية، بأن هذه الاستراتيجيات التفضيلية ليست ميولاً نفسية فطرية نشأت في العصر الجليدي لمساعدة الصيادين، بل هي “قواعد سلوكية فوقية” (Heuristics) تم تعلمها وتطويرها ثقافياً ونقلها عبر الأمثال، والتعليم العائلي، والتقاليد المؤسسية. عندما يخبر الوالدان الطفل بضرورة الانتباه لما يفعله المعلم الماهر أو الأكبر سناً، وعندما تصمم المدارس مناهج تُثيب اتباع النماذج الناجحة، يُعاد تشكيل مصفوفة المكافآت الترابطية لدى الدماغ النامي. إن التعليم الصريح (Explicit Pedagogy)، والممارسات الصفية، والمؤسسات الاجتماعية تعمل كـ”مسرعات اصطناعية” تحول المدخلات الترابطية الخام وغير المنظمة إلى مخرجات إدراكية بالغة النظام والتركيب، مما يمنح الثقافة القدرة على الارتقاء بمستوى ذكاء الأجيال اللاحقة مقارنة بالأجيال السابقة.

5. التقليد والمحاكاة: نموذج التعلم التسلسلي الترابطي (ASL)

5.1 معضلة المطابقة الحركية (Correspondence Problem)

يُعد التقليد البشري الدقيق (Imitation) إحدى أكثر المهارات الحركية والمعرفية غموضاً وتعقيداً؛ فهو يطرح ما تسميه هايز في أبحاثها بـ“معضلة المطابقة الحركية” (The Correspondence Problem). تتلخص هذه المعضلة في التساؤل التالي: عندما يشاهد طفل شخصاً يبتسم أو يرفع يده أو يخرج لسانه، فإن المدخل الحسي الذي يستقبله الطفل هو صورة بصرية ثنائية الأبعاد تتحرك في الفضاء الخارجي. فكيف يترجم الدماغ هذه الإشارة البصرية (Visual Input) إلى أمر حركي عضلي داخلي (Motor Command) في جسده الخاص ينتج نفس الفعل تماماً، مع العلم أن الطفل لا يرى وجهه أو عضلاته وهي تتحرك؟ لعقود خلت، سيطرت على علم النفس التنموي الفرضية القائلة بوجود “نظام مطابقة فطري مشفر جينياً” (Innate Cross-Modal Mapping) يولد به البشر، وهو الزعم الذي استند بشكل أساسي إلى التجارب الشهيرة التي أجراها ميلتزوف ومور (Meltzoff & Moore) في سبعينيات القرن العشرين، والتي ادعت أن الرضع حديثي الولادة بعمر ساعات يقلدون حركات الوجه كإخراج اللسان وفتح الفم.

قادت سيسيليا هايز مراجعة نقدية وتجريبية صارمة ومدمرة لهذه الفرضية الكلاسيكية. فمن خلال إعادة الفحص الدقيق للمنهجيات الإحصائية وتكرار التجارب المخبرية في ظروف معيارية شديدة الضبط، أثبتت هايز وفريقها أن الرضع حديثي الولادة لا يمارسون أي تقليد حقيقي. فالسلوك الملاحظ (مثل مد اللسان) لم يكن استجابة مطابقة متخصصة لوجه الشخص البالغ، بل كان رد فعل استكشافياً عاماً يُظهره الرضيع أمام أي مثير حسي ملفت أو محرك للإثارة، كالأضواء الساطعة أو كرات التنس المقتربة من وجهه. وعلاوة على ذلك، أظهرت الدراسات التتبعية الشاملة أن الرضع يفشلون كلياً في محاكاة أي حركات جسدية أخرى لا ترتبط بردود الفعل الاستكشافية العامة. بناءً على هذا التفنيد التجريبي، أسقطت هايز فرضية الفطرية المسبقة لآلية المحاكاة، ممهدة الطريق لنموذجها البديل الذي يفسر التقليد كنتيجة لتاريخ التعلم التراكمي للرضيع داخل بيئته الاجتماعية.

5.2 نموذج التعلم التسلسلي الترابطي (Associative Sequence Learning Model)

لحل معضلة المطابقة الحركية دون الحاجة إلى افتراض جينات خارقة غير مثبتة، صاغت سيسيليا هايز نظرية ثورية تُعرف بـ“نموذج التعلم التسلسلي الترابطي” (Associative Sequence Learning – ASL Model). يقوم هذا النموذج على مبدأ فسيولوجي وترابطي بسيط لكنه بالغ القوة: إن الروابط الثنائية بين المدخلات البصرية والمخرجات الحركية ليست مدمجة في العتاد الوراثي عند الولادة، بل يتم نسجها وتشكيلها عصبياً عبر “الاقتران الحسي الحركي المتزامن والمستمر” (Contingent Sensorimotor Experience). ببساطة، عندما تُثار خلية عصبية بصرية في نفس الوقت الذي تُثار فيه خلية حركية مسؤولة عن نفس الفعل، يتم تقوية التشابك العصبي بينهما وفق قانون هيب الشهير (Neurons that fire together, wire together).

حددت هايز ثلاثة مصادر تجريبية كبرى توفر للطفل الرضيع هذا الاقتران الحسي-الحركي الحاسم لبناء نظام التقليد:

  • رؤية الذات أثناء الحركة (Self-Observation): عندما يحرك الرضيع يديه ورجليه في مجاله البصري، يرى الفعل الحركي في نفس اللحظة التي يشعر فيها بالأمر الحركي الداخلي، مما يبني روابط مطابقة فورية للحركات المرئية ذاتياً.
  • المرايا والأسطح العاكسة (Mirrors): التفاعل مع الأسطح العاكسة يسمح للطفل برؤية تعابير وجهه المقترنة بحركاته العضلية الداخلية، مما يسد فجوة الحركات غير المرئية ذاتياً.
  • التقليد المعكوس من الوالدين ومقدمي الرعاية (Caregiver Mirroring): وهو المصدر الأهم والأكثر حسماً ثقافياً؛ إذ يميل الآباء والأمهات في المجتمعات البشرية إلى تقليد حركات أطفالهم الرضع بصورة غريزية ومستمرة. فعندما يبتسم الطفل أو يخرج لسانه، يقوم الوالد فوراً بمحاكاة الحركة أمامه. هنا توفر البيئة الثقافية والاجتماعية “وصلة اقتران خارجية” تجعل الرضيع يرى الصورة البصرية لحركته في وجه والديه في نفس اللحظة التي صدر فيها أمره الحركي العضلي.

أثبتت هايز صحة نموذج (ASL) مخبرياً عبر تجارب “التدريب المضاد للمطابقة” (Counter-mirror training)، حيث تم تدريب مشاركين بالغين على فتح قبضات أيديهم كلما رأوا يداً تنغلق في الشاشة، والعكس بالعكس. والنتيجة كانت مذهلة: لقد تم تعديل النظام الحركي البصري وتغيير سرعة استجابته كلياً خلال جلسات تدريبية قصيرة، مما أكد بما لا يدع مجالاً للشك أن دوائر التقليد في الدماغ البشري شديدة المرونة وليست قوالب جينية صلبة مستعصية على التغيير.

6. تفكيك فرضيات الخلايا العصبية المرآتية (Mirror Neurons)

6.1 الفرضية الترابطية لنشأة الخلايا العصبية المرآتية

في مطلع تسعينيات القرن العشرين، أحدث فريق من علماء الأعصاب الإيطاليين في جامعة بارما بقيادة جاكومو ريزولاتي (Giacomo Rizzolatti) ثورة في المشهد الأكاديمي بإعلانهم اكتشاف ما أطلقوا عليه اسم “الخلايا العصبية المرآتية” (Mirror Neurons) في القشرة المخية للقرود، ولاحقاً في البشر. تنشط هذه الخلايا سواء قام الكائن بالفعل بنفسه أو راقب كائناً آخر يقوم بنفس الفعل. وسرعان ما تحول هذا الاكتشاف التجريبي إلى حمى نظرية اجتاحت الأوساط العلمية والإعلامية؛ حيث أعلن علماء نفس وأعصاب بارزون مثل فيلايانور راماشاندران أن الخلايا المرآتية هي “الحلقة المفقودة” التي تفسر التطور البشري، والأساس العصبي الفطري للتقمص الوجداني (Empathy)، وظهور اللغة، وتطور الثقافة، ونظرية العقل.

تصدت سيسيليا هايز بشجاعة أكاديمية فذة لهذه الهالة التقديسية المحيطة بالخلايا المرآتية، وطرحت في سلسلة من الأوراق العلمية المفصلية فرضيتها البديلة: “الفرضية الترابطية لنشأة الخلايا المرآتية” (The Associative Hypothesis of Mirror Neurons). جادلت هايز بأن هذه الخلايا ليست تكيفاً تطورياً خاصاً صممه الانتقاء الطبيعي لخدمة الإدراك الاجتماعي وفهم أفعال الآخرين، بل هي مجرد “نتاج ثانوي عَرَضي” (Byproduct) للتعلم الحسي-الحركي والارتباط العصبي العام الموصوف في نموذج (ASL). فالدماغ لا يولد بخلايا مرآتية متخصصة ومصنفة بيولوجياً لتعكس العالم، بل يولد بخلايا حركية وخلايا حسية مستقلة، وبفعل الاقتران التزامني المكثف بين رؤية الفعل والقيام به (كما في حالة مسك القرد لحبة الفول السوداني ومراقبة يده)، تتشكل روابط مشبكية تجعل بعض الخلايا الحركية تستجيب للمثيرات البصرية المقترنة بها.

لدعم أطروحتها، قادت هايز تجارب رائدة أظهرت المرونة البيولوجية لهذه الخلايا؛ حيث استطاعت عبر إخضاع المتطوعين لتدريبات اقتران شاذة (مثلاً: تنشيط حركة الإصبع عند رؤية حركة القدم) إعادة برمجة هذه الخلايا لتكتسب خصائص “مرآتية معكوسة”، وهو ما يستحيل حدوثه لو كانت هذه الخلايا محددة بوظائف جينية متكيفة وثابتة. وعلاوة على ذلك، أسقطت هايز الادعاءات التي تربط بين الخلايا المرآتية وتفرد الإنسان؛ فالقرود تمتلك هذه الخلايا بوفرة ومع ذلك تفتقر تماماً إلى التقمص الوجداني المعقد، ولا تمتلك لغة، ولا تستطيع ممارسة التقليد الثقافي الدقيق كما يفعل البشر، مما يؤكد أن وجود هذه الخصائص العصبية وحدها لا يفسر شيئاً من مظاهر التعقيد الثقافي البشري.

6.2 إعادة تقييم الوظيفة التكيفية للخلايا المرآتية

قدمت هايز تمييزاً فلسفياً بالغ الأهمية غالباً ما يغيب عن أذهان علماء الأعصاب المتحمسين: التمييز بين “الوظيفة الراهنة” (Current Function) للخلية العصبية و“تاريخ نشأتها التطوري” (Evolutionary Origin). فكون الخلايا المرآتية تشتعل وتساهم في سياقات تفاعلية معينة لدى البالغين لا يعني على الإطلاق أن الانتقاء الطبيعي البيولوجي قد اصطفاها ونحتها لغرض أداء تلك الوظيفة بالذات. إن الوقوع في هذه المغالطة هو جوهر النزعة التكيفية الساذجة (Panglossian Adaptationism) التي حذر منها علماء التطور الكبار مثل ستيفن جاي غولد.

توضح هايز أن ما جعل الأدمغة البشرية تُظهر استجابات مرآتية أوسع نطاقاً وأكثر كثافة من أدمغة القردة ليس طفرة جينية في نظام الخلايا المرآتية، بل هو انغماس الإنسان منذ اللحظة الأولى للولادة في “بيئة ثقافية فائقة التحفيز والتقليد”. فالأمهات، واللعب التشاركي، والمرايا المصنعة، والرقص الجماعي، والتدريب على استخدام الأدوات اليدوية، هي سياقات بيئية وثقافية فريدة يوفرها المجتمع، وهي التي تجبر الدماغ على تكوين مليارات الروابط الحركية-البصرية الترابطية. ومن هذا المنطلق، أعادت هايز توجيه البوصلة المنهجية لعلم الأعصاب المعرفي والاجتماعي: بدلاً من البحث العبثي في الجينوم عن “جين الخلية المرآتية”، يجب على الباحثين دراسة كيف تقوم البنى الاجتماعية والممارسات التربوية بإعادة توجيه المسارات العصبية الخام وتدريبها لإنتاج هذا التناغم الإدراكي الاستثنائي بين الذات والآخر.

7. تطور ‘قراءة العقول’ (Mindreading) ونظرية العقل

7.1 قراءة العقول الضمنية مقابل قراءة العقول الصريحة

تُمثل القدرة على عزو الحالات العقلية—كالرغبات، والمشاعر، والمعتقدات، والنوايا—للذات وللآخرين، والمعروفة في العلوم المعرفية بـ“نظرية العقل” (Theory of Mind) أو “قراءة العقول” (Mindreading)، ذروة الإنجاز الإدراكي البشري. على مدى أربعة عقود، كان الإجماع الأكاديمي شبه مطلق حول فطرية هذه القدرة، مدفوعاً بنظريات آلان ليزلي (Alan Leslie) وسيمون بارون كوهين (Simon Baron-Cohen) اللذين افترضا وجود “وحدة نمطية عصبية فطرية لنظرية العقل” (ToMM) تنضج بيولوجياً لدى الطفل في سن الرابعة، مدعومة باختبارات “الاعتقاد الخاطئ” (False-Belief Task) الشهيرة مثل تجربة “سالي-آن” (Sally-Anne test).

قامت سيسيليا هايز بتفكيك هذا الإجماع عبر إقامة تفريق تجريبي ومفهومي بالغ الدقة بين مستويين متمايزين جوهرياً من الإدراك الاجتماعي:

  • قراءة العقول الضمنية أو التتبع تحت-المعرفي (Implicit Mindreading / Submentalizing): وهي قدرة أولية ترصد انتظام الحركات السلوكية البسيطة ومسار التحديق البصري للآخرين دون الحاجة لأي تمثيل لحالاتهم الذهنية الباطنة. أثبتت هايز أن التجارب التي زعمت وجود نظرية عقل لدى الرضع بعمر 7 أشهر (عبر قياس زمن النظر غير اللفظي) كانت تقيس في الحقيقة عمليات إدراكية عامة وتتبعاً للمحددات المكانية والفيزيائية للمثيرات (Domain-General Perceptual Novelty)، وليست وعياً حقيقياً بمعتقدات الآخرين الخاطئة.
  • قراءة العقول الصريحة والتمثيلية (Explicit Mindreading): وهي الفهم الواعي والرمزي الحقيقي بأن الآخر يمتلك عقلاً مستقلاً قد يحمل معتقدات غير مطابقة للواقع المادي، وتوظيف ذلك الفهم للتنبؤ بسلوكه وتفسيره وتبريره لغوياً.

تؤكد هايز أن قراءة العقول الصريحة ليست وحدة نمطية فطرية غُرست في الدماغ، بل هي “أداة معرفية ثقافية” بامتياز. إنها تقنية فكرية مصنعة وموروثة اجتماعياً، تماماً كنظام كتابة الحساب أو قراءة الخرائط الجغرافية، يكتسبها الطفل فقط عبر الانخراط في بيئة تواصلية محددة تدربه على استخدام المفاهيم النفسية الشعبية (Folk Psychology).

7.2 اللغة والتنشئة الاجتماعية في بناء نظرية العقل

كيف تتأسس إذن أداة “قراءة العقول” في ذهن الطفل إذا لم تكن هناك جينات متخصصة تبرمجها مسبقاً؟ تقدم هايز إجابة مدعومة بأدلة تجريبية قاطعة تستند إلى أبحاث التفاعل اللغوي النمائي؛ حيث تبرهن على أن الحوارات الأسرية والمحادثات السردية هي الورشة الفعلية التي تُهندس داخلها نظرية العقل. فالأطفال لا يكتشفون “المعتقدات” في رؤوس الآخرين عبر استبطان عصبي، بل يتعلمون مفهوم “الاعتقاد” عبر الطريقة التي يتحدث بها آباؤهم ومعلموهم عن تصرفات الناس؛ من خلال أسئلة مثل: “لماذا يبكي سامي؟ لأنه يظن أن لعبته ضاعت!”، أو “لماذا تبحث مريم هناك؟ لأنها تعتقد خطأً أن الحلوى في الصندوق”.

توضح هايز أن اللغة ليست مجرد وسيط سلبي يعبر عن حالات عقلية مشفرة سلفاً، بل هي القالب الحسابي والبنائي الذي يخلق المفاهيم العقلية التجريدية. فالتراكيب النحوية المعقدة—وتحديداً الجمل التكميلية (Sentential Complements) مثل: [يعتقد [أن] كذا]—توفر للطفل الأداة التمثيلية التي تمكنه لأول مرة من فصل “الحقيقة الموضوعية” عن “تمثيل الشخص الذاتي للحقيقة”. ومن الأدلة الحاسمة التي تسوقها هايز هي الدراسات الأنثروبولوجية التي تبين تبايناً هائلاً بين الثقافات؛ ففي بعض المجتمعات الأصلية في جزر المحيط الهادئ (مثل مجتمعات الموانيان)، تسود ثقافة ترفض صراحة التكهن بدواخل نفوس الآخرين وتعتبرها سلوكاً غير لائق (“عتمة العقول” Opacity of Mind)، وهناك يتأخر الأطفال أو لا يطورون إطلاقاً نفس الأنماط من اختبارات قراءة العقول الصريحة المألوفة في الغرب.

ينعكس هذا المنظور أيضاً على التطبيقات الإكلينيكية لفهم اضطرابات طيف التوحد (Autism Spectrum Conditions)؛ إذ تقترح هايز إعادة تأطير صعوبات قراءة العقول لدى المتوحدين ليس بوصفها “عطلاً في جين معرفي أحادي”، بل كنتيجة لانخفاض أولي في الدوافع الاجتماعية البصرية (Social Motivation) في مرحلة الرضاعة المبكرة، مما يعيق الطفل عن الانخراط التلقائي في الممارسات اللغوية والترابطية التفاعلية التي تتكفل ببناء وتشغيل أداة قراءة العقول داخل نظامه المعرفي.

8. اللغة كتقنية ثقافية وأداة معرفية عليا

8.1 نقد الغريزة اللغوية ونموذج تشومسكي

يحتل تفكيك مقولة “فطرية اللغة” موقعاً محورياً في المعمار النظري لمشروع سيسيليا هايز؛ إذ توجه نقدها المباشر إلى اثنين من أعمدة اللسانيات والعلوم المعرفية في القرن العشرين: نظرية النحو التوليدي (Generative Grammar) لـنعوم تشومسكي، وأطروحة “الغريزة اللغوية” (The Language Instinct) التي دافع عنها ستيفن بينكر بقوة. تفترض هذه الرؤية الفطرية الكلاسيكية أن الإنسان يولد مزوداً بجهاز اكتساب لغة مشفر وراثياً (LAD)، يشتمل على مبادئ نحوية كلية مجردة، وأن اللغات الطبيعية المتنوعة ليست سوى تجليات سطحية لبنية بيولوجية أحادية خاصة بالبشر ظهرت فجأة عبر طفرة جينية صدفية.

تتبنى هايز، بالتناغم مع أطروحات علماء اللسانيات التطورية والمعرفية مثل مورتن كريستيانسن (Morten Christiansen) ونيك تشاتر (Nick Chater) ومايكل توماسيلو (Michael Tomasello)، رؤية مقلوبة تماماً ومستندة إلى التطور المشترك (Co-evolution): اللغة ليست غريزة بيولوجية تطور الدماغ من أجلها، بل هي “تقنية ثقافية” تطورت وتشكلت عبر آلاف السنين لتلائم القيود المعرفية والحسية للأدمغة البشرية العامة. فالأدمغة لم تتغير جينياً لتستوعب قواعد النحو التوليدي المستحيلة، بل إن الأنساق اللغوية خضعت لانتقاء ثقافي لا يرحم؛ فالكلمات والتراكيب النحوية التي كانت عسيرة على التذكر والسمع والنطق اندثرت وتلاشت، بينما بقيت التراكيب التي تتطابق ببراعة مع آليات الإدراك السمعي والبصري العامة ومع قوانين الذاكرة قصيرة المدى المشتركة بيننا وبين الثدييات.

تستشهد هايز بالأدلة المعاصرة حول ظهور لغات إشارة جديدة تماماً في مجتمعات معزولة—مثل لغة الإشارة البدوية في النقب ولغة الإشارة في نيكاراغوا—حيث لم تتطلب نشأة هذه اللغات ظهور أي جين جديد، بل انطلقت من تفاعلات تواصلية بدائية بين الأفراد، وسرعان ما قامت الأجيال اللاحقة بتنظيمها وقعدنتها وتوليد قواعدها النحوية عبر آليات التعلم التراكمي في غضون بضعة عقود. يبرهن هذا على أن التراكم الثقافي التواصلي، وليس العتاد الجيني النوعي، هو الصانع الحقيقي لكل الميزات التركيبية والنحوية المذهلة التي تتمتع بها اللغات الإنسانية اليوم.

8.2 أثر اللغة في ترقية سائر الأدوات المعرفية

لا تتوقف أهمية اللغة عند كونها أداة معرفية ثقافية بحد ذاتها، بل تكتسب فرادتها الاستثنائية من دورها كـ“أداة توليد للأدوات الأخرى” (Meta-Gadget)؛ فهي البنية التحتية والرافعة الحسابية التي تتيح للبشر ترقية وإعادة برمجة جميع العمليات العقلية الأخرى. فبمجرد أن يستوعب الطفل النظام اللغوي المحيط به، يتحول عقله من معالج بيولوجي حبيس اللحظة الحسية المباشرة إلى نسق رمزي قادر على معالجة البيانات عبر الزمان والمكان، وإعادة تنظيم الانتباه الداخلي والتحكم التنفيذي (Executive Function).

توضح هايز كيف تعمل اللغة كتقنية لترقية وظائف الدماغ الأساسية في عدة أبعاد جوهرية:

  • تطوير الذاكرة العاملة والاستراتيجية (Working Memory Enhancement): يتيح استخدام “التسميع اللفظي الداخلي” (Inner Speech) تثبيت المعلومات والاحتفاظ بالبيانات المعقدة في الذاكرة لفترات زمنية تتجاوز بكثير الحدود البيولوجية الضيقة للرئيسيات غير البشرية.
  • تأسيس نظم الحساب والعد المجرد (Numeracy): إن القدرة على عد الأرقام الكبيرة وإجراء العمليات الحسابية المعقدة ليست غريزة فطرية؛ فالبشر يولدون بنظام بيولوجي تقريبي لتقدير الكميات (ANS) يتشاركون فيه مع الأسماك والطيور، لكن “أداة العد الرقمي الدقيق” يتم بناؤها ثقافياً فقط عبر تلقين الكلمات الرقمية (واحد، اثنان، ثلاثة…)، وهو ما يُثبته افتقار المجتمعات التي لا تمتلك في لغاتها كلمات للأرقام الدقيقة (مثل قبائل البيرها Pirahã في الأمازون) لأي قدرة على ممارسة العد الحسابي الدقيق.
  • إعادة تشكيل المرونة العصبية القشرية: يؤدي اكتساب الرموز اللغوية إلى إحداث تغييرات تشريحية ووظيفية ملموسة في مسارات المادة البيضاء والرمادية في القشرة المخية، مما يربط مناطق المعالجة الحسية بمناطق التخطيط الحركي والجبهي ويوفر شبكة عصبية موحدة تدير التفكير المنطقي وحل المشكلات التجريدية.

9. الإدراك المقارن: المسافة المعرفية بين البشر والحيوانات

9.1 إعادة فحص ذكاء الرئيسيات غير البشرية

شكل ميدان الإدراك المقارن (Comparative Cognition) المختبر الميداني الذي انطلقت منه سيسيليا هايز لاختبار ومساءلة الفرضيات التي تؤله من جهة ذكاء الحيوانات أو تلك التي تبالغ من جهة أخرى في ادعاء الفروق الجينية المطلقة بين الإنسان والحيوان. ففي عقدي الثمانينيات والتسعينيات، امتلأت الأدبيات العلمية بادعاءات تدعي أن الشمبانزي والقردة العليا تمتلك قدرات متقدمة على المحاكاة الدقيقة، وتدرك ما يعرفه وما يجهله الآخرون (أي تمتلك نظرية عقل ضمنية)، وتنتج “ثقافات مادية” تماثل الثقافة البشرية. قامت هايز في دراسات تفكيكية بالغة الرصانة بإعادة تحليل التجارب التي استندت إليها تلك الادعاءات، موضحة وجود عيوب منهجية خطيرة وانحيازات تأويلية أسقطت الفهم البشري على استجابات حيوانية آلية.

أثبتت هايز أن القردة العليا، على الرغم من تمتعها بذكاء مذهل في حل المشكلات الميكانيكية واستخدام العصي لجلب الطعام، تفتقر تماماً إلى “التقليد الحقيقي” (True Imitation) الذي يُعنى بنسخ الكيفية والمسار الحركي الدقيق للفعل. فما تفعله القردة في الواقع هو ما تسميه هايز “محاكاة المحفزات البيئية” (Emulation)؛ أي أنها تركز على النتيجة المادية الخارجية (مثلاً: فتح الصندوق لأخذ الفاكهة) وتستخدم حركاتها الفردية الخاصة للوصول إلى نفس النتيجة دون أي اهتمام بنسخ الخطوات الحركية للشخص أو القرد الآخر. وبالمثل، أظهرت هايز أن تجارب قراءة النوايا لدى الشمبانزي يمكن تفسيرها بيسر تام عبر تتبع مسارات الأجسام والاصطفاف المكاني وقوانين التعلم الشرطي دون حاجة لافتراض أي وعي تمثيلي بحالات عقلية باطنة لدى الآخرين.

أكدت هايز أن نقطة الانفصال الجوهرية التي تفصل البشر عن سائر الرئيسيات لا تكمن في امتلاك الإنسان جينات سحرية خاصة بالتفكير أو النطق أو التجريد، بل في قدرة البشر الفريدة على “التراكم الثقافي المستمر” (Cumulative Cultural Evolution). فالقردة تبتكر حلولاً فردية رائعة، لكن هذا الابتكار يموت بموت صاحبه أو يقتصر على دائرة مكانية ضيقة لأنه لا يمتلك “أدوات معرفية” تسمح بتعليمه ونقله وصقله عبر عشرات الأجيال. إن الحيوانات محبوسة في حدود بيولوجيتها الفردية، بينما يتحرك الإنسان في فضاء تاريخي راكمت فيه الثقافة تقنيات التفكير وحولتها إلى بيئة حاضنة تصنع العقل البشري من جديد مع كل ولادة.

9.2 الاستعدادات البيولوجية الصغيرة ذات العواقب الثقافية الكبرى

يثور هنا تساؤل إبستيمولوجي محوري يواجه مشروع هايز: إذا كانت الحيوانات تشترك مع البشر في قوانين التعلم الترابطي العامة واللدونة العصبية، فلماذا كان البشر هم النوع الوحيد على كوكب الأرض الذي نجح في بناء هذه الأدوات المعرفية وتدشين عصر التراكم الثقافي الهائل؟ ترفض هايز الوقوع في فخ التجريبية الراديكالية التي تفترض صفحة بيضاء مطلقة (Tabula Rasa) متطابقة بين الأنواع؛ بل تقر بوجود فوارق بيولوجية، لكنها تؤكد بعبقرية أن هذه الفوارق ليست “آليات معرفية كبرى معقدة” بل هي “استعدادات ودوافع بيولوجية صغيرة الحجم” (Small Biological Starter Kits) أحدثت بمرور الوقت عواقب ثقافية وإدراكية لا حدود لضخامتها.

حددت هايز هذه الاستعدادات البيولوجية الأولية التي منحها التطور البيولوجي للإنسان في عناصر محددة ومحدودة للغاية:

  1. فرط الدافعية للتفاعل والترابط الاجتماعي (Hyper-Sociality & Social Tolerance): يمتلك الرضيع البشري نزوعاً غريزياً هائلاً للاستمتاع بوجوه البشر، وميلا غير مسبوق لطلب القرب والتواصل العيني الممتد، ومستويات منخفضة جداً من العدوانية التفاعلية مقارنة بالقردة، مما يجعل الدماغ النامي مستعداً ومرحباً بالمدخلات القادمة من الآخرين.
  2. تفضيل المثيرات البصرية والسمعية البشرية (Attentional Biases): يولد الرضيع بحساسية بصرية فطرية للأنماط المشابهة للوجه الإنساني (Face-like configurations)، وانجذاب استثنائي لترددات الصوت البشري (Motherese)، مما يوجه انتباهه منذ اللحظة الأولى نحو المصادر الاجتماعية دون غيرها.
  3. محركات الانتباه المشترك الأولية (Basic Joint Attention): نزوع بيولوجي بسيط لمتابعة حركة الرأس والعينين للبالغين، مما يضع الطفل في نفس الإطار المكاني للمتعلم منه.

هذه الانحيازات البيولوجية البسيطة لم تكن في حد ذاتها أدوات تفكير، ولم تكن تحتوي على أي معرفة أو نحو أو نظرية عقل، لكنها عملت كـ”قمع توجيهي” صب سيلاً عارماً من المدخلات الثقافية المركزة مباشرة داخل دوائر التعلم الترابطي لدى الطفل. ومن خلال التغذية الراجعة والتراكم المستمر، أدت هذه البدايات البيولوجية الطفيفة إلى تفجير الفجوة المعرفية الشاسعة بيننا وبين بقية الكائنات، مبرهنة على أن قطرة من التغيير الجيني في الدافعية الاجتماعية كانت كافية لإطلاق محيط هادر من التطور الإدراكي الثقافي.

10. التداعيات المنهجية والنظرية على العلوم المعرفية

10.1 إعادة توجيه علم النفس المعرفي والتجريبي

ترتبت على أطروحة سيسيليا هايز تداعيات ثورية غيرت من مسارات البحث في علم النفس المعرفي والتجريبي؛ إذ وضعت حداً فاصلاً للنزعة الاختزالية التي سيطرت على التصميمات المعملية لعقود. طالبت هايز بضرورة دمج البعد الثقافي والأنثروبولوجي في صميم تصميم التجارب النفسية المعملية، منتقدة بقوة الاعتماد المفرط والدوغمائي للعلوم المعرفية الغربية على ما يُعرف بعينات “مجتمعات وايرد” (WEIRD Societies)—وهي المجتمعات الغربية، المتعلمة، الصناعية، الغنية، والديمقراطية (Western, Educated, Industrialized, Rich, Democratic). لقد تم تعميم نتائج دراسات أُجريت على طلاب جامعات غربيين بوصفها حقائق بيولوجية تمثل “الطبيعة الإنسانية العالمية”، بينما أثبتت هايز أن العديد من تلك النتائج ليست سوى قياس لأدوات معرفية غربية حديثة شكلتها نظم التعليم الرسمية والمفاهيم الثقافية المحلية.

دعت هايز إلى بناء أدوات قياس تجريبية جديدة بالغة الحساسية تكون قادرة على رصد التغيرات التاريخية والنمائية في مسارات اكتساب المهارات الاجتماعية. فلا يكفي تطبيق اختبار معرفي واحد في سن محددة والحكم بأن الطفل يمتلك أو يفتقر إلى الآلية الفطرية، بل يجب تتبع “تاريخ التعلم الترابطي” لكل طفل، ودراسة نوعية التفاعلات اللفظية والمادية التي تلقاها من محيطه الأسري. وعلاوة على ذلك، فتح مشروع هايز الباب على مصراعيه لتكامل غير مسبوق بين علم النفس النمائي من جهة، وحقول علم الحفريات المعرفية (Cognitive Paleontology) وعلم الآثار الثقافي (Cognitive Archaeology) من جهة أخرى؛ حيث بات من الممكن تتبع ظهور الأدوات المعرفية كالمحاكاة واللغة وقراءة العقول عبر تحليل التطور التكنولوجي للفؤوس الحجرية، ومدافن الموتى، والفنون الجدارية التي خلفها البشر الأوائل، بوصفها شواهد مادية على التحولات التدريجية في برمجيات العقل الثقافية.

10.2 إعادة صياغة فلسفة العقل ونظرية التطور

على المستوى الفلسفي والنظري الواسع، ساهمت أعمال سيسيليا هايز في إعادة صياغة فلسفة العقل الحديثة ونظرية التطور المعاصرة، ملقية جسوراً متينة نحو مفاهيم متقدمة مثل “بناء المتكأ المعرفي” (Cognitive Niche Construction). يشير مفهوم بناء المتكأ في البيولوجيا الكلاسيكية إلى الكيفية التي تقوم بها بعض الكائنات بتغيير بيئتها المادية بطرق تعيد توجيه الضغوط التطورية المفروضة عليها (مثل بناء القنادس للسدود). قامت هايز بنقل هذا المفهوم إلى الحقل الإدراكي، موضحة أن البشر لا يغيرون بيئتهم المادية فحسب، بل يشيدون “بيئات معرفية وثقافية اصطناعية”—ممتلئة بالرموز، والمرايا، والمدارس، واللغات، والطقوس—وهي البيئات التي تتولى مهمة إعادة صياغة وهندسة أدمغة الأطفال في كل جيل دون حاجة لانتظار الطفرات الوراثية البطيئة.

وسعت هايز كذلك من أفق “نظرية الوراثة المزدوجة” (Dual Inheritance Theory)؛ فبينما كانت النظرية التقليدية تفترض أن البشر يرثون الجينات عبر القنوات البيولوجية ويرثون الأفكار والعادات عبر القنوات الثقافية، برهنت هايز على أن الإنسان يرث “آليات المعالجة العقلية ذاتها” عبر القناة الثقافية، مما جعل الثقافة محركاً لوراثة المعمار الإدراكي وليس مجرد ناقل للمعلومات. يتقاطع هذا الإنجاز بشكل وثيق مع حركات “الإدراك المتجسد، والممتد، والموزع، والفاعل” (4E Cognition) في فلسفة العقل المعاصرة؛ إذ تنزع هايز عن العقل البشري عزلته الديكارتية داخل الجمجمة، لتقدمه كشبكة عمليات مرنة تتوزع بين الخلايا العصبية القابلة للتعلم والارتباط، والأجساد المتحركة، والأدوات الثقافية الممتدة في الفضاء الاجتماعي المشترك.

11. المناظرات الفكرية والنقود الموجهة لأطروحات هايز

11.1 اعتراضات علماء النفس التطوريين الكلاسيكيين

أثارت أطروحات سيسيليا هايز الجريئة عواصف من النقاشات والمساجلات الفكرية الساخنة داخل الأروقة الأكاديمية العالمية، حيث واجهت اعتراضات منهجية ونظرية عنيفة من جانب معسكر علماء النفس التطوريين الكلاسيكيين وأنصار الفطرية الصلبة. يتمحور الاعتراض الأساسي لهؤلاء حول ما يُعرف بحجة “فقر المثير” (Poverty of the Stimulus)، وهي الحجة التاريخية التي ورثوها عن تشومسكي؛ إذ يجادل المعترضون بأن البيئة الثقافية المحيطة بالطفل فقيرة للغاية ومليئة بالتشويش والتناقضات السلوكية، ولا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تفسر كيف ينجح كل الأطفال الأسوياء عبر العالم في اكتساب مهارات معقدة وموحدة كالمحاكاة الدقيقة ونظرية العقل في فترات زمنية متقاربة وسريعة، ما لم تكن هناك بنية فطرية متخصصة ومسبقة الصنع ترشدهم داخل هذا التيه الحسي.

ردت هايز على هذا الاعتراض بتفنيد تجريبي حاسم أثبتت فيه أن المثير الاجتماعي في البيئة البشرية ليس فقيراً على الإطلاق، بل هو “فائق الغنى والكثافة والتنظيم” (Extreme Wealth of the Stimulus). فالأطفال لا يتعلمون في غرف معزولة، بل داخل شبكة مكثفة من التغذية الراجعة التفاعلية، والتصحيح اللفظي، والتقليد المعكوس من الوالدين الذي يتكرر آلاف المرات يومياً، والقصص المؤسلبة المصممة خصيصاً لغرس المفاهيم النفسية. كما دخلت هايز في مناظرات ملهمة مع عالم النفس والأنثروبولوجيا الشهير مايكل توماسيلو (Michael Tomasello)؛ فبينما يرى توماسيلو أن البشر يولدون بآلية بيولوجية فريدة متخصصة تُدعى “النية المشتركة” (Shared Intentionality) تمكنهم من ممارسة التعاون والتواصل الثقافي، تجادل هايز بأن هذه النية المشتركة ذاتها ليست غريزة بيولوجية معقدة ومكتملة، بل هي أداة معرفية ناشئة عن التقاء الدوافع الاجتماعية البدائية بآليات التعلم الترابطي العامة داخل حاضنة التطور الثقافي التراكمي.

11.2 تحديات علماء الأعصاب وتفسيرات المرونة الدماغية

على الجانب الآخر من المشهد العلمي، جاءت تحديات وانتقادات مغايرة من قِبل بعض علماء الأعصاب المعرفيين وباحثي التصوير الدماغي الوظيفي؛ حيث شكك هؤلاء في مدى كفاية “التعلم الترابطي العام” بمفرده لتفسير نشأة الشبكات العصبية الوظيفية بالغة التخصص والتعقيد التي يرصدونها في الدماغ البشري البالغ. جادل بعض النقاد بأن هايز تبالغ في افتراض “المرونة الدماغية غير المحدودة”، متجاهلين القيود البيولوجية والتشريحية الصارمة التي تفرضها البنية الوراثية للجهاز العصبي المركزي، والتي تحدد مسبقاً مسارات توصيل الإشارات وحدود التعديل الممكنة عبر التعلم الثقافي.

ردت هايز على هذه الاعتراضات بالتأكيد على أنها لم تدّعِ يوماً أن الدماغ مادة هلامية عديمة القيود (Blank Slate) أو أن اللدونة العصبية مطلقة بلا حدود؛ فالحدود الفيزيائية والوراثية لسرعة الإشارات وحجم الخلايا وطبيعة المعالجة الحسية في القشرة البصرية والسمعية هي قيود بيولوجية حقيقية تسلم بها نظريتها بالكامل. إلا أن هايز تشدد في حواراتها المستمرة مع باحثي التصوير الدماغي على ضرورة تجنب السقوط في “الفينولوجيا الجديدة” (Neo-phrenology)؛ أي التوهم بأن رصد نشاط في منطقة دماغية محددة (مثل منطقة التلفيف المغزلي للوجوه FFA أو الدوائر الجدارية للتقليد) أثناء أداء مهمة ما يعني تلقائياً أن هذه المنطقة قد صممها التطور البيولوجي حصرياً لتلك المهمة. وأوضحت هايز أن الثقافة تعيد “استعمار” (Neuronal Recycling) وإعادة توجيه الدوائر العصبية المتاحة لتخدم وظائف جديدة، تماماً كما تستعمر القراءة القشرة البصرية، وبالتالي فإن التوطين الوظيفي الملاحظ في صور الرنين المغناطيسي هو في معظم الأحيان الأثر البيولوجي لرسوخ الأداة المعرفية المكتسبة داخل النسيج العصبي وليس دليلاً على وجود غريزة جينية فطرية.

12. المشهد المعاصر والآفاق المستقبلية لمشروع هايز الفكري

12.1 التطبيقات التربوية والتكنولوجية المعاصرة

لا يقف مشروع سيسيليا هايز عند حدود السجالات النظرية داخل الجامعات، بل يمتد ليقدم تطبيقات عملية ثورية في ميادين التربية، والتعليم في الطفولة المبكرة، وتطوير تكنولوجيا المستقبل. فإذا كانت المهارات العقلية العليا—كالتفكير النقدي، والتقليد الحركي الإبداعي، ونظرية العقل، والتنظيم الانفعالي—هي “أدوات معرفية” تُبنى وتُورث ثقافياً وليست غرائز تنضج آلياً، فإن مسؤولية المنظومات التعليمية والتربوية تتضاعف بصورة جذرية. لا يمكن للتربويين الجلوس وانتظار “النضج الطبيعي” للقدرات العقلية للطفل؛ بل يجب تصميم بيئات تعلم مبكرة غنية بالتفاعلات اللفظية والحوارات الاستكشافية حول الحالات النفسية للآخرين، واستخدام استراتيجيات النمذجة والمحاكاة لتدريب أدمغة الأطفال بصورة مقصودة ومنهجية على صقل أدواتهم الإدراكية.

في عصر الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، يكتسب نموذج هايز أهمية استثنائية لم تكن تخطر على بال؛ إذ يقدم إرشادات ملهمة لمهندسي الشبكات العصبية الاصطناعية ونظم التعلم العميق (Deep Learning). يُظهر نموذج هايز أن بناء ذكاء اصطناعي اجتماعي يمتلك وعياً بالبشر وقدرة على التفاعل الحقيقي معهم لا يتطلب بالضرورة برمجة قواعد فطرية شديدة التعقيد في خوارزمياته (Symbolic AI)، بل يتطلب بناء أنظمة ذات قدرات تعلم ترابطية وإحصائية عامة وغمرها في بيئات تفاعل اجتماعي وثقافي حقيقية لتتعلم عبر الممارسة وبناء الروابط كما يفعل الطفل البشري تماماً.

علاوة على ذلك، تدق هايز ناقوس الخطر المعرفي فيما يتعلق بتأثير التكنولوجيا الرقمية والوسائط الافتراضية وشبكات التواصل الاجتماعي الحديثة على تطور العقل البشري المعاصر. فبما أن الأدوات المعرفية تُصنع وتُصان عبر التفاعل الإنساني المباشر (وجهاً لوجه)، فإن استبدال هذا التفاعل الغني بالتواصل الافتراضي السريع والمجتزأ قد يؤدي إلى إعادة تشكيل غير مقصودة لأدوات قراءة العقول والتعاطف والتواصل الرمزي لدى الأجيال الناشئة. إن البيئات الرقمية تعيد هندسة المتكأ المعرفي البشري، مما يستوجب مراقبة دقيقة لكيفية تأثير هذه الوسائط على كفاءة البرمجيات العقلية التي شيدتها البشرية عبر آلاف السنين.

12.2 خلاصة الإرث الفكري وآفاق البحث المستقبلي

مع استمرار سيسيليا هايز في قيادة الحوارات الفكرية في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين من موقعها في جامعة أكسفورد، يترسخ موقعها التاريخي كواحدة من أعظم رواد ما يمكن تسميته بـ“ثورة التطور الثقافي المعرفي”. لقد نجحت هايز في تحرير العلوم المعرفية من أسر النزعة الفطرية الضيقة التي اختزلت الإنسان في حتميات بيولوجية جامدة، دون أن تدفع به في الوقت ذاته نحو مهاوي النسبوية الثقافية التي تنكر علوم الأعصاب وقوانين الطبيعة. إن مشروعها يمثل الانتصار الأبهى لنظرية التطور الداروينية الحقة؛ ذلك التطور الذي لم يتوقف عند تشكيل الأطراف والعظام، بل أطلق عبر الانتقاء الثقافي التراكمي مساراً مذهلاً لتطور العقل البشري وأدواته الحسابية عبر التاريخ الحي.

تتجه آفاق البحث المستقبلي المتأثرة بمشروع هايز نحو معالجة أسئلة كبرى لا تزال معلقة في فضاء العلوم المعرفية:

  • كيف ستتفاعل البنية الترابطية للدماغ البشري مع التحولات الجذرية في نظم التعليم الرقمية وتطبيقات الواقع المعزز والافتراضي؟
  • هل نحن على أعتاب ولادة “أدوات معرفية جديدة كلياً” لم يعهدها التاريخ البشري، نتيجة اندماج العقل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي والواجهات الدماغية الحاسوبية (BCI)؟
  • كيف يمكن تعميق النماذج الحسابية والرياضية التي تدمج بدقة متناهية بين قيود علم الأعصاب النمائي، ومعادلات التعلم الترابطي البايزي (Bayesian Associative Learning)، والديناميكيات المعقدة للتطور الثقافي التراكمي؟

إن إرث سيسيليا هايز الفكري يظل منارة ملهمة لكل باحث يسعى لفهم اللغز البشري؛ فهو يذكرنا دوماً بأن ما يجعلنا بشراً ليس مجرد شفرة وراثية ورثناها في خلايانا، بل هي تلك التقنيات العقلية الفائقة، والأدوات الإدراكية المصنعة بحب وعناية، التي نتوارثها ونتعلمها ونطورها معاً في كل لحظة تفاعل تواصلية نعيشها تحت شمس الثقافة الإنسانية الواحدة.

خاتمة

في الختام، يتبدى المشروع العلمي لسيسيليا هايز كمعلم بارز في مسيرة الفكر الإنساني المعاصر؛ إذ استطاعت عبر مسيرتها الأكاديمية الطويلة والممتدة أن تعيد صياغة الأسئلة التأسيسية حول ماهية العقل ومن أين يستمد قدراته الخارقة. لقد بينت هايز ببراعة العالم التجريبي وعمق الفيلسوف الطبيعاني أن “الأدوات المعرفية”—من المحاكاة الحركية، وقراءة العقول، واللغة، والنظم الرمزية—ليست تحفاً أثرية حُفرت في عتادنا الجيني في عصور سحيقة، بل هي منجزات حية تتنفس وتتجدد في الفضاء التفاعلي بين البشر. إن العقل البشري في منظور سيسيليا هايز ليس قالباً مغلقاً بل هو ورشة ثقافية مفتوحة على الدوام؛ ورشة نتشارك جميعاً في بنائها وتوريث أدواتها للأجيال القادمة، ليبقى الفكر الإنساني مغامرة تطورية مستمرة لا تعرف السكون.

المراجع

★

تقييم هذا المحتوى

5.0 / 5 • 7 تقييمات