كلارك ماكولي – 1943 الحاضر

كلارك ماكولي (Clark McCauley)

  • 1943 – حتى الآن
  • أمريكي
  • علم النفس الاجتماعي
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 7 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 7 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

أبرز الإسهامات

  • نموذج الآليات الاثنتي عشرة للتطرف
  • نموذج الهرمين
  • أبحاث الاستقطاب الجماعي
  • دراسات التفكير الجماعي
  • علم نفس الاشمئزاز والتطور الأخلاقي
  • أبحاث دقة القوالب النمطية

السيرة

يمثل البروفيسور كلارك ماكولي (Clark McCauley)، المولود في عام 1943، أحد أبرز رواد علم النفس الاجتماعي والسياسي المعاصر، حيث استطاعت أبحاثه على مدى أكثر من خمسة عقود تفكيك أعقد الظواهر السلوكية البشرية، بدءاً من آليات الإدراك والانفعال الفردي وصولاً إلى ديناميكيات الصراع الإثني، والاستقطاب الجماهيري، والعنف السياسي. اشتهر ماكولي بقدرته الفائقة على سد الفجوة بين النماذج النظرية الصارمة والواقع التطبيقي المعاش، مقدماً إسهامات علمية أعادت تعريف نظرتنا لمفاهيم متجذرة مثل التفكير الجماعي، وعاطفة الاشمئزاز، والتحيزات العرقية، قبل أن يكرس الجانب الأكبر من نضجه العلمي لاستكشاف الجذور النفسية للتطرف الراديكالي والإرهاب بعد مطلع الألفية الجديدة.

تتميز أطروحات ماكولي برفضها القاطع للنزعات التبسيطية السائدة التي تختزل السلوك الإنساني المنحرف أو المتطرف في خانة “الاعتلال النفسي الفردي” أو “الشر المطلق”، وبدلاً من ذلك يتبنى منظوراً سياقياً وتفاعلياً دقيقاً؛ يرى فيه أن العمليات النفسية العادية – كالحاجة إلى الانتماء، والتعاطف، والولاء للمجموعة، والرغبة في تحقيق العدالة – يمكن أن تنحرف تحت وطأة ظروف اجتماعية وسياسية محددة لتدفع أفراداً أسوياء نحو ارتكاب أفعال في غاية القسوة والتطرف. هذا النهج التفكيكي جعل منه مرجعاً تأسيسياً ليس فقط في الأروقة الأكاديمية التخصصية، بل أيضاً لدى المؤسسات الدولية وصناع القرار الساعين إلى فهم آليات النزاع وبناء استراتيجيات أمنية واجتماعية وقائية أكثر رشادة وإنسانية.

تنبع أهمية دراسة مسيرة كلارك ماكولي وفكره من الشمولية المنهجية التي تميز بها إنتاجه الفكري؛ فهو باحث تجريبي متمرس في معمل القياس النفسي، ومحلل تاريخي رصين يرصد تبلور الحركات السياسية المعارضة، ومنظر اجتماعي استطاع بالتعاون مع باحثين بارزين مثل بول روزين وصوفيا موسكالينكو صياغة أطر تحليلية رائدة، كنموذج الآليات الاثنتي عشرة للتطرف ونموذج الهرمين. في هذا السياق، يسعى هذا العمل إلى تقديم دراسة أكاديمية مستفيضة وشاملة لمسيرة كلارك ماكولي الفكرية، مقتفياً أثر جذوره المنهجية، وتحولاته المعرفية الكبرى، وتأثيراته المتواصلة في فهم سيكولوجية البشر في لحظات السلم والاضطراب.

1. المقدمة والمسيرة الأكاديمية المبكرة لكلارك ماكولي

1.1 النشأة والخلفية التعليمية التأسيسية

شهدت منتصف أربعينيات القرن العشرين ميلاد كلارك ماكولي في بيئة أمريكية كانت تتهيأ لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهي حقبة اتسمت بظهور تساؤلات مجتمعية وفلسفية عميقة حول بواعث الطاعة العمياء، وآليات التدمير الذاتي البشري، والتحولات السريعة في الهياكل الاجتماعية. وجد ماكولي الشاب في العلوم السلوكية نافذة مثالية لتفكيك هذه المعضلات؛ إذ لفتت انتباهه في مراحل تكوينه الأولى مسألة قدرة التأثيرات المحيطة على توجيه إرادة الفرد وتعديل بوصلته الأخلاقية. دفعه هذا الشغف المبكر إلى دراسة علم النفس في المرحلة الجامعية، حيث تبلورت رغبته في الخوض عميقاً في التفاعلات البينية بين النفس والمجتمع، متجاوزاً المقاربات السلوكية التقليدية الصارمة ومقترباً من التيارات المعرفية والاجتماعية الناشئة.

واصل ماكولي دراساته العليا في جامعة بنسيلفانيا، إحدى القلاع الأكاديمية الرائدة التي شكلت حاضنة خصبة لتطوير أدواته المنهجية. وهناك نال درجة الدكتوراه في علم النفس الاجتماعي، متأثراً بالمدارس الفكرية التي جمعت بين الدقة التجريبية المعملية والملاحظة الحقلية الدقيقة للظواهر المعقدة. تتلمذ ماكولي على يد أساتذة وعلماء تركوا بصمات واضحة على تصوره لأدوات القياس، ما جعله يدرك أن الظواهر الاجتماعية لا يمكن فهمها بمعزل عن اختبار الفرضيات تجريبياً وضبط المتغيرات بصورة صارمة، دون أن يفقد الباحث اتصاله بحيوية الواقع الإنساني وتناقضاته، وهو التوازن النادر الذي لازم مسيرته طوال العقود اللاحقة.

تشبعت رؤية ماكولي في تلك المرحلة التأسيسية بأعمال جيل الرواد في دراسات الضغط الجمعي والإدراك الاجتماعي، مثل سليمان آش وليون فستينغر. رسخت هذه البيئة الأكاديمية لدى ماكولي قناعة مفادها أن الفرد ليس كائناً معزولاً يتصرف وفق آليات بيولوجية صماء، بل هو نتاج ديناميكي لشبكة العلاقات التي ينتمي إليها. صقلت دراسته الجامعية قدرته على تصميم التجارب المعقدة وتحليل البيانات النفسية المتقدمة، ما منحه درعاً منهجياً مكنه لاحقاً من مناقشة أعقد القضايا السياسية والإنسانية بحياد علمي وموضوعية إمبيريقية بالغة الدقة.

1.2 الالتحاق بكلية برين ماور وتأسيس المسار البحثي

مع بداية السبعينيات، التحق كلارك ماكولي بالهيئة التدريسية في كلية برين ماور (Bryn Mawr College) العريقة بولاية بنسيلفانيا، وهي مؤسسة أكاديمية مرموقة عُرفت بتقاليدها الصارمة في الفنون الحرة والعلوم الإنسانية والاجتماعية. مثّل تعيينه أستاذاً لعلم النفس في هذه الكلية منطلقاً حيوياً لمسيرته المهنية الطويلة؛ حيث وجد فيها بيئة خصبة تتيح حرية الاستكشاف الأكاديمي والجمع بين التدريس الجامعي الرفيع والإنتاج البحثي المكثف. استطاع ماكولي على مدار عقود أن يتحول إلى ركيزة أساسية في قسم علم النفس، متدرجاً في الرتب الأكاديمية حتى نال لقب أستاذ كرسي متميز، ومساهماً بفاعلية في ترسيخ المعايير العلمية للكلية.

لعب ماكولي دوراً محورياً في بناء وتطوير البرامج الأكاديمية في برين ماور، حيث حرص على دمج مناهج البحث التجريبي المتقدمة مع تدريس علم النفس الاجتماعي والسياسي. كان إشرافه على أبحاث طلاب الدراسات العليا وطلاب البكالوريوس نموذجاً للأستاذ الذي يلهم الباحثين الشبان للاشتباك مع قضايا العالم الحقيقي، ولم يكتفِ بتلقين النظريات الجاهزة، بل درب أجيالاً متتالية على تفكيك الفرضيات المسلم بها واختبارها عبر جمع البيانات الميدانية والمخبرية، مما جعل مختبره في الكلية بؤرة لإنتاج دراسات متعددة الأوجه نالت صدى واسعاً في الدوريات المحكمة.

خلال هذه الفترة الممتدة، بدأت اهتمامات ماكولي تتجه نحو دراسة الظواهر الجمعية المعقدة في البيئات الاجتماعية الواقعية، متحرراً جزئياً من قيود التجارب المختبرية المغلقة التي رأى أنها أحياناً تعجز عن التقاط نبض الانفعالات الجمعية العنيفة. دفعه هذا النضج البحثي إلى الانخراط في مشروعات استقصائية تتناول كيفية تفاعل الجماعات في الفضاء العام، وتأثير الصراعات الهوياتية والتاريخية على البنية النفسية للأفراد، مما مهد الطريق لتحوله التدريجي نحو أن يصبح أحد أبرز المراجع العالمية في علم النفس السياسي وتحليل الصراعات الجمعية.

1.3 الاهتمامات المبكرة في علم النفس الاجتماعي والتجريبي

تمحورت أبحاث كلارك ماكولي الأولى حول موضوعات جوهرية في علم النفس الاجتماعي الكلاسيكي، شملت الإدراك الاجتماعي، وعمليات تشكل الانطباعات، ونظريات العزو السلوكي (Attribution Theory). ركز في أوراقه العلمية المنشورة في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات على تحليل كيفية تفسير الأفراد لسلوكيات الآخرين، ولماذا يميل الناس بشكل تلقائي إلى إسناد تصرفات الآخرين لسماتهم الشخصية الذاتية مع إغفال الظروف البيئية المحيطة، وهو ما يعرف بـ “خطأ العزو الأساسي”. وظف ماكولي أدوات تجريبية دقيقة لقياس هذه التحيزات المعرفية وكيفية تأثيرها على تشكيل العلاقات الإنسانية اليومية.

امتدت اهتماماته سريعاً لتشمل دراسة القوالب النمطية (Stereotypes) والأحكام المسبقة بين المجموعات السكانية المختلفة. وكان لماكولي إسهام بارز بالتعاون مع زملائه في مناقشة “دقة القوالب النمطية” (Stereotype Accuracy)؛ حيث أثار نقاشات معرفية ثرية حول ما إذا كانت بعض التصورات النمطية تحوي أحياناً “نواة من الحقيقة الإحصائية” الناتجة عن تجارب اجتماعية متراكمة، أم أنها مجرد تشوهات معرفية محضة تستهدف التبرير والعداء. هذا التناول الجريء وغير التقليدي عكس شجاعته الفكرية ورفضه الانصياع للنتائج المسبقة التي لا تدعمها البيانات الإمبيريقية الصلبة.

علاوة على ذلك، برع ماكولي في ابتكار وتطوير أدوات القياس الميداني والتجريبي المصممة لرصد السلوك الإنساني في سياقات التفاعل المباشر. صمم مقاييس كمية متطورة وسيناريوهات محاكاة ساعدت في قياس ردود الأفعال العاطفية والمواقف الضمنية لدى الأفراد بدقة تفوق الاستبيانات التقليدية المباشرة، التي غالباً ما تتأثر برغبة المفحوصين في الظهور بصورة مقبولة اجتماعياً. رسخت هذه المساهمات اسمه كباحث تجريبي بارع قادر على تطويع الرياضيات والإحصاء النفسي لسبر أغوار الوجدان البشري وتناقضات السلوك الجمعي.

2. الإطار النظري لديناميكيات الجماعة والاستقطاب الاجتماعي

2.1 نظريات الاستقطاب الجماعي وتأثيرات المداولة

تعد دراسات كلارك ماكولي حول الاستقطاب الجماعي (Group Polarization) حجر زاوية في مسيرته الفكرية، حيث تصدى لتفكيك الظاهرة الكلاسيكية المعروفة بـ “تحول المخاطرة” (Risky Shift). أثبتت أبحاثه المنهجية أن المداولة أو النقاش المتبادل داخل المجموعات المتجانسة نادراً ما يقود إلى حلول وسطية أو اعتدال توافقي؛ بل على النقيض من ذلك تماماً، تدفع المداولة الجماعية الأفراد نحو تبني مواقف أكثر تطرفاً وراديكالية من تلك التي كانوا يحملونها بصورة فردية قبل بدء النقاش، وهو كشف سيكولوجي مهد لفهم كيفية تحول الآراء المعارضة المعتدلة إلى صدامات عنيفة.

فسر ماكولي هذه الديناميكية عبر تشريح آليتين نفسيتين متكاملتين: آلية المقارنة الاجتماعية (Social Comparison) والتأثير المعلوماتي (Informational Influence). ففي سياق المقارنة الاجتماعية، يسعى كل عضو في الجماعة إلى إثبات انتمائه ونقاء التزامه بقيم الفريق عبر اتخاذ موقف يبدو أكثر حسماً وراديكالية من متوسط مواقف بقية الأعضاء. أما من زاوية التأثير المعلوماتي، فإن النقاش يولد شلالاً من الحجج والبراهين التي تصب جميعها في الاتجاه نفسه، وتفتقر إلى أي تغذية راجعة نقدية، مما يجعل الأفراد محاصرين ببراهين تؤيد رؤيتهم الحالية وتضاعف قناعتهم بها بصورة قطعية.

أبرزت أبحاث ماكولي التجريبية أن التجانس الفكري داخل المجموعة يسرع وتيرة اتخاذ القرارات الراديكالية ويمنحها حصانة وهمية؛ فعندما يلتئم شمل أفراد يشتركون في المنطلقات الأيديولوجية نفسها دون وجود صوت معارض يكسر صمت الإجماع، تنهار تدريجياً قدرة المجموعة على مراجعة الذات، مما يقود إلى تآكل الواقعية السياسية والاجتماعية وتبني قرارات متهورة كان الأفراد سيرفضونها حتماً لو اتخذوها كأفراد منفصلين.

2.2 التفكير الجماعي ومخاطر الانغلاق المعرفي

أعاد كلارك ماكولي تقييم وتدقيق مفهوم التفكير الجماعي (Groupthink)، الذي وضعه عالم النفس إيرفينغ جانيس في سبعينيات القرن الماضي لتفسير الكوارث السياسية والعسكرية الناجمة عن قرارات الإدارات الأمريكية المغلقة، مثل كارثة خليج الخنازير وحرب فيتنام. لم يكتفِ ماكولي بقبول الفرضية بصورتها السردية الشائعة، بل أخضع نموذج جانيس لاختبارات إمبيريقية وتجريبية صارمة، محاولاً تحديد الشروط النفسية والبنيوية الضرورية والكافية التي تقع فيها الجماعات القيادية في فخ الانغلاق المعرفي وشلل التفكير النقدي.

حدد ماكولي في دراساته عاملاً بنيوياً حاسماً يتمثل في طبيعة القيادة التوجيهية أو الاستبدادية؛ فالقائد الذي يعلن تفضيلاته وقراراته مقدماً يفرض، بوعي أو بغير وعي، نمطاً من “ضغط الإجماع” غير المنظور، مما يدفع المستشارين والأعضاء إلى ممارسة رقابة ذاتية قاسية على أفكارهم تجنباً للاستبعاد أو الظهور بمظهر غير المخلصين. أظهرت أبحاث ماكولي أن الخوف من نبذ الجماعة يتفوق في أغلب الأحيان على الواجب الأخلاقي والتحليل العقلاني السليم، مما يؤدي إلى صمت الأصوات الناقدة والتشويه المتعمد للمعلومات الاستخباراتية أو الواقعية التي تتعارض مع توجهات القيادة.

كما بين ماكولي كيف تبني الجماعات الواقعة تحت تأثير هذا الانغلاق آليات تبرير ذاتي متقدمة؛ حيث تخلق لنفسها حصانة زائفة ضد الخطأ وتسبغ على قراراتها طابعاً أخلاقياً مطلقاً يرفعها فوق كل نقد. يتمثل هذا النكوص الإدراكي في تصوير الخصوم والمنافسين الخارجيين على أنهم أشرار وضعفاء أو عاجزون عن إدراك الحقائق، وهو ما يعزز ثقة المجموعة المفرطة ويقودها إلى مغامرات كارثية يدفع ثمنها المجتمع بأكمله.

2.3 الهوية الاجتماعية وتماسك الجماعات المرجعية

مستلهماً أطر نظرية الهوية الاجتماعية لهنري تاجفيل وجون تيرنر، تعمق ماكولي في رصد كيفية تماهي الأفراد نفسياً ووجدانياً مع الجماعات المرجعية الصغرى، وكيف يتحول هذا الاندماج إلى محدد رئيسي للسلوك البشري. لاحظ ماكولي أن الانتماء الجمعي يلبي حاجات نفسية وجودية ترتبط بتقدير الذات، وتخفيف وطأة القلق الوجودي، وتوفير إطار معرفي يفسر تعقيدات العالم، وكلما ازدادت الضغوط الخارجية، تصاعدت رغبة الفرد في الذوبان داخل الكيان الجمعي، متنازلاً عن خصوصيته الفردية لصالح سرديات الهوية الفرعية الضيقة.

أكدت تحليلات ماكولي أن تماسك الجماعة الداخلية (In-group) غالباً ما يتغذى على التمايز الصارم والعداء المضمر أو الصريح ضد الجماعات الخارجية (Out-groups). لا تنشأ الهوية الجمعية في فراغ منعزل، بل تتشكل عبر رسم حدود رمزية ومادية فاصلة؛ حيث تُعزى الفضائل الأخلاقية، والنزاهة، والسمو إلى أبناء الجماعة الداخلية، بينما تُلصق بالآخرين صفات المكر، والفساد، والقصور الإدراكي، وهذا الفصام القيمي يشكل البنية الأساسية للنزاعات الإثنية والسياسية عبر التاريخ.

وفي هذا السياق، أفرد ماكولي مساحة واسعة لدراسة أثر “التهديد المدرك” (Perceived Threat) على تعزيز التضامن الداخلي؛ إذ بين أن استشعار الخطر الخارجي—سواء كان خطراً وجودياً حقيقياً أو متخيلاً ومضخماً عبر الدعاية—يعمل كغراء نفسي شديد الفعالية يذيب الخلافات الهامشية داخل المجموعة ويوحد صفوفها خلف قيادتها. غير أن هذا التضامن المتصاعد يترافق دائماً مع تضييق مساحات الحرية الفردية وارتفاع وتيرة الشك والتخوين تجاه أي عضو يظهر تردداً في الالتزام بالخطاب الجمعي الصارم.

3. علم نفس الاشمئزاز وتطوره في البناء الأخلاقي

3.1 الاشمئزاز بوصفه عاطفة أساسية ووظيفته التطورية

خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، نسج كلارك ماكولي تعاوناً بحثياً وثيقاً واستثنائياً مع عالم النفس المرموق بول روزين (Paul Rozin)، وهو التحالف الذي أثمر نقله نوعية في فهم واحدة من أعقد العواطف البشرية وأكثرها إثارة للجدل: عاطفة الاشمئزاز (Disgust). انطلق الباحثان من دراسة الاشمئزاز بوصفه انفعالاً بيولوجياً غريزياً تطور في الأساس كآلية دفاعية جسدية وظيفتها حماية الكائن الحي من التسمم وتناول الأطعمة الفاسدة أو ملامسة مسببات الأمراض، وتتجلى هذه العاطفة فسيولوجياً في تعبيرات وجهية نمطية مثل تقطيب الأنف وحركات الفم الطاردة ونوبات الغثيان المصممة حيوياً لمنع ابتلاع الملوثات.

غير أن الإنجاز العلمي الفريد لماكولي وروزين تمثل في تتبع المسار التطوري لنقلة الاشمئزاز من مجرد حارس بيولوجي للجسد إلى حارس رمزي وثقافي للأنا والروح البشرية. أظهرت أبحاثهما المشتركة أن البشر طوروا ما سمياه “اشمئزاز حماية الجسد وتجنب التلوث الحيواني”؛ حيث يستشعر الإنسان الاشمئزاز من كل ما يذكره بطبيعته الحيوانية الفانية، مثل الإفرازات الجسدية، والموت، والجثث، والانتهاكات الفاضحة لسلامة الجسد. يعمل الاشمئزاز هنا كدرع نفسي ينأى بالإنسان عن مصيره الحتمي بوصفه كائناً بيولوجياً زائلاً، ويرفعه إلى مصاف الكينونة الثقافية المتعالية.

توسعت هذه الدراسات لتبين كيف استثمرت المجتمعات البشرية هذه الآلية البيولوجية الفعالة لبناء المنظومات العرفية والطقسية؛ فأصبح كل ما يهدد النظام الاجتماعي أو يخترق المحرمات الثقافية يثير ردود فعل عاطفية تشبه في حدتها وعمقها الفسيولوجي استجابة القيء والغثيان. وفرت هذه الأبحاث الرائدة الأساس النظري لفهم الكيفية التي تتحول بها المشاعر الحسية الأولية إلى أسس معقدة توجه السلوك الاجتماعي والخيارات الأخلاقية للإنسان في مختلف الحضارات.

3.2 الاشمئزاز الأخلاقي وعلاقته بالنزاعات المجتمعية

بنى ماكولي وروزين على فهمهما التطوري للاشمئزاز لصياغة مفهوم “الاشمئزاز الأخلاقي” (Moral Disgust)، كاشفين عن كيفية ترحيل عاطفة الحماية الحيوية لتصبح أداة صارمة للعقاب الاجتماعي وفرض المعايير الأخلاقية للجماعة. فعندما ينتهك فرد ما قاعدة مقدسة داخل مجتمعه، لا يواجه مجرد استياء عقلاني، بل يُعامل ككيان “ملوث” بيولوجياً وروحياً يجب اجتنابه أو تطهير المجتمع من رجسه؛ وبذلك غدا الاشمئزاز الأخلاقي عاطفة إقصائية بامتياز تسعى للنفي وعزل المخالفين لضمان الطهارة المعنوية للكل الجمعي.

حلل ماكولي ببراعة كيفية توظيف لغة الاشمئزاز في الخطابات السياسية والنزاعات الأيديولوجية الكبرى عبر التاريخ. فالسياسيون والدعاة المتطرفون نادراً ما يكتفون بتوجيه انتقادات عقلانية أو حتى التعبير عن الغضب حيال خصومهم؛ بل يتعمدون استخدام مفردات مستمدة من حقل التلوث والنجاسة والمرض، واصفين الخصوم بأنهم “جراثيم”، أو “أورام خبيثة”، أو “حشرات ضارة”. هذا الاستخدام اللغوي المدروس لا يستهدف إهانة الخصم فحسب، بل يسعى لإثارة رد فعل الاشمئزاز الغريزي لدى الجماهير، وهو انفعال يؤدي وظيفياً إلى إلغاء أي رغبة في الحوار أو التفاوض، ويحول النزاع إلى معركة وجودية لتطهير المحيط الاجتماعي.

بين ماكولي أن خطورة الاشمئزاز تكمن في قدرته الفائقة على قيادة عملية التجريد من الإنسانية (Dehumanization). فبينما يثير “الغضب” رغبة في مواجهة الخصم ومعاقبته مع الاعتراف الضمني بإنسانيته ومسؤوليته، يدفع “الاشمئزاز” نحو سحق الآخر كشيء قذر لا يستحق الشفقة أو المعاملة الأخلاقية، وهذا التحول السيكولوجي يمثل المحرك النفسي المباشر وراء وقوع جرائم الإبادة الجماعية، والتطهير الإثني، وأبشع صور العدوان التاريخية التي مورست بضمائر مرتاحة وتحت رايات الطهر والنقاء.

3.3 التحيزات النمطية وتطبيقات الاشمئزاز النفسي

ربط كلارك ماكولي بين آليات الاشمئزاز وبين استمرار التحيزات النمطية وتهميش فئات معينة داخل النسيج المجتمعي. ففي أبحاثه التي تقصت وصم الأقليات، لاحظ أن الجماعات المهيمنة تميل إلى إلصاق صفات القذارة المادية والمعنوية بالفئات المستضعفة أو المنبوذة، مما يولد لدى أفراد الأغلبية استجابات تجنب جسدي ونفسي لاواعية. هذا التجنب يمنع الاحتكاك الطبيعي والتواصل العفوي بين المجموعات، مما يكرس الجيتوهات الاجتماعية ويزيد من حدة العزلة المتبادلة والنفور الجمعي.

قدم ماكولي مقارنة تحليلية دقيقة بين تأثير مشاعر الاشمئزاز ومشاعر أخرى كالخوف والغضب في سياق النزاعات العرقية والإثنية. أوضح أن الخوف قد يقود إلى الهروب أو بناء الأسوار الدفاعية، وأن الغضب يستدعي هجوماً انتقامياً متكافئاً، أما الاشمئزاز فهو العاطفة الوحيدة التي ترسخ التراتبية الأخلاقية وتضفي شرعية أبدية على دونية الآخر؛ فالجماعة المشمئز منها تصبح في وعي الأغلبية كائناً أدنى لا يمكن دمجه أو الثقة به، وهو ما يفسر استعصاء بعض أشكال العنصرية المتجذرة على حملات التوعية العقلانية السطحية.

انعكست هذه النتائج بشكل جوهري على دراسة سياسات الدمج والعدالة الاجتماعية؛ حيث حذر ماكولي من أن أي استراتيجية لمكافحة التمييز لا تأخذ بعين الاعتبار تفكيك طبقات التنافر العاطفي المبني على الاشمئزاز ستظل عاجزة عن تحقيق تغيير حقيقي في النفوس. إن معالجة الشروخ المجتمعية تتطلب جهداً يتجاوز تعديل التشريعات القانونية، ليشمل تطهير المخيال الجمعي من الصور والرموز النمطية التي تغذي مشاعر القرف والنفور الرمزي، وبناء مساحات تواصل تعيد ترميم المشاعر الإنسانية المشتركة وتكسر حواجز التباعد الجسدي والنفسي.

4. الانتقال المنهجي نحو دراسات الإرهاب والعنف السياسي

4.1 الدوافع التاريخية والتحول عقب أحداث سبتمبر

شكلت هجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة نقطة تحول مفصلية في المسيرة الأكاديمية لكلارك ماكولي؛ فبينما كان قد راكم خبرات واسعة في سيكولوجية الجماعات، والصراع، وعاطفة الاشمئزاز، وجد نفسه مدفوعاً بمسؤولية وطنية وعلمية لمواجهة التحدي الأمني والفكري الأكثر إلحاحاً في القرن الجديد. كانت الصدمة العالمية تتطلب إجابات تتجاوز التفسيرات السياسية والعسكرية السطحية، مما دعاه إلى إعادة توجيه ثقل أبحاثه بالكامل نحو الفهم النفسي المتعمق لظواهر العمليات الانتحارية، والتجنيد الراديكالي، والعنف السياسي المنظم.

وجه ماكولي نقداً لاذعاً للمقاربات الأمنية والاستخباراتية البحتة التي هيمنت على السياسات الغربية غداة الهجمات؛ إذ رأى أن محاولة محاربة الإرهاب بالوسائل العسكرية والتكنولوجية وحدها، مع تجاهل البعد السيكولوجي والديناميكيات الاجتماعية الحاضنة له، تشبه معالجة أعراض المرض مع ترك مسبباته تتفشى. انتقد بشدة السرديات الاستشراقية والتسطيحية التي زعمت أن الإرهابيين يكرهون الغرب لمجرد حريته ونمط حياته، معتبراً أن هذا التبسيط يعمي صانعي القرار عن فهم المظالم الحقيقية والرمزية التي تحرك هذه الجماعات وتضمن لها التعاطف الشعبي.

دعا ماكولي بإلحاح إلى التعامل مع الإرهاب باعتباره ظاهرة تواصلية وسياسية واجتماعية في المقام الأول؛ فالعمل الإرهابي ليس غاية في ذاته، بل هو مسرحية دموية موجهة إلى ثلاثة جماهير متزامنة: الجمهور العدو لبث الرعب وشل إرادته، والجمهور الحاضن أو المتعاطف لرفع روحه المعنوية وإثبات القدرة على الرد، والنظام الحاكم لاستفزازه وجره نحو ردود فعل حمقاء. هذا الفهم التواصلي فتح آفاقاً جديدة لدراسة العنف السياسي بوصفه استراتيجية نفسية مصممة للتأثير على الإدراك والمشاعر العامة، وليس مجرد عمل إجرامي عشوائي معزول.

4.2 الارتباط بمركز أبحاث الإرهاب الوطني (START)

مع تأسيس المركز الوطني لدراسة الإرهاب والاستجابة للإرهاب (START) في جامعة ميريلاند بتمويل من وزارة الأمن الداخلي الأمريكية، أصبح كلارك ماكولي باحثاً رئيسياً وركيزة فكرية في هذا التحالف البحثي الوطني الرائد. أتاح له هذا الموقع الأكاديمي المرموق الانتقال بأبحاثه من الإطار النظري الفردي إلى مشاريع بحثية ضخمة مدعومة ببيانات واسعة ومتعددة التخصصات، تجمع بين أرقى معايير البحث الأكاديمي واحتياجات التحليل الأمني الميداني في بيئة تتسم بالتعقيد وسرعة التغير.

ساهم ماكولي بقوة في تأسيس وتطوير قواعد بيانات متخصصة رصدت مسارات التطرف، والملفات النفسية والسلوكية للفاعلين الراديكاليين، وتاريخ الجماعات الإرهابية في مختلف القارات. لم يكن الهدف مجرد حصر الهجمات أو عد الضحايا، بل تتبع المسار الزمني والتحولات الحياتية التي مر بها الأفراد قبل انخراطهم في العنف، مما سمح لماكولي وفريقه بتطبيق تحليلات إحصائية وكمية متقدمة فضحت الكثير من الأساطير الشائعة حول بروفايل الإرهابي، ومكنت من استخلاص أنماط سلوكية قابلة للرصد والتقييم المبكر.

تجسد تفرد ماكولي داخل مركز START في تعاونه العميق ومتعدد التخصصات مع علماء الاجتماع، وخبراء العلوم السياسية، والمؤرخين، وضباط الاستخبارات السابقين؛ حيث نجح في تطعيم النماذج النفسية الفردية بالبنى الهيكلية والسياسية الكبرى. أثبتت أبحاثه المشتركة في المركز أن الظاهرة الإرهابية أعقد من أن يحتكر تفسيرها تخصص أكاديمي واحد، وأن الجمع الخلاق بين سيكولوجية المجموعات وعلم الاجتماع السياسي هو السبيل الوحيد لتفكيك شيفرات التطرف وتصميم سياسات مضادة تتسم بالذكاء والفعالية.

4.3 تفنيد أسطورة المرض النفسي لدى منفذي العمليات الإرهابية

يعد التحدي الأكبر الذي خاضه كلارك ماكولي هو تفنيد النظرية السائدة التي تدعي أن منفذي العمليات الإرهابية—ولا سيما العمليات الانتحارية—يعانون بالضرورة من اضطرابات نفسية حادة أو أمراض عقلية سريرية مثل الفصام، أو الاكتئاب الذهاني، أو اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع (السيكوباتية). حشد ماكولي ترسانة هائلة من الأدلة الإمبيريقية والسجلات الطبية والمقابلات التي أجريت مع عناصر معتقلة ومع أسرهم، ليؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الغالبية الساحقة من الإرهابيين يتمتعون بكامل قواهم العقلية ولا يعانون من أي باثولوجيا نفسية تفوق المعدلات الطبيعية الموجودة في عامة المجتمع.

أعاد ماكولي إحياء مفهوم “عادية” المنفذين (The Normality of Terrorists)، مبيناً أن استيعاب هذه الحقيقة هو البداية الحقيقية لأي مواجهة مجدية مع الظاهرة. فالمرضى النفسيون، بطبيعة اضطرابهم، عاجزون عن إظهار الانضباط والالتزام والسرية والعمل الجماعي المحكم الذي تتطلبه العمليات الإرهابية المعقدة، والتي غالباً ما تستبعد أي فرد يظهر علامات اضطراب عقلي قد يهدد أمن الخلية؛ وبناء عليه، يكمن الخطر الداهم في أن الإرهاب لا يقوم على أكتاف المجانين، بل ينفذه أناس أسوياء قادتهم مسارات سيكولوجية واجتماعية ملتوية إلى تبني العنف كوسيلة أخلاقية مشروعة لتحقيق أهدافهم.

ركز ماكولي بدقة على كيفية استغلال التنظيمات الراديكالية للدوافع الإنسانية النبيلة والشائعة بدلاً من الرغبات الشريرة؛ فالرغبة في التضحية بالذات، والولاء المطلق للرفاق، والتعاطف العميق مع آلام الأبرياء، والبحث عن الكرامة، هي المحركات النفسية الفعلية التي يعاد تشكيلها وتوجيهها نحو ارتكاب فظائع مدمرة. أحدث هذا الطرح زلزالاً في حقل الدراسات الأمنية؛ إذ حول بوصلة الاهتمام من البحث العبثي عن “جين الإرهاب” أو الخلل العقلي الفردي إلى تفكيك البيئات الاجتماعية، وعمليات التلاعب المعرفي، والشبكات البينية التي تحول الإنسان السوي إلى مقاتل شرس ومستعد للموت.

5. نموذج الآليات الاثنتي عشرة للتطرف السياسي

5.1 آليات التطرف على المستوى الفردي

في أحد أشهر إسهاماته النظرية والتطبيقية، طور كلارك ماكولي بالاشتراك مع صوفيا موسكالينكو نموذجاً شاملاً يحدد اثنتي عشرة آلية نفسية واجتماعية تقود إلى التطرف السياسي، مقسمة على ثلاثة مستويات مترابطة. يبدأ المستوى الأول بـ آليات المستوى الفردي، وأولى هذه الآليات هي “المظالم الشخصية” (Personal Grievance)؛ حيث يمر الفرد بتجربة قاسية من الظلم، أو الإهانة، أو التعذيب، أو الحرمان الوظيفي والمادي على يد طرف أو سلطة معينة، مما يولد بداخله رغبة ملحة في الثأر واستعادة الكرامة المهدورة، فتتحول قضيته الشخصية إلى شرارة انخراط في حركات المقاومة أو الجماعات المسلحة.

أما الآلية الفردية الثانية فهي “الانزلاق التدريجي” (Slippery Slope) أو ما يعرف بسيكولوجية التدرج والتواطؤ؛ فالأفراد نادراً ما يقفزون إلى مربع الإرهاب دفعة واحدة، بل يبدأون بخطوات صغيرة تبدو قانونية أو حميدة، كتوزيع منشورات أو حضور حلقات نقاش، ثم دفع تبرعات مالية، ثم إخفاء أسلحة، ومع كل خطوة يغير الفرد بوصلته الإدراكية لتقليل التنافر المعرفي وتبرير التزامه المتزايد، حتى يجد نفسه منغمساً في نشاط قتالي كامل لا يستطيع التراجع عنه. والآلية الثالثة هي “البحث عن المعنى والمكانة والارتباط”؛ فالكثير من الشباب الذين يعانون من تهميش وجودي وغياب الهدف في حياتهم يجدون في الانخراط الراديكالي فرصة للبطولة، ولعب دور تاريخي، والحصول على تقدير أخوي عميق لا توفره لهم بيئاتهم الأصلية.

تتمثل الآلية الفردية الرابعة في “المظالم النيابية” (Vicarious Grievance) والتعاطف الأخلاقي؛ وفيها لا يكون الفرد نفسه ضحية مباشرة للظلم، بل يشهد معاناة جماعته المرجعية أو إخوانه في الدين أو العرق عبر الشاشات ووسائل الإعلام، وتولد هذه المشاهد ألماً عاطفياً مبرحاً وغضباً أخلاقياً يدفعه للتطوع والقتال دفاعاً عنهم، مدفوعاً بغيرية شديدة واستعداد للتضحية من أجل رفع الظلم عن جماعته، وهو المسار الذي يفسر انضمام الآلاف من المقاتلين الأجانب إلى صراعات مسلحة تدور في بلدان لم يزوروها من قبل ولا يرتبطون بها بمصالح مادية مباشرة.

5.2 آليات التطرف على مستوى الجماعة

ينتقل النموذج في مستواه الثاني إلى تشريح آليات التطرف على مستوى الجماعة، حيث تصبح ديناميكية التفاعل البيني داخل الخلية هي المولد الرئيسي للراديكالية. تبرز هنا آلية “الاستقطاب الجماعي” (Group Polarization) في البيئات المغلقة، والتي سبق لماكولي دراستها تجريبياً؛ فعندما تنعزل المجموعة عن بقية المجتمع، وتتحاور فقط مع من يشاطرونها الرأي، تتصاعد وتيرة التطرف الفكري ويتلاشى الشك، ويصبح الصوت الأكثر تشدداً هو الأكثر حظوة بالاحترام والقيادة، مما يدفع المجموعة ككل إلى تبني حلول صدامية تتجاوز ما كان يطمح إليه أفرادها في البداية.

الآلية الجماعية التالية هي “العزلة وضغط التوافق” داخل الخلايا السرية؛ فالجماعات الإرهابية تحت الأرض تضطر للعيش في الخفاء تجنباً للملاحقة الأمنية، وهذا الانفصال الجسدي والاجتماعي عن الأسرة والمجتمع والواقع الخارجي يجعل الخلية هي العالم الوحيد للعضو، ويتحول ضغط الإجماع ورغبة الحفاظ على حب الرفاق إلى قوة قاهرة تمنع أي تساؤل نقدي. تتداخل هذه الديناميكية مع آلية “التنافس البيني” (Intergroup Competition) بين الفصائل المتطرفة المتشابهة؛ حيث تسعى كل حركة للمزايدة على الحركات الأخرى لإثبات أنها الأكثر التزاماً بالقضية والأجدر بالدعم والتمويل، مما يشعل سباقاً محموماً نحو شن هجمات أكثر دموية وإثارة للرأي العام.

أما الآلية الجماعية الرابعة فهي “تأثير الرفاق وشبكات الصداقة والقرابة”؛ حيث أثبتت أبحاث ماكولي أن الانضمام للجماعات الراديكالية نادراً ما يكون نتاج قراءة منفردة للكتب الفكرية، بل يتم في الغالب عبر شبكات العلائق الاجتماعية القائمة كالأصدقاء، وزملاء الملاعب، والأقارب. يسحب الصديق صديقه نحو الخلية بدافع الحب والمشاركة والوفاء المشترك؛ وبذلك يصبح التماسك الاجتماعي والعاطفي الصغير هو الحزام الناقل الذي يحول الأفراد إلى مقاتلين لحماية رفاقهم قبل أي اعتبار أيديولوجي مجرد.

5.3 آليات التطرف على المستوى الجماهيري والمجتمعي

يتوج ماكولي نموذجه بالمستوى الثالث الذي يرصد آليات التطرف على المستوى الجماهيري والمجتمعي، حيث تتدخل قوى أوسع تؤثر في الملايين في أوقات الأزمات الكبرى. تتصدر هذا المستوى آلية “ردود الفعل المفرطة للسلطات” (Jiu-jitsu Politics)؛ فعندما ترد الدولة على هجمات محدودة بإجراءات قمعية عشوائية، أو عقوبات جماعية، أو اعتقالات تعسفية تمس مجتمعاً عريضاً، فإنها تحقق دون قصد هدف الإرهابيين الأكبر؛ إذ تدفع قطاعات واسعة من المواطنين العاديين والمحايدين إلى الشعور بالتهديد المشترك، وترمي بهم مباشرة في أحضان الجماعات المتطرفة بوصفها المدافع الوحيد عنهم.

تتمثل الآلية المجتمعية الثانية في “تأطير الشهادة والتضحية بالذات”؛ حيث تحول الحركات الراديكالية قتلاها وأسراها إلى أيقونات مقدسة ورموز للمقاومة عبر الملاحم والقصائد ومقاطع الفيديو، وتولد طقوس تمجيد الشهداء ضغطاً معنوياً هائلاً على الجماهير، وتجعل التراجع أو التخاذل خيانة لدماء الضحايا، مما يسهم في تعبئة أجيال جديدة مستعدة لتقديم التضحيات نفسها استجابة للنداء الرمزي الخالد للجماعة.

أما الآليتان الأخيرتان فهما “الكراهية المعممة ونزع الإنسانية” المتبادلة عبر وسائل الإعلام والخطابات الشعبوية، حيث يُصور الصراع على أنه معركة بقاء صفرية بين قوى الخير المطلق والشر المطلق، وتآكل مساحات الهوية المتعددة لصالح “انقسام ثقافي حاد” يقسم المجتمع أو العالم إلى معسكرين لا ثالث لهما: “إما معنا أو ضدنا”. يمهد هذا الاستقطاب الثقافي الشامل التربة النفسية لتقبل العنف الواسع والحروب الأهلية باعتبارها قدراً لا مفر منه لحماية الهوية والوجود.

6. نموذج الهرمين للتطرف: التمييز الحاسم بين الرأي والفعل

6.1 بنية هرم الرأي وتدرجات التوجهات الفكرية

سعياً لفض الاشتباك المفاهيمي الشائع في الأوساط الأمنية والإعلامية، صاغ كلارك ماكولي وصوفيا موسكالينكو نموذجاً إرشادياً رائداً عُرف بـ نموذج الهرمين للتطرف (The Two Pyramids Model)، يفرق بصورة قاطعة بين عالم الأفكار وعالم السلوك. يمثل الهرم الأول “هرم الرأي” (The Opinion Pyramid)، وهو بناء طبقي يصف التدرج الفكري للأفراد حيال قضية أو صراع سياسي أو أيديولوجي معين. يقبع في قاعدة هذا الهرم السواد الأعظم من الأفراد، وهم “المحايدون” أو غير المكترثين الذين لا يحملون أي اهتمام سياسي بالقضية ولا يعنيهم مسارها.

في المستوى الثاني من هرم الرأي، يوجد “المتعاطفون” (Sympathizers)، وهم أفراد يؤيدون القضية من الناحية المبدئية ويشعرون بالحزن لمظالمها، لكنهم لا يدعون للعنف بأي شكل. يعلوهم في المستوى الثالث “المبررون” (Justifiers)، وهم شريحة فكرية أكثر تشدداً ترى أن اللجوء إلى العنف في ظروف معينة قد يكون عملاً مبرراً أو مفهوماً رداً على ظلم أكبر، ومع ذلك فإنهم لا يملكون حماساً للمشاركة فيه بأنفسهم ولا يرون في حمله واجباً حتمياً على كل فرد.

أما قمة هرم الرأي، فتحتلها فئة صغيرة للغاية تتشكل من أولئك الذين يحملون قناعة جازمة بـ “الواجب الأخلاقي للقتال”؛ حيث يؤمن هؤلاء إيماناً عقائدياً لا يتزعزع بأن الجهاد المسلح، أو الثورة العنيفة، أو العمل الراديكالي المباشر هو التزام أخلاقي وديني أو أيديولوجي ملزم يجب النزول إليه فوراً. تتدرج هذه المستويات الفكرية في الاتساع، حيث تكون القاعدة عريضة جداً بينما تضيق القمة لتشمل نخبة مؤدلجة ضئيلة العدد ولكنها شديدة الصوت والأثر الرمزي.

6.2 بنية هرم الفعل وتصاعد النشاط السلوكي

بموازاة هرم الرأي، شيد ماكولي “هرم الفعل” (The Action Pyramid)، وهو هيكل مستقل تماماً يرصد التدرج في السلوك المادي الفعلي للأفراد، بصرف النظر عن مبرراتهم الفكرية. تشتمل قاعدة هرم الفعل على الغالبية الساحقة من المواطنين، وهم “الخاملون” أو “الملتزمون بالقانون” الذين يمارسون حياتهم الطبيعية ولا ينخرطون في أي نشاط سياسي أو احتجاجي، مكتفين بالانصياع للأعراف العامة وتجنب المشاكل مع السلطات أو المجتمع المحيط.

يعلو القاعدة مستوى “الناشطين السياسيين” (Activists)، وهم أفراد يكرسون أوقاتهم وجهودهم للدفاع عن قضاياهم عبر الوسائل المشروعة والقانونية المعترف بها؛ مثل تنظيم المسيرات السلمية، وجمع التبرعات، وتوقيع العرائض، والانخراط في حملات الضغط الانتخابي والحوار المدني. يعبر هذا المستوى عن حيوية المجتمع المدني وقدرته على استيعاب الغضب وتحويله إلى فعل ديمقراطي بنّاء لا يخرق القانون ولا يهدد السلامة العامة للمواطنين.

تصل الأمور إلى مرحلة الخطر في المستويات العليا لهرم الفعل؛ حيث يضم المستوى قبل الأخير “المتطرفين الراديكاليين” الذين يمارسون أفعالاً تخرق القانون بصورة غير عنيفة، كالعصيان المدني الراديكالي، أو احتلال المباني، أو التخريب المادي المحدود، بينما تتربع على قمة الهرم الضيقة فئة “الإرهابيين والمتطرفين العنيفين” (Violent Extremists). هذه الفئة القليلة هي التي تعبر خط اللاعودة لتمارس العنف المميت، والتفجيرات، والاغتيالات، مستهدفة تدمير الأرواح وتفكيك مؤسسات الدولة لتحقيق مآربها بقوة السلاح.

6.3 الفجوة بين الاعتقاد والسلوك وأثرها على السياسات الأمنية

تكمن العبقرية المنهجية في نموذج الهرمين لماكولي في إثباته التجريبي لوجود فجوة هائلة وانفصال وظيفي بين هرم الرأي وهرم الفعل؛ فالموقع على هرم الرأي لا يتنبأ بالضرورة بالموقع على هرم الفعل. أظهرت بيانات ماكولي أن الغالبية الساحقة (التي قد تتجاوز 99%) من الأفراد الذين يحتلون قمة هرم الرأي—أي أولئك الذين يتبنون أفكاراً راديكالية متطرفة ويبررون الإرهاب نظرياً—لا يمارسون العنف المادي مطلقاً ولا يرتكبون أي جرم جنائي، بل يعيشون ويموتون في قاع هرم الفعل الملتزم بالقانون دون أن يطلقوا رصاصة واحدة.

والأمر الأكثر إثارة للدهشة، والذي غفلت عنه العديد من الأجهزة الاستخباراتية، هو أن الأفراد الذين يرتكبون العمليات الإرهابية العنيفة ويحتلون قمة هرم الفعل لا ينحدرون بالضرورة من قمة هرم الرأي؛ فالكثير من منفذي الهجمات الانتحارية ومقاتلي التنظيمات المسلحة يملكون معرفة دينية أو أيديولوجية ضحلة للغاية، ولم يمروا بسنوات من التلقين الفكري الراديكالي، بل تم دفعهم مباشرة نحو قمة هرم الفعل عبر ديناميكيات جماعية، كالمظالم الشخصية، أو إغواء الصداقة والقرابة، أو الرغبة في التكفير السريع عن ماضٍ إجرامي عبر عمل بطولي متخيل.

نسف هذا الكشف الأساس النظري للعديد من السياسات الأمنية الوقائية الغربية والمحلية، والتي ركزت جهودها وأموالها الهائلة على “مراقبة الأفكار” ومعاقبة الخطاب الراديكالي غير العنيف، ظناً منها أن مجرد اعتناق الفكر المتطرف هو السلالم الحتمية المؤدية للإرهاب. حذر ماكولي من أن هذا الخلط لا يعد انتهاكاً للحريات الفردية فحسب، بل هو فشل أمني ذريع؛ لأنه يهدر الموارد في ملاحقة ملايين من أصحاب الآراء الصاخبة السلميين، ويعمي العيون عن رصد المحفزات الاجتماعية والشخصية التي تدفع قلة نادرة ومباغتة نحو قمة هرم الفعل المميت.

7. مفهوم الاحتكاك وسيكولوجية الصراع التفاعلي

7.1 التفاعل الديناميكي بين الدولة والجماعات المتطرفة

أدخل كلارك ماكولي في أدبيات الصراع مفهوماً سيكولوجياً واستراتيجياً محورياً أطلق عليه اسم الاحتكاك (Friction)، مستعيراً المصطلح من العلوم الفيزيائية والعسكرية لوصف التفاعل التصادمي المستمر بين الدولة وأجهزتها الأمنية من جهة، والجماعات المعارضة والمتطرفة من جهة أخرى. يرى ماكولي أن التطرف ليس صفة جامدة تتولد ذاتياً في عقول الأفراد بمعزل عن الواقع، بل هو ظاهرة علائقية ناشئة وحرارة سيكولوجية ملتهبة تتولد بفعل “الاحتكاك المتبادل” وحركات الفعل ورد الفعل المتصاعدة بين الخصوم.

أوضح ماكولي كيف تتبنى الجماعات الراديكالية الضعيفة عسكرياً استراتيجية صريحة لافتعال الاحتكاك؛ فهي تنفذ هجمات استفزازية تهدف بالدرجة الأولى إلى إحراج الدولة وكشف عجزها الأمني أمام مواطنيها، مما يوقع الحكومات في فخ الغضب والاستعراض السياسي. تندفع السلطات حينها لشن حملات أمنية واسعة النطاق وقاسية دون تمييز دقيق، وهو ما يولد احتكاكاً هائلاً مع المجتمعات المحلية الحاضنة، مما يحقق خطة المتطرفين في تعميق الشقاق بين الشعب والنظام السياسي.

بينت تحليلات ماكولي التاريخية أن الإجراءات القمعية العشوائية التي تطبقها الدول تمنح الجماعات المتطرفة أعظم هدية تجنيدية يمكن تخيلها؛ فعندما يتعرض المواطن العادي للتوقيف المذل أو تفتيش منزله أو انتهاك حقوقه لمجرد انتمائه لفئة دينية أو إثنية معينة، تتآكل شرعية الدولة في نظره بصورة دراماتيكية. يتحول هذا الاحتكاك اليومي المؤلم إلى وقود نفسي يدفع المتعاطفين السلميين للتحرك من مربع الحياد نحو مربعات التمرد وتقديم الدعم اللوجستي للمتطرفين كنوع من الدفاع المشروع عن النفس.

7.2 الاستقطاب التفاعلي بين أطياف المجتمع المختلفة

لا يقتصر مفهوم الاحتكاك لدى ماكولي على العلاقة بين الدولة والمعارضة، بل يمتد ليفسر ظاهرة بالغة الخطورة هي “الاستقطاب التفاعلي” أو التطرف المتبادل (Reciprocal Radicalization) بين أطياف المجتمع وقواه الأيديولوجية المتنافسة. تتجلى هذه الآلية بوضوح في الصراع الصاعد بين جماعات اليمين المتطرف الشعبوي وجماعات اليسار الراديكالي في الديمقراطيات الغربية، أو بين التيارات الطائفية والإثنية المتناحرة في الدول الهشة؛ حيث يغذي تطرف كل طرف مخاوف الطرف الآخر ويدفعه نحو مزيد من التشدد.

أظهرت أبحاث ماكولي أن الجماعات المتطرفة على طرفي النقيض الأيديولوجي تعمل كحلفاء غير معلنين في تدمير الوسطية والاعتدال؛ فكل عملية إرهابية ينفذها فصيل متطرف تصبح دليلاً قاطعاً يقدمه المتطرفون في الجبهة المقابلة لجمهورهم لإثبات أن “الآخر خطر وجودي لا يمكن التعايش معه”. يؤدي هذا السجال التصاعدي إلى تآكل مساحات العقلانية والحوار الوسطي، ويجعل كل صوت يدعو للتهدئة يبدو في أعين جماعته متخاذلاً أو خائناً أمام العدوان المتربص، مما يقود إلى تمزيق النسيج الاجتماعي من المنتصف.

أفرد ماكولي اهتماماً خاصاً لدور وسائل الإعلام الحديثة وغرف الصدى الرقمية في تسريع وتيرة هذا الاحتكاك وتضخيمه؛ حيث تعمل الخوارزميات على تصعيد المحتوى الأكثر إثارة للغضب والاستفزاز، مما يجعل الأفراد يشهدون احتكاكاً رمزياً متواصلاً على مدار الساعة. يتحول الفضاء العام إلى ساحة حرب افتراضية دائمة تعيد إنتاج الهويات المغلقة، وتكرس العداء النفسي، وتخلق إحساساً زائفاً بأن المجتمع يقف على حافة حرب أهلية وشيكة، مما يهيئ النفوس لتحويل الصدام الرمزي إلى عنف مادي على أرض الواقع.

7.3 الآثار النفسية طويلة المدى لبيئات الصراع المستمر

درس كلارك ماكولي الآثار النفسية التراكمية التي تخلفها بيئات النزاع الممتد والاحتكاك المزمن على الوعي الجمعي للأجيال المتعاقبة. وأكد أن المجتمعات التي تعيش تحت وطأة التهديد الأمني المستمر تتجذر داخلها ما يسمى بـ “عقلية الحصار” (Siege Mentality)؛ وهي حالة معرفية ووجدانية تصبح فيها الشكوك المفرطة والبارانويا الجمعية فضيلة أمنية ضرورية للبقاء، حيث يُفسر أي سلوك أو تصريح صادر عن الطرف الآخر—حتى لو كان بادرة حسن نية—على أنه مؤامرة خبيثة تهدف إلى الإيقاع بالجماعة وتدميرها.

تطرق ماكولي إلى ظاهرة “توارث الصدمات النفسية الجمعية” (Transgenerational Trauma) وتأصيل سرديات المظلومية التاريخية؛ فالشعوب المنخرطة في صراعات ممتدة تقوم بإعادة إنتاج مآسيها وهزائمها الماضية في مناهجها الدراسية، وطقوسها الدينية، وفنونها، مما يبقي جراح الماضي حية وطازجة في وجدان الأبناء والأحفاد. يتحول الألم التاريخي إلى ركيزة أساسية لتعريف الهوية القومية أو الدينية، وتصبح التضحية والقتال ضد العدو التقليدي ديناً مقدساً ووفاءً لأرواح الأجداد، مما يغلق الباب أمام أي تسويات سياسية تاريخية تتطلب تنازلات مؤلمة.

حذر ماكولي من أن تفكيك هذا النمط من الصراعات المستحكمة يعد من أصعب المهام الإنسانية بسبب تآكل وتدمير شبكات التواصل والروابط المشتركة عبر عقود من الاحتكاك الدموي؛ فغياب الثقة يصبح مطلقاً، وتنهار الجسور الإنسانية البسيطة التي يمكن أن تجمع بين الخصوم. لذلك يؤكد أن أي مبادرات سلام تقتصر على الحلول التقنية أو اقتسام السلطة السياسية دون معالجة الجذور السيكولوجية للمظلومية المتوارثة وكسر دورات الانتقام النفسي ستظل هشة ومحكومة بالانهيار عند أول اختبار احتكاك حقيقي.

8. المقارنة السيكولوجية بين حوادث إطلاق النار العشوائي والإرهاب

8.1 نقاط الالتقاء في المظالم الشخصية والعزلة الاجتماعية

قدم كلارك ماكولي إسهاماً علمياً فريداً ومتقدماً عبر مقارنته السيكولوجية الدقيقة بين فئتين من مرتكبي العنف الجماهيري الفتاك: منفذي حوادث إطلاق النار العشوائي (Mass Shooters) ومنفذي العمليات الإرهابية السياسية. كشف ماكولي أن هاتين الفئتين، رغم التباين الظاهري في الدوافع المعلنة، تشتركان في العديد من الجذور والمسارات النفسية التأسيسية؛ وفي مقدمتها تجربة الإحباط الوجودي الحاد والشعور العميق باضطهاد المجتمع والمحيط القريب لهما، وتراكم مرارات الخذلان التي تتحول إلى غضب دفين يبحث عن مخرج عنيف.

أبرزت أبحاث ماكولي أن كلاً من مطلقي النار والإرهابيين المنفردين يعانون في الغالب من عزلة اجتماعية مزمنة، وتفكك في شبكات الدعم الأسري والعلائقي، مما يحرمهم من التغذية الراجعة الطبيعية التي تعدل السلوك وتكبح جماح الأفكار السوداوية. يشعر هؤلاء الأفراد بأنهم “غير مرئيين” للمجتمع ومجردون من القيمة والتأثير، ومن هنا يتحول العنف الجماهيري في مخيلتهم إلى المنصة الكبرى والوحيدة القادرة على فرض حضورهم، وإجبار العالم بأسره على الالتفات إليهم، واستعادة كبريائهم عبر بث الرعب والانتقام من مجتمع يرونه مسؤولاً عن شقائهم وعزلتهم.

كما رصد ماكولي تشابهاً مذهلاً في المراحل العملياتية والتخطيطية التي تسبق التنفيذ لدى الطرفين؛ فكلاهما يمر بما يسمى “فترة التخمر” (Leakage and Ideation)، حيث يقضيان أشهراً وربما سنوات في الهوس بالسلاح، ورسم السيناريوهات، وجمع العتاد، ومسح المواقع المستهدفة. والأهم من ذلك هو الحرص المشترك على كتابة ونشر “البيانات الختامية” (Manifestos) وتسجيل مقاطع الفيديو المصورة قبل الهجوم مباشرة، وهي وثائق نفسية يهدف من ورائها الجاني إلى تأطير جريمته وتبريرها أخلاقياً، وتقديم نفسه للمستقبل بوصفه مقاتلاً أو شهيداً أو حكماً عادلاً ينفذ القصاص وليس مجرد قاتل مأجور أو مجرم مضطرب.

8.2 الفروق الجوهرية في البعد الأيديولوجي والجمهور المستهدف

رغم نقاط الالتقاء السيكولوجية السابقة، وضع ماكولي خطوطاً فاصلة وحاسمة توضح الفروق البنيوية العميقة بين مطلق النار العشوائي والإرهابي السياسي. يتمثل الفرق الجوهري الأول في البعد الأيديولوجي؛ فالإرهابي يرى نفسه دائماً جندياً منضبطاً في حركة جماعية كبرى، ويقاتل باسم عقيدة دينية، أو مذهب سياسي، أو قضية تحررية تتجاوز ذاته الفردية، ويسعى بوعي كامل إلى تفكيك النظام الحاكم وتغيير السياسات العامة وإعادة هندسة المجتمع وفق رؤيته الأيديولوجية؛ ولذلك فإن سلوكه يظل محكوماً، إلى حد ما، بمنطق سياسي ومحاسبة رمزية من جماعته المرجعية.

في المقابل، أوضح ماكولي أن غالبية مرتكبي إطلاق النار العشوائي يفتقرون إلى مشروع أيديولوجي متماسك؛ فدوافعهم نابعة من ثأر شخصي نفسي شديد التمركز حول الذات، وعداء معمم ضد زملائهم في المدارس، أو بيئات العمل، أو مجرد حقد كاسح على البشرية جمعاء (Misanthropy). وحتى عندما يستعير بعض مطلقي النار شعارات سياسية أو يمينية معاصرة في بياناتهم، فإن أبحاث ماكولي تشير إلى أن هذه الشعارات غالباً ما تكون مجرد “قشرة تبريرية جاهزة” تم اقتباسها من الإنترنت لإسباغ عظمة زائفة على رغبة تدميرية شخصية تفتقر لأي حس بالمسؤولية السياسية أو النضال الحقيقي.

ينعكس هذا التمايز بوضوح على طبيعة الضحايا والرسائل الرمزية الموجهة؛ فالإرهابي ينتقي أهدافه بدقة لتمثيل الدولة أو الخصم العقائدي (كالمقرات العسكرية، والرموز الحكومية، ودور العبادة المستهدفة)، وتكون رسالته موجهة لصناع القرار لإكراههم سياسياً. أما مطلق النار العشوائي فيستهدف أي تجمع بشري متاح وسهل الهجوم (كالمدارس، ودور السينما، والمراكز التجارية)، ورسالته ليست موجهة للدولة للتفاوض، بل هي صرخة انتقام عدمية ودموية موجهة للعالم بأسره، تنتهي في معظم الأحيان بانتحار المنفذ داخل مسرح الجريمة رافضاً أي أفق للحياة أو البقاء لمواجهة التبعات.

8.3 التغطية الإعلامية والعدوى السلوكية للجرائم العنيفة

تصدى كلارك ماكولي لتحليل الأثر الكارثي للتعاطي الإعلامي التجاري مع حوادث القتل الجماعي والإرهاب، مبرهناً على وجود ما يعرف بـ العدوى السلوكية (Behavioral Contagion) التي تحفز ظهور جرائم تقليد لاحقة (Copycat Crimes). أثبت ماكولي أن الهوس الإعلامي بنشر صور القتلة، وبث تفاصيل بياناتهم الشخصية، ومتابعة سجلات حياتهم على مدار الساعة بدافع الإثارة وجلب المشاهدات، يمنح هؤلاء الأفراد ما كانوا يبحثون عنه بيأس طوال حياتهم: “الشهرة العالمية والخلود الرمزي”، وهي مكافأة نفسية تدفع أفراداً آخرين يعيشون على حافة الهاوية السيكولوجية إلى تقليد السيناريو لنيل المجد التراجيدي ذاته.

بين ماكولي أن الفضاء الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي الحديثة شكلت حاضنة تسرع انتقال هذه العدوى عبر القارات في ثوانٍ معدودة؛ حيث تتبادل المنتديات المغمورة التكتيكات العملياتية، وتتنافس في الاحتفاء بالقتلة وتصميم “أيقونات بصرية” تخلدهم كأبطال ملهمين. يدرس الشاب المنعزل تفاصيل مجازر كولومباين أو كرايستشيرش بافتتان مريض، محاولاً تجاوز أرقام الضحايا السابقة لتسجيل رقم قياسي جديد يضمن له الصدارة في لوائح الشرف الدموية الافتراضية، وهو ما يحول العنف إلى ما يشبه لعبة حاسوبية قاتلة ومنفصلة عن الواقع الإنساني.

انطلاقاً من هذه المعطيات العلمية الصادمة، صاغ ماكولي دليلاً ومجموعة من التوصيات الأخلاقية الموجهة لوسائل الإعلام وصناع القرار للحد من بريق هذه الأفعال. شدد على ضرورة تبني بروتوكول صارم يمتنع عن نشر صور المنفذين وأسمائهم وبياناتهم التبريرية، والتركيز بدلاً من ذلك على تخليد سير الضحايا وبطولات المستجيبين الأوائل من مسعفين ورجال أمن، وتصوير القاتل كفرد مهزوم وجبان نال عقابه المحتوم بدلاً من تصويره كشخصية غامضة ومثيرة للاهتمام، معتبراً أن الحرمان من الشهرة هو السلاح الوقائي الأمضى لكسر سلاسل العدوى القاتلة.

9. التعاون البحثي مع صوفيا موسكالينكو والمؤلفات المشتركة

9.1 تحليل كتاب ‘الاحتكاك: كيف يحدث التطرف لنا ولهم’

أثمر التحالف الأكاديمي والفكري الاستثنائي بين كلارك ماكولي وعالمة النفس والباحثة صوفيا موسكالينكو (Sophia Moskalenko) عن صدور مؤلفهما التأسيسي المشترك عام 2011 بعنوان: الاحتكاك: كيف يحدث التطرف لنا ولهم (Friction: How Radicalization Happens to Them and Us). شكل هذا الكتاب اختراقاً معرفياً هائلاً في حقل دراسات الصراع؛ حيث تمحورت أطروحته المركزية حول البرهنة على أن آليات التطرف ليست “خللاً باثولوجياً يصيب الآخرين الأعداء”، بل هي قوانين نفسية وسلوكية عالمية تنطبق على الجميع على حد سواء—”علينا نحن” في المجتمعات الغربية والدول الديمقراطية، تماماً كما تنطبق على “أولئك الخصوم” في الشرق أو في المعسكرات المناوئة.

قام المؤلفان في هذا العمل بتفكيك دقيق للآليات الاثنتي عشرة للتطرف عبر سرد دراسات حالة تاريخية ومعاصرة بالغة الثراء والتنوع؛ حيث فحصا مسارات حركات متباينة الأيديولوجيات والأهداف مثل: تنظيم القاعدة، ومقاتلي حركة التحرير الروسية (نارودنايا فوليا) في القرن التاسع عشر، وحركات الطلاب الراديكاليين في أمريكا الستينيات (Weather Underground)، والجيش الجمهوري الأيرلندي، والمستوطنين المتطرفين، وجماعات النازية الجديدة. أكدت هذه المقارنات التاريخية الفذة أن العوامل المحركة للتطرف السلوكي—كالولاء للرفاق والشعور بالمظلومية والانزلاق التدريجي—تتطابق بصورة مذهلة عبر الثقافات والعصور بصرف النظر عن الراية المرفوعة.

تميز الكتاب بنبرة إنسانية وأخلاقية صارمة تحذر من الانجراف وراء التبرير الأخلاقي الذاتي للدول والحكومات الغربية؛ حيث كشف ماكولي وموسكالينكو كيف تقع الدول الديمقراطية، بدوافع الخوف وحماية الأمن، في فخ ردود الفعل المفرطة وتتبنى سياسات تطرفية وقوانين استثنائية تنتهك حقوق الإنسان وتقوض قيمها الدستورية ذاتها. أحدث كتاب “الاحتكاك” صدى واسعاً في الأوساط الأكاديمية والسياسية، وحاز إشادات واسعة لقدرته الفائقة على الجمع بين العمق التحليلي الرصين والأسلوب السردي السلس الذي يقدم تشريحاً صادقاً ومجرداً لطبيعة الضعف البشري في مواجهة الاستقطاب السياسي.

9.2 دراسة كتاب ‘التطرف نحو الإرهاب: ما يحتاج الجميع لمعرفته’

واستكمالاً لجهودهما في ترويض التعقيد الأكاديمي لخدمة المجتمع، أصدر ماكولي وموسكالينكو كتابهما المرجعي الآخر: التطرف نحو الإرهاب: ما يحتاج الجميع لمعرفته (Radicalization to Terrorism: What Everyone Needs to Know)، والصادر عن دار نشر جامعة أكسفورد. تميز هذا العمل بصياغته في قالب أسئلة وأجوبة مباشرة وشاملة، مستهدفاً سد الفجوة بين المعرفة السيكولوجية المتقدمة وصناع السياسات الأمنية، والدبلوماسيين، والإعلاميين، والمعلمين، وعامة القراء الباحثين عن إجابات علمية رصينة بعيداً عن البروباغندا والهيستيريا السياسية السائدة.

قدم الكتاب إجابات سيكولوجية قائمة على الأدلة الإمبيريقية لأبرز التساؤلات المؤرقة للرأي العام: من ينضم للجماعات الإرهابية ولماذا؟ هل الإنترنت هو الملوم الأول في نشر التطرف؟ ما دور المرأة في الحركات العنيفة؟ وكيف يمكن التنبؤ بالذئاب المنفردة؟ دحض المؤلفان في كل إجابة الأساطير الشائعة، مؤكدين عبر البيانات أن التطرف ليس حكراً على شريحة عمرية أو طبقة اقتصادية أو ملة دينية معينة، بل هو نتاج لتقاطع مسارات فردية وبيئات اجتماعية محتقنة تصنع الظرف المواتي للانفجار العنيف.

كما أفرد الكتاب مساحة عملية موسعة لرسم مسارات وتوصيات واضحة ومحددة للوقاية الأسرية والمجتمعية من الانزلاق الراديكالي؛ حيث شدد المؤلفان على الدور المحوري للأسرة والمدارس والنوادي المحلية في رصد علامات الانعزال والضيق النفسي لدى المراهقين قبل استغلالها من قبل المجندين المتطرفين. أوضح الكتاب أن الاستماع الفعال للشباب، وفتح نوافذ للحوار السياسي الشجاع، وتنمية مهارات التفكير النقدي وتفكيك خطابات الكراهية، يمثل حائط الصد الأكثر نجاعة لتحصين الأجيال الصاعدة وتجنيبهم الوقوع فريسة للأيديولوجيات المدمرة.

9.3 التكامل المنهجي بين علم النفس الاجتماعي وعلم النفس المعرفي

عكست الشراكة البحثية الطويلة بين كلارك ماكولي وصوفيا موسكالينكو نموذجاً نادراً للتكامل المنهجي بين تيارين رئيسيين في العلوم السلوكية: علم النفس الاجتماعي بديناميكياته الجمعية المعقدة، وعلم النفس المعرفي بتركيزه على معالجة المعلومات والتحيزات الفردية. نجح الباحثان في بناء جسر نظري يربط بين البنية الذهنية والوجدانية للفرد وطبيعة التفاعلات الرمزية والعلائقية التي تجري داخل الخلية والجماعة، متجاوزين الاختزال النفسي الفردي والتعميم الاجتماعي المجرد في آن واحد.

اعتمدت هذه الشراكة على منهجية بحثية هجينة ومبتكرة، جمعت بين التحليل الإحصائي الكمي للبيانات الكبيرة من جهة، والتحليل النوعي المعمق للمقابلات الحية، والسير الذاتية، ومذكرات العناصر السابقة في التنظيمات الراديكالية ومقاتلي الحروب الأهلية من جهة أخرى. هذا التمازج المنهجي أتاح لهما الدخول إلى “العوالم الداخلية” للفاعلين السياسيين وسماع أصواتهم ودوافعهم كما يعيشونها هم، ثم إخضاع تلك الشهادات الفردية للغربلة التجريبية والنماذج الإحصائية للتحقق من قابليتها للتعميم والتكرار العلمي الرصين.

توج هذا التكامل بتطوير أدوات بحثية ومقاييس استبيانية جديدة لقياس درجات الانتماء والاستعداد للتضحية من أجل الجماعات العنيفة، مثل “مقياس التطرف السياسي” (Radicalism and Activism Intent Scale – ARIS). شكلت هذه الأدوات إضافة فارقة لحقل القياس النفسي؛ حيث وفرت للباحثين حول العالم مقاييس كمية معيرة ومحققة علمياً، قادرة على رصد الفروق الدقيقة بين النوايا الناشطة السلمية والتوجهات الراديكالية الخطرة، مما رسخ مكانة ماكولي وموسكالينكو كرائدين صاغا معالم النموذج الإرشادي المعاصر في دراسات العنف السياسي.

10. استراتيجيات مكافحة التطرف ونزع السلاح الأيديولوجي

10.1 التركيز على فك الارتباط السلوكي بدلاً من نزع المعتقدات

قاد كلارك ماكولي ثورة مفاهيمية وإجرائية في فلسفة تصميم برامج مكافحة التطرف (CVE) عبر تشديده الصارم على ضرورة التمييز بين مفهومين غالباً ما يخلط بينهما صانعو السياسات: فك الارتباط السلوكي (Disengagement) ونزع المعتقدات الأيديولوجية (Deradicalization). جادل ماكولي بأن الهدف العملي والأمني الأساسي والملح للدولة والمجتمع يجب أن ينصب بالكامل على “فك الارتباط السلوكي”؛ أي ضمان توقف الفرد عن ممارسة العنف المادي، وقطع صلاته العملياتية بالشبكات الإرهابية، والتزامه التام بعدم خرق القوانين الوطنية، بصرف النظر عما يعتمل في عقله من أفكار سياسية أو دينية متشددة.

علل ماكولي هذه الأولوية بالإشارة إلى الصعوبة النفسية والفلسفية الهائلة، وربما الاستحالة العملية، لتفكيك العقائد الفكرية الراسخة وتغيير القناعات الدينية والسياسية للأفراد؛ فمحاولات السلطات وأجهزتها الأمنية غسيل أدمغة المتطرفين أو إجبارهم على تبني أفكار ليبرالية معتدلة غالباً ما تأتي بنتائج عكسية، حيث يستشعر الفرد محاولة اغتصاب لهويته وكرامته الرمزية، فيتشبث بأفكاره بقوة أكبر ويدخل في حالة عناد معرفي ودفاع نفسي شرس ضد برامج الدولة التي يراها مشبوهة وزائفة.

في المقابل، أكد ماكولي نجاعة برامج فك الارتباط السلوكي التي تركز على البيئة المحيطة والبدائل الحياتية بدلاً من السجال الفكري؛ حيث أثبتت التجارب الدولية الناجحة أن توفير الدعم المهني والوظيفي، وتأمين الاندماج الأسري السليم، وخلق شبكات صداقة جديدة، وإبعاد الفرد عن البيئات المحتقنة التي غذت تطرفه، تقود تلقائياً إلى خمود سلوكه العنيف. ومع مرور الوقت وعودته للحياة اليومية الطبيعية، تبدأ الأفكار الراديكالية بالتآكل الذاتي والتحول إلى قناعات نظرية خاملة تفقد بريقها وقدرتها على دفع الفرد للتضحية بحياته ومستقبله.

10.2 بناء المناعة النفسية والمجتمعية ضد التجنيد

تبنى كلارك ماكولي رؤية وقائية متقدمة ترى أن مكافحة الإرهاب الحقيقية لا تبدأ في غرف التحقيق أو على جبهات القتال، بل تنطلق من المدارس والمنازل عبر “بناء المناعة النفسية والاجتماعية” للأفراد ضد الاستقطاب والتجنيد الراديكالي. شبه ماكولي الدعاية المتطرفة بالفيروسات البيولوجية؛ فبدلاً من انتظار إصابة الجسد ومحاولة علاجه بعد فوات الأوان، ينبغي حقن المجتمع بلقاحات فكرية ونفسية تحفز أجهزته المناعية الطبيعية على مقاومة الإغواء والخطابات التسميمية التي تبثها الجماعات العنيفة.

يتمثل هذا التحصين، في منظور ماكولي، في التطوير المبكر لمهارات التفكير النقدي لدى فئات اليافعين والشباب؛ بحيث يُدرب الطالب على تفكيك الحجج الأحادية، وفضح مغالطات التجريد من الإنسانية، والتساؤل حول الدوافع الخفية وراء التبسيط الشديد للقضايا المعقدة. كما حث ماكولي على تدريب الشباب على إدارة المشاعر السلبية ومقاومة ضغط الأقران داخل المجموعات المغلقة، وتجريد أساطير البطولة والتضحية الراديكالية من بريقها المضلل عبر إظهار الوجه البشع والدموي والمدمر للحروب الأهلية والعمليات الإرهابية على الضحايا والمجتمعات على حد سواء.

كما أكد ماكولي على أهمية تعزيز قنوات التعبير السياسي السلمي والمدني؛ فالمظالم الحقيقية لا ينبغي إنكارها أو قمع الحديث عنها، بل يجب توفير مساحات مؤسسية وقانونية تتيح للشباب الغاضبين الاحتجاج، والتعبير عن ألمهم، والضغط الديمقراطي لتغيير الواقع المرفوض. يرى ماكولي أن نشاط المجتمع المدني، والجمعيات الحقوقية، والمنظمات المحلية في معالجة الشكاوى الميدانية يمثل صمام الأمان الحقيقي الذي يحرم الجماعات المتطرفة من استغلال الغضب الشعبي ويقطع الطريق على محاولات تجنيد الأفراد ودفعهم نحو أزقة العنف السرية المظلمة.

10.3 إعادة التأهيل والإدماج وتقييم المخاطر الفردية

أولى ماكولي اهتماماً خاصاً لملف معقد وشديد الحساسية يتمثل في وضع معايير علمية دقيقة لإعادة تأهيل وإدماج الأفراد المنخرطين سابقاً في العنف السياسي، وخاصة المقاتلين العائدين من مناطق الصراع المسلح وأسرهم المحتجزة في المخيمات. حذر ماكولي من الاعتماد على التقييمات السطحية أو الأمنية المبنية على الانطباعات العامة، داعياً إلى تبني أدوات تقييم مخاطر سيكولوجية إمبيريقية متعددة الأبعاد (Multidimensional Risk Assessment) تقيس بدقة درجة فك الارتباط السلوكي الحقيقي، والجاهزية النفسية والاجتماعية للعودة إلى النسيج المدني.

سلط ماكولي الضوء على معضلة “الوصم المجتمعي” (Social Stigmatization) التي تواجه هؤلاء الأفراد بعد قضاء عقوباتهم القضائية أو إعادتهم لأوطانهم؛ حيث تقابلهم مجتمعاتهم بالرفض التام، والريبة، والحرمان من فرص العمل والسكن والاندماج. نبه ماكولي إلى أن نبذ العائدين والتضييق عليهم يخلق بيئة طاردة تزيد بشكل حاد من “مخاطر العود” (Recidivism)؛ إذ يجد الفرد نفسه محاصراً بالعزلة والاحتقار، مما يدفعه دفعاً للارتماء مجدداً في أحضان شبكاته المتطرفة القديمة بوصفها الجهة الوحيدة المستعدة لقبوله واحتضانه دون شروط مسبقة.

لذلك شدد ماكولي على حتمية مرافقة الإفراج والعودة بـ “برامج رعاية لاحقة” (Aftercare Programs) ودعم نفسي ومجتمعي ممتد يشارك فيه أخصائيون نفسيون، ومرشدون اجتماعيون، وزعماء محليون، وأفراد العائلة الموثوقون. تهدف هذه البرامج إلى توفير شبكة أمان عاطفية ولوجستية تعيد بناء الجسور الإنسانية المهدورة، وتوفر فرص تدريب وتأهيل حقيقية تمكن الفرد من صياغة هوية جديدة كعضو منتج ومسؤول في المجتمع، وهو ما يحقق الغاية الأسمى للعدالة التصالحية ويحمي أمن المجتمع واستقراره على المدى الطويل.

11. المناقشات النقدية والجدل الأكاديمي حول أطروحات ماكولي

11.1 الاعتراضات المنهجية على نموذج الهرمين

رغم الرواج الواسع والقبول الأكاديمي الكبير الذي حظي به “نموذج الهرمين للتطرف”، فإنه واجه عدداً من الاعتراضات والانتقادات المنهجية الرصينة من قبل باحثين في حقل دراسات الإرهاب والعلوم الاجتماعية. تمثلت أولى هذه الانتقادات في التشكيك في فرضية الطبيعة “الخطية والتراتبية” للنموذج؛ حيث رأى نقاد أن تدرج الأفراد عبر طبقات الهرم صعوداً أو هبوطاً يبدو نموذجاً مثالياً قد يعجز عن رصد التحولات المفاجئة والانعطافات غير المتوقعة (Discontinuous Shifts) التي يمر بها بعض الأفراد الذين يقفزون مباشرة من اللامبالاة إلى ممارسة عنف مميت في فترات زمنية وجيزة للغاية تحت وطأة صدمات حادة.

كما وجه بعض الباحثين لوماً لماكولي وموسكالينكو لتركيزهما المفرط على المتغيرات السيكولوجية والديناميكيات العلائقية المباشرة، مع “عزل وتهميش نسبي للعوامل الاقتصادية والهيكلية الكبرى”؛ مثل أزمات الفقر المدقع، والبطالة الهيكلية، والفساد السياسي المؤسسي، والتدخلات العسكرية الأجنبية الغاشمة. رأى هؤلاء النقاد أن النموذج يقارب التطرف أحياناً كأنه تفاعل معملي معزول بين الذوات، متناسياً أن المظالم الفردية والجماعية لا تنشأ في فراغ، بل تفرزها أنظمة اقتصادية وسياسية عالمية ومحلية ظالمة تمارس عنفاً بنيوياً لا يمكن إغفاله في أي معادلة تحليلية رصينة.

أثير نقاش علمي آخر حول مدى القدرة التنبؤية (Predictive Validity) لنموذج الهرمين في الرصد الاستباقي للهجمات الإرهابية الفردية والذئاب المنفردة؛ فبما أن النموذج يقر بأن الأغلبية الكاسحة من أصحاب الفكر المتطرف على قمة هرم الرأي مسالمون وسيبقون كذلك، فإنه يعترف ضمناً بعجزه عن تزويد الأجهزة المعنية بمعايير حاسمة تفصل بين تلك القلة النادرة التي ستنتقل فعلياً إلى قمة هرم الفعل وتلك الكثرة التي ستكتفي بالتنظير، مما يترك فجوة تنبؤية تحول النموذج إلى أداة تفسيرية بأثر رجعي بدلاً من كونه أداة إنذار مبكر حاسمة.

11.2 الجدل حول دور الأيديولوجيا في تفسير السلوك العنيف

فجر طرح كلارك ماكولي حول أسبقية العلاقات والروابط الاجتماعية وتأثير الرفاق على الأيديولوجيا خلافاً فكرياً حاداً مع تيار عريض من الباحثين المتخصصين في دراسات الحركات الراديكالية والجماعات الدينية المسلحة؛ وفي مقدمتهم باحثون يرون أن العقيدة الفكرية والدينية (Ideology/Theology) هي المحرك الأساسي والمغناطيس التوجيهي الأول الذي يشكل الوعي ويحدد شرعية الأهداف ويوجه بوصلة السلوك الدموي، متهمين ماكولي بالتقليل المخل من شأن النصوص والمفاهيم العقائدية التأسيسية التي تسكن عقول المتطرفين وتدفعهم للموت.

دافع ماكولي بقوة وصلابة عن موقفه المنهجي، مبيناً أن استقراء السير الذاتية ومسارات المقاتلين عبر التاريخ يثبت أن الأيديولوجيا نادراً ما تكون المحرك الأولي، بل هي في معظم الأحيان “تبرير سيكولوجي لاحق” (Post-hoc Rationalization) ومظلة لغوية ورمزية يتدثر بها الفرد لإضفاء معنى مقدس ونبل أخلاقي على نزعات شخصية وانفعالية ولدتها المظالم، وعلاقات الصداقة، والبحث عن المغامرة والمكانة. وشدد على أن التركيز المهووس على نصوص الكتب الفكرية يعمي الباحثين عن إدراك حقيقة أن الآلاف يقرأون النصوص ذاتها يومياً دون أن يمارسوا العنف، مما يؤكد أن السر الحاسم يكمن في السياق النفسي والاجتماعي للقارئ وليس في النص المجرد ذاته.

أفضى هذا السجال الخصب إلى إثراء الحقل المعرفي ودفع الباحثين نحو محاولات تركيبية توفيقية تسعى لإعادة التوازن المنهجي؛ حيث بات يُنظر إلى الأيديولوجيا اليوم ليس كمحدد أحادي للسلوك ولا كمجرد قناع سطحي فارغ، بل كـ “مصفوفة معرفية وثقافية” تتفاعل تفاعلاً ديناميكياً مع الحاجات النفسية الفردية والضغوط الجمعية، وتوفر البوصلة الرمزية واللغة المشتركة التي تعبئ تلك الدوافع الاجتماعية وترجمها إلى أهداف سياسية قابلة للتحقيق عبر الفعل المباشر.

11.3 الردود الأكاديمية والتطوير المستمر للنظريات

اتسمت شخصية كلارك ماكولي الأكاديمية بالمرونة المعرفية والانفتاح الصادق على نقد الأقران، وهو ما تجلى في حرصه المستمر على مراجعة نظرياته وتحديث أدواته القياسية في ضوء البيانات الإمبيريقية المستجدة والمتغيرات العالمية المتلاحقة. ومع تصاعد الهيمنة الرقمية وشبكات التواصل في العقدين الأخيرين، سارع ماكولي إلى إدماج متغيرات الفضاء السيبراني في نماذجه، مبيناً كيف تحل المجتمعات الافتراضية والمنتديات المشفرة محل الخلايا الواقعية في ممارسة ضغط التوافق والاستقطاب الجماعي وتوليد غرف الصدى المغلقة.

كما انخرط ماكولي وزملاؤه في إجراء دراسات مسحية وميدانية طولية (Longitudinal Studies) موسعة امتدت لسنوات، لاختبار ثبات ومصداقية الآليات الاثنتي عشرة للتطرف عبر سياقات جغرافية وثقافية متباينة شملت عينات من الشرق الأوسط، وشمال أمريكا، وأوروبا الشرقية، ومناطق نزاع إثني متنوعة. مكنت هذه الدراسات الميدانية الفريق البحثي من صقل النماذج وتعديل أوزان المتغيرات، مؤكدة صحة الآليات العامة ومبرزة في الوقت ذاته التمايزات الثقافية الدقيقة في كيفية تعبير الأفراد عن مشاعر المظلومية والولاء لرفاقهم.

واصل ماكولي إنتاجه العلمي حتى مراحل متقدمة من حياته، مقدماً نموذجاً للأستاذ الباحث الذي يرفض الاستكانة إلى منجزاته التاريخية. واصل المشاركة الفعالة في المؤتمرات الدولية، وتوجيه الجيل الجديد من الباحثين، ونشر الأوراق المحكمة التي تتصدى لأحدث ظواهر العنف المعاصر، مما حافظ على حيوية أطروحاته وجعلها منصة ارتكاز لا غنى عنها لكل من يروم فهم تحولات السلوك الإنساني الجمعي في عالم يزداد استقطاباً واضطراباً.

12. الإرث العلمي والتأثير المستمر في علم النفس المعاصر

12.1 التأثير في السياسات العامة والأمنية الدولية

يمتد الأثر الفكري لكلارك ماكولي عميقاً في صلب السياسات العامة والاستراتيجيات الأمنية الدولية؛ حيث اعتمدت نماذجه السيكولوجية التحليلية—ولا سيما نموذج الهرمين ومفهوم الاحتكاك—بشكل واسع في بناء وثائق السياسات وتوجيهات مكافحة التطرف العنيف لدى منظمات دولية كبرى، وفي مقدمتها هيئات الأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي، ومفوضية الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن مراكز التفكير الاستراتيجي في الولايات المتحدة والدول الحليفة.

ساهمت أطروحات ماكولي في إحداث تحول تدريجي ولكن جذري في تدريب الكوادر الأمنية، وضباط مكافحة الإرهاب، ومحللي الاستخبارات العسكرية والمدنية؛ حيث انتقلت هذه المؤسسات من التنميط العقائدي السطحي والبحث العشوائي عن “الملامح الظاهرية للمتطرفين” إلى الفهم الدقيق لديناميكيات الاستقطاب الجمعي، ومحفزات المظالم الشخصية، ومخاطر العزلة الاجتماعية. أصبح المحللون أكثر وعياً بأن التركيز الحصري على الأفكار الدينية أو السياسية المزعجة يضلل البوصلة الأمنية، وأن الرصد الذكي يجب أن يتتبع التغيرات السلوكية ومؤشرات الاستعداد لخرق القوانين واستخدام السلاح.

تجسد الانتصار الأكبر لمدرسة ماكولي الفكرية في ترسيخ القناعة بأن “الحلول الأمنية الصلبة” (Hard Security) وحدها غير قادرة على هزيمة التطرف، بل قد تؤدي، عبر آليات الاحتكاك وردود الفعل المفرطة، إلى مفاقمته واستدامته. فرضت كتاباته على الحكومات إعادة توجيه الموارد نحو السياسات الوقائية الذكية والشاملة؛ مثل برامج الإنذار المبكر المجتمعي، ومبادرات الحوار المدني، ودعم الأسر، والتمكين الوظيفي للفئات المهمشة، وهي استراتيجيات تثبت يوماً بعد يوم أنها الأقل كلفة إنسانية واقتصادية، والأعظم أثراً في حماية الاستقرار والسلم الأهلي المستدام.

12.2 إلهام الأجيال الجديدة من باباحثي علم النفس السياسي والاجتماعي

ترك كلارك ماكولي بصمة أكاديمية لا تمحى عبر تخريجه وتوجيهه لأجيال متتالية من الباحثين والأكاديميين الذين يحتلون اليوم مواقع متقدمة في كبريات الجامعات ومراكز الأبحاث العالمية. تميزت مدرسته التعليمية بغرس الشغف المعرفي والصرامة التجريبية، والتواضع الإنساني، دافعاً تلاميذه دوماً للنزول من الأبراج العاجية والاشتباك المباشر مع القضايا الإنسانية الحارقة والمعقدة دون خوف من الدخول في سجالات فكرية تخالف السائد أو تتحدى المسلمات السياسية القائمة.

أثرى ماكولي المكتبة الأكاديمية والمناهج الجامعية في تخصصات علم النفس الاجتماعي، والعلوم السياسية، ودراسات السلم والنزاع بمئات المؤلفات والأوراق المرجعية التي تدرس اليوم كأدبيات كلاسيكية تجمع بين البناء المنهجي الصارم وجاذبية الموضوع. علمت كتاباته الطلاب كيف يمكن لورقة علمية رصينة أن تكون في الوقت ذاته وثيقة أدبية وإنسانية تأسر القارئ وتدفعه لإعادة التفكير في افتراضاته المسبقة حول دوافع الخير والشر في النفس البشرية، محطمة التابوهات التي تصنف البشر بشكل قطعي إلى أشرار بطبيعتهم وأخيار مطلقين.

كما رسخ ماكولي تقاليد وأخلاقيات رفيعة ومشددة للبحث الميداني في البيئات الخطرة والمعقدة كالمناطق المحتلة، ومخيمات اللاجئين، وسجون المعتقلين السياسيين؛ حيث وضع معايير تحمي سلامة المبحوثين وكرامتهم الإنسانية، وتمنع استغلال ضعفهم، وتضمن الحفاظ على الحياد العلمي والنزاهة الأكاديمية في مواجهة الضغوط الأمنية والسياسية الممولة للأبحاث، وهو إرث أخلاقي ومنهجي يمثل اليوم درعاً وبوصلة تهتدي بها الأجيال الصاعدة من باحثي العلوم السلوكية في شتى بقاع الأرض.

12.3 مستقبل دراسات التطرف والعنف في ضوء أعمال كلارك ماكولي

مع دخول العالم عصراً رقمياً متسارعاً تكتنفه تحولات جيوسياسية وتكنولوجية مربكة، تبرز أعمال كلارك ماكولي كإطار نظري مرن وقادر على استيعاب وتفسير أحدث تمظهرات العنف والتطرف المعاصر. تجد الأجيال الحالية من الباحثين في آليات ماكولي الاثنتي عشرة أدوات بالغة الفعالية لتفكيك ظواهر التطرف الرقمي الهجين، وتصاعد حركات القومية البيضاء، وظواهر نظريات المؤامرة العالمية العابرة للحدود (مثل حركة كيو أنون QAnon)؛ حيث تتكرر آليات الانزلاق التدريجي، والتنافس البيني، والمظالم النيابية في الفضاءات السيبرانية بالقوانين السيكولوجية ذاتها التي رصدها ماكولي في الجماعات الواقعية السابقة.

يفتح إرث ماكولي آفاقاً واعدة لاستكشاف التفاعل المستقبلي بين تقنيات الذكاء الاصطناعي وتضخيم آليات الاستقطاب الاجتماعي؛ فالخوارزميات التوليدية المصممة لتعظيم نسب التفاعل عبر تأجيج الغضب الجمعي وعواطف الاشمئزاز الأخلاقي ليست في حقيقتها إلا محركات آلية عملاقة لتوليد “الاحتكاك الاجتماعي المصطنع”. يوفر نموذج ماكولي للأكاديميين ومهندسي التكنولوجيا التحذيرات المنهجية اللازمة لفهم كيف يمكن لهذه الأدوات الرقمية أن تدفع ملايين الأفراد العاديين بسرعة غير مسبوقة من قاع هرم الفعل السلمي نحو ارتكاب اعتداءات عنيفة تهدد المؤسسات الديمقراطية والسلم العالمي.

سيظل اسم كلارك ماكولي محفوراً في تاريخ العلوم الإنسانية كأحد أعظم الرواد الذين كرسوا حياتهم العلمية لسبر أغوار الضعف البشري والتعقيد السلوكي في أوقات المحن. إن جوهر رسالته الأكاديمية سيظل صرخة ضمير مدوية في وجه التبسيط والعداء؛ مذكرين دائماً بأن التطرف ليس وحشاً غريباً يهبط على المجتمعات من كوكب آخر، بل هو شجرة مسمومة تسقى من مياه مظالمنا اليومية وتفاعلاتنا غير الرشيدة، وأن استئصالها لا يكون بقطع أغصانها بالسيف وحده، بل بتجفيف منابع التربة السيكولوجية والاجتماعية التي تمنحها الحياة.

خاتمة

نستنتج من القراءة الفاحصة والمتعمقة للمسيرة الفكرية والأكاديمية للبروفيسور كلارك ماكولي أننا نقف أمام مشروع علمي استثنائي نجح في إعادة تشكيل خرائط الفهم في علم النفس الاجتماعي والسياسي على مدار نصف قرن. فمن خلال انطلاقاته المبكرة في فحص الإدراك والعزو السلوكي، مروراً بتفكيكه المنهجي لديناميكيات الجماعة والاستقطاب والتفكير الجماعي، وصولاً إلى ثورته المعرفية في علم نفس الاشمئزاز بالشراكة مع بول روزين، برهن ماكولي على امتلاكه حدساً تجريبياً نادراً استطاع عبره تحويل أعقد الانفعالات والأفكار المجردة إلى نماذج قياسية ومفاهيم قابلة للاختبار والتطبيق.

تتجلى قمة النضج الفكري لماكولي في شجاعته المنهجية غداة أحداث سبتمبر، حيث تجرأ على مجابهة السرديات التبسيطية السائدة ورفض الانصياع للهستيريا الأمنية التي وصمت المنخرطين في العنف السياسي بالمرض العقلي أو الوحشية الخالصة. ومن خلال نموذج الآليات الاثنتي عشرة، ونموذج الهرمين للتطرف، ومفهوم الاحتكاك الذي صاغه بالشراكة مع صوفيا موسكالينكو، أرسى ماكولي قواعد مقاربة علمية إنسانية ترى في التطرف ظاهرة علائقية ونتاجاً سياقياً لديناميكيات اجتماعية ونفسية تشمل “الجميع” ولا تقتصر على فئة دون أخرى، مميزاً بحسم بين عالم الرأي والتفكير السلمي وعالم الفعل المادي العنيف.

يظل الإرث العلمي لكلارك ماكولي حياً ونابضاً بالراهنية، لا سيما في عالمنا المعاصر الذي تموج فيه خطابات الاستقطاب الرقمي، وتتصاعد فيه الشعبويات، وتتآكل فيه مساحات الحوار العقلاني. إن البصيرة التي قدمها ماكولي تذكر صناع القرار والباحثين حول العالم بأن مكافحة العنف لا تستقيم بالوسائل القمعية المفرطة التي تزيد من نيران الاحتكاك والشقاق، بل تبدأ من الفهم العميق لكرامة الإنسان، وتفكيك مظالمه الواقعية، وبناء المناعة النفسية والمجتمعية التي تحول دون سقوط الأفراد الأسوياء في فخاخ الراديكالية المدمرة، ليبقى ماكولي بحق أحد كبار حكماء العلوم السلوكية الذين أضاؤوا عتمة الصراعات الإنسانية بنور العلم والموضوعية.

المراجع

  • Janis, I. L. (1982). Groupthink: Psychological studies of policy decisions and fiascoes (2nd ed.). Houghton Mifflin.
  • McCauley, C. (1989). The nature of social influence in groupthink: Compliance and internalization. Journal of Personality and Social Psychology, 57(2), 250–260. https://doi.org/10.1037/0022-3514.57.2.250
  • McCauley, C. (1991). Terrorism, research, and public policy. Frank Cass & Co.
  • McCauley, C. (2002). Psychological issues in understanding terrorism and the response to terrorism. In C. E. Stout (Ed.), The psychology of terrorism: Theoretical understanding and perspectives (Vol. 3, pp. 3–29). Praeger Publishers.
  • McCauley, C. (2004). Passive acceptance of terrorism: An unrecognized danger. Cato Journal, 24(1-2), 119–130.
  • McCauley, C., & Moskalenko, S. (2008). Mechanisms of political radicalization: Pathways toward terrorism. Terrorism and Political Violence, 20(3), 415–433. https://doi.org/10.1080/09546550802073367
  • McCauley, C., & Moskalenko, S. (2011). Friction: How radicalization happens to them and us. Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/acprof:oso/9780199748532.001.0001
  • McCauley, C., & Moskalenko, S. (2014). Toward a profile of lone wolf terrorists: What moves an individual from radical opinion to radical action. Terrorism and Political Violence, 26(1), 69–85. https://doi.org/10.1080/09546553.2014.849916
  • McCauley, C., & Moskalenko, S. (2017). Understanding political radicalization: The two-pyramids model. American Psychologist, 72(3), 205–216. https://doi.org/10.1037/amp0000062
  • McCauley, C., & Moskalenko, S. (2020). Radicalization to terrorism: What everyone needs to know. Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/wentk/9780190069353.001.0001
  • McCauley, C., Rozin, P., & Schwartz, B. (1986). Origin and nature of social disgust. Journal of Personality and Social Psychology, 50(4), 703–712.
  • Moskalenko, S., & McCauley, C. (2009). Measuring political mobilization: The distinction between activism and radicalism. Terrorism and Political Violence, 21(2), 239–260. https://doi.org/10.1080/09546550902765508
  • Rozin, P., Haidt, J., & McCauley, C. (2008). Disgust. In M. Lewis, J. M. Haviland-Jones, & L. F. Barrett (Eds.), Handbook of emotions (3rd ed., pp. 757–776). The Guilford Press.
  • Rozin, P., Lowery, L., Imada, S., & Haidt, J. (1999). The CAD triad hypothesis: A mapping between three moral emotions (contempt, anger, disgust) and three moral codes (community, autonomy, divinity). Journal of Personality and Social Psychology, 76(4), 574–586. https://doi.org/10.1037/0022-3514.76.4.574
  • Tajfel, H., & Turner, J. C. (1979). An integrative theory of intergroup conflict. In W. G. Austin & S. Worchel (Eds.), The social psychology of intergroup relations (pp. 33–47). Brooks/Cole.
★

تقييم هذا المحتوى

5.0 / 5 • 7 تقييمات