السيرة
يمثل الفيلسوف الإسكتلندي دوغالد ستيوارت (1753–1828) ذروة النضج النسقي لحركة التنوير الإسكتلندي، إذ جسّد في مشروعه المعرفي حلقة الوصل الحاسمة بين الميتافيزيقا الكلاسيكية وبواكير السيكولوجيا التجريبية الحديثة. لم يكن ستيوارت مجرد شارح وفيٍّ لأستاذه ومؤسس مدرسة الحس المشترك، توماس ريد، بل كان معماراً فكرياً استثنائياً استطاع تهذيب الفلسفة الإسكتلندية وتخليصها من صبغتها الجدلية المحلية، ناقلاً إياها إلى مدار الفضاء الأكاديمي الأوروبي والعالمي عبر صياغة لغوية تتسم بالدقة والجمال ورؤية منهجية بالغة الصرامة.
تكمن فرادة ستيوارت في إدراكه المبكر أن الإجابة عن الأزمة الشكوكية العميقة التي فجرها ديفيد هيوم لا تكمن في الارتداد إلى دوغمائيات عقلانية مفارقة، ولا في الاستسلام للمادية الميكانيكية الرائجة آنذاك، بل في التأسيس لـ«علم استقرائي للعقل البشري» يستعير من إسحاق نيوتن وقاره المنهجي القائم على الملاحظة، ويطبقه على عالم الوعي والخبرة الباطنية. ومن خلال كرسيه المرموق للفلسفة الأخلاقية في جامعة إدنبرة، أضحى ستيوارت المعلم الأول لنخبة فكرية وسياسية وأدبية أعادت تشكيل الفضاء الفكري البريطاني والعالمي في مطلع القرن التاسع عشر، محولاً قاعة المحاضرات إلى منصة لتأسيس الوعي الإنساني الحديث القائم على الجمع الخلاق بين المعرفة الأخلاقية والتحليل السيكولوجي الرصين.
يتناول هذا البحث الاستقصائي الموسع تجربة دوغالد ستيوارت الفلسفية والسيكولوجية من مختلف أبعادها النظرية والتطبيقية؛ حيث نتتبع جذور تكوينه الفكري، ومحاولته الجريئة لتأسيس فلسفة العقل كعلم تجريبي وصفي، وتطويره لمقولات مدرسة الحس المشترك، مروراً بتحليلاته العميقة لملكات الإدراك والانتباه والتداعي والذاكرة والتخيل والإرادة واللغة. كما نسلط الضوء على تحفته الفلسفية الخالدة عناصر فلسفة العقل البشري وسجالاته مع التيارات الحسية والكانطية، وصولاً إلى استجلاء إرثه الممتد الذي لا يزال يلقي بظلاله الوارفة على أروقة فلسفة العقل والعلوم المعرفية المعاصرة.
1. السياق التاريخي والفكري: نشأة دوغالد ستيوارت ومناخ التنوير الاسكتلندي
1.1 النشأة الأكاديمية والبيئة العائلية في إدنبرة
ولد دوغالد ستيوارت في قلب المشهد الأكاديمي لمدينة إدنبرة، التي كانت تتباهى بكونها «أثينا الشمال»، في الثاني والعشرين من نوفمبر عام 1753. كان والده، الدكتور ماثيو ستيوارت، عالماً رياضياً بارزاً شغل كرسي الرياضيات في جامعة إدنبرة بعد أن تتلمذ مباشرة على يد العالم الرياضي الشهير كولين ماكلورين. تشرب دوغالد منذ نعومة أظفاره داخل المنزل العائلي تقاليد التفكير الرياضي الدقيق، والنزعة التحليلية التي لا تقبل القضايا إلا ببراهينها الصريحة؛ وهو الأمر الذي ترك بصمة لا تُمحى على منهجه اللاحق في تفكيك قضايا العقل البشري وتصنيف ملكاته بنسقية رياضية صارمة دون الوقوع في الجفاف الصوري التجريدي.
تلقى ستيوارت تعليمه الأولي في المدرسة الثانوية الملكية في إدنبرة، حيث أظهر نبوغاً مبكراً في دراسة اللغات الكلاسيكية وآدابها، مما وهبه ثراءً بيانياً مكنه لاحقاً من تحويل أصعب الموضوعات الفلسفية المعقدة إلى نثر أكاديمي ساحر. وفي عام 1765، التحق بجامعة إدنبرة لدراسة الفلسفة الطبيعية والمنطق، قبل أن ينتقل في خريف عام 1771 إلى جامعة غلاسكو لغاية محددة تتمثل في حضور محاضرات توماس ريد، الفيلسوف الذي أحدث ثورة فكرية بنشره كتاب تحقيق في العقل البشري وفقاً لمبادئ الحس المشترك عام 1764. كان ريد يقدم بديلاً متماسكاً للهجوم الشكوكي الهيومي، وقد وجد فيه الشاب دوغالد النموذج الفكري الأمثل؛ فتلقف مبادئ الحس المشترك من منبعها الصافي، وطور علاقة فكرية وثيقة مع أستاذه دامت حتى وفاة الأخير.
أجبرت الظروف الصحية المتدهورة لوالده دوغالد ستيوارت على العودة السريعة إلى إدنبرة عام 1772 لتولي مسؤولية تدريس الرياضيات نيابة عن أبيه وهو في سن التاسعة عشرة فقط. أظهر ستيوارت براعة فائقة في التدريس أهلته للتعيين رسمياً في كرسي الرياضيات مشاركة مع والده عام 1775. ومع ذلك، كان شغفه الحقيقي معقوداً بناصية الفلسفة الأخلاقية والعقلية؛ لذا عندما غادر آدم فيرغسون إلى أمريكا في مهمة دبلوماسية عام 1778، تولى ستيوارت تدريس كرسي الفلسفة الأخلاقية بالنيابة بمهارة مذهلة، حتى استقر به المقام شاغلاً رسمياً وأصيلاً لهذا الكرسي الرفيع في عام 1785، وهو المنصب الذي جعله لعقود الوجه الأبرز والعمود الفقري للجامعة وللنهضة الفكرية الإسكتلندية برمتها.
تزامن هذا الصعود الأكاديمي مع ازدهار نوادي النقاش والمجتمعات الفكرية التي ميزت عصر التنوير الإسكتلندي، مثل الجمعية الفلسفية في إدنبرة (التي تحولت لاحقاً إلى الجمعية الملكية في إدنبرة وكان ستيوارت من مؤسسيها) ونادي الاختيار (Select Society). كانت هذه الفضاءات الحوارية بيئة مثالية لصقل أدواته السيكولوجية والجدلية؛ حيث تفاعل ستيوارت مع عقول فذة من طراز ويليام روبرتسون، وجيمس هاتون، وجوزيف بلاك. أتاحت له هذه البيئة التوفيقية اختبار أفكاره النفسية في سياقات تفاعلية تتجاوز أسوار الجامعة، مؤكداً أن الفلسفة يجب أن تظل وثيقة الصلة بالحياة المدنية، والتربية الأخلاقية، والارتقاء بالمجتمع الإنساني نحو درجات أعلى من المدنية والتحضر.
1.2 أزمة الشك الديكارتي والهيومي وظهور الحاجة إلى علم يقيني للعقل
اندلعت شرارة المشروع الفلسفي لدوغالد ستيوارت من قعر الأزمة المعرفية التي ألقت بظلالها الثقيلة على الفكر الأوروبي إثر كتابات ديفيد هيوم. كان هيوم قد أخذ المبادئ التجريبية الصارمة التي أرساها جون لوك وطورها جورج باركلي، ودفع بها إلى نتائجها المنطقية القصوى: التشكيك في مشروعية مبدأ السببية الموضوعي، تفكيك فكرة الجوهر المادي والروحي، وإنكار وجود «الأنا» أو الهوية الشخصية المستمرة واعتبارها مجرد حزمة من الإدراكات المتدفقة والهاربة بلا رابط جوهري. شعر المفكرون الإسكتلنديون بأن هذا الهجوم الشكوكي لا يقوض إمكانية العلم الطبيعي فحسب، بل يهدد كذلك بتدمير صرح الأخلاق والمسؤولية القانونية والدينية في الصميم.
رأى ستيوارت أن جذور هذه الأزمة لا تعود إلى شكوكية هيوم في حد ذاتها، بل إلى الفرضية الميتافيزيقية الخاطئة التي ورثها الفكر الحديث عن رينيه ديكارت وجون لوك، والمعروفة بـ«نظرية الأفكار» أو «التمثيلية المعرفية». وفقاً لهذه النظرية، فإن العقل لا يدرك الأشياء الخارجية بذاتها، بل يدرك صوراً أو أفكاراً وسيطة تنوب عنها في المسرح الذهني الداخلي. وإذا كان العقل محبوساً داخل سجن أفكاره الذاتية، فلا سبيل منطقياً للبرهنة على أن هذه الصور الذهنية تطابق في الواقع عالماً خارجياً مستقلاً. من هنا، أدرك ستيوارت، اقتفاءً لأثر توماس ريد، أن السبيل الوحيد لدحر الشكوكية يكمن في هدم هذه المقدمة الزائفة وبناء نظرية إدراكية تعيد الاعتبار لليقين المباشر للعقل البشري.
سعى ستيوارت بناءً على ذلك إلى إعادة صياغة النزعة التجريبية البريطانية، بحيث تجمع بين أمانة الملاحظة الاستقرائية والتأكيد الصارم على المبادئ الفطرية التكوينية التي تسبق كل تجربة وتجعل التجربة ذاتها ممكنة. لم يكن هدفه العودة إلى «الأفكار الفطرية» بالمعنى الديكارتي الساذج الذي دحضه لوك، بل إثبات وجود «قوانين اعتقاد فطرية» تحكم البنية الإدراكية للإنسان؛ فالعقل ليس لوحاً أبيض سلبياً تتراكم عليه الانطباعات بلا ناظم، بل هو فاعلية حية مزودة بقواعد تشغيل قبلية تفرض ضرورتها المنطقية والوجودية على كل كائن عاقل.
استلهم ستيوارت في هذه المسيرة المنهج الذي سطره السير إسحاق نيوتن في دراسة العالم الطبيعي. فكما أن نيوتن لم يفرط في اختلاق فروض ميتافيزيقية حول ماهية الجاذبية في ذاتها، بل اكتفى باستقراء قوانينها الرياضية الظاهرة انطلاقاً من الملاحظة الدقيقة لحركة الأجرام، فإن على فيلسوف العقل أن يقتفي الأثر ذاته؛ فيتخلى عن البحث العقيم في ماهية الجواهر الروحية، ويكرس جهده لاستقراء قوانين الظواهر العقلية كما تبدو في مسرح الشعور الإنساني. هذا التحول الإبستيمولوجي هو ما وضع اللبنات الصلبة لـ«علم يقيني للعقل»، محصن ضد الشكوكية الهدامة من جهة، ومتحرر من الميتافيزيقا الهوائية من جهة أخرى.
1.3 موقع ستيوارت في حركة التنوير الأوروبية
احتل دوغالد ستيوارت موقعاً استراتيجياً في شبكة العلاقات المعرفية للتنوير الأوروبي في أواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر؛ إذ لم يحصر نشاطه داخل الدوائر الأكاديمية لإدنبرة، بل غدا الجسر الفكري الأبرز الذي عبرت فوقه فلسفة الحس المشترك الإسكتلندية إلى الدوائر الفلسفية الفرنسية والإنجليزية والأمريكية. سافر ستيوارت إلى باريس في صيف عام 1788 وعام 1789، قبيل اندلاع الثورة الفرنسية وخلال بواكيرها الأولى، والتقى هناك بأبرز أعلام المشهد الفكري الفرنسي من أمثال جان دالمبير وكوندورسيه، ووثق صلات متينة مع حركة «الإيديولوجيين» بزعامة ديستوت دو تراسي وبيير جان جورج كابانيس، ولاحقاً مين دو بيران.
وعلى الرغم من إعجابه بالحيوية الفكرية للموسوعيين والجمهوريين الفرنسيين، فقد اتخذ ستيوارت موقفاً نقدياً صارماً من النزعة الحسية الراديكالية والمادية الميكانيكية التي ميزت فلسفة كوندياك وهولباخ. لقد عمل ستيوارت على إقناع الفلاسفة الفرنسيين بأن محاولتهم لاختزال كل العمليات النفسية في مجرد «إحساسات محولة» تفضي حتماً إلى تدمير الإرادة الحرة والمسؤولية الأخلاقية. وقد أثمر هذا الحوار المستمر تأثيراً عميقاً في التيار الروحي الفرنسي اللاحق؛ حيث استلهم بيير بول روييه كولار وفيكتور كوزان أفكار ستيوارت لإعادة صياغة الفلسفة الأكاديمية الفرنسية تحت لواء مدرسة الانتقائية التوفيقية، مستندين بصورة جوهرية إلى ترجمات مؤلفات ستيوارت التي أنجزها تلاميذه الفرنسيون.
تركت أحداث الثورة الفرنسية وانزلاقها نحو مرحلة «الإرهاب» أثراً بليغاً على المناخ السياسي والفكري في إسكتلندا وبريطانيا عموماً؛ إذ وُوجهت الأفكار التنويرية الليبرالية بحذر شديد من قبل المؤسسة الحاكمة المحافظة. وجد ستيوارت نفسه في موقف دقيق تطلب منه حنكة استثنائية؛ فقد كان مؤيداً للإصلاح السياسي التدريجي والحرية الفكرية ومدافعاً عن الإرث الاقتصادي لصديقه آدم سميث، ولكنه نأى بنفسه بحزم عن الراديكالية الثورية العنيفة. استخدم ستيوارت منبره الجامعي لتقديم الفلسفة العقلية والأخلاقية بوصفها درعاً حصيناً يحمي النظام الاجتماعي من فوضى العدمية، وفي الوقت ذاته رافعة ترتقي بالعقل الجمعي بعيداً عن الجمود الدوغمائي.
تميز خطاب ستيوارت بطابع تربوي وتعليمي فريد جعل منه المربي الفلسفي الأول لجيل كامل من قادة بريطانيا في العصر الفيكتوري المبكر. كان يمتلك موهبة بلاغية استثنائية في إلقاء المحاضرات؛ حيث كان يتدفق في حديثه بلغة رصينة ومشحونة بالحرارة الأخلاقية، مما جذب إلى قاعاته في إدنبرة أبناء النبلاء والساسة والمفكرين من إنجلترا وأوروبا وأمريكا. لقد حرر ستيوارت الفلسفة من رطانة الاصطلاحات المغلقة، وجعل مباحث العقل البشري، ونظرية المعرفة، والتربية المدنية في متناول نخبة واسعة تطلعت إلى الجمع بين الاستنارة العقلية والاستقامة الأخلاقية في إدارة شؤون الدولة والمجتمع.
2. المنهج المعرفي والنفسي: تأسيس فلسفة العقل كعلم تجريبي استقرائي
2.1 تطبيق الاستقراء النيوتوني على دراسة الظواهر العقلية
صاغ دوغالد ستيوارت برنامجه المعرفي انطلاقاً من مبدأ منهجي حاسم: إن دراسة العقل البشري يجب أن تُعامل بصفتها فرعاً من فروع «فلسفة الطبيعة»، خاضعة لذات القواعد الاستقرائية الصارمة التي سنها إسحاق نيوتن وفرانسيس بيكون. أصر ستيوارت على أن تقدم العلوم الفيزيائية لم يتحقق إلا بعد أن تخلت عن التخمينات الميتافيزيقية السقيمة حول كنه المواد وطبائعها الخفية، ووجهت طاقتها بالكامل نحو فحص الظواهر المشاهدة واستنباط القوانين العامة التي تحكمها عبر الملاحظة والتجربة. وبالمثل، رأى ستيوارت أن الفلسفة العقلية ظلت متعثرة لقرون بسبب انشغال الفلاسفة بسؤال ميتافيزيقي خاطئ: «ما هي الماهية الجوهرية للروح أو النفس؟» بدلاً من السؤال العلمي البناء: «ما هي قوانين العمليات العقلية والظواهر الشعورية كما تتكشف للخبرة الإنسانية؟»
وضع ستيوارت تمييزاً إبستيمولوجياً قاطعاً بين القوانين المنظمة للعالم المادي وتلك المنظمة للعمليات النفسية الباطنية؛ فرغم أن المنهج الاستقرائي مشترك بين المجالين، فإن طبيعة الوقائع الملاحظة تختلف جذرياً. في دراسة المادة، يعتمد الباحث على الحواس الخارجية لرصد الحركة والامتداد والثقل؛ أما في دراسة العقل، فإن موضوع الملاحظة هو وقائع الوعي الداخلي، والمشاعر، والرغبات، والعمليات الفكرية الذاتية. هذا التمايز يفرض على الفيلسوف الإقرار الصادق بحدود المعرفة الإنسانية؛ إذ يجب التسليم التام بعجز العقل البشري عن النفاذ إلى الماهيات المطلقة، سواء تعلق الأمر بالجوهر المادي للأجسام أو بالجوهر اللامادي للروح، والتركيز الحصري على رصد العلاقات الثابتة والروابط المنتظمة بين الظواهر النفسية.
تطلب هذا التأسيس المنهجي صياغة أداة بحثية أولية أطلق عليها ستيوارت «الملاحظة الباطنية المنظمة» أو ما يُعرف لاحقاً بـالاستبطان (Introspection). أدرك ستيوارت الصعوبات الجمة التي تعتري هذه الأداة؛ فالعقل هنا هو الملاحظ وموضوع الملاحظة في آن واحد، وفعل التأمل في الحالة النفسية قد يغير من طبيعتها اللحظية أو يبددها تماماً. ومن ثم، وضع شروطاً منهجية دقيقة للاستبطان العلمي: أن يقترن بمراجعة استرجاعية هادئة لحالات الوعي السابقة بدلاً من التدخل في الحالات الآنية الانفعالية، وأن يدعم بملاحظة السلوك الخارجي للإنسان وتتبع تاريخ المجتمعات وتطور اللغات، لضمان ألا تتحول الملاحظة الذاتية إلى أوهام فردية وانحيازات شخصية معزولة.
2.2 نقد النزعة المادية والفسيولوجية في تفسير الوعي
شهد القرن الثامن عشر صعوداً محموماً للتفسيرات المادية للوعي، والتي بلغت أوجها في نظرية الطبيب والفيلسوف الإنجليزي ديفيد هارتلي في كتابه ملاحظات حول الإنسان، حيث حاول رد الأفكار والعمليات العقلية كافة إلى «اهتزازات عصبية مجهرية» (Vibrations) تسري في الألياف العصبية والدماغ. انتفض ستيوارت ضد هذا الاتجاه المادي الاختزالي، معتبراً إياه انحرافاً جسيماً عن المنهج العلمي الحقيقي وشكلاً من أشكال الخلط المنهجي الفاسد الذي يقوض مشروعية علم النفس الوليد.
بنى ستيوارت نقده لهارتلي وأتباعه على حجة منطقية بالغة القوة: إن محاولة اشتقاق الظاهرة السيكولوجية الواعية من الحركة المادية الصماء هي قفزة غير مبررة فوق هوة أنطولوجية لا يمكن جسرها. حتى لو أثبت علم وظائف الأعضاء، بفرض تقدم أدواته، وجود حركة اهتزازية متزامنة في خلايا المخ مع حدوث فكرة أو شعور معين، فإن هذه الحركة الفيزيائية ليست هي الفكرة ذاتها. فحركة الجزيئات المادية، مهما بلغت درجة تعقيدها، تظل مجرد امتداد مكاني وإزاحة فيزيائية، في حين أن الإدراك والشعور والمعنى قضايا تنتمي إلى حيز الوعي الذاتي الذي لا يشغل حيزاً مكانياً ولا يقبل التجزئة الهندسية. ومن هنا، فإن مماثلة قوانين الترابط الشعوري بقوانين الحركة الميكانيكية هي قياس مع الفارق، بل تلاعب باللغة يلبس التخمينات الميتافيزيقية ثوب العلوم الطبيعية.
حذر ستيوارت من المخاطر التربوية والأخلاقية لهذا الخلط؛ إذ إن اختزال الفكر في العمليات الفسيولوجية يفضي حتماً إلى نفي فاعلية الذات الإنسانية، وتحويل الإنسان إلى آلة مستلبة تتحكم فيها الضرورة البيولوجية الصماء. تمسك ستيوارت بثنائية تفاعلية واقعية بين النفس والبدن: هناك بلا شك تأثير وتأثر متبادل بين الأعضاء الجسدية وحالات الوعي، والاعتلال الدماغي يؤثر حتماً في تجليات النشاط الذهني؛ غير أن هذا التلازم التجريبي لا يمنح الفيلسوف الحق في إلغاء استقلالية الظاهرة السيكولوجية. إن واجب علم النفس هو دراسة الوعي وفق مفاهيمه الخاصة، تاركاً للفسيولوجيا دراسة البدن، دون أن يبتلع أحدهما الآخر في اختزالية فجة تهدم العلمين معاً.
2.3 تصنيف القوى والملكات العقلية الإنسانية
انطلق ستيوارت في تشريح البنية النفسية من مبدأ أصيل يؤكد على الوحدة الجوهرية للعقل البشري. لقد نبذ التوجهات التحليلية التي تعامل العقل وكأنه مجمع ميكانيكي لقطع غيار متباينة، أو مجرد مستودع سلبي تُحشى فيه الانطباعات الحسية المتفرقة. حين يتحدث ستيوارت عن «الملكات العقلية» (Mental Faculties)، فإنه يستخدم المصطلح بوصفه مفهوماً إجرائياً تصنيفياً يشير إلى أنماط وأوجه نشاط مختلفة يباشرها نفس العقل الواحد البسيط في تعامله مع الخبرة، لا بوصفها كيانات أنطولوجية مستقلة تتصارع أو تتجاور داخل الرأس.
قام تصنيف ستيوارت للملكات على التمييز الصارم بين درجتين رئيسيتين من النشاط الذهني:
- الملكات الإدراكية الابتدائية (Primary Cognitive Faculties): وهي القوى التي تزود العقل بالمواد الخام للمعرفة وتؤسس صلته الأولية بالواقع؛ وتشمل الإحساس، والإدراك الحسي المباشر، والانتباه، والوعي الذاتي. هذه الملكات تعمل بدرجة عالية من العفوية والتلقائية وتمثل الأساس التكويني لأي نشاط ذهني تالٍ.
- الوظائف التأملية والتركيبية العليا (Higher Reflective Faculties): وهي القوى المسؤولة عن معالجة المواد المعرفية وتركيبها وتجاوز معطيات اللحظة الحاضرة؛ وتضم التداعي الذهني، والذاكرة بنوعيها، والتخيل الإبداعي، والتجريد، وقوة المحاكمة العقلية (Judgment)، والتعقل والاستدلال المنطقي.
أولى ستيوارت اهتماماً استثنائياً بدراسة العلاقة التبادلية بين هذا النشاط المعرفي المحض والانفعالات الوجدانية والإرادة؛ مؤكداً أن الفكر لا ينشط في فراغ محايد، بل تحركه الميول والدوافع والمشاعر الأخلاقية والجمالية. كما أضفى على تصنيفه بُعداً تطورياً ديناميكياً غير مسبوق في زمانه؛ فرصد كيفية نضوج هذه الملكات وارتقائها عبر مراحل النمو الإنساني من الطفولة الباكرة، حيث تسود الإدراكات الحسية الحية والذاكرة الآلية، إلى مرحلة الرشد والنضج الفكري، حيث تهيمن الملكات التأملية المجردة والتخيل المنضبط بالمحاكمة العقلية الرصينة، ممهداً بذلك لظهور علم النفس الارتقائي والتنموي المعاصر.
3. تطوير مدرسة الحس المشترك: البناء على فلسفة توماس ريد وإعادة صياغتها
3.1 مفهوم مبادئ الفطرة الأولى والحقائق البديهية
تعد مدرسة الحس المشترك الإسكتلندية الرد المنهجي الأكثر تماسكاً على النزعة الشكوكية في القرن الثامن عشر، وقد كان توماس ريد مهندسها الأول، غير أن دوغالد ستيوارت هو من منحها دقتها الاصطلاحية وإحكامها النسقي. استند هذا المذهب إلى فرضية مفادها أن المعرفة الإنسانية لا يمكن أن تنطلق من نقطة الصفر المطلق عبر استدلالات منطقية متسلسلة إلى ما لا نهاية، بل لابد لها من نقطة ارتكاز صلبة تتمثل في «المبادئ الأولى» (First Principles)؛ وهي حقائق فطرية بديهية مغروسة في صلب الطبيعة البشرية، يشترك فيها جميع الناس العاديين والفلاسفة على حد سواء بحكم تكوينهم المشترك.
أدرك ستيوارت أن اصطلاح «الحس المشترك» (Common Sense) أثار سوء فهم واسع النطاق لدى الخصوم والنقاد، وبخاصة في القارة الأوروبية، حيث فسره البعض على أنه احتكام عامي إلى آراء الدهماء وجهلة العامة في مواجهة التدقيق الفلسفي الرفيع. لتجاوز هذا المأزق، بادر ستيوارت إلى استبدال هذا المصطلح أو إعادة تعريفه بعبارة أكثر دقة وأصالة إبستيمولوجية، وهي: قوانين الاعتقاد الإنساني الأساسية (Fundamental Laws of Human Belief). هذه القوانين ليست نظريات نصل إليها بالبرهان، بل هي شروط إمكان البرهان ذاته؛ إنها الدعائم القبلية الراسخة التي يستند إليها كل عقل لكي يفكر، تماماً كما تمثل مسلمات إقليدس الأرضية الصلبة التي يقوم عليها صرح الهندسة دون أن تكون هي نفسها موضوعاً للبرهان الهندسي.
ميز ستيوارت بعمق بين فئتين من هذه المبادئ الأولية:
- البديهيات الرياضية والمنطقية الصورية: مثل مبدأ عدم التناقض، أو القاعدة القائلة بأن الكل أكبر من الجزء؛ وهي قضايا تحليلية يفرض صدقها الذاتي نفسه على الفكر المجرد.
- المعتقدات الوجودية التلقائية المتصلة بالواقع: مثل اعتقادنا الضروري بوجود العالم المادي الخارجي بصورة مستقلة عنا، والاعتقاد باستمرار هويتنا الشخصية عبر الزمان، واليقين بمبدأ السببية وأن لكل حادث سبباً، والاطمئنان إلى اطراد قوانين الطبيعة في المستقبل.
أكد ستيوارت استحالة إقامة برهان استدلالي على هذه المبادئ الوجودية؛ لأن أي محاولة لإثباتها ستضطر بالضرورة إلى مصادرة المطلوب واستخدام هذه المبادئ ذاتها في عملية الاستدلال، مما يجعل رفضها أو التشكيك فيها ضرباً من العبث الفكري الذي يناقض السلوك الإنساني الفعلي لمن يدعي الشك فيها.
3.2 تعديلات ستيوارت المنهجية على نظرية ريد
مع أن دوغالد ستيوارت ظل طوال حياته يعلن ولاءه الفكري لأستاذه توماس ريد، فإن مقاربته لم تكن مجرد تكرار مدرسي؛ بل حملت تعديلات جوهرية صبغت مدرسة الحس المشترك بصبغة ستيوارتية خاصة. كان عيب ريد الأبرز في نظر معاصريه يكمن في نزعته الجدلية الفجة في مهاجمة الفلاسفة السابقين (وخاصة ديكارت ولوك وهيوم)، واستخدامه لمصطلحات بدت فضفاضة ومفتقرة إلى الصقل الفلسفي، بالإضافة إلى تضخيمه لقائمة المبادئ الأولى حتى بدا وكأنه يفر من أي معضلة استدلالية بإحالتها فوراً إلى مبدأ فطري مستقل.
قام ستيوارت بتهذيب صارم للمصطلحات، فحدد دلالات المفاهيم السيكولوجية بدقة تركيبية فائقة، وفصل بين ما هو اعتقاد فطري أولي وما هو استنتاج عقلي سريع رسخته العادة حتى توهم الفكر أنه فطري. كما قلص عدد المبادئ الأساسية عبر محاولة إرجاعها إلى أقل عدد ممكن من قوانين الفكر التكوينية، مانحاً المذهب تماسكاً منطقياً درأ عنه تهمة «التكاسل الإبستيمولوجي». علاوة على ذلك، نقل ستيوارت الفلسفة من مجرد الرد السلبي على شكوكية ديفيد هيوم إلى بناء نسق إيجابي تطبيقي لعلم النفس الوصفي؛ فرأى أن الغاية من حماية المبادئ الأولى ليست الدخول في معارك كلامية عقيمة، بل تحرير طاقات العقل الإنساني لدراسة مظاهر نشاطه الفعلي وتطوير مناهج التربية وتوسيع آفاق العلم والمعرفة الإنسانية.
وسع ستيوارت نطاق المذهب الإسكتلندي بصورة لافتة عبر إدماج التحليل السيكولوجي بالدراسات اللغوية، والنقد الأدبي، وفلسفة الجمال؛ وهو ما لم يكن موجوداً لدى ريد الذي تميز بنزعة علمية ومنطقية جافة. استطاع ستيوارت بفضل حساسيته الأدبية الرفيعة أن يبين كيف تتدخل قوانين الاعتقاد الأساسية وتداعيات المعاني في تشكيل الحكم الجمالي وتطوير الذوق وتوجيه الخيال الفني. هذا التوسيع المنهجي جعل مدرسة إدنبرة فلسفة إنسانية شاملة لا تخاطب المناطقة وعلماء النفس فحسب، بل تمتد لتخاطب الأدباء والفقهاء والمشرعين ورجال المجتمع المدني برؤية حية ونابضة.
3.3 الدفاع عن الواقعية الإدراكية المباشرة ضد المثالية
وجه ستيوارت مدفعيته الفلسفية لهدم «المثالية الذاتية» (Subjective Idealism) وتفريعاتها الشكوكية، منطلقاً من الدفاع المستميت عن مذهب الواقعية الإدراكية المباشرة (Direct Realism). هاجم ستيوارت بشدة فرضية «الأفكار الوسيطة» التي هيمنت على الفلسفة الحديثة منذ ديكارت حتى باركلي؛ وهي الفرضية التي تقرر أن العقل البشري يقبع في غرفة مظلمة منعزلة، ولا يتصل بالأشياء الخارجية مباشرة، بل يتعامل فقط مع «صور ظلية» أو «أشباح ذهنية» (Ideas) تطوف في داخله وتزعم تمثيل الأشياء الواقعية.
فند ستيوارت هذه التمثيلية المعرفية ببيان تناقضها الداخلي ومجافاتها للحقائق السيكولوجية الصلبة؛ فمن أين للعقل أن يعرف أصلاً أن هذه الفكرة الذهنية تطابق أو تشبه جسماً مادياً خارجياً إذا كان العقل، بحسب زعمهم، لم يطلع قط على ذلك الجسم الخارجي مباشرة؟ إن تشبيه الإدراك بالمرآة التي تعكس الأشياء، أو باللوحة التي ترسمها، مغالطة لغوية تعتمد على استعارات مادية لتفسير عمليات روحية غير مادية. يؤكد ستيوارت أن الواقعة السيكولوجية البديهية التي يشهد بها الوعي المباشر لكل إنسان حين يرى شجرة أو يلمس صخرة، هي أنه يدرك الشجرة ذاتها والصخرة بعينها موجودتين خارجياً في المكان والزمان، وليس صورة ذهنية داخل عقله؛ فالإدراك فعل قصدي مباشر يتجاوز الذات المدركة ليلتحم بالموضوع المدرك ذاته دون أي وسيط أنطولوجي مضلل.
أبرز ستيوارت الأثر السيكولوجي والحيوي الحاسم لهذا اليقين الإدراكي المباشر في توجيه الفعل والسلوك البشري اليومي والتكيف مع البيئة المادية. إن الطبيعة لم تكل أمر بقاء الإنسان وتكيفه مع محيطه الخارجي إلى البراهين الفلسفية المعقدة والشكوك الميتافيزيقية الزائفة؛ فلو كان الإنسان يتوقف ليتساءل عما إذا كان الخطر الذي يراه مجرد فكرة ذهنية أو واقعاً حقيقياً، لانقرض النوع البشري في مهده. إن الاعتقاد بوجود العالم الخارجي ليس مسألة رأي نخضعها للمراجعة المنطقية، بل هو قانون قاهر من قوانين الطبيعة الإنسانية لا يملك الشكاك نفسه، مهما بلغ شططه النظري، إلا أن ينقاد له عملياً بمجرد مغادرته لغرفة مكتبه وانخراطه في صخب الحياة اليومية.
4. سيكولوجية الإدراك الحسي والوعي: بنية الاتصال بالعالم الخارجي
4.1 التمييز بين الإحساس المحض والإدراك المعرفي
أرسى دوغالد ستيوارت أحد أهم التمييزات المفاهيمية في تاريخ السيكولوجيا المعرفية بفرزه الدقيق والحاسم بين عمليتي الإحساس (Sensation) والإدراك (Perception)، وهو التمييز الذي مهد لكثير من أبحاث علم النفس التجريبي في القرن التاسع عشر. فبينما كان التجريبيون، وفي مقدمتهم لوك وكوندياك، يخلطون بين اللفظين ويستخدمونهما بالتبادل للإشارة إلى أي تأثر حسي، وضع ستيوارت حدوداً فاصلة تمنع هذا اللبس الإبستيمولوجي الخطير.
عرف ستيوارت «الإحساس» بأنه حالة وجدانية ذاتية خالصة تنشأ في النفس إثر تنبيه عضو حسي معين؛ إنه انفعال داخلي بحت لا يحمل في ذاته أي إحالة ضرورية إلى موضوع خارجي، ولا يتضمن حكماً بوجود شيء موضوعي في المكان. فحين يشعر المرء بالألم، أو بطعم مر، أو بحرارة دافئة، فإن هذا الشعور ينحصر كلياً في كونه تجربة باطنية ذاتية لا تصف خاصية للجسم الخارجي بل تصف كيف تتأثر الذات العارفة. أما «الإدراك»، فهو على النقيض من ذلك تماماً: فعل عقلي مركب وقصدي يربط بين هذا الإحساس الداخلي وحكم فوري وتلقائي بوجود موضوع خارجي يمتلك خصائص موضوعية معينة سببت هذا الإحساس وتستقل تماماً عن عملية إدراكه.
حلل ستيوارت الآلية التي تؤدي بها الانطباعات الحسية المتكررة إلى توليد أحكام إدراكية سريعة تبدو للوهلة الأولى وكأنها إحساسات بسيطة فورية؛ حيث أشار إلى أن الذهن، بفعل الممارسة المستمرة، يمر عبر خطوات استدلالية وتقييمية سريعة جداً بحيث تتوارى خلف ستار العادة، فلا نشعر بوجودها. كما كرس صفحات ممتعة لتحليل وظائف الحواس المختلفة، معطياً الأولوية لحاستي اللمس والبصر في بناء فضائنا المعرفي. واعتبر أن حاسة اللمس، بما تتضمنه من مقاومة ميكانيكية وحركة عضلية، هي الحاسة الأساسية التي تمنحنا اليقين بصلابة الأجسام وامتدادها المكاني المستقل، في حين تعمل حاسة البصر بمثابة «لغة هندسية راقية» تتعلم النفس قراءتها لترجمة درجات الضوء والظلال إلى تقديرات مكانية للأبعاد والمسافات عبر التجربة الحياتية التراكمية.
4.2 طبيعة الوعي الذاتي والهوية الشخصية المستمرة
انطلق ستيوارت في فحص الوعي الذاتي (Consciousness) من نقض الفكرة الشائعة التي تعتبر الوعي «ملكة خاصة» مستقلة من ملكات العقل، شبيهة بالذاكرة أو التخيل. رأى ستيوارت أن الوعي ليس ملكة تنضاف إلى سائر الملكات، بل هو «الشرط المصاحب» والصفة الملازمة لكافة العمليات العقلية دون استثناء؛ فنحن لا نملك ملكة واعية وأخرى مدركة، بل إن الإدراك ذاته، والتذكر، والرغبة، والتأمل، هي حالات من الوعي المتعين. لا يمكن للذهن أن يفكر أو يشعر دون أن يكون واعياً بأنه يفكر ويشعر في الآن ذاته؛ فالوعي هو الحقل النوراني الداخلي الذي تتجلى فيه كل الحوادث النفسية للذات العارفة.
قاد هذا التحليل ستيوارت إلى تفنيد فرضية ديفيد هيوم الذائعة الصيت حول الهوية الشخصية؛ حيث كان هيوم قد زعم أنه حين يتأمل في داخله، لا يقع قط على ذات ثابتة تسمى «الأنا»، بل يجد فقط إدراكات متفرقة متلاحقة للحرارة والبرودة والحب والبغض، مستنتجاً أن الأنا ليست سوى وهم مسرحي أو حزمة من الظواهر الهاربة. رد ستيوارت على هذا الطرح الشكوكي موضحاً أنه يرتكب مغالطة منهجية فادحة؛ إذ كيف يمكن الحديث عن تدفق لحزمة من الإدراكات، أو عن مقارنة إدراك بآخر، دون افتراض وجود «ذات واعية وبسيطة ومستمرة» تقوم بفعل الملاحظة والمقارنة وتجمع هذه الأشتات في خبرة واحدة؟ إن مفهوم التغير ذاته يقتضي بالضرورة وجود مبدأ ثابت نَقيس التغير بالنسبة إليه.
أكد ستيوارت أن الاعتقاد بثبات الهوية الشخصية (Personal Identity) عبر تدفق الزمان هو أحد قوانين الاعتقاد الإنساني الأساسية التي ترتكز عليها الذاكرة والوعي الداخلي. فالذاكرة لا تستحضر مجرد فكرة مجردة عن حدث ماضٍ، بل تستحضر معها يقيناً لا يتزعزع بأنني «أنا ذاتي» الذي عشت تلك التجربة بالأمس هو الكائن عينه الذي يتذكرها اليوم. وشدد ستيوارت على أن هذا الثبات السيكولوجي للأنا ليس ترفاً فلسفياً، بل هو الركيزة الأساسية التي ينهض عليها صرح المسؤولية الأخلاقية والالتزام القانوني؛ فلو كانت الذات مجرد حزم متغيرة لا رابط جوهري بينها، لسقطت مشروعية العقاب والندم، ولأضحى الوعد الإنساني ضرباً من العبث لعدم وجود ذات ملزمة بتنفيذه في المستقبل.
4.3 الإدراك المكتسب وتأثير العادة والخبرة المتراكمة
أفرد دوغالد ستيوارت حيزاً واسعاً من كتاباته السيكولوجية لما أسماه بـالإدراك المكتسب (Acquired Perception)، وهو المفهوم الذي مكنه من حل العديد من المعضلات البصرية والسمعية التي حيرت الفلاسفة الطبيعيين. ميز ستيوارت بين «الإدراك الفطري المباشر» المحدود للغاية، والمقتصر على تسجيل الانطباعات الضوئية واللونية المسطحة على شبكية العين، و«الإدراك المكتسب» الذي يمثل البنية الكبرى لخبرتنا البصرية اليومية، حيث نتعلم تقدير المسافات الحقيقية للأشياء، وأحجامها النسبية، وأشكالها ثلاثية الأبعاد وعمقها في الفضاء.
أوضح ستيوارت أن العين لا ترى «المسافة» أو «العمق» بصورة فورية وعضوية؛ لأن المسافة خط مستقيم يتجه من موضوع الرؤية إلى قعر العين، ولا يسقط على الشبكية سوى نقطة واحدة. إننا نقدر المسافة والعمق من خلال عملية تفسير عقلية معقدة لعلامات بصرية معينة، مثل: درجة وضوح الألوان، وحجم الصورة المنطبعة في قاع العين، والزاوية البصرية، وتلاشي الخطوط، ومدى الجهد العضلي المبذول لتركيز البؤرة. هذه التقديرات تبدأ في الطفولة المبكرة عبر مقارنة انطباعات البصر بنتائج حاسة اللمس والحركة الانتقالية، ومع تكرار التجربة آلاف المرات، تندمج هذه التقديرات الاستدلالية بالأحاسيس البصرية البسيطة لتتحول إلى استجابات فورية تبدو للمرء وكأنها رؤية فطرية مباشرة لا تتطلب أي جهد فكري.
علل ستيوارت هذه الظاهرة بما وصفه بـ«السرعة الهائلة للعمليات العقلية» (Velocity of Mental Operations) وتأثير قوة العادة الراسخة. فالذهن البشري قادر على إجراء خطوات استدلالية وربط معقد للمقدمات بالنتائج في أجزاء متناهية الصغر من الثانية، بحيث تنفذ النتيجة إلى حيز الوعي بينما تسقط الخطوات الاستدلالية الوسيطة من مسرح الانتباه والشعور. وخلص ستيوارت من ذلك إلى وضع حد فاصل بين نوعين من الأخطاء: الخطأ الحسي العضوي الناجم عن اعتلال الحواس الفيزيائية (وهو نادر الوقوع في الظروف الطبيعية)، والخطأ الإدراكي الناجم عن سوء المحاكمة العقلية وتسرع الذهن في تفسير العلامات الحسية وفق عادات ذهنية سابقة، كمن يرى مجسماً صغيراً في ليلة ضبابية فيحكم فوراً بأنه شبح ضخم بعيد بناءً على علامة عدم الوضوح.
5. تحليل الانتباه وتداعيات الأفكار: آليات الربط الداخلي وتدفق الوعي
5.1 سيكولوجية الانتباه: تعريفه ووظائفه الإرادية وغير الإرادية
يعد تحليل دوغالد ستيوارت لظاهرة الانتباه (Attention) من ألمع إسهاماته التي تركت بصمة واضحة على السيكولوجيا الحديثة؛ حيث نقل الانتباه من مجرد مصطلح وصفي هامشي إلى مكانة «القوة المركزية» التي تتحكم في مجمل النشاط العقلي للإنسان. عرف ستيوارت الانتباه بأنه التوجيه الإرادي الواعي لطاقة الذهن نحو موضوع أو فكرة معينة، مع استبعاد سائر المثيرات المشوشة التي تتزاحم في ساحة الشعور. واعتبر أن الانتباه هو الجسر الإجباري الرابط بين الإدراك والذاكرة؛ فلا يمكن لأي انطباع حسي أو فكرة عقلية أن تستقر في الذاكرة أو تصبح قابلة للاسترجاع لاحقاً ما لم تحظَ بجرعة كافية ومكثفة من انتباه الذهن في لحظة وقوعها الأولى.
ميز ستيوارت بدقة متناهية بين مستويين من الانتباه:
- الانتباه غير الإرادي أو القسري: وهو الاستجابة التلقائية العفوية التي تجتذبها المثيرات الخارجية المفاجئة أو الشديدة، كالصوت المدوي أو الوميض الخاطف؛ وهو نوع يشترك فيه الإنسان مع سائر الكائنات الحيوانية لغايات البقاء والحذر من الأخطار.
- الانتباه الإرادي المستديم: وهو القدرة العقلية الراقية على حبس الذهن وتثبيته بوعي وقصد على مسار فكري مجرد أو مهمة تأملية معقدة لفترة زمنية ممتدة، رغماً عن وجود مغريات التشتت؛ وهو الملكة التي تميز المفكرين والعلماء والتي اعتبرها ستيوارت المعيار الفاصل في تفاوت الذكاء والإنجاز الإنساني.
قدم ستيوارت تفسيراً سيكولوجياً عبقرياً لـ«الأفعال الآلية» والمهارات الحركية السريعة، كالعزف الماهر على الآلات الموسيقية أو القراءة السريعة للنصوص. رد ستيوارت على النظريات التي كانت تدعي أن هذه الأفعال تصبح ميكانيكية بحتة وخالية تماماً من الوعي والانتباه؛ فأكد أن كل حركة إصبع لعازف البيانو المحترف تسبقها في الواقع «ومضة انتباه إرادية» خاطفة، غير أن سرعتها الفائقة واعتياد الذهن عليها يجعلانها تمر دون أن تترك أثراً مدوناً في الذاكرة الاسترجاعية الواعية، مما يوهم المراقب والمتأمل بأنها فعل آلي لا إرادي. كما استثمر هذا التحليل في الميدان التربوي، موضحاً أسباب تشتت الانتباه وواضعاً نصائح سيكولوجية لتنمية التركيز الذهني لدى الطلاب عبر التدرج في إثارة الفضول وتجنب الإجهاد المعرفي المفرط.
5.2 قوانين تداعي الأفكار والترابط الذهني عند ستيوارت
احتل مفهوم تداعي الأفكار (Association of Ideas) مكانة جوهرية في فلسفة العصر التنويري، غير أن ستيوارت صاغ مقاربة متوازنة نأت به عن الغلو الذي سقط فيه الترابطيون الراديكاليون مثل هارتلي وجوزيف بريستلي. اعترف ستيوارت بالقوة الجبارة لآليات التداعي في تفسير تدفق الأفكار على شاشة الوعي الداخلي، إلا أنه رفض رفضاً قاطعاً تحويل العقل إلى مجرد رقعة شطرنج سلبية تتدحرج عليها الصور الذهنية بفعل قوى جاذبية ميكانيكية عمياء، مؤكداً الدور النشط للذات المفكرة في توجيه التداعي واختيار مساراته.
أعاد ستيوارت تقييم وتصنيف القوانين الكلاسيكية المنظمة لتداعي الأفكار التي كان قد حددها أرسطو وهيوم، واختزلها في العلاقات الأساسية التالية:
- التشابه أو التماثل: حيث تستدعي الفكرة ما يماثلها في الشكل أو المعنى أو البنية.
- التجاور في المكان والزمان: حيث يؤدي استحضار حادثة أو مكان إلى استدعاء ما تزامن معها أو جاورها جغرافياً في الخبرة السابقة.
- علاقة العلية والسببية: حيث يثير استحضار العلة في الذهن فكرة معلولها حتماً، والعكس بالعكس.
- علاقة التضاد والتناقض: حيث يستدعي النقيض نقيضه في حالات المقارنة الذهنية المشحونة.
أضاف ستيوارت إلى هذا التصنيف تمييزاً ثاقباً بين «التداعيات الطبيعية التلقائية»، وهي الروابط المعرفية المبنية على علاقات حقيقية وموضوعية بين الأشياء كعلاقة السبب بالنتيجة أو التجاور التاريخي الصادق، و«التداعيات العرضية أو الاصطناعية»، وهي الروابط العشوائية التي ينسجها الذهن بفعل المصادفة، أو العادات الخاطئة، أو التقليد الاجتماعي الأعمى. كما بين الدور المركزي الذي تلعبه «الانفعالات والميول العاطفية» في توجيه تدفق التداعي؛ فالحالة المزاجية للذات، كالحزن أو الفرح أو الخوف، تعمل بمثابة مرشح مغناطيسي ينتقي من مخزون الذاكرة تلك الأفكار والصور التي تتناغم مع النغمة الوجدانية السائدة وتستبعد ما عداها، مما يثبت أن التداعي ليس عملية منطقية مجردة بل نشاط نفسي مشبع بالحياة الانفعالية.
5.3 تطبيقات التداعي في تشكيل العادات والأوهام المعرفية
لم يكتفِ دوغالد ستيوارت بالتنظير التجريدي لقوانين التداعي، بل خصص مباحث مطولة لدراسة آثارها العملية في الحياة النفسية والاجتماعية للإنسان، كاشفاً عن كيفية مساهمة الترابطات الذهنية غير الرشيدة في تكوين التحيزات العقلية والأوهام المعرفية وتوطين التعصب في النفوس. رأى ستيوارت أن مرحلة الطفولة الباكرة تمثل الأرض الخصبة لنشوء هذه التداعيات الخاطئة؛ حيث يعمد الأطفال، بسبب محدودية خبرتهم وضعف ملكة المحاكمة النقدية لديهم، إلى ربط مفاهيم متباينة برباط وثيق لمجرد تزامنهما العرضي في تجربة انفعالية حادة، كالربط بين الظلام والخطر الشيطاني، أو بين جماعة بشرية معينة وسمات الخبث والشر.
أوضح ستيوارت أن هذه الارتباطات الذهنية، إذا ما تركت دون تصحيح، تترسخ بفعل الزمن وتتحول إلى عادات ذهنية قاهرة تبدو لصاحبها وكأنها حقائق بديهية ومبادئ فطرية لا تقبل الجدال؛ وهو ما يفسر استعصاء الخرافات والعصبيات الطائفية والسياسية على التفكيك بالبراهين المنطقية الخالصة. إن الخطأ هنا لم يقع في عملية الاستدلال ذاتها، بل في المقدمات الترابطية الزائفة التي امتزجت بالمشاعر والوجدانات منذ البدايات الأولى للحياة الشعورية. ومن هذا المنطلق، أسند ستيوارت للتربية العقلية وظيفة تحريرية عليا تتجلى في «فك الارتباطات الذهنية الزائفة»، وتدريب العقول الناشئة على تفكيك التداعيات العرضية وإعادة تنظيم المعرفة وفق شبكة من العلاقات العلية والموضوعية الصادقة.
طبق ستيوارت هذا الفهم السيكولوجي على تحليل بعض الظواهر النفسية المرضية الخفيفة، مثل نشوء الرهاب غير المبرر (Phobias) والنفور الحسي المباغت من موضوعات بريئة. كما قدم نصائح منهجية مبتكرة لاستثمار قوانين التداعي في تحسين أساليب التعليم الجامعي والمدرسي؛ حيث برهن على أن الحفظ القائم على الروابط المنطقية والفهم السببي أرسخ في الذهن وأسهل في الاسترجاع بمراحل من التكديس القائم على التجاور اللفظي العشوائي، داعياً المربين إلى نسج شبكات تداعي قائمة على الجمال والمنطق لتيسير التحصيل العلمي وجعله مسعى ممتعاً ومستداماً.
6. سيكولوجية الذاكرة: آليات التخزين والاسترجاع والنسيان
6.1 طبيعة الذاكرة والاعتقاد المصاحب لها بالماضي
قدم دوغالد ستيوارت في كتاباته تحليلاً إبستيمولوجياً وسيكولوجياً باذخاً لملكة الذاكرة (Memory)، محاولاً الإجابة عن المعضلة الكلاسيكية: ما الذي يجعل التذكر نشاطاً معرفياً فريداً يتجاوز مجرد استحضار صورة ذهنية إلى الوثوق التام بأن هذه الصورة تمثل واقعة حقيقية حدثت لنا في الزمن الماضي؟ انتقد ستيوارت المقاربات التي تخلط بين التخيل والذاكرة؛ فالتخيل قد يستحضر ذات الصور والألوان التي تستحضرها الذاكرة، إلا أنه يظل عارياً من عنصر «الاعتقاد بالواقعية التاريخية»، في حين أن الذاكرة تتضمن بالضرورة حكماً تصديقياً لا يتزعزع بأن ما نستحضره الآن قد وقع بالفعل في ماضينا الشخصي ونحن في حالة اتصال مباشر معه.
أكد ستيوارت أن هذا «الاعتقاد المصاحب لفعل التذكر» ليس استنتاجاً برهانياً نشتقه من فحص الصورة الذهنية، بل هو قانون أولي من قوانين الاعتقاد الإنساني الأساسية. إننا نثق بذاكرتنا بصورة فطرية وتلقائية، ولو توقفنا لنبرهن على صدق الذاكرة لتعذر علينا ذلك، لأننا سنضطر لاستخدام ذاكرتنا ذاتها للتحقق من صدق مقدمات البرهان. وربط ستيوارت كفاءة الحفظ في الذاكرة ارتباطاً سببياً لا ينفصم بـقوة الانتباه الأصلي الذي رافق وقوع الحدث؛ فالأشياء التي تمر بنا في حالة من الذهول أو التشتت تنزلق فوق سطح النفس دون أن تحفر لها مساراً، بينما تحفر الوقائع المحاطة بانتباه حاد وتأثر وجداني عميق أخاديد غائرة تجعل استدعاءها أمراً يسيراً حتى بعد انصرام العقود.
ميز ستيوارت بين نمطين من التذكر:
- الذاكرة التلقائية أو العفوية (Remembrance / Spontaneous Memory): حيث تطفو الذكريات على شاشة الوعي دون سابق قصد، مستجيبة لمثيرات حسية أو تداعيات ذهنية غير متكلفة.
- الذاكرة الاسترجاعية أو الاستذكار القصدي (Recollection): وهو فعل إرادي مركب يتطلب جهداً بحثياً منظماً، حيث يمسك الذهن بطرف خيط من شبكة التداعي، ثم يتفحص محتوياتها بوعي، مستبعداً الصور الطارئة، حتى يصل بالتدريج إلى الحقيقة المبتغاة.
رفض ستيوارت الفروض المادية الساذجة التي تزعم وجود «آثار فيزيائية ومسارات مادية محفورة في المخ» تخزن فيها الأفكار كالوثائق في الخزائن؛ مؤكداً أن التلازم بين صحة الدماغ وسلامة الذاكرة لا يبرر هذه النزعة المجازية المادية المضللة، وأن الذاكرة ينبغي أن تفهم وتدرس بوصفها قدرة روحية ومعرفية تستعصي على الاختزال التشريحي.
6.2 أنواع الذاكرة والفروق الفردية في بنيتها
أبدع ستيوارت في تصنيف البنى المختلفة للذاكرة الإنسانية، متصدياً لتفسير الفروق الفردية الهائلة التي نلاحظها بين البشر في قدراتهم على الحفظ والاسترجاع. وقسم الذاكرة، وفقاً لطبيعة الروابط التي تستند إليها، إلى نوعين رئيسيين:
- الذاكرة الفلسفية أو العلمية (Philosophical Memory): وهي الذاكرة التي تستند إلى إدراك العلاقات المنطقية، والعلل الباطنية، والترابطات النسقية بين المعارف؛ فلا تحفظ جزئية إلا بربطها بالقانون الكلي الذي يحكمها. يتسم أصحاب هذه الذاكرة بقلة اهتمامهم بالتواريخ المعزولة والأسماء الصماء والتفاصيل العرضية، لكنهم يمتلكون قدرة استثنائية على استرجاع المعارف المنظمة والمبادئ الكبرى حتى بعد سنوات طويلة، لأنهم يخزنونها داخل شبكة مفاهيمية متماسكة.
- الذاكرة اللفظية أو الآلية (Verbal or Mechanical Memory): وهي الذاكرة التي تعتمد على التكرار السطحي، والتجاور الزمني والمكاني العارض، والحفظ الحرفي للألفاظ دون نفاذ إلى المعاني. يتفوق أصحاب هذه الذاكرة في استظهار النصوص الطويلة والقوائم المعجمية وأرقام الهواتف بسرعة مذهلة، غير أن معارفهم تظل هشة ومعرضة للتبدد السريع بمجرد انقطاع التكرار، لأنها غير مشدودة إلى هيكل منطقي يمنحها الحياة.
حلل ستيوارت التفاوت بين هذه الأنواع تبعاً لاختلاف الميول والاهتمامات والمهن؛ فرجل العلم والقاضي والمؤرخ تتشكل لديهم ذاكرة فلسفية تهتم بالبراهين والوقائع الجوهرية، بينما تتطلب مهام أخرى، كالممثل والمحامي في مرافعاته الحرفية، ذاكرة لفظية سريعة الالتقاط. كما تناول أثر التقدم في السن وتدهور الوظائف النفسية في مرحلة الشيخوخة على بنية الذاكرة؛ ففسر الظاهرة الشائعة المتمثلة في عجز المسنين عن تذكر أحداث الأمس القريب مع احتفاظهم بقدرة مدهشة على استعادة تفاصيل طفولتهم البعيدة. وعزا ذلك إلى أن أحداث الشيخوخة تقع على ذهن متعب فقد شغفه وانتباهه الحاد، فلا تنطبع فيه بعمق، بينما انطبعت ذكريات الشباب والطفولة في ذهن متقد مشحون بالدهشة والانفعالات الحية التي ضمنت لها خلوداً مستقراً في أعماق الذاكرة.
6.3 فن تقوية الذاكرة وطرق معالجة النسيان
تحت عنوان «فن تقوية الذاكرة» (Art of Memory or Mnemonics)، ناقش دوغالد ستيوارت الأنظمة الصورية المصطنعة للاستذكار التي كانت شائعة منذ العصور الرومانية والتي تعتمد على ربط المعلومات بأماكن خيالية أو رموز بصرية غريبة. اتخذ ستيوارت موقفاً نقدياً متزناً من هذه الوسائل؛ فاعترف بأنها قد تفيد في استظهار قوائم عشوائية لا رابط بينها، لكنه حذر من الاعتماد المفرط عليها في تحصيل العلوم الجادة، لأنها تملأ الذهن بتداعيات سخيفة وزائفة تشوش على الفكر الصافي وتثقل العقل بركام من الصور العبثية التي تضر بملكة المحاكمة الرشيدة.
أكد ستيوارت أن السبيل الأمثل والحقيقي لتقوية الذاكرة يكمن في تطبيق المنهج الفلسفي المنظم في تحصيل العلم، والذي يتلخص في:
- التركيز الواعي والمكثف أثناء التلقي، واستبعاد كافة مصادر التشتت البصري والذهني.
- تنظيم المعارف الجديدة وربطها بالخبرات السابقة عبر مبادئ التصنيف المنطقي وعلاقات العلة والمعلول.
- الممارسة المستمرة للتأمل العقلي وإعادة صياغة الأفكار بلغة الباحث الخاصة بدلاً من حفظها الحرفي السلبي.
- المراجعة الدورية المتباعدة زمنياً، التي تحول المعارف العابرة في الوعي اللحظي إلى رصيد دائم ومستقر في عمق النفس.
قدم ستيوارت تحليلاً فلسفياً عميقاً لظاهرة النسيان (Oblivion)، رافضاً اعتباره مجرد عجز أو عيب سيكولوجي بحت. رأى ستيوارت أن النسيان هو في واقعه عملية تصفية حيوية وضرورية لسلامة النشاط العقلي والتوازن النفسي للإنسان؛ فلو احتفظ العقل البشري بكل انطباع حسي وكل تفصيلة تافهة مرت به عبر يومه، لغرق مسرح الوعي في فوضى بصرية وسمعية عارمة تشل قدرته على التجريد والتفكير الكلي، ولأمسى التفكير مستحيلاً لكثرة الزحام. النسيان هو الآلية الطبيعية التي تكنس التفاصيل الزائلة لتفسح المجال أمام الملكات العليا لاستخلاص القوانين العامة والاحتفاظ فقط بما هو جوهري ومفيد لمسيرة الحياة والوعي.
7. ملكات التخيل والإبداع والتذوق الجمالي: دراسة سيكولوجية مقارنة
7.1 التمييز الدقيق بين التخييل البسيط والتخيل الإبداعي المركب
وضع دوغالد ستيوارت في القسم المخصص للجماليات من فلسفته حداً فاصلاً بين ملكتين كانتا تتداخلان في كتابات الفلاسفة السابقين تداخلاً مضللاً: ملكة التخييل البسيط أو الاستحضار الصوري (Simple Conception)، وملكة التخيل الإبداعي المركب (Creative Imagination). عرف ستيوارت التخييل البسيط بأنه مجرد قدرة الذهن على استحضار نسخة أو صورة فكرية لموضوع حسي غائب سبق إدراكه، دون إحداث أي تعديل أو تبديل في عناصره الأصلية؛ كأن يتخيل المرء وجه صديق مسافر أو شكل الغرفة التي غادرها للتو. هذه الملكة، في جوهرها، هي الخادم المباشر للذاكرة، وتقتصر على العرض الصادق للصور المخزنة.
أما «التخيل الإبداعي المركب»، فهو في نظر ستيوارت طاقة تركيبية معقدة ونشطة لا تقتصر على الاستحضار، بل تفكك الصور والخبرات السابقة إلى عناصرها الأولية، ثم تعيد تشكيلها وتأليفها لتبدع موضوعات وصوراً ومفاهيم جديدة كلياً لم تقع في الخبرة الحسية الواقعية قط. إن التخيل الإبداعي ليس ملكة بسيطة منعزلة، بل هو «أوركسترا عقلية» تتضافر فيها قوى التخييل الصوري، والتداعي الذهني الخصب، وقوة التجريد، وملكة المحاكمة العقلية والذوق. بدون المحاكمة والذوق، يتحول التخيل إلى هذيان فوضوي وشطحات مشوهة؛ وبدونهما يعجز العقل عن اختيار العناصر المتناسقة التي تمنح العمل الإبداعي قيمته الفنية والجمالية المستدامة.
حلل ستيوارت بدقة العمليات النفسية المصاحبة للإبداع الشعري والفني كما يمارسه العباقرة؛ فأوضح أن الشاعر لا يبتدع عناصر من العدم، بل يستمد مواده من الطبيعة والخبرة الإنسانية، لكنه يمتلك حساسية استثنائية لرصد التماثلات الخفية وعلاقات التناسب التي تعمى عنها الأعين العادية. يقوم التخيل الفني بانتقاء أجمل ما في مشاهد الطبيعة المتفرقة، فيجمع صفاء سماء معينة، مع خضرة مرج آخر، مع عذوبة جدول ثالث، ليخلق في قصيدته أو لوحته «طبيعة مثالية» أبهى وأكثر تركيزاً من الطبيعة الخام؛ وهو ما اعتبره ستيوارت السحر الحقيقي للفن الذي يرتقي بالوجدان الإنساني فوق ضيق الواقع الحسي المعاش.
7.2 سيكولوجيا الذوق وتطور الحاسة الجمالية
عالج ستيوارت مفهوم الذوق (Taste) بوصفه ملكة معرفية ووجدانية في آن واحد، خاضعة لقوانين التطور والتهذيب بالتربية والممارسة والتأمل الذاتي، رافضاً النزعة الدوغمائية التي تعتبر الذوق هبة فطرية جامدة ومغلقة لا تقبل التغيير، وفي الوقت ذاته رافضاً النسبية المطلقة التي تروج للقول الشائع بأنه «لا مشاحة في الأذواق». انطلق ستيوارت من أن الطبيعة البشرية مزودة بقابليات فطرية مشتركة للاستجابة الانفعالية لمثيرات التناسق والانسجام والنظام، غير أن هذه القابليات تظل بذرة أولية تتطلب رعاية ثقافية حثيثة لتزهر ذوقاً نقدياً رفيعاً.
قدم ستيوارت تحليلاً نفسياً لمشاعر الجمال (Beauty) والجلال (Sublimity):
- مشاعر الجمال تنبع من تأمل الموضوعات المتسقة، المتناغمة في الألوان والأشكال، التي تبث في النفس شعوراً بالراحة والسكينة والبهجة اللطيفة.
- مشاعر الجلال والروعة تنبثق من مواجهة المشاهد الهائلة، والآفاق اللامتناهية، والقوى الطبيعية العاتية كالعواصف والبحار الهادرة؛ حيث تمتزج مشاعر الدهشة بنوع من الوجل والرهبة المقبولة التي ترفع النفس وتوقظ فيها الإحساس بضآلتها الفيزيائية في مقابل عظمة الكون وقدرة الخالق المتعالي.
أبرز ستيوارت الأثر البالغ الذي تلعبه المعايير الاجتماعية والتقاليد الثقافية والأزياء والعادات في توجيه الأحكام الجمالية وتلوينها؛ موضحاً كيف يمكن للتداعي أن يضفي جمالاً عارضاً على موضوعات محايدة لمجرد ارتباطها بذكريات العزة الوطنية أو مشاعر الحب العائلي. ومع ذلك، شدد على أن هذا التأثير الثقافي لا يلغي وجود أسس جمالية موضوعية ومستقرة تتطابق مع التكوين الإدراكي العام للبشر. كما عقد صلة وثيقة بين التذوق الجمالي والتربية الأخلاقية؛ مؤكداً أن الفنون الرفيعة تلين الطباع، وتهذب الغرائز الحيوانية، وتعد الروح لتأمل الفضائل الأخلاقية من خلال تدريبها المسبق على حب التناسق والنظام والنفور من القبح والاضطراب.
7.3 المخاطر النفسية للشطط التخييلي وتأثيره على التكيف الواقعي
كرس دوغالد ستيوارت في الجزء الأول من كتابه عناصر فلسفة العقل البشري صفحات نقدية تحذيرية بالغة العمق حول المخاطر النفسية والتربوية لإساءة استخدام ملكة التخيل والشطط فيها دون ضابط من المحاكمة الرشيدة. حذر ستيوارت من مغبة الاستغراق المفرط في «أحلام اليقظة» والانعزال في العوالم الخيالية؛ مبيناً أن بناء القصور في الهواء يشل إرادة الإنسان، ويضعف قدرته على مواجهة أعباء الحياة الواقعية وتحدياتها اليومية الخشنة التي تتطلب جهداً متواصلاً وصبراً لا توفره العوالم المتخيلة السهلة والبراقة.
وجه ستيوارت نقداً سيكولوجياً لاذعاً لظاهرة الإفراط في قراءة الروايات العاطفية الخيالية التي اجتاحت المجتمعات الأوروبية في عصره. وبرهن على أن هذا الاستهلاك الأدبي المبتذل يمارس عملية «استنزاف انفعالي زائف» للوجدان الإنساني؛ فالقارئ يعتاد البكاء على مآسي أبطال وهميين والتعاطف مع شخصيات مصطنعة دون أن يُطلب منه تقديم تضحية عملية أو معونة حقيقية في الواقع. وبمرور الوقت، تتكون لديه عادة سلبية خطيرة: تبلد المشاعر الحقيقية تجاه المعاناة الواقعية للبشر المحيطين به، وتحول التعاطف لديه من دافع عملي للبر والإحسان إلى مجرد استمتاع نرجسي بتذوق الحزن الشاعري الرقيق.
نبه ستيوارت كذلك إلى أن الفجوة الشاسعة التي يخلقها التخيل غير المنضبط بين العالم الواقعي القائم وعالم الخيال المشتهى تقود أصحابها في الغالب إلى مشاعر الإحباط، والتشاؤم، وازدراء الحياة الإنسانية الطبيعية. يجد المنغمس في الخيال نفسه في حالة صدمة دائمة من نقائص المجتمع، وقبح التفاصيل اليومية، ومحدودية البشر؛ مما يولد لديه انطواءً كئيباً أو نفوراً عدمياً من مسؤوليته المدنية. ورأى ستيوارت أن العلاج التربوي لهذه الآفة لا يكمن في خنق ملكة التخيل، بل في توجيهها الصارم لتكون خادمة للحقيقة ومحفزة للعمل البناء؛ عبر موازنة التأمل الأدبي بدراسة العلوم الواقعية والرياضيات والانخراط العملي في خدمة المجتمع.
8. الإرادة، الدوافع، والأفعال الإنسانية: البعد النفسي للأخلاق
8.1 طبيعة الإرادة والحرية الإنسانية في مواجهة الحتمية النفسية
تمثل مسألة حرية الإرادة الإنسانية (Free Will) الركيزة الأخلاقية التي دافع عنها دوغالد ستيوارت بكل ما أوتي من قوة وجدل، متصدياً للنزعات الجبرية والحتمية المادية والنفسية التي راجت في فلسفة التنوير المتأخر، وبخاصة لدى توماس هوبز، وجوناثان إدواردز، وجوزيف بريستلي. أعلن ستيوارت أن حرية الإرادة ليست قضية تثبت عبر استدلالات ميتافيزيقية دائرية، بل هي معطى أولي وبديهي يشهد به «الوعي الذاتي المباشر» لكل كائن بشري عاقل لحظة إقدامه على الفعل والاختيار بين بدائل متعددة.
هاجم ستيوارت الحجة الجبرية الكلاسيكية القائلة بأن «الإرادة محكومة حتماً بالباعث أو الدافع الأقوى» (The Strongest Motive)، معتبراً هذه المقولة ضرباً من المغالطة اللفظية ومصادرة تافهة على المطلوب. سأل ستيوارت خصومه: «كيف نحدد أي البواعث هو الأقوى؟» إذا كان الجواب هو: «إنه الباعث الذي ينقاد إليه الفعل في النهاية»، فإن الحجة تسقط في دور منطقي فارغ؛ إذ تغدو العبارة مجرد قول مكرر: «الفعل يتبع الباعث الذي تبعه الفعل». رفض ستيوارت تشبيه بواعث النفس بالأوزان الميكانيكية التي توضع في كفتي الميزان فترجح إحداهما الأخرى آلياً؛ فالإنسان ليس ميزاناً سلبياً، بل هو ذات فاعلة تختار بحريتها أن تمنح هذا الدافع أو ذاك وزنه وقيمته، وتملك القدرة الواعية على مقاومة الإغراءات الحسية الجارفة لحساب مبدأ أخلاقي مجرد.
وضع ستيوارت تمييزاً دقيقاً بين الرغبة (Desire) والإرادة (Volition)؛ فالرغبة هي ميل انفعالي عاطفي يثور في النفس تلقائياً تجاه موضوع ملذ أو نافع، ولا يملك الإنسان دفع نشوئه؛ أما الإرادة، فهي القرار العقلي بالاستجابة للرغبة أو كبحها ورفضها. ومن ثم، فإن تعدد الرغبات وتنازعها لا ينفي حرية الإرادة، بل يمثل الميدان الخصب لممارستها. وربط ستيوارت ثبوت هذه الحرية بمشاعر الندم، وتبكيت الضمير، واللوم، واستحقاق الثواب والعقاب؛ فكل إنسان يلوم نفسه على خطأ ارتكبه يشعر في قرارة وعيه بأنه «كان قادراً على ألا يفعل»، وهذا الشعور باللوم يستحيل تبريره عقلياً إذا كان الفعل خاضعاً لسلسلة جبرية حتمية لا فكاك منها.
8.2 تصنيف الدوافع والميول والمشاعر الفطرية
صاغ ستيوارت في أبحاثه الأخلاقية تصنيفاً سيكولوجياً رصيناً لـ«المبادئ الفاعلة في الطبيعة الإنسانية» (Active Principles of our Nature)، باحثاً في الدوافع والميول التي تحرك السلوك البشري من أدنى مستوياته البيولوجية إلى أسمى درجاته الروحية. قسم ستيوارت هذه المبادئ إلى ثلاث فئات متدرجة:
- الشهوات والميول الحيوانية الفطرية (Appetites): وهي النزعات الغريزية الدورية المشتركة مع سائر الكائنات الحية، الرامية أساساً لحفظ ذات الفرد واستمرار النوع؛ كالجوع، والعطش، والميل الجنسي. تتميز هذه الشهوات بأنها تنشأ بدافع عضوي دوري، وتهدأ بمجرد إشباع موضوعها.
- الرغبات والميول العقلية الاجتماعية (Desires): وهي نزعات نفسية عليا تستمر على الدوام ولا تنطفئ بمجرد الإشباع اللحظي؛ وتشمل: الرغبة في المعرفة (حب الاستطلاع الفضولي)، والرغبة في المجتمع والاجتماع بالبشر، والرغبة في التقدير ونيل المكانة والسمعة الطيبة، والرغبة في السلطة والتأثير، والرغبة في التفوق والمحاكاة. هذه الرغبات هي المحركات الأساسية لتقدم الحضارات، وبناء المؤسسات، وازدهار الفنون والعلوم.
- العواطف والمشاعر الوجدانية (Affections): وتنقسم إلى «مشاعر ودية» (Benevolent) كالحب، والشفقة، والرحمة، والميل الطبيعي لإعانة الآخرين؛ و«مشاعر نفورية» (Malevolent) كالغضب، والحقد، والغيرة، وهي مشاعر دفاعية غرست في الإنسان لرد العدوان وحماية البقاء، لكنها تنحرف إلى رذائل إذا لم تضبط بالمحاكمة العقلية.
شن ستيوارت هجوماً كاسحاً على النظريات الأنانية والذرائعية التي سادت الفكر الإنجليزي والفرنسي منذ توماس هوبز وبرنارد دي ماندفيل، والتي ادعت أن جميع دوافع الإنسان، بما فيها أسمى أعمال البر والإيثار، يمكن ردها في التحليل الأخير إلى «حب الذات» (Self-love) والبحث عن المصلحة الشخصية واللذة الفردية. برهن ستيوارت على تهافت هذا التفسير؛ فالطبيعة البشرية ليست أنانية مطلقة ولا ملائكية مطلقة، بل تحوي مبادئ فطرية ومستقلة تدفع نحو حب الخير للغير لذاته، والتعاطف مع المتألم دون أي حساب لمنفعة شخصية راجعة. إن محاولة اختزال كرم النفس ونبل التضحية في معادلات نفعية ضيقة هي تشويه فاضح للحقائق السيكولوجية الصريحة التي تعمر بها النفس البشرية.
8.3 الحاسة الأخلاقية والعقل العملي عند ستيوارت
توج دوغالد ستيوارت فلسفته الأخلاقية بالدفاع عن استقلالية الأحكام الأخلاقية وسيادتها المطلقة على كافة الحسابات البراغماتية، مستلهماً في ذلك تراث جوزيف بتلر وتوماس ريد في مقابل النفعية المتصاعدة لجيريمي بينثام. أقر ستيوارت بوجود ملكة عليا في الإنسان أطلق عليها بالتبادل الضمير (Conscience) أو الملكة الأخلاقية (Moral Faculty)، وهي ملكة مزدوجة تجمع بين الإدراك المعرفي والانفعال الوجداني الحاكم.
أوضح ستيوارت أن الضمير لا يخبرنا فقط بما هو «نافع» أو «ضار»، بل يصدر حكماً إدراكياً قاطعاً وفورياً بأن هذا الفعل «صواب» (Right) أو «خطأ» (Wrong)، وأن هذا السلوك يستحق الثناء أو يستوجب الإدانة. إن مفاهيم الواجب الأخلاقي، والاستقامة، والعدالة، هي مفاهيم أولية وبسيطة لا يمكن اشتقاقها من مفهوم «اللذة» أو «المنفعة»؛ فالإنسان يدرك بداهة فارقاً نوعياً عميقاً بين عمل يحقق له ربحاً مالياً، وعمل يحقق واجباً أخلاقياً مقدساً ينطوي على تضحية بماله وروحه. ومثلما تمتلك الحواس الخارجية القدرة على تمييز الألوان والأصوات، فإن الملكة الأخلاقية تمتلك بصيرة معنوية تميز بها الخير من الشر بذاتهما.
أكد ستيوارت التكامل الضروري بين العاطفة الأخلاقية (التي تهب الدافع والحرارة النفسية) والاستدلال العقلي (الذي يفحص الوقائع، ويدرس الظروف، ويطبق القواعد العامة على الحالات الجزئية المعقدة). كما ألمح إلى الرباط السيكولوجي العميق بين الأخلاق والاعتقاد الديني الطبيعي؛ ففكرة وجود إله عادل وحكيم يدير الكون ويثيب المحسن ويعاقب الظالم ليست فكرة مفروضة من الخارج بقوة الكهنوت، بل هي استجابة نفسية طبيعية تنبثق تلقائياً من داخل الضمير الأخلاقي حين يتأمل عجزه عن تحقيق العدالة الكاملة في حدود الحياة الدنيا، مما يمنح الالتزام الأخلاقي اليومي مهابة مقدسة وضمانة استقرار راسخة.
9. فلسفة اللغة والرموز وعلاقتها بالعمليات المعرفية والذهنية
9.1 نشأة اللغة وتطورها من منظور سيكولوجي
شغلت مسألة فلسفة اللغة وتكوين الرموز حيزاً مركزياً في المشروع الفكري لدوغالد ستيوارت؛ حيث نظر إلى اللغة ليس فقط بوصفها أداة لنقل الأفكار والتواصل الاجتماعي، بل بصفتها الأداة الأساسية التي تصوغ الفكر ذاته وتمكنه من الارتقاء من العيان الحسي الجزئي إلى مدار المفاهيم المجردة الكلية. وضع ستيوارت نظرية تطورية سيكولوجية ترصد الانتقال التاريخي التدريجي للعقل البشري من أنماط التعبير البدائية إلى اللغات الاصطناعية المعقدة ذات البناء النحوي الفلسفي.
ميز ستيوارت بين مرحلتين رئيسيتين في التاريخ اللغوي للبشرية:
- اللغة الطبيعية (Natural Language): وهي المنظومة التعبيرية الأولى التي اعتمد عليها الإنسان البدائي، وتتألف من الإيماءات الجسدية، وحركات الوجه، والتنغيمات الصوتية التلقائية والصراخات العفوية المعبرة عن مشاعر الخوف، والفرح، والألم؛ وهي لغة عالمية فورية تتطابق فيها العلامة مع الانفعال تطابقاً عضوياً مباشراً.
- اللغة الاصطناعية أو الرمزية (Artificial Language): وهي المنظومة الراقية التي طورها الإنسان عبر التواضع والاصطلاح، حيث حلت الأصوات المقطعية والرموز الخطية المجردة محل الإيماءات، وتلاشت العلاقة المادية الطبيعية بين اللفظ والمعنى لصالح علاقة دلالية اتفاقية متطورة.
حلل ستيوارت الآليات السيكولوجية الدقيقة التي تشكلت عبرها «الأسماء العامة» (General Terms) والمفاهيم الكلية؛ مبيناً أن اللغة بدأت حتماً بتسمية الأشخاص والأشياء الجزئية المحددة، كإطلاق اسم على نهر بعينه أو شجرة معينة. ومع تراكم الخبرة وملاحظة أوجه الشبه والاتفاق بين كائنات متباينة، نشطت ملكة التجريد والمقارنة، فأطلق الذهن اسماً جامعاً واحداً (مثل «نهر» أو «شجرة») على كل ما يشترك في الخصائص الجوهرية ذاتها. وأكد ستيوارت أن ابتكار الأسماء العامة كان بمثابة المعجزة العقلية التي حررت الفكر البشري من عبء الغرق في مليارات الجزئيات الحسية المتفرقة، ومكنته من صياغة قوانين العلوم وبناء البراهين الفلسفية المعقدة.
9.2 دور العلامات والكلمات في توجيه التفكير وتشكيل الأفكار
تعمق ستيوارت في دراسة الوظيفة الأداتية للألفاظ، موضحاً أنها تعمل كـ«أدوات اختزال معرفي» بالغة الكفاءة، شبيهة بالرموز الجبرية في العمليات الحسابية؛ فالإنسان حين يفكر في قضايا معقدة تخص العدالة، أو الدولة، أو الفلك، لا يستحضر في مخيلته كل التفاصيل والوقائع العيانية التي تؤسس هذا المفهوم، بل يستخدم اللفظ كـ«رمز بديل» يمسك بالمعنى، ويدير به عملياته الاستدلالية بثقة وسرعة هائلتين، معولاً على قدرته على تفكيك الرمز إلى محتوياته الأصلية متى اقتضت الضرورة ذلك.
إلا أن هذه الميزة الكبرى تحمل في طياتها خطراً معرفياً جسيماً أفرد له ستيوارت تحذيرات صارمة: مخاطر الخلط بين الألفاظ والحقائق والوقوع في شرك المغالطات اللفظية والجدل العقيم. فالكلمات، لكونها مجرد أوعية رمزية اصطلاحية، قد تفقد مضامينها الحقيقية عبر سوء الاستخدام أو التداول المشوش، فيستمر الفلاسفة والناس في التنازع حول ألفاظ غامضة لا تطابقها أفكار واضحة في الأذهان، متحولين إلى سفسطائيين يتلاعبون بالأصوات. وانتقد ستيوارت في هذا السياق «النزعة الاسمية المتطرفة» (Radical Nominalism) التي دافع عنها مفكرون من أمثال هوبز وكوندياك وهورن توك، والذين زعموا أن التفكير ليس سوى تلاعب بالكلمات وأن الحقيقة لا تتعدى الترتيب اللفظي؛ فرد عليهم بأن الكلمات دون تصورات عقلية سابقة ومبادئ اعتقاد باطنية تظل مجرد نقوش صماء لا يمكنها توليد معرفة أو إدراك حقيقي.
اقترح ستيوارت استراتيجيات عملية لتحسين لغة الفلسفة والعلوم، مؤكداً ضرورة القيام بـ«مراجعة دورية للمصطلحات»، وتحديد تعريفات دقيقة للمفاهيم المجردة، والحرص على عدم استخدام اللفظ الواحد بدلالات متعددة في سياق برهاني واحد. ورأى أن صفاء الفكر مرتبط ارتباطاً جدلياً بنقاء اللغة؛ فكل خطوة نحو تدقيق المصطلح هي في حقيقتها خطوة نحو جلاء الفكرة وحمايتها من أوهام السوق والمسرح التي حذر منها بيكون.
9.3 دراسة الحالات السيكولوجية النادرة وتأثيرها المعرفي
تميز دوغالد ستيوارت بروح العالم الاستقصائي التي دفعته إلى استثمار الحالات المرضية والنادرة لاختبار نظرياته في فلسفة العقل واللغة والإدراك الحسي، وتجلى ذلك بوضوح في دراسته الشهيرة والموثقة للحالة الطبية والنمائية للشاب الإسكتلندي جيمس ميتشل (James Mitchell)، وهو صبي ولد محروماً كلياً من حاستي السمع والبصر، وكان أبكماً بالضرورة لعجزه عن سماع الأصوات وتقليدها.
نشر ستيوارت مذكرة علمية مستفيضة عن حالة ميتشل في سجلات الجمعية الملكية في إدنبرة عام 1812، متتبعاً بدقة سلوك الصبي وكيفية تفاعله مع البيئة المحيطة به في غياب الأقنيتين الرئيسيتين للمعرفة الإنسانية (السمع والبصر). أثبت ستيوارت، من خلال الملاحظة العيانية الصارمة، أن ميتشل لم يكن كائناً بليداً أو كتلة حسية صماء كما كانت تتوقع النظريات الحسية المادية، بل أظهر مظاهر باهرة لـ«النشاط العقلي الفطري»، والفضول الاستكشافي المتقد، والمشاعر الأخلاقية العائلية، والقدرة على التفكير الإبداعي والتخطيط العملي لتلبية رغباته.
بين ستيوارت كيف وظف الصبي حاستي اللمس والشم بدرجة فائقة من الذكاء والتعويض السيكولوجي، فكان يشم الغرباء ليتعرف على هوياتهم، ويتحسس الأشياء والأدوات بدقة ليدرك أبعادها وصلابتها وأشكالها، بل واستطاع ابتكار «لغة إيمائية لمسية» خاصة للتواصل مع أمه وأخته والتعبير عن مطالبه ومشاعره. استنتج ستيوارت من هذه الواقعة دليلاً تجريبياً قاطعاً على بطلان المذهب الحسي الاختزالي لكوندياك؛ فالعقل البشري ليس نتاجاً ميكانيكياً تنحته الحواس الخارجية، بل هو فاعلية داخلية جوهرية مجهزة بقوانين فهم فطرية وطاقات كامنة تفرض حضورها الإنساني حتى لو سدت في وجهها أهم النوافذ الحسية على العالم.
10. تحليل كتاب ‘عناصر فلسفة العقل البشري’: البنية والمحتوى والأثر الأكاديمي
10.1 الظروف التأليفية وأهداف الأجزاء الثلاثة للعمل الموسوعي
يعد كتاب عناصر فلسفة العقل البشري (Elements of the Philosophy of the Human Mind) التحفة الفكرية الخالدة لدوغالد ستيوارت، والعمل الذي كرس مكانته كأبرز فيلسوف أكاديمي ناطق بالإنجليزية في عصره. استغرق إنجاز هذا العمل الموسوعي الضخم نحو خمسة وثلاثين عاماً من حياة المفكر؛ حيث صدر المجلد الأول عام 1792 في أوج نشاطه الجامعي بإدنبرة، ليرسم الخريطة العامة لدراسة الملكات الفكرية، متناولاً بالتفصيل قضايا الإدراك، والانتباه، والتداعي، والذاكرة، والتخيل. حقق هذا الجزء نجاحاً مدوياً في الأوساط الثقافية بفضل توازنه النظري وأسلوبه الأدبي الرفيع.
تأخر صدور المجلد الثاني حتى عام 1814، بعد أن تقاعد ستيوارت من أعباء التدريس وانعزل في ضيعته الريفية بـ«كينيل هاوس»، مكرساً طاقته لتنقيح أفكاره حول المنطق، والمحاكمة العقلية، وطبيعة البراهين الرياضية والاستقرائية، ونقد المنطق الأرسطي. أما المجلد الثالث، فقد خرج للنور في عام 1827، قبل وفاته بعام واحد فقط، متضمناً معالجات عميقة لملكة اللغة، وسيكولوجيا الاتصال، ودراسة الحالات النادرة كحالة جيمس ميتشل، بالإضافة إلى فصول تطبيقية حول تأثير التربية والبيئة الاجتماعية على العقل. يرجع هذا التباعد الزمني المديد بين الأجزاء إلى حرص ستيوارت الاستثنائي على تنقيح عباراته واختبار أفكاره في ضوء التطورات الفلسفية والعلمية المتلاحقة في أوروبا.
هدف ستيوارت من وراء هذا العمل إلى صياغة مرجع تعليمي أكاديمي متكامل وشامل، يسد الفراغ الذي عانت منه الجامعات، ويوفر للأجيال الصاعدة مدخلاً منهجياً يجمع بين الصرامة العلمية والاستقامة الأخلاقية. وتميز الكتاب بنثر بلاغي رفيع وعبارات فصيحة منتقاة بعناية بالغة، مما أضفى على المباحث العقلية المعقدة مسحة من البهجة والجاذبية الأدبية؛ حيث اعتبر ستيوارت أن الوضوح في التعبير هو انعكاس طبيعي لنقاء الفكرة، وأن الفلسفة لا ينبغي أن تنغلق في رطانة مظلمة تنفر العقول الحرة، بل يجب أن تخاطب الفكر الإنساني بأرقى حلل البيان الرصين.
10.2 المنطق التداولي ونقد المنطق الأرسطي الصوري في الكتاب
كرس ستيوارت في المجلد الثاني من كتاب العناصر صفحات نقدية بارعة لتفكيك المنطق الصوري الأرسطي ونظرية القياس (Syllogism)، سائراً على خطى بيكون وريد في إثبات عقم هذا النمط الصوري في ميدان الاكتشاف العلمي؛ حيث أكد أن القياس الأرسطي لا يضيف إلى المعرفة الإنسانية أي جديد لم يكن مضمناً بالفعل في «المقدمة الكبرى». فحين نقول: «كل إنسان فان، وسقراط إنسان، إذن سقراط فان»، فإن النتيجة لم تكشف حقيقة مجهولة؛ إذ إننا لم نكن لنصدق بصدق المقدمة الكبرى القائلة بفناء جميع البشر لو لم نكن على يقين مسبق بفناء سقراط نفسه كواحد من هؤلاء البشر. ومن ثم، فإن القياس ليس أداة لاكتشاف المجهول، بل هو مجرد آلية صياغية لعرض ما نعرفه سلفاً والتأكد من عدم تناقض العبارات.
دافع ستيوارت بقوة عن منطق الاستقراء العلمي والمنطق التداولي القائم على فحص الوقائع واستخلاص القوانين العامة عبر الملاحظة الموضوعية، معتبراً إياه الأداة الحقيقية الوحيدة لتقدم العلوم، سواء في الفلك والفيزياء أو في فلسفة العقل والأخلاق والتشريع. وتوسع ستيوارت في تحليل طبيعة البرهان الرياضي؛ فبين أن اليقين المطلق في الهندسة والحساب لا يرجع إلى مطابقتها لأشياء مادية خارجية، بل إلى حقيقة أن الرياضيات تنطلق من تعريفات اصطلاحية مفترضة يضعها الذهن بنفسه ويتحكم في حدودها بدقة مطلقة دون أي تشويش تجريبي.
طور ستيوارت في المقابل منهجاً لتحليل الأدلة المعنوية والأحكام الاحتمالية (Moral Evidence) التي تحكم العلوم الإنسانية، والتاريخ، والقضاء، والحياة اليومية. أوضح أن هذه المجالات لا تقبل البراهين الرياضية الصارمة، بل تعتمد على تراكم القرائن، وشهادات الشهود، واطراد الظواهر النفسية، وتوافق الأدلة المتفرقة التي تتضافر لتولد يقيناً عملياً راسخاً لا يقل قوة في توجيه الفعل الإنساني عن اليقين الهندسي؛ وهو ما شكل تأسيساً إبستيمولوجياً باهراً لمنهجية العلوم الاجتماعية والإنسانية الحديثة.
10.3 استقبال الكتاب وتداوله في الجامعات البريطانية والعالمية
استُقبل كتاب عناصر فلسفة العقل البشري بحفاوة نقدية وأكاديمية قل نظيرها، وسرعان ما اعتمد كنص مرجعي إلزامي في تدريس الفلسفة وعلم النفس والمنطق في جامعات إدنبرة، وغلاسكو، وأبردين، وامتد نفوذه سريعاً ليدخل المقررات الدراسية في جامعتي أكسفورد وكامبريدج في إنجلترا، مقوضاً الهيمنة القديمة للنصوص المدرسية البالية.
تجاوز صدى الكتاب حدود بريطانيا ليعبر المحيط الأطلسي نحو الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث شهد الفكر الأكاديمي الأمريكي في الربع الأول من القرن التاسع عشر مرحلة وصفت بـ«العصر الإسكتلندي». تبنت جامعات هارفارد، وبرنستون، وييل، وجامعة بنسلفانيا مؤلفات ستيوارت بصفتها النصوص المعرفية المؤسسة؛ حيث وجد فيها الأكاديميون الأمريكيون، وفي مقدمتهم جون ويزرسبون وخلفاؤه، التوليفة المثالية التي تجمع بين التجريبية العلمية، والدفاع عن الإيمان الديني الطبيعي، والاستقامة الأخلاقية الجمهورية، مما أسهم في صياغة العقلية الفلسفية الأمريكية لعدة أجيال قبل صعود مذهب البراغماتية.
حظي الكتاب بمراجعات نقدية مطولة ورفيعة في كبريات الدوريات الأدبية والفكرية البريطانية، مثل إدنبرة ريفيو (Edinburgh Review) وكوارترلي ريفيو (Quarterly Review)، والتي تبارى فيها كبار النقاد، مثل فرانسيس جيفري وسير جيمس ماكنتوش، في تحليل نصوصه والإشادة بأسلوبه. كما تُرجم الكتاب بمجلداته المختلفة إلى اللغات الفرنسية والألمانية والإيطالية في تواريخ مبكرة؛ حيث قام المفكر الفرنسي بيير بول روييه كولار بإدراج فصوله في مقررات جامعة السوربون، مما جعل من كتاب العناصر الوثيقة الفلسفية الأبرز التي مثلت الاعتدال التنويري الإسكتلندي في القارة الأوروبية بأسرها.
11. المناظرات الفكرية والمقارنة مع التيارات النفسية المعاصرة
11.1 المناظرة مع النزعة التجريبية الراديكالية لكوندياك والإيديولوجيين
خاض دوغالد ستيوارت سجالاً فلسفياً محتدماً ضد النزعة الحسية الراديكالية التي مثلها الفيلسوف الفرنسي إتيان بونو دي كوندياك وحركة «الإيديولوجيين» المتفرعة عنه في باريس. كانت نقطة الانطلاق في نقد ستيوارت هي تفكيك الفرضية الخيالية الشهيرة لكوندياك في رسالة في الإحساسات، والمعروفة بـ«تمثال كوندياك»؛ حيث افترض كوندياك تمثالاً رخامياً ذا بناء عضوي داخلي شبيه بالإنسان، ثم منحه حاسة الشم وحدها، محاولاً البرهنة على أن مجرد انطباع رائحة الوردة في هذا التمثال يكفي لتوليد الانتباه، والذاكرة، والمقارنة، والمحاكمة العقلية، والرغبة، والإرادة؛ زاعماً أن كل هذه العمليات العقلية ليست سوى «إحساسات متحولة ومعدلة» (Transformed Sensations).
بين ستيوارت التهافت المنطقي والسيكولوجي الفاضح لهذا النموذج الحسي الفرنسي؛ فمهما بلغت شدة الإحساس بالرائحة، فإنه يظل مجرد انفعال ذاتي خالص لا يمكنه بذاته أن ينقلب إلى «مقارنة» أو «حكم». فالمقارنة تقتضي بالضرورة وجود مبدأ واعٍ يضع إحساسين معاً أمام بصيرته ويدرك وجه الشبه أو الاختلاف بينهما، وهذا الفعل الإدراكي الصادر عن فاعلية الذات يستحيل اشتقاقه من الإحساسين المنفردين أنفسهما. أكد ستيوارت أن كوندياك يهرب الملكات العقلية الفطرية سراً إلى داخل تمثاله دون أن يفصح عنها؛ فالتمثال يمتلك مسبقاً الوعي بالزمان، والذاكرة، والقدرة على التمييز، ثم ينسب الفضل في ذلك كله للحاسة المنفردة.
شدد ستيوارت على نشاط الذات الإيجابي في بناء الخبرة وتنظيمها، في مقابل السلبية المفرطة للنموذج الحسي الفرنسي الذي يحول الإنسان إلى متلقٍ ميكانيكي أصم للانطباعات الخارجية. ورغم هذا الخلاف الجوهري، اعترف ستيوارت ببعض نقاط الاتفاق المنهجي مع «الإيديولوجيين» الفرنسيين كديستوت دو تراسي، لا سيما في تأكيدهم المشترك على استبعاد الفروض الميتافيزيقية الغيبية والتركيز على ملاحظة العمليات الذهنية في علاقتها باللغة والعادات؛ غير أن مدرسة إدنبرة ظلت متفوقة في احتفاظها بالنظرة الروحية الأخلاقية المستقلة للإنسان، مانعة انزلاق علم النفس إلى فيزيولوجيا مادية كئيبة.
11.2 ستيوارت في مواجهة المدرسة النقدية لإيمانويل كانط
عاصر دوغالد ستيوارت الثورة الفلسفية الكبرى التي أحدثها الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط في كونيغسبرغ عبر مشروعه النقدي التجاوزي، وكان من أوائل الفلاسفة البريطانيين الذين حاولوا قراءة كانط ومناقشته، وإن شابت هذه المناقشة صعوبات تاريخية ولغوية جمة. أبدى ستيوارت في كتاباته تشككاً عميقاً ونفوراً صريحاً من الاصطلاحات الكانطية المعقدة والأسلوب المدرسي الجاف للفلسفة النقدية، معتزاً بالتقاليد الفلسفية البريطانية والإسكتلندية القائمة على وضوح التعبير، والبساطة اللغوية، والاحتكام إلى وقائع التجربة المشتركة.
عند المقارنة الفلسفية المعمقة بين النسقين، يظهر تشابه ظاهري لافت يخفي تبايناً جوهرياً في العمق:
- فكلا الفيلسوفين (كانط وستيوارت) سعى لدحر الشكوكية الهيومية عبر التأكيد على وجود عناصر قبلية فطرية سابقة على التجربة؛ فما يسميه كانط «مقولات العقل المحض وأشكال الحدس القبلي» يقابله عند ستيوارت «قوانين الاعتقاد الإنساني الأساسية».
- إلا أن التباين الإبستيمولوجي يظل حاسماً: فكانط يرى أن هذه المقولات القبلية تنظم فقط «الظواهر» (Phenomena) كما تبدو لنا، بينما يظل «الشيء في ذاته» (Noumenon) ممتنعاً ومجهولاً على العقل تماماً، مما أوقع كانط في نوع من «المثالية الظاهراتية».
- أما ستيوارت، انطلاقاً من واقعيته المباشرة، فقد رفض هذا الانفصال، مؤكداً أن قوانين الاعتقاد الفطرية لا تعزلنا عن العالم الحقيقي، بل تضمن لنا معرفة يقينية ومباشرة بوجود الأشياء الخارجية في ذاتها وبخصائصها الموضوعية كما خلقها الله.
اعترف ستيوارت لاحقاً بأن افتقاره لإتقان اللغة الألمانية، وغياب الترجمات الإنجليزية الدقيقة لأعمال كانط في مطلع القرن التاسع عشر، جعله يعتمد على شروح فرنسية ولاتينية مجتزأة (مثل كتابات تشارلز فيليرز)، مما قاد إلى نوع من سوء الفهم المتبادل. ومع ذلك، فإن النقد الذي وجهه ستيوارت للكانطية ظل يعبر ببراعة عن موقف الحس المشترك الإسكتلندي الذي يرى في النسبية الظاهراتية الكانطية باباً خلفياً خفياً يعيد إنتاج الشكوكية بصيغة أشد تعقيداً وأكثر إظلاماً.
11.3 السجال مع توماس براون ونهاية وحدة مدرسة إدنبرة
شهدت السنوات الأخيرة من مسيرة دوغالد ستيوارت صدمة فكرية وأكاديمية قاسية تمثلت في التباعد المنهجي والسجال العلني مع مساعده وخليفته على كرسي الفلسفة الأخلاقية في جامعة إدنبرة، الدكتور توماس براون (Thomas Brown). كان براون تلميذاً أثيراً لستيوارت تميز بذكاء وقاد وموهبة بلاغية وتحليلية نادرة، مما دفع ستيوارت إلى التوصية بتعيينه أستاذاً مشاركاً معه في عام 1810 لتخفيف أعباء المحاضرات عن كاهله بعد تدهور حالته الصحية.
سرعان ما فجر براون مفاجأة كبرى داخل أروقة الجامعة؛ إذ بدلاً من الدفاع عن النسق الفلسفي لستيوارت وريد، شرع في محاضراته الجامعية في توجيه نقد جذري لأسس مدرسة الحس المشترك. هاجم براون نظرية «الملكات العقلية» المستقلة التي كرس ستيوارت عمره لتصنيفها، معتبراً إياها بقايا ميتافيزيقية وتجسيداً وهمياً لأنشطة الذهن، وحاول رد كافة قوى العقل والوعي (بما فيها الذاكرة، والتخيل، والمحاكمة) إلى مبدأ واحد مهيمن هو قوانين الإيحاء (Laws of Suggestion)، وهي التسمية التي استحدثها لتطوير نظرية تداعي الأفكار، مقترباً بذلك خطوة واسعة من النزعة الترابطية الهيومية التي ناضلت مدرسة إدنبرة لدحضها عقوداً طويلة.
أثار هذا التمرد استياء ستيوارت العميق؛ فرأى في تبسيطات براون السريعة نكوصاً خطيراً يفرط في المكتسبات المنهجية لمدرسة الحس المشترك ويعيد فتح الثغرات التي يمكن أن ينفذ منها الشك من جديد. وعند وفاة براون المبكرة عام 1820 ونشر محاضراته، أضاف ستيوارت تنقيحات وملاحظات نقدية مطولة في المجلد الثالث من كتابه العناصر، مفنداً طروحات تلميذه الراحل دفاعاً عن وحدة العقل ونشاطه التكويني. كان هذا الصراع الداخلي بمثابة بداية النهاية للهيمنة المطلقة لمدرسة إدنبرة ككتلة فكرية موحدة، ممهداً الطريق لتشظي التيار الإسكتلندي وظهور اتجاهات سيكولوجية وترابطية جديدة في الفكر الفكتوري اللاحق.
12. إرث دوغالد ستيوارت وتأثيره في نشأة علم النفس الحديث والمعاصر
12.1 تأثير ستيوارت على تلاميذه ونخبة الفكر في القرن التاسع عشر
تجاوز تأثير دوغالد ستيوارت حدود المؤلفات المكتوبة ليتجلى بقوة استثنائية في الوجدان الجمعي لجيل بأكمله من المفكرين والساسة والأدباء الذين جلسوا في قاعات محاضراته بجامعة إدنبرة؛ حيث أجمع معاصروه على أنه كان الخطيب الأكاديمي الأكثر سحراً وتأثيراً في زمانه. استطاع ستيوارت أن يغرس في عقول طلابه الروح الاستقرائية الرصينة، والنزاهة الفكرية، والنفور من الدوغمائيات، والالتزام الصارم بالإصلاح الاجتماعي والأخلاقي التدريجي.
تخرج من تحت عباءة ستيوارت كوكبة لامعة صاغت ملامح بريطانيا الفيكتورية؛ ففي الميدان الأدبي والتاريخي، كان الروائي العالمي الشهير السير والتر سكوت تلميذاً مخلصاً استلهم من ستيوارت تحليلاته السيكولوجية للمشاعر والعادات في رسم شخصياته الروائية التاريخية؛ وفي الميدان السياسي والتشريعي، تدرب على يديه كبار قادة حزب الأحرار (Whigs) مثل اللورد هنري بروهام، واللورد بالمرستون (رئيس وزراء بريطانيا لاحقاً)، واللورد فرانسيس هورنر، الذين قادوا معارك إلغاء الرق، وإصلاح النظام النيابي البريطاني، ونشر التعليم الشعبي، متسلحين بالمبادئ الفلسفية والأخلاقية التي بثها فيهم أستاذهم في إدنبرة.
امتد هذا التأثير إلى ميدان الفلسفة السياسية والاقتصاد السياسي؛ حيث كان ستيوارت أول أستاذ جامعي يخصص سلسلة محاضرات مستقلة لشرح وتطوير النظريات الاقتصادية لصديقه آدم سميث في ثروة الأمم، واضعاً كتاباً سيرة ذاتية رائداً عن حياة سميث وكتاباته. وقد تتلمذ عليه في هذا المضمار فلاسفة كبار، مثل جيمس ميل (والد جون ستيوارت ميل)، الذي استقى من ستيوارت الصرامة التحليلية رغم تحوله اللاحق نحو النفعية والترابطية الراديكالية. لقد صنع ستيوارت بنفوذه التربوي الفسيح بيئة فكرية مستنيرة جعلت من إدنبرة العاصمة الثقافية الحقيقية لبريطانيا في مستهل القرن التاسع عشر.
12.2 بصمات ستيوارت في نشأة السيكولوجيا التجريبية والوظيفية
مهد المشروع الفكري لدوغالد ستيوارت الطريق بصورة مباشرة لاستقلال علم النفس وتحوله من فرع ميتافيزيقي تابع للفلسفة إلى تخصص تجريبي وأكاديمي قائم بذاته؛ حيث التقط الفيلسوف الإسكتلندي السير وليام هاملتون وخليفته ألكسندر باين الخيوط المنهجية التي غزلها ستيوارت في تحليل الوعي والانتباه والتداعي، وطوروها عبر ربطها الفسيولوجي المنهجي في إدنبرة وأبردين، وهو ما ألهم بدوره المعامل السيكولوجية الأولى التي أسسها فيلهلم فونت في ألمانيا.
وعلى الجانب الآخر من المحيط، تركت تحليلات ستيوارت بصمة عميقة وغير مباشرة على نشأة علم النفس الوظيفي الأمريكي (Functionalism)، وبخاصة في المشروع السيكولوجي الرائد لـويليام جيمس. إن تركيز ستيوارت المستمر على «الوظيفة التكيفية والعملية للعقل» في مواجهة متطلبات البيئة الواقعية، وتحليله لدور العادة في أتمتة السلوك وحفظ الطاقة الذهنية، ونظرته لديناميكية تدفق الوعي ورفضه للنظريات الذرية الحسية، كل ذلك مثل أرضية خصبة انطلق منها جيمس في كتابه الكلاسيكي مبادئ علم النفس (Principles of Psychology) لبناء نموذجه الوظيفي التكيفي الشهير.
ظلت تحليلات ستيوارت لقوانين الذاكرة والاسترجاع والانتباه من النصوص المرجعية المعيارية التي أثرت في بواكير أبحاث الذاكرة التجريبية لدى هيرمان إبنجهاوس وغيره من رواد القياس السيكولوجي. لقد منح ستيوارت علم النفس ذخيرة مفهومية بالغة الرقي سمحت للباحثين اللاحقين بتفكيك العمليات الذهنية المعقدة دون التورط في الاختزالية المادية العمياء أو التيه في التجريدات الميتافيزيقية المغلقة، مما كرس مكانته كأحد الآباء المؤسسين للسيكولوجيا الوصفية الحديثة.
12.3 إعادة قراءة دوغالد ستيوارت في ضوء فلسفة العقل والعلوم المعرفية المعاصرة
تشهد الأوساط الفلسفية والمعرفية المعاصرة في مطلع القرن الحادي والعشرين موجة متجددة من الاهتمام بنصوص دوغالد ستيوارت وإعادة تقييمها في ضوء المآزق الإبستيمولوجية التي تواجهها فلسفة العقل والعلوم المعرفية الحديثة (Cognitive Sciences). وتتجلى أولى مظاهر هذه الاستعادة في النقاشات المحتدمة حول طبيعة الإدراك الحسي؛ حيث يجد فلاسفة الإدراك المعاصرون الذين ينافحون عن «الواقعية المباشرة الإيكولوجية» ونظريات «الإدراك المتجسد» (Embodied Cognition) في براهين ستيوارت المناهضة للتمثيلية المعرفية سنداً تاريخياً وتحليلياً صلباً لدحض الفرضيات التي تحبس الوعي في شاشات الحاسوب الذهنية المنعزلة.
كما تكشف أبحاث علم النفس المعرفي المعاصر حول المعالجة المعلوماتية اللاواعية (Non-conscious Processing) والعمليات المعرفية الضمنية (Implicit Cognition) عن تطابق مدهش مع استبصارات ستيوارت المبكرة حول «السرعة الفائقة للعمليات العقلية»؛ حيث أثبتت الدراسات التجريبية الحديثة صحة فرضيته بأن الدماغ يجري استدلالات وتقييمات معقدة في أجزاء من الثانية دون أن تصل تفاصيلها الوسيطة إلى مسرح الوعي الصريح، مما يفسر تشكل الأحكام الإدراكية السريعة والمهارات الحركية الدقيقة التي فسرها ستيوارت ببراعة قبل أكثر من قرنين.
وعلاوة على ذلك، توفر منهجية ستيوارت سلاحاً نقدياً متقدماً في مواجهة النزعات المادية العصبية المتطرفة (Neuro-reductionism) التي تدعي اختزال تجربة الوعي الذاتي، والمعنى، والحرية الأخلاقية في مجرد صور رنين مغناطيسي وتدفقات كيميائية في المشابك العصبية. إن حجة ستيوارت القائلة بأن الحركة الفيزيائية ليست هي المعنى الواعي تظل صلبة وعصية على الدحض في قلب ما يسمى اليوم بـ«المعضلة الصعبة للوعي» (The Hard Problem of Consciousness)، مما يؤكد أن دوغالد ستيوارت لم يكن مجرد مفكر تنويري انطوت صفحته، بل هو محاور معاصر يمتلك مشروعه طاقة إلهام متجددة قادرة على إنارة مسارات البحث المستقبلي في لغز العقل البشري.
خاتمة: المنزلة التاريخية لدوغالد ستيوارت في صرح الفكر الفلسفي
يقف دوغالد ستيوارت في تاريخ الفكر الفلسفي شاهداً على اللحظة التي بلغت فيها الاستنارة العقلية أعلى درجات رشدها ونضجها الإنساني؛ فلم يكن فيلسوف هدم شكوكي ينسف اليقين ويترك الإنسان تائهاً في بحار الريبة، ولا كان منظماً دوغمائياً يفرض قوالب ميتافيزيقية مسبقة على الواقع، بل كان معماراً تجريبياً حكيماً عرف كيف يرسم حدود العقل بدقة دون أن يسلبه ثقته بنفسه وبفطرته البديهية الأولى. تمكن ستيوارت من صياغة نسق متوازن يوفق ببراعة بين فضيلة الملاحظة الاستقرائية الصارمة والدفاع المستميت عن قدسية الضمير الأخلاقي وحرية الإرادة الإنسانية.
إن التحفة الفلسفية التي خلفها ستيوارت في كتاباته المتنوعة، وخاصة عناصر فلسفة العقل البشري، تمثل الجسر التاريخي الأصيل الذي تحول عبره «علم النفس» من تأملات مبعثرة داخل الفلسفة الكلاسيكية إلى نسق علمي تجريبي وصفي مهّد للعلوم المعرفية المعاصرة. ويبقى إرثه التربوي والأكاديمي، الذي صاغ ضمائر أجيال من قادة الفكر والسياسة والأدب، برهاناً ساطعاً على أن الفلسفة، حين تتحدث بلغة الوضوح والبيان الرفيع، تصبح القوة الأكثر حيوية في ترقية المجتمع وتوجيه سفينة الحضارة الإنسانية نحو شواطئ الاستنارة والعدالة والفضيلة.
المراجع
- Brown, T. (1820). Lectures on the Philosophy of the Human Mind. W. and C. Tait.
- Cousin, V. (1846). Philosophie de Stewart. Pagnerre.
- Hartley, D. (1749). Observations on Man, his Frame, his Duty, and his Expectations. S. Richardson.
- Hume, D. (1739). A Treatise of Human Nature. John Noon.
- Macintyre, A. (1988). Whose Justice? Which Rationality?. University of Notre Dame Press.
- McCosh, J. (1875). The Scottish Philosophy: Biographical, Expository, Critical, from Hutcheson to Hamilton. Robert Carter and Brothers. https://archive.org/details/scottishphilosop00mccouoft
- Reid, T. (1764). An Inquiry into the Human Mind on the Principles of Common Sense. A. Millar.
- Reid, T. (1785). Essays on the Intellectual Powers of Man. John Bell.
- Stewart, D. (1792). Elements of the Philosophy of the Human Mind (Vol. 1). Strahan and Cadell. https://www.gutenberg.org/ebooks/47372
- Stewart, D. (1814). Elements of the Philosophy of the Human Mind (Vol. 2). Cadell and Davies.
- Stewart, D. (1827). Elements of the Philosophy of the Human Mind (Vol. 3). John Murray.
- Stewart, D. (1810). Philosophical Essays. George Ramsay and Company.
- Stewart, D. (1828). The Philosophy of the Active and Moral Powers of Man. Adam Black.
- Stewart, D. (1854–1860). The Collected Works of Dugald Stewart (W. Hamilton, Ed.; Vols. 1–11). Thomas Constable and Co.
- Wood, P. (2000). The Scottish Enlightenment: Essays in Reinterpretation. University of Rochester Press.