السيرة
يحتل عالم النفس الأمريكي إدوارد تشيس تولمان (Edward Chace Tolman: 1886–1959) مكانة فريدة واستثنائية في تاريخ العلوم السلوكية والمعرفية، إذ يُعد الجسر النظري والمنهجي الأبرز الذي عبرت فوقه السيكولوجيا من ضيق النزعة الآلية الميكانيكية إلى رحابة الأفق المعرفي المعاصر. ففي عصر كادت فيه السلوكية الراديكالية الواطسونية أن تختزل الوجود الإنساني والحيواني في مجرد ردود أفعال عصبية وحركية مقترنة آلياً بمثيرات بيئية عمياء، انبثق مشروع تولمان العلمي كدعوة ثورية لإعادة الاعتبار للعقل، والهدف، والمعنى، دون التخلي قيد أنملة عن الصرامة التجريبية والموضوعية الوضعية التي أسست لشرعية علم النفس كعلم طبيعي مستقل.
لقد صاغ تولمان ما عُرف تاريخياً بـ «السلوكية الغرضية» (Purposive Behaviorism)، وهو نسق معرفي هجين ومتماسك استطاع من خلاله التوفيق بين دقة الملاحظة السلوكية الخارجية وبين المفاهيم الكلية الشاملة المستمدة من مدرسة الجشطالت الألمانية والفلسفة الواقعية الجديدة. ولم تكن الغرضية عند تولمان مفهوماً غيبياً أو نزعة غائية صوفية مستعارة من الميتافيزيقا الأرسطية، بل كانت خاصية موضوعية مشتقة بالكامل من بنية السلوك ذاته؛ فالكائن الحي لا يتحرك بوصفه دمية بيولوجية تتقاذفها المنبهات الحسية، بل بوصفه منظومة متكاملة تبحث عن غايات، وتختبر فرضيات، وتبني تمثيلات عقلية داخلية للعالم المحيط به.
يمتد إرث تولمان عبر مسارات متعددة أعادت تشكيل الفكر السيكولوجي الحديث برمجته المفاهيمية؛ بدءاً من صياغته الرائدة لمفهوم «التعلم الكامن» الذي نسف احتكار التعزيز لتفسير نشوء المعرفة، ومروراً بنظريته التأسيسية حول «الخرائط المعرفية» التي استشرفت فتوحات علوم الأعصاب الحديثة والذكاء الاصطناعي بعقود طويلة، وانتهاءً بنموذجه الإبستمولوجي المبتكر للمتغيرات المتداخلة (S-O-R). تتناول هذه الدراسة الأكاديمية المستفيضة سيرة تولمان الفكرية ومنظومته النظرية، متتبعة جذوره التكوينية وسجالاته المنهجية ومواقفه الأخلاقية الفذة، لتجلي أسباب بقاء هذا المفكر الكبير قطباً لا غنى عن استدعائه لفهم معمق لطبيعة الإدراك والسلوك البشري.
1. النشأة والتكوين الأكاديمي لإدوارد تولمان (1886-1959)
1.1 الجذور العائلية والتأثيرات البيئية الأولى
ولد إدوارد تشيس تولمان في الرابع عشر من أبريل عام 1886 في بلدة ويست نيوتن بولاية ماساتشوستس الأمريكية، ونشأ في كنف أسرة متقدمة فكرياً واجتماعياً جمعت بين الازدهار الاقتصادي والالتزام الأخلاقي العميق والشغف بالمعرفة العلمية الدقيقة. كان والده، جيمس تولمان، رجل أعمال بارزاً وناجحاً في قطاع التصنيع، إلا أن اهتماماته تجاوزت حدود التجارة لتشمل العمل العام والشأن التعليمي؛ حيث كان منخرطاً بشكل فعال في مجالس إدارة العديد من المؤسسات، وكان عضواً فاعلاً في اللجنة التنفيذية لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وهو ما وفر للمنزل بيئة فكرية خصبة تحتفي بالعقلانية، والبحث التجريبي، والتفكير الحر المستقل، والمسؤولية المدنية الصارمة.
على الجانب الآخر، تركت والدته، ذات الجذور الكويكرية العميقة، بصمة لا تُمحى في تكوين ضميره الأخلاقي ونظرته إلى العدالة والمساواة الإنسانية. وقد انعكست هذه التربية الدينية اللامذهبية، القائمة على النزاهة الداخلية والسلام ومناهضة الظلم، في شخصية إدوارد الهادئة والصلبة في آنٍ واحد، مما جعل منظومته القيمية في مأمن من الانجراف وراء الدوغمائيات الأيديولوجية طوال حياته المهنية. كان الحوار الفكري والمناظرات العقلانية الهادئة جزءاً لا يتجزأ من المائدة اليومية للأسرة، حيث شُجّع الأبناء على التشكيك في المسلمات وفحص الآراء السائدة بروح نقدية لا تهادن.
ولعل أبرز التأثيرات التكوينية في حياة إدوارد المبكرة تجلت في علاقته الوثيقة بشقيقه الأكبر ريتشارد تشيس تولمان، الذي غدا لاحقاً واحداً من ألمع علماء الفيزياء النظرية والكيمياء الفيزيائية والنسبية في الولايات المتحدة، ومستشاراً رئيسياً في مشروع مانهاتن. مثلت النقاشات المستمرة بين الشقيقين حول فلسفة العلم، وطبيعة التفسير الفيزيائي، والصرامة الرياضية، معياراً إبستمولوجياً صاغ وعي إدوارد الشاب؛ إذ أدرك منذ بواكيره أن العلم الحقيقي لا يقوم على الانطباعات السطحية بل على بناء النماذج النظرية المترابطة والقابلة للاختبار الحاسم، وهو ما طمح إلى تطبيقه لاحقاً في علم النفس.
1.2 الدراسة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) والتحول لعلم النفس
استجابة للتقاليد الأسرية وتماشياً مع التوجه العلمي السائد، التحق إدوارد تولمان بـ معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) لدراسة الهندسة الكهربائية والكيمياء الحيوية. ورغم أنه لم يكن يشعر بشغف جارف تجاه مهنة الهندسة التطبيقية في ذاتها، إلا أن سنوات دراسته في ذلك الصرح الأكاديمي الصارم زودته بأساس منهجي متين لا يقدر بثمن؛ حيث تشرّب التفكير التحليلي المنظم، ومنطق تصميم الآلات والأنظمة المغلقة والمفتوحة، وأهمية المتغيرات القابلة للقياس الكمي، والنزعة الوظيفية التي تبحث دوماً عن كيفية عمل الأشياء وليس فقط ماهيتها الجوهرية.
خلال سنته الدراسية الأخيرة في المعهد، وقع في يدي تولمان حدثٌ قرائي غيّر مجرى حياته تماماً؛ إذ شرع في قراءة كتاب «مبادئ علم النفس» (The Principles of Psychology) للفيلسوف وعالم النفس الرائد وليام جيمس. وجد تولمان في صفحات ذلك الأثر الفكري الكلاسيكي عالماً فسيحاً يجمع بين عمق التساؤل الفلسفي حول الوعي والإرادة والوظيفة البيولوجية للعقل، وبين الرغبة الجامحة في بناء دراسة علمية للإنسان تفوق في حيويتها جمود المعادلات الهندسية البحتة التي كان يدرسها يومياً.
تخرج تولمان من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عام 1911 حاصلاً على درجة البكالوريوس في العلوم الكهروكيميائية، لكن قراره المصيري كان قد نضج بالفعل: لن يمضي قدماً في مسارات الصناعة والهندسة الميكانيكية، بل سينذر طاقته لفهم خبايا السلوك والنشاط العقلي. وبدافع من هذا الطموح المعرفي الجديد، حسم خياره الأكاديمي بالانتقال فوراً إلى جامعة هارفارد للالتحاق ببرنامج الدراسات العليا المشترك بين الفلسفة وعلم النفس، لتبدأ مرحلة التأسيس النظري الحقيقية لمسيرته الاستثنائية.
1.3 التكوين المنهجي في جامعة هارفارد وتأثير الجشطالت
في جامعة هارفارد، وجد تولمان نفسه في بيئة أكاديمية مشحونة بالسجالات الفلسفية والتجريبية الكبرى. درس الفلسفة تحت إشراف الفيلسوف الواقعي الجديد رالف بارتون بيري (Ralph Barton Perry)، الذي زرع فيه نزعة نقدية حادة تجاه المثالية الذاتية، مؤكداً أن المعرفة بالواقع الخارجي ممكنة ومباشرة، وأن السلوك والوعي يمكن مقاربتهما من منظور موضوعي دون السقوط في فخ الاستبطان الفردي المغلق. كما تتلمذ على يد عالم النفس المقارن روبرت يركيز (Robert Yerkes)، الذي درب تولمان على التعامل التجريبي الصارم مع الحيوانات وطرق قياس استجاباتها في بيئات معملية محكمة.
في صيف عام 1912، سافر تولمان إلى مدينة غيسن في ألمانيا بهدف تحسين لغته الألمانية لاجتياز متطلبات الدكتوراه، وهناك التقى بالصدفة العلمية البحتة بعالم النفس الألماني البارز كورت كوفكا، أحد الآباء المؤسسين لعلم نفس الجشطالت (Gestalt Psychology). كان كوفكا في تلك الأثناء يصيغ أفكاره الثورية حول الإدراك الكلي، مما أحدث هزة معرفية في عقل تولمان الشاب؛ إذ أدرك أن الكل أعظم من مجموع أجزائه، وأن محاولة تفكيك الظواهر العقلية أو السلوكية إلى عناصر ذرية مجهرية تؤدي حتماً إلى إفراغ الظاهرة من معناها وجوهرها الوظيفي الأصيل.
عاد تولمان إلى هارفارد مفعماً بهذه الرؤى الجشطالتية، وأكمل أطروحته لنيل درجة الدكتوراه تحت إشراف إدوين هولت (Edwin Holt)، وهو فيلسوف وسيكولوجي دمج بين الواقعية الجديدة والسلوكية الفلسفية بطريقة بالغة الخصوصية. ركزت دراسة تولمان، التي نال بها درجة الدكتوراه عام 1915، على موضوع «التثبيط الرجعي» (Retroactive Inhibition) في الذاكرة والتعلم؛ وهي دراسة تجريبية دقيقة أظهرت مهارته الفائقة في التصميم المعملي ومهدت لتجاوزه اللاحق للأطر التقليدية للارتباط الشرطي البسيط.
2. السياق التاريخي والفلسفي لنشأة السلوكية الغرضية
2.1 هيمنة السلوكية الراديكالية وجدل المثير والاستجابة
تزامن صعود نجم تولمان الأكاديمي مع التحول الزلزالي الذي أحدثه إعلان جون بي. واطسون عن ميلاد المذهب السلوكي عام 1913 عبر بيانه الشهير «علم النفس كما يراه السلوكي». لقد جاءت السلوكية الواطسونية كرد فعل عنيف ومحمود في وقته ضد استبطانية إدوارد تيتشنر وفيلهلم فونت، والتي كانت ترى في فحص الخبرة الشعورية الذاتية الميدان الوحيد لعلم النفس، وهو ما قاد ذلك الميدان إلى مأزق معرفي تمثل في غياب معايير القياس المستقلة واستحالة تكرار النتائج بين المختبرات بصورة موضوعية موحدة.
غير أن واطسون، في حماسته لتطهير علم النفس من الميتافيزيقا والاستبطان، ذهب إلى أقصى درجات الاختزال الميكانيكي؛ إذ أعلن أن السلوك ليس سوى تفاعلات عضلية وإفرازات غدية ناتجة عن سلاسل من الاقترانات الشرطية بين المثيرات الحسية والاستجابات الحركية (S-R). بموجب هذا المنظور الذري، تحول الكائن الحي إلى صندوق أسود سلبي يخلو من أية فاعلية ذاتية أو توجه هادف، وبات التفكير مجرد كلام باطني خافت، والإدراك مجرد صدى عصبي مباشر لمدخلات حسية خارجية، مما جرد السلوك الإنساني والحيواني من غائيته وقيمته التكيفية الشاملة.
وقف تولمان حائراً ومعارضاً لهذه النزعة الاختزالية؛ فمن جهة، كان يتفق اتفاقاً كلياً مع واطسون في رفض الاستبطان الذاتي، مؤمناً بأن الملاحظة الخارجية المفتوحة للعلانية هي السبيل الوحيد لبناء علم سلوكي راسخ. ولكن من جهة أخرى، رأى أن استبعاد مفاهيم مثل الغرض، والنية، والتوقع، والذكاء من المعجم السيكولوجي باسم العلمية كان خطأً منهجياً فادحاً أفرغ موضوع الدراسة من جوهره الحقيقي. ومن هنا، ولد لديه الطموح لتأسيس نموذج سلوكي بديل يكون صارماً تجريبياً كواطسون، لكنه غني ومرن ومعترف بالعمليات العقلية والوظائف الكلية دون الوقوع في شباك الصوفية الذاتية.
2.2 التقاء الواقعية الجديدة بنظرية الجشطالت الألمانية
وجد تولمان أدواته الإبستمولوجية في التوليف العبقري بين الفلسفة الواقعية الجديدة التي تشربها في هارفارد وبين علم نفس الجشطالت الألماني الذي عاينه في غيسن. افترضت الواقعية الجديدة أن الإدراك ليس عملية خلق داخلي لصور وهمية منفصلة عن العالم، بل هو التقاء موضوعي مباشر بخصائص البيئة الحقيقية، وأن السلوك هو نمط مرئي من الفعل يمتلك خصائص بنيوية ظاهرة يمكن لأي مراقب خارجي رصدها دون الحاجة لاقتحام وعي الكائن الذاتي المستور.
من هذا المنطلق الفلسفي، استعار تولمان المفاهيم الجشطالتية الكبرى؛ مثل «الإدراك الكلي»، و«المجال الحركي»، و«التنظيم الشكلي»، وطبقها مباشرة على السلوك الإجرائي ذاته بدلاً من قصرها على حقل الإدراك البصري كما فعل رواد الجشطالت مثل ماكس فيرتهايمر وفولفغانغ كوهلر. انتقد تولمان بشدة التحليل الذري الواطسوني الذي يفتت الفعل المتكامل، مثل قيادة السيارة أو حل المتاهة، إلى آلاف الانقباضات العضلية الميكروفيزيولوجية المعزولة، مشيراً إلى أن مثل هذا التحليل يفشل تماماً في إدراك أن الكائن الحي يستجيب للموقف بوصفه «كُلاً مركباً» وليس لمثيرات نقطية مجزأة.
وهكذا، أسس تولمان إطاراً نظرياً فريداً عُرف لاحقاً بـ «السلوكية الجشطالتية»، حيث يتم التعامل مع السلوك باعتباره منظومة ذات دلالة مكانية ووظيفية، لا يمكن اختزالها في فسيولوجيا الأعصاب وحدها. لقد شكل هذا التزاوج الفكري حجر الزاوية الذي مكن تولمان من إعادة تعريف السلوك لا كاستجابة آلية عمياء، بل كمحاولة ذكية وموجهة من جانب الكائن الحي للتعامل مع معطيات مجاله البيئي لتحقيق غاية محددة، مما وفر لسلوكيته عمقاً تفسيرياً فاق نظيراتها المعاصرة.
2.3 المسار الأكاديمي في جامعة كاليفورنيا في بيركلي
في عام 1918، انضم تولمان إلى هيئة التدريس في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وهي المحطة التي أصبحت موطنه الأكاديمي الدائم ومسرحاً لأعظم إنجازاته العلمية على مدى أربعة عقود. بدأ تولمان في تأسيس مختبر متقدم لعلم النفس الحيواني والمقارن، وسرعان ما اختار «الجرذ الأبيض» كنموذجه التجريبي المفضل، لا حباً في الاختزال البيولوجي، بل انطلاقاً من قناعته المنهجية بأن الحيوانات توفر فرصة استثنائية لمراقبة آليات التعلم المعقدة في بيئات تجريبية منضبطة تماماً بعيداً عن التشويهات اللغوية والثقافية التي تعقد دراسة البشر.
قام تولمان، بمساعدة طلبته النوابغ، بتصميم وتطوير العشرات من المتاهات المبتكرة—مثل المتاهات المرتفعة، والمتاهات متعددة الخيارات، ومتاهات التحايل، والمتاهات المائية—التي لم تكن مجرد ممرات آلية لاختبار سرعة الركض، بل كانت بمثابة معضلات هندسية وفضائية صُممت بعناية فائقة لتفجير القدرات الإدراكية لدى الكائن واختبار فرضيات دقيقة تتعلق بالتوجيه المكاني، والتوقع الذهني، والقدرة على ابتكار الحلول البديلة في حال تغير شروط التجربة فجأة.
أضحت بيركلي تحت قيادته الفكرية قطباً عالمياً للبحث السلوكي المتنور، وواحة أكاديمية تجمع بين الدقة التجريبية الفائقة والحرية الفكرية المتمردة على الدوغمائية. وقد تخرج من تحت عباءته أجيالٌ من الباحثين الكبار الذين حملوا شعلة التمرد الإبستمولوجي، مما رسخ تقاليد بحثية متفردة ألهمت التحولات اللاحقة التي مهدت لولادة علم النفس المعرفي بعد الحرب العالمية الثانية، وجعلت من بيركلي معقلاً لا يلين في الدفاع عن عقلانية الكائن الحي ومرونته التكيفية.
3. البنية النظرية للسلوكية الغرضية (Purposive Behaviorism)
3.1 التفريق المنهجي بين السلوك الكلي والسلوك الجزيئي
يعد التمييز بين «السلوك الكلي» (Molar Behavior) و«السلوك الجزيئي» (Molecular Behavior) أحد ألمع الإسهامات المنهجية التي قدمها تولمان لتخليص علم النفس من التبعية الاختزالية لعلم وظائف الأعضاء (الفسيولوجيا). رأى تولمان أن السلوك الجزيئي هو ذلك المستوى التحليلي الميكانيكي الضيق الذي يتعامل مع الحركات بوصفها انقباضات عضلية محددة، وسيالات عصبية منعكسة، وإفرازات كيميائية غدية دقيقة. وأكد أن هذا المستوى، رغم شرعيته وأهميته التخصصية داخل علم الفسيولوجيا والبيولوجيا العصبية، إلا أنه عاجز بنيوياً عن تقديم تفسير سيكولوجي ذي معنى للفعل الإنساني أو الحيواني.
في المقابل، صاغ تولمان مفهوم «السلوك الكلي» بوصفه وحدة التحليل الحقيقية والمستقلة التي يجب أن ينصب عليها اهتمام عالم النفس. يتميز السلوك الكلي بخصائص نوعية ناشئة لا يمكن اختزالها في مجموع أجزائها العضلية؛ فهو سلوك يتصف دوماً بثلاث سمات جوهرية غير قابلة للإلغاء:
- التوجه الهادف (Goal-Directedness): فالسلوك الكلي يمتلك دوماً غاية بيئية واضحة يسعى نحوها (كالحصول على الغذاء، أو الهروب من الخطر، أو استكشاف زاوية مظلمة).
- المرونة التكيفية (Adaptive Plasticity): قدرة الكائن على استبدال الحركات العضلية المستخدمة لتحقيق نفس الهدف إذا طرأت عوائق مفاجئة؛ فالجرذ الذي يصل إلى طعامه في نهاية المتاهة بالركض، سيصل إليه سباحة إذا غُمرت المتاهة بالماء، مما يعني أن المكتسَب ليس نمطاً عضلياً ميكانيكياً بل حلاً وظيفياً للوصول للهدف.
- الانتقائية ومبدأ الجهد الأقل (Principle of Least Effort): نزوع الكائن التلقائي لاختيار المسارات والأفعال التي تقوده إلى غايته بأقصر الطرق وأقلها تكلفة في الطاقة المبذولة.
وبذلك، نجح تولمان في منح علم النفس موضوعاً تجريبياً أصيلاً يحافظ على استقلالية الظاهرة النفسية دون الحاجة إلى التنازل عنها لصالح الفسيولوجيا، ودون الوقوع في الوقت عينه في شرك الاستبطان التأملي العاجز عن التجريب العلمي.
3.2 الغرضية بوصفها خاصية موضوعية قابلة للملاحظة
أدرك تولمان بحسه العلمي الحاد أن الحديث عن «الغرض» (Purpose) و«النية» (Intention) في أوج صعود الفكر الوضعي والتجريبي في ثلاثينيات القرن العشرين قد يبدو تراجعاً غير مقبول نحو الغائية الصوفية أو الانزلاق إلى الحديث عن قوى روحية غير مادية تحرك الجسد. وللخروج من هذا الشرك المعرفي، أحدث تولمان ثورة دلالية ومفاهيمية كبرى؛ إذ جرد مفهوم الغرض من أي حمولة استبطانية أو شعورية ذاتية، وحوله إلى مفهوم وظيفي-إجرائي يمكن رصده وقياسه بموضوعية تامة من الخارج.
تتحدد الغرضية لدى تولمان من خلال سلوك الكائن نفسه، وبالتحديد عبر دراسة أنماط «المثابرة والتغيير» في مواجهة العقبات البيئية. فعندما نلاحظ فأراً يسعى للوصول إلى منصة الطعام، ويسلك مساراً معيناً، فإذا أُغلق هذا المسار رأيناه يبحث فوراً عن مسار بديل، ويعدل حركاته باستمرار، ولا يتوقف عن هذا النمط النشط من الاستكشاف إلا بعد ملامسة الطعام وتناوله، فإن «الغرض» هنا ليس شبحاً خفياً يقبع داخل جمجمة الفأر، بل هو الوصف البنيوي الموضوعي لهذه السلسلة من المحاولات المرنة المستمرة التي لا تجد استقرارها الحركي والبيئي إلا عند بلوغ تلك النتيجة المحددة مسبقاً.
إن الغاية عند تولمان هي سمة محايثة وملازمة للسلوك ذاته وليست كياناً غيبياً مجاوراً له. لقد أثبت تجريبياً أن الكائنات الحية تُظهر ما أسماه «الترقب الإجرائي»، وهو ما يعني أن سلوكها منظم بطريقة توضح جلياً أنها تتحرك «من أجل» شيء ما، وليس مجرد كونها «مدفوعة» بشكل أعمى من الخلف بواسطة منبهات حسية سالفة. وبذلك، استطاع تولمان إعادة الاعتبار للهدفية كقانون أساسي من قوانين الطبيعة الحية دون أن يفقد هويته كعالم سلوكي تجريبي صارم يعتمد على الملاحظة الموضوعية الحرة.
3.3 كتاب ‘السلوك الغرضي في الحيوان والإنسان’ (1932)
في عام 1932، أصدر تولمان عمله الخالد والمرجعي الأبرز: «السلوك الغرضي في الحيوان والإنسان» (Purposive Behavior in Animals and Men). مثل هذا الكتاب بياناً شاملاً ومكتمل الأركان لنظريته في السلوكية الغرضية، وشكل عند صدوره زلزالاً معرفياً هز أركان السلوكية الأرثوذكسية في الجامعات والمراكز البحثية الأمريكية والعالمية، مقدماً بديلاً نظرياً وتجريبياً متكاملاً يتحدى بجرأة نموذج الارتباط الشرطي لواطسون وقوانين الأثر لإدوارد ثورندايك.
في هذا السفر الفكري، قام تولمان بتشريح مئات التجارب المعملية بدقة مذهلة، مفككاً المسلمات السائدة حول ميكانيكية التعلم. وطرح في ثناياه منظومة مفاهيمية مبتكرة أعادت صياغة قوانين التعلم، مبيناً أن الكائن الحي لا يتعلم سلاسل عضلية ميكانيكية، بل يشكل في بنيته العقلية «إشارات جشطالتية» (Sign-Gestalts)، ويتعرف على الخصائص الطوبولوجية للبيئة. واقترح في الكتاب نموذجاً إجرائياً متقدماً يستند إلى المتغيرات البيئية المستقلة، والمتغيرات السلوكية التابعة، والعمليات الوسيطة التي تفصل بينهما، مقدماً صياغات رياضية ومنطقية رصينة لشرح السلوك.
أحدث الكتاب شرخاً لا يمكن التئامه في جدار السلوكية التقليدية، إذ لم يكن بالإمكان تجاهل قوة الأدلة التجريبية التي حشدها تولمان ولا تماسك نظامه المنطقي الصارم. ورغم أن التيار السلوكي المهيمن بقيادة كلارك هل وبورهوس فريدريك سكنر حاول مراراً احتواء أطروحات الكتاب أو الرد عليها عبر تعقيد نماذج الاستجابة الميكانيكية، إلا أن كتاب «السلوك الغرضي» ظل النواة الصلبة التي احتفظت ببريق المعرفية حياً داخل دهاليز السلوكية، منتظراً اللحظة التاريخية المناسبة لاندلاع الثورة المعرفية الكبرى في النصف الثاني من القرن العشرين.
4. نظرية التعلم الكامن (Latent Learning) وتجارب المتاهة
4.1 التجربة الكلاسيكية للتعلم الكامن (تولمان وهونزيك 1930)
تعد التجربة المشتركة التي أجراها إدوارد تولمان وتلميذه سي. إتش. هونزيك عام 1930 (Tolman & Honzik, 1930) واحدة من أشهر التجارب الكلاسيكية وأكثرها تأثيراً في تاريخ علم النفس التجريبي بأكمله؛ إذ استهدفت مباشرة تقويض الركيزة المركزية التي قامت عليها نظريات التعلم التقليدية منذ أيام إدوارد ثورندايك، والقائلة بأن التعلم لا يمكن أن يحدث على الإطلاق دون وجود تعزيز إيجابي مباشر (مكافأة) يختزل الحافز ويثبت الروابط العصبية بين المثير والاستجابة فوراً.
صمم تولمان وهونزيك تجربة عبقرية في بساطتها ودقتها المنهجية، استخدمت فيها متاهة معقدة وضمت ثلاث مجموعات متمايزة من الفئران التي تم اختبارها على مدار سبعة عشر يوماً متواصلاً في ظروف بيئية موحدة بدقة:
- المجموعة الأولى (التعزيز المنتظم): كانت تتلقى مكافأة غذائية في صندوق الهدف في نهاية المتاهة في كل محاولة يومية؛ وقد أظهرت هذه المجموعة تحسناً تدريجياً ومتوقعاً تمثل في انخفاض مطرد في عدد الأخطاء المرتكبة والزمن المستغرق للوصول إلى النهاية.
- المجموعة الثانية (غياب التعزيز المستمر): وُضعت في المتاهة يومياً دون العثور على أي طعام عند الوصول لصندوق الهدف؛ وظلت تتجول ببطء ولم تُظهر سوى تحسن طفيف جداً في الأداء ومعدلات عالية من الأخطاء العشوائية.
- المجموعة الثالثة (التعزيز المؤجل – المجموعة الحاسمة): خاضت المتاهة دون أي طعام أو مكافأة طوال الأيام العشرة الأولى من التجربة، وسلكت سلوكاً مشابهاً تماماً للمجموعة الثانية غير المعززة. ولكن في اليوم الحادي عشر، حدث التحول الجوهري: وُضع الطعام فجأة في صندوق الهدف لأول مرة.
كانت النتيجة مذهلة وغير متوقعة بالمعايير السلوكية السائدة؛ ففي اليوم الثاني عشر (مباشرة بعد تجربة تعزيز واحدة فقط)، انخفض عدد الأخطاء لدى المجموعة الثالثة انخفاضاً حاداً ودراماتيكياً، وتفوقت فوراً على أداء المجموعة الأولى التي كانت تتلقى تعزيزاً يومياً متواصلاً منذ اليوم الأول! أثبتت هذه النتيجة القاطعة أن الفئران كانت تتعلم البنية المكانية للمتاهة وتستوعب ممراتها بدقة فائقة خلال الأيام العشرة الأولى التي غابت فيها المكافأة تماماً، إلا أن هذا التعلم كان «كامناً» ومستوراً لعدم وجود دافع يدعوها لإظهاره علناً في سلوكها الحركي السريع.
4.2 التمييز الجوهري بين التعلم والأداء
قاد نجاح تجربة التعلم الكامن تولمان إلى صياغة أحد أهم المبادئ المعرفية في تاريخ السيكولوجيا: الفصل المنهجي والإبستمولوجي الصارم بين «التعلم» (Learning) بوصفه عملية داخلية معرفية تتضمن اكتساب وبناء المعرفة وتمثيل البيئة، وبين «الأداء» (Performance) بوصفه الإخراج السلوكي العلني القابل للرصد والقياس لتلك المعرفة في لحظة زمنية وسياق بيئي محددين.
وجه تولمان عبر هذا التفريق ضربة قاصمة إلى فرضية ثورندايك الكلاسيكية حول «قانون الأثر» (Law of Effect) وإلى النموذج الإجرائي الذي طوره لاحقاً بي. إف. سكنر. فقد أوضح تولمان أن التعزيز الخارجي الصريح ليس «علة التعلم» ولا شرطاً ضرورياً لحدوثه كما كان يزعم السلوكيون؛ فالكائن يتعلم بمجرد تفاعله الاستكشافي مع البيئة وإدراكه للعلاقات القائمة بين أجزائها. أما دور التعزيز فيتحدد بدقة في كونه «حافزاً أدائياً» (Motivational Factor)؛ أي أنه مجرد صمام أمان يطلق الطاقة الحركية ويوجه الكائن لاستخدام ما تعلمه بالفعل عندما تدعو الحاجة البيولوجية أو المصلحة التكيفية إلى ذلك.
أكد هذا التمييز الثوري أن غياب التغير في السلوك الظاهر لا يعني بحال من الأحوال غياب المعرفة أو انعدام حدوث التعلم في الجهاز العصبي. لقد حول تولمان الكائن الحي من مستجيب كسول لا يتعلم إلا إذا ضُرب أو أُطعم، إلى مستكشف فضولي وناشط يقوم بمسح محيطه، وفهرسة معالمه، وتخزين خرائطه الإدراكية بصورة تلقائية، منتظراً اللحظة التكيفية المناسبة لتوظيف هذه الحصيلة المعرفية المختزنة في توجيه أفعاله الحركية نحو أهدافه الحيوية.
4.3 التطبيقات والتفسيرات النظرية لنتائج التعلم الكامن
لم تتوقف ارتدادات التعلم الكامن عند حدود فئران المختبرات ومتاهات بيركلي الخشبية، بل امتدت لتفسر طيفاً هائلاً من السلوكيات اليومية لدى الكائن البشري والحيواني في البيئات الطبيعية المفتوحة. فنحن كبشر نكتسب يومياً قدراً هائلاً من المعلومات والمعارف الجغرافية والاجتماعية والثقافية بشكل عَرَضي وتلقائي؛ فنحن نعرف بدقة موقع المحال التجارية والشوارع الفرعية في أحيائنا السكنية بمجرد المرور بها دون أن نكون قد تلقينا مكافأة أو كنا في حاجة آنية للذهاب إليها، وتظل تلك المعرفة كامنة في عقولنا حتى تنشأ حاجة ملحة مفاجئة (كنفاد دواء في منتصف الليل)، فنستحضر تلك الخرائط الكامنة ونتحرك نحو الهدف بأقصى كفاءة وسرعة ممكنة.
كما سلط التعلم الكامن الضوء على الأهمية البالغة لما يُعرف بـ «الدافع الاستكشافي» والفضول الفطري؛ فالكائنات الحية تمتلك نزوعاً أصيلاً لاستكشاف المجهول، وفحص الممرات الغامضة، ومعاينة الزوايا المظلمة، لا لإشباع جوع فسيولوجي مباشر، بل لبناء قاعدة بيانات معرفية تؤمن بقاءها المستقبلي وتزيد من قدرتها على التعامل مع المتغيرات الطارئة. وقد مهدت هذه الفكرة لظهور نظريات الدافعية الداخلية المعاصرة (Intrinsic Motivation) التي تؤكد أن اكتساب الفهم والمعرفة هو مكافأة بيولوجية ونفسية في حد ذاتها.
أثارت هذه النتائج سجالات نقدية عاصفة من جانب عتاة السلوكيين؛ حيث حاول منظرو جامعة ييل الميكانيكيون بزعامة كلارك هل دحض التجربة، زاعمين أن التعلم الكامن يمكن اختزاله في «تعزيزات خفية ضئيلة» ناتجة عن التخلص من التوتر الحركي أو إشباع فضول فسيولوجي دقيق. إلا أن تولمان وتلاميذه ردوا بسلسلة من التجارب المضادة الأكثر إحكاماً، والتي ثبت فيها بما لا يدع مجالاً للشك استقلالية الاكتساب المعرفي عن سلاسل التعزيز الخارجي، مما حفر مجرى عميقاً في مسار السيكولوجيا الحديثة غير رجعة.
5. مفهوم الخرائط المعرفية (Cognitive Maps)
5.1 ورقة ‘الخرائط المعرفية لدى الفئران والرجال’ (1948)
في عام 1948، نشر إدوارد تولمان مقالته التاريخية الفذة والمعنونة بـ «الخرائط المعرفية لدى الفئران والرجال» (Cognitive Maps in Rats and Men) في مجلة «سايكولوجيكال ريفيو» (Psychological Review). تُعد هذه الورقة العلمية على نطاق واسع واحدة من أعظم الوثائق التأسيسية التي مهدت لولادة علم النفس المعرفي الحديث، ونقلت النقاش حول بنية العقل البشري والحيواني من التخمينات الفلسفية إلى قلب التجريب المعملي المحكم والمقترن بالتحليل الفلسفي الإنساني الواسع.
في هذه المقالة، صاغ تولمان رسمياً مفهوم «الخريطة المعرفية» (Cognitive Map)؛ معرفاً إياها بأنها تمثيل ذهني داخلي مشفر وشامل، يجسد العلاقات المكانية والهندسية والوظيفية بين المثيرات البيئية المختلفة في العالم الخارجي. وهاجم تولمان بشراسة النموذج السلوكي التقليدي الذي شبه الجهاز العصبي المركزي بـ «لوحة تحويل هاتفية» بسيطة (Telephone Switchboard)، تقتصر وظيفتها على توصيل المكالمات الواردة (المثيرات الحسية) بالمخارج المناسبة (الاستجابات الحركية المحددة مسبقاً بشكل آلي وتكراري).
وبدلاً من هذا النموذج التلغرافي الساذج، شبه تولمان الجهاز العصبي المركزي بـ «غرفة تحكم مركزية بالغة التطور» (Central Control Room) لا تكتفي باستقبال المنبهات، بل تقوم بمعالجتها، ومقارنتها بالمعلومات السابقة، وتجميعها في خريطة حقلية شاملة ترسم تضاريس البيئة الخارجية. وقدم تولمان تمييزاً بارعاً واستشرافياً بين نوعين رئيسيين من الخرائط المعرفية:
- الخرائط المعرفية الضيقة الشبيهة بمسار القطار (Strip-like Maps): وهي تمثيلات ذهنية متيبسة وبدائية تنحصر في مسار خطي وحيد ومحدد بدقة، لا يرى الكائن فيها سوى خطوات متتالية تعقب بعضها بعضاً؛ وتنتج عادة عن ظروف التهديد الشديد، أو الحرمان الفسيولوجي المفرط، أو التدريب الميكانيكي التكراري.
- الخرائط المعرفية الواسعة الشاملة (Broad Comprehensive Maps): وهي تمثيلات فضائية مرنة وثرية، تستوعب المجال البيئي ككل وتحدد الاتجاهات العامة للهدف بالنسبة لنقاط الارتكاز المختلفة؛ مما يمنح الكائن قدرة هائلة على المناورة التكيفية، واختصار الطرق، وحل المشكلات المكانية المستجدة بمرونة وذكاء.
5.2 تجارب الاختيار المكاني وتفضيل المسارات البديلة
لتقديم دليل تجريبي قاطع على وجود هذه الخرائط الشاملة ودحض فرضية سلاسل الاستجابات الحركية العمياء (Motor-chain habits) القائلة بأن الحيوان يتعلم مجرد «الانعطاف يميناً ثم يساراً»، أجرى تولمان بالتعاون مع زملائه ريتشي وكاليش سلسلة من التجارب العبقرية؛ من أشهرها تجربة «المتاهة المروحية أو الشعاعية» (The Sunburst Experiment) وتجربة المسار الالتفافي (The Detour Paradigm).
في تجربة المتاهة المروحية، تم تدريب الفئران أولاً في متاهة بسيطة ذات مسار محدد يقودها عبر ممر مستقيم ثم ينعطف بها نحو اليمين ليصل إلى منصة الطعام الواقعة في موقع جغرافي ثابت ومحدد في الغرفة المعملية بالنسبة لعلامات بصرية خارجية (مثل النوافذ والمصابيح). بعد أن أتقنت الفئران هذا المسار، قام تولمان بتغيير تصميم المتاهة بالكامل بصورة مفاجئة: أزال المسار القديم واستبدله بمنصة دائرية ينطلق منها ثمانية عشر مساراً شعاعياً مفتوحاً تمتد في مختلف الاتجاهات كأشعة الشمس؛ وكان المسار الأصلي مغلقاً تماماً.
وفقاً للنظرية السلوكية الميكانيكية، كان ينبغي للفئران أن تختار المسارات القريبة جداً من المسار القديم أو أن تسلك نمطاً عشوائياً من المحاولة والخطأ لغياب الاستجابة الحركية المشروطة. لكن ما حدث بالفعل كان صفعة تجريبية قاطعة للسلوكية الميكانيكية؛ إذ اختارت النسبة الساحقة من الفئران مباشرة وبدون تردد المسار رقم ستة: وهو المسار الدقيق الذي يمتد قطرياً وبشكل مباشر نحو النقطة الجغرافية الفضائية التي يوجد بها صندوق الطعام خلف الجدار، متجاوزة كل الانعطافات الحركية السابقة! أثبتت هذه النتيجة الحاسمة أن الفئران لم تكن تحفظ سلسلة من حركات العضلات في أرجلها، بل كانت تمتلك «بوصلة عقلية» وخريطة فضائية شاملة تحدد التوجه المطلق للهدف في الفضاء ثلاثي الأبعاد.
5.3 الامتدادات الإنسانية والاجتماعية للخرائط المعرفية
لم يقصر تولمان مفهوم الخرائط المعرفية على توجيه الفئران داخل المتاهات الخشبية، بل قام في الجزء الثاني من ورقته التاريخية عام 1948 بنقلة سيكولوجية-اجتماعية جريئة، محاولاً توظيف هذا الإطار المعرفي لفهم أعقد المعضلات النفسية والاجتماعية والسياسية التي كابدتها البشرية في أعقاب الدمار المروع للحرب العالمية الثانية؛ مقدماً قراءة إنسانية رفيعة لكيفية تشكل السلوك البشري الجماعي.
أكد تولمان أن الكثير من المآسي الإنسانية الكبرى، كالتعصب العرقي، والقومية الشوفينية، والجمود الديني، والانقسامات الأيديولوجية الحادة، تنبع بنيوياً من تكوين «خرائط معرفية ضيقة ومتحجرة شبيهة بمسار القطار» في أذهان الأفراد والجماعات. ورأى أن المجتمعات التي تعاني من الفقر المدقع، أو الرعب الأمني، أو الصدمات النفسية المتراكمة، أو أساليب التنشئة الأسرية القائمة على الترهيب والقمع، تُجبر أفرادها بيولوجياً ونفسياً على تضييق مداركهم واختزال العالم المعقد في صراعات ثنائية حادة (نحن ضد هم، الخير المطلق ضد الشر المطلق).
من هذا المنظور، نبه تولمان إلى أن مواجهة الكراهية والتعصب وبناء السلام العالمي الدائم لا يمكن أن يتحققا بالقمع الخارجي أو بالدعاية المضادة السطحية، بل يتطلبان تغييراً جذرياً في الظروف الاجتماعية والتعليمية الكلية، بما يسمح للأجيال الصاعدة ببناء «خرائط معرفية اجتماعية وثقافية رحبة وواسعة». خرائط تمكن الإنسان من رؤية الآخرين، واستيعاب مواقفهم، وفهم المسارات البديلة لحل الصراعات دون الانزلاق إلى النفق المظلم للعدوان الأعمى؛ مما جعل من نظريته المعرفية أداة تحرر أخلاقي واجتماعي رفيعة المستوى.
6. المتغيرات المتداخلة (Intervening Variables) والمقاربة المنهجية
6.1 صياغة نموذج المثير-الكائن-الاستجابة (S-O-R)
تمثل صياغة إدوارد تولمان لمفهوم «المتغيرات المتداخلة» (Intervening Variables) واحدة من أعظم قفزاته المنهجية التي نقلت علم النفس من الاستاتيكية الوصفية إلى الديناميكية التفسيرية، وحررت السلوكية من فقر النموذج الثنائي المسطح المتمثل في المثير والاستجابة (S-R) لصالح نموذج ثلاثي ناضج ومعقد يرتكز على ثلاثية: المثير-الكائن-الاستجابة (Stimulus-Organism-Response: S-O-R).
أوضح تولمان أن الاستجابة السلوكية الملاحظة (R) ليست مجرد دالة وظيفية مباشرة وحتمية للمنبهات البيئية الفيزيائية الخارجية (S)؛ بل هي نتيجة لتفاعل مركب يحدث في المساحة الفاصلة بينهما داخل الكائن الحي ذاته (O). وعرّف المتغيرات المتداخلة بأنها «بنى افتراضية ومنطقية» تُشتق وظيفياً وتُدرج رياضياً بين المتغيرات المستقلة الملاحظة (كالظروف البيئية، وعدد ساعات الحرمان من الطعام، وتصميم المتاهة) وبين المتغيرات التابعة القابلة للقياس (كسرعة الركض، وعدد الأخطاء، ونسبة الاستجابات الصحيحة).
وشدد تولمان على أن هذه المتغيرات المتداخلة، مثل «التوقع»، و«الدافع»، و«الخريطة المعرفية»، لا تعني عودة إلى الأشباح الاستبطانية أو الكيانات الميتافيزيقية الغيبية؛ لأنها تكتسب شرعيتها ومصداقيتها العلمية الصارمة من كونها مربوطة إجرائياً وعملياتياً من الطرفين بمدخلات تجريبية قابلة للضبط والتحكم ومخرجات سلوكية قابلة للقياس والتكرار الدقيق، تماماً كما يستخدم علماء الفيزياء مفاهيم غير مرئية بالعين المجردة كـ «الجاذبية» أو «المجال المغناطيسي» للاستدلال على العلاقات المنطقية التي تحكم الظواهر الفيزيائية المشاهدة دون أن يشاهدوا الجاذبية في حد ذاتها.
6.2 تصنيف المتغيرات المتداخلة لدى تولمان
قام تولمان بجهد تصنيفي جبار لتنظيم منظومة المتغيرات المتداخلة في نسق منهجي متماسك، وقسمها تحليلياً إلى فئتين رئيسيتين تتفاعلان بشكل ديناميكي مستمر لإنتاج السلوك الكلي النهائي للكائن الحي:
- المتغيرات المعرفية (Cognitive Variables): وتضم كافة البنى الافتراضية المتعلقة بالمعرفة، والإدراك، والتمثيل الفضائي، وتوقعات العلاقات بين العلامات والدلالات البيئية؛ ومن أبرزها «الخرائط المعرفية»، و«فرضيات الحل»، و«التوقعات الإدراكية» (Expectancies) التي تشكل رؤية الكائن لما سيحدث مستقبلاً إذا سلك مساراً معيناً.
- متغيرات الطلب والحاجة والدافعية (Demand and Drive Variables): وتتعلق بالضغوط البيولوجية والحاجات الديناميكية التي تحفز الكائن وتوجه اهتمامه؛ مثل شدة الجوع أو العطش، ودرجة النفور من الألم أو المثيرات المنفرة، والهدف النهائي المستهدف، وتعمل هذه المتغيرات كطاقة حركية تنشط الخرائط المعرفية وتوجهها نحو مسارات محددة للإشباع والتكيف.
بالإضافة إلى ذلك، ميز تولمان بين نوعين من المؤثرات التي تحدد حالة هذه المتغيرات المتداخلة داخل الكائن الحي في أية لحظة:
- المتغيرات الموقعية أو البيئية المباشرة (Environmental Variables): مثل نوعية المتاهة، وشدة المنبهات الحسية المعروضة، وتاريخ المحاولات والتعزيزات السابقة.
- متغيرات الفروق الفردية والسمات الذاتية (Individual Difference Variables): وتضم الخصائص البيولوجية والوراثية الثابتة للكائن الحي (Heredity)، والعمر والنضج الفسيولوجي (Age)، والتدريب والخبرة التراكمية السابقة (Previous Training)، والحالة الفسيولوجية والغدية الراهنة (Endocrine Condition).
6.3 التأثير الإبستمولوجي والوضعية المنطقية
جاءت صياغة تولمان للمتغيرات المتداخلة كاستجابة واعية ومتناغمة مع التيارات الفلسفية الأكثر حداثة وعلمية في عصره؛ وتحديداً مدرسة الوضعية المنطقية (Logical Positivism) المنبثقة عن حلقة فيينا، ومفهوم «الإجرائية» (Operationism) الذي صاغه الفيزيائي الشهير بيرسي بريدجمان (Percy Bridgman). كان بريدجمان يرى أن المفهوم العلمي ليس له معنى إلا بقدر العمليات والإجراءات التجريبية المستخدمة لقياسه وتحديده في المختبر.
تبنى تولمان هذا المنطق الوضعي بحماسة فائقة، مؤكداً أن السيكولوجيا تستطيع التحدث عن العمليات الداخلية غير المرئية كـ «الجوع» أو «التوقع» بشرط وحيد لا حياد عنه: وهو ربط هذه المفاهيم بعمليات قياس موضوعية خارجية؛ فـ «الجوع» كمتغير متداخل لا يُقاس بسؤال الكائن عن شعوره الباطني بالألم أو الفراغ البطني، بل يُعرف إجرائياً بعدد الساعات التي حُرم فيها من الطعام (24 ساعة حرمان مثلاً) أو بنسبة النقص في وزنه الجسدي الطبيعي، ويُقاس مخرجه السلوكي بسرعة ركضه نحو منصة الطعام أو كمية الغرامات التي يستهلكها في فترة زمنية محددة.
أنقذ هذا الطرح الإبستمولوجي الفذ علم النفس من السقوط في ثنائية ديكارت الروحية الميتافيزيقية، ومنحه سلاحاً منهجياً جباراً تبناه لاحقاً علماء سلوكيون كبار؛ وفي مقدمتهم منافسه اللدود كلارك هل، الذي استعار مفهوم المتغير المتداخل ووظفه لبناء نماذجه الرياضية المعقدة لقوة العادة وخفض الحافز. وبذلك، برهن تولمان على إمكانية الجمع الخلاق بين الخيال النظري الجريء الذي يتصور آليات العقل الداخلية، وبين الصرامة الوضعية التجريبية التي ترفض أي ادعاء لا يمكن التحقق من صدقه إجرائياً في المختبر.
7. نظرية التوقع وإشارات الجشطالت (Sign-Gestalt Expectancy)
7.1 مفهوم التعلم بالعلامات مقابل التعلم بالاستجابة
في قلب المنظومة النظرية لتولمان يكمن خلاف جوهري بين ما أسماه «التعلم بالعلامات» (Sign Learning) وبين المفهوم السائد آنذاك والمتمثل في «التعلم بالاستجابة» (Response Learning). افترضت السلوكية الكلاسيكية الواطسونية أن التعلم عبارة عن عملية آلية عمياء تُحفر بموجبها استجابات عضلية وحركية معينة في الجهاز الحركي للكائن كرد فعل لمنبهات محددة؛ فالجرذ يتعلم أن يمد قدمه اليمنى ثم ينعطف بجسده بزاوية تسعين درجة.
في المقابل، أكد تولمان أن ما يتعلمه الكائن في الحقيقة ليس الحركات العضلية بحد ذاتها، بل يتعلم «ما يؤدي إلى ماذا» في البيئة (What leads to what). إن الكائن الحي يتعلم تكوين روابط إدراكية بين «علامات» بيئية معينة (Signs) تقوده إلى «دلالات» أو نتائج متوقعة (Significates)، وذلك عبر نمط وظيفي منظم يربط بينهما أسماه تولمان «إشارة الجشطالت» (Intervening Sign-Gestalt). فالبيئة في نظر الكائن مليئة بالإشارات والمؤشرات والمعالم، والتعلم هو عملية فك شفرة المعاني الوظيفية لهذه الإشارات واستيعاب دلالاتها على خارطة الواقع.
لإثبات هذا التمايز تجريبياً، صمم تولمان تجارب مشهورة للمقارنة المباشرة بين «التعلم المكاني» (Place Learning) و«تعلم الاستجابة» (Response Learning) باستخدام متاهات على شكل صليب متقاطع (Cross-Maze). في إحدى الحالات، وُضع الطعام دائماً في نفس الموقع المكاني الثابت، مما يتطلب من الفأر تغيير استجاباته الحركية (الانعطاف يميناً تارة ويساراً تارة أخرى) اعتماداً على نقطة انطلاقه في المتاهة. وفي الحالة الأخرى، كان التعزيز مشروطاً بقيام الفأر بنفس الحركة العضلية دائماً (الانعطاف يميناً دائماً) بغض النظر عن الموقع المكاني الذي ينتهي إليه. أظهرت النتائج تفوقاً ساحقاً وسرعة استثنائية في التعلم لدى الفئران التي تعتمد التعلم المكاني، مما برهن على أن الكائنات مهيأة بيولوجياً وإدراكياً لقراءة علامات الفضاء الجغرافي وليس لبرمجة عضلاتها آلياً.
7.2 بناء التوقعات الإدراكية والتأكيد التجريبي
ترتبط نظرية العلامات عند تولمان بنظرية «التوقع الإدراكي» (Cognitive Expectancy)؛ فخلال المراحل المبكرة من تفاعل الكائن مع بيئته الجديدة، يطور ما يُعرف بـ «الفرضيات الأولية» (Hypotheses) لتفسير العلاقات المكانية والبيئية. وكلما تحرك الكائن وتحققت فرضياته بالتجربة المتكررة (كأن يكتشف أن الانعطاف عند النقطة ذات اللون الأبيض يقوده فعلاً إلى صندوق الماء)، تتحول هذه الفرضيات التجريبية الهشة تدريجياً إلى «توقعات» راسخة وشديدة التماسك واليقين تسير سلوكه بثبات.
أحد أسطع الأدلة التجريبية التي استشهد بها تولمان لإثبات وجود هذه التوقعات الداخلية المستقلة كبنى معرفية مسبقة، كانت التجربة التاريخية الشهيرة التي أجراها الباحث أوتو تينكلباو عام 1928 (Otto Tinklepaugh, 1928) تحت إشراف تولمان على القردة. في هذه التجربة، عُود القرد على رؤية الباحث وهو يخبئ قطعة لذيذة من الموز تحت وعاء من بين وعائين مقلوبين أمامه، ثم يُسمح للقرد بعد فترة وجيزة برفع الوعاء لتناول الموز.
في إحدى المرات الحاسمة، قام الباحث بخدعة معرفية بارعة: استبدل قطعة الموز خفية بقطعة من الخس (وهو طعام يأكله القرد في الظروف العادية لكنه لا يفضله كثيراً مقارنة بالموز). عندما رفع القرد الوعاء ورأى الخس، حدث شيء لا يمكن لأي نموذج سلوكي ميكانيكي أن يفسره؛ لم يأكل القرد الخس فوراً كاستجابة شرطية طبيعية لمثير غذائي مقترن، بل توقف مذهولاً، ورفض تناول الخس، وشرع ينظر داخل الوعاء ويقلبه مراراً، ثم بدأ بالصراخ وإظهار علامات الغضب والإحباط الشديدين وهو يفتش الغرفة بحثاً عن الموز الغائب! برهنت هذه الخيبة السلوكية العارمة على أن القرد لم يكن مدفوعاً ببحث عضلي أعمى عن مادة غذائية تسد جوعه، بل كان يتحرك محكوماً بـ «صورة ذهنية وتوقع معرفي مسبق ودقيق» لقطعة الموز ورائحتها وشكلها، وأن السلوك كان موجهاً بالكامل بواسطة هذا التوقع الداخلي الصريح.
7.3 أنواع التعلم الستة وتعدد مسارات الاكتساب
في تطور نظري متأخر وبالغ النضج، نشر تولمان عام 1949 ورقة علمية بالغة الأهمية حملت عنواناً استنكارياً لافتاً: «هناك أكثر من نوع واحد للتعلم» (There is more than one kind of learning). انتقد تولمان في هذه الورقة بقوة المحاولات العقيمة التي بذلها السلوكيون في عصره، بمن فيهم هو نفسه وخصومه ككلارك هل وجاثري وسكنر، لصياغة «نظرية واحدة شمولية ومطلقة» تزعم قدرتها على تفسير كافة أشكال السلوك البشري والحيواني بقانون واحد أوحد (كالارتباط أو خفض الحافز).
اقترح تولمان تصنيفاً سداسياً مبتكراً يحدد ستة أنماط متميزة ومستقلة وظيفياً للتعلم، لكل منها آلياته الخاصة وشروطه العصبية والبيئية لتنشيطه واكتسابه:
- الكاثكسيس (Cathexes): الارتباط الإدراكي-الانفعالي بين رغبة بيولوجية أو دافع داخلي محدد وأشياء بيئية معينة تحقق إشباعه (أو تنفره)، كأن يرتبط جوع الفرد بنوعية طعام ثقافية معينة دون غيرها.
- المعتقدات المتكافئة (Equivalence Beliefs): حدوث استجابة داخلية تجعل هدفاً فرعياً أو ثانوياً يكتسب نفس القوة التحفيزية والإشباعية التي يمتلكها الهدف الأصلي، وهو ما يشبه عمليات التعزيز الثانوي المتقدمة (مثل قيمة المال أو التقدير الاجتماعي).
- توقعات المجال (Field Expectancies): التعلم المكاني الفضائي البحت الذي يكتسب الكائن من خلاله الخرائط المعرفية والعلاقات الطوبولوجية بين البيئات (ما يؤدي إلى ماذا)، وهو ما ركزت عليه غالبية تجاربه.
- أنماط المجال المعرفي (Field-Cognition Modes): الاستراتيجيات المعرفية العليا وأساليب الإدراك الفضائي وحل المشكلات التكيفية التي يتم نقلها وتعميمها عبر مواقف متعددة ومستحدثة.
- دوافع المحركات والحوافز الفطرية (Drive Discriminations): قدرة الكائن على التمييز الدقيق بين حالاته التحفيزية والفسيولوجية الداخلية المتنافسة (كالتمييز بين العطش والجوع واختيار المسار المناسب لإشباع الحالة الآنية المحددة).
- التناسق والتكيف الحركي (Motor Patterns): اكتساب المهارات الحركية الصرفة والأنماط العضلية الدقيقة، والتي اعترف تولمان بأنها قد تخضع لقوانين الاقتران البسيط والتكرار كما وصفها إدوين جاثري.
عكس هذا التنوع المرن عبقرية تولمان التعددية، ورفضه للدوغمائية النظرية الضيقة، مما فتح الباب واسعاً أمام الاعتراف بتعقد الجهاز النفسي واستحالة اختزاله في قالب ميكانيكي وحيد.
8. المناظرات الفكرية: تولمان في مواجهة معاصريه
8.1 السجال النظري والتجريبي مع كلارك ل. هل (Clark L. Hull)
هيمن السجال الفكري والتجريبي الشرس بين إدوارد تولمان وكلارك ل. هل (من جامعة ييل) على المشهد السيكولوجي الأمريكي طوال عقدي الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، وشكل هذا النزاع العظيم المحرك الأساسي لتطور أدوات البحث التجريبي وتصميم المتاهات المتقدمة في علم النفس. كان العالمان يتفقان تماماً في ضرورة الصرامة المنهجية، وتبني المنحى الموضوعي الإجرائي، واستخدام المتغيرات المتداخلة لتفسير السلوك، إلا أن افتراضاتهما الجوهرية حول «ماهية التعلم» كانت تقع على طرفي نقيض جذريين.
بنى كلارك هل نسقاً نظرياً استنباطياً-رياضياً فائق التعقيد يقوم على مبدأ ميكانيكي صارم: التعلم هو تقوية «عادات» سلوكية وروابط بين المثير والاستجابة (S-R Habits) مدفوعة بحتمية «اختزال الحافز الفسيولوجي» (Drive Reduction)؛ فإذا لم ينخفض الجوع أو التوتر البيولوجي، فلن يحدث تعلم على الإطلاق. في المقابل، جادل تولمان بنموذجه المعرفي الغرضي بأن التعلم هو عملية اكتساب «معلومات ومعارف وعلاقات فضائية» وتكوين خرائط وتوقعات مستقلة تماماً عن انخفاض الحافز المباشر أو التعزيز الخارجي الفوري.
تحول هذا الخلاف إلى ما يشبه «حرب المتاهات» الملحمية بين مدرستي بيركلي (أنصار تولمان) وييل (أنصار هل)؛ حيث كان كل معسكر يصمم تجارب معقدة للغاية في محاولة لدحض فرضيات المعسكر الآخر. كان هل وتلاميذه (مثل كينيث سبنس) يبتكرون تفسيرات بارعة مستندة إلى استجابات شرطية جزئية خفية لمحاولة دمج نتائج تولمان داخل نموذجهم الحركي، في حين كان تولمان يصمم تجارب متلاحقة (كتجارب المتاهة المروحية، والتعلم الكامن، وتفضيل المكان على الاستجابة) تثبت مجدداً أن الكائن يستجيب لتمثيل معرفي عقلي كلي لا يمكن لأية معادلة ميكانيكية استيعابه. ورغم أن المناظرة لم تنتهِ بهزيمة قاطعة لأحد الطرفين في أروقة الأربعينيات، إلا أن التاريخ أثبت في النهاية أن نبوءات تولمان المعرفية كانت هي النواة الأكثر خصوبة وقدرة على قيادة المستقبل السيكولوجي.
8.2 الموقف من راديكالية بي. إف. سكنر (B. F. Skinner)
مثلما خاض تولمان سجاله الطويل مع كلارك هل، شكلت أفكاره أيضاً تحدياً فكرياً مزمناً لزعيم السلوكية الإجرائية الراديكالية الصاعدة بي. إف. سكنر. كان سكنر يمثل النقيض الأبستمولوجي التام لتولمان؛ إذ رفع لواء «السلوكية الوصفية الخالصة» التي تعتبر العقل والجهاز العصبي مجرد «صندوق أسود» مغلق بالكامل، رافضاً رفضا قاطعاً استخدام أي متغيرات متداخلة أو بنى افتراضية لتفسير السلوك، وواصفاً إياها بأنها كائنات خيالية «شبحية» لا طائل من ورائها وتعيق الفحص العلمي للعلاقات الإجرائية المباشرة بين المثير المعزز ومعدل الاستجابة.
رد تولمان بصلابة على هذا الاختزال السكنري الراديكالي، مؤكداً أن الاكتفاء بوصف الارتباطات الخارجية البسيطة دون محاولة نمذجة العمليات الداخلية المعرفية التي تجري داخل الكائن الحي يجعل علم النفس عاجزاً عن فهم وتفسير الظواهر السلوكية المعقدة؛ كالإبداع، والتخطيط الاستباقي، وحل المشكلات غير المألوفة، والتكيف اللحظي مع الانهيارات البيئية الطارئة. ورأى تولمان أن سكنر، في محاولته التبسيطية للتخلص من الميتافيزيقا، قام في الواقع بالتخلص من ظاهرة الفهم والذكاء ذاتها، مقلصاً الكائن إلى مجرد آلة بيولوجية تكرر ما يعززه المحيط الخارجي بشكل عمياني.
تكمن المفارقة التاريخية الكبرى في أن التماسك الظاهري للنموذج السكنري وتطبيقاته العملية الناجحة في جداول التعزيز قد طغى على الأوساط السلوكية لعقدين من الزمن، إلا أن انفجار «الثورة المعرفية» في أواخر خمسينيات القرن العشرين، ولا سيما مع النقد المدمر الذي وجهه اللغوي نعوم تشومسكي لكتاب سكنر «السلوك اللفظي» عام 1959، كان بمثابة إعلان تاريخي عن صحة رؤية تولمان وضرورة وجود النموذج التفسيري المعرفي الداخلي؛ مما جعل أفكار تولمان تنبعث بقوة فائقة في حين بدأ النموذج السكنري بالانكماش والتراجع.
8.3 العلاقة مع إدوين جاثري وكورت ليفين
في إطار شبكة العلاقات الفكرية الواسعة التي تفاعل معها تولمان، يبرز تباينه الشديد مع إدوين جاثري (Edwin Guthrie) من جهة، وتواصقه الفكري العميق مع كورت ليفين (Kurt Lewin) من جهة أخرى. بنى جاثري نظريته على مبدأ الاقتران الحركي البسيط المتزامن بمحاولة واحدة (One-trial contiguity learning)، مدعياً أن مجرد حدوث الاستجابة العضلية مصاحبة للمثير يكفي لترسيخ التعلم دون الحاجة لأي تعزيز أو إدراك معرفي. وقد فنّد تولمان هذه الرؤية من خلال تجارب أثبتت أن الحركات العضلية ذاتها يمكن أن تتغير وتتبدل جذرياً في نفس البيئة إذا تغيرت الغاية أو المعالم المعرفية، مما يثبت عجز نموذج الاقتران الميكانيكي عن استيعاب المرونة الوظيفية للسلوك الحيواني.
على النقيض تماماً، ارتبط تولمان بصداقة فكرية وثيقة وتوافق معرفي استثنائي مع كورت ليفين، رائد نظرية المجال في علم النفس الاجتماعي ومؤسس سيكولوجيا الفضاء الحياتي (Life Space). كان ليفين، القادم من مدرسة الجشطالت في برلين، يرى أن سلوك الفرد هو محصلة القوى الموجهة داخل مجاله النفسي الكلي في اللحظة الراهنة. تلاقت رؤى ليفين وتولمان في نقاط جوهرية مدهشة؛ حيث وظف كلاهما المفاهيم «الطوبولوجية» والهندسية والمكانية لتفسير الظواهر النفسية.
استعار تولمان من ليفين مفاهيم مجالات القوة، والجاذبية الإيجابية والسلبية للأهداف (Valences)، والمسارات التكيفية عبر الفضاءات البيئية؛ في حين استفاد ليفين من تجارب تولمان المتاهية الصارمة لدعم نماذجه النظرية حول حل النزاعات واتخاذ القرارات الإنسانية. مثل هذا التحالف غير المعلن بين سلوكية تولمان المعرفية وجشطالتية ليفين الديناميكية معقلاً حصيناً للفكر النفسي الكلي والإنساني ضد الزحف الميكانيكي الجاف الذي ميز السلوكية الكلاسيكية في تلك الحقبة التاريخية.
9. إسهامات تولمان في سيكولوجيا الدوافع وعلم النفس الاجتماعي
9.1 تطوير نظرية متقدمة في الدوافع والحوافز
لم تكن نظرية الدوافع لدى تولمان ملحقاً هامشياً لنظريته في التعلم، بل كانت جزءاً لا يتجزأ من منظومته في السلوكية الغرضية؛ حيث رفض رفضا قاطعاً التصورات الفسيولوجية الضيقة التي كانت تختزل الدافع في مجرد اضطراب أو ألم حشوي ميكانيكي (كتقلصات جدران المعدة الفارغة أو جفاف الحلق). وبدلاً من هذا التفسير الحشوي الذري، نظر تولمان إلى الدافع باعتباره «حالة كلية موجهة ومحددة إدراكياً» تمنح الأشياء في البيئة قيمتها الوظيفية والجاذبة.
استحدث تولمان في هذا السياق مفهوم «الكاثكسيس» (Cathexis)—وهو مصطلح استعاره وطوره في سياق سلوكي معرفي من التحليل النفسي الفرويدي—ليعبر به عن عملية التعلم التي يرتبط بموجبها دافع بيولوجي عام بنمط محدد من الموضوعات أو الأهداف البيئية الملموسة. فبينما يمثل الجوع دافعاً بيولوجياً عاماً، فإن الكاثكسيس يحدد ما إذا كان هذا الكائن يرى في مادة معينة طعاماً مقبولاً يسعى إليه (كاثكسيس إيجابي) أم شيئاً منفراً يتجنبه (كاثكسيس سلبي)، وهو ما يفسر التباينات الثقافية الهائلة في اختيارات البشر وسلوكياتهم الاستهلاكية.
كما بين تولمان أن الدافع لا يعمل في فراغ، بل يتفاعل باستمرار مع البنية المعرفية؛ فالدافع ينشط خرائط معرفية محددة دون غيرها، ويوجه الانتباه الانتقائي نحو الإشارات ذات الصلة بالهدف اللحظي. فالجرذ الجائع في المتاهة يقرأ الإشارات والعلامات المكانية بطريقة مختلفة تماماً عن قراءته لنفس الإشارات إذا كان عطشاناً أو خائفاً، مما يعني أن الدافع والإدراك يشكلان معاً وحدة ديناميكية عضوية لا يمكن فصل عراها عند دراسة الفعل السلوكي الكلي.
9.2 كتاب ‘محركات نحو الحرب’ (Drives Toward War – 1942)
في عام 1942، وفي ذروة المأساة الدموية للحرب العالمية الثانية وانتشار الفاشية والنازية عبر أوروبا وآسيا، نشر تولمان كتاباً ريادياً وجريئاً بعنوان «محركات نحو الحرب» (Drives Toward War). كرس تولمان هذا العمل لتقديم تحليل سيكولوجي سلوكي-معرفي عميق للدوافع والآليات النفسية التي تقود الأمم والشعوب إلى الانخراط في الصراعات العنيفة والحروب المدمرة، متجاوزاً التحليلات السياسية والاقتصادية السطحية للغوص في سيكولوجيا الإنسان والعدوان.
استند تولمان في تحليله إلى ترسانته المفاهيمية؛ موضحاً كيف تتشابك الدوافع البيولوجية الفطرية (كالخوف، والبحث عن الأمان، والعدوان) مع الآليات النفسية الاجتماعية المعقدة، مثل «الإحباط» (Frustration)، والتعويض النفسي، و«التماهي الجماعي» (Identification with the Group). وجادل بأن الأفراد عندما يواجهون الإحباط الاجتماعي والاقتصادي المزمن، ويشعرون بالعجز والضياع، فإنهم يميلون إلى إسقاط هذا العدوان وتوجيهه نحو كبش فداء خارجي من خلال آلية «العدوان المحول» (Displaced Aggression)، حيث تستغل الأنظمة الاستبدادية هذا التوتر الجمعي لتأجيج نيران الكراهية القومية والشوفينية المدمرة.
ولم يكتفِ تولمان بالتشخيص السلبي للأزمة، بل قدم رؤية إصلاحية طوباوية عقلانية؛ مؤكداً أن العدوان والحرب ليسا قدراً بيولوجياً محتوماً على الجنس البشري. ودعا إلى إعادة هندسة البيئات الاجتماعية والتعليمية لخلق فرص تكيفية لإشباع حاجات الأفراد الأساسية، وتطوير مؤسسات دولية ديمقراطية تتيح للولاءات الإنسانية أن تتوسع من النطاق القومي الضيق إلى الأفق العالمي المشترك؛ في محاولة نبيلة لتجنيد علم النفس لخدمة السلام وصون الحضارة الإنسانية من الإبادة الذاتية.
9.3 الربط بين السلوك الفردي والبنى الثقافية والمجتمعية
في السنوات الأخيرة من مسيرته الأكاديمية، وسّع تولمان آفاقه النظرية متجاوزاً الإطار التجريبي الضيق للمختبر، في محاولة طموحة للدمج بين علم النفس الفردي وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا الثقافية. كان مقتنعاً بأن فهم السلوك الإنساني في كامل أبعاده يقتضي بناء نظرية تكاملية للعلوم الاجتماعية قادرة على الانتقال السلس من مستوى الكائن المفرد إلى مستوى النظم الاجتماعية الكلية دون فجوات إبستمولوجية.
تجسد هذا التوجه في تعاونه الأكاديمي التاريخي مع علماء الاجتماع الكبار في جامعة هارفارد؛ وفي مقدمتهم تالكوت بارسونز (Talcott Parsons) وإدوارد شيلز (Edward Shils)، حيث شارك تولمان بفاعلية في صياغة العمل الضخم المشترك «نحو نظرية عامة للفعل» (Toward a General Theory of Action) الصادر عام 1951. ساهم تولمان في هذا المشروع بصياغة الفصول التي تؤصل للروابط العضوية بين سيكولوجيا التعلم الفردي ومنظومات القيم الثقافية والاجتماعية المشتركة.
رأى تولمان في هذا السياق أن عملية «التنشئة الاجتماعية» (Socialization) ليست سوى عملية تشكيل مستمرة لـ «خرائط معرفية اجتماعية وقيمية مشتركة» تستقر في عقول الأفراد وتوجه سلوكهم الجمعي داخل النسيج المؤسسي. فالمعايير الثقافية والأدوار الاجتماعية تعمل كعلامات وإشارات جشطالتية كبرى تحدد للأفراد ما هو مقبول وما هو محظور، وما يؤدي إلى التقدير أو النبذ الاجتماعي؛ وبذلك قدم تولمان أساساً سيكولوجياً متيناً لنظرية الفعل الاجتماعي استمرت تأثيراته لسنوات طويلة في العلوم الإنسانية.
10. المواقف الأخلاقية والأكاديمية: قضية قسم الولاء في كاليفورنيا
10.1 أزمة قسم الولاء في جامعة كاليفورنيا (1949-1950)
لم يكن إدوارد تولمان عالماً عبقرياً في صومعته المعملية فحسب، بل كان نموذجاً فريداً للشجاعة الأخلاقية والاستقامة المبدئية التي تجلت في أبهى صورها خلال أزمة «قسم الولاء» (Loyalty Oath Controversy) الشهيرة التي عصفت بـ جامعة كاليفورنيا بين عامي 1949 و1950. اندلعت هذه الأزمة في بدايات حقبة «الحرب الباردة» وصعود الهستيريا «المكارثية» المعادية للشيوعية في الولايات المتحدة؛ حيث فرض مجلس أمناء الجامعة شرطاً تعسفياً يُلزم جميع الأساتذة وأعضاء هيئة التدريس بتوقيع قسم ولاء إجباري ينفي انتمائهم لأي حزب أو تنظيم يدعو لقلب نظام الحكم (في إشارة مباشرة للحزب الشيوعي)، وذلك كشرط لازم للحفاظ على وظائفهم الأكاديمية وحصانتهم المهنية.
ورغم أن تولمان لم تكن له أية علاقة فكرية أو تنظيمية بالحزب الشيوعي—بل كان ليبرالياً ديمقراطياً معتدلاً ومنحدراً من أرقى العائلات النيوانجلندية العريقة—إلا أنه رأى في فرض هذا القسم القسري عدواناً فاشياً سافراً على «الحرية الأكاديمية»، وتدنيساً لكرامة الأستاذ الجامعي، وتعدياً غير دستوري على حرية الفكر والتعبير المستقلة. ومن هنا، انبرى تولمان دون تردد ليقود جبهة الرفض المبدئي والصلب بين أساتذة الجامعة، معلناً امتناعه الحاسم عن توقيع هذا القسم تحت أي ظرف كان.
شكل تولمان مع نخبة من زملائه الأحرار حصناً منيعاً للدفاع عن استقلال الجامعة في وجه طغيان مجلس الأمناء المسيس ورجال السياسة المحافظين. وأدى هذا الموقف المبدئي الصلب إلى تصعيد دراماتيكي من جانب مجلس الأمناء، الذي أصدر في صيف عام 1950 قراراً جائراً بفصل إدوارد تولمان ومعه واحد وثلاثون أستاذاً بارزاً من وظائفهم الجامعية وتجريدهم من كراسيهم العلمية؛ لتبدأ واحدة من أشرس المعارك القانونية والحقوقية في تاريخ التعليم العالي الأمريكي.
10.2 المحاكمة التاريخية (تولمان ضد أندريه 1952)
رفض تولمان وزملاؤه المفصولون الانصياع لقرار الفصل الجائر، وقرروا خوض معركة قضائية غير مسبوقة ضد مجلس أمناء الجامعة رئيساً وأعضاء، ورفعوا دعوى تاريخية كبرى أمام القضاء الأمريكي عُرفت في السجلات القضائية باسم «قضية تولمان ضد أندريه» (Tolman v. Underhill). تولى تولمان قيادة هذه المعركة بشجاعة هادئة وبدعم من قطاعات واسعة من المجتمع الأكاديمي الدولي والمنظمات الحقوقية التي رأت في المحاكمة اختباراً فاصلاً لمستقبل الديمقراطية الأمريكية ذاتها.
خاض الفريق القانوني لتولمان معركة دستورية ضارية، دافعين بأن فرض الشروط والامتحانات الأيديولوجية والولاءات السياسية على الكادر التعليمي ينتهك نص وروح دستور ولاية كاليفورنيا والدستور الفيدرالي، ويقوض مبدأ الحصانة الأكاديمية (Tenure) الذي يشكل الضمانة الوحيدة للبحث العلمي الحر والنزيه والمستقل عن تقلبات السياسة وأمزجة الحكام. استمرت المعركة لعامين كاملين من التوتر والترقب، رفض خلالهما تولمان كافة عروض التسوية الفردية التي قُدمت له لإعادته منفرداً إلى منصبه دون بقية زملائه، مصراً على التضامن الجماعي الكامل حتى النهاية.
في عام 1952، أصدرت المحكمة العليا لولاية كاليفورنيا حكمها التاريخي المزلزل؛ حيث قضت بالإجماع بعدم دستورية وبطلان قسم الولاء التعسفي المفروض من قبل مجلس الأمناء، وأمرت الجامعة بإلغائه فوراً وإعادة تولمان وجميع الأساتذة المفصولين إلى وظائفهم ومناصبهم الأكاديمية مع رد اعتبارهم المادي والمعنوي الكامل ودفع مستحقاتهم بأثر رجعي. سُجل هذا الحكم كواحد من أعظم الانتصارات القانونية للحرية الأكاديمية في تاريخ الولايات المتحدة، ورسخ مبادئ قانونية وقضائية حمَت الجامعات الأمريكية من التغول الأيديولوجي والتدخلات السياسية لعقود طويلة تالية.
10.3 تكريم تولمان ورمزية مبنى ‘تولمان هول’
عاد إدوارد تولمان إلى رحاب جامعة بيركلي عودة الأبطال المنتصرين؛ ولم تكن عودته مجرد استئناف لمسيرة أستاذ جامعي عادي، بل كانت تتويجاً لرمز وطني وأخلاقي شامخ جسد أسمى قيم النزاهة والشجاعة في خدمة الحق والعدالة. حظي تولمان بتقدير لا نظير له من قبل زملائه وطلابه والأسرة الأكاديمية العالمية، واعتُبرت صلابته في وجه المكارثية نموذجاً ملهماً لكيفية وقوف العالم الحق في وجه الاستبداد مهما كان الثمن المهني والاجتماعي فادحاً.
تقاعد تولمان رسمياً عن التدريس في عام 1954، لكنه ظل حاضراً ومؤثراً في الحياة الفكرية للجامعة حتى وفاته المنية في التاسع عشر من نوفمبر عام 1959. وتخليداً لذكراه العطرة ولمواقفه الأكاديمية والأخلاقية الاستثنائية، اتخذت جامعة كاليفورنيا في بيركلي في أوائل الستينيات قراراً رمزياً كبيراً بإطلاق اسمه رسمياً على المجمع المعماري الضخم الذي احتضن قسمي علم النفس والتربية في الجامعة؛ ليُعرف لعقود طويلة باسم «تولمان هول» (Tolman Hall).
ظل هذا المبنى لعقود منارة علمية تخرج منها الآلاف من كبار علماء النفس والتربية والباحثين، وكانت اللوحة التذكارية المثبتة في بهوه تروي للأجيال المتعاقبة سيرة ذلك العالم الفذ الذي علمهم أن فهم السلوك البشري في المختبر لا ينفصل عن الدفاع المستميت عن حرية الإنسان وكرامته في المجتمع؛ ليبقى إرث تولمان الأخلاقي حياً ومقترناً بإرثه العلمي الخالد.
11. التمهيد للثورة المعرفية والتأثير على الاتجاهات الحديثة
11.1 تولمان كأب روحي لعلم النفس المعرفي المعاصر
مع بزوغ فجر ما عُرف تاريخياً بـ «الثورة المعرفية» (Cognitive Revolution) في أواخر خمسينيات وستينيات القرن العشرين، وجد رواد هذا التحول العلمي الجذري أنفسهم يعودون بصورة تلقائية وشبه حتمية إلى الإرث النظري والتجريبي الضخم الذي تركه إدوارد تولمان. لقد كان تولمان بحق «الأب الروحي الحقيقي لعلم النفس المعرفي المعاصر»، إذ حافظ بمفرده تقريباً طوال عقود الهيمنة السلوكية المظلمة على جمرة البحث في التمثيلات العقلية الداخلية متقدة ومغذية للمنهج التجريبي الصارم.
تأثر عمالقة علم النفس المعرفي المؤسسون مباشرة بأفكار تولمان ومصطلحاته؛ فالعالم الكبير جورج ميلر (George A. Miller)، في صياغته الرائدة لمعالجة المعلومات وطاقة الذاكرة قصيرة المدى، وجيروم برونر (Jerome Bruner) في أبحاثه حول البناء المعرفي للإدراك، وأولريك نيسر (Ulric Neisser) في كتابه المرجعي التأسيسي «علم النفس المعرفي» عام 1967، مدينون جميعاً لنموذج تولمان. لقد وجد هؤلاء الرواد في مفاهيم «الخرائط المعرفية»، و«المتغيرات المتداخلة»، و«التوقعات الإدراكية» القالب الإبستمولوجي واللغة العلمية الجاهزة والمجربة التي مكنتهم من تجاوز ميكانيكية سكنر وواطسون دون الوقوع في ذاتية الاستبطان القديمة.
لقد جسد مشروع تولمان النبوءة التاريخية التي تحققت بالكامل مع تحول علم النفس من دراسة «الارتباطات الشرطية البسيطة» إلى دراسة «معالجة المعلومات، والتمثيلات الرمزية، واتخاذ القرار، والذكاء الاصطناعي»؛ مما جعل من كتاباته في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي نصوصاً تأسيسية معاصرة ومتقدمة على زمانها بامتياز، استعادت بريقها وتوهجها العلمي مع كل خطوة خطتها المعرفية الحديثة نحو الأمام.
11.2 الجذور التولمانية لنظرية التعلم الاجتماعي والتوقع
امتد التأثير المباشر لتولمان إلى ميدان علم النفس الاجتماعي وسيكولوجيا الشخصية والتعلم الإنساني؛ وتجلى ذلك بأوضح صوره في الأعمال الرائدة التي طورها عالمان من أعظم علماء النفس في النصف الثاني من القرن العشرين: جوليان روتر وألبرت باندورا. استلهم جوليان روتر (Julian Rotter) نظرية التوقع لتولمان وطبقها مباشرة على السلوك الإنساني الاجتماعي، مصيغاً «نظرية التعلم الاجتماعي» المرتكزة على مفهوم «توقع النتيجة وقيمة الهدف»، والتي قادته لابتكار مفهومه النفسي العالمي الشهير: «وجهة الضبط» (Locus of Control)، الذي يحدد ما إذا كان الفرد يرى العواقب كنتيجة لجهوده الذاتية أم لقوى الحظ والبيئة الخارجية.
من جانب آخر، أسس ألبرت باندورا (Albert Bandura) نظريته الثورية في «التعلم بالملاحظة» والنمذجة السلوكية (Observational Learning) مباشرة على التمييز التولماني الحاسم بين «التعلم» و«الأداء». في تجاربه الشهيرة على دمية بوبو (Bobo Doll)، أثبت باندورا أن الأطفال يتعلمون السلوك العدواني كامناً بمجرد مشاهدة النموذج المتلفز دون أن يتلقوا أي تعزيز، ولكنهم لا يظهرون هذا السلوك في أدائهم العلني إلا عندما تتوفر الظروف التحفيزية الملائمة؛ وهي مطابقة تجريبية مباشرة لنتائج تجربة تولمان وهونزيك لعام 1930 ولكن على المستوى البشري الاجتماعي.
علاوة على ذلك، كان لنموذج تولمان الفضل في إرساء الأساس الفلسفي والتجريبي لولادة وتطور مدارس «العلاج المعرفي-السلوكي» (CBT) على يد آرون بيك وألبرت إليس؛ حيث أدرك المعالجون أن تعديل السلوك المضطرب لا يقتصر على تغيير البيئة الخارجية بالثواب والعقاب، بل يتطلب في المقام الأول إعادة هيكلة وتعديل «الخرائط والتوقعات المعرفية المشوهة» التي يحملها الفرد عن ذاته وعن العالم المحيط به، مما يبرهن على اتساع التطبيقات الإكلينيكية لإرث تولمان.
11.3 الجوائز والاعتراف الأكاديمي المتأخر
رغم أن تولمان خاض طوال حياته معارك فكرية ضارية مع التيارات السلوكية المهيمنة، إلا أن المجتمع العلمي لم يستطع تجاهل عبقريته الفذة وإسهاماته التجريبية المزلزلة؛ فتوالت عليه التكريمات الرفيعة والمناصب القيادية المرموقة. ففي عام 1937، انتُخب تولمان رئيساً لـ جمعية علم النفس الأمريكية (APA)، وهو أرفع منصب علمي وتشريفي في الحقل السيكولوجي، واستغل خطابه الرئاسي الشهير لمواصلة الدفاع عن غرضية السلوك ومرونته التكيفية وكرامة الكائن الحي.
كما انتُخب عضواً في «الأكاديمية الوطنية للعلوم» في الولايات المتحدة، ونال عضويات شرفية في كبريات الجمعيات العلمية في بريطانيا وفرنسا وألمانيا. وفي عام 1957، وقبل عامين من رحيله، منحته جمعية علم النفس الأمريكية جائزتها الكبرى الأولى والتاريخية: «جائزة الإسهام العلمي المتميز» (Distinguished Scientific Contribution Award)؛ وجاء في حيثيات منحه الجائزة إشادة استثنائية بدوره التاريخي في إثراء علم النفس بالصرامة التجريبية والعمق الفكري، وقيادته الشجاعة للتحولات المعرفية الكبرى، ونزاهته الإنسانية التي لا تبارى.
وعندما توفي تولمان عام 1959، شهدت الأوساط الأكاديمية العالمية موجة واسعة من المراجعات النقدية والتكريمية لإنتاجه الفكري؛ حيث أجمع كبار المؤرخين والعلماء على أن إدوارد تولمان لم يكن مجرد سلوكي متمرد أو معرفي مبكر، بل كان فيلسوفاً ومؤسساً استثنائياً نجح في تحرير علم النفس من أضيق سجون الميكانيكية، وفتح أمامه الأبواب الملكية الواسعة نحو آفاق العلوم الإدراكية الحديثة، مكرساً اسمه كأحد أعظم بناة الفكر السيكولوجي في القرن العشرين.
12. المكانة المعاصرة لنظرية تولمان في علوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي
12.1 التحقق العصبي البيولوجي من الخرائط المعرفية
إذا كانت الفيزياء قد انتظرت عقوداً للتحقق التجريبي من نبوءات ألبرت أينشتاين حول موجات الجاذبية، فإن السيكولوجيا قد انتظرت ما يقرب من سبعين عاماً لتشهد التحقق العصبي-البيولوجي المذهل من صحة مفهوم «الخرائط المعرفية» الذي صاغه إدوارد تولمان في عام 1948؛ إذ قدمت علوم الأعصاب المعاصرة الأساس التشريحي والفسيولوجي الملموس لتلك البنية التي افترضها تولمان كبناء منطقي مجرد.
بدأت هذه الملحمة العلمية في سبعينيات القرن العشرين عندما اكتشف عالم الأعصاب جون أوكيف (John O’Keefe) ما أسماه بـ «خلايا المكان» (Place Cells) في منطقة الحصين (Hippocampus) في دماغ الثدييات؛ وهي خلايا عصبية متخصصة تطلق إشاراتها الكهربائية بشكل نوعي وحصري عندما يتواجد الكائن في موقع مكاني محدد ومميز داخل بيئته. وتوج هذا المسار العلمي باكتشاف الزوجين إدفارد وماي بريت موزر (Edvard & May-Britt Moser) في عام 2005 لـ «خلايا الشبكة» (Grid Cells) في القشرة المخية الشمية الداخلية (Entorhinal Cortex)؛ وهي خلايا مذهلة ترسم نظام إحداثيات طوبولوجي وهندسي سداسي فائق الدقة يقيس المسافات والاتجاهات في الفضاء الخارجي بدقة متناهية.
نال أوكيف والزوجان موزر معاً جائزة نوبل في الطب وعلم وظائف الأعضاء عام 2014 لاكتشافهم هذا النظام الفضائي المدمج في الدماغ، والذي أطلقت عليه لجنة نوبل صراحة ودون مواربة لقب «نظام تحديد المواقع الداخلي للدماغ: الخريطة المعرفية لتولمان» (The Brain’s Inner GPS: Tolman’s Cognitive Map). شكل هذا التكريم تتويجاً تاريخياً لنبوءة تولمان، مبرهناً على أن المخ لا يربط منعكسات عضلية بسيطة، بل يبني ويشفر في طياته خرائط معرفية حقيقية تتطابق في آلياتها الحيوية تماماً مع ما استنتجه تولمان من مراقبة فئرانه وهي تتجول في متاهات بيركلي الخشبية.
12.2 إلهام خوارزميات الملاحة والتعلم المعزز القائم على النموذج (Model-Based RL)
لم يقتصر الإحياء المعاصر لنظرية تولمان على علوم الدماغ والأعصاب، بل امتد ليكون أحد أهم الروافد الملهمة لثورة الذكاء الاصطناعي وتطوير الروبوتات الذاتية؛ وتحديداً في خوارزميات الملاحة المتقدمة وميدان «التعلم المعزز» (Reinforcement Learning).
في هندسة الروبوتات والملاحة المستقلة، تم استلهام أفكار تولمان لبناء تقنيات «التوطين ورسم الخرائط في آن واحد» (SLAM)، حيث لا تعتمد المركبات الذكية على تعليمات حركية مخزنة مسبقاً، بل تبني وتحدث باستمرار خريطة مكانية طوبولوجية واحتمالية لبيئتها أثناء الحركة، تتيح لها إعادة توجيه مساراتها واختصار الطرق عند مواجهة حواجز مفاجئة، مجسدة بدقة متناهية سلوك الفأر في متاهة تولمان المروحية.
أما في علم الحوسبة المعرفية والتعلم الآلي، فيتجلى إرث المناظرة التاريخية بين تولمان وهل وسكنر في التمييز التقني الجوهري القائم اليوم بين مسارين رئيسيين للتعلم المعزز:
- التعلم المعزز الخالي من النماذج (Model-Free RL): وهو التجسيد الحوسبي المباشر للسلوكية السكنرية والهلية؛ حيث يتعلم الوكيل الاصطناعي مجرد سياسات جدولية تربط الحالات بالإجراءات عبر مكافآت مباشرة بالغة التكرار وبلا نموذج داخلي، مما يجعله هشاً وعرضة للفشل الذريع إذا تغيرت شروط البيئة فجأة.
- التعلم المعزز القائم على النماذج (Model-Based RL): وهو التطبيق الحوسبي الخالص للسلوكية الغرضية التولمانية؛ حيث يقوم الوكيل ببناء نموذج تمثيلي داخلي يحاكي ديناميكيات العالم البيئي («ما يؤدي إلى ماذا»). يمكن هذا النموذج الوكيل من التخطيط المسبق، ومحاكاة العواقب في مخيلته الحوسبية قبل ارتكاب الفعل، والتعلم الكامن في غياب الإشارات الثوابية الآنية، وتحقيق المرونة التكيفية القصوى؛ مما يجعل أفكار تولمان حجر الزاوية في بناء الذكاء الاصطناعي العام (AGI).
12.3 القيمة المنهجية الدائمة لمنهجية تولمان التوفيقية
تكمن الراهنية الفائقة لإدوارد تولمان في عصرنا الراهن في «الدرس الإبستمولوجي الخالد» الذي قدمه في كيفية التوفيق الخلاق والشجاع بين الصرامة العلمية والموضوعية التجريبية من جهة، وبين العمق المعرفي المفاهيمي والاعتراف بالقصدية والمعنى والهدف من جهة أخرى؛ وهو درس تشتد حاجة العلوم المعاصرة إليه اليوم أكثر من أي وقت مضى.
في عصر يشهد اندفاعة جديدة نحو «الاختزالية العصبية والحيوية الفجة» التي تسعى أحياناً لاختزال العاطفة الإنسانية، والإرادة، والوعي، والثقافة في مجرد ومضات مغناطيسية على شاشات الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) أو سيالات عصبية ميكانيكية، يعود نموذج تولمان ليذكرنا بحزم علمي لا يلين بأن «السلوك الكلي الهادف» هو مستوى تحليلي أصيل ومستقل لا يجوز اختزاله أو تجاوزه؛ لأن فهم النظام ككل أكبر وأعمق بكثير من مجرد جرد أجزائه الجزيئية الدقيقة.
تظل السلوكية الغرضية أفقاً علمياً مفتوحاً يلهم كل باحث يسعى لفهم لغز العقل البشري والحيواني والاصطناعي؛ أفقاً يرى في الكائن الحي فاعلاً عاقلاً، يستكشف، ويتوقع، ويبني في مداركه خرائط الأمل والاتجاه في مواجهة متاهات العالم المعقدة، مؤكداً أن العقل والهدف لم يكونا يوماً أوهاماً ميتافيزيقية، بل هما جوهر الحياة وأسمى تجليات التكيف الوجودي للكائنات الحية على وجه هذه الأرض.
خاتمة شاملة: الإرث الخالد لإدوارد تولمان
يمثل إدوارد تشيس تولمان علامة فارقة واستثنائية في تاريخ الفكر النفسي الحديث؛ إذ استطاع بعقليته الهندسية المنظمة وضميره الأخلاقي الحي وخياله النظري الخصيب أن يقود أعظم عملية تحرير معرفي شهدها علم النفس في القرن العشرين. ففي حقبة سادت فيها السلوكية الراديكالية محاولةً تحويل الكائن الحي إلى مجرد آلة مستجيبة صماء تتقاذفها الصدف البيئية، وقف تولمان شامخاً في مختبره ببيركلي، مبرهناً عبر متاهاته المتقنة وتجاربه الدقيقة على أن الحياة حركة هادفة، وأن التعلم اكتشاف مستمر، وأن العقل يبني خرائطه المستقلة حتى في أحلك أوقات الصمت والغياب.
إن الرحلة الطويلة التي قطعها تولمان—بدءاً من دراساته الكهروكيميائية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، مروراً بلقائه الملهم مع رواد الجشطالت في ألمانيا، وسجالاته الملحمية مع كلارك هل وسكنر، وموقفه الدستوري التاريخي في الدفاع عن الحرية الأكاديمية خلال أزمة قسم الولاء، وانتهاءً بالتحقق العصبي والحوسبي من نبوءاته عبر خلايا المكان في الدماغ وخوارزميات الذكاء الاصطناعي المعاصر—تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أننا أمام مفكر سابق لزمانه بعقود طويلة. لقد بنى تولمان صرحاً نظرياً استطاع أن يصمد أمام تقلبات التيارات والمدارس، مانحاً المعرفية شرعيتها التجريبية، وحامياً السلوكية من الابتذال الآلي.
يبقى درس تولمان الأكبر لعصرنا الحالي هو أن العلم الحقيقي لا يتناقض مع النزعة الإنسانية العميقة؛ فالصرامة التجريبية في المختبر لا تكتمل إلا بالانفتاح الأخلاقي على قضايا العدالة والمجتمع وحرية الفكر. وسيظل إدوارد تولمان يذكر في ضمير العلوم الإنسانية والمعرفية لا بوصفه مجرد عالم نفس برع في دراسة الفئران داخل المتاهات، بل كفيلسوف إنساني عظيم أنار دروب الفهم، وأعاد للعقل مكانه اللائق في صميم دراسة السلوك، ورسم بأفكاره المضيئة أوسع الخرائط المعرفية التي لا تزال تهدي خطى الباحثين في سبر أغوار النفس البشرية ومتاهات الوجود الحي。
المراجع
- Bandura, A. (1977). Social Learning Theory. Prentice-Hall.
- Bridgman, P. W. (1927). The Logic of Modern Physics. Macmillan.
- Hull, C. L. (1943). Principles of Behavior: An Introduction to Behavior Theory. Appleton-Century-Crofts.
- James, W. (1890). The Principles of Psychology. Henry Holt and Company.
- Moser, E. I., Kropff, E., & Moser, M. B. (2008). Place cells, grid cells, and the brain’s spatial representation system. Annual Review of Neuroscience, 31, 69–89. https://doi.org/10.1146/annurev.neuro.31.061307.090723
- Neisser, U. (1967). Cognitive Psychology. Appleton-Century-Crofts.
- O’Keefe, J., & Nadel, L. (1978). The Hippocampus as a Cognitive Map. Oxford University Press.
- Parsons, T., & Shils, E. A. (Eds.). (1951). Toward a General Theory of Action. Harvard University Press. https://doi.org/10.4159/harvard.9780674863507
- Rotter, J. B. (1954). Social Learning and Clinical Psychology. Prentice-Hall. https://doi.org/10.1037/10788-000
- Skinner, B. F. (1938). The Behavior of Organisms: An Experimental Analysis. Appleton-Century-Crofts.
- Sutton, R. S., & Barto, A. G. (2018). Reinforcement Learning: An Introduction (2nd ed.). MIT Press.
- Tinklepaugh, O. L. (1928). An experimental study of representative factors in monkeys. Journal of Comparative Psychology, 8(3), 197–236. https://doi.org/10.1037/h0075798
- Tolman, E. C. (1932). Purposive Behavior in Animals and Men. Century Company.
- Tolman, E. C. (1938). The determiners of behavior at a choice point. Psychological Review, 45(1), 1–41. https://doi.org/10.1037/h0062733
- Tolman, E. C. (1942). Drives Toward War. Appleton-Century-Crofts.
- Tolman, E. C. (1948). Cognitive maps in rats and men. Psychological Review, 55(4), 189–208. https://doi.org/10.1037/h0061626
- Tolman, E. C. (1949). There is more than one kind of learning. Psychological Review, 56(3), 144–155. https://doi.org/10.1037/h0055304
- Tolman, E. C., & Honzik, C. H. (1930). Introduction and removal of reward, and maze performance in rats. University of California Publications in Psychology, 4(19), 257–275.
- Watson, J. B. (1913). Psychology as the behaviorist views it. Psychological Review, 20(2), 158–177. https://doi.org/10.1037/h0074420