السيرة
يمثل الفكر الفلسفي والسيكولوجي الأمريكي في أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين حقبة مفصلية تميزت بإعادة تشكيل المفاهيم التقليدية حول الوعي، والمعرفة، والإيمان. وفي قلب هذا التحول المعرفي، برز المفكر والفيلسوف وعالم النفس الأمريكي إدوارد سكرينبر إيمز (Edward Scribner Ames: 1870–1958) كأحد ألمع رواد ما عُرف تاريخياً بـ «مدرسة شيكاغو» للفلسفة البراغماتية وعلم النفس الوظيفي. لم يكن إيمز مجرد أكاديمي منعزل في برجه العاجي، بل جسد نموذجاً فريداً للمفكر التواصلي الذي جمع بين التحليل الفلسفي الصارم، والتجريبية السيكولوجية الحديثة، والتطبيق العملي الرعوي بوصفه رجل دين وقائداً مجتمعياً، ساعياً طوال حياته إلى نزع الطابع الغيبي المفارق عن الظاهرة الدينية وإدماجها في نسيج الحياة الاجتماعية والنفسية الحية.
انطلق مشروع إيمز الفكري من قناعة راسخة بأن الدين ليس هبة نازلة من خارج العالم التجريبي، ولا هو مجرد مجموعة من العقائد الميتافيزيقية الجامدة التي تتطلب تصديقاً أعمى، بل هو ظاهرة إنسانية طبيعية ونتاج تكيفي لسعي البشر الدائب نحو إيجاد المعنى وتحقيق التضامن الاجتماعي. ومن خلال مؤلفه الرائد «سيكولوجيا التجربة الدينية» (The Psychology of Religious Experience) الصادر عام 1910، استطاع إيمز أن يقدم صياغة متماسكة تفكك الثنائيات التقليدية بين المقدس والمدنس، والعقل والإيمان، والفرد والمجتمع. وقد استفاد في هذا المسعى من المنهجيات النشوئية، ونظريات التحليل الاجتماعي، والوظيفية النفسية التي بلورها أساتذته وزملاؤه من قامات الفكر البراغماتي مثل جون ديوي وجورج هربرت ميد.
تكمن الأهمية التاريخية والمعرفية لإدوارد إس. إيمز في شجاعته النظرية التي مكنته من إعادة تعريف المفاهيم المركزية في اللاهوت، وعلى رأسها مفهوم «الإله»، برؤية طبيعية ووظيفية تعتبر الألوهية تجسيداً رمزياً لأسمى القيم والمثل المشتركة التي تسعى الجماعة البشرية إلى تحقيقها. يقدم هذا البحث الموسع قراءة نسقية شاملة في سيرة هذا المفكر، وأصوله النظرية، ومنهجيته العلمية في تشريح التجربة الروحية، وموقعه المقارن بين أقطاب الفلسفة والتحليل النفسي، كاشفاً عن الراهنية الفكرية العميقة لطروحاته في عصرنا الراهن الذي تتجدد فيه الأسئلة حول وظيفة الدين وأثره في الصحة النفسية والتماسك المجتمعي.
1. المقدمة والمسار التكويني لإدوارد إس. إيمز (1870-1958)
1.1 النشأة والخلفية الاجتماعية والدينية
ولد إدوارد سكرينبر إيمز في الحادي والعشرين من أبريل عام 1870 في مدينة أو كلير بولاية ويسكونسن الأمريكية، في كنف أسرة ريفية مشبعة بقيم الانضباط الأخلاقي والتقاليد الدينية العميقة. كان والده راعياً ومبشراً ينتمي إلى حركة كنيسة تلاميذ المسيح (Disciples of Christ)، وهي حركة بروتستانتية إصلاحية نشأت في بدايات القرن التاسع عشر داخل البيئة الأمريكية بروح تطالب بالعودة إلى بساطة الإنجيل ونبذ الانقسامات المذهبية والتمسك بنوع من العقلانية التحررية في قراءة النصوص المقدسة. أتاح هذا المناخ الأسري لإيمز الصغير أن يتشرب مبكراً روح الالتزام الإنساني، مع إدراك عميق للدور المركزي الذي تلعبه الكنيسة في تماسك المجتمعات المحلية الصغيرة، وتغذية روح التعاون والمحبة بين الأفراد.
إلا أن هذه التربية، على الرغم من تدينها، لم تكن منغلقة أو متزمتة بالمعنى الحرفي التقليدي؛ فقد كان التيار الذي نشأ فيه والده يشجع النقاش المفتوح ويثق في قدرة العقل البشري على الاستيعاب والتأويل دون وصاية كهنوتية صارمة. وكان لتنقل الأسرة بين عدة بلدات ريفية أثر بالغ في تنمية حس الملاحظة لدى الفتى، حيث شاهد بأم عينيه كيف تعمل الطقوس المشتركة والشعائر البسيطة على صهر الهويات المتباينة للمهاجرين والمستوطنين، وتوفير مظلة أمان نفسي في مواجهة قسوة الحياة البرية ومتطلبات البناء المجتمعي. هذه المعايشة اليومية زرعت في عقله بذور التساؤل حول سر تلك القوة الخفية التي يمارسها الإيمان على سلوك الناس وعلاقاتهم المتبادلة.
مع انتقاله لتلقي تعليمه الجامعي الأول في جامعة دريك (Drake University) بولاية آيوا، بدأ إيمز مسار الانفتاح على الفلسفة الكلاسيكية وتيارات التفكير المعاصر. وهناك تشكلت لديه الرغبة الأولى في تجاوز حدود التلقين الديني نحو دراسة مقارنة وتحليلية تنظر إلى التراث الروحي بعين العقل الناقد. وجد إيمز في البيئة الأكاديمية متنفساً لعقلانيته المتنامية، حيث لم يعد يكتفي بالروايات الإيمانية بوصفها حقائق مسلمة غير قابلة للنقاش، بل صار يرى فيها تعبيرات رمزية وتاريخية تستحق الفحص المنهجي الدقيق، وهو ما مهد الطريق لانتقاله إلى مراكز الدراسات العليا المرموقة في الساحل الشرقي والوسط الغربي للولايات المتحدة.
1.2 التكوين الأكاديمي في جامعة شيكاغو وييل
يمثل التحاق إدوارد إس. إيمز بكلية اللاهوت في جامعة ييل محطة حاسمة في تكوينه المنهجي؛ إذ حصل منها على درجة بكالوريوس اللاهوت (B.D.) عام 1892، ثم أتبعها بدرجة الماجستير في الفلسفة عام 1894. وفي ييل، أتيحت له فرصة الاحتكاك المباشر برواد الفلسفة المثالية الأمريكية واللاهوت التاريخي النقدي، فاطلع على المحاولات المستميتة التي كانت تبذلها النخب الفكرية للتوفيق بين الاكتشافات العلمية الحديثة، ولا سيما النظرية التطورية، وبين الرؤى الإيمانية التقليدية. لكن النزعة التجريدية والميتافيزيقية التي سادت في بعض أروقة ييل لم تشبع فضوله العملي، بل زادت من تعطشه لمنهج فلسفي أكثر التصاقاً بالواقع الإمبريقي وبالمشكلات الملموسة للوجود الإنساني.
قاده هذا التعطش المعرفي عام 1894 إلى الانضمام إلى جامعة شيكاغو الحديثة التأسيس آنذاك، والتي كانت تتحول بسرعة مذهلة إلى مركز إشعاع عالمي للفكر التجديدي والعلوم الاجتماعية الحديثة. دخل إيمز قسم الفلسفة الذي كان يرأسه الفيلسوف البراغماتي البارز جون ديوي، وسرعان ما برز كطالب استثنائي متقد الذكاء. وفي عام 1895، دخل إدوارد إس. إيمز التاريخ الأكاديمي للجامعة بوصفه أول باحث يحصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة شيكاغو، وكانت أطروحته التي أعدها تحت إشراف جون ديوي تدور حول تفكيك المفاهيم المنطقية والمعرفية من منظور إجرائي عملي.
كان إشراف جون ديوي عاملاً حاسماً في صقل شخصية إيمز الفلسفية؛ حيث تشرب منه العداء الشديد للثنائيات الميتافيزيقية الزائفة—مثل ثنائية الروح والجسد، والذات والموضوع، والمثالي والواقعي. كما تأثر بعمق بالمنهج النشوئي الدارويني الذي وظفه ديوي في تفسير نشوء العقل والمعرفة بوصفهما أداتين تكيفيتين طورهما الكائن الحي للتغلب على اضطرابات بيئته. تعلم إيمز في شيكاغو أن كل فكرة يجب أن تُختبر في ميدان التجربة، وأن المعنى الحقيقي لأي تصور نظري يتجلى فقط في آثاره السلوكية والعملية، وهو الدرس المعرفي الذي رافقه طيلة حياته الأكاديمية وأصبح الأساس الذي شيد عليه قراءته للظاهرة الدينية برمتها.
1.3 تطور الاهتمام بعلم نفس الدين والفلسفة العملية
عقب حصوله على الدكتوراه وقضاء فترة قصيرة في التدريس بمدينة ديس موينس وجامعة ميشيغان، عاد إيمز إلى جامعة شيكاغو عام 1900 ليلتحق بهيئتها التدريسية في قسم الفلسفة، وهو الموقع الذي ظل يشغله بامتياز حتى تقاعده عام 1935. وخلال هذه السنوات، بدأ مساره الفكري يشهد تحولاً نوعياً وجذرياً من الانشغال بالمسائل المنطقية الصرفة إلى الاهتمام المكثف بما يمكن تسميته بـ «الفلسفة العملية» وعلم النفس التطبيقي. وجد إيمز نفسه مدفوعاً بهاجس فكري وأخلاقي يتمثل في ضرورة إنقاذ التجربة الروحية من براثن الميتافيزيقا الغيبية المتحجرة من جهة، ومن خطر الاختزال العلمي العدمي من جهة أخرى.
رأى إيمز أن اللاهوت التقليدي قد استنفد طاقته التفسيرية، لأنه ظل حبيس قوالب ومفاهيم قروسطية عاجزة عن مخاطبة الإنسان الحديث الذي ترعرع في كنف الثورة الصناعية والمنهج الاستقرائي. ومن هنا، بزغت فكرته حول ضرورة استخدام أدوات علم النفس التجريبي والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع لإعادة فحص الظواهر الإيمانية: كالصلاة، والتحول الروحي، والطقوس، والوعي بالقداسة. كان يسعى إلى ردم الهوة العميقة بين صرامة العلم الميداني وتطلعات الوجدان البشري، مؤمناً بأن الدين في جوهره ليس منظومة ادعاءات حول عوالم ما ورائية خفية، بل هو تعبير نفسي واجتماعي عن أعمق اهتمامات الإنسان الحية ورغباته في الحياة الكريمة.
هذا التوجه لم يكن ترفاً نظرياً، بل تبلور في سياق انخراط إيمز المباشر في التدريس الجامعي وإلقاء المحاضرات العامة التي استقطبت آلاف الطلبة والمهتمين. بدأ يجمع الملاحظات الميدانية، ويحلل السلوكيات الكنسية، ويقارن الطقوس الدينية الحديثة بالأنماط الطقسية للشعوب البدائية التي كانت تكشف عنها الدراسات الإثنوغرافية المتسارعة آنذاك. ومن رحم هذه الأبحاث المعمقة والتحليلات المقارنة، بدأت تتبلور الرؤى التأسيسية التي توجها لاحقاً في مؤلفاته الكبرى، وعلى رأسها كتابه المؤسس لعلم نفس الدين، الذي قلب المفاهيم السائدة ووضع دراسة الإيمان على أسس تجريبية ووظيفية رصينة.
2. السياق الفلسفي والأكاديمي: مدرسة شيكاغو للبراغماتية وعلم النفس الوظيفي
2.1 أصول مدرسة شيكاغو الفكرية وتأثيرها المعرفي
لم يكن ظهور إدوارد إس. إيمز كعالم ومفكر استثنائي وليد مصادفة فردية، بل جاء ثمرة حتمية للبيئة المعرفية الفريدة التي أنتجتها مدرسة شيكاغو الفكرية في مطلع القرن العشرين. تميزت هذه المدرسة، التي قادها فلاسفة وعلماء نفس من طراز جون ديوي، وجورج هربرت ميد، وجيمس رولاند أنجيل، بتمردها الصريح على الفلسفات التأملية التجريدية المنحدرة من التراث القاري الأوروبي. طرحت براغماتية شيكاغو مفهوماً ثورياً للواقع، معتبرة أن العالم ليس كياناً ساكناً أو نظاماً مكتملاً ينتظر من العقل أن يكتشفه ويعكسه سلبياً، بل هو سيرورة ديناميكية من التغير المستمر والتشكل الدائم عبر التفاعل المتبادل بين الكائن العضوي وبيئته الطبيعية والاجتماعية.
في هذا المناخ الصاخب بالنقاشات الفكرية، تبلور ما يُعرف بـ «الأداتية» (Instrumentalism)، وهي الصيغة التي طورها ديوي والتي تنظر إلى الأفكار والمفاهيم والنظريات لا بوصفها حقائق ميتافيزيقية مطلقة، بل بوصفها أدوات وخطط عمل يصوغها الإنسان لحل المعضلات ومواجهة أزمات التكيف. كان الرهان المعرفي لمدرسة شيكاغو يتمثل في إخضاع كافة أشكال النشاط البشري—من السياسة والتربية والقانون إلى الفن والأخلاق والدين—لمعيار الفاعلية الاجتماعية والتجربة الحية. وكان لإيمز موقع مركزي داخل هذه الحلقة التأسيسية؛ إذ اعتبره زملاؤه الفيلسوف المنوط به تطبيق المبادئ البراغماتية الصارمة على أعقد الحقول المعرفية وأكثرها حساسية، ألا وهو حقل الظاهرة الدينية.
استندت براغماتية شيكاغو أيضاً إلى إيمان لا يتزعزع بالديمقراطية كأسلوب حياة وقيمة أخلاقية عليا، وليس مجرد آلية إجرائية للحكم. وقد انعكس هذا المبدأ بوضوح في كتابات إيمز؛ فالإنسان عنده كائن اجتماعي بطبعه لا يكتمل وعيه ولا يتحقق وجوده إلا داخل سياق الجماعة. والخبرة الإنسانية ليست تجربة ذاتية منعزلة تدور داخل حجرات الدماغ المغلقة، بل هي ممارسة تشاركية تُبنى عبر اللغة والرموز والتفاعل الرمزي المشترك. لقد شكلت هذه المنطلقات الأساس الصلب الذي انطلق منه إيمز لإعادة قراءة الدين من منظور مجتمعي وأرضي بالكامل، رافضاً النزعات الفردية المعزولة التي هيمنت على الفلسفات الليبرالية الكلاسيكية.
2.2 علم النفس الوظيفي كإطار تفسيري للسلوك الديني
تزامن صعود البراغماتية في شيكاغو مع تحول جذري في حقل علم النفس قاده جيمس رولاند أنجيل بالتعاون مع جون ديوي، وهو ما أطلق عليه تاريخياً علم النفس الوظيفي (Functional Psychology). جاءت الوظيفية كرد فعل مباشر وصريح ضد النزعة البنيوية الكلاسيكية التي أسسها فلهلم فونت وإدوارد تيتشنر، والتي كانت تهدف إلى تفكيك العقل إلى عناصره السكونية الأولية من خلال الاستبطان المعملي المصطنع. في المقابل، تساءل علماء النفس الوظيفيون: ليس ما هو العقل في مكوناته الثابتة، بل ماذا يفعل العقل؟ وما هي الوظائف التكيفية التي تؤديها العمليات العقلية في مساعدة الكائن الحي على البقاء والتطور؟
تبنى إيمز هذا الإطار الوظيفي بحماس فكري نادر، واعتبره المفتاح السحري لفك ألغاز السلوك الديني للإنسان. رأى إيمز أن دراسة الدين لا ينبغي أن تنشغل بإثبات صحة أو خطأ العقائد الغيبية في ذاتها، بل بفهم «الوظيفة التكيفية» التي يؤديها الإيمان داخل منظومة السلوك الإنساني. إن المعتقدات والطقوس، من المنظور الوظيفي، ليست مجرد أوهام باطلة أو هلوسات مفارقة للواقع، بل هي استجابات نفسية معقدة طورها البشر عبر آلاف السنين لتنظيم انفعالاتهم، ومواجهة مشاعر الخوف والعجز أمام قوى الطبيعة، وخلق نظام قيمي يكفل تماسك الجماعة في أوقات الأزمات الوجودية.
وفقاً لهذا التصور، ترتبط العمليات العقلية العليا—كالتفكر الأخلاقي، والخشوع الديني، والشعور بالقداسة—بغايات حيوية تتصل مباشرة بالبقاء والتكامل النفسي والاجتماعي. إن الفكر الديني يعمل كآلية نفسية لتحقيق التوازن الانفعالي حين تصل الوسائل العادية والتقنية إلى حدودها القصوى. وبهذا التحليل، أزاح إيمز الظاهرة الدينية من دائرة الحكم اللاهوتي القائم على الثواب والعقاب الأخروي، ووضعها في قلب دراسة الطبيعة البشرية بوصفها قوة حيوية تكيفية تسعى، شأنها شأن العلم والفن واللغة، إلى خدمة الحياة وتعزيز فرص ازدهارها على هذه الأرض.
2.3 التفاعل بين البراغماتية وعلم النفس التجريبي
تمثل إحدى أهم الميزات المنهجية لمشروع إيمز في جمعه الخلاق بين الرؤية الفلسفية البراغماتية والتقنيات الإمبريقية لعلم النفس التجريبي الناشئ. لم يكتف إيمز بالتنظير الفلسفي التجريدي حول وظائف الدين، بل أصر على أن كل دعوى نفسية يجب أن تخضع لمعايير التحقق والملاحظة الاستقرائية. رفض إيمز الميتافيزيقا التأملية التي تتعامل مع الروح كجوهر أثيري غير قابل للرصد، مؤكداً أن الروح في التحليل العلمي ليست سوى النشاط الكلي للشخصية الإنسانية في تفاعلها مع وسطها الثقافي والاجتماعي.
ومن هذا المنطلق، ركز إيمز على فحص «العواقب السلوكية» و«الآثار السيكولوجية» للممارسات الدينية. فالمعتقد لا يكون صادقاً بالمعنى البراغماتي إلا إذا كان يُحدث فرقاً إيجابياً وملموساً في مجرى الحياة الواقعية للفرد والجماعة. طبق إيمز أدوات البحث النفسي—من استبيانات، ودراسات حالة، وملاحظة سلوكية منهجية—على شتى أشكال التدين، بدءاً من لحظات الاستغراق في الصلاة والترانيم داخل الكنائس، وصولاً إلى الانفعالات الجماعية الصاخبة التي ترافق حملات الإحياء الديني والتبشير الجماهيري التي كانت تجتاح الولايات المتحدة في ذلك العصر.
هذا التزاوج المنهجي مكّن إيمز من تأسيس خطاب علمي جديد يتسم بالاتزان والموضوعية. فلم يكن يهدف إلى تدمير الدين تحت وطأة النزعة الوضعية الاختزالية، ولا إلى تبريره تبريراً لاهوتياً غير نقدي، بل كان يسعى إلى تشريحه تشريحاً علمياً يبرز آلياته الحقيقية. وبذلك، برهن إيمز على أن الظواهر الروحية، مهما بلغت درجة سموها أو تعقيدها، لا تخرج عن نطاق القوانين النفسية العامة التي تحكم التعلم، وتشكيل العادات، والتفاعل الاجتماعي، مما جعل دراساته رافداً أساسياً من روافد المعرفة الإنسانية التي جمعت بين الدقة العلمية والعمق الفلسفي.
3. التأسيس المعرفي لعلم نفس التجربة الدينية عند إيمز
3.1 كتاب ‘سيكولوجيا التجربة الدينية’ (1910) كعلامة فارقة
شهد عام 1910 صدور العمل الأكاديمي الأهم والأكثر تأثيراً لإدوارد إس. إيمز، وهو كتابه المرجعي الموسوم بـ «سيكولوجيا التجربة الدينية» (The Psychology of Religious Experience). جاء هذا الكتاب في لحظة تاريخية بالغة الحساسية، حيث كان الحقل الأكاديمي لعلم نفس الدين في طور التخلق الجنيني، متأثراً بشدة بكتاب ويليام جيمس الشهير الصادر عام 1902 «أصناف التجربة الدينية». إلا أن كتاب إيمز جاء ليقدم مساراً بديلاً ورؤية مغايرة جذرياً لما طرحه جيمس، حيث أزاح المركزية من التجارب الفردية المتطرفة إلى الممارسات الاجتماعية واليومية المعتادة.
كان الهدف المنهجي الذي سعى الكتاب إلى تحقيقه هو تقديم دراسة شاملة، استقرائية، وتطورية للسلوك الديني البشري، تعتمد على دمج معطيات ثلاثة حقول علمية متطورة: علم الأنثروبولوجيا الاجتماعية، وعلم النفس المقارن، وعلم النفس الاجتماعي. قسم إيمز كتابه إلى أربعة أجزاء رئيسية تناولت: أصول الدين في الثقافات البدائية، وتطور الدين لدى الفرد منذ الطفولة حتى المراهقة والبلوغ، والعمليات النفسية الكامنة وراء السلوكيات والشعائر الدينية، وأخيراً مكانة الدين في الوعي الحديث وتجلياته المعاصرة.
أثار الكتاب فور صدوره عاصفة من النقاشات والمراجعات النقدية في أرقى الدوريات الفلسفية والنفسية، مثل دورية «الفلسفة» (The Journal of Philosophy) و«المجلة الأمريكية لعلم النفس» (American Journal of Psychology). استقبل علماء النفس والأنثروبولوجيا الموالون للنزعة الوظيفية العمل بحفاوة بالغة، واعتبروه تدشيناً حقيقياً لعلم نفس دين موضوعي ومتحرر من النزعة الغيبية. في المقابل، قوبل الكتاب بهجوم حاد من أوساط اللاهوت التقليدي المحافظ، التي رأت في محاولة إيمز اختزال الإيمان في آليات نفسية واجتماعية تهديداً مباشراً للحقائق الروحية المفارقة، وهو ما رسخ مكانة الكتاب كوثيقة فلسفية وسيكولوجية بارزة دشنت عهداً جديداً في دراسة الأديان.
3.2 تعريف الدين من منظور نفسي-اجتماعي
يقدم إدوارد إيمز في كتابه تعريفاً ثورياً للدين يعيد كتابة المعاجم الفلسفية السائدة؛ إذ يبدأ برفض قاطع للتعريفات اللاهوتية الكلاسيكية التي تشترط الإيمان بكائنات فوق طبيعية أو الإذعان لعقائد ميتافيزيقية خارج نطاق الإدراك الحسي. يعرّف إيمز الدين بأنه: «أسمى وعي بالقيم الاجتماعية المشتركة وأكثر أشكال التعبير عنها فاعلية وتنظيماً» (The consciousness of the highest social values). الدين عند إيمز ليس تأملاً في المجهول، بل هو الوعي الإنساني عندما يصل إلى قمة تركيزه واهتمامه بالقضايا الحيوية والمصيرية التي تضمن بقاء الجماعة ونماءها وسعادتها.
يستند هذا التعريف إلى تفكيك سيكولوجي لطبيعة «الاهتمام الديني»؛ فالإنسان حين يتدين، فإنه في الواقع يوجه طاقاته النفسية وانفعالاته الوجدانية نحو ما يعتبره أثمن ما في الوجود، وهذا الأثمن لا ينبع من فراغ، بل تصوغه الحياة الاجتماعية المشتركة: كالحق، والعدل، والحب، والتضامن، والحرية. تصبح التجربة الدينية بهذا المعنى عملية تنظيم نفسي شاملة لإرادة الإنسان، حيث يتم إعادة ترتيب الدوافع والرغبات البيولوجية والأنانية وإخضاعها لغايات أسمى تتجاوز الذات المفردة لتندمج في الصالح العام للجماعة.
يترتب على هذا المنظور النفسي-الاجتماعي إلغاء المسافة المصطنعة بين النشاط الديني والأنشطة الإنسانية الخلاقة الأخرى؛ فالدين ليس قطاعاً معزولاً من الحياة ينافس العلم أو الفن أو السياسة، بل هو «الروح» أو «المناخ القيمي» الذي يحيط بهذه الأنشطة جميعاً حينما تتوجه نحو خدمة المثل العليا. إن أي جهد يبذله الإنسان لتحسين شروط الحياة، ومقاومة الظلم، وتعميق الروابط الإنسانية هو، في جوهره السيكولوجي العميق، فعل ديني بحسب مفهوم إيمز، حتى وإن لم يرتد مسوح اللاهوت التقليدي أو يستخدم لغته الطقسية العتيقة.
3.3 التدرج النشوئي للوعي الديني عبر التاريخ البشري
تماشياً مع الهيمنة الفكرية للنظريات التطورية في بداية القرن العشرين، وظف إيمز المقاربة النشوئية لتتبع مسار تطور الوعي الديني عبر التاريخ الإنساني الطويل. استند في تحليله للأشكال الدينية البدائية إلى أعمال كبار علماء الإثنوغرافيا والأنثروبولوجيا مثل إدوارد تايلور، وجيمس فريزر، وإميل دوركايم. وقد أوضح إيمز أن التدين البدائي لم يكن مدفوعاً بفضول فلسفي مجرد حول أصل الكون، بل بحاجات غريزية ملحة للبقاء، كالبحث عن الغذاء، ودرء الأخطار، وتأمين التناسل.
في المجتمعات القبلية الأولى، كانت الطقوس الطوطمية والسحرية تمثل أشكالاً مبكرة جداً من التنظيم الاجتماعي والنفسي. لم تكن مشاعر الخوف والرعدة ناتجة عن التفكير في إله مفارق، بل كانت تعبيراً عن دهشة الإنسان وعجزه المؤقت أمام القوى الطبيعية الطاغية والغامضة. غير أن السمة الأساسية لتلك المرحلة، كما حللها إيمز، هي التطابق التام بين الواجبات الاجتماعية والممارسات الدينية؛ فالقبيلة كانت تمارس شعائرها ككل عضوي متضامن، وكانت الطقوس وسيلتها لترسيخ التماسك والانصياع للمعايير الأخلاقية للجماعة دون تمايز بين الفردي والجمعي.
ومع تطور المجتمعات البشرية وتعقد هياكلها الاقتصادية والسياسية، شهد الوعي الديني تحولاً تدريجياً من النزعات السحرية الانفعالية المشوبة بالرعب إلى مراحل متقدمة من المسؤولية الأخلاقية الواعية. تراجعت الأشكال الطقسية الجامدة لحساب التجربة الباطنية والضمير الإنساني الحر. يربط إيمز هذا التطور التاريخي بالنضج النفسي؛ فكما ينتقل الطفل البشري من التمركز حول الذات والخوف من العقاب الحسي إلى التفكير المجرد وإدراك الواجبات الاجتماعية في مرحلة النضج، ارتقى التعبير الديني للبشرية من استرضاء الأرواح والقوى الغيبية إلى الالتزام بنشر العدل، والمحبة، والتعاون المجتمعي في ظل الحضارة الإنسانية المتقدمة.
4. الأبعاد السيكولوجية للممارسات والطقوس الدينية
4.1 الوظيفة النفسية للطقوس والعبادات الجماعية
تحتل دراسة الطقوس والعبادات الجماعية مكانة محورية في المنظومة السيكولوجية لإدوارد إيمز؛ إذ رفض النظر إليها باعتبارها مجرد حركات شكلية جوفاء أو بقايا متخلفة من عصور الجهل والخرافة. على النقيض من ذلك، رأى إيمز أن الطقوس تمثل أدوات تكنولوجية-نفسية بالغة التطور، صممها العقل الجمعي البشري للتعامل مع الاضطرابات الوجدانية وتخفيف وطأة القلق الوجودي الناجم عن الصدمات، والكوارث، وتقلبات المصير البشري المحتوم كالموت والمرض.
تعمل الطقوس الجماعية—بإيقاعها المنتظم، وتراتيلها المتكررة، وحركاتها المتناسقة—على تهدئة الجهاز العصبي واستعادة التوازن الانفعالي المفقود لدى الأفراد. ففي أوقات الأزمات الفردية أو العامة، يشعر الإنسان بعزلة قاتلة ووهن نفسي شديد، ولكن بمجرد انخراطه في أداء شعيرة جماعية، يتلاشى هذا الشعور بالوحدة، ويذوب الكيان الفردي المنكسر في الدفء الحاضن للجماعة. إن التكرار النمطي للشعيرة يولد شعوراً عميقاً بالاستقرار والأمان، معيداً ترتيب العالم الداخلي المضطرب وفق نظام رمزي مألوف وموثوق.
إلى جانب هذا الدور العلاجي الفردي، تؤدي الشعائر الدينية وظيفة حيوية في ترسيخ التماسك الاجتماعي وبناء الهوية المشتركة. فالطقوس هي الحافظة الرمزية لذاكرة الجماعة وقيمها التأسيسية؛ ومن خلال المشاركة فيها، يُعاد إنتاج العادات الأخلاقية وتلقينها للأجيال الجديدة بطريقة وجدانية وسلوكية تفوق في تأثيرها الإقناع العقلي المجرد. إن الرمزية السلوكية المتبعة في الركوع، أو المصافحة، أو تقاسم الطعام والشرب الرمزي في العبادات تسهم مباشرة في كبح العدوانية الفردية وغرس مشاعر التضامن والتعاطف، مما يجعل الطقس ركيزة أساسية لاستقرار النظم الاجتماعية وحمايتها من التفكك والانحلال.
4.2 التحليل النفسي للصلاة والتأمل
قدم إيمز تحليلاً نفسياً بديعاً ومتقدماً لظاهرة الصلاة والتأمل الروحي، مفرغاً إياها من المعاني السحرية القائمة على استجداء تغيير القوانين الطبيعية لصالح الفرد. اعتبر إيمز أن الصلاة، في أرقى وأصفى صورها النفسية، تمثل شكلاً متطوراً وفريداً من أشكال الاستبطان الذاتي (Self-introspection) والمحادثة الداخلية الواعية. فحين ينعزل الفرد ليصلي، فإنه في الحقيقة يدخل في حوار عميق ومكثف مع أسمى ما في نفسه، ومع القيم والمثل العليا التي تجسدها صورة الألوهية في ضميره الجمعي والشخصي.
تسهم الصلاة بهذه الكيفية في إعادة توجيه وتطهير الدوافع النفسية والرغبات العميقة للكائن البشري. ففي صخب الحياة اليومية وتكالب المصالح الأنانية، تضطرب بوصلة الفرد وتتصارع رغباته المتناقضة، وتأتي لحظة الصلاة والمناجاة كفرصة استثنائية لمراجعة الذات وتقييم السلوك في ضوء المعايير الأخلاقية الأسمى. إن الفرد يطرح أمام «الذات الإلهية» مخاوفه، وأطماعه، وزلاته، فيحدث نوع من إعادة التنسيق المعرفي والانفعالي، حيث تُنحى الرغبات الدنيئة جانباً وتُستحضر التطلعات الأخلاقية والروحية النبيلة، مما يحقق حالة من التطهر النفسي والاستنارة الوجدانية.
أكد إيمز أيضاً على القيمة السلوكية والعلاجية المباشرة للصلاة في تعزيز الصحة النفسية وخفض مستويات التوتر العصبي والاكتئاب. فالتعبير اللفظي والرمزي عن الأعباء النفسية يزيل كبتها، والشعور بوجود قوة عظمى محبة ومساندة يدعم المرونة النفسية للفرد ويمنحه شجاعة مواجهة التحديات اليومية. الصلاة بهذا المفهوم الوظيفي ليست طلباً لخرق نواميس الكون، بل هي عملية شحن نفسي مكثفة تمكّن الفرد من تغيير اتجاهاته السلوكية وتطوير قدرته على الصبر والتحمل والعمل البناء في محيطه الاجتماعي.
4.3 التحول الديني وتجارب الاستنارة من منظور وظيفي
توقف إدوارد إيمز ملياً عند ظاهرة «التحول الديني» أو ما يسمى بـ الاهتداء الديني (Conversion)، وهي الظاهرة التي شغلت حيزاً هائلاً من كتابات علماء النفس المعاصرين له مثل غرانفيل ستانلي هول وويليام جيمس. فبينما كان هؤلاء يميلون أحياناً لتفسيرها بحدوث تدفقات غيبية مفاجئة من اللاشعور أو قوى متعالية، حللها إيمز كعملية طبيعية تماماً تهدف إلى إعادة التنظيم الجذري للبنية النفسية للشخصية وتوحيد شتاتها المتنازع.
لاحظ إيمز، مدعوماً بالبيانات الإحصائية والتجريبية، أن الغالبية العظمى من تجارب الاهتداء الديني تحدث في مرحلة المراهقة وبدايات الشباب؛ وهي المرحلة الحرجة التي يشهد فيها الفرد تحولات بيولوجية ونفسية عاصفة، وتنفجر فيها الصراعات الحادة بين الهوية الذاتية المستقلة ومتطلبات الاندماج الاجتماعي. يعيش المراهق أزمة هوية حقيقية تتسم بالشعور بالذنب، والتمزق الداخلي، والقلق حول مستقبله ومكانته في العالم، مما يجعله في حالة عدم توازن نفسي تستدعي تدخلاً تنظيمياً عاجلاً.
هنا تتدخل التجربة الدينية كآلية تكيفية خارقة؛ فالتحول الديني يمثل في نظر إيمز اللحظة التي ينهار فيها التنظيم القديم للذات الأنانية المتشظية، ليتشكل هيكل نفسي جديد يتمحور حول الولاء لقيم عليا ولمجتمع أوسع. إن تجربة «الولادة الجديدة» ليست سوى التعبير الرمزي عن الانتقال من التمركز الطفولي الضيق حول الأنا إلى النضج الاجتماعي الواعي والانخراط المسؤول في حياة الجماعة. لقد نجح إيمز في تجريد هذه الظاهرة من الهالة الخارقة للطبيعة، مبيناً أنها تتويج لمسار نمو نفسي واجتماعي معقد يسعى الفرد من خلاله إلى تحقيق اتزانه الذاتي وتوافقه مع بيئته الحيوية.
5. البعد الاجتماعي والتفاعلي للوعي الديني عند إيمز
5.1 العلاقة الوثيقة مع أطروحات جورج هربرت ميد
لا يمكن استيعاب العمق النظري لأطروحات إدوارد إس. إيمز بمعزل عن الحوار الفكري المستمر والتأثير المتبادل الذي جمعه بزميله الأثير في جامعة شيكاغو، فيلسوف التفاعل الرمزي البارز جورج هربرت ميد. كان ميد يطور في تلك الفترة نظريته الثورية حول نشوء الذات والعقل من خلال التفاعل الاجتماعي واستخدام الرموز الدالة، وهي النظرية التي وجدت في كتابات إيمز تطبيقاً فريداً ومبدعاً في فضاء الظاهرة الدينية.
استعار إيمز من ميد مفهومه المركزي حول «الآخر المعمم» (The Generalized Other)—وهو المفهوم الذي يشير إلى البنية النفسية الداخلية التي يستبطن الفرد من خلالها توقعات ومعايير وقيم المجتمع برمته ليحكم بها على سلوكه وتصرفاته الذاتية. وظف إيمز هذا المفهوم لتفسير تشكل الضمير الأخلاقي والوعي الديني؛ فالضمير ليس صوتاً غيبياً هابطاً من السماء، بل هو الصدى الداخلي المنظم لضمير الجماعة وصوت «الآخر المعمم» الذي استقر في أعماق الشخصية الفردية عبر مسيرة التنشئة الاجتماعية الطويلة وتجارب التفاعل الرمزي المستمر.
انعكس هذا التصور مباشرة على قراءة إيمز لصورة الكائن الأسمى واللغة الدينية برمتها؛ فالإله في التحليل التفاعلي الرمزي يمثل الصورة الأكثر شمولاً وتجريداً لـ «الآخر المعمم». إنه الرمز الأعلى الذي يختزل ويجسد الروابط الاجتماعية والمثل الأخلاقية المشتركة التي يتوجه إليها الفرد في حديثه الداخلي ومناجاته. تصبح اللغة الدينية—بكل ما تحمله من استعارات، وأسماء مقدسة، وأساطير رمزية—أداة تواصل راقية تمكن أعضاء المجتمع من التفاهم حول مقاصدهم العليا، وتوحيد اتجاهاتهم النفسية نحو مشاريع العمل المشترك التي تعزز رفاهية الإنسانية.
5.2 المجتمع بوصفه الحاضنة والمنشأ للمشاعر الدينية
في تناغم لافت مع الرؤية السوسيولوجية المعاصرة له، وتحديداً أطروحات عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم في كتابه «الأشكال الأولية للحياة الدينية»، أكد إيمز بشكل قاطع أن المجتمع البشري هو الحاضنة الحقيقية، والمنشأ الأصيل، والمغذي الدائم لجميع المشاعر الدينية والتجارب الروحية. فالقداسة عند إيمز ليست خاصية متأصلة في الأشياء ذاتها أو كائنات غير منظورة، بل هي إسقاط نفسي واجتماعي للقيمة الهائلة التي يسبغها الوعي الجمعي على ما يعتبره ضرورياً لحياته وتماسكه.
إن المشاعر الدينية العميقة—كالرهبة، والتقديس، والامتنان، والتفاني النبيل—لا تنشأ في عزلة الفرد في البراري أو الصوامع المغلقة، بل تتولد في خضم التجمعات الكبرى والتضامن الإنساني الحميم. فحين يجتمع الأفراد ويوحدون انفعالاتهم ومشاعرهم نحو هدف مشترك أو طقس موحد، تتولد طاقة نفسية جماعية غامرة تجعل الفرد يشعر بأنه محمول على أجنحة قوة تتجاوز قدراته الذاتية المحدودة. هذه القوة الاجتماعية الحقيقية والملموسة هي التي يفسرها الوعي الإنساني البدائي أو غير المدرب تفسيراً لاهوتياً مفارقاً، فينسبها إلى آلهة أو قوى غيبية تقطن في السماوات.
ومن هنا، اعتبر إيمز أن التدين الحقيقي هو الترياق المضاد للنزعة الأنانية والعزلة الفردية المرضية. إنه الحركة النفسية النبيلة التي ينتقل بها الفرد من الانكفاء على ذاته الضيقة إلى الانفتاح الشامل والتكامل الخلاق مع الكل الاجتماعي. في هذا التوحد مع الجماعة ومعاناتها وتطلعاتها، يجد الإنسان المعنى الحقيقي لوجوده، ويختبر مشاعر «الخلاص» ليس كنجاة من عقاب أخروي متخيل، بل كتحرر واقعي من عبودية الأنانية الفردية وانبعاث روحي جديد في رحاب التضامن الإنساني الواسع.
5.3 الدين المدني وتوجيه السلوك الاجتماعي نحو الإصلاح
انطلاقاً من تعريفه للدين بوصفه وعياً بالقيم الاجتماعية العليا، وجه إيمز نقداً لاذعاً لما أسماه «التدين الانعزالي الصوفي» أو التدين الطقسي الجامد الذي يقنع بالهروب من العالم واستغراق الذات في مشاعر نشوة باطنية عقيمة لا تعود بأي نفع على المجتمع. رأى إيمز أن الاختبار الحقيقي لصدق التجربة الدينية وعمقها يكمن في قدرتها على النزول إلى الميدان، وتوجيه السلوك الفعلي نحو الإصلاح الاجتماعي، ومحاربة الفساد والفقر والتفاوت الطبقي المقيت.
ارتبطت أفكار إيمز في هذا الصدد بحركة «الإنجيل الاجتماعي» (Social Gospel) التي كانت تلهم المصلحين في أمريكا في أوائل القرن العشرين، ولكنه منحها تأصيلاً فلسفياً ونفسياً أداتياً أكثر صرامة. دعا إيمز إلى توظيف الطاقات الروحية الهائلة المتولدة في الكنائس والمؤسسات الدينية في مشاريع التنمية المجتمعية، والتعليم العام، ورعاية الطفولة، وتحسين ظروف العمال، ومساندة حركات الحقوق المدنية. فالأخلاق الدينية لا قيمة لها إن لم تترجم إلى قوانين عادلة ومؤسسات اجتماعية تكفل الكرامة لجميع المواطنين.
بلور إيمز في هذا السياق مفهوماً متقدماً لـ «الدين المدني»، حيث اعتبر أن المسار التاريخي الطبيعي للتطور الديني يقود بالضرورة إلى اندماج الدين في الفضاء الديمقراطي. تصبح القيم الدينية—كالمحبة والإخاء والعدل—هي المحركات الدائمة للارتقاء بالنظام الديمقراطي نفسه وتطهيره من النزعات المادية الصرفة والأنانية الاستهلاكية. إن الإيمان الحقيقي في العصر الحديث، بحسب إيمز، هو الإيمان بإمكانيات الإنسان، والعمل الدؤوب المشترك لتحقيق مجتمع المدينة الفاضلة على هذه الأرض من خلال العلم، والتعاون، والمسؤولية الأخلاقية المتبادلة.
6. مفهوم ‘الإله’ وإعادة التفسير الوظيفي والرمزي
6.1 أنسنة المفهوم وإسقاط الواقعية الرمزية
تعد المعالجة الفلسفية التي قدمها إدوارد إيمز لمفهوم «الإله» النواة الأكثر إثارة للجدل والجرأة الفكرية في مشروعه المعرفي بأكمله. في كتابه البارز «الدين» (Religion) الصادر عام 1929، ومقالاته الفلسفية المتعددة، قدم إيمز تفكيكاً جذرياً للمفهوم الأرثوذكسي التقليدي لله ككيان ميتافيزيقي مفارق، يملك وعياً ذاتياً منفصلاً عن الكون، ويتدخل بصورة إعجازية وخارقة في مجرى القوانين الطبيعية والتاريخية.
أعاد إيمز تعريف «الله» بوصفه: «الواقع الاجتماعي والمثالي المتجسد في العالم، مأخوذاً في أسمى تجلياته القيمية» (Reality idealized and personalized). رفض إيمز الثنائية الديكارتية الصارمة التي تفصل فصلاً قاطعاً بين الروح والمادة، مؤكداً أن الإله ليس كائناً يعيش خلف سحب الميتافيزيقا المجهولة، بل هو النظام الأخلاقي والقيمي النابض في قلب الطبيعة والتاريخ البشري. ولتوضيح هذه الفكرة وإسقاط الواقعية الرمزية عنها، لجأ إيمز إلى تشبيه شهير أثار حفيظة المحافظين: شبه مفهوم الإله بشخصية «العم سام» (Uncle Sam).
أوضح إيمز أن الجميع يعلمون أن «العم سام» ليس كائناً بيولوجياً يرتدي قبعة ويسير على قدمين في شوارع واشنطن، ولكن لا أحد يجرؤ على القول بأنه مجرد «وهم غير حقيقي». إنه حقيقة رمزية بالغة القوة والفاعلية؛ يمثل ويجسد روح الأمة الأمريكية، وتاريخها، وقوانينها، وتطلعات مواطنيها، ومستعد الملايين للتضحية بحياتهم دفاعاً عما يمثله هذا الرمز. وبالمثل تماماً، فإن مفهوم «الله» هو الرمز الأسمى والأعظم الذي شخصت فيه البشرية عبر تاريخها الطويل أسمى مبادئ المحبة والعدالة والحياة الكريمة؛ فهو يملك واقعية رمزية ووظيفية لا تنكر، ويؤثر في السلوك الإنساني بأعلى درجات الفاعلية والواقعية دون الحاجة إلى افتراض وجوده كجوهر ميتافيزيقي مفارق للعالم الحسي.
6.2 القيمة الوظيفية للإيمان بإله في الحياة النفسية
لم يكن هدف إيمز من إعادة تفسير مفهوم الألوهية القضاء على الإيمان أو تجريد الحياة من بعدها الروحي، بل على العكس تماماً، كان يسعى إلى كشف «القيمة الوظيفية» الحيوية التي يؤديها هذا المفهوم في البناء النفسي للإنسان. تساءل إيمز كعالم نفس براغماتي: لماذا تشبثت البشرية بفكرة الله عبر كل العصور والتقلبات الحضارية؟ وأجاب بأن هذا المفهوم يؤدي وظائف نفسية تكيفية لا غنى عنها لصمود الكائن البشري أمام أعباء الوجود.
يمثل الإيمان بإله، حتى في بعده الرمزي، دعامة نفسية جبارة تسند الفرد في مواجهة الإحباط، واليأس، والعبثية. فحين يشعر الإنسان بأن مثله العليا وقيمه ليست مجرد صرخات ضائعة في كون أصم لا مبالٍ، بل هي متجذرة في صميم النظام الحقيقي للعالم وتملك رمزاً حياً جامعاً يوجهها، يكتسب طاقة أمل متجددة تمكنه من تجاوز النكبات ومواصلة الكفاح. الإله يعمل كـ «جاذب قيمي» يوحد الطاقات المشتتة للشخصية، ويحفزها باستمرار نحو الارتقاء الأخلاقي والعمل الإيثاري.
علاوة على ذلك، رأى إيمز أن هذا التصور الوظيفي والبراغماتي لله يحل نهائياً الصراع المفتعل بين العلم والإيمان. فالعلم يمدنا بالمعرفة الموضوعية الدقيقة حول آليات عمل العالم الطبيعي، بينما يقدم لنا الرمز الإلهي التوجيه القيمي والمعنى الأخلاقي لما ينبغي أن نفعله بهذه المعرفة. لا يوجد أي تناقض بين دراسة القوانين الفيزيائية والبيولوجية وبين التمسك برمز يجسد أسمى تطلعات البشرية الأخلاقية؛ بل إنهما يتكاملان في بناء شخصية إنسانية متزنة، تجمع بين العقلانية العلمية الصارمة والوجدان الروحي المتوثب.
6.3 النزعة الطبيعية في لاهوت إيمز الفلسفي
يصنف فكر إدوارد إس. إيمز في تاريخ الفلسفة الأمريكية بوصفه أحد أركان ما يُعرف بـ «النزعة الطبيعية الدينية» (Religious Naturalism). ترفض هذه النزعة رفضاً باتاً أي لجوء إلى ما وراء الطبيعة أو افتراض حدوث معجزات تخرق القوانين الفيزيائية الكونية. يؤكد إيمز أن الطبيعة في اتساعها، وثرائها، وتنوعها، وتعقيدها المتصاعد تتضمن في داخلها كافة أبعاد الوجود البشري، بما فيها الفن والأخلاق والتجربة الدينية ذاتها.
الطبيعة عند إيمز ليست مجرد مادة صماء ميتة تخضع للحتمية الميكانيكية العمياء كما صورتها بعض الفلسفات المادية في القرن التاسع عشر، بل هي حقل ديناميكي خصب تبرز منه الحياة، ويتطور فيه الوعي، وتنبثق في أحضانه المثل العليا. إن «المثالي» ليس نقيضاً لـ «الطبيعي»، بل هو الوجه الأرقى لإمكانيات الطبيعة المتفتحة في الكائن البشري الاجتماعي. ولذلك، فإن دراسة الدين لا تحتاج إلى أدوات معرفية خاصة أو استبصار باطني خارق، بل تُدرس كأي ظاهرة طبيعية أخرى تنتمي إلى تاريخ هذا الكوكب ونشاط قاطنيه.
صاغ إيمز من خلال هذه الطبيعية الفلسفية تديناً عقلانياً يلائم تماماً العصر الصناعي والعلمي الحديث. تدين لا يطالب المؤمن بالتخلي عن عقله عند عتبة المعبد، ولا يحاصره بمشاعر الخوف من غضب كائنات خفية وعقوبات سحرية، بل يدعوه إلى الانخراط الواعي في تحسين واقعه، والتعامل مع المشكلات الأخلاقية والاجتماعية بالمنهج التجريبي والنقدي ذاته الذي حقق للبشرية نجاحاتها الباهرة في مجالات العلوم الطبيعية والطب والهندسة.
7. المنهج العلمي والتحليل التجريبي للظاهرة الدينية
7.1 أدوات البحث الميداني والملاحظة النفسية
حرص إدوارد إيمز طوال مسيرته البحثية على ألّا تظل أطروحاته مجرد استنتاجات تأملية أو افتراضات نظرية معلقة في الهواء، فكان من أوائل المشتغلين في العلوم الإنسانية الذين طالبوا بإدخال أدوات البحث الميداني والتقصي الإمبريقي الصارم في دراسة الظاهرة الدينية. استخدم إيمز في أبحاثه الملاحظة المنهجية، وتقنيات الاستبيان، وتحليل دراسات الحالة للأفراد الذين يمرون بخبرات دينية حادة أو يشهدون تحولات فكرية وروحية داخل بيئاتهم الاجتماعية.
لم تكن الملاحظة لديه رصداً خارجياً بارداً ومحايداً يكتفي بالأرقام الجافة، بل طبق ما يمكن وصفه بـ «الملاحظة بالمشاركة» (Participant Observation) داخل الفضاءات الدينية المتنوعة. كان يحضر الاجتماعات الكنسية، ويراقب التفاعلات النفسية العفوية بين الرعاة والمصلين، ويسجل دلالات الإيماءات، واللغة الانفعالية للترانيم، وأثر الخطاب الوعظي في تعديل المزاج العام للجمهور. كما تابع باهتمام بالغ الأنشطة الرعوية والخدمية، محللاً كيف يتحول الالتزام الديني إلى طاقة عمل اجتماعي تطوعي تسهم في تماسك المجتمع وتضميد جراحاته.
ومن خلال هذا التراكم الكمي والنوعي للبيانات، سعى إيمز إلى اختبار فرضياته السيكولوجية حول دور الدين في تحقيق التوافق النفسي للأفراد. كان يقارن بين استجابات المتدينين المنخرطين في أنشطة كنسية ذات طابع اجتماعي إيجابي، وبين أولئك الغارقين في ممارسات انعزالية أو طقسية جامدة، مستنتجاً أن نمط التدين ومحتواه الوظيفي هما العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان الإيمان سيمثل قوة بناءة تدعم الصحة العقلية، أو عاملاً معوقاً يغذي العصاب والخوف المرضي في نفوس معتنقيه.
7.2 رفض النزعة الحدسية والميتافيزيقية الخالصة
وجه إيمز نقداً إبستيمولوجياً لاذعاً لما يسمى بالنزعة «الحدسية» (Intuitionism) التي ادعت أن الدين يقوم على نوع خاص ومستقل تماماً من الإدراك الباطني المباشر الذي يتعالى على العقل والحس ولا يقبل الخضوع لمعايير الفحص العلمي. رأى إيمز في هذا الادعاء هروباً معرفياً غير مبرر ومحاولة يائسة لتحصين المعتقدات اللاهوتية ضد النقد الموضوعي، مشيراً إلى أن ما يسمى بـ «الإلهام الفردي» أو «الوحي الشخصي» لا يعدو كونه نشاطاً نفسياً وذهنياً يخضع في نهاية المطاف لنفس القوانين التي تحكم عمل الذاكرة، والخيال، وتداعي المعاني.
أكد إيمز أن إخضاع المعتقدات الروحية لمعايير الصدق التجريبي والمنفعة النفسية هو السبيل الوحيد لإنقاذ الدين من الانزلاق إلى مستنقع الخرافة والهوس والتعصب الأعمى. فالأفكار الدينية، شأنها شأن الفرضيات العلمية، يجب أن تثبت جدارتها وصدقها من خلال نتائجها وآثارها في تحسين نوعية الحياة وتوجيه السلوك البشري نحو غايات نبيلة. إذا كان معتقد ما يولد الكراهية، أو يشيع العجز والانعزال، أو يعطل ملكة التفكير النقدي، فإنه معتقد باطل وفاسد سيكولوجياً وأخلاقياً، مهما ادعى أصحابه تلقيه عبر حدس مفارق أو كشف صوفي خاص.
استهدف هذا النقد تجريد دراسة الدين من قبضة الأحكام المسبقة التي فرضتها المؤسسات الكهنوتية عبر القرون. فالكهنوت التقليدي كان يصر على احتكار تفسير الظاهرة الدينية وفرض مفاهيمه الميتافيزيقية كحقائق مطلقة لا يأتيها الباطل. جاء مشروع إيمز ليعيد ملكية الدين إلى الإنسان ذاته، مؤكداً أن التجربة الدينية ملك مشاع للبشرية جمعاء، وأن العلم الإمبريقي الحر—المتسلح بالملاحظة والتجريب والتحليل النفسي النزيه—هو المؤهل الوحيد لفهم آلياتها، ونقد انحرافاتها، وإبراز قيمتها الإنسانية الأصيلة.
7.3 موقع المنهج العلمي في تجديد الخطاب التربوي الديني
لم يغب البعد التربوي عن ذهن إيمز، بل شكل أحد أهم مجالات التطبيق العملي لمشروعه العلمي؛ فبصفته باحثاً متأثراً بعمق بالنظريات التربوية لرائده جون ديوي، أدرك أن تجديد الفكر الديني يظل حبراً على ورق ما لم ينعكس مباشرة في تطوير مناهج التربية الدينية الموجهة للأطفال والناشئة داخل المدارس والكنائس ودور الرعاية.
شن إيمز هجوماً حاداً على الأساليب التربوية الدينية التقليدية التي كانت تعتمد على الحفظ الآلي، وتلقين العقائد التجريدية، واستخدام استراتيجيات التخويف والترهيب من عذاب الجحيم لفرض الانصياع الأخلاقي. واعتبر أن هذه الأساليب تسبب أضراراً نفسية جسيمة للطفل؛ إذ تزرع في وجدانه مشاعر القلق الدائم، والذنب المرضي، وتكبت نزعاته الاستكشافية الفطرية، مما يؤدي في النهاية إلى إنتاج شخصيات عصابية مشوهة أو نفور تام وتطرف مضاد ضد كل ما هو روحي وأخلاقي عند بلوغ مرحلة الرشد.
في المقابل، دعا إيمز إلى صياغة مناهج للتربية الدينية تراعي بدقة مراحل النمو المعرفي والانفعالي للطفل، مستلهمة أحدث ما توصلت إليه بحوث علم النفس النمائي. ركز على استبدال التلقين السلبي بالتعلم التفاعلي القائم على الممارسة والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية؛ فالأخلاق والمشاعر الدينية النبيلة كالمحبة والتعاون لا تُكتسب بحفظ النصوص، بل بممارستها الحية في مساعدة الآخرين، ورعاية النباتات والحيوانات، والمشاركة في خدمة المحيط المجتمعي. تحولت التربية الدينية في منظور إيمز إلى عملية تنمية إنسانية شاملة تسعى لبناء شخصية متكاملة واثقة، تتسع مداركها لتقدير الجمال والخير، وتتفاعل بإيجابية ومسؤولية مع العالم.
8. التفاعل بين البراغماتية، الوظيفية، وعلم النفس الإنساني
8.1 تحقيق الذات والنمو الإنساني من خلال التجربة الدينية
على الرغم من أن إدوارد إس. إيمز عاش وكتب قبل ظهور حركة علم النفس الإنساني (Humanistic Psychology) بقيادة أبراهام ماسلو وكارل روجرز بعقود، فإن تأملاته المعمقة في التجربة الدينية شكلت إرهاصاً مبكراً وبديعاً لأهم مبادئ هذه المدرسة. رفض إيمز الرؤية التي تعتبر الإنسان مجرد آلة ميكانيكية تحركها الغرائز البيولوجية المكبوتة وحدها، كما رفض اعتباره كائناً خطاءً بطبعه وفاسداً جوهرياً يحتاج إلى إنقاذ خارجي مفارق.
نظر إيمز إلى الكائن البشري بوصفه كائناً نزاعاً بطبيعته نحو التسامي، والنمو، وتحقيق إمكاناته الكامنة (Self-Actualization). والتجربة الدينية الحية في نظره ليست سوى التعبير الأرقى والأشمل عن هذا الدافع النمائي الفطري. إن الدين يوفر للفرد الإطار الرمزي والمحيط الوجداني الذي يمكنه من صهر مواهبه وطاقاته المبعثرة في سياق هدف كلي يمنح حياته معنى وقيمة. إنه يمكن الإنسان من تحرير قواه الإبداعية والأخلاقية، والارتقاء بوعيه من مجرد الكفاح الغريزي للبقاء البيولوجي الفردي إلى المشاركة الواعية في إغناء المسيرة الإنسانية الحضارية المشتركة.
يتطابق مفهوم التكامل الشخصي والوعي بالذات عند إيمز مع ما وصفه ماسلو لاحقاً بـ «خبرات الذروة» (Peak Experiences). فاللحظات الروحية العميقة التي يختبرها الإنسان—سواء كانت في صلاة خاشعة، أو تأمل في جمال الكون، أو تفانٍ مطلق في نجدة الآخرين—هي لحظات نضج نفسي استثنائي يشعر فيها الفرد بوحدته المتناغمة مع الوجود وزوال التوترات والصراعات الداخلية. لقد أعاد إيمز الاعتبار للكرامة الإنسانية، جاعلاً من الدين أداة لتحرير الإنسان وتمكينه من الازدهار، لا وسيلة لتدجينه وقهره واستلابه.
8.2 مفهوم الصحة النفسية والاتزان التكيفي
صاغ إدوارد إيمز رؤية متطورة جداً لمفهوم الصحة النفسية وعلاقتها بالوعي الديني، حيث أقام تمييزاً دقيقاً وحاسماً بين نوعين متضادين من التدين: «التدين العصابي المرضي» و«التدين الوظيفي السليم». فالأول هو تدين انغلاقي يتمحور حول الخوف، والقلق القهري من الخطيئة، والتمسك الحرفي والوسواسي بالطقوس الشكلية، والانعزال عن الواقع والتوجس من الآخرين؛ وهو نمط يؤدي بالضرورة إلى إعاقة النمو النفسي وتدمير قدرة الفرد على التكيف المرن مع متطلبات الحياة الواقعية.
أما «التدين الوظيفي السليم»، فهو الذي يساهم مباشرة في تعزيز الصحة النفسية والاتزان التكيفي. تتجلى علامات النضج الديني عند إيمز في امتلاك الفرد لما أسماه بالمرونة النفسية والاتساع الوجداني؛ وهي القدرة على استيعاب التغيرات ومواجهة الأزمات الحياتية دون انهيار داخلي، مستنداً إلى رؤية براغماتية ترى في الحياة مشروعاً مستمراً من التعلم وتجاوز العقبات. الدين السليم يمنح معتنقه هدوءاً انفعالياً وتفاؤلاً واقعياً، ويقوي إرادته في مواجهة الآلام، ويشجعه على الانفتاح العقلي والترحيب بالمعارف والاكتشافات الجديدة دون توجس أو خوف من زعزعة ثوابته الوهمية.
لقد ربط إيمز بين النضج الروحي والنضج العقلي ربطاً لا ينفصم؛ فالإنسان المتدين حقاً هو الشخص الأكثر قدرة على التوافق مع بيئته الطبيعية والاجتماعية، والأكثر استعداداً للتعاطف مع بني جنسه والتعاون معهم بصرف النظر عن اختلافاتهم المذهبية أو الفكرية. إن معيار صحة أي عقيدة دينية ليس ما تطلقه من ادعاءات حول الغيب، بل ما تثمره من طمأنينة نفسية، وتوازن وجداني، وقدرة على الفعل الخلاق في العالم الواقعي.
8.3 الأخلاق كعملية نفسية توافقية وموجهة للسلوك
في تناغم تام مع منطلقاته البراغماتية، رفض إيمز رفضا قاطعاً النظريات الأخلاقية التي تؤسس المبادئ والقيم على أوامر فوقية مطلقة أو قوانين ميتافيزيقية أزلية متعالية عن التجربة البشرية. اعتبر إيمز أن الأخلاق هي في جوهرها عملية نفسية وتوافقية شديدة الديناميكية، ابتكرها وطورها الإنسان كحلول براغماتية وأدوات وظيفية لحل الصراعات الحيوية المعقدة التي تنشأ حتماً داخل نسيج الحياة الاجتماعية المشتركة.
إن القواعد الأخلاقية ليست معطيات مسبقة وناجزة، بل هي نتاج تراكمي للخبرة البشرية عبر التاريخ؛ فقد جربت المجتمعات أنماطاً متعددة من السلوك والتنظيم، فاكتشفت عبر المعاناة والنجاح أن قيماً مثل الصدق، والعدالة، والوفاء بالعهود، والتعاطف هي وحدها الكفيلة بضمان استقرار الجماعة وازدهار أفرادها، في حين أن الغدر والظلم والأنانية تؤدي حتماً إلى الفوضى والدمار. تقوم التجربة الدينية بتبني هذه القواعد الأخلاقية التكيفية المستخلصة من صميم التجربة الحياتية، وتكسوها بحلة من القداسة والجاذبية الوجدانية لتضمن امتثال الأفراد لها طواعية ومن منطلق وازع داخلي متين.
يحقق هذا المنظور تكاملاً سلساً وبديعاً بين الضمير الفردي والمعايير الأخلاقية للمجتمع؛ فالضمير عند إيمز ليس ملكة فطرية معزولة أو صوتاً ميتافيزيقياً غامضاً، بل هو الجهاز النفسي الذي يستبطن تلك الحلول التوافقية ويترجمها إلى استجابات سلوكية فورية وموجهة. تصبح الأخلاق بهذا المعنى شأناً إنسانياً وأرضياً قابلاً للتطور والنقد وإعادة التشكيل باستمرار مع تغير الظروف وتجدد المعضلات المجتمعية، مما يمنحها قوة وحيوية تمكنها من قيادة دفة التقدم الحضاري باستمرار.
9. العمل الرعوي والتطبيقي: الجمع بين الأكاديميا والممارسة الدينية
9.1 قيادة كنيسة جامعة شيكاغو (University Church of Disciples)
ما يميز تجربة إدوارد إس. إيمز الفكرية عن سائر زملائه من فلاسفة البراغماتية مثل ويليام جيمس وجون ديوي هو خوضه تجربة ميدانية نادرة واستثنائية جمع فيها بين الأستاذية الفلسفية الرفيعة والعمل الرعوي المباشر. ففي عام 1900، تولى إيمز منصب راعي كنيسة تلاميذ المسيح في جامعة شيكاغو (University Church of Disciples)، الواقعة في حي هايد بارك المجاور للحرم الجامعي، وظل يشغل هذا المنصب طيلة أربعين عاماً كاملة حتى تقاعده منها عام 1940.
حَوّل إيمز هذه الكنيسة من مجرد رعية بروتستانتية تقليدية صغيرة إلى «مختبر اجتماعي ونفسي حي» لتطبيق وتجريب أفكاره الفلسفية والوظيفية. كان يرى في منبر الكنيسة امتداداً لقاعة الدرس الجامعي، ولكن بأدوات وجدانية وتفاعلية أكثر التصاقاً بالحياة اليومية للمواطنين. لم تكن الكنيسة في عهده مكاناً لتكرار العقائد البالية أو ممارسة الطقوس الميكانيكية، بل أصبحت منتدى فكرياً حراً وملتقى حيوياً للأساتذة، والطلاب، والمفكرين، والعمال، والناشطين الاجتماعيين الساعين إلى بناء فهم ديني مستنير يتوافق مع روح العصر الحديث.
نجح إيمز في اجتذاب النخب الأكاديمية والشباب الجامعي المتشكك الذين كانوا يشعرون بنفور عميق من المؤسسات الكنسية التقليدية بسبب تعارض خطابها مع مقررات العلوم البيولوجية والفيزيائية. قدم لهم نموذجاً لـ «المتدين الحر والمفكر المستنير»؛ حيث كان يُشجع داخل جدران الكنيسة التساؤل المنهجي والشك البناء، ويحتفي بالاكتشافات العلمية بوصفها تجلياً لنمو العقل البشري، مما جعل كنيسته واحدة من أشهر معاقل الليبرالية الدينية والفكرية في الولايات المتحدة الأمريكية في ذلك الوقت.
9.2 تصميم الطقوس والخدمات الكنسية من منظور نفسي
انطلاقاً من دراساته المعمقة في علم نفس الدين، أحدث إيمز ثورة هادئة في هيكل وتصميم الطقوس والخدمات الكنسية الأسبوعية التي كانت تقام في كنيسته. أعاد صياغة كتب الصلوات، والتراتيل، والخطب الوعظية لتلائم العقلية العلمية والوعي المدني المعاصر؛ فقام بحذف التعبيرات التي تمجد الخنوع الأعمى، أو تشير إلى إله غاضب ومنتقم، أو تركز على مفاهيم عذاب الجحيم والفساد الفطري للبشرية، مستبدلاً إياها بمضامين إيجابية تحتفي بكرامة الإنسان، وتدعو إلى التكافل الاجتماعي، وتستنهض طاقات المحبة والأمل والإخاء الإنساني.
ركز إيمز في خطبه الوعظية الأسبوعية—والتي جُمعت لاحقاً في مؤلفات شهيرة مثل «الأرثوذكسية الجديدة» (The New Orthodoxy, 1918) و«الفردانية العليا» (The Higher Individualism, 1915)—على قضايا الصحة النفسية والتوازن الوجداني ومواجهة مشكلات العصر اليومية كالقلق المهني، والوحدة، وتحديات العلاقات الأسرية، ودور المواطن في النضال من أجل العدالة الاجتماعية. كانت الخطبة عنده بمثابة جلسة علاج نفسي وتوجيه أخلاقي جماعي، يعتمد فيها على التحليل العقلاني والحجج المنطقية الرصينة، مدعومة بالشعر والفن الراقي والموسيقى الروحية الرفيعة التي تخاطب أرقى ما في الوجدان الإنساني.
أولى إيمز اهتماماً فائقاً بالأثر السيكولوجي للفن والعمارة داخل الكنيسة؛ فحرص عند بناء المبنى الجديد للكنيسة في أوائل العشرينيات على أن يعكس تصميمه المعماري روح الانفتاح والجمال الطبيعي، متضمناً قاعات للمناقشات الفكرية، ومراكز للخدمات الاجتماعية والأنشطة الشبابية، ومعارض للأعمال الفنية. ألغى كل العناصر الكنسية القائمة على التخويف وغرس الشعور بالذنب، وجعل من الخدمة الكنسية تجربة استشفاء نفسي وتجديد روحي ينطلق منها المؤمنون كل أسبوع بطاقات شاحنة تدفعهم للإسهام البناء في خدمة مدينتهم ومجتمعهم.
9.3 بناء الجسور بين الفلسفة العلمانية والمؤسسة الدينية
مثل إدوارد إيمز طوال مسيرته الرعوية والأكاديمية جسراً فريداً وحصناً للحوار الخلاق بين الفلسفة العلمانية والمؤسسة الدينية، في وقت كانت فيه الهوة بينهما تزداد اتساعاً وحدة. فبينما كان بعض زملائه الأكاديميين ينظرون إلى المؤسسة الدينية بكثير من الازدراء والتعالي بوصفها معقلاً للرجعية والظلامية، وكان رجال الدين المحافظون يرون في أساتذة الجامعات ملاحدة يفسدون عقول الشباب، وقف إيمز في المنتصف ليبرهن للطرفين على إمكانية التعايش والتخصيب الفكري المتبادل.
قدم إيمز نموذجاً ساطعاً للمفكر النزيه الذي يمارس دوره الرعوي بكامل الإخلاص والشفافية الروحية، دون أن يتنازل قيد أنملة عن صرامته المنهجية ونزاهته العلمية وفلسفته البراغماتية الطبيعية. استطاع أن يقنع الأوساط العلمانية والليبرالية بأن المؤسسة الكنسية تمتلك بنى تحتية اجتماعية وتاريخية لا تقدر بثمن، وطاقات تعبئة وجدانية هائلة لا يمكن للفلسفة النظرية وحدها أن تعوضها، وأن التخلي عن هذه المؤسسة للمتطرفين والجهلاء يعد خسارة كبرى للمشروع الديمقراطي والإصلاحي برمته.
كان لهذا الموقف التوفيقي الجريء أثر عميق على أجيال من تلاميذه وباحثي الفلسفة واللاهوت في جامعة شيكاغو. فقد ألهمت تجربته العديد من القادة الدينيين الشباب الذين تخرجوا على يديه ليؤسسوا تياراً عريضاً من «الليبرالية الرعوية» في شتى أرجاء الولايات المتحدة، مما ساهم في نزع فتيل الصراع العدمي بين العلم والإيمان، وبناء ثقافة تؤمن بأن العقل والعاطفة، والبحث العلمي والالتزام الروحي، روافد تتكامل معاً في خدمة الإنسان والارتقاء بالمجتمع.
10. المقارنة النقدية: إيمز مقابل ويليام جيمس وجون ديوي
10.1 إيمز في مواجهة ويليام جيمس وتنوع التجربة الدينية
تعد المقارنة بين إدوارد إس. إيمز وعملاق الفلسفة الأمريكية ويليام جيمس (William James) أحد أخصب الموضوعات في تاريخ علم نفس الدين؛ فبينما اتفق المفكران على الأرضية البراغماتية العامة التي تعتبر صدق الفكرة كامناً في آثارها الحيوية والعملية، اختلفا اختلافاً جذرياً في زاوية النظر والمنهج المتبع في دراسة التجربة الروحية.
في عمله الكلاسيكي «أصناف التجربة الدينية» (The Varieties of Religious Experience, 1902)، ركز جيمس تركيزاً شبه حصري على ما أسماه بـ «التجارب الفردية المتطرفة والشاذة والعبقرية»—كتجارب القديسين، والمتصوفة الكبار، والمتحولين دينياً في لحظات وجدهم العاصف، معتبراً أن جوهر الدين يكمن في المشاعر والانفعالات الباطنية العميقة التي يختبرها الفرد في عزلته التامة بعيداً عن أي مؤسسة. انتقد إيمز هذا التوجه الجيمسي بشدة، معتبراً إياه انحيازاً سيكولوجياً معيباً ونزعة فردانية مفرطة تخلط بين المرض النفسي والتدين الأصيل، وتتجاهل عمداً البيئة الاجتماعية التي ولد فيها هؤلاء الأفراد واستقوا منها لغتهم ورموزهم الدينية.
في المقابل، أكد إيمز أن علم نفس الدين الحقيقي يجب أن يركز على «التدين اليومي المعتاد والسوي»، وعلى الظواهر الاجتماعية والطقسية العادية التي يمارسها ملايين البشر في حياتهم المشتركة. فبينما كان جيمس يغازل نوعاً من الميتافيزيقا الروحانية الغامضة ويتحدث عن فيوضات من عوالم لاشعورية عليا، ظل إيمز متمسكاً بالنزعة الطبيعية والوظيفية الصارمة؛ فالتجربة الدينية عنده لا تنبع من نافذة غيبية مفارقة، بل من قلب التفاعل الاجتماعي المحسوس، وصدقها البراغماتي لا يُقاس بنشوة باطنية عابرة يختبرها الصوفي في خلوته، بل بالأثر الاجتماعي والأخلاقي المستدام الذي تتركه في نسيج الجماعة الواقعية.
10.2 إيمز وجون ديوي: الإيمان المشترك والتوافق الطبيعي
كانت العلاقة بين إدوارد إيمز وأستاذه جون ديوي علاقة زمالة فكرية وتأثير متبادل امتدت لعقود. يشترك المفكران في تبني النزعة الطبيعية الكاملة، ورفض الميتافيزيقا المفارقة، والإيمان المطلق بالديمقراطية كأسلوب حياة، والتعامل مع القيم الإنسانية بوصفها ثماراً لتطور الطبيعة والتفاعل الاجتماعي. وتتجلى هذه الروح المشتركة بوضوح عند مقارنة أطروحات إيمز في كتابه «الدين» (1929) بكتاب ديوي الشهير المتأخر الصادر عام 1934 بعنوان «إيمان مشترك» (A Common Faith).
على الرغم من هذا التوافق الفلسفي الجوهري، تميز إيمز باستقلالية واضحة ومسار متفرد في معالجة القضايا الروحية والمؤسسية. فقد أقام ديوي في كتابه تمييزاً حاداً وصارماً بين ما أسماه «الديني» (The Religious)—بوصفه توجهاً وجدانياً عاماً وموقفاً أخلاقياً حراً يربط الإنسان بالمثل العليا—وبين «الأديان» (Religions) أو المؤسسات الدينية القائمة كالكنائس والمعابد، والتي وجه إليها ديوي نقداً لاذعاً واعتبرها في أغلبها معاقل للجمود التاريخي والوصاية الفكرية التي يجب تجاوزها لصالح تدين علماني مدني طليق.
أما إيمز، فقد تبنى موقفاً أكثر واقعية ومرونة حيال المؤسسة الدينية؛ إذ رأى بحكم خبرته الرعوية الطويلة أن المؤسسات الدينية القائمة—رغم كل شوائبها التاريخية—تمثل شبكات أمان اجتماعي وأوعية نفسية حيوية لا يمكن الاستغناء عنها أو تفكيكها بسهولة دون إحداث فراغ قيمي واجتماعي هائل. سعى إيمز إلى «إصلاح المؤسسة من الداخل» وتحويل الكنيسة إلى مركز للمجتمع الديمقراطي الحديث وقاطرة للتربية المستنيرة، مؤمناً بأن الطقوس والرموز المشتركة ضرورة سيكولوجية للبشر العاديين لا يمكن تعويضها بالمفاهيم الفلسفية التجريدية التي يدعو إليها ديوي في كتابه، وهو ما جعل مقاربة إيمز أكثر تجذراً وقابلية للتطبيق العملي في الواقع الأمريكي.
10.3 مقارنة مع رواد التحليل النفسي (فرويد ويونغ)
تكتسب المقارنة بين المنظور الوظيفي لإيمز والتحليلات النفسية التي صاغها رواد مدرسة التحليل النفسي في أوروبا، ولا سيما سيغموند فرويد وكارل غوستاف يونغ، أهمية استثنائية في كشف تمايز المدارس الفكرية المعاصرة في تعاطيها مع الظاهرة الدينية. مثل فرويد النظرة الاختزالية الشديدة السلبية والعدائية تجاه الدين في أعماله الشهيرة مثل «مستقبل وهم» و«الطوطم والحرام»، معتبراً أن الدين ليس سوى «عصاب وسواسي جمعي» ونكوص طفولي إلى الرغبة في الحماية الأبوية الوهمية أمام قسوة الطبيعة والموت.
رفض إيمز هذه الرؤية الفرويدية الاختزالية رفضاً قاطعاً؛ فرغم اعترافه بوجود أشكال مرضية وعصابية من التدين، فإنه اعتبر أن تعميم فرويد ناتج عن انحصاره في دراسة الحالات المرضية في عيادته بفيينا وتجاهله للوظائف الاجتماعية التكيفية الحيوية التي يؤديها الدين السليم في حياة الأسوياء. فالدين عند إيمز ليس وهماً طفولياً مدفوعاً بالكبت والعدوان، بل هو نضج اجتماعي ووعي خلاق بأسمى القيم التي تمكن المجتمع من البقاء والتقدم؛ إنه قوة دافعة للأمام وليس نكوصاً للخلف كما زعم فرويد.
من جهة أخرى، يتقاطع إيمز في بعض الجوانب مع أطروحات كارل يونغ حول أهمية الرموز الروحية وحضورها الراسخ في البناء النفسي للإنسان، ودورها الحيوي في تحقيق «التفرد» وتكامل الشخصية. إلا أن الافتراق بينهما يظل حاسماً ومنهجياً؛ فيونغ يفسر هذه الرموز بالرجوع إلى اللاشعور الجمعي والأنماط الأولية الموروثة بيولوجياً والمحاطة بهالة من الميتافيزيقا والغموض الأسطوري، بينما يفسرها إيمز بالرجوع المباشر إلى «الوعي الاجتماعي النشط» والعمليات التفاعلية الرمزية التاريخية القائمة في صلب الحياة الواقعية، مما يمنح تحليل مدرسة شيكاغو طابعاً علمياً وتجريبياً بعيداً عن الغموض والمثالية الصوفية التي وسمت علم النفس اليونغي.
11. الانتقادات والجدل المعرفي حول أطروحات إيمز
11.1 اعتراضات التيار اللاهوتي الأرثوذكسي والمحافظ
أثارت أطروحات إدوارد إس. إيمز، بطبيعتها الجريئة ومنهجها الطبيعي البراغماتي الصارم، ردود فعل عنيفة وموجات متلاحقة من الهجوم والانتقاد من قِبل الأوساط اللاهوتية التقليدية والمحافظة في أمريكا الشمالية. تركزت الاتهامات الرئيسية التي وُجهت إليه على أنه ارتكب خطيئة «نزع القداسة» عن الدين، وأنه أفرغ الإيمان من روحه الحقيقية بتحويله إلى مجرد فرع من فروع علم الاجتماع التطبيقي وعلم النفس السلوكي.
شن اللاهوتيون التقليديون هجوماً لاذعاً على تفسيره الرمزي للذات الإلهية وتشبيهه الشهير لله بـ «العم سام»، معتبرين أن هذه الرؤية تسقط في حمأة «الإلحاد المقنع» (Disguised Atheism) أو «اللاأدرية النفاقية»؛ فالإله الذي لا يسمع الدعاء ككائن واعٍ، ولا يملك مشيئة مستقلة، ولا يتدخل لإنقاذ المؤمنين من الموت أو خرق القوانين الطبيعية ليس إلهاً على الإطلاق بالمعنى الديني التاريخي، بل هو مجرد استعارة بلاغية باردة لا يمكن أن تلهم قلوب المؤمنين أو تمنحهم العزاء الحقيقي في مواجهة فواجع الحياة.
رد إيمز على هذه الاتهامات بسلسلة من المقالات والمناظرات الفلسفية الرصينة، دافع فيها عن أصالة مشروعه وعمقه الإيماني. وأوضح أن التمسك بالتصورات الحرفية والقروسطية عن الذات الإلهية هو السبب الحقيقي وراء نفور الإنسان الحديث من الدين وسقوطه في العدمية والإلحاد الفعلي. إن أنسنة المفهوم وفهمه كرمز لأسمى المثل العليا ليس هدماً للإيمان، بل هو إنقاذه الوحيد الممكن في عصر العلم؛ فالإله الذي يتجلى في أفعال المحبة، والعدل، والتعاون الإنساني هو إله حي وحقيقي في الواقع المشهود، وأكثر جدارة بالتقديس من كائن غيبي متخيل يقبع في السماوات بمعزل عن آلام البشر وتطلعاتهم الحيوية.
11.2 النقد الفلسفي من المنظورين التجريبي والوضعي
لم تقتصر الانتقادات الموجهة لإيمز على الجبهة اللاهوتية، بل جاءت أيضاً من الجبهة الفلسفية المعارضة، وتحديداً من جانب فلاسفة الوضعية المنطقية والتيارات التجريبية الصارمة التي بدأت تهيمن على الفلسفة التحليلية في الثلث الثاني من القرن العشرين. تركز النقد الفلسفي على ما اعتبره هؤلاء خلطاً منهجياً غير مبرر في كتابات إيمز بين «الوصف السيكولوجي الواقعي» و«التقييم المعياري الأخلاقي» للقيم الإنسانية.
جادل النقاد بأن تعريف إيمز للدين بأنه «أسمى وعي بالقيم الاجتماعية» يقع في معضلة منطقية تعرف بـ المغالطة الطبيعية (Naturalistic Fallacy)؛ فالقول بأن المجتمع هو مصدر القيم الدينية لا يحل مسألة ما إذا كانت هذه القيم خيرة بذاتها أم لا. فالمجتمعات قد تجمع أحياناً على قيم مدمرة—كالتعصب القومي، أو العنصرية، أو تمجيد الحروب—وتضفي عليها أعلى درجات التقديس والشعائر الطقسية الحماسية، فهل تصبح هذه الممارسات الفاشية ديناً قويماً وحقاً لمجرد أنها تجسد وعياً بقيم الجماعة المشتركة؟
كما شكك بعض الفلاسفة البراغماتيين والتجريبيين في مدى تماسك التفسير الوظيفي الصرف في معالجة القضايا الميتافيزيقية الكبرى كمسألة الخلود، وأصل الكون، والمصير النهائي للوجود. ورأوا أن إيمز بالغ في لي عنق المفاهيم الدينية لتتوافق قسراً مع القوالب الاجتماعية والوظيفية، مما أدى في النهاية إلى طمس الحدود الفاصلة بين الدين كظاهرة فريدة في التاريخ الإنساني، وسائر الظواهر الثقافية والأخلاقية والسياسية الأخرى، جاعلاً مفهوم الدين واسعاً ومطاطاً إلى حد يفقده أي قيمة تمييزية دقيقة.
11.3 مراجعات معاصرة لقصور النظرة التطورية المبكرة
من منظور الدراسات الأنثروبولوجية وتاريخ الأديان المعاصر، خضعت أطروحات إدوارد إيمز لمراجعات نقدية معمقة تناولت ارتهانها للنماذج النشوئية التطورية الخطية التي كانت سائدة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. فقد اعتمد إيمز بشكل مكثف على أفكار جيمس فريزر وإدوارد تايلور التي كانت تفترض مساراً تطورياً حتمياً وخطيّاً واحداً تنتقل فيه البشرية جمعاء من مرحلة السحر، إلى الدين، وصولاً إلى العلم والوعي الأخلاقي الحديث.
أثبتت الاكتشافات الإثنوغرافية والأنثروبولوجيا الميدانية الحديثة—بدءاً من أعمال فرانز بواس وبرونيسلاف مالينوفسكي وتلاميذهما—سقوط هذه النظرة التطورية التبسيطية التي تنطوي على نزعة مركزية أوروبية غير واعية؛ فالشعوب المسماة بـ «البدائية» لا تملك فكراً طفولياً أو نمطاً تطورياً متدنياً كما صورته النظريات المبكرة، بل تمتلك أنظمة فكرية وثقافية ودينية معقدة ومكتملة في ذاتها تتكيف ببراعة مع بيئاتها الخاصة دون أن تكون مجرد درجات دنيا في سلم يقود حتماً إلى الثقافة الغربية الصناعية.
ومع ذلك، فإن هذه المراجعات النقدية لم تلغ القيمة التاريخية والمعرفية الرائدة لأعمال إيمز؛ إذ يعترف الباحثون المعاصرون بأن تحليلاته للوظائف التكيفية والاجتماعية للشعائر والرموز تظل في غاية العمق والبراعة، وأن الثغرات التي شابت كتاباته كانت نتاجاً لمحدودية المعطيات الأنثروبولوجية المتاحة في عصره وليست عيباً أصيلاً في منهجيته الوظيفية السيكولوجية الرصينة التي مهدت الطريق لولادة دراسات أكثر نضجاً وموضوعية في علم الأديان المقارن.
12. الإرث الفكري والأثر المستدام في علم النفس والفلسفة المعاصرة
12.1 المساهمة في تأسيس علم نفس الدين الأكاديمي المستقل
يحتل إدوارد سكرينبر إيمز موقعاً ريادياً لا يتزعزع في تاريخ العلوم الإنسانية كواحد من الآباء المؤسسين لحقل علم نفس الدين (Psychology of Religion) بوصفه تخصصاً أكاديمياً مستقلاً ومتميزاً عن الدراسات اللاهوتية الكنسية والفلسفة التأملية المجردة. ساهمت أبحاثه الرائدة ومؤلفاته المرجعية في إدراج هذا الحقل ضمن المناهج الجامعية الرسمية في كبريات الجامعات الأمريكية والأوروبية خلال العقود الأولى من القرن العشرين.
لعب إيمز دوراً حاسماً في تحرير البحث السيكولوجي من الوصاية العقائدية للمؤسسات الكهنوتية؛ فمن خلال إصراره على معاملة الظواهر الإيمانية كوقائع تجريبية تخضع لنفس المناهج والأدوات المستخدمة في دراسة التعلم والإدراك والسلوك الاجتماعي، مهد الطريق لأجيال متعاقبة من الباحثين لدراسة السلوك الديني دون خوف من تهم الهرطقة أو السقوط في التبرير المذهبي الضيق. ترك إيمز إرثاً تربوياً وأكاديمياً غنياً من خلال تخريجه لعشرات الباحثين الذين حملوا لواء هذه المدرسة الوظيفية في شتى الأقسام العلمية.
كما ساهمت جهوده في وضع المعايير المنهجية التي توازن بين التفكيك العلمي الصارم والاحترام الإنساني العميق للخبرة الذاتية للأفراد. لم يكن علمه نقداً هداماً، بل كان محاولة لفهم آليات الروح الإنسانية في سعيها الدائب نحو السكينة والمعنى، وهو التوازن المنهجي الدقيق الذي جعل من أعماله التأسيسية كلاسيكيات لا غنى عن مراجعتها لكل من يتصدى لدراسة العلاقة المعقدة بين العقل، والمجتمع، والظاهرة الروحية.
12.2 حضور أفكار إيمز في دراسات علم النفس الإيجابي وعلم الاجتماع الديني
على الرغم من تراجع الاهتمام باسم إيمز لبعض الوقت خلال منتصف القرن العشرين مع صعود المدرسة السلوكية الراديكالية والفلسفة التحليلية الوضعية، فإن العقود الأخيرة شهدت عودة مذهلة واستعادة قوية لطروحاته المركزية في سياق بروز حركة علم النفس الإيجابي (Positive Psychology) بريادة مارتن سليغمان وزملائه.
تتقاطع دراسات علم النفس الإيجابي المعاصرة بشكل مذهل مع تحليلات إيمز الوظيفية المبكرة حول الدور الحاسم الذي يلعبه الإيمان والطقوس الروحية في تعزيز «الرفاه النفسي» (Psychological Well-being)، وبناء المرونة العاطفية في مواجهة الصدمات، وتوفير شبكات الدعم المجتمعي. إن ما يؤكده علماء النفس المعاصرون اليوم من أن امتلاك الإنسان لـ «المعنى والغاية» (Meaning and Purpose) في الحياة يمثل ركيزة أساسية للصحة النفسية وطول العمر، هو بالضبط ما كان ينادي به إيمز قبل أكثر من قرن حين اعتبر أن الدين الوظيفي السليم هو الأداة الأرقى التي طورها البشر لتنظيم حياتهم وتغذية إرادتهم في البقاء والارتقاء.
يمتد أثر إيمز المستدام أيضاً إلى حقل علم الاجتماع الديني ونظريات رأس المال الاجتماعي؛ حيث تستند الكثير من الأبحاث المعاصرة التي تدرس حركات التدين المدني، والنشاط التطوعي داخل المجتمعات المحلية، ودور المؤسسات الدينية في تعزيز الممارسة الديمقراطية إلى الأسس النظرية التي أرساها إيمز وزملاؤه في مدرسة شيكاغو، مبرهنة على الخصوبة المعرفية الهائلة لتلك الرؤية البراغماتية التي رأت في المجتمع والروح قطبين لنسيج حي واحد لا ينفصم.
12.3 التقييم الختامي: إدوارد إس. إيمز كجسر بين الحداثة والروحانية
في التقييم التاريخي الختامي لمسيرته الفكرية المديدة الممتدة بين عامي 1870 و1958، يبرز إدوارد سكرينبر إيمز كواحد من أشجع وأخلص المفكرين الذين حاولوا بناء جسر آمن يعبر بالإنسانية من ضفاف الأساطير الغيبية المتهافتة إلى فضاءات الحداثة العلمية المستنيرة دون التضحية بالعمق الأخلاقي والروحي للوجود البشري. لقد علمنا إيمز أن العلم لا يجب أن يفضي حتماً إلى الجفاف الوجداني والعدمية المادية، وأن الروحانية لا تقتضي بالضرورة الاستقالة من التفكير العقلي والإذعان للخرافات.
يقدم مشروعه التوفيقي دروساً بالغة الأهمية والراهنية لعالمنا المعاصر الذي يتخبط في أتون الاستقطابات الحادة بين التطرف الديني الأصولي المنغلق والعدمية الاستهلاكية المتوحشة؛ فالأزمات الأخلاقية والمجتمعية التي تعصف بالحضارة الراهنة تؤكد حاجتنا الماسة إلى استعادة تلك النزعة «الطبيعية الإنسانية» التي بشّر بها إيمز؛ نزعة ترى الألوهية في كل مجهود يبذله البشر لإنقاذ كوكبهم، وإشاعة العدل، وتخفيف آلام الضعفاء، وبناء مجتمع إنساني يسوده التعاطف والتضامن والمحبة المشتركة.
إن إعادة قراءة النتاج الفكري لإدوارد إس. إيمز اليوم ليست مجرد استعادة تذكارية لصفحة من تاريخ الفلسفة الأمريكية، بل هي استحضار ملحّ لأداة نقدية وعملية تمكننا من إعادة التفكير في أدوارنا ومسؤولياتنا داخل هذا العالم. لقد ظل إيمز حتى أنفاسه الأخيرة مؤمناً بكرامة الإنسان وطاقته اللامحدودة على التطور والارتقاء؛ تاركاً وراءه صرحاً فكرياً يذكرنا دوماً بأن الدين في أسمى صوره وأنبلها ليس سوى الوجه المضيء للحياة الإنسانية حينما تتشبع بروح الأمل وتسعى بوعي نحو تحقيق أسمى مثلها على هذه الأرض.
خاتمة
ختاماً، يتضح بجلاء أن إدوارد سكرينبر إيمز كان رائداً استثنائياً استطاع أن يوظف منجزات الفلسفة البراغماتية وعلم النفس الوظيفي لإحداث قطيعة إبستيمولوجية مع القراءات اللاهوتية القروسطية للظاهرة الدينية. عبر مؤلفاته المركزية وفي مقدمتها «سيكولوجيا التجربة الدينية» و«الدين»، نجح إيمز في إعادة توطين التجربة الروحية داخل حدود الطبيعة والمجتمع البشري، مؤكداً أن القداسة هي الوجه الآخر للالتزام الأخلاقي والاجتماعي المشترك.
إن إرث إيمز الفكري يظل حياً ونابضاً؛ لأنه لم يقف عند حدود التفكيك النظري، بل امتد ليشمل البناء التربوي، والرعوي، والتطبيقي الميداني، مقدماً نموذجاً نادراً للفيلسوف المنخرط في هموم مجتمعه. وإذ نشهد اليوم تداعيات الأزمات الوجودية والنزاعات الإيديولوجية العالمية، فإن العودة إلى أطروحات إدوارد إس. إيمز تمنح الفكر الإنساني المعاصر بصيرة نافذة لتجديد الخطاب الروحي، وإعادة الاعتبار للقيم المشتركة، وبناء عالم أكثر عدلاً وعقلانية وإنسانية.
المراجع
- Ames, E. S. (1910). The Psychology of Religious Experience. Houghton Mifflin Company. https://archive.org/details/psychologyrelig00amesgoog
- Ames, E. S. (1915). The Higher Individualism. Houghton Mifflin Company. https://archive.org/details/higherindividual00amesrich
- Ames, E. S. (1918). The New Orthodoxy. University of Chicago Press. https://archive.org/details/neworthodoxy00amesuoft
- Ames, E. S. (1929). Religion. Henry Holt and Company. https://catalog.hathitrust.org/Record/001399333
- Ames, E. S. (1959). Beyond Theology: The Autobiography of Edward Scribner Ames (V. M. Ames, Ed.). University of Chicago Press. https://www.press.uchicago.edu
- Dewey, J. (1934). A Common Faith. Yale University Press. https://yalebooks.yale.edu/book/9780300000696/a-common-faith/
- Durkheim, É. (1912). The Elementary Forms of the Religious Life (J. W. Swain, Trans.). George Allen & Unwin. https://archive.org/details/elementaryformso00durkrich
- James, W. (1902). The Varieties of Religious Experience: A Study in Human Nature. Longmans, Green, & Co. https://www.gutenberg.org/ebooks/621
- Mead, G. H. (1934). Mind, Self, and Society: From the Standpoint of a Social Behaviorist (C. W. Morris, Ed.). University of Chicago Press. https://press.uchicago.edu/ucp/books/book/chicago/M/bo20023405.html
- Wieman, H. N., & Meland, B. E. (1936). American Philosophies of Religion. Willett, Clark & Company. https://catalog.hathitrust.org/Record/001399334