غيسلي غودجونسون – 1947 حتى الوقت الحاضر

غيسلي هانيس غودجونسون (Gísli Hannes Guðjónsson)

  • خريف 1947، ريكيافيك – حتى الآن
  • آيسلندي
  • علم النفس الجنائي والشرعي
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 8 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 8 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

أبرز الإسهامات

  • النظرية الثلاثية للاعترافات الكاذبة
  • مقياس غودجونسون للإيحائية
  • مقياس الامتثال
  • أبحاث القابلية للتأثر بالاستجواب
  • متلازمة عدم الثقة بالذاكرة

السيرة

يحتل البروفيسور الآيسلندي غيسلي غودجونسون (Gísli Hannes Guðjónsson) مكانة ريادية لا تضاهى في تاريخ علم النفس الجنائي والقضائي المعاصر؛ إذ يُعد الأب الروحي للأبحاث التجريبية والميدانية المعنية بتفكيك معضلة الاعترافات الكاذبة وديناميكيات الاستجواب القسري. لم يكن غودجونسون مجرد منظّر أكاديمي يراقب الظواهر السلوكية من وراء جدران المختبرات، بل تشكّل وعيه العلمي في خضم الممارسة الأمنية المباشرة كمحقق جنائي سابق في شرطة العاصمة الآيسلندية ريكيافيك، وهو ما أضفى على نتاجه الفكري لاحقاً بعداً تطبيقياً استثنائياً نجح في سد الفجوة بين التحقيقات الجنائية والمحاكمات القضائية وأحدث النظريات السيكولوجية المعرفية والإكلينيكية.

امتدت مسيرة غودجونسون لأكثر من خمسة عقود، استطاع خلالها تحويل علم النفس الجنائي من حقل استشاري هامشي داخل أروقة العدالة إلى ركيزة بنيوية محورية يُعتدّ بها لإسقاط الأحكام الباطلة وتبرئة المستضعفين. وعبر تطويره لأدوات قياس سيكومترية رائدة، وفي مقدمتها «مقياس غودجونسون للإيحائية» و«مقياس الامتثال»، وضع هذا العالم معايير تشخيصية موضوعية أسهمت في الكشف عن الاختلالات الجسيمة في قضايا تاريخية هزت الرأي العام العالمي، مثل قضيتي «غيلدفورد فور» و«برمنغهام سيكس» في المملكة المتحدة، وصولاً إلى فك طلاسم لغز قضية «غودموندور وغيرفينور» في موطنه الأم آيسلندا بعد أربعة عقود من طمس الحقائق.

تستكشف هذه المقالة الموسوعية السيرة العلمية والمهنية للبروفيسور غيسلي غودجونسون منذ بدايات نشأته في آيسلندا ما بعد الحرب العالمية الثانية، مروراً بانتقاله الحاسم إلى الأوساط الأكاديمية البريطانية في كينجز كوليدج لندن، وتحليله الممنهج لطبيعة القابلية للاستجواب، وتأسيسه للنظرية الثلاثية للاعترافات الكاذبة ومتلازمة عدم الثقة بالذاكرة، وتأثيره العميق في التحول الجذري لبروتوكولات التحقيق الشرطي عالمياً من النماذج الاتهامية الاستفزازية إلى نموذج الاستجواب الإنساني والاستقصائي. إن دراسة مسار غودجونسون ليست مجرد استعراض لسيرة ذاتية، بل هي رحلة توثيقية في كيفية تسخير العلم الدقيق لحماية حقوق الإنسان وضمان نزاهة العدالة الجنائية.

1. النشأة والمحطات الأولى وتأثير الخلفية الشرطية في آيسلندا

1.1 البدايات في ريكيافيك والتحصيل العلمي المبكر

ولد غيسلي هانيس غودجونسون في العاصمة الآيسلندية ريكيافيك في خريف عام 1947، في مرحلة تاريخية بالغة الحساسية كانت تشهد فيها البلاد تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية واستقلال آيسلندا التام عن التاج الدنماركي وتأسيس الجمهوريات الحديثة. اتسمت البيئة الاجتماعية لريكيافيك في تلك الحقبة بصغر حجم المجتمع، والترابط الأسري الوثيق، ومعدلات الجريمة المنخفضة للغاية، مما جعل أي انحراف سلوكي أو جنائي يثير صدمة مجتمعية واسعة ويطرح تساؤلات ملحة حول دوافع السلوك البشري وأصوله السيكولوجية والبيئية.

نشأ غودجونسون في هذه البيئة المشبعة بالقيم الثقافية الإسكندنافية التقليدية التي تعلي من شأن الشفافية والاستقامة، وفي الوقت ذاته تتسم بصرامة قانونية مستمدة من التقاليد التشريعية الشمالية. أظهر غودجونسون منذ نعومة أظفاره فضولاً فكرياً تجاه آليات اشتغال العقل البشري، وكيفية تفسير التباينات الفردية بين الأشخاص عند مواجهة الأزمات والمواقف الضاغطة. دفعه هذا التوجه المبكر نحو استكشاف العلوم التطبيقية والعلوم الإنسانية، حيث ركز في مراحل تعليمه النظامي الأولى على استيعاب المناهج التحليلية، محاولاً فهم الكيفية التي يمكن بها للملاحظة المنطقية أن تضيء الزوايا المظلمة في الدوافع البشرية المحيرة.

تضافرت البيئة الثقافية الآيسلندية، التي تعتمد في نسيجها على السرديات الملحمية القديمة والتدقيق في تفاصيل الوقائع المروية، مع تكوينه الذهني لتمنحه حساً نقدياً استثنائياً تجاه الشهادات الشفوية. أدرك غودجونسون في وقت مبكر أن ما يرويه الناس ليس بالضرورة انعكاساً حرفياً لما حدث، بل هو نتاج تداخل معقد بين الذاكرة الفردية، والضغوط المجتمعية، والتأثيرات البيئية المحيطة، وهو الإدراك الأولي الذي شكل النواة الصلبة التي نمت منها لاحقاً نظرياته في قابلية الذاكرة للتحريف والتشويه تحت تأثير المؤثرات الخارجية وسلطة الآخرين.

1.2 الخدمة الميدانية كمحقق شرطي في شرطة ريكيافيك

في مطلع شبابه، قرر غودجونسون الانخراط في السلك الأمني، فالتحق بصفوف شرطة ريكيافيك، متدرجاً في الرتب الميدانية حتى أصبح محققاً جنائياً متخصصاً في التعامل مع الجرائم الكبرى والمعقدة. لم تكن هذه الخطوة مجرد مسار وظيفي روتيني، بل كانت بمثابة معمل ميداني مفتوح أتاح للشاب الملاحظ والمدقق فرصة نادرة للاحتكاك المباشر مع أطراف المنظومة العقابية: المشتبه بهم، والضحايا، والشهود، ورجال الشرطة المتمرسين المشبعين بالنزعة الاتهامية التقليدية.

خلال عمله في التحقيقات الجنائية، لاحظ غودجونسون وجود فجوات إجرائية ونفسية خطيرة في غرف الاستجواب المغلقة. كانت الثقافة الشرطية السائدة آنذاك—وليس فقط في آيسلندا بل في معظم دول العالم الغربي—تعتبر أن انتزاع الاعتراف هو «سيد الأدلة» والهدف الأسمى والأسرع لإغلاق ملف القضية بنجاح. غير أن الملاحظة العيادية الدقيقة لغودجونسون جعلته يرصد مظاهر الاستلاب النفسي والضغط غير المباشر التي تمارسها أدوات التحقيق: كالعزل المكاني، والأسئلة الإيحائية التوجيهية، واستغلال حالة الإنهاك الجسدي، والتلاعب بالآمال والمخاوف الطبيعية للمحتجزين، لا سيما أولئك الذين يفتقرون إلى الصلابة الذهنية أو يعانون من اضطرابات وجدانية ونمائية غير مرئية للمحقق العادي.

تولدت لدى غودجونسون شكوك منهجية عميقة حول مصداقية الاعترافات التي تم تسجيلها في تلك البيئات الضاغطة. فقد شهد حالات لأشخاص يعترفون باقتراف أفعال لم يرتكبوها، أو يغيرون أقوالهم بصورة جذرية بمجرد توجيه تلميحات سلبية أو وعود زائفة بالخلاص السريع من قيد الاحتجاز. أدرك غودجونسون أن الأدوات الشرطية المتاحة عاجزة تماماً عن التمييز بين الاعتراف الصادق النابع من الإدانة الفعلية والاعتراف المفتعل الناجم عن الهشاشة النفسية أمام وطأة المحقق. قاده هذا الوعي الصادم إلى اتخاذ قرار محوري وغير تقليدي بالاستقالة من منصبه الأمني الرفيع والهجرة إلى بريطانيا لمتابعة الدراسات الأكاديمية العليا في علم النفس السريري وعلم النفس الجنائي، متسلحاً برغبة ملحة في إرساء أسس علمية موضوعية تحكم دراسة الاعترافات وتحمي المنظومة القضائية من أخطائها المميتة.

2. الانتقال الأكاديمي والمسار المهني في المملكة المتحدة

2.1 الدراسات العليا في جامعة سري ومعهد الطب النفسي

وصل غيسلي غودجونسون إلى المملكة المتحدة في السبعينيات، في توقيت كانت تشهد فيه الجامعات البريطانية نهضة كبرى في مجالات العلوم النفسية السريرية والتجريبية. التحق بجامعة سري (University of Surrey) حيث نال درجة الماجستير في علم النفس الإكلينيكي، قبل أن يواصل مسيرته للحصول على درجة الدكتوراه بأطروحة تميزت بالابتكار المنهجي؛ إذ وظف فيها خلفيته الشرطية السابقة لاختبار استجابات الإجهاد الفسيولوجي والسلوكي أثناء مواقف الخداع والمواجهة اللفظية، مع التركيز على القياس السيكومترى للمتغيرات الشخصية الحاكمة لتلك الاستجابات.

عقب إتمام الدكتوراه، انضم غودجونسون إلى معهد الطب النفسي المرموق (Institute of Psychiatry) التابع لكلية كينجز بلندن (King’s College London)، وهو المؤسسة الأكاديمية والطبية الأكثر شهرة في أوروبا في أبحاث الطب النفسي والعلوم العصبية والسلوكية. في هذا الصرح الأكاديمي، وجد غودجونسون البيئة الحاضنة المثالية لتطوير طروحاته التأسيسية؛ حيث تفاعل مع كوكبة من كبار علماء النفس التجريبي والطب الشرعي الذين كانوا يعيدون النظر في موثوقية شهادات العيان وتقنيات الاستجواب القضائي، مثل البروفيسور هانس آيزنك الذي كان لأفكاره حول السمات الشخصية أثر عميق في توجيه منهجية غودجونسون نحو القياس السيكولوجي الصارم والمنضبط رياضياً.

تركز عمل غودجونسون البحثي في تلك الحقبة على تفكيك عناصر «القابلية للتأثر بالاستجواب» (Interrogative Suggestibility)، محاولاً عزل العوامل الذهنية والبيئية التي تجعل شخصاً ما يتبنى إفادات مضللة أثناء المساءلة الرسمية. أسس مختبراً بحثياً مخصصاً لمحاكاة مواقف التحقيق واستكشاف الاستجابات السريرية للمتهمين والشهود المصنفين ضمن الفئات الهشة، مما جعله في غضون سنوات قليلة الصوت الأكاديمي الأبرز والوحيد القادر على تقديم إجابات تجريبية مثبتة لمعضلات سيكولوجية حيرت قضاة المحاكم لعقود طويلة.

2.2 التدرج الأكاديمي والمناصب البحثية المرموقة

تدرج غودجونسون في السلك الأكاديمي في معهد الطب النفسي بكلية كينجز لندن حتى نال درجة الأستاذية (Full Professorship) في علم النفس الشرعي، ليصبح أول بروفيسور يحمل هذا اللقب التخصصي الدقيق في تاريخ المعهد. وتحت إشرافه وإدارته المباشرة، تم تأسيس أول برنامج ماجستير معتمد دولياً في علم النفس القضائي والشرعي بالمملكة المتحدة، وهو البرنامج الذي خرّج أجيالاً متتالية من الباحثين والممارسين السريريين المنتشرين حالياً في كبرى الجامعات والمؤسسات الإصلاحية والأنظمة القضائية عبر العالم.

أدار غودجونسون برامج بحثية متقدمة ممولة من مجالس الأبحاث الطبية والاجتماعية ووزارة الداخلية البريطانية، تركزت حول تطوير أدوات القياس النفسي المصممة لتقييم كفاءة المتهمين الهشين والمصابين باعتلالات عقلية ونمائية للوقوف أمام المحاكم وتحديد مدى قابليتهم لتقديم اعترافات كاذبة غير طوعية. أحدثت هذه الأبحاث نقلة ثورية؛ إذ لم تعد تعتمد على التقييم الانطباعي غير المقنن للطبيب النفسي، بل وفرت مقاييس رقمية ومعيارية تتيح مقارنة استجابات المتهم بعينات ضابطة مقننة إحصائياً تعكس بدقة متوسطات السكان العامة ومجموعات الجناة والضحايا.

جمع غودجونسون باقتدار استثنائي بين مسؤولياته الأكاديمية والبحثية الرفيعة وبين التواجد في قلب الميدان القضائي الحقيقي؛ فعمل مستشاراً علمياً وخبيراً محلفاً أمام المحاكم الجنائية العليا، ومحاكم الاستئناف، واللجان البرلمانية المتخصصة في إصلاح العدالة الجنائية في بريطانيا وعدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة. كرّس هذا التوازن الفريد مكانته كمرجعية دولية لا غنى عنها للبت في القضايا ذات البعد النفسي المعقد، حيث بات اسمه مرادفاً للنزاهة العلمية الصارمة والقدرة على كشف الأخطاء الإجرائية الفادحة التي قد تؤدي إلى إدانة الأبرياء بأحكام قاسية تصل أحياناً إلى السجن المؤبد أو الإعدام.

3. النظرية الثلاثية للاعترافات الكاذبة وتفكيك دوافعها النفسية

3.1 الاعترافات الكاذبة الطوعية: الدوافع المرضية والشخصية

في إطار مشروعه الفكري التأسيسي، صاغ غودجونسون تصنيفاً ثلاثياً شاملاً يُعد حتى يومنا هذا النموذج المرجعي الأهم في الأدبيات الجنائية لفهم ظاهرة الاعترافات الكاذبة وتفكيك جذورها النفسية. الفئة الأولى في هذا النموذج هي «الاعترافات الكاذبة الطوعية» (Voluntary False Confessions)، والتي يعرّفها بأنها الاعترافات التي يقدمها الأفراد بمحض إرادتهم الحرة دون أن يتعرضوا لأي ضغط نفسي أو استجواب قسري مباشر من قبل أجهزة إنفاذ القانون أو سلطات التحقيق.

تتعدد الدوافع الكامنة وراء هذا النمط الغريب ظاهرياً من السلوك البشري؛ إذ يحدد غودجونسون في مقدمتها الاضطرابات النفسية والسلوكية الجسيمة، كالرغبة المرضية الجامحة في الشهرة ولفت الأنظار، وهو ما يتجلى بوضوح لدى الأفراد المصابين باضطرابات الشخصية الهستيرية أو النرجسية الحادة، أو أولئك الذين يعانون من اضطرابات ذهانية كالفصام والضلالات البارانوية، حيث يدفعهم الانفصال عن الواقع إلى تبني جرائم ذائعة الصيت أثارت الرأي العام لإشباع وهم العظمة والظهور بمظهر الشخصية المحورية القوية في المشهد العام.

إلى جانب الدوافع النفسية الصريحة، يشير غودجونسون إلى محركات أخرى ترتبط بالعلاقات التبعية والروابط الأسرية؛ كأن يعترف شخص طواعية بجريمة قتل أو تهريب لحماية الجاني الحقيقي، كأحد الأبناء أو الشركاء العاطفيين، مدفوعاً بوازع الإيثار المشوه أو الخوف من سطوة الجاني الحقيقي في سياق علاقات السيطرة القهرية. كما رصد غودجونسون دافعاً شديد التعقيد يتمثل في «مشاعر الذنب اللاواعية» الناجمة عن أفعال أو خيالات غير أخلاقية سابقة؛ حيث يشعر الشخص المعتل بحاجة قهرية إلى تلقي العقاب والتكفير عن ذنوبه الدفينة، فيجد في الاعتراف بجريمة لم يرتكبها وسيلة مقبولة مجتمعياً لتحقيق هذا العقاب الذاتي والخلاص من العذاب الوجداني المؤرق.

3.2 الاعترافات الكاذبة القسرية-الامتثالية: ضغوط التحقيق والهروب الظرفي

تمثل الفئة الثانية في نظرية غودجونسون «الاعترافات الكاذبة القسرية-الامتثالية» (Coerced-Compliant False Confessions)، وهي النمط الأكثر شيوعاً في سياق الأخطاء القضائية الميدانية. في هذه الحالة، يكون المشتبه به على دراية تامة وكاملة في قرارة نفسه ببراءته وبأنه لم يرتكب الجريمة المنسوبة إليه على الإطلاق، إلا أنه يتنازل ويعترف بالذنب نتيجة خضوعه المباشر لضغوط التحقيق النفسية والجسدية القاسية المفروضة عليه داخل غرفة الاحتجاز والاستجواب المغلقة.

يقوم الدافع الجوهري وراء هذا الاعتراف على حسابات ظرفية براغماتية قصيرة الأجل؛ إذ يصل المشتبه به تحت وطأة الإنهاك، والحرمان من النوم، والتهديدات المبطنة بإنزال أشد العقوبات، والعزل المطول، إلى قناعة تامة بأن المخرج الفوري الوحيد لإنهاء هذا العذاب المستمر هو الاستسلام لمطالب المحققين ومنحهم الرواية التي يرغبون في سماعها. يتوهم المشتبه به في تلك اللحظة الحرجة أنه بمجرد اعترافه اللحظي، سيتمكن من مغادرة غرفة التحقيق المرهقة، والاتصال بمحامٍ، وتصحيح الموقف وإثبات براءته أمام القاضي لاحقاً دون إدراك حقيقي للمآلات الكارثية لهذا القرار.

يبرز غودجونسون هنا ظاهرة «المساومة الضمنية والتفضيل الزمني المشوه»، حيث يفضل العقل البشري تحت الضغط العصبي المفرط تحقيق مكسب فوري مؤقت (كالنوم، أو إنهاء التحقيق، أو تجنب الاعتداء الجسدي واللفظي) على تجنب خطر مستقبلي مؤجل ولكن جسيم (كالسجن المؤبد). وما يزيد الطين بلة هو التفاوت الحاد في موازين القوى داخل غرف التحقيق، حيث يفتقر المتهم في كثير من الأحيان إلى الوعي الإجرائي والقانوني، مما يجعله يعتقد خطأً أن المحكمة ستكتشف تهافت الاعتراف بمجرد تقديم الأدلة، ليكتشف بعد فوات الأوان أن اعترافه الموقع بخط يده قد تحول إلى صخرة صلدة حطمت كل فرص دفاعه عن براءته.

3.3 الاعترافات الكاذبة القسرية-المستوعبة داخلياً: تشويه الإدراك والذاكرة

تعد الفئة الثالثة، وهي «الاعترافات الكاذبة القسرية-المستوعبة داخلياً» (Coerced-Internalized False Confessions)، الظاهرة الأكثر إثارة للرعب النفسي والتحدي المعرفي في أبحاث غودجونسون. ففي هذا النمط، لا يكتفي المشتبه به بالإذعان الشكلي لضغوط المحققين مع الاحتفاظ بإيمانه الداخلي بالبراءة، بل ينتهي به الأمر إلى تصديق رواية المحققين والاعتقاد الجازم، بصورة مؤقتة أو دائمة، بأنه ارتكب الجريمة بالفعل، على الرغم من براءته التامة منها مادياً وواقعياً.

تنشأ هذه الحالة عبر آلية سيكولوجية معقدة يطلق عليها غودجونسون تفاعل «الإيحاء المنهجي التراكمي وتآكل الذاكرة الذاتية». تبدأ العملية عادة عندما يواجه المتهم بتأكيدات جازمة ومطلقة من المحققين حول ثبوت إدانته بالأدلة القاطعة (كالبصمات المزيفة أو شهود العيان الوهميين)، مقترنة بحالة من الإنهاك الذهني الحاد أو تشويش ناتج عن تعاطي الكحول أو الصدمات النفسية في توقيت وقوع الجريمة الأصلية. في ظل هذا الهجوم المعرفي، يبدأ المتهم في التشكيك في قدرته على تذكر ما حدث، متسائلاً: «إذا كانت الشرطة تمتلك كل هذه الأدلة، فربما قمت بالأمر خلال نوبة فقدان وعي أو أثناء النوم ولم أعد أذكر ذلك».

ينتقل المتهم بعد مرحلة التشكيك الذاتي إلى مرحلة «التخيل الإدراكي الموجه»، حيث يطلب منه المحققون محاولة تخيل الكيفية التي كان يمكن أن يرتكب بها الجريمة لو كان هو الفاعل. تؤدي عملية التخيل البصري النشط والمتكرر داخل غرف التحقيق المعزولة إلى إنتاج تفاصيل وهمية تمتزج تدريجياً مع بقايا الذاكرة الحقيقية للشخص؛ وتتحول هذه الصور المتخيلة عبر آلية «خطأ إسناد المصدر» (Source Monitoring Error) إلى ذكريات كاذبة حية يعتقد المشتبه به بصدق أنها استرجاع حقيقي للماضي، مما يدفعه إلى الاعتراف بفيض من التفاصيل الدقيقة والمشحونة عاطفياً، وهو ما يضلل جهات التحقيق والقضاة الذين يستبعدون تماماً أن يكون شخص بكامل قواه العقلية قادراً على اختلاق تفاصيل وجدانية مؤلمة عن فعل لم يرتكبه قط.

4. مقياس غودجونسون للإيحائية: الأسس السيكومترية والتطبيق الميداني

4.1 البنية النظرية والتصميم الإجرائي للمقياس (GSS 1 و GSS 2)

انطلاقاً من قناعته بأن تفكيك الاعترافات الباطلة يتطلب أداة قياس تجريبية منضبطة تخرج بالظاهرة من حيز التخمين التأويلي إلى نطاق القياس الإحصائي، طور غودجونسون في منتصف الثمانينيات «مقياس غودجونسون للإيحائية» بنسختيه المتكافئتين (Gudjonsson Suggestibility Scale – GSS 1 و GSS 2). صُمم هذا الاختبار السيكومتري الرائد لتقييم مدى قابلية الفرد للاستجابة للمعلومات المضللة في سياق الاستجواب الشرطي، وتحديد قدرته على مقاومة الضغوط السلبية الناتجة عن التغذية الراجعة من شخصيات السلطة.

يقوم التصميم الإجرائي للمقياس على بروتوكول تجريبي دقيق يبدأ بتلاوة قصة سردية قصيرة موحدة وذات مغزى اجتماعي على مسمع المفحوص، تتضمن تفاصيل محددة (مثل حادث سطو أو إنقاذ شخص) وتحتوي على 40 فكرة أو وحدة معلومة مستقلة. يُطلب من المفحوص أولاً استرجاع القصة شفوياً فور الاستماع إليها لقياس الاستدعاء المباشر (Immediate Recall)، ثم يُطلب منه بعد فاصل زمني محدد (عادة 50 دقيقة يُشغل فيها بمهام أخرى) استرجاع القصة مجدداً لتقييم الاستدعاء المؤجل (Delayed Recall) واستقرار الذاكرة الأصلية.

يعقب ذلك المرحلة الحرجة في الاختبار، حيث يُطرح على المفحوص 20 سؤالاً محدداً حول القصة، من بينها 15 سؤالاً إيحائياً مضللاً تتضمن افتراضات مسبقة غير صحيحة لا وجود لها في النص الأصلي (مثل السؤال: «هل كانت حقيبة السيدة التي سُرقت خضراء اللون؟» في حين أن النص لم يشر مطلقاً إلى لون الحقيبة). تُسجل كل إجابة يساير فيها المفحوص الإيحاء تحت مسمى مؤشر «الخضوع للإيحاء الأول» (Yield 1). تلي ذلك خطوة حاسمة تمثل ذروة المحاكاة التحقيقية؛ حيث يخاطب الفاحص المفحوص بلهجة حازمة وانتقادية قائلاً: «لقد ارتكبت عدداً من الأخطاء في إجاباتك السابقة، وسأعيد طرح الأسئلة عليك الآن مجدداً، وعليك أن تكون أكثر دقة هذه المرة». تُطرح الأسئلة العشرين بالكامل مرة ثانية؛ ليقيس المقياس مدى تغيير المفحوص لإجاباته السابقة تحت وطأة هذا النقد السلبي، وهو ما يعرف بمؤشر «التحول» (Shift)، فضلاً عن قياس «الخضوع للإيحاء الثاني» (Yield 2)، لتشكل هذه المؤشرات معاً درجة «الإيحائية الكلية» (Total Suggestibility).

4.2 الخصائص السيكومترية والموثوقية القياسية

حظي مقياسا GSS 1 و GSS 2 بأبحاث سيكومترية مكثفة على مدار عقود أثبتت تمتع الأداة بمستويات فائقة من الصدق والثبات الإحصائي عبر بيئات ثقافية وديموغرافية وقضائية متنوعة. أظهرت دراسات الاتساق الداخلي معاملات ألفا كرونباخ مرتفعة تراوحت بين 0.77 و 0.89 للأبعاد الفرعية والمقياس الكلي، في حين كشفت دراسات الثبات بطريقة إعادة التطبيق (Test-Retest Reliability) وتكافؤ الصورتين (Alternative-Form Reliability) عن درجات اتساق مرتفعة تجعل المقياس أداة موثوقة لا تتأثر بالتقلبات العارضة في الحالة المزاجية الآنية للمفحوص.

من الناحية النظرية والإحصائية، نجح غودجونسون في إثبات الصدق التمييزي للمقياس؛ حيث استطاع الفصل الرياضي الدقيق بين «الإيحائية الاستجوابية» (Interrogative Suggestibility) كبنية معرفية-تفاعلية تستلزم وجود استجواب رسمي وضغط سلطوي، وبين السمات العامة الأخرى كالتوافقية الاجتماعية (Agreeableness)، أو التنويم المغناطيسي الإيحائي التقليدي، أو حتى مستوى الذكاء العام المجرد. وعلى الرغم من وجود ارتباط عكسي ذي دلالة إحصائية بين مستوى الذكاء العام والقدرة على مقاومة الإيحاء، إلا أن المقياس أثبت أن هناك أفراداً يتمتعون بقدرات عقلية طبيعية أو متفوقة يظهرون درجات إيحائية مرتفعة جداً تحت وطأة الخوف والقلق والتغذية الراجعة السلبية من المحققين.

تم تقنين المقياس على عينات معيارية ضخمة شملت آلاف الأفراد من عامة السكان، وعينات متخصصة من نزلاء المؤسسات العقابية، ومتهمين جنائيين حقيقيين، وأشخاصاً يعانون من صعوبات التعلم أو اضطرابات نفسية مختلفة. مكنت هذه القواعد المعيارية المتينة الباحثين وخبراء المحاكم من تحديد الرتب المئينية بدقة متناهية لأي متهم يُفحص أمام القضاء، ومقارنة استجاباته بمجموعات المقارنة المناسبة، مما وفر أساساً إحصائياً صلباً يُعتد به في المحاكمات الجنائية المتقدمة لتقرير ما إذا كانت أقوال المتهم قد تأثرت بصورة غير مقبولة بأسلوب المحقق أم أنها تعكس إرادة واعية ومستقلة.

4.3 التطبيق العملي وتفسير الدرجات في ملفات التحقيق

يتطلب التطبيق الإكلينيكي والجنائي لمقياس غودجونسون للإيحائية مهارات سريرية متقدمة وحذراً أخلاقياً ومنهجياً صارماً عند ترجمة الدرجات الرقمية الخام إلى توصيفات نفسية مقدمة في تقارير الخبرة القضائية. يعتمد التفسير السريري على تحليل التفاعل المعقد بين درجات الخضوع الأولي للإيحاء (Yield 1) ودرجات التحول (Shift)؛ إذ يعكس ارتفاع درجة الخضوع للإيحاء ميلاً معرفياً لدى الشخص لقبول الفرضيات المضللة كحقائق نتيجة ضعف الذاكرة أو التردد الذهني، بينما يعكس ارتفاع درجة التحول هشاشة عاطفية شديدة أمام النقد وسرعة الاستسلام لسلطة المحقق ورغبته في تغيير أقواله فقط لإرضاء الطرف المستجوِب أو لتجنب غضبه.

عندما تُظهر النتائج وقوع درجات المتهم في الرتب المئينية العليا (مثل الشريحة المئينية الخامسة والتسعين فما فوق) في درجات الإيحائية الكلية مقارنة بعامة السكان أو مجتمع المتهمين، يفسر الخبير السريري ذلك بأن هذا الفرد يمتلك قابلية استثنائية وغير طبيعية لتبني سيناريوهات التحقيق الإيحائية وتعديل إفاداته في اتجاه ما يطلبه المحقق. وتكتسب هذه الدرجات أهمية مضاعفة عند مقارنتها بسجلات وتفريغات التحقيق المسجلة صوتياً ومرئياً؛ حيث يقوم الخبير النفسي بعملية «مطابقة سلوكية-سيكومترية» بين نوعية الأسئلة التي طرحها رجال الشرطة (هل كانت أسئلة مغلقة وإيحائية وضاغطة؟) وبين نمط استجابة المتهم خلال فحص الـ GSS.

مع ذلك، يؤكد غودجونسون دائماً على الحدود الأخلاقية والعلمية القاطعة لاستخدام المقياس؛ فالمقياس لا يجيب بصورة مطلقة أو قطعية على السؤال القانوني الحاسم: «هل كان هذا الاعتراف المحدد كاذباً أم صادقاً؟»، لأن الإجابة على هذا السؤال تقع ضمن الاختصاص الحصري لهيئة المحكمة وهيئة المحلفين. تنحصر وظيفة المقياس السريري في تقييم «الهشاشة السيكولوجية للمتهم وإمكانية تأثره بالإيحاء»، تاركاً للقاضي تقييم وزن الاعتراف في ضوء مجمل الأدلة المادية والقرائن المحيطة، محذراً في الوقت ذاته من إمكانية لجوء بعض المتهمين إلى التمارض أو محاولة تزييف الإجابات، وهي المسألة التي تستلزم استخدام مقاييس كشف التمارض والتحقق من مصداقية الاستجابة كجزء لا يتجزأ من بروتوكول التقييم الجنائي الشامل.

5. مقياس غودجونسون للامتثال: ديناميكيات الإذعان للسلطة

5.1 مفهوم الامتثال مقابل الإيحائية في التحليل النفسي

حرص غودجونسون في أبحاثه على التمييز المفاهيمي الدقيق بين ظاهرتين نفسيتين متداخلتين غالباً ما يخلط بينهما المحققون والقضاة: ظاهرة «الإيحائية» (Suggestibility) وظاهرة «الامتثال» (Compliance). فالإيحائية تنطوي في جوهرها على بعد معرفي-إدراكي؛ حيث يقبل الفرد المعلومات المضللة ويدمجها في بنيته المعرفية أو يغير موقفه نتيجة تصديقه الفعلي أو شكه في ذاكرته الخاصة. أما الامتثال، فيمثل بعداً سلوكياً صرفاً؛ حيث يذعن الفرد ظاهرياً لمطالب ورغبات شخص يمثل سلطة معينة أو يوافق على مقترحاته، على الرغم من إدراكه الكامل وبشكل لا لبس فيه في قرارة نفسه لخطأ تلك المطالب أو بطلان تلك الأقوال، وذلك فقط لتجنب صراع وشيك، أو لنيل رضا السلطة، أو للحصول على منفعة عاجلة كإنهاء الاحتجاز.

لتطوير أداة قياس مقننة لهذه السمة السلوكية، صمم غودجونسون «مقياس الامتثال» (Gudjonsson Compliance Scale – GCS)، وهو استبيان تقرير ذاتي يتألف من 20 عبارة ثنائية الإجابة (نعم/لا)، صيغت بعناية فائقة لتقييم ميل الفرد لإطاعة الأوامر، والنزوع نحو مسايرة الآخرين لتجنب المواجهة، والعجز عن قول كلمة «لا» لشخصيات السلطة حتى في المواقف التي تنتهك حقوقه الشخصية (مثل العبارات: «أجد صعوبة بالغة في مجادلة شخص يرتدي زياً رسمياً»، أو «أميل للموافقة على ما يقوله الآخرون لتجنب خلق المتاعب»).

ربط غودجونسون بين ارتفاع درجات مقياس الامتثال وأنماط محددة من سمات الشخصية، لا سيما الشخصية الاعتمادية (Dependent Personality) والشخصية التجنبية (Avoidant Personality). فالأفراد الذين يحصلون على درجات عالية في هذا المقياس يتميزون بقلق اجتماعي حاد، ورغبة ملحة في كسب قبول الآخرين، ونفور عميق من النزاعات، مما يجعلهم فريسة سهلة في بيئات الاستجواب الشرطي، حيث يفسرون صرامة المحقق وتشكيكه المستمر على أنه تهديد وجودي لا يمكن نزع فتيله إلا بتقديم التنازل النهائي والمطلق: الاعتراف بالتهمة الموجهة إليهم.

5.2 التفاعل بين الشخصية وسياق الاستجواب القسري

يوضح غودجونسون أن الامتثال ليس مجرد سمة شخصية مجردة وساكنة، بل هو استجابة ديناميكية تتفجر وتتضاعف بفعل تفاعلها مع السياق البيئي القاهر لغرف الاحتجاز والاستجواب. فالبيئة الشرطية صُممت تقليدياً بطريقة تكرس عزل المشتبه به وتجرده من كل مصادر الدعم الاجتماعي المعتادة؛ فالأبواب الموصدة، والحرمان من التواصل مع العائلة، والتحكم المطلق لرجال الشرطة في أبسط الاحتياجات البيولوجية (كالطعام والماء وقضاء الحاجة)، تخلق حالة نفسية من «العجز المكتسب» وتضع المتهم في موقع تبعية طفولية مطلقة تجاه المحققين.

في هذا المناخ المشحون بالسيطرة، تنشط النزعة الامتثالية لدى الأفراد المعرضين للخطر بمعدلات تفوق قدرة الفرد العادي على التصور. فالمشتبه به ذو النزوع الامتثالي المرتفع لا يحتاج إلى التعرض للضرب أو التعذيب البدني المباشر لكي يستسلم؛ بل يكفي أن يلوح المحقق بلهجة قاسية، أو يبدي خيبة أمله من «عناد» المتهم، أو يعرض عليه بصورة غير مباشرة فرصة العودة إلى منزله بمجرد توقيع إفادة سريعة. تتفوق هنا الرغبة العارمة في إنهاء الصراع اللحظي وإرضاء رجل السلطة القوي على أي تفكير عقلاني منطقي في العواقب الجنائية المدمرة المترتبة على ذلك الاعتراف.

قدم مقياس GCS للمحاكم الجنائية تفسيراً سيكولوجياً حاسماً للحالات المحيرة التي كان يعجز القضاة والمحلفون عن استيعابها: كيف يعترف شخص يتمتع بكامل قواه العقلية، وخالٍ من أعراض الذهان أو الإعاقة الفكرية الشديدة، بجريمة شنعاء لم يرتكبها في غياب أي أثر للتعذيب الجسدي؟ لقد أثبتت أبحاث غودجونسون أن الامتثال النفسي يمكن أن يكون بنفس قوة القسر المادي، وأن الهشاشة الشخصية أمام رموز السلطة كفيلة بانتزاع أقسى التنازلات من الإنسان وأكثرها إضراراً بمصيره وحريته.

6. متلازمة عدم الثقة بالذاكرة وتفكيك آليات التشكيك الذاتي

6.1 الإطار المفاهيمي للمتلازمة وطبيعتها التكوينية

من بين أعمق الإسهامات النظرية التي قدمها غودجونسون في التحليل النفسي المعرفي للشهادات الجنائية هو صياغته لمفهوم «متلازمة عدم الثقة بالذاكرة» (Memory Distrust Syndrome – MDS). يعرّف غودجونسون هذه المتلازمة بأنها حالة نفسية ومعرفية معقدة وشديدة الاضطراب، يفقد فيها الفرد تدريجياً الثقة في موثوقية ذكرياته الخاصة وأحداثه الماضية، ويصبح نتيجة لذلك معتمداً بصورة شبه كلية على المعلومات الخارجية، والتلميحات الإيحائية، والتأكيدات الصادرة عن جهات التحقيق لإعادة بناء ما يعتقد أنه حدث بالفعل.

تنشأ هذه المتلازمة عادة تحت وطأة مزيج قاتل من العوامل الداخلية والخارجية. تبدأ العوامل الداخلية بوجود ضعف حقيقي أو متصور في الذاكرة لدى المتهم؛ ربما بسبب كونه واقعاً تحت تأثير صدمة نفسية عنيفة، أو نتيجة لمعاناته من تشوش معرفي ناتج عن الإنهاك الجسدي، أو تعاطي المسكرات والمخدرات في وقت وقوع الحادثة، أو ببساطة كونه فرداً يعاني من مستويات متطرفة من القلق والتردد العصابي. عندما يدخل هذا الشخص إلى غرفة الاستجواب وهو يشعر مسبقاً بعدم اليقين التام بشأن التفاصيل الزمنية الدقيقة لما فعله في ليلة الحادث، يجد نفسه في مواجهة العامل الخارجي الحاسم: محققون مدربون يصرون بيقين مطلق وقاطع على أنه ارتكب الجريمة ولديهم أدلة علمية لا تدحض تثبت ذلك.

تتضافر هذه العناصر لتدخل المشتبه به في نفق الشك الذاتي المظلم؛ حيث يبدأ في افتراض أن ذاكرته هي التي خانته، وأن عجزه عن تذكر ارتكاب الجريمة ليس دليلاً على براءته، بل هو نتيجة لكبت نفسي لا واعٍ، أو انقطاع في الذاكرة (Blackout)، أو نوبة فصامية عابرة. وعند هذه النقطة، ينهار جدار الصد المعرفي للمتهم، ويتحول من الدفاع عن براءته إلى الاستسلام التام لفرضية المحقق، محاولاً بشتى الطرق استجداء أي معلومات من الأسئلة المطروحة لمساعدته على «تذكر» الجريمة التي لم تحدث قط في واقعه الحقيقي.

6.2 آليات زرع الذكريات الزائفة وإعادة بناء الأحداث

استند غودجونسون في تطوير نظريته حول متلازمة عدم الثقة بالذاكرة إلى الأبحاث الرائدة لعالمة النفس المعرفي الأمريكية إليزابيث لوفتوس حول قابلية الذاكرة البشرية للتطويع وإمكانية زرع ذكريات زائفة بالكامل. غير أن غودجونسون وسّع هذا الإطار ونقله من التجارب المختبرية الهادئة إلى الواقع المتفجر والمظلم لغرف التحقيق الجنائي؛ حيث تكون الرهانات حياة الإنسان وحريته وكرامته.

تتدرج آلية زرع الذاكرة الزائفة في الاستجواب عبر ثلاث مراحل رئيسية مترابطة صاغها غودجونسون بدقة:

  • مرحلة الشك المعرفي المبدئي: وفيها ينجح المحقق عبر أساليب التضليل والضغط وإظهار الأدلة الوهمية في تقويض ثقة المتهم في ذاكرته، وإقناعه بأن عجزه عن تذكر تفاصيل الجريمة نابع من عطب مؤقت في إدراكه الخاص وليس من عدم ارتكابه للفعل.
  • مرحلة التخيل الاستكشافي المكثف: يطلب المحقق من المتهم أن يغمض عينيه ويحاول «تخيل» كيف كان ليتصرف لو أنه كان في مسرح الجريمة، وكيف كان سيمسك بأداة القتل، وماذا كان سيشعر به. في هذه المرحلة، يبدأ الدماغ في معالجة هذه الصور الذهنية المتخيلة وتوليد روابط حسية وعاطفية جديدة حولها.
  • مرحلة إسناد الذاكرة والتصديق التام: بسبب الإرهاق الشديد وتلاشي الفواصل بين التخيل والواقع، يحدث خطأ قاتل في مراقبة المصدر؛ إذ يعجز العقل عن التمييز بين الصورة التي خلقها خياله تحت ضغط المحقق وبين الذكرى الحقيقية الناتجة عن تجربة حسية سابقة، فتتحول التفاصيل المتخيلة إلى «ذكرى زائفة مستقرة» يعتقد المتهم بيقين أنها حدثت بالفعل، ليبدأ في سردها بملء إرادته وبمشاعر ندم حقيقية تبهر المحققين وتخدع القضاة.

تثبت هذه العملية السيكولوجية المرعبة أن الذاكرة ليست شريط فيديو يسجل الأحداث بأمانة ويسترجعها عند الطلب، بل هي عملية إعادة بناء ديناميكية وقابلة للتشويه والاختراق المستمر. لقد أظهرت أبحاث غودجونسون أن الضغط النفسي الشديد والأسئلة الإيحائية المتكررة لا تغير فقط ما يقوله الإنسان، بل يمكنها أن تغير ما «يؤمن» به ويعتقده عن نفسه وتاريخه، وهو ما قاد إلى مآسٍ قضائية مدوية كشفت أعمال غودجونسون اللاحقة النقاب عن تفاصيلها المروعة.

7. التطبيقات القضائية: قضايا تاريخية وتصحيح أخطاء العدالة في بريطانيا

7.1 قضية غيلدفورد فور وتفكيك الاعترافات الملفقة

دخل غيسلي غودجونسون التاريخ القضائي والسياسي البريطاني من أوسع أبوابه من خلال دوره العلمي المحوري في إسقاط الإدانات الباطلة في واحدة من أشهر قضايا إجهاض العدالة في تاريخ المملكة المتحدة: قضية «غيلدفورد فور» (Guildford Four). تعود وقائع القضية إلى عام 1974، عندما فجّر الجيش الجمهوري الآيرلندي (IRA) حانتين في مدينة غيلدفورد، مما أسفر عن مقتل خمسة أشخاص وإصابة العشرات. تحت وطأة الضغط الشعبي والسياسي الهائل لإيجاد الجناة، ألقت الشرطة القبض على أربعة شبان آيرلنديين (جيرارد كونلون، وبول هيل، وباتريك ماغواير، وكارول ريتشاردسون) وحصلت منهم على اعترافات مكتوبة وموقعة أدت إلى الحكم عليهم بالسجن المؤبد عام 1975.

بعد سنوات طويلة من السجن وإصرار المتهمين على براءتهم، كُلّف غودجونسون في أواخر الثمانينيات بإجراء تقييم سيكولوجي جنائي شامل لحالة كارول ريتشاردسون، التي كانت فتاة مراهقة تعاني من اضطرابات نفسية وتعتمد على المهدئات وقت استجوابها. طبق غودجونسون مقاييسه السيكومترية المبتكرة (GSS)، وأجرى تحليلاً سريرياً وتاريخياً دقيقاً لظروف الاستجواب وسجلات الإفادات اليومية. أثبت غودجونسون بشكل قاطع أن ريتشاردسون كانت تتمتع بمستويات استثنائية من الهشاشة النفسية والقابلية للإيحاء والامتثال التام، وأنها تعرضت أثناء استجوابها لحرمان حاد من النوم مع أعراض انسحاب دوائي وضغط لفظي ونفسي منهجي جعل اعترافاتها نتاجاً مباشراً للاستلاب الذهني وليست دليلاً على اقتراف الجرم.

شكل تقرير غودجونسون النفسي زلزالاً معرفياً في قاعة محكمة الاستئناف البريطانية عام 1989؛ إذ فتح الباب لأول مرة في التاريخ القانوني لإسقاط حجية الاعترافات المكتوبة بالاستناد إلى تقييم نفسي علمي يثبت بطلان أهليتها الإرادية. ألغت المحكمة إدانات المتهمين الأربعة وأطلقت سراحهم بعد 15 عاماً من السجن الظالم، وأعلن القضاة رسمياً أن الأدلة النفسية المقننة التي قدمها غودجونسون أصبحت جزءاً لا يتجزأ من أدوات الفحص القضائي النزيه، مما دشن عصراً جديداً لعلم النفس الشرعي داخل المحاكم الإنجليزية.

7.2 قضية برمنغهام سيكس ومناهج التقييم الجنائي المبتكرة

لم يكد الرأي العام البريطاني يستفيق من صدمة قضية غيلدفورد حتى لمع اسم غودجونسون مجدداً في قضية تاريخية أخرى لا تقل مأساوية: قضية «برمنغهام سيكس» (Birmingham Six). ارتبطت هذه القضية بتفجير حانتين في مدينة برمنغهام عام 1974 راح ضحيتهما 21 قتيلاً وأكثر من 180 جريحاً. اعتقل ستة رجال من أصول آيرلندية، وأدينوا في العام التالي وحكم عليهم بـ 21 حكماً بالسجن المؤبد بناءً على مزيج من التحليلات الكيميائية الجنائية غير الدقيقة واعترافات انتُزعت منهم بعد أيام من الاحتجاز القاسي والضرب والتهديد بالكلاب البوليسية وإطلاق النار الصوري.

عندما أُعيد فتح ملف القضية أمام محكمة الاستئناف في عام 1991، استدعي غودجونسون لتقييم الإفادات والاعترافات المسجلة بحق المتهمين، لا سيما المتهمين الذين انهاروا وقدموا أقوالاً تدين أنفسهم وزملاءهم. وظف غودجونسون مناهجه الجنائية المبتكرة في تحليل التفاعل بين اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) والإنهاك العصبي الناتج عن الاعتداء الجسدي والتهديدات بالموت، وبين استجابات الإذعان والامتثال المطلق لرجال الشرطة.

أوضح غودجونسون في تقريره وشهادته المطولة أمام المحكمة أن المعاملة القاسية والمهينة تسببت في تحطيم المنظومة الدفاعية النفسية للمتهمين بالكامل، مما جعل قدرتهم على المقاومة الإدراكية شبه منعدمة ودفعهم إلى الامتثال القسري التام لإنقاذ حياتهم من بطش المحققين. أكدت المحكمة استناداً إلى أدلة غودجونسون وتفنيد الأدلة الكيميائية المضللة براءة المتهمين الستة وألغت إداناتهم بعد أن قضوا 16 عاماً خلف القضبان. واعتبرت هذه القضية بالذات المسمار الأخير في نعش النظام القديم للاستجواب في بريطانيا، وأثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن التعذيب النفسي والجسدي لا ينتج إلا الحقيقة المشوهة والعدالة العرجاء.

7.3 قضية ستيفان كيزكو ودور التخلف النمائي في الإدانة الباطلة

تمثل قضية ستيفان كيزكو (Stefan Kiszko) عام 1975 واحدة من أكثر القضايا المؤلمة والمفجعة في مسيرة غودجونسون المهنية، وهي القضية التي كشفت بوضوح العواقب الكارثية للجهل القضائي بالاضطرابات النمائية والعقلية البسيطة. اتُهم كيزكو، وهو شاب هادئ ومنعزل ووحيد لوالدته، بقتل تلميذة صغيرة تبلغ من العمر 11 عاماً تدعى ليزلي مولسيد في مقاطعة يوركشاير، وأدين بالسجن المؤبد عام 1976 بناءً على اعتراف مفصل وقّع عليه بنفسه داخل مركز الشرطة.

عندما تولى غودجونسون فحص كيزكو سريرياً بعد مرور 16 عاماً على سجنه، اكتشف حقائق مروعة: كان كيزكو يعاني من حالة نمائية-عقلية نادرة تمثلت في تأخر نضجه العاطفي والفكري الشديد، مع انخفاض ملحوظ في معدل الذكاء، وكان يتسم بنزوع مرضي واستثنائي لإرضاء الآخرين (Extreme Eagerness to Please) والامتثال لشخصيات السلطة لتجنب الصراع. طبق غودجونسون مقياسي الإيحائية والامتثال على كيزكو؛ فجاءت النتائج كأعلى الدرجات المسجلة في تاريخ الاختبار؛ حيث كان كيزكو على استعداد للموافقة على أي قصة تمليها عليه الشرطة لمجرد أن المحقق أخبره بلهجة ودودة: «إذا اعترفت بهذا الأمر يا ستيفان، فسوف نساعدك ونسمح لك بالعودة إلى والدتك وتناول الشاي في المنزل».

كشف غودجونسون كيف تلاعب المحققون ببراءة كيزكو الطفولية وسذاجته المعرفية الفادحة لانتزاع اعتراف كاذب مكتمل الأركان. والأدهى من ذلك أن الأدلة الطبية الشرعية الأصلية (فحص السائل المنوي الموجود على ملابس الضحية) كانت قد أثبتت أن الجاني الحقيقي يفرز حيوانات منوية طبيعية، في حين كان كيزكو يعاني من عقم طبيعي كامل وخالٍ تماماً من أي حيوانات منوية، وهي معلومة أخفتها الشرطة آنذاك لتأكيد إدانته بالاعتراف. في عام 1992، برأت محكمة الاستئناف ستيفان كيزكو بالكامل في مشهد درامي أبكى الحاضرين، واعتُبر تقرير غودجونسون في هذه القضية نقطة تحول تشريعية وإجرائية تاريخية فرضت على المنظومة القضائية ضرورة توفير حماية خاصة وحصانات إجرائية للأشخاص ذوي الإعاقات الذهنية والاضطرابات النمائية أثناء الاستجواب الجنائي.

8. قضية غودموندور وغيرفينور: كشف أكبر لغز جنائي في آيسلندا

8.1 خلفية القضية واختفاء الضحيتين في سبعينيات القرن العشرين

في عام 1974، اهتزت دولة آيسلندا الصغيرة والهادئة على وقع أكبر لغز جنائي في تاريخها الحديث، تمثل في اختفاء شابين في حادثتين منفصلتين لا رابط بينهما على الإطلاق: غودموندور إينارسون (18 عاماً)، الذي اختفى أثناء سيره في طريق ثلجي بعد ليلة قضاها في حانة، وغيرفينور إينارسون (32 عاماً)، الذي اختفى بالقرب من ميناء في بلدة هافنارفجوردور بعد مكالمة هاتفية غامضة. على الرغم من عمليات البحث الضخمة التي شارك فيها الجيش وخفر السواحل وآلاف المتطوعين، لم يتم العثور قط على أي جثة، أو مسرح جريمة، أو بقايا بشرية، أو أي دليل مادي يشير إلى وقوع جريمة قتل.

تحت وطأة الهستيريا الشعبية والضغط الإعلامي العارم والذعر الأخلاقي في مجتمع صغير لم يعتد على الجرائم المجهولة، شنت الشرطة الآيسلندية حملة اعتقالات واسعة استهدفت ستة شبان وشابات من ذوي السوابق البسيطة أو المنبوذين اجتماعياً (من بينهم إيرلا بولسدوتير وسافار كيسلانسون). تعرض هؤلاء المتهمون الستة لأطول فترة احتجاز وعزل انفرادي مطول سُجلت في تاريخ الديمقراطيات الغربية خارج إطار قضايا الإرهاب؛ إذ قبع بعضهم في زنازين انفرادية مظلمة وتحت الحراسة المشددة لمدد تراوحت بين 600 يوم وأكثر من سنتين كاملتين، مع حرمان حسي ممنهج، واعتداءات جسدية ولفظية، وتناول مستمر للمهدئات القوية التي كان يصفها أطباء السجن لتهدئتهم.

انتهت هذه المعاملة الوحشية بانهيار المتهمين الستة تدريجياً، وتقديمهم اعترافات تفصيلية متناقضة باقتراف جرائم قتل وتقطيع للجثث ودفنها في حقول الحمم البركانية المتجمدة. وفي عام 1980، أدانت المحكمة العليا في آيسلندا المتهمين الستة بالسجن لمدد طويلة بناءً على تلك الاعترافات فقط، ودون العثور على أي جثة أو أدلة مساندة، ليُغلق الملف ظاهرياً كأكبر وصمة عار في تاريخ القضاء الآيسلندي.

8.2 تدخل غودجونسون وتحليل الاعترافات بعد عقود

بعد أكثر من ثلاثة عقود على تلك المحاكمة المأساوية، وتحديداً في عام 2011، شكلت الحكومة الآيسلندية لجنة تحقيق رسمية مستقلة لإعادة فحص القضية برمتها في ضوء المطالبات المستمرة للمدانين والنشطاء بإعادة فتح الملف. اختير البروفيسور غيسلي غودجونسون رسمياً لقيادة الفريق العلمي المكلف بمراجعة وتقييم الآلاف من صفحات سجلات التحقيق، واليوميات الشخصية للمتهمين في السجن، والتسجيلات المكتوبة لجلسات الاستجواب التي تمت في السبعينيات.

قدم غودجونسون في تقريره التاريخي، الذي تجاوز 500 صفحة، تشريحاً سيكولوجياً جنائياً غير مسبوق للآليات التي أدت إلى انتزاع تلك الاعترافات. طبق غودجونسون نظريته التأسيسية حول «الاعترافات الكاذبة المستوعبة داخلياً» و«متلازمة عدم الثقة بالذاكرة» على ملفات المتهمين، مبيناً بالأدلة العلمية الدامغة أن العزل الانفرادي الوحشي المطول، مقترناً بالتشويش الدوائي والحرمان الحسي، دمر المنظومة الإدراكية للمتهمين بالكامل. كشف التحليل كيف أقنع المحققون المتهمين بالتدريج بأنهم ارتكبوا جرائم القتل ولكنهم نسوا ذلك، وكيف أن الذكريات المشتركة للمتهمين لم تكن سوى نتاج إيحاء منهجي وتغذية راجعة قسرية صاغتها الشرطة لربط إفادات المتهمين ببعضها البعض قسراً.

أوضح غودجونسون أن المتهمين أنفسهم بدأوا في مرحلة ما يشكون في سلامة عقولهم؛ لدرجة أن بعضهم كان يرجو المحققين إخباره بتفاصيل الجريمة لكي «يتذكرها» ويهدأ ضميره المعذب، كما وثقت مذكرات المتهمة إيرلا بولسدوتير التي كتبت في زنزانتها أنها لم تعد تدري ما إذا كانت ترى أحلاماً وكوابيس أم ذكريات حقيقية، لتتحول خيالاتها تحت التوجيه الشرطي إلى اعترافات رسمية بجرائم لم تحدث على أرض الواقع مطلقاً.

8.3 التبرئة التاريخية وإعادة كتابة التاريخ القضائي الآيسلندي

أحدث تقرير غودجونسون هزة غير مسبوقة في الأوساط السياسية والقضائية والاجتماعية في آيسلندا، وتصدرت نتائجه عناوين الصحف العالمية والوثائقيات الاستقصائية (مثل الفيلم الوثائقي الشهير Out of Thin Air). وبناءً على النتائج القطعية للتقرير والجهود القانونية اللاحقة، أمرت محكمة إعادة النظر القضائية بإعادة فتح المحاكمة برمتها أمام الهيئات القضائية العليا.

في سبتمبر 2018، أصدرت المحكمة العليا في آيسلندا حكمها التاريخي بإلغاء إدانات خمسة من المتهمين وتبرئتهم تبرئة كاملة ومطلقة من كافة تهم القتل (مع تبرئة المتهمة السادسة لاحقاً في محاكمة منفصلة)، معلنة أن الاعترافات التي بنيت عليها أحكام الإدانة عام 1980 كانت باطلة، ولا قيمة قانونية لها، وناتجة عن ضغوط استجوابية ومعاملة غير إنسانية شوهت الإدراك النفسي للمتهمين. واعتذرت الدولة الآيسلندية رسمياً للضحايا وعائلاتهم مع تقديم تعويضات مالية تاريخية.

مثلت هذه التبرئة انتصاراً شخصياً وعلمياً مذهلاً لغودجونسون في موطنه الأم؛ حيث بدأ مسيرته كشرطي في نفس الجهاز الأمني في السبعينيات، ليعود بعد أربعة عقود كعالم عالمي مرموق ويفكك أكبر لغز أمني شوه سمعة وطنه، معيداً كتابة التاريخ القضائي الآيسلندي وفارضاً إصلاحات جذرية شاملة في منظومة التحقيق والاحتجاز الشرطي جعلت آيسلندا اليوم واحدة من أكثر دول العالم صرامة في تطبيق الضمانات الحقوقية والنفسية للمشتبه بهم.

9. نماذج الاستجواب الأمني: من نموذج ريد إلى نموذج بيس (PEACE)

9.1 نقد أسلوب ريد والتقنيات الاستجوابية الاستفزازية

كرّس غودجونسون جزءاً كبيراً من أبحاثه النظرية والميدانية لنقد وتفكيك النماذج الاستجوابية الاتهامية التقليدية، وفي مقدمتها «أسلوب ريد» (Reid Technique)، وهو المنهج الاستجوابي الأكثر انتشاراً واستخداماً في الولايات المتحدة الأمريكية والعديد من الأجهزة الأمنية حول العالم منذ منتصف القرن العشرين. يرتكز نموذج ريد على افتراض مسبق وقطعي بأن الشخص المستجوب مذنب بالفعل، وأن الهدف الأوحد والنهائي من جلسة الاستجواب هو كسر إنكاره وانتزاع اعترافه الكامل بأي وسيلة نفسية ممكنة.

فصّل غودجونسون المخاطر السيكولوجية البالغة الكامنة في تكتيكات أسلوب ريد المكون من تسع خطوات، وقسمها إلى استراتيجيتين خطيرتين:

  • استراتيجيات التضخيم أو التعظيم (Maximization): وتتضمن مواجهة المتهم باتهامات جازمة، ومقاطعة أي محاولة منه للإنكار، وتهويل حجم الأدلة ضده، والادعاء كذباً بوجود بصمات أو شهود أو تسجيلات سرية لا وجود لها في الواقع، وتصوير موقفه بأنه ميؤوس منه تماماً، وهو ما يدفع المتهم نحو الهلع والاستسلام التام لفرضية العجز.
  • استراتيجيات التقليل أو التهوين (Minimization): وتتضمن التظاهر بالتعاطف الشديد مع المتهم، وتبرير جريمته أخلاقياً واجتماعياً (مثل القول: «أي شخص في مكانك كان سيفعل نفس الشيء»، أو «نعلم أنك لم تكن تقصد ذلك وكان مجرد حادث أو دفاع عن النفس»)، وتقديم وعود ضمنية ومضللة بأن الاعتراف بهذه الرواية المخففة سينقذه من العقوبات القاسية ويسهل الإفراج عنه.

أثبتت دراسات غودجونسون الميدانية والتجريبية أن أسلوب ريد هو «مصنع للاعترافات الكاذبة»؛ إذ إنه صُمم بطريقة تقوض تماماً قرينة البراءة وتسحق الإرادة الحرة للأفراد، لا سيما المستضعفين والهشين نفسياً، حيث يضعهم بين خيارين كلاهما مر: إما استمرار المواجهة العنيفة والمهينة والإنكار الذي لا يصدقه أحد، أو القبول بالرواية المخففة التي يمليها المحقق للهروب من الجحيم اللحظي لغرفة التحقيق، وهو ما يفسر النسبة الهائلة من الاعترافات الكاذبة المسجلة في القضايا التي طبقت هذا الأسلوب الاتهامي المعيب.

9.2 تطوير نموذج بيس (PEACE) القائم على التحقيق الاستقصائي

في أعقاب الفضائح القضائية المدوية التي كشفتها أبحاث غودجونسون في بريطانيا (كقضايا غيلدفورد وبرمنغهام وغيرها)، دعت السلطات البريطانية إلى إحداث ثورة هيكلية في فلسفة وعمل أجهزة الشرطة. كان غودجونسون عضواً استشارياً مركزياً ومحركاً علمياً رئيسياً في تطوير وتبني نموذج جديد كلياً للاستجواب في أوائل التسعينيات عُرف باسم نموذج «بيس» (PEACE Model)، والذي تبنته الشرطة البريطانية رسمياً عام 1992 قبل أن يُعمم في كندا وأستراليا ونيوزيلندا والنرويج ومعظم الدول المتقدمة.

يمثل نموذج PEACE تحولاً جذرياً في الفلسفة الأمنية؛ حيث استبدل مفهوم «الاستجواب» (Interrogation) بمفهوم «المقابلة الاستقصائية» (Investigative Interviewing)، متخلياً تماماً عن الهدف الاتهامي المتمثل في انتزاع الاعترافات، ليحل محله هدف البحث النزيه والمحايد عن الحقائق واكتشاف التناقضات وجمع المعلومات الشاملة دون أحكام مسبقة. يتشكل النموذج من خمس مراحل إجرائية يختصرها اسمه اللاتيني:

  • التخطيط والإعداد (Planning and Preparation): دراسة ملف القضية بعمق وتحديد أهداف المقابلة والأسئلة الأساسية وتحديد ما إذا كان المشتبه به يحتاج لدعم نفسي أو وجود مرافق مستقل.
  • الانخراط والتوضيح (Engage and Explain): بناء علاقة مهنية محترمة وإنسانية مع الشخص، وشرح حقوقه القانونية بوضوح تام، وتحديد قواعد الجلسة دون أي ترهيب أو ترغيب.
  • الحساب والرواية (Account, Clarification and Challenge): الاستماع لرواية المشتبه به الحرة دون مقاطعة، وطرح أسئلة مفتوحة وغير إيحائية (مثل: من، ماذا، أين، متى، كيف)، ثم مواجهته بالأدلة والتناقضات بصورة موضوعية وهادئة ودون إملاء سيناريوهات.
  • الإغلاق (Closure): إنهاء الجلسة بطريقة منظمة ومهنية، وتلخيص ما دار فيها للتأكد من دقة التسجيل، وإتاحة الفرصة للمفحوص لإضافة أي ملاحظات.
  • التقييم (Evaluation): مراجعة مخرجات المقابلة في ضوء الأدلة القائمة، وتقييم أداء المحقق الذاتي والتزامه بالقواعد الأخلاقية والمهنية.

أسهم غودجونسون بصورة مباشرة في تصميم البرامج التدريبية المرافقة لتطبيق هذا النموذج وتدريب كبار ضباط التحقيق في شرطة سكوتلاند يارد ومختلف المقاطعات البريطانية. أثبتت الدراسات التتبعية المستفيضة أن تطبيق نموذج PEACE أدى إلى انخفاض دراماتيكي وشبه كامل في حوادث انتزاع الاعترافات الكاذبة في بريطانيا، دون أن يؤثر ذلك سلباً على معدلات حل الجرائم وكشف الجناة الحقيقيين، مما رسخ هذا النموذج كمعيار دولي لإنسانية ونزاهة التحقيقات الجنائية المعاصرة.

10. حماية الفئات الهشة والاعتلالات النفسية في منظومة العدالة

10.1 المتهمون ذوو الإعاقات الذهنية والاضطرابات النمائية

كرّس غودجونسون جانباً كبيراً من أبحاثه الإكلينيكية لدراسة موقع الفئات الأكثر هشاشة وضعفاً في المجتمع داخل منظومة العدالة الجنائية؛ وفي مقدمتهم الأشخاص الذين يعانون من إعاقات ذهنية طفيفة أو متوسطة، والمصابون باضطرابات النمو العصبي كـ طيف التوحد (Autism Spectrum Disorders) واضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط (ADHD). كشفت أبحاثه الميدانية في مراكز الاحتجاز أن هذه الفئات تمثل نسبة مضاعفة وغير متناسبة بين نزلاء السجون، وغالباً ما تمر اعتلالاتهم دون أن يلحظها رجال الشرطة أو حتى المحامون غير المدربين.

أوضح غودجونسون أن المصابين بهذه الاضطرابات يواجهون صعوبات بنيوية ومعرفية بالغة أثناء خضوعهم للاستجواب الشرطي التقليدي؛ إذ يفتقرون إلى القدرة على معالجة الأسئلة المعقدة ذات التراكيب اللغوية المزدوجة، ويعجزون عن استيعاب التحذيرات القانونية المجردة وحقوقهم الدستورية كـ «حق الصمت» أو حق الاستعانة بمحامٍ، وغالباً ما يفسرون صمتهم بأنه تصرف سيء سيغضب الشرطة منهم. إضافة إلى ذلك، يعاني الأفراد المصابون بطيف التوحد من صعوبات حادة في قراءة النوايا الاجتماعية للآخرين والتواصل البصري، وهو ما يفسره المحققون الاتهاميون خطأً بأنه «لغة جسد تدل على الكذب والمراوغة»، مما يضاعف من شراسة التحقيق ضدهم ويدفعهم نحو الانهيار والاعتراف التجنبي.

دعا غودجونسون في أبحاثه وتقاريره الرسمية إلى ضرورة إخضاع جميع المشتبه بهم الذين يظهرون سلوكيات غير معتادة لتقييم سيكولوجي أولي وفوري قبل البدء في استجوابهم الرسمي، واستبعاد الأسئلة الإيحائية والمضللة تماماً عند التعامل معهم، معتبراً أن إدانة شخص غير مكتمل الأهلية المعرفية بناءً على اعتراف انتُزع من خلال استغلال هشاشته النمائية تمثل انتهاكاً صارخاً لجوهر العدالة وحقوق الإنسان الأساسية.

10.2 دور البالغ المناسب (Appropriate Adult) والضمانات الإجرائية

كان للأبحاث التي قادها غودجونسون في الثمانينيات دور حاسم في صياغة وتفعيل الضمانات القانونية المنصوص عليها في التشريع البريطاني التاريخي المعروف بـ «قانون الشرطة والأدلة الجنائية لعام 1984» (Police and Criminal Evidence Act 1984 – PACE). وضع هذا القانون ومدونات السلوك التابعة له إطاراً قانونياً صارماً حظر الممارسات القسرية، وفرض التسجيل الصوتي والمرئي الإلزامي لجميع جلسات التحقيق داخل مراكز الشرطة لحماية المحتجزين وتوثيق ممارسات المحققين بدقة.

من بين أهم الآليات الإجرائية التي عززها قانون PACE وكرّس غودجونسون أبحاثه لدراستها وتطويرها هو نظام «البالغ المناسب» (Appropriate Adult). بموجب هذا النظام، يُحظر على الشرطة استجواب أي مشتبه به قاصر (دون سن 18 عاماً) أو أي شخص بالغ يُشتبه في معاناته من إعاقة ذهنية، أو اضطراب نفسي، أو صعوبات تعلم، إلا بحضور مرافق مستقل ومدرب يُعرف بـ «البالغ المناسب» (قد يكون أحد الوالدين، أو أخصائياً اجتماعياً، أو متطوعاً مؤهلاً).

حدد غودجونسون وظيفة البالغ المناسب في ثلاث ركائز أساسية:

  1. حماية حقوق المشتبه به الضعيف والتأكد من فهمه الكامل للتحذيرات القانونية وإجراءات التحقيق.
  2. تسهيل التواصل اللغوي والمعرفي بين المحقق والمشتبه به ومنع طرح الأسئلة المعقدة أو المضللة أو الإيحائية.
  3. مراقبة نزاهة المقابلة والتدخل الفوري لإيقاف الجلسة إذا تبين أن المحقق يمارس ضغوطاً غير مقبولة أو أن المتهم يعاني من إرهاق وتدهور نفسي يحول دون استمراره.

أجرى غودجونسون دراسات تقييمية مقارنة واسعة حول فعالية هذا النظام على أرض الواقع، كاشفاً عن ثغرات ميدانية تمثلت أحياناً في سلبية بعض المرافقين أو نقص تدريبهم، مما دفع وزارة الداخلية البريطانية إلى تبني توصياته الرامية إلى فرض معايير تدريب إلزامية واحترافية للممارسين العاملين في هذه الخدمة الضامنة لنزاهة العدالة الجنائية.

11. المؤلفات العلمية والإنتاج الفكري لغودجونسون

11.1 كتاب ‘سيكولوجية الاستجوابات والاعترافات’ ومكانته المرجعية

في عام 1992، أصدر غيسلي غودجونسون كتابه التأسيسي الضخم المعنون «سيكولوجية الاستجوابات والاعترافات والشهادات» (The Psychology of Interrogations, Confessions and Testimony)، والذي أعاد نشره وتوسيعه في طبعة ثانية مرجعية عام 2003 بعنوان «سيكولوجية الاستجوابات والاعترافات: دليل للباحثين والممارسين» (The Psychology of Interrogations and Confessions: A Handbook). سرعان ما احتل هذا المؤلف مكانة علمية استثنائية وبات يُعرف في الأوساط القانونية والأكاديمية العالمية باسم «إنجيل علم النفس الشرعي» في قضايا الاعترافات.

تميز الكتاب بدمج عبقري وفريد لم يسبقه إليه أحد بين ثلاثة مجالات معرفية كانت تعمل في جزر منعزلة: النظريات الأكاديمية السيكومترية والمعرفية حول الذاكرة والإيحاء، والخبرة الإكلينيكية والسريرية المباشرة في تشخيص وعلاج الاضطرابات النفسية، والتحليل المجهري للوقائع الجنائية وأحكام المحاكم البريطانية والأمريكية الكبرى. استعرض غودجونسون في كتابه النماذج النظرية للاستجواب، وفصّل الأسس الإحصائية لتطوير مقاييسه (GSS و GCS)، وقدم دليلاً شاملاً للمحامين والقضاة والأطباء النفسيين حول كيفية تقييم مصداقية الاعترافات واكتشاف التلاعب والخلل الإجرائي في السجلات الجنائية.

كان للكتاب تأثير بنيوي عميق تجاوز الأوساط الأكاديمية؛ إذ أصبح المرجع التعليمي الإلزامي في أكاديميات تدريب الشرطة في دول الكومنولث وأوروبا، وأسهمت نصوصه وتحليلاته في صياغة السوابق القضائية في محاكم الاستئناف والمحاكم العليا في إنجلترا، وإسكتلندا، وكندا، وأيرلندا، والولايات المتحدة. واعتبرته الجمعية الأمريكية لعلم النفس والجمعية البريطانية لعلم النفس واحداً من أكثر الكتب تأثيراً في السياسات التشريعية والعدلية في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث وفر الأساس العلمي المتين الذي حرم غرف التحقيق من العمل كفضاءات مغلقة محصنة ضد المساءلة السيكولوجية والرقابة الموضوعية.

11.2 الأوراق البحثية في المجلات المحكمة وتدريب الأجيال الجديدة

إلى جانب مؤلفاته المرجعية، يمتلك غودجونسون رصيداً فكرياً وبحثياً استثنائياً يتجاوز 300 ورقة بحثية ودراسة محكمة نُشرت في أرقى الدوريات العالمية المتخصصة، مثل Journal of Forensic Psychiatry and Psychology، وBritish Journal of Clinical Psychology، وLaw and Human Behavior. تناولت أبحاثه مروحة واسعة من القضايا الجنائية؛ شملت دراسات نقدية حول موثوقية اختبارات كشف الكذب (بوليغراف)، وفحص استجابات الذاكرة الكاذبة، وتشريح سلوكيات شهود العيان، ودراسة الخصائص النفسية للمجرمين العنيفين، وصولاً إلى استكشاف الهشاشة النفسية الخاصة بالأطفال والشهود من ضحايا الصدمات والعنف الأسري.

أسس غودجونسون من خلال عمله الأكاديمي الطويل في كلية كينجز بلندن مدرسة بحثية قائمة بذاتها، أشرف من خلالها على عشرات من أطروحات الدكتوراه والماجستير لباحثين غدوا اليوم قادة ورواداً في حقول علم النفس القضائي والعدلي في شتى أنحاء العالم. قاد غودجونسون فرَق عمل بحثية مشتركة عبر القارات، وسعى باستمرار إلى نقل أدوات القياس السيكومتري التي ابتكرها إلى لغات وثقافات أخرى، فتمت ترجمة وتقنين مقياسي GSS و GCS إلى أكثر من 15 لغة عالمية، ليتحولا إلى معايير دولية تطبق في أبحاث القضاء المقارن من أمريكا اللاتينية إلى شرق آسيا.

لم يتوقف عطاء غودجونسون الفكري عند حدود المختبر والجامعة، بل شارك في مئات ورش العمل والبرامج التدريبية الموجهة لأعضاء السلك القضائي؛ من قضاة، وممثلي ادعاء عام، ومحامي دفاع، وضباط تحريات كبار، معتبراً أن المعرفة العلمية تفقد قيمتها إذا لم تترجم إلى وعي عملي وثقافة قضائية لدى صناع القرار الجنائي، وهو ما جعله أحد أكثر الشخصيات الأكاديمية حضوراً وتأثيراً في تطوير منظومة التدريب القضائي على مستوى العالم بأسره.

12. التقدير والتكريم والإرث المستمر في علم النفس الشرعي

12.1 التكريمات الملكية والدولية ومكانته العلمية الراهنة

تتويجاً لمسيرته العلمية الخالدة وخدماته الجليلة لتطوير منظومة العدالة الجنائية وحماية حقوق الإنسان، حظي البروفيسور غيسلي غودجونسون بتكريمات رفيعة على أعلى المستويات الوطنية والدولية. ففي عام 2011، منحته الملكة إليزابيث الثانية رتبة قائد في وسام الإمبراطورية البريطانية (CBE – Commander of the Order of the British Empire)، وهو أحد أرفع الأوسمة الملكية البريطانية، وذلك تقديراً رسمياً لإسهاماته الرائدة في إصلاح النظم القضائية السريرية وتصحيح مسارات العدالة الجنائية في المملكة المتحدة.

كما نال غودجونسون في موطنه الأصلي آيسلندا أعلى تكريم مدني تمنحه الدولة؛ حيث قلده رئيس جمهورية آيسلندا «وسام الصقر» (Order of the Falcon) برتبة فارس وقائد، تقديراً لخدماته العلمية العالمية ولإسهامه التاريخي في فك طلاسم أكبر قضية جنائية في تاريخ البلاد وتبرئة مواطنيه المظلومين. وحصل على العديد من الجوائز التقديرية لإنجاز العمر من الجمعية البريطانية لعلم النفس (BPS) والأكاديمية الأمريكية لعلم النفس والطب الشرعي، ونال درجات الدكتوراه الفخرية من عدد من كبريات الجامعات الأوروبية تقديراً لإنتاجه المعرفي الغزير.

على الرغم من بلوغه سن التقاعد وتجاوزه العقد السابع من عمره، يواصل غودجونسون حضوره الأكاديمي والمهني النشط بصفته أستاذاً فخرياً (Professor Emeritus) في معهد الطب النفسي وعلم النفس والعلوم العصبية بكلية كينجز بلندن، وأستاذاً زائراً في جامعة ريكيافيك. ولا يزال يُستدعى بانتظام لتقديم استشارات خبرة دولية نوعية أمام المحاكم الجنائية الدولية ومحاكم الاستئناف الكبرى في قضايا الجرائم المعقدة، ويواصل إلقاء المحاضرات الافتتاحية في المؤتمرات الدولية، محتفظاً بموقعه كأبرز مرجع حي وعالم لا نظير له في سيكولوجية الاستجواب والاعتراف القضائي.

12.2 الآفاق المستقبلية للأبحاث المستندة إلى أعماله

يواجه الإرث العلمي للبروفيسور غودجونسون في العصر الراهن تحديات جديدة وآفاقاً متسارعة تفرضها التحولات التكنولوجية وتطورات علم النفس المعرفي والذكاء الاصطناعي. فمع ظهور تقنيات التحقيق الرقمي، وتحليل البيانات الضخمة، واستخدام أدوات المراقبة البيومترية وأنظمة الذكاء الاصطناعي لمحاكاة المشتبه بهم وكشف الخداع، تبرز تحذيرات متزايدة تستند مباشرة إلى مبادئ غودجونسون؛ محذرة من أن هذه الأنظمة المؤتمتة قد تعيد إنتاج الانحيازات الاتهامية القديمة وتخلق أشكالاً جديدة ومعقدة من الضغوط الإيحائية الموجهة للمستجوبين عبر الشاشات والخوارزميات.

تستمر أبحاث الجيل الجديد من علماء النفس الشرعي في البناء على نماذج غودجونسون السيكومترية لاستكشاف كيفية تطبيقها على تحديات معاصرة كبرى؛ مثل استجواب المشتبه بهم في قضايا التطرف الفكري والإرهاب الدولي، وكيفية التعامل مع الضحايا والشهود المهاجرين الذين يواجهون حواجز لغوية وثقافية تجعلهم عرضة لمستويات مضاعفة من الامتثال والخضوع لسلطة أجهزة الهجرة والأمن، فضلاً عن دراسة تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والتشهير الرقمي في خلق متلازمات جديدة لعدم الثقة بالذاكرة والتأثر بالروايات الجمعية الموجهة.

إن الإرث الخالد الذي تركه غيسلي غودجونسون يتجاوز تطوير المقاييس السيكولوجية أو نشر المقالات المحكمة؛ إنه يتمثل في «الثورة الأخلاقية والمعرفية» التي أحدثها داخل عقل المنظومة القضائية ذاتها. لقد حطم غودجونسون إلى الأبد الوهم الساذج القائل بأن «البريء لا يمكن أن يعترف على نفسه أبداً»، وأرسى حقيقة علمية راسخة مفادها أن العقل البشري، تحت ظروف محددة من الضغط والعزل والهشاشة، هش وقابل للانكسار بصورة تدعو إلى الشفقة والاحتراس الشديد. وبفضل أعمال هذا العالم الفذ، أصبحت غرف التحقيق في العالم المعاصر مكاناً أكثر إنسانية، والمحاكم أكثر عدلاً، وبات للمستضعفين والمنبوذين درع علمي رصين يحميهم من السقوط في هاوية الإدانات الباطلة دفاعاً عن الحقيقة والكرامة الإنسانية.

الخاتمة

لقد أعاد البروفيسور غيسلي غودجونسون تشكيل ملامح العدالة الجنائية وعلم النفس القضائي على مدار نصف قرن من العطاء الأكاديمي والميداني الاستثنائي. فمن خلال انطلاقه من واقعه الشرطي العملي في آيسلندا وتوظيفه لأرقى مناهج البحث السريري والتجريبي في المملكة المتحدة، نجح في تفكيك ظاهرة الاعترافات الكاذبة، كاشفاً عن الآليات السيكولوجية الدقيقة التي تقود الإنسان إلى التخلي عن حريته تحت وطأة الضغط الإيحائي والامتثال لسلطة المحققين ومتلازمة عدم الثقة بالذاكرة.

إن مقاييس غودجونسون للإيحائية والامتثال، ونقده الحاسم لنماذج الاستجواب الاتهامية القسرية، ومساهمته الفعالة في تأسيس نموذج المقابلة الاستقصائية (PEACE) والضمانات الإجرائية لحماية الفئات الهشة، لم تنقذ فقط عشرات الأبرياء من غياهب السجون المؤبدة في قضايا تاريخية كبرى، بل شكلت منظومة حماية دائمة وحصناً منيعاً يذود عن حقوق المتهمين ويضمن نزاهة النظم القانونية. سيبقى اسم غيسلي غودجونسون محفوراً في تاريخ العلوم الإنسانية كأيقونة علمية وقضائية استطاعت تسخير صرامة المنهج النفسي السيكومتري لخدمة قضية العدالة المطلقة وحماية جوهر الكرامة الإنسانية.

المراجع

  • Gudjonsson, G. H. (1984). A new scale of interrogative suggestibility. Personality and Individual Differences, 5(3), 303–314. https://doi.org/10.1016/0191-8869(84)90069-2
  • Gudjonsson, G. H. (1989). Compliance in an interrogative situation: A new scale. Personality and Individual Differences, 10(5), 535–540. https://doi.org/10.1016/0191-8869(89)90035-4
  • Gudjonsson, G. H. (1992). The Psychology of Interrogations, Confessions and Testimony. John Wiley & Sons.
  • Gudjonsson, G. H. (2003). The Psychology of Interrogations and Confessions: A Handbook. John Wiley & Sons. https://doi.org/10.1002/9780470713617
  • Gudjonsson, G. H. (2018). The Psychology of False Confessions: Forty Years of Science and Practice. John Wiley & Sons. https://doi.org/10.1002/9781119315698
  • Gudjonsson, G. H., & Clark, N. K. (1986). Suggestibility in police interrogation: A social psychological model. Social Behaviour, 1(2), 83–104.
  • Kassin, S. M., & Gudjonsson, G. H. (2004). The psychology of confessions: A review of the literature and issues. Psychological Science in the Public Interest, 5(2), 33–67. https://doi.org/10.1111/j.1529-1006.2004.00016.x
  • Loftus, E. F. (2005). Planting misinformation in the human mind: A 30-year investigation of the malleability of memory. Learning & Memory, 12(4), 361–366. https://doi.org/10.1101/lm.94705
  • Milne, R., & Bull, R. (1999). Investigative Interviewing: Psychology and Practice. John Wiley & Sons.
  • Sigurdsson, J. F., & Gudjonsson, G. H. (1996). The psychological characteristics of ‘false confessors’: A study among Icelandic prisoners and juvenile offenders. Personality and Individual Differences, 20(3), 321–329. https://doi.org/10.1016/0191-8869(95)00185-0
★

تقييم هذا المحتوى

5.0 / 5 • 7 تقييمات