هيزل روز ماركوس – 1949 الحاضر

هيزل روز ماركوس (Hazel Rose Markus)

  • مارس 1949، كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأمريكية – حتى الآن
  • أمريكية
  • علم النفس المعرفي، علم النفس الثقافي
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 9 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 9 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

أبرز الإسهامات

  • نظرية مخطط الذات (Self-Schema)
  • مفهوم الذوات الممكنة (Possible Selves)
  • تأسيس علم النفس الثقافي الحديث
  • التمييز بين الذات المستقلة والذات المترابطة

السيرة

تمثل مسيرة عالمة النفس الأمريكية الرائدة هيزل روز ماركوس (Hazel Rose Markus) إحدى أبرز المحطات التحولية في تاريخ العلوم السلوكية والاجتماعية المعاصرة. فمنذ الربع الأخير من القرن العشرين، انبرت ماركوس لتفكيك المسلمات الكلاسيكية لعلم النفس الغربي، الذي تعامل طويلاً مع “النفس البشرية” بوصفها كياناً مجرداً، مستقلاً، وثابتاً يتجاوز حدود الجغرافيا والثقافة والطبقة الاجتماعية. ومن خلال مشروع علمي متكامل امتد لأكثر من أربعة عقود، نجحت ماركوس في إعادة موضعة الذات الإنسانية داخل سياقها الحيوي، مبرهنة على أن البناء النفسي للفرد لا يمكن فصله عن البيئة الرمزية والمادية والاجتماعية التي يتنفس في فضائها ويصنع من خلالها معناه الوجودي.

تجلت العبقرية البحثية لماركوس في قدرتها الفائقة على التجسير بين التيارات الفكرية المتباينة؛ إذ استطاعت في بداياتها أن توظف منجزات “الثورة المعرفية” لصياغة نظرية متماسكة حول مخطط الذات (Self-Schema)، كاشفة عن الآليات الإدراكية التي يعالج بها الإنسان المعلومات الخاصة بكيانه الشخصي. ولم تلبث أن وسعت هذا الأفق عبر مفهوم الذوات الممكنة (Possible Selves) بالتعاون مع باولا نوريوس، لتربط البنى الإدراكية بالدوافع المستقبلية والانفعالات الحية. غير أن إسهامها الأكثر ثورية وإشعاعاً تمثل في تأسيسها لعلم النفس الثقافي الحديث بالشراكة مع عالم النفس الياباني شينوبو كيتاياما، حيث صاغا معاً في ورقتهما المفصلية عام 1991 التمييز الجوهري بين “الذات المستقلة” و”الذات المترابطة”، وهو التمييز الذي زلزل أركان علم النفس المعرفي والاجتماعي وأعاد رسم خارطة الفكر الإنساني حول العالم.

يمتد هذا الإرث الفكري الثري ليتجاوز أروقة التنظير الأكاديمي المجرد نحو الاشتباك الميداني مع قضايا العدالة الاجتماعية، والطبقة الاقتصادية، والنوع الاجتماعي، وإصلاح منظومات العدالة الجنائية والتعليم من خلال مبادرات ريادية مثل مركز SPARQ في جامعة ستانفورد. يسعى هذا المقال الاستقصائي الشامل إلى تقديم قراءة معمقة وتحليلية لمسيرة هيزل روز ماركوس الفكرية والمنهجية منذ ولادتها عام 1949 وحتى الوقت الحاضر، متتبعاً تطور مفاهيمها التأسيسية، ونماذجها التفسيرية، وتأثيراتها الإبستمولوجية التي غيرت بشكل جذري ومستدام كيفية فهمنا لما يعنيه أن يكون المرء “إنساناً”.

1. المقدمة والنشأة الأكاديمية لهيزل روز ماركوس

1.1 الخلفية الاجتماعية والتعليمية المبكرة

ولدت هيزل روز ماركوس في مارس من عام 1949 في ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية، ونشأت في حقبة تاريخية وسياسية اتسمت بالتحولات الجذرية والاضطرابات الاجتماعية العميقة التي شهدها المجتمع الأمريكي في عقدي الخمسينيات والستينيات. كانت هذه المرحلة مفعمة بأسئلة الهوية والحقوق المدنية وصعود الحركات النسوية وتصاعد النقاشات حول العدالة الاجتماعية، وهي مناخات أسهمت في تشكيل الوعي المبكر للشابة ماركوس وتوجيه بوصلتها الفكرية نحو استكشاف التفاعل الحي والمعقد بين تجارب الفرد الذاتية والبيئة المحيطة به.

التحقت ماركوس بـ جامعة ولاية كاليفورنيا في سان دييغو (San Diego State University)، وهناك تلقت تعليمها الجامعي الأول وحصلت على درجة البكالوريوس في علم النفس عام 1971. تميزت مرحلتها الجامعية الأولى بالانفتاح على التنوع البشري والملاحظة الفاحصة للسلوكيات اليومية، حيث تبلور شغفها الأصيل بعلم النفس الاجتماعي بوصفه الميدان الأقدر على تفسير كيفية تأثر التفكير والمشاعر والسلوك البشري بالحضور الفعلي أو المتخيل للآخرين. كانت تلك البيئة الأكاديمية خصبة بما يكفي لتحفيز رغبتها في تجاوز التفسيرات السلوكية الآلية التي سادت منتصف القرن، والبحث بدلاً من ذلك عن نماذج تأخذ في الحسبان فاعلية الفرد وإدراكه النشط لعالمه الاجتماعي.

خلال تلك السنوات التأسيسية، بدا واضحاً لماركوس أن النظريات النفسية السائدة آنذاك تفتقر إلى فهم ديناميكي للبنية الفردية في اتصالها بالبيئة الخارجية. إن التجربة الشخصية التي عاشتها في بيئة ساحل الغرب الأمريكي، الغنية بتنوعها الثقافي والاجتماعي، عمقت لديها الإحساس بأن الأفراد لا يستجيبون للمثيرات المحيطة كآلات صماء، بل يصنعون دلالات خاصة لتلك المثيرات استناداً إلى تجاربهم الحياتية ومنظوماتهم الإدراكية، مما مهد لانتقالها نحو دراسات عليا متقدمة تعيد صياغة هذا التفاعل بصورة تجريبية صارمة.

1.2 التكوين البحثي في جامعة ميشيغان

عقب إتمام دراستها الجامعية الأولى، توجهت ماركوس نحو واحدة من أعرق قلاع علم النفس الاجتماعي في العالم، وهي جامعة ميشيغان في آن أربور (University of Michigan, Ann Arbor)، للالتحاق ببرنامج الدكتوراه في علم النفس الاجتماعي. كانت ميشيغان في سبعينيات القرن العشرين مركزاً حيوياً لألمع العقول في هذا المجال، حيث تدربت ماركوس على يد رواد تاريخيين في العلوم السلوكية، من بينهم عالم النفس الشهير روبرت زايونس (Robert Zajonc) وإيوجين بورنشتاين وغيرهم من القامات البحثية المرموقة.

شهدت تلك الفترة صعود ما يُعرف بـ “الثورة المعرفية” (Cognitive Revolution) في علم النفس، وهي الثورة التي أطاحت بهيمنة النزعة السلوكية الراديكالية وأعادت الاعتبار للعمليات العقلية الداخلية والتمثيلات الذهنية. التقطت ماركوس هذا الزخم ببراعة فكرية نادرة؛ إذ رأت في الأدوات والأساليب المعرفية الوليدة فرصة تاريخية لإعادة استكشاف موضوع علم النفس الاجتماعي الأثير: “الذات”. كانت أطروحة الدكتوراه التي أنجزتها ماركوس بمثابة الاختراق النظري والمنهجي الأبرز، حيث ركزت على المعالجة المعرفية للمعلومات المتعلقة بالذات، مبرهنة على أن الذات ليست مفهوماً فلسفياً هلامياً، بل هي بنية معرفية نشطة وفاعلة تنظم الإدراك وتوجه السلوك اليومي.

توجت جهودها البحثية في ميشيغان بالحصول على درجة الدكتوراه عام 1975. وخلال سنوات دراستها، استطاعت دمج الدقة المنهجية لعلم النفس المعرفي التجريبي مع الحساسية الإنسانية والاجتماعية المتأصلة في علم النفس الاجتماعي. هذا التزاوج الفكري الاستثنائي منحها أدوات بحثية فريدة مكنتها من قياس العمليات الذاتية المعقدة تجريبياً عبر مقاييس أزمنة الاستجابة والاسترجاع التلقائي، وهو ما شكل حجر الزاوية لكل أبحاثها اللاحقة في مفهوم مخطط الذات.

1.3 المسيرة المهنية والانتقال إلى جامعة ستانفورد

بعد تخرجها، انضمت ماركوس إلى الهيئة التدريسية في جامعة ميشيغان، وتدرجت فيها حتى نالت درجة الأستاذية الكاملة. وفي أروقة ميشيغان، أسست مختبر أبحاث الذات الذي تحول بسرعة إلى خلية نحل بحثية استقطبت طلاب الدراسات العليا والباحثين من شتى بقاع الأرض. وهناك أنتجت ماركوس أبحاثها التأسيسية حول مخططات الذات والذوات الممكنة، وبدأت تعاونها التاريخي مع باحثين دوليين حول سيكولوجيا الثقافة.

في عام 1994، قامت ماركوس بخطوة أكاديمية فارقة بانتقالها إلى جامعة ستانفورد المرموقة في كاليفورنيا. وفي ستانفورد، تولت كرسي ديفيس-براك للعلوم السلوكية (Davis-Brack Professor of the Behavioral Sciences)، وهو من أرفع الكراسي الأكاديمية في الجامعة. أتاح هذا الانتقال لماركوس بيئة بحثية رائدة وتفاعلاً خلاقاً مع نخبة من علماء النفس والاجتماع والأنثروبولوجيا والقانون والعلوم العصبية، مما وسع آفاق مشاريعها العلمية لتشمل أبعاداً تطبيقية ومؤسسية واسعة النطاق.

لم يقتصر عمل ماركوس في ستانفورد على التدريس والبحث النظري، بل أسهمت بفاعلية في البناء المؤسسي متعدد التخصصات؛ حيث شاركت في تأسيس وإدارة مركز المقارنة بين الأعراق والإثنيات (Comparative Studies in Race and Ethnicity – CCSRE)، وعملت جاهدة على دمج العلوم النفسية في دراسة قضايا اللامساواة العرقية والطبقية. كما قادت مبادرات بحثية مشتركة أسست لمرحلة ناضجة من علم النفس الاجتماعي القائم على معالجة المشكلات المجتمعية الملحة، محولةً ستانفورد إلى البؤرة العالمية الأولى لتطوير علم النفس الثقافي والاجتماعي التطبيقي.

2. نظرية مخطط الذات: الأساس المعرفي لمفهوم الذات (1977)

2.1 صياغة المفهوم ونقض النظريات التقليدية

في عام 1977، نشرت هيزل روز ماركوس دراستها التاريخية المؤسسة في دورية مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي (Journal of Personality and Social Psychology) بعنوان: “مخططات الذات ومعالجة المعلومات المتعلقة بالذات” (Self-schemata and processing information about the self). جاءت هذه الورقة كزلزال معرفي في الحقل النفسي، حيث نقضت المقاربات التقليدية السائدة التي كانت تنظر إلى الشخصية ومفهوم الذات كحزمة من السمات الساكنة أو السمات الإحصائية الجامدة التي تقاس بالاختبارات المسحية المعيارية.

عرفت ماركوس مخطط الذات (Self-Schema) بأنه:

«تعميمات معرفية حول الذات، مشتقة من الخبرات والتجارب الماضية، تتولى تنظيم وتوجيه معالجة المعلومات المتصلة بالذات والواردة في التجارب الاجتماعية للشخص». (Markus, 1977)

لقد نقلت ماركوس مفهوم الذات من خانة “الكيان الكامن” إلى خانة “المنظومة المعرفية الإجرائية النشطة”. وفقاً لهذا النموذج، لا يمتلك الإنسان مفهوماً وحيداً وبسيطاً لذاته، بل يمتلك شبكة معقدة من المخططات المعرفية المتمايزة حول أبعاد شخصية بعينها، مثل الاستقلالية، أو الدفء الاجتماعي، أو الإنجاز، أو البنية البدنية والجسدية.

يتشكل مخطط الذات عندما يولي الفرد أهمية قصوى لبُعد سلوكي معين، ويرى أن هذا البُعد يصفه بدقة متناهية مقارنة بالآخرين. في المقابل، فإن الأفراد الذين لا يعتبرون هذا البُعد مهماً في تعريف ذواتهم يُطلق عليهم وصف “غير المخططين” (Aschematics) بالنسبة لهذا الجانب تحديداً. ومن هنا، فتحت الورقة الباب أمام فهم تعددي وديناميكي للبنية النفسية، يتفاعل فيه الإدراك البشري باستمرار مع مدخلات العالم الخارجي استناداً إلى تراكيب معرفية مسبقة التنظيم.

2.2 الآليات المعرفية لمخططات الذات

برهنت ماركوس تجريبياً على أن وجود مخطط ذات في مجال معين يمنح الفرد كفاءة إدراكية فائقة لمعالجة المعلومات المرتبطة بذلك المجال. فالفرد الذي يمتلك مخططاً لذاته يتسم بـ “الاستقلالية” (Schematic for Independence) يكون قادراً على اتخاذ قرارات خاطفة حول ما إذا كانت الصفات والكلمات الدالة على الاستقلال تنطبق عليه أم لا، مقارنة بالأفراد الذين يفتقرون إلى هذا المخطط، وهو ما ظهر جلياً في قياسات أزمنة الاستجابة المعرفية بالأجزاء من الألف من الثانية.

علاوة على ذلك، أظهرت الدراسات أن مخططات الذات تعمل كمرشحات انتباهية انتقائية (Selective Attentional Filters). فالأفراد يوجهون انتباههم بصورة تلقائية وشبه لاواعية نحو المثيرات المتوافقة مع مخططاتهم الذاتية، ويتذكرون الأحداث المرتبطة بها بدقة وسرعة أعلى بكثير. فعندما يُطلب من شخص مخطط لمفهوم الكرم تذكر مواقف من ماضيه أظهر فيها هذا السلوك، فإنه يسترجع مخزوناً هائلاً من الذكريات الشخصية والوقائع السلوكية التفصيلية بسلاسة لا يملكها الشخص غير المخطط.

كما تؤدي مخططات الذات وظيفة محورية في مقاومة التناقض المعرفي والحفاظ على استقرار الصورة الذاتية؛ إذ تمنح الفرد مناعة نفسية ضد المعلومات العكسية أو المناقضة. فعندما يُعرض على الشخص “المخطط” دليل أو تقييم سلبي يناقض تعميمه الذاتي المترسخ، فإنه يميل إلى دحض هذا الدليل فوراً وتصنيفه كاستثناء عابر أو خطأ في التقييم الخارجي. وبذلك، تشكل المخططات دروعاً إدراكية تحفظ تماسك الكيان النفسي في مواجهة التشويش الاجتماعي والضغوط البيئية المتغيرة.

2.3 التطبيقات والأثر التجريبي للنموذج

ابتكرت هيزل ماركوس بروتوكولات تجريبية صارمة لاختبار نموذج مخطط الذات، اعتمدت فيها على قياس زمن الرجع (Response Latency Paradigm) عبر شاشات العرض المحوسبة. في هذه التجارب، كان المشاركون يُصنفون مسبقاً بناءً على استبيانات دقيقة إلى “مخططين” و”غير مخططين” في أبعاد محددة. ثم عُرضت عليهم سمات وكلمات متنوعة طُلب منهم الحكم عليها بـ “أنا” أو “لست أنا” بأقصى سرعة ودقة ممكنتين. كشفت النتائج أن المخططين يصدرون أحكاماً أسرع بكثير عندما تكون الصفة متطابقة مع مخططهم، مما شكل برهاناً ساطعاً على الوجود المادي لتلك التراكيب المعرفية في الذاكرة طويلة المدى.

أتاح التمييز المنهجي الدقيق بين “المخططين” (Schematics) و”غير المخططين” (Aschematics) فهم الفروق الفردية في السلوك الاجتماعي بصورة غير مسبوقة. وقد اتضح أن الأفراد المخططين يمتلكون توقعات سلوكية واضحة ومحددة حول أفعالهم المستقبلية في مواقف التفاعل البشري، بينما يعاني غير المخططين من تذبذب في تقدير سلوكياتهم القادمة لعدم وجود مرجعية معرفية راسخة تحكم هذا البُعد.

تعدى أثر هذا النموذج المعرفي حدود إدراك الذات الفردية ليصل إلى كيفية إدراك الآخرين وتقييمهم اجتماعياً. فقد أظهرت أبحاث ماركوس أن مخططات الذات تُستخدم كمعايير مرجعية وأطر تفسيرية لتقييم سلوك الأفراد الآخرين والتنبؤ بردود أفعالهم؛ فالشخص المخطط لبُعد الصدق أو السيطرة يقيم الآخرين عبر هذا المنظار بالتحديد، مما يبرز كيف تصبح البنية المعرفية الداخلية للذات هي العدسة التي يُبصر عبرها الفرد نسيج المجتمع بأسره.

3. مفهوم الذوات الممكنة: الأبعاد المستقبلية والدافعية (1986)

3.1 التنظير المشترك مع بولا نوريوس

في عام 1986، أطلقت هيزل روز ماركوس بالاشتراك مع عالمة النفس والخدمة الاجتماعية باولا نوريوس (Paula Nurius) مفهوماً نظرياً ثورياً نشر في ورقة كلاسيكية بمجلة أمريكان سايكولوجيست (American Psychologist) تحت عنوان: “الذوات الممكنة” (Possible Selves). جاء هذا المفهوم ليملأ فجوة كبرى في علم النفس المعرفي؛ حيث كان مفهوم الذات محصوراً حتى ذلك الحين في دراسة التمثيل المعرفي للذات الحالية والماضية، مع إغفال تام لكيفية امتداد الذات في أفق المستقبل.

عرفت ماركوس ونوريوس الذوات الممكنة بأنها تمثيلات معرفية للأفراد حول ما يمكن أن يصبحوا عليه، وما يرغبون بشدة في تحقيقه، وما يخافون جداً من الانحدار إليه في المستقبل:

  • الذوات المأمولة (Hoped-for Selves): مثل الذات الناجحة أكاديمياً، أو الذات المحبوبة، أو الثرية.
  • الذوات المتوقعة (Expected Selves): وهي السيناريوهات المستقبلية الواقعية التي يرى الفرد احتمالية عالية لحدوثها.
  • الذوات المخيفة (Feared Selves): مثل الذات الفاشلة، أو الذات المنبوذة، أو العاجزة صحياً أو اقتصادياً.

يمثل مفهوم الذوات الممكنة حلقة الوصل البنيوية المفقودة بين الإدراك المعرفي المجرد والدافعية الإنسانية الحية. فمن خلال هذا التنظير، لم تعد الذات مجرد مستودع سلبي للخبرات المخزنة، بل تحولت إلى محرك توجيهي ديناميكي؛ إذ إن تخيل صور محددة للذات المستقبلية يولد شحنات انفعالية عميقة تدفع السلوك نحو الإنجاز أو تحفزه على التجنب والهروب، مما أضفى مسحة غائية وديناميكية أصيلة على سيكولوجيا الذات المعرفية.

3.2 أنماط الذوات الممكنة ودورها التنظيمي

أكدت ماركوس ونوريوس أن الذوات الممكنة تؤدي وظيفة تنظيمية حاسمة في توجيه السلوك اللحظي واليومي للفرد. فالأشخاص لا يسترشدون بأهداف عامة ومجردة مثل “تحقيق النجاح”، بل يستحضرون سيناريوهات حسية وتفصيلية لذواتهم المستقبلية في حالة النجاح أو الخسارة؛ هذه التمثيلات العيانية هي التي تمدهم بخطط العمل التكتيكية وتمنحهم طاقة الاستمرار في مواجهة المصاعب.

تكتسب الذوات الممكنة أهمية إضافية بوصفها سياقاً تقييمياً وتفسيرياً للحالة الراهنة للشخص. فالرضا عن الحياة وتقدير الذات لا يتحددان فقط بالمكانة الحالية للفرد، بل بمدى قربه أو بعده النسبي عن ذواته المأمولة وذواته المخيفة. فالإنسان الذي يشغل وظيفة متواضعة قد يشعر برضا غامر إذا كان يرى أن تلك الوظيفة تقربه خطوة نحو ذاته المأمولة (رجل أعمال ناجح)، في حين قد يشعر شخص يشغل منصباً مرموقاً بتعاسة بالغة إذا كان يرى أن هذا المنصب يبعده عن ذاته الممكنة الحقيقية أو يدفعه نحو ذات يخشاها.

كما بينت الأبحاث أهمية مبدأ “توازن الذوات الممكنة” (Balance of Possible Selves) لتعظيم الفاعلية الذاتية وتجنب مشاعر الإحباط والعجز. ويتحقق هذا التوازن عندما تتكامل الذات المأمولة في مجال معين مع ذات مقابلة مخيفة في نفس المجال؛ كأن يطمح الطالب إلى أن يصبح “طبيباً مرموقاً” وفي الوقت نفسه يخشى بشدة أن يصبح “شخصاً عاطلاً عن العمل وغير منتج”. هذا التوازن يخلق قوة دفع مزدوجة: دافعية الجذب نحو المرغوب ودافعية الدفع بعيداً عن المرهوب، مما يحفز استراتيجيات سلوكية عالية الكفاءة والتنظيم الذاتي.

3.3 التطبيقات الإكلينيكية والتربوية

سرعان ما وجدت نظرية الذوات الممكنة طريقها نحو التطبيقات الميدانية الواسعة، لا سيما في مجالي التربية وعلم النفس الإكلينيكي والعلاجي. في الفضاء التربوي، وظفت دراسات ماركوس وزملائها هذا المفهوم لتفسير التفاوت في التحصيل الأكاديمي لدى المراهقين والشباب، حيث أثبتت الدراسات أن الطلاب الذين يمتلكون ذواتاً ممكنة أكاديمية واضحة وملموسة وقابلة للتنفيذ يظهرون مستويات أعلى من الالتزام بالمذاكرة وحضور الفصول المدرسية، ويقاومون بصلابة مغريات الانحراف السلوكي.

أما على الصعيد الإكلينيكي وإعادة التأهيل النفسي، فقد استخدم مفهوم الذوات الممكنة كأداة تشخيصية وعلاجية عميقة في معالجة الاكتئاب والإدمان واضطرابات القلق. فالشخص المصاب بالاكتئاب يعاني غالباً من تآكل أو غياب تام للذوات الممكنة الإيجابية، ولا يرى في أفقه الزمني سوى ذوات مخيفة ومحطمة ومهزومة. وقد أسهمت برامج العلاج المعرفي المستندة إلى تنظير ماركوس في مساعدة المرضى على إعادة بناء وإنعاش ذواتهم المأمولة، وتفكيك الذوات المخيفة غير الواقعية، وتطوير جسور سلوكية مرحلية تصل الحاضر بالسيناريوهات المستقبلية المرجوة.

كما سلطت ماركوس الضوء على البُعد الاجتماعي للذوات الممكنة؛ فالفرص الاقتصادية والطبقية والتحيزات الهيكلية في المجتمع لا تحدد فقط الموارد المادية المتاحة للفرد، بل تتدخل بقسوة في صياغة خياله المستقبلي وتضييق نطاق ذواته الممكنة. فالأطفال والشباب في المجتمعات المهمشة قد يُحرمون من نماذج اجتماعية تلهمهم تكوين ذوات مأمولة متقدمة، وهو ما أطلق عليه لاحقاً مفهوم “فقر الذوات الممكنة”، الأمر الذي يبرز كيف تنعكس اللامساواة الهيكلية في أعماق البنية النفسية للإنسان.

4. التحول نحو علم النفس الثقافي وإعادة صياغة سيكولوجيا الذات

4.1 نقد النزعة الغربية والتمركز العرقي في علم النفس

مع نهاية عقد الثمانينيات، بدأت هيزل روز ماركوس في توجيه نقد إبستمولوجي راديكالي للأسس التي قام عليها علم النفس الأكاديمي لعقود طويلة. رصدت ماركوس أن جل النظريات السائدة في علم النفس، بدءاً من نظريات الإدراك ومروراً بالدافعية وانتهاءً بنظريات الشخصية والتطور الإنساني، قد بُنيت حصرياً على دراسات أُجريت على عينات مستخلصة من المجتمعات الغربية، الصناعية، المتعلمة، الثرية، والديمقراطية، وهي المجتمعات التي صُنفت لاحقاً بمجتمعات WEIRD (Western, Educated, Industrialized, Rich, Democratic).

شنت ماركوس هجوماً منهجياً على التمركز العرقي (Ethnocentrism) الذي اعتبر نموذج الإنسان الغربي معياراً كونياً للطبيعة البشرية المطلقة. كان الافتراض الضمني السائد يقضي بأن العمليات النفسية الأساسية هي بمثابة “عتاد حاسوبي بيولوجي صلب” (Hardware) محايد ومشترك بين جميع البشر، بينما لا تعدو الثقافة أن تكون مجرد “برمجيات سطحية” (Software) تلونه دون أن تمس جوهره. اعتبرت ماركوس هذا الافتراض وهمياً ومضللاً إبستمولوجياً؛ إذ أدى إلى تصنيف أي نمط سلوكي أو نفسي يخرج عن المعيار الغربي الفردي بوصفه نقصاً إدراكياً، أو تخلفاً تطورياً، أو اضطراباً نفسياً يحتاج إلى تقويم.

دعت ماركوس بقوة إلى تفكيك هذه المسلمات، مشددة على أن النفس البشرية لا تنشأ في فراغ طبيعي مجرد، بل تولد وتتشكل وتكتمل بالضرورة داخل مصفوفات سوسيوثقافية تعطي للحياة معناها. واعتبرت أن علم النفس الذي يتجاهل السياق الثقافي ليس علماً كونياً كما يدعي، بل هو مجرد “علم نفس محلي غربي” (Indigenous Western Psychology) جرى تعميمه قسراً على بقية شعوب الأرض، مما يتطلب ثورة إبستمولوجية تعيد تأسيس المعرفة النفسية على قواعد عابرة للثقافات.

4.2 المجابهة المعرفية مع التيار السلوكي والمعرفي المجرد

خاضت ماركوس مجابهة فكرية شجاعة مع التيارات المهيمنة داخل علم النفس في ذلك الوقت. ففي مواجهة السلوكية التي اختزلت الإنسان في ردود أفعال آلية للمثيرات، وفي مواجهة النماذج المعرفية الصارمة التي نظرت إلى العقل كمعالج حاسوبي مغلق للأكواد المجردة، طرحت ماركوس رؤية راديكالية جديدة ترى أن:

«العقل ليس آلة بيولوجية معزولة داخل الجمجمة، بل هو نتاج حي ومستمر للممارسات التفاعلية الاجتماعية المشتركة». (Markus & Kitayama, 1991)

انتقلت ماركوس من دراسة “المعالجة المعرفية الصامتة” التي تجري في المختبرات المعزولة، إلى دراسة “المعنى الممنوح ثقافياً” للظواهر الحياتية. فالمعلومة لا تُعالج في الدماغ بمعزل عن دلالتها الرمزية وقيمتها الأخلاقية والاجتماعية المستمدة من التراث الثقافي للجماعة. وعليه، فإن العمليات المعرفية التي تبدو “محايدة”، مثل التصنيف، والتذكر، والانتباه، والإسناد السببي، ليست سوى عمليات مشبعة بالثقافة ومقولبة بقوالبها التاريخية.

لتأكيد هذا التوجه وتثبيته تجريبياً، أسست ماركوس شراكات بحثية عابرة للقارات، وكان أبرزها تحالفها العلمي التاريخي مع عالم النفس الياباني شينوبو كيتاياما. انطلق هذا التحالف من تصميم تجارب متطابقة منهجياً وتطبيقها على عينات متنوعة في الولايات المتحدة واليابان وشرق آسيا، ليس لاكتشاف الفروق الهامشية، بل للتحقق الجذري من وجود تباينات جوهرية في البنى والعمليات المعرفية والانفعالية التأسيسية التي لطالما اعتبرها الغرب حقائق مطلقة غير قابلة للنقاش.

4.3 مفهوم التكوين المتبادل بين الثقافة والذات

صاغت هيزل روز ماركوس المبدأ الإبستمولوجي الأكثر شهرة في علم النفس الثقافي المعاصر، والذي يلخص في العبارة التأسيسية:

«الثقافات تصنع الذوات، والذوات تعيد إنتاج الثقافات»
(Culture and self make each other up)

يرفض هذا المبدأ الحتمية الثقافية الأحادية التي ترى في الفرد دمية تصنعها بيئته السوسيوثقافية دون إرادة، كما يرفض في الوقت نفسه النزعة الفردية الساذجة التي ترى في الفرد كائناً مكتفياً بذاته يصنع واقعه بمعزل عن سياقه التاريخي والمؤسسي.

حددت ماركوس القنوات الدقيقة التي تتدفق من خلالها الثقافة لتستقر في صلب العمليات العصبية والمعرفية والنفسية للفرد. فهذا التدفق لا يحدث عبر التعاليم الشفهية الواعظة فحسب، بل ينساب خلسة عبر الممارسات والعادات اليومية المتكررة، والبنى المعمارية، وتصميم المساحات العامة، والنظم القانونية، ومناهج التعليم، ووسائط الإعلام، وحتى عبر أساليب نوم الرضع وطرق تقديم الطعام. هذه الوسائط المادية والرمزية تعمل كـ “منظومة بيئية سيكولوجية” تروض الجهاز العصبي للفرد وتبرمج استجاباته التلقائية.

وفي المقابل، فإن الأفراد عندما يعيشون حياتهم اليومية، ويتحدثون، ويستهلكون، وينشئون أطفالهم، ويبتكرون الفنون، فإنهم يمارسون سلوكيات محكومة بتلك القوالب النفسية التي اكتسبوها، وبذلك يعيدون إنتاج وتثبيت المؤسسات والمفاهيم الثقافية ذاتها، أو يعدلونها ببطء عبر الأجيال. هذا التكوين المتبادل والديناميكي أرسى أرضية ثورية تجاوزت بها ماركوس الانشطار التقليدي بين الفرد والمجتمع، واضعة علم النفس في قلب العلوم الإنسانية والاجتماعية.

5. نموذج الذات المستقلة والذات المترابطة (مع شينوبو كيتاياما 1991)

5.1 الورقة التاريخية لعام 1991 وأبعادها المفاهيمية

في عام 1991، نشرت هيزل روز ماركوس وشينوبو كيتاياما ورقتهما المرجعية الخالدة في مجلة سايكولوجيكال ريفيو (Psychological Review) تحت عنوان: “الثقافة والذات: الآثار المترتبة على الإدراك والانفعال والدافعية” (Culture and the self: Implications for cognition, emotion, and motivation). تعد هذه الورقة البحثية علامة فارقة في تاريخ علم النفس الحديث، وإحدى أكثر المقالات الأكاديمية استشهاداً في تاريخ العلوم الإنسانية على الإطلاق؛ حيث فتحت آفاقاً غير مسبوقة لفهم تنوع التجربة البشرية وصاغت تصنيفاً نظرياً ثورياً لبناء الذات.

قدمت الورقة تمييزاً بنيوياً عميقاً بين نموذجين سيكولوجيين أساسيين للذات الإنسانية:

  • الذات المستقلة (Independent Self-Construal): وهي النموذج السائد في المجتمعات الغربية (لا سيما أمريكا الشمالية وشمال غرب أوروبا). يُعرّف هذا النموذج الذات بوصفها كياناً مستقلاً، قائماً بذاته، محاطاً بحدود صلبة وفاصلة عن الآخرين وعن البيئة الاجتماعية. يستند هذا الكيان إلى حزمة فريدة من الخصائص الجوهرية الداخلية، مثل السمات، والقدرات، والدوافع الفردية، والحقوق الشخصية، حيث يُنظر إلى التعبير الأصيل عن هذه السمات وتحقيق الأهداف الذاتية باعتباره المعيار الأسمى للكمال الإنساني والصحة النفسية السليمة.
  • الذات المترابطة (Interdependent Self-Construal): وهي النموذج السائد في معظم المجتمعات الشرق آسيوية والأفريقية واللاتينية وجنوب المتوسط. يُعرّف هذا النموذج الذات بوصفها كياناً علائقياً متجذراً بعمق في السياق الاجتماعي وشبكات الروابط البشرية. حدود هذه الذات مسامية ومرنة، وتعرف الهوية فيها من خلال الأدوار الاجتماعية، والواجبات المتبادلة، والقدرة على الانسجام مع الآخرين، والحفاظ على التناغم الجماعي والمكانة المشتركة، حيث يُعد التوافق والتضحية بالرغبات الفردية لصالح الجماعة ذروة النضج النفسي والأخلاقي.

أكدت الورقة أن هذين النموذجين ليسا مجرد “فلسفات نظرية” مجردة يعتنقها الناس بوعي، بل هما هيكلان نفسيان متمايزان يوجهان أدق تفاصيل العمليات المعرفية، والانفعالية، والدافعية اليومية، مما يخلق تجارب وجودية مختلفة كلياً للإنسان عبر الثقافات المتنوعة.

5.2 الفروق المعرفية والانفعالية والدافعية بين النموذجين

فصلت ورقة عام 1991 التباينات الراديكالية الناتجة عن تبني أحد النموذجين عبر ثلاثة أبعاد سيكولوجية كبرى:

أولاً: العمليات المعرفية والإسناد السببي (Cognition and Causal Attribution):
يتبنى أصحاب الذات المستقلة نمطاً تحليلياً في التفكير يركز على العنصر المفرد ويعزله عن سياقه؛ وهو ما ينعكس في ظاهرة “خطأ الإسناد الأساسي” الغربية، حيث تُعزى سلوكيات الناس دائماً إلى دوافع وسمات داخلية ثابتة (“لقد صرخ لأنه شخص عصبي”). في المقابل، يتبنى أصحاب الذات المترابطة نمطاً كلياً وسياقياً في التفكير يراعي شبكة العلاقات المعقدة، ويفسر السلوك استناداً إلى الضغوط والظروف السياقية المحيطة (“لقد صرخ لأن الموقف كان محرجاً وضغط الجماعة أجبره على ذلك”).

ثانياً: العمليات الانفعالية وتصنيف المشاعر (Emotions and Affective Life):
ميز الباحثان بين نمطين من الانفعالات:

  • الانفعالات المفككة للذات (Socially Disengaging Emotions): وهي المشاعر التي تبرز المسافة بين الفرد والآخرين وتؤكد السيادة الفردية؛ مثل الفخر (Pride)، والرضا الذاتي، والشعور بالتفوق، أو الغضب والإحباط عند انتهاك الحقوق الفردية، وهي انفعالات تحظى بالتشجيع والشيوع في الثقافات المستقلة.
  • الانفعالات الرابطة للذات (Socially Engaging Emotions): وهي المشاعر التي تقرب الفرد من نسيجه الاجتماعي وتؤكد الاندماج؛ مثل الخجل (Shame)، والشعور بالذنب، والامتنان، والتعاطف، والاحترام التقديري، وهي انفعالات تهيمن على المشهد النفسي لأصحاب الذات المترابطة لكونها تعزز التماسك الجمعي وتحفظ توازن العلاقات.

ثالثاً: البنية الدافعية والتوجيه السلوكي (Motivation and Behavioral Agency):
يتحرك أصحاب الذات المستقلة بدافعية “التميز والفرادة” (Distinctiveness) والتعبير عن الإرادة الحرة، حيث يُعد الاختيار الشخصي المحرك الأقوى للنشاط. بينما يتحرك أصحاب الذات المترابطة بـ “دافعية التوافق والانسجام” (Belonging and Adjustment)، والحرص على مطابقة المعايير الاجتماعية وسد ثغرات الأدوار والمسؤوليات، وتفادي الفشل أو لفت الانتباه السلبي، مما يجعل ضبط النفس والتحكم في النزوات الفردية غاية دافعية مركزية لديهم.

5.3 المقارنات التجريبية بين الثقافات الغربية والشرقية

لدعم هذا النموذج النظري الفاتن، اعتمدت ماركوس وكيتاياما على زخم هائل من الدراسات التجريبية المقارنة، لاسيما بين طلاب الجامعات في الولايات المتحدة الأمريكية واليابان، مما أسفر عن براهين مختبرية دامغة وغير قابلة للشك.

من بين أشهر هذه الأدوات المنهجية كان اختبار العبارات التكميلية العشرين: “من أنا؟” (Twenty Statements Test). عندما طُلب من المشاركين الأمريكيين إكمال عبارة “أنا…” عشرين مرة، جاءت إجاباتهم في الغالبية الساحقة محملة بصفات نفسية جوهرية وسياقية معزولة، مثل: “أنا ذكي”، “أنا مرح”، “أنا متفائل”، “أنا أحب الرياضة”. بينما جاءت إجابات المشاركين اليابانيين مشروطة بالسياق ومؤطرة بالروابط والأدوار الاجتماعية، مثل: “أنا ابن مطيع عندما أكون في المنزل”، “أنا طالب مجد في جامعتي”، “أنا أتصرف بحذر عندما أكون مع الغرباء”، مما عكس غياب فكرة “الجوهر النفسي الثابت والمعزول” لدى الذات المترابطة.

كما أظهرت تجارب أخرى تبايناً مذهلاً في تقدير أسباب النجاح والفشل؛ فالأمريكيون أظهروا نزعة مستمرة لتضخيم الذات (Self-Enhancement)، عازين النجاح إلى مهاراتهم الذاتية والفشل إلى الظروف الخارجية، في حين أظهر اليابانيون نزعة متجذرة لنقد الذات (Self-Criticism) وتحسينها، حيث اعتبروا الفشل نتاجاً لتقصيرهم في بذل الجهد والواجب، مما يستدعي الاستدراك الأخلاقي، بينما نسبوا النجاح إلى مساندة الآخرين ورعايتهم الوفية. لقد أسهمت هذه النتائج المتوالية في ترسيخ مكانة الورقة بوصفها ثورة إبستمولوجية حطمت خرافة النفس الكونية الموحدة للأبد.

6. دورة الثقافة: النموذج الرباعي للتفاعل الديناميكي

6.1 المستويات الأربعة لدورة الثقافة (4Is)

في سبيل تحويل الفهم الفلسفي والنظري المعقد للثقافة إلى أداة تحليلية وتشخيصية دقيقة وقابلة للقياس التطبيقي، طورت هيزل روز ماركوس بالاشتراك مع زملائها نموذج دورة الثقافة (The Culture Cycle). يفكك هذا النموذج الديناميكي الثقافة إلى منظومة مترابطة تتألف من أربعة مستويات متداخلة ومتفاعلة تُعرف اختصاراً بـ (4Is):

  • مستوى الأفكار الكبرى (Ideas): ويشمل النظريات التأسيسية العميقة، والأساطير المؤسسة، والفلسفات التاريخية، والأنطولوجيا الدينية، والمنظومات القيمية حول ما هو “حق”، و”خير”، وما يعنيه “الإنسان السوي”. مثل فكرة “الحلم الأمريكي” أو الفلسفة “الكونفوشيوسية”.
  • مستوى المؤسسات (Institutions): ويشمل التجليات الهيكلية للأفكار الكبرى في هيئة هياكل قانونية، وأجهزة سياسية، ونظم اقتصادية، ومؤسسات تعليمية، وتنظيمات دينية، وإعلامية، وخدمات صحية. تضع هذه المؤسسات اللوائح وتوزع الموارد وفقاً للمنطلقات الفكرية العليا.
  • مستوى التفاعلات (Interactions): ويشير إلى الممارسات والطقوس المعيشية اليومية الملموسة التي تحدث داخل العائلات، والمدارس، ومقرات العمل، والأسواق. يشمل ذلك أساليب التربية، وأنماط التخاطب الشفهي وغير الشفهي، والتقاليد الوظيفية، وعادات الملبس، وتناول الطعام والترفيه.
  • مستوى الأفراد (Individuals): وهو البناء النفسي الداخلي المتلقي والمستجيب؛ ويشمل العمليات الإدراكية، والمعرفية، والانفعالية، والفسيولوجية العصبية، ومخططات الذات، والدافعية التي توجه السلوك اللحظي للإنسان.

يمثل هذا النموذج الرباعي قفزة نوعية في فهم الثقافة؛ إذ لا يتعامل معها كشيء هلامي سحري معلق في الفضاء، بل يحدد مكوناتها في دورة مادية واضحة تترجم الأفكار المجردة إلى مشاعر وانفعالات بيولوجية في أدمغة البشر.

6.2 ديناميكية التأثير الدائري والتكراري

تكمن القوة التفسيرية لنموذج دورة الثقافة في طبيعته التكرارية والدائرية المستمرة؛ فالتأثير لا يتحرك في مسار خطي باتجاه واحد، بل يتدفق في حركة متبادلة مستمرة:

التدفق من الأعلى إلى الأسفل (Top-down):
تتدفق الأفكار الكبرى التاريخية نحو الأسفل لتتجسد في قوانين ومؤسسات، ومن ثم تفرض المؤسسات أنماطاً تفاعلية يومية معينة، والتي بدورها تقلب وتصقل العمليات المعرفية والعصبية للأفراد حتى يكتسبوا البنية النفسية المتوافقة مع سياقهم.

التدفق من الأسفل إلى الأعلى (Bottom-up):
الأفراد الذين تشكلت عقولهم وسلوكياتهم عبر هذه التفاعلات اليومية لا يتوقفون عن الفعل؛ بل يشاركون في الحوارات، ويختارون وظائفهم، ويصوتون في الانتخابات، ويصنعون السياسات، وبذلك يعيدون إنتاج وتثبيت المؤسسات والأفكار الفلسفية القائمة ذاتها، مما يخلق حلقة مفرغة وتكرارية تغذي نفسها باستمرار.

يقدم هذا النموذج تفسيراً عميقاً لظاهرة استعصاء الأنماط الثقافية على التغيير المفاجئ وثباتها عبر القرون؛ فالأفكار لا تزول بمجرد نقضها منطقياً، لأنها متجذرة في تفاعلات يومية وبنى مؤسسية صلبة تكرسها كل صباح. وفي الوقت ذاته، يوضح النموذج كيف يمكن للتغيير الجذري أن يحدث؛ إذ يكفي إحداث خلخلة منظمة على مستوى المؤسسات أو الممارسات التفاعلية اليومية لتبدأ دورة تحول كبرى تقود تدريجياً وبشكل حتمي إلى إعادة هندسة المنظومة النفسية للأفراد أنفسهم.

6.3 تطبيقات النموذج في التحليل الاجتماعي المعاصر

وظفت ماركوس وفريقها البحثي نموذج دورة الثقافة كعدسة تشخيصية فائقة الدقة لتحليل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية الشائكة في العصر الراهن. من أبرز هذه التطبيقات تشخيص مظاهر “اللامساواة النظامية” (Systemic Inequality)؛ حيث بينت كيف أن العنصرية أو التمييز الطبقي ليسا مجرد “نوايا سيئة” أو “كراهية شخصية” لدى أفراد معزولين، بل هما نتاج لدورة ثقافية كاملة تبدأ من أفكار تاريخية مغلوطة حول التفوق البشري، مروراً بمؤسسات قانونية واقتصادية تكرس التهميش، وممارسات تعامل يومية تطبع التمييز، مما ينتج في النهاية نفوساً مثقلة بالدونية أو معبأة بالامتيازات غير المستحقة.

كما طبق النموذج بنجاح باهر في تحليل بيئات العمل والشركات الكبرى والمنظمات متعددة الجنسيات. فالعديد من مساعي الدمج والتنوع في الشركات تفشل لأنها تركز حصرياً على مستوى الأفراد (مثل تنظيم ورش عمل تدريبية عابرة حول التحيز اللاواعي)، متجاهلة المستويات الثلاثة الأخرى المتمثلة في سياسات المؤسسة، والممارسات الإدارية اليومية، والأفكار الحاكمة لتعريف “الكفاءة” و”القيادة”، والتي غالباً ما تكون مصممة لصالح نموذج الذات المستقلة حصراً.

ومن هنا، يوفر نموذج دورة الثقافة دليلاً عملياً استراتيجياً لصناع السياسات ورواد التغيير الاجتماعي؛ إذ يشدد على أن أي تدخل إصلاحي فعال ومستدام في مجالات التعليم، أو الرعاية الصحية، أو القضاء الجنائي، يجب أن يستهدف مستويات الدورة الأربعة في وقت واحد وبالتزامن، لضمان كسر الحلقات التكرارية المعيقة وتثبيت الأنماط الثقافية والنفسية الإيجابية البديلة في أرض الواقع.

7. الطبقة الاجتماعية بوصفها ثقافة نفسية متمايزة

7.1 توسيع مفهوم الثقافة ليشمل السياق الطبقي والاقتصادي

في مرحلة ناضجة من مسيرتها البحثية، وبداية من العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أحدثت هيزل روز ماركوس نقلة نوعية كبرى في علم النفس الثقافي والاجتماعي حين قادت جهوداً رائدة لتوسيع مفهوم “الثقافة” ذاته. رفضت ماركوس حصر الثقافة في النطاق الجغرافي، أو الإثني، أو القومي (كالمقارنة النمطية بين أمريكا وآسيا)، وبرهنت بدلاً من ذلك على أن **الطبقة الاجتماعية** (Social Class) تعمل بوصفها ثقافة نفسية مكتملة الأركان تتشكل داخل حدود المجتمع الواحد.

بالتعاون مع تلميذتها وباحثتها اللامعة نيكول ستيفنز (Nicole Stephens) وألينا تاونسند وآخرين، عكفت ماركوس على دراسة الفروق السيكولوجية العميقة بين خريجي الجامعات والنخب ذات الرساميل المرتفعة من جهة، وأبناء الطبقة العاملة الذين لم يلتحقوا بالتعليم العالي من جهة أخرى داخل المجتمع الأمريكي المعاصر. انطلقت الفرضية من أن الطبقة الاجتماعية ليست مجرد “مستوى دخل مالي” أو “حساب بنكي”، بل هي بيئة بيئية-رمزية متكاملة توفر موارد مادية وفرصاً وفرضيات وجودية شديدة التباين.

أثبتت هذه الدراسات أن العيش في بيئات ذات موارد شحيحة وقيود اقتصادية وهياكل هشة يولد استجابات وتكيفات نفسية مختلفة كلياً عن العيش في بيئات الوفرة والأمان المالي، وأن هذه التكيفات تصقل أنماطاً إدراكية، ومعرفية، ودوافع وجودية مستقرة تشبه تماماً الفروق التي تُرصد بين الثقافات القومية المختلفة.

7.2 الذات التعبيرية المستقلة مقابل الذات المترابطة الصلبة

بناءً على المعطيات الميدانية والتحليلات المختبرية، ميزت ماركوس وستيفنز بين نمطين طبقيين للذات داخل المجتمع الواحد:

1. الذات التعبيرية المستقلة (Expressive Independence):
وهي النمط المهيمن لدى الطبقات الوسطى والعليا والمهنيين المتعلمين. ينشأ الأفراد في هذه البيئات محاطين بفيض من الفرص والخيارات والأمان الاقتصادي، مما يرسخ لديهم يقيناً عميقاً بسيادتهم الفردية المطلقة على مصائرهم. تصبح الحياة بالنسبة لهم ساحة مفتوحة للاختيار الشخصي، واستكشاف الذات، والتعبير الفريد عن الرغبات والاهتمامات الداخلية، والمفاوضة على القواعد، والشعور العالي بالاستحقاق والفاعلية الفردية.

2. الذات المترابطة الصلبة (Hard Interdependence):
وهي النمط السائد لدى أبناء الطبقة العاملة والمجتمعات الأقل حظاً اقتصادياً. ينشأ الفرد هنا في بيئات محفوفة بالمخاطر المادية، وعدم اليقين الوظيفي، وتواضع الفرص المتاحة، ومواجهة مستمرة مع قوى ومؤسسات وسلطات لا تخضع لسيطرته. في هذا السياق القاسي، تصبح الفردانية الاستعراضية ترفاً خطراً وعاجزاً عن توفير الأمان؛ بدلاً من ذلك، تتشكل ذات مترابطة تتسم بالصلابة النفسية واليقظة العالية والحذر، وتعتمد بصورة مصيرية على شبكات التضامن العائلي، والولاء للأقران، والمساعدة المتبادلة للبقاء، وضبط التطلعات الذاتية لصالح استقرار الجماعة.

أكدت ماركوس أن نمط “الترابط الصلب” لدى الطبقة العاملة ليس نقصاً في النضج أو تدنياً في الطموح، بل هو تكيف سيكولوجي ذكي وضروري للغاية مع الواقع البيئي المادي الصعب؛ فالاعتماد المتبادل والقدرة على الانصياع للقواعد والتماسك الجمعي هي الأدوات الحقيقية للحماية والتكيف في عالم لا يرحم الفرد الضعيف والمنعزل.

7.3 فجوة التوافق الثقافي في التعليم العالي والعمل

أثمرت هذه الأبحاث الطبقية صياغة أحد أهم المفاهيم السيكولوجية المعاصرة: فجوة التوافق الثقافي (Cultural Mismatch Theory). أظهرت ماركوس ونيكول ستيفنز أن الجامعات المرموقة ومؤسسات التعليم العالي الرائدة، وكذلك الشركات الكبرى، ليست مؤسسات محايدة ثقافياً كما تزعم، بل هي فضاءات مشبعة تماماً بثقافة “الاستقلالية التعبيرية” الخاصة بالطبقة العليا، حيث تضع المعايير الضمنية للنجاح في صورة: إبراز الفردية، والحديث الصاخب في الفصول، والتنافس الفردي، والاعتزاز بالإنجاز الشخصي، ورفض الامتثال الأعمى للتقاليد.

عندما يلتحق طلاب الجيل الأول (First-Generation College Students) — وهم الطلاب الذين ينحدرون من الطبقة العاملة ويكونون أول من يدخل الجامعة في عائلاتهم — بهذه المؤسسات النخبوية، فإنهم يصطدمون بـ “تنافر ثقافي مريع” (Cultural Mismatch)؛ إذ تأتي عقولهم مجهزة بثقافة “الترابط الصلب” المستندة إلى التواضع، والعمل الجماعي، وخدمة العائلة والمجتمع، والإنصات الموقر للأساتذة. هذا التنافر يؤدي إلى تفسير صمتهم أو حرصهم الاجتماعي من قِبل الأساتذة والمؤسسة على أنه ضعف في الذكاء أو غياب للدافعية، مما يشعر هؤلاء الطلاب بالغربة النفسية الشديدة والدونية، ويؤدي إلى هبوط حاد في تحصيلهم الأكاديمي وارتفاع نسب تسربهم.

لم تتوقف ماركوس عند حدود التشخيص، بل صممت مع فريقها تدخلات سيكولوجية قائمة على الأدلة (Empirical Interventions). شملت هذه التدخلات إدخال لوحات شرف وتعديل سرديات الترحيب الجامعية لتشمل رسائل تؤكد أن “الترابط والاعتماد على العائلة والوفاء للجماعة” هي مصادر قوة حقيقية وليست عائقاً، إلى جانب عقد جلسات لمشاركة الخبرات الحياتية بين طلاب الطبقات المختلفة. أسفرت هذه التدخلات النفسية الدقيقة والوجيزة عن تقليص فجوة التحصيل الأكاديمي بين طلاب الجيل الأول وزملائهم من الطبقات المرفهة بنسبة تزيد عن النصف، مقدمة نموذجاً ناصعاً لقدرة علم النفس الثقافي على تفكيك الحواجز الهيكلية وتحقيق العدالة التوزيعية في التعليم.

8. تفكيك الهويات الاجتماعية: العرق والجندر في المنظور السوسيوثقافي

8.1 العرق والإثنية كصناعة اجتماعية وثقافية (Doing Race)

في عام 2010، نشرت هيزل روز ماركوس بالاشتراك مع عالمة الاجتماع باولا مويا (Paula Moya) الكتاب المرجعي الفذ: “ممارسة العرق: 21 منظوراً من العلوم الاجتماعية” (Doing Race: 21 Essays for the 21st Century). قدم هذا العمل صياغة نظرية متقدمة تفكك المفاهيم الجوهرية والبيولوجية للعرق، وتطرح بدلاً من ذلك مفهوماً ديناميكياً يرى أن العرق ليس صفة بيولوجية ساكنة يحملها الإنسان في جيناته، بل هو “فعل مستمر، وممارسة اجتماعية ومؤسسية مركبة” يُعبر عنها بعبارة “Doing Race”.

أوضحت ماركوس أن المجتمعات لا “تكتشف” الأعراق بل “تصنعها” وتكرسها وتنتجها يومياً عبر تصنيفات مؤسسية، ومعاملات تفضيلية، وصور نمطية مرئية ومخفية، وتوزيع غير متكافئ للقوة والموارد والاعتراف الإنساني. إن ممارسة العرق تحدث على المستويات الأربعة لدورة الثقافة؛ فالأفكار المغلوطة حول التمايزات العرقية تتجسد في سياسات الإسكان والتعليم والعدالة الجنائية، وتنعكس في تفاعلات الشارع والعمل، وتستقر في نهاية المطاف في النفوس لتحدد الكيفية التي ينظر بها أفراد الأقليات إلى كفاءاتهم وإمكاناتهم الوجودية.

ركزت ماركوس على الأثر النفسي المدمر لهذه الصناعة الاجتماعية على الأقليات العرقية؛ حيث تؤدي الصور النمطية المؤسسية إلى ما يُعرف بـ “التهديد النمطي” (Stereotype Threat)، حيث يعيش الفرد تحت وطأة الخوف الدائم من تأكيد الصورة النمطية السلبية السائدة حول عرقه، مما يستنزف طاقاته المعرفية والإدراكية ويقيد خياله المستقبلي. ومن خلال هذا التحليل، تمكنت ماركوس من تعرية الآليات النفسية والاجتماعية التي تعيد عبرها المجتمعات إنتاج العنصرية حتى في ظل غياب النوايا العنصرية الفجة أو العداء الصريح والمعلن من قِبل الأفراد.

8.2 التفاعل بين الهوية الجندرية ومخططات الذات

امتدت رؤية ماركوس التفكيكية لتشمل قضايا النوع الاجتماعي (الجندر)، حيث دمجت أبحاثها المبكرة حول مخططات الذات مع التحليلات الثقافية المعاصرة لدراسة كيفية صياغة الهوية الجندرية. أوضحت ماركوس أن الجندر ليس مجرد حقيقة بيولوجية تشريحية، بل هو منظومة ثقافية متكاملة تملي على الأفراد مخططات ذاتية صارمة ومقولبة حول ما يعنيه “الرجل الحقيقي” و”المرأة السوية”.

تتعرض الذات منذ لحظة الولادة الأولى لعملية ترويض اجتماعي كثيفة ومنظمة؛ فالأطفال يكتسبون مخططات ذات جندرية عبر الألعاب، وطبيعة الخطاب العائلي، ووسائل الإعلام، والتي توجه الذكور تلقائياً نحو تبني استراتيجيات الذات المستقلة (السيطرة، والتنافس، والحزم، والصلابة الانفعالية)، في حين توجه الإناث نحو استراتيجيات الذات المترابطة (الرعاية، والتعاطف، والإنصات، والحفاظ على العلاقات). هذه المعايير الاجتماعية تُهضم وتُستبطن معرفياً وعصبياً لتصبح جزءاً من الهوية الأساسية للفرد، مما يجعل أي انحراف عنها مصدراً للتوتر وتأنيب الضمير أو العقاب المجتمعي الصريح والضمني.

غير أن ماركوس قدمت تحليلاً أكثر عمقاً كشفت فيه عن الفروق الدقيقة في مفهوم الاستقلالية والترابط بين الجنسين عبر الثقافات المختلفة؛ إذ بينت أن المرأة في الغرب قد تمتلك توجهاً ترابطياً مقارنة بالرجل الغربي، ولكنها تظل في الوقت نفسه أكثر “استقلالية” بمراحل من الرجل والمرأة في الثقافات الشرق آسيوية أو اللاتينية. وبذلك، فككت ماركوس النظرة الأحادية التي تختزل الجندر في ثنائية كونية جامدة، مؤكدة أن الهوية الجندرية تتشابك دائماً وتتعدل بصورة ديناميكية وفقاً للسياق الثقافي والحضاري العام الذي تتنفس فيه.

8.3 التقاطعية السيكولوجية والعدالة الاجتماعية

أسهمت أبحاث ماركوس المتأخرة في ترسيخ مقاربة التقاطعية السيكولوجية (Psychological Intersectionality)، متجاوزة دراسة الهويات الاجتماعية كجزر معزولة ومنفصلة. فقد أظهرت أن تجربة الإنسان النفسية لا تتشكل من خلال العرق وحده، أو الطبقة وحدها، أو الجندر بمفرده، بل تنبع من نقطة التقاطع والاندماج الحيوي بين هذه الروافد جميعاً في صلب المعاش اليومي.

على سبيل المثال، أثبتت أبحاثها أن تجربة المرأة المنتمية للطبقة العاملة والمنحدرة من أقلية إثنية لا تمثل مجرد “حاصل جمع” لثلاثة أشكال من التمييز، بل تنتج نوعاً فريداً ونوعياً من البنية النفسية والمعاناة الوجودية لا يمكن فهمه عبر النماذج التقليدية التي تدرس فئة واحدة بمعزل عن الأخريات. فالتهميش المزدوج أو الثلاثي يفرض تحديات استثنائية على مفهوم الذات، والدافعية، والقدرة على بلورة ذوات ممكنة إيجابية ومتحررة من قيود النظرة السائدة للمجتمع المهيمن.

وظفت ماركوس العلوم السلوكية التجريبية كأداة نضالية متقدمة في خدمة العدالة الاجتماعية؛ إذ سعت من خلال فهم التقاطعية إلى مساعدة الفئات الأكثر تهميشاً على استعادة سيادتهم الرمزية وتقديرهم الذاتي. كما عملت على تزويد المنظمات الحقوقية بأدلة علمية محكمة تكشف كيف تصنع التحيزات اللاواعية بيئات قمعية خانقة، مقدمة استراتيجيات تدخل تهدف إلى تفكيك هذه الحواجز المركبة وإعادة توزيع فرص الاعتراف والكرامة الإنسانية في الفضاء العام دون تمييز.

9. مبادرة SPARQ وتطبيق علم النفس الاجتماعي في الميدان

9.1 تأسيس مبادرة حلول نفسية اجتماعية لأسئلة العالم الحقيقي

في خطوة تجسد إيمانها الراسخ بضرورة خروج المعرفة من الأبراج العاجية إلى فضاءات الفعل المجتمعي، قادت هيزل روز ماركوس بالاشتراك مع عالمة النفس الشهيرة جينيفر إيبرهاردت (Jennifer Eberhardt) عام 2014 تأسيس مبادرة SPARQ في جامعة ستانفورد، وهو اختصار لـ: حلول نفسية اجتماعية لأسئلة العالم الحقيقي (Social Psychological Answers to Real-world Questions).

جاءت رؤية المركز التأسيسية لسد الهوة السحيقة القائمة بين الأبحاث الأكاديمية النظرية والنتائج المختبرية الدقيقة من جهة، وبين صناع القرار، والناشطين، والممارسين في ميادين المجتمع والسياسة من جهة أخرى. تبنت SPARQ نموذجاً غير مسبوق في البحث العلمي يُعرف بـ “نموذج الشراكة القائم على الممارسة” (Do-Tank rather than Think-Tank)؛ حيث لا يفرض الأكاديميون أسئلتهم الفوقية على المجتمع، بل ينزلون إلى الميدان للإنصات العميق للفاعلين في الخطوط الأمامية — من ضباط شرطة، ومعلمين، وأطباء، وقادة عماليين — لتحديد معضلاتهم الحقيقية، ثم تصميم حلول وتدخلات تجريبية صارمة بالتعاون معهم.

تحول المركز في غضون سنوات قليلة إلى منصة عالمية فريدة لإنتاج المعرفة التطبيقية؛ حيث جمع بين الصرامة المنهجية التي تميز جامعة ستانفورد، والحساسية الإنسانية والاجتماعية التي تقتضيها مشكلات العصر. وقد أثبتت هذه المبادرة أن علم النفس الاجتماعي لا يقتصر دوره على توصيف أمراض المجتمع، بل يمتلك أدوات جراحية قادرة على إصلاح التصدعات الهيكلية وتحسين حياة الناس الواقعية بصورة ملموسة وقابلة للقياس المادي.

9.2 مشاريع العدالة الجنائية وإصلاح أجهزة الشرطة

شكل قطاع العدالة الجنائية والعلاقة المتوترة بين أجهزة إنفاذ القانون والمجتمعات المحلية أحد أكبر ميادين التدخل الملحمي لمبادرة SPARQ بقيادة ماركوس وإيبرهاردت. في أعقاب الاضطرابات والاحتجاجات المتكررة ضد عنف الشرطة في الولايات المتحدة، دخل فريق SPARQ في شراكة تاريخية مع إدارة شرطة مدينة أوكلاند بكاليفورنيا، لتحليل مئات الآلاف من مقاطع الفيديو المسجلة عبر الكاميرات المثبتة على أجساد أفراد الشرطة (Body-Worn Cameras).

استخدم الباحثون تقنيات متطورة في معالجة اللغات الطبيعية (Natural Language Processing) والتحليل النفسي اللغوي لفحص العبارات ونبرات الصوت الصادرة عن عناصر الشرطة أثناء استيقافهم للمواطنين اليومي. كشفت النتائج عن فروق لغوية وسلوكية دقيقة وممنهجة؛ فالشرطة يخاطبون المواطنين البيض بدرجات أعلى بكثير من الاحترام والكياسة والتعاطف (باستخدام عبارات مثل: “شكراً لك سيدي”، “من فضلك”، “أتمنى لك يوماً طيباً”)، بينما يخاطبون المواطنين السود بنبرات أكثر حدة وجفافاً وإصداراً للأوامر الفوقية، حتى في الحالات التي لا تسفر عن أي مخالفة أو اعتقال.

استناداً إلى هذه البيانات الدامغة، لم يكتف المركز بالتنديد، بل صمم برامج تدريبية وسلوكية ثورية قائمة على الأدلة لأفراد الشرطة، تهدف إلى إعادة هيكلة التفاعلات اللفظية وتفكيك التحيزات اللاواعية المترسخة في الممارسات اليومية. أدت هذه البرامج إلى تحسن ملموس في مؤشرات الاحترام اللفظي المتبادل وانخفاض كبير في معدلات استخدام القوة والشكاوى المجتمعية، مما قدم برهاناً ساطعاً على إمكانية تطويع التحليل النفسي الدقيق لحماية الأرواح وبناء الثقة في المجتمعات المنقسمة.

9.3 مبادرات التعليم والرعاية الصحية والتنوع المؤسسي

امتدت جهود SPARQ لتحدث تحولات بنيوية في قطاعات حيوية أخرى، وفي مقدمتها التعليم العالي والرعاية الطبية وبيئات العمل المؤسسية:

في قطاع التعليم:
طبقت المبادرة تدخلات نفسية استهدفت “تغيير السرديات الثقافية” المهيمنة على الجامعات؛ حيث عُممت استراتيجيات لسد فجوة التوافق الثقافي لطلاب الجيل الأول والأقليات في جامعات كبرى، من خلال إعادة صياغة رسائل القبول، ومناهج التدريس، وتصميم السكن الجامعي لتعزيز الشعور بالانتماء، وهو ما أثمر عن ارتفاع ثابت في نسب التخرج وانخفاض حاد في معدلات الانسحاب الأكاديمي.

في قطاع الرعاية الصحية:
رصدت ماركوس وفريقها أن المرضى المنحدرين من خلفيات مترابطة أو فقيرة يعانون من سوء الفهم وسوء التشخيص عند تفاعلهم مع أطباء مدربين وفق نموذج الاستقلالية الفردية الصارم (الذي يطالب المريض باتخاذ قرارات صحية فردية حاسمة والمفاوضة على علاجه). وبناءً عليه، صممت المبادرة بروتوكولات تفاعلية جديدة للعيادات الطبية تدرب الكوادر الصحية على فهم الخلفية الثقافية للمريض، وتضمين عائلته في مسار الرعاية، مما رفع من مستويات الالتزام بالدواء وتحسن النتائج العلاجية لآلاف المرضى المزمنين.

في التنوع المؤسسي:
ساعدت المبادرة شركات عالمية ومؤسسات كبرى في وادي السيليكون وغيرها على التخلي عن برامج التنوع الصورية والشكلية، واستبدالها بنماذج الدمج الثقافي الفعلي القائمة على نموذج دورة الثقافة، محولةً بيئات العمل إلى مساحات تقدر تنوع أنماط الذات وتتيح للجميع المساهمة الخلافة دون التنازل عن هوياتهم وقيمهم الأصلية.

10. الإسهامات المنهجية والتكامل المعرفي-الثقافي

10.1 ابتكار المقاييس والأدوات في دراسة الذات المعرفية والثقافية

لم تكن ثورة هيزل روز ماركوس الفكرية لتكتمل دون صياغة ترسانة من الأدوات المنهجية المبتكرة التي صممتها لقياس أعماق العمليات النفسية المرتبطة بالذات والثقافة. لقد نقلت ماركوس علم النفس الاجتماعي من الاعتماد الساذج على استطلاعات الرأي التقليدية والتقارير الذاتية الهشة — التي غالباً ما تخضع لتأثير الرغبة الاجتماعية وتفتقر إلى العمق — إلى رحاب المقاييس المعرفية والسلوكية الدقيقة.

طورت ماركوس مهام قياس زمن الاستجابة (Reaction-Time Tasks) لاستكشاف سرعة وصول الأفراد إلى تمثيلات ذواتهم المخزنة في الذاكرة طويلة المدى، ومقاييس التذكر التلقائي والانتقائي لإثبات وجود مخططات الذات مخبرياً. ولاحقاً، أسهمت أبحاثها التأسيسية في تطوير وتجويد مقاييس بنائية رائدة مثل مقياس التوجهات الذاتية المستقلة والمترابطة (Self-Construal Scale – SCS)، الذي طوره سنجيليس وزملاؤه بناءً على تنظيرها التاريخي مع كيتاياما، وهو المقياس الذي أصبح الأداة المعيارية العالمية لرصد توجهات الذات عبر الثقافات المختلفة.

علاوة على ذلك، فتحت ماركوس الباب أمام تحليل المحتوى الثقافي المادي بوصفه مصدراً لا يقل أهمية عن الاستبيانات النفسية الفردية. فقد ابتكرت منهجيات دقيقة لتحليل الإعلانات التجارية المتلفزة والمطبوعة، وقصص وكتب الأطفال المدرسية، والمجلات الشعبية، وخطابات السياسيين في بلدان مختلفة، مبرهنة على أن الثقافة تكمن في هذه المنتجات الرمزية بنفس القدر الذي تستقر به في عقول صانعيها ومستهلكيها، مما فتح مسارات استقصائية بالغة الخصوبة والعمق.

10.2 الربط بين علم النفس المعرفي والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع

تميز المشروع العلمي لماركوس بالرفض القاطع للعزلة الانضباطية الشوفينية التي عانت منها العلوم الإنسانية طوال القرن العشرين. فقد أدركت مبكراً أن فهم النفس البشرية في كليتها يستحيل أن يتم بأدوات علم النفس التجريبي وحدها، بل يتطلب نسف الحدود المصطنعة بين علم النفس المعرفي، والأنثروبولوجيا الثقافية، وعلم الاجتماع البنيوي، والعلوم السياسية.

استلهمت ماركوس التحليلات والإثنوغرافيات العميقة التي قدمها كبار علماء الأنثروبولوجيا مثل كليفورد جيرتز (Clifford Geertz) وميشيل روزالدو، وحولتها إلى فرضيات تجريبية قابلة للاختبار والقياس في المختبرات النفسية؛ مما وفر لعلم النفس المعرفي ثراءً فلسفياً وإنسانياً افتقده طويلاً. وفي المقابل، زودت الأنثروبولوجيا بأدلة تجريبية ومختبرية أثبتت صحة رؤاها حول تنوع أشكال الوعي البشري وتعدد معاني “الكينونة” و”الفاعلية” باختلاف الجماعات.

وفي مرحلة لاحقة، واصلت ماركوس هذا التكامل عبر التعاون مع علماء الأعصاب الرائدين لتأسيس مجال بيني جديد وفائق الإثارة هو علم الأعصاب الثقافي (Cultural Neuroscience). أظهرت الدراسات التي وظفت تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) أن الانخراط المستمر في ممارسات ثقافية مستقلة أو مترابطة يترك بصمات عصبية واضحة ويغير من مسارات النشاط الدماغي في مناطق مثل القشرة الجبهية الأنسية (mPFC) أثناء معالجة المعلومات الخاصة بالذات والأم، مؤكدة أن الثقافة تعيد تشكيل ليس فقط الوعي الإنساني، بل حتى الأسلاك العصبية للدماغ البشري.

10.3 أخلاقيات البحث العابر للثقافات والتحديات الإبستمولوجية

وضعت هيزل روز ماركوس معايير أخلاقية ومنهجية صارمة للبحث المقارن والعابر للثقافات، محذرة باستمرار من فخين إبستمولوجيين خطيرين يقع فيهما العديد من الباحثين غير الحذرين:

  1. فخ التنميط الثقافي والتعميم الساذج (Cultural Essentialism):
    حذرت ماركوس من اختزال أي مجتمع في قالب جامد ومانع للتغير (مثل القول بأن “كل الغربيين أنانيون” أو “كل الشرقيين خاضعون للجماعة”). وأكدت دائماً أن الثقافة تمثل منظومة احتمالية وممارسات موزعة تتقاطع مع الطبقة، والجندر، والعمر، وأن الثقافات كائنات حية، ديناميكية، هجينة، ودائمة التحول وليست كيانات بيولوجية مطلقة ومغلقة.
  2. فخ النزعة الاستعمارية المعرفية في جمع البيانات (Epistemological Colonialism):
    شددت ماركوس على خطورة استخدام مقاييس نفسية صُممت في جامعات أمريكية وتطبيقها آلياً عبر الترجمة الحرفية في سياقات لغوية وثقافية أخرى. وطالبت بضرورة التأكد من “التكافؤ المفاهيمي” (Conceptual Equivalence) للأدوات؛ حيث يجب أن تُبنى المفاهيم انطلاقاً من الرؤية المحلية المعاشة لكل ثقافة (Emic Approach) قبل السعي إلى صياغة مقارنات كونية واسعة (Etic Approach).

ولضمان النزاهة الإبستمولوجية للبحث العلمي، أصرت ماركوس طوال مسيرتها على ضرورة الإشراك الكامل والشراكة المتكافئة مع الباحثين المحليين المنتمين إلى الثقافات المدروسة، كشركاء أصيلين في تصميم الدراسات وتفسير نتائجها، رافضة تحويل المجتمعات غير الغربية إلى مجرد “حقول استخراج خام للبيانات” لخدمة الأكاديميات الغربية المهيمنة.

11. الجوائز والتقدير الأكاديمي والمناصب القيادية

11.1 العضويات في الأكاديميات العلمية المرموقة

نالت هيزل روز ماركوس أرفع درجات التقدير والاعتراف الأكاديمي المؤسسي في الولايات المتحدة والعالم تقديراً لأبحاثها الرائدة التي أحدثت نقلة نوعية في بنية العلوم الإنسانية والسلوكية. ومن أبرز تلك المحطات انتخابها عضواً في الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة (National Academy of Sciences – NAS)، وهو أرفع تكريم علمي يمكن أن يحظى به عالم في أمريكا، حيث لا يُمنح إلا للقلة النادرة من العلماء الذين قدموا إنجازات أصيلة واستثنائية ومستمرة في مجالات أبحاثهم الأصلية.

كما تم انتخابها عضواً في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم (American Academy of Arts and Sciences – AAAS)، وهي المؤسسة الفكرية العريقة التي تجمع نخبة من قادة الفكر والعلماء والمبدعين وصناع القرار منذ تأسيسها في القرن الثامن عشر. يعكس هذا الانتخاب التأثير المتجاوز لماركوس؛ إذ لم يعد يُنظر إليها كعالمة نفس اجتماعي فحسب، بل كمنظرة ومفكرة إنسانية كبرى أسهمت في إعادة رسم الفهم الفلسفي لكينونة الإنسان ومجتمعه في القرن الحادي والعشرين.

إلى جانب ذلك، حازت ماركوس على زمالة أرفع الجمعيات العلمية التخصصية، بما في ذلك الجمعية الأمريكية لتقدم العلوم (AAAS)، وجمعية العلوم النفسية (APS)، وجمعية علم النفس الأمريكية (APA)، وجمعية الشخصية وعلم النفس الاجتماعي (SPSP)، مما رسخ مكانتها كواحدة من أكثر الشخصيات العلمية تأثيراً واحتراماً في المشهد الأكاديمي المعاصر.

11.2 الجوائز التقديرية للإسهامات العلمية المتميزة

توجت المسيرة العلمية الحافلة لماركوس بفيض من أرقى الجوائز التقديرية التي تمنحها كبرى المؤسسات الأكاديمية في العالم. فقد حازت على:

  • جائزة المساهمات العلمية المتميزة (Distinguished Scientific Contribution Award) من جمعية علم النفس الأمريكية (APA)، وهي أرفع جائزة تمنحها الجمعية تقديراً للاختراقات النظرية والتجريبية التي غيرت مجرى البحث النفسي بصورة جذرية.
  • جائزة دونالد كامبل للبحث المتميز في علم النفس الاجتماعي (Donald T. Campbell Award) المقدمة من جمعية الشخصية وعلم النفس الاجتماعي (SPSP)، تقديراً لإسهاماتها الخالدة في صياغة نظريات الشخصية والذات وسيكولوجيا الثقافة.
  • ميدالية ويليام جيمس للزمالة المتميزة (William James Fellow Award) من جمعية العلوم النفسية (APS)، وهي جائزة رفيعة تكرم العلماء الذين كرسوا حياتهم لتقديم إسهامات جوهرية ومؤسسة أسهمت في بناء المعرفة النفسية المعاصرة وتطورها المستدام.

تكتسب هذه الجوائز قيمة رمزية مضاعفة بالنظر إلى أن ماركوس حصلت عليها تقديراً لأبحاث كانت في بداياتها تسبح ضد التيار السائد، وتواجه تشكيكاً كبيراً من قِبل التيارات التقليدية التي كانت ترفض الاعتراف بالثقافة أو العوامل الطبقية كمحددات بنيوية للنفس البشرية، مما يبرز شجاعتها الفكرية وإصرارها المنهجي الذي فرض نفسه في النهاية كمعيار علمي لا غنى عنه.

11.3 الأدوار التحريرية والتوجيه الأكاديمي

لعبت هيزل روز ماركوس أدواراً قيادية وتحريرية حاسمة ساعدت من خلالها على توجيه بوصلة النشر العلمي وإعادة تشكيل الأجندات البحثية العالمية. فقد عملت لسنوات طويلة في هيئات تحرير كبرى المجلات المحكمة في العالم، ومن بينها Psychological Review، وJournal of Personality and Social Psychology، وCultural Diversity and Ethnic Minority Psychology، حيث فتحت الباب لنشر الأبحاث العابرة للثقافات والأوراق غير الغربية ودافعت بضراوة عن التعددية المنهجية والفكرية في تقييم الإنتاج العلمي.

وعلى صعيد التوجيه الأكاديمي (Mentorship)، تخرج على يدي ماركوس جيل كامل من ألمع وأبرز باحثي علم النفس الثقافي والاجتماعي المعاصرين الذين يشغلون اليوم كراسي أستاذية مرموقة في أعرق جامعات العالم، ومنهم: نيكول ستيفنز، وألينا تاونسند، وجين شين، وفانيسا لوبيل، وتاتيانا شنايدر، وغيرهم الكثير. اتسم منهجها التوجيهي بالتمكين العميق، والتشجيع على التفكير النقدي الجريء، وغرس الحساسية الإنسانية والاجتماعية في نفوس طلابها وباحثيها.

كما ساهمت ماركوس بخبرتها الاستشارية في إعداد تقارير السياسات العامة الوطنية والدولية، حيث شاركت في لجان استشارية تابعة لمؤسسات حكومية وأممية تعنى بتطوير التعليم ومناهضة التمييز والفقر، وتقديم توصيات حول كيفية تصميم برامج الرعاية الاجتماعية استناداً إلى العلوم السلوكية المتقدمة، لتظل نموذجاً فريداً للعالم الملتزم بقضايا مجتمعه والإنسانية جمعاء.

12. الإرث الفكري والآفاق المستقبلية لمدرسة ماركوس

12.1 إعادة تشكيل الخارطة المعرفية لعلم النفس الحديث

إن النتيجة الأكثر رسوخاً لمسيرة هيزل روز ماركوس العلمية هي أنها أحدثت تحولاً براديغمياً (Paradigm Shift) كاملاً في علم النفس الحديث. فقبل ماركوس، كان ينظر إلى الفرد كحبة بازلاء معزولة في فراغ كوني، وتعتبر ذاته حقيقة بيولوجية صلبة وثابتة؛ أما بعد ماركوس، فقد أصبح من المستحيل الحديث عن “نفس بشرية” دون استحضار البيئة السوسيوثقافية، والطبقية، والتاريخية التي تحتضنها وتمنحها أدوات الفهم والوجود.

نجحت مدرسة ماركوس في تحويل دراسة الذات من كيان جوهراني مجرد وساكن، إلى “ممارسة حية، وفعل تفاعلي، وسيرورة ديناميكية دائمة التجدد”. كما أعادت تعريف مفهوم “الفاعلية الإنسانية” (Human Agency)؛ فالفاعلية لم تعد تعني حصراً التمرد الفردي والسيطرة المستقلة كما يدعي النموذج الغربي، بل باتت تشمل أيضاً فاعلية التوافق، والترابط، وأداء الواجب، والصمود الجماعي المشترك في وجه الصعاب.

واليوم، لا يوجد كتاب مدرسي أكاديمي معتمد في علم النفس في أي جامعة مرموقة حول العالم يخلو من فصل كامل حول نظرية مخطط الذات، أو الذوات الممكنة، أو نموذج الذات المستقلة والمترابطة، مما يبرز كيف استقرت مفاهيمها في صلب النسيج الإبستمولوجي والتربوي المعاصر، مشكلة عقول أجيال لا حصر لها من الدارسين في مختلف أنحاء المعمورة.

12.2 الانتقادات والجدالات العلمية حول نماذجها

بطبيعة الحال، لم يسلم مشروع ماركوس الفكري من السجالات النقدية والجدالات العلمية الساخنة التي رافقت انتشاره الواسع في الأوساط الأكاديمية العالمية. تمحور أحد أبرز هذه الانتقادات حول مدى دقة ثنائية “الاستقلالية مقابل الترابط”؛ حيث جادل بعض الباحثين (مثل دافيد أويشرمان وآخرين) بأن هذا التصنيف قد يسقط أحياناً في اختزالية ثنائية مفرطة، متجاهلاً التنوع الهائل والتعقيد الشديد داخل الثقافة الواحدة، أو متغافلاً عن حقيقة أن الفرد الواحد قد يجمع في شخصيته بين نزعات الاستقلال والترابط في مواقف حياتية متباينة.

كما واجهت بعض دراسات علم النفس الثقافي الكلاسيكية تحديات في ضوء ما يُعرف بـ “أزمة التكرار” (Replication Crisis) التي عصفت بعلم النفس التجريبي في العقد الماضي؛ حيث شكك بعض النقاد في إمكانية تكرار نتائج بعض التجارب المخبرية بنفس الدقة في سياقات جديدة ومختلفة، مشيرين إلى أن الاعتماد المكثف على عينات طلاب الجامعات قد يكون قيداً على تعميم النظريات.

استجابت ماركوس وزملاؤها لهذه التحديات برحابة صدر أكاديمية ودقة علمية فائقة؛ فقاموا بتطوير النماذج الأصلية لتستوعب التعددية والتعقيد والسيولة الثقافية بصورة أعمق، موضحين أن الاستقلالية والترابط ليسا طرفي نقيض متنافرين، بل هما منظومتان سيكولوجيتان يمكن أن تتعايشا وتتداخلا داخل الفرد والمجتمع الواحد. وشددت ماركوس على أن الهدف من النماذج لم يكن أبداً وضع البشر في صناديق تصنيفية مغلقة، بل توفير أدوات إرشادية وتفسيرية لفهم الأنماط السائدة واستكشاف إمكانيات التجربة الإنسانية الرحبة وتناقضاتها الخصبة.

12.3 مستقبل علم النفس الثقافي في عصر العولمة والرقمنة

في عصر التحولات التكنولوجية المتسارعة، والذكاء الاصطناعي، والتدفق المعلوماتي العابر للقارات، يكتسب إرث هيزل روز ماركوس راهنية قصوى وأهمية متجددة تفوق أي وقت مضى. يواجه علم النفس الثقافي اليوم سؤالاً وجودياً جديداً: كيف تتشكل الذوات الإنسانية في عالم تهيمن عليه المنصات الرقمية وتخترقه فضاءات التواصل الافتراضي؟

تفتح مدرسة ماركوس آفاقاً ساحرة لتطبيق نظرية الذات ودورة الثقافة على العالم الرقمي؛ حيث تصبح منصات التواصل الاجتماعي (مثل إنستغرام، وتيك توك) بمثابة “مؤسسات تفاعلية يومية” تعيد هندسة مخططات الذات والذوات الممكنة لدى المراهقين والشباب بطرق غير مسبوقة، صانعة خليطاً هجيناً من الذوات الرقمية التي تجمع بين نزعة الاستعراض الفردي الفج والاعتماد الشديد على القبول الجماعي والتقييم اللحظي للأقران.

كما تقدم رؤى ماركوس أدوات حيوية لفهم الهويات الثقافية الهجينة لدى أبناء المهاجرين والأجيال الجديدة في المجتمعات المعولمة، والذين ينشأون في تقاطعات حية بين ثقافات عائلية مترابطة وثقافات رقمية ومحلية مستقلة. سيظل هذا التراث الحي يلهم الأبحاث النفسية المعاصرة الموجهة نحو فهم الإنسان، ومقاومة نزعات التنميط الآلي، وتسخير المعرفة السلوكية لخدمة العدالة الاجتماعية والتغيير الإنساني الإيجابي في عالم يزداد تعقيداً وتشابكاً كل يوم.

خاتمة: آفاق متجددة في سيكولوجيا الإنسان والثقافة

في ختام هذا الاستقصاء الشامل لمسيرة عالمة النفس الفذة هيزل روز ماركوس، يتجلى لنا بوضوح أن مشروعها الفكري لم يكن مجرد إضافة تراكمية إلى أدبيات علم النفس، بل كان زلزالاً إبستمولوجياً أعاد تأسيس العلم على قواعد جديدة أكثر عدالة ورحابة وإنسانية. من خلال كسرها للصنم الغربي المتمثل في “الإنسان الكوني المجرد”، علمتنا ماركوس أن التنوع البشري ليس تفصيلاً هامشياً، بل هو جوهر الطبيعة البشرية نفسها، وأن فهم العقل يقتضي بالضرورة فهم العالم الذي يصنعه ويصوغه.

لقد قدمت ماركوس عبر مسيرتها المظفرة — من “مخططات الذات” و”الذوات الممكنة”، إلى “الذات المستقلة والمترابطة”، و”دورة الثقافة”، و”الطبقة الاجتماعية كنسيج نفسي”، وصولاً إلى مبادرة SPARQ الميدانية — درساً بليغاً في كيفية تحويل الصرامة المنهجية التجريبية إلى أداة لتحرير الوعي الإنساني وتفكيك اللامساواة الهيكلية. تذكرنا أعمالها دائماً بأننا لسنا أسرى لحتميات بيولوجية عمياء، ولا ضحايا عاجزين لبيئاتنا الاجتماعية؛ بل نحن صناع للمعنى، ننسج ثقافاتنا كل يوم بممارساتنا وتفاعلاتنا، ونستطيع دائماً — عبر المعرفة النقدية والعمل المشترك — أن نعيد صياغة تلك الثقافات لنبني عالماً أكثر عدالة، وكرامة، وتضامناً للجميع.

المراجع

  • Markus, H. R. (1977). Self-schemata and processing information about the self. Journal of Personality and Social Psychology, 35(2), 63–78. https://doi.org/10.1037/0022-3514.35.2.63
  • Markus, H., & Nurius, P. (1986). Possible selves. American Psychologist, 41(9), 954–969. https://doi.org/10.1037/0003-066X.41.9.954
  • Markus, H. R., & Kitayama, S. (1991). Culture and the self: Implications for cognition, emotion, and motivation. Psychological Review, 98(2), 224–253. https://doi.org/10.1037/0033-295X.98.2.224
  • Markus, H. R., & Kitayama, S. (2010). Cultures and selves: A cycle of mutual constitution. Perspectives on Psychological Science, 5(4), 420–430. https://doi.org/10.1177/1745691610375557
  • Markus, H. R., & Moya, P. C. (Eds.). (2010). Doing race: 21 essays for the 21st century. W. W. Norton & Company.
  • Stephens, N. M., Markus, H. R., & Townsend, S. S. (2007). Choice as an act of meaning: The case of social class. Journal of Personality and Social Psychology, 93(5), 814–830. https://doi.org/10.1037/0022-3514.93.5.814
  • Stephens, N. M., Fryberg, S. A., Markus, H. R., Johnson, C. S., & Covarrubias, R. (2012). Unseen disadvantage: How American universities’ focus on independence undermines the academic performance of first-generation college students. Journal of Personality and Social Psychology, 102(6), 1178–1197. https://doi.org/10.1037/a0027143
  • Markus, H. R., & Conner, A. (2014). Clash!: How to thrive in a multicultural world. Penguin Books.
  • Eberhardt, J. L. (2019). Biased: Uncovering the hidden prejudice that shapes what we see, think, and do. Viking.
  • Voigt, R., Camp, N. P., Prabhakaran, V., Hamilton, W. L., Hetey, R. C., Griffiths, C. M., Jurgens, D., Jurafsky, D., & Eberhardt, J. L. (2017). Language from police body camera footage shows racial disparities in officer respect. Proceedings of the National Academy of Sciences, 114(25), 6521–6526. https://doi.org/10.1073/pnas.1702413114
  • Henrich, J., Heine, S. J., & Norenzayan, A. (2010). The weirdest people in the world?. Behavioral and Brain Sciences, 33(2-3), 61–83. https://doi.org/10.1017/S0140525X0999152X
  • Kitayama, S., & Cohen, D. (Eds.). (2007). Handbook of cultural psychology. Guilford Press.
★

تقييم هذا المحتوى

5.0 / 5 • 7 تقييمات