السيرة
يمثل البروفيسور هربرت تشارلز كيلمان (Herbert C. Kelman)، الممتدة مسيرته بين عامي 1927 و2022، واحداً من أبرز أعمدة علم النفس الاجتماعي والسياسي في القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين. لم يكن كيلمان مجرد باحث أكاديمي يكتفي بمراقبة الظواهر السلوكية من وراء جدران المختبرات الجامعية، بل جسّد نموذجاً فريداً للعالم الملتزم الذي وظف أدوات التحليل السيكولوجي لتفكيك أكثر النزاعات الدولية تعقيداً ولإعادة بناء المفاهيم الأخلاقية الحاكمة للسلوك الإنساني في مواجهة طغيان السلطة والعنف المؤسسي. لقد شكلت حياته وأعماله جسراً معرفياً بين الصرامة المنهجية للعلوم السلوكية والعمق الفلسفي للأخلاق الاجتماعية والعدالة الإنسانية.
تكمن فرادة المشروع الفكري لكيلمان في قدرته الاستثنائية على الجمع بين النظرية الدقيقة والتطبيق الميداني الجريء؛ فمن صياغته الرائدة لنظرية عمليات التأثير الاجتماعي الثلاث (الامتثال، والتقمص، والاستيعاب الداخلي) إلى أطروحته التأسيسية حول “جرائم الإطاعة” التي فككت العوامل البنيوية والنفسية المسؤولة عن ارتكاب الفظائع الجماعية بتوجيهات سلطوية، وصولاً إلى ابتكاره لمنهجية “حل المشكلات التفاعلي” (Interactive Problem-Solving) بوصفها أداة لتحقيق السلام، استطاع كيلمان أن يرسي تقاليد علمية راسخة ألهمت أجيالاً متعاقبة من الدبلوماسيين، وعلماء النفس، والمصلحين السياسيين عبر العالم.
إن قراءة المسيرة الفكرية لهربرت كيلمان اليوم ليست مجرد استرجاع تاريخي لمنجزات راحل كبير، بل هي استدعاء لنموذج تحليلي ملح في زمن تتصاعد فيه النزعات القومية المتطرفة، وتتآكل فيه منظومات الحوار الدبلوماسي التقليدي، وتبرز فيه الحاجة الماسة إلى فهم الحواجز النفسية الوجودية التي تحول دون تحقيق المصالحة بين الشعوب. في هذا البحث الشامل، سنستعرض بالتفصيل المحطات السيرذاتية، والمفاهيم النظرية، والمقاربات الأخلاقية والميدانية التي جعلت من كيلمان رائداً بلا منازع في علم نفس السلام وحل النزاعات الدولية.
1. المدخل السيرذاتي والنشأة التاريخية لهربرت كيلمان (1927-2022)
1.1 الولادة والنشأة في فيينا وظلال الهولوكوست
ولد هربرت تشارلز كيلمان في الثامن عشر من مارس عام 1927 في العاصمة النمساوية فيينا، في كنف عائلة يهودية تنتمي إلى الطبقة الوسطى. كانت فيينا في عشرينيات وثلاثينيات القرن المنصرم مركزاً حيوياً للتناقضات الفكرية والسياسية؛ فبينما كانت المدينة تشهد ازدهاراً في التيارات الفلسفية والنفسية، كانت في الوقت ذاته تغلي بالاضطرابات الاجتماعية وتصاعد النزعات الفاشية ومعاداة السامية التي كانت تنذر بانهيار الجمهورية النمساوية الأولى. عايش الطفل كيلمان تلك الأجواء المشحونة بالخوف والترقب، حيث تشبع وعيه المبكر بمشاعر التهديد الوجودي المحدق بالأقليات في ظل بيئة سياسية تتجه بسرعة نحو التطرف والإقصاء.
بلغت هذه التحولات ذروتها المأساوية في مارس من عام 1938 مع حدث “الأنشلوس” (ضم النمسا إلى ألمانيا النازية)، حيث شهد كيلمان، الذي كان يبلغ من العمر آنذاك أحد عشر عاماً، التحول الدراماتيكي في سلوك الجيران وزملاء الدراسة، والذين تحولوا بين عشية وضحاها من مواطنين مسالمين إلى مشاركين في الإذلال العلني لليهود. نجحت عائلته بأعجوبة في مغادرة النمسا في عام 1939، متنقلة عبر أنتويرب في بلجيكا قبل أن تتمكن من الإبحار نحو الولايات المتحدة الأمريكية، لتصل إلى نيويورك في ربيع ذلك العام هرباً من المحرقة النازية التي ابتلعت العديد من أقاربهم وأفراد مجتمعهم الأصلي.
تركت تجربة اللجوء والنجاة من الإبادة الجماعية جرحاً غائراً في وجدان كيلمان، لكنها في الوقت ذاته شكلت الدافع الوجودي الأقوى لمسيرته الأكاديمية والمهنية اللاحقة. لم تترجم هذه الصدمة التاريخية لديه إلى رغبة في الانتقام أو الانغلاق القومي، بل تحولت إلى التزام أخلاقي صارم بنبذ العنف، والبحث في الجذور النفسية للكراهية، ومحاولة فهم كيف يمكن لأفراد عاديين ومؤسسات متحضرة ظاهرياً أن ينزلقوا إلى ارتكاب أفظع الجرائم ضد الإنسانية. كان الانتقال إلى المجتمع الأمريكي بمثابة ولادة ثانية أتاحت له الانخراط في بيئة ديمقراطية وفرت له حرية التفكير والتعبير والبحث الأكاديمي الرصين.
1.2 البدايات الأكاديمية والاهتمامات الفكرية الأولى
بعد استقراره في نيويورك، التحق كيلمان بـ كلية بروكلين (Brooklyn College)، وهي مؤسسة كانت تمثل آنذاك بوتقة للفكر الليبرالي التقدمي والنشاط السياسي الطلابي. هناك، وجد كيلمان بيئة فكرية خصبة سمحت له باستكشاف تقاطعات الفلسفة، والعلوم الاجتماعية، وعلم النفس. نال درجة البكالوريوس في علم النفس واللغة الإنجليزية في عام 1947، وكان خلال هذه الفترة مشتبكاً بعمق مع الحركات المناهضة للحرب والمنادية بالعدالة العرقية، متأثراً بالتقاليد الفلسفية التي ترى في المعرفة العلمية وسيلة للتحرر الاجتماعي والإنساني لا مجرد ترف أكاديمي منعزل عن الواقع.
انتقل كيلمان بعد ذلك إلى جامعة ييل المرموقة لمتابعة دراساته العليا، حيث حصل على درجة الدكتوراه في علم النفس الاجتماعي عام 1951 تحت إشراف العالم البارز كارل هوفلاند (Carl Hovland)، رائد دراسات الاتصال وتغيير الاتجاهات. في ييل، تعرض كيلمان للصرامة المنهجية والتجريبية التي ميزت المدرسة الأمريكية في علم النفس، لكنه تميز عن أقرانه بإصراره على ربط هذه النماذج التجريبية بالقضايا الاجتماعية الملحة. كما تأثر بعمق بكتابات كورت ليفين (Kurt Lewin) ومدرسته في “ديناميات الجماعة” وبحوث الفعل (Action Research)، والتي رسخت لديه القناعة بأن أفضل طريقة لفهم نظام اجتماعي أو نفسي هي محاولة تغييره نحو الأفضل.
تجلت بواكير أطروحاته الفكرية في سعيه الدؤوب للربط بين الفلسفة الأخلاقية المعيارية والتحليل السيكولوجي الإمبيريقي. رأى كيلمان أن علم النفس الاجتماعي لا يمكن أن يدعي “الحياد الأخلاقي” الموهوم حين يتعامل مع قضايا الاستبداد والحرية والظلم؛ فالإنسان ليس مجرد كائن يستجيب للمثيرات البيئية كما تصوره السلوكية الكلاسيكية، بل هو فاعل أخلاقي يمتلك القدرة على الاختيار ومحاسبة الذات. هذه الرؤية التكاملية مهدت الطريق لأبحاثه اللاحقة التي أعادت تعريف حدود علم النفس الاجتماعي بوصفه علماً مسؤولاً أخلاقياً وسياسياً أمام المجتمع الإنساني ككل.
2. المسار المهني والأكاديمي وتأسيس كرسي الأخلاق الاجتماعية
2.1 العمل الأكاديمي في كبرى الجامعات الأمريكية
بدأ هربرت كيلمان مسيرته الأكاديمية والبحثية بسلسلة من التعيينات المرموقة التي صقلت هويته العلمية كأحد أبرز علماء النفس في جيله. عمل في مطلع الخمسينيات في جامعة جونز هوبكنز والمعهد الوطني للصحة العقلية (NIMH)، قبل أن ينتقل إلى جامعة ميشيغان، وتحديداً في معهد أبحاث النظم الاجتماعية (Institute for Social Research – ISR)، الذي كان يعد المركز العالمي الأول لأبحاث السلوك الجمعي والاتجاهات العامة. في ميشيغان، تفاعل كيلمان مع نخبة من الرواد متعددي التخصصات، وطور نماذجه الأولى حول العمليات السلوكية في السياسة الدولية.
في عام 1968، حقق كيلمان قفزة نوعية بانتقاله إلى جامعة هارفارد، حيث أمضى أكثر من ثلاثة عقود في التدريس والبحث المكثف. وفي هارفارد، ارتقى ليشغل كرسي “ريتشارد كلارك كابوت للأخلاق الاجتماعية” (Richard Clarke Cabot Professor of Social Ethics)، وهو المنصب الأكاديمي المرموق الذي مكنه من ترسيخ رؤيته التي تضع الأخلاق في قلب التحليل النفسي والاجتماعي. أتاح له هذا الكرسي بناء برنامج أبحاث متقدم استقطب باحثين من مختلف أنحاء العالم، وركز على دراسة كيفية تأثير الهياكل السياسية على الضمير الفردي، وكيف يمكن للعلم السلوكي أن يسهم في كبح جماح العنف الهيكلي والمؤسسي.
إلى جانب عمله التدريسي، كان كيلمان ريادياً في المأسسة الأكاديمية لدراسات السلام؛ فقد كان أحد المؤسسين الفاعلين لـ “مجلة حل النزاعات” (Journal of Conflict Resolution) في أواخر الخمسينيات، والتي أصبحت الدورية المحكمة الأولى عالمياً في هذا الميدان. كما ساهم بجهود محورية في إنشاء وتوجيه الجمعية الدولية لعلم النفس السياسي (ISPP)، وشغل منصب رئيسها في وقت لاحق، مؤكداً باستمرار على ضرورة إخضاع الظواهر الدبلوماسية والنزاعات المسلحة للتحليل النفسي المنهجي المعتمد على الأدلة التجريبية والمنطلقات الإنسانية.
2.2 الربط المنهجي بين علم النفس والقضايا العالمية
تميز المسار المهني لكيلمان برفضه القاطع للتقوقع داخل البرج العاجي للأكاديميا؛ إذ عمل بلا هوادة على سحب نظريات علم النفس الاجتماعي من سياق التوصيف النظري المجرد إلى فضاء السياسات العامة والعلاقات الدولية. اعتبر أن النزاعات الجيوسياسية الكبرى—مثل الحرب الباردة، والصراع العربي الإسرائيلي، والحروب الأهلية العرقية—ليست مجرد مناورات عسكرية أو حسابات جغرافية لقوى تتبع مبادئ الواقعية السياسية، بل هي في جوهرها ممارسات بشرية تحركها مخاوف نفسية عميقة، وتصورات خاطئة، وعمليات تشويه إدراكي بين الجماعات المتصارعة.
تجسد هذا الربط المنهجي في تأسيسه لبرامج تدريبية متقدمة في هارفارد تمحورت حول التفاوض الدولي وحل النزاعات، لا سيما من خلال مشاركته الفعالة في “برنامج التفاوض” (Program on Negotiation – PON) بكلية الحقوق في هارفارد. حرص كيلمان على أن تكون هذه البرامج بيئة تدريبية يختبر فيها قادة المستقبل وخبراء السياسة الخارجية تأثير الدوافع النفسية غير العقلانية على صانعي القرار، وكيفية بناء آليات دبلوماسية بديلة تتجاوز منطق الصفرية (Zero-Sum Game) إلى فضاءات الحلول التكاملية التي تلبي الاحتياجات الأساسية لجميع الأطراف.
أشرف كيلمان خلال عقوده الخمسة في التعليم العالي على أجيال من الباحثين وصناع السياسات الذين أصبحوا لاحقاً أساتذة في جامعات عالمية ومفاوضين في أزمات دولية معقدة. امتد نشاطه الاستشاري ليشمل الأمم المتحدة، والعديد من المنظمات غير الحكومية الدولية المعنية بحقوق الإنسان وبناء السلام، ومركز وودرو ويلسون الدولي للعلماء. كان صوته حاضراً دائماً للتذكير بأن الاستقرار السياسي الحقيقي لا يمكن أن يتحقق عبر الإملاءات العسكرية أو القمع المؤسسي، بل عبر تفكيك الجذور السيكولوجية للمظالم وتحقيق العدالة الاجتماعية المعترف بها تبادلياً.
3. نظرية عمليات التأثير الاجتماعي الثلاث: الأسس والتطبيقات
3.1 الامتثال (Compliance) وديناميات المكافأة والعقاب
في عام 1958، نشر هربرت كيلمان بحثه الكلاسيكي المفصلي بعنوان “الامتثال والتقمص والاستيعاب الداخلي: ثلاث عمليات لتغيير الموقف”، واضعاً حجر الأساس لأحد أشهر النماذج التفسيرية لـ التأثير الاجتماعي في علم النفس الحديث. العملية الأولى في هذا النموذج هي “الامتثال” (Compliance)، والتي تُعرّف بأنها استجابة الفرد لمطالب أو توجيهات صادرة عن جهة خارجية مؤثرة ليس بسبب اقتناعه الفعلي بمضمون السلوك، بل سعياً وراء تحقيق مكافأة مادية أو اجتماعية محددة، أو تجنباً لعقوبة وتهديد مباشر تملكه تلك الجهة الموجهة.
وفقاً لتحليل كيلمان، ترتبط دينامية الامتثال ارتباطاً وثيقاً بـ “سلطة الرقابة” (Surveillance)؛ فالسلوك الممتثل يظل قائماً ومستمراً فقط طالما أن الجهة المصدرة للأمر تملك القدرة على مراقبة أفعال الفرد ومجازاته عليها. بمجرد غياب هذه الرقابة الخارجية المباشرة أو تلاشي أدوات الإنفاذ العقابي، يتلاشى السلوك تلقائياً أو يعود الفرد إلى نمطه السلوكي الأصلي، نظراً لغياب أي تثبيت قيمي أو معرفي داخلي لهذا السلوك الممارس، مما يجعل الامتثال أدنى درجات التأثير الاجتماعي من حيث العمق والاستدامة.
تتجلى هذه العملية بوضوح في البيئات المؤسسية والبيروقراطية الصارمة، كالأنظمة العسكرية أو الشركات ذات الإدارة السلطوية، وكذا في الأنظمة السياسية الشمولية. في هذه السياقات، يمارس الأفراد واجباتهم أو يظهرون الولاء للزعيم أو المؤسسة بدوافع براغماتية بحتة تتعلق بالحفاظ على الوظيفة أو تجنب الملاحقة الأمنية. بيّن كيلمان أن خطورة الاعتماد على الامتثال تكمن في هشاشته البنيوية؛ فهو يخلق مظهراً خادعاً من الاستقرار والنظام، لكنه استقرار سطحي محكوم بالخوف ينهار فور حدوث أي ثغرة في جدار الرقابة المؤسسية.
3.2 المطابقة أو التقمص (Identification) وبناء العلاقات
المستوى الثاني في نظرية التأثير الاجتماعي لدى كيلمان هو “التقمص” أو “المطابقة” (Identification). تحدث هذه العملية عندما يتبنى الفرد سلوكاً أو نمط تفكير مشتقاً من شخص آخر أو جماعة معينة ليس بسبب الخوف من العقاب، بل لأن هذا السلوك مرتبط بتأسيس أو الحفاظ على علاقة إيجابية ومرضية مع ذلك المصدر، أو لرغبة الفرد في أن يكون مشابهاً له. هنا، تصبح الجاذبية الاجتماعية (Attractiveness) أو المكانة الرمزية للمصدر هي المحرك الأساسي لعملية التغيير، حيث يستمد الفرد جزءاً من تعريفه لذاته وهويته من خلال هذا الانتماء والتماهي.
يختلف التقمص عن الامتثال في كونه لا يتطلب وجود رقابة خارجية مستمرة من قبل المصدر؛ فالفرد يمارس السلوك طالما ظلت العلاقة بالنموذج المرجعي ذات قيمة وأهمية في تعريفه لذاته وطالما كان الدور الاجتماعي المرتبط به فاعلاً ومحفزاً. ومع ذلك، يختلف التقمص جوهرياً عن الاقتناع الفكري التام؛ فالفرد لا يتبنى الأفكار لأنها متطابقة مع منظومته الأخلاقية المجردة، بل لأنها تمثل “تذكرة عبور” تضمن له القبول داخل الجماعة المرجعية، أو تجعله يشعر بالارتباط برمز ذي مكانة اجتماعية مرموقة، مما يجعله تابعاً لتقلبات العلاقة بينه وبين ذلك المصدر.
تجد عملية التقمص تطبيقات واسعة في الحركات الاجتماعية، والأحزاب السياسية، وظواهر الثقافة الشعبية، والانتماءات القبلية أو القومية العاطفية. في هذه الفضاءات، يتبنى الأفراد أيديولوجيات وشعارات معقدة لمجرد شعورهم بالفخر والاعتزاز بالانتماء للجماعة، وتتحول آراء القادة إلى حقائق مقدسة لدى التابعين دون إخضاعها للفحص النقدي المستقل. يوضح كيلمان أن هذا النوع من التأثير يمنح الجماعات تماسكاً هائلاً، لكنه ينطوي على مخاطر التبعية العمياء، حيث يضحي الفرد باستقلاليته الفكرية في سبيل الحفاظ على دفء الاندماج الاجتماعي مع الكيان الجمعي.
3.3 التذويت أو الاستيعاب الداخلي (Internalization) وتناسق القيم
يمثل “الاستيعاب الداخلي” أو “التذويت” (Internalization) أعمق مستويات التأثير الاجتماعي وأكثرها ديمومة في نظرية كيلمان. يحدث التذويت عندما يقبل الفرد تأثيراً معيناً لأن محتوى السلوك أو الفكرة المقترحة يتوافق جوهرياً وبشكل متسق مع منظومته القيمية الذاتية وقناعاته الفلسفية الراسخة. في هذه الحالة، لا يمثل الشخص المؤثر مصدر مكافأة أو رمزاً للتماهي فقط، بل يُنظر إليه كمصدر للمصداقية (Credibility)، والخبرة، والحقيقة الموضوعية، مما يقنع الفرد بأن السلوك الجديد هو الخيار السليم والمنطقي بذاته.
الميزة الأبرز لعملية الاستيعاب الداخلي هي استقلاليتها التامة عن المصدر الخارجي بعد اكتمال حدوثها؛ فالقيمة أو السلوك المستوعب داخلياً يصبح جزءاً لا يتجزأ من البنية المعرفية والأخلاقية للفرد. لا يحتاج الشخص المذوّت إلى وجود رقابة خارجية (كما في الامتثال)، ولا يتوقف سلوكه على استمرار ارتباطه العاطفي بالجماعة أو القائد (كما في التقمص). حتى لو انقلب المصدر الأصلي على أقواله أو اختفى تماماً من المشهد، فإن الفرد يظل متمسكاً بالفكرة لأنها أصبحت نابعة من ضميره الذاتي ومعاييره الداخلية للحق والعدل.
يحظى مفهوم التذويت بأهمية قصوى في دراسات التنشئة الأخلاقية والتحولات السياسية الإيجابية وبناء ثقافة السلام المستدام. لقد جادل كيلمان بأن أي تسوية سياسية أو إصلاح مجتمعي يعتمد فقط على الامتثال التكتيكي للضغوط، أو التقمص العاطفي العابر للزعامات الكاريزمية، سيكون مصيره الفشل في المدى البعيد. إن السلام الحقيقي يتطلب تذويتاً متبادلاً لقيم العدالة، والمساواة، والاعتراف الإنساني بالآخر؛ حيث تندمج هذه المبادئ في المنظومة الأخلاقية العميقة للشعوب المعنية، لتصبح جزءاً من وعيها المشترك الذي يحصنها ضد الانزلاق مجدداً نحو الصراع والعداء.
4. أخلاقيات البحث في علم النفس الاجتماعي وموقف كيلمان الصارم
4.1 نقد استخدام الخداع التجريبي في التجارب النفسية
في ستينيات القرن العشرين، كان علم النفس الاجتماعي الأمريكي يعيش ذروة اعتماده على منهجيات “الخداع التجريبي” (Experimental Deception)، والتي شملت تجارب شهيرة مثل دراسات ستانلي ميلغرام حول الإطاعة وتجارب التوافق لسولومون آش، حيث كان يتم تضليل المشاركين بشكل منهجي حول الطبيعة الحقيقية للتجربة لدراسة سلوكهم العفوي تحت الضغط. في هذا السياق، برز هربرت كيلمان كأحد أكثر الأصوات الأكاديمية جرأة ونقداً لهذه الممارسات، معتبراً أن الاعتماد المفرط على الكذب والتضليل في البحث العلمي يعكس أزمة أخلاقية بنيوية تهدد النزاهة الإنسانية للعلم ذاته.
جادل كيلمان في مقالاته المفصلية، لا سيما بحثه الشهير المنشور عام 1967 بعنوان “حقوق الإنسان ومسؤولية الباحثين”، بأن تضليل المبحوثين ينتهك كرامتهم الإنسانية الأساسية ويعاملهم كأدوات ووسائل لتحقيق غايات بحثية بدلاً من معاملتهم كغايات في حد ذاتهم، مستدعياً هنا الفلسفة الأخلاقية لإيمانويل كانط. وأكد أن هذه الممارسات لا تقتصر أضرارها على الصدمات النفسية الآنية التي قد تصيب المشاركين عند اكتشافهم الخدعة، بل تمتد لتخلق مناخاً من انعدام الثقة بين المجتمع والمؤسسات الأكاديمية، مما يرسخ صورة العالم المتلاعب غير الشفاف في الوعي الجمعي.
لم يكتفِ كيلمان بالنقد السلبي، بل سعى جاداً إلى ابتكار وتطوير بدائل منهجية صارمة لا تتطلب خداع المشاركين، مثل منهجيات “لعب الأدوار الأخلاقي” (Role-Playing) وتقنيات المحاكاة الواعية والمدروسة. جادل بأن المشارك إذا عومل كشريك فاعل في العملية البحثية وتم اطلاعه بوعي على أهداف الدراسة ومساراتها، فإن البيانات الناتجة تكون أكثر صدقاً ونضجاً وأخلاقية من تلك المستخرجة عبر التضليل والخداع الاصطناعي، مؤسساً بذلك لحوار إبستيمولوجي واسع أعاد ضبط بوصلة التجارب السلوكية لعقود تالية.
4.2 تطوير المعايير الأخلاقية والموافقة المستنيرة
لعب هربرت كيلمان دوراً محورياً وتاريخياً في صياغة ومأسسة مواثيق الأخلاقيات المهنية لـ جمعية علم النفس الأمريكية (APA). قاد نقاشات مكثفة داخل اللجان المهنية لإعادة تقييم موازين “التكلفة والفائدة الاجتماعية” في الأبحاث، مؤكداً أن التقدم المعرفي المحتمل لا يمكن أبداً أن يبرر تدمير الكرامة الفردية أو إلحاق الضرر النفسي طويل الأمد بالمشاركين، وأن الأخلاق ليست قيداً خارجياً يُفرض على العلم، بل هي الشرط التأسيسي لمشروعيته المجتمعية.
كان لكيلمان الفضل الأكبر في ترسيخ المعايير الحديثة لمبدأ “الموافقة المستنيرة” (Informed Consent) في العلوم السلوكية؛ حيث ناضل لضمان ألا تقتصر هذه الموافقة على توقيع ورقي روتيني، بل أن تكون عملية واعية يفهم فيها المشارك كامل المخاطر والتوقعات، مع ضمان حقه المطلق في الانسحاب من التجربة في أي مرحلة دون التعرض لأي تبعات أو ضغوط سلبية. كما دعا إلى تعزيز جلسات “إزالة الضرر واستخلاص النتائج” (Debriefing) كواجب أخلاقي وتعليمي يعيد للمشارك احترامه الذاتي ويوضح له طبيعة الإسهام العلمي الذي شارك فيه.
تجاوزت رؤية كيلمان للأخلاقيات حدود التعامل الفردي مع المشاركين في التجارب لتشمل “المسؤولية الاجتماعية العامة للعالم”. فقد رأى أن الأكاديميين يتحملون التزاماً أخلاقياً تجاه الاستخدامات السياسية والعسكرية لنظرياتهم وأبحاثهم؛ فلا يجوز لعالم النفس أن يطور تقنيات للتأثير أو غسيل الأدمغة أو الإقناع القسري لصالح الأجهزة الاستخباراتية أو العسكرية متذرعاً بالحياد التقني. هذا الموقف الصارم جعل من كيلمان بوصلة أخلاقية حمت أجيالاً من الباحثين من الانخراط في مشروعات تمس حقوق الإنسان وحريات الشعوب الأساسية.
5. سيكولوجية جرائم الإطاعة وتفكيك آليات العنف المؤسسي
5.1 مفهوم ‘جرائم الإطاعة’ وأطروحة كيلمان وهاميلتون
في عام 1989، توج هربرت كيلمان أبحاثه الرائدة حول العنف المؤسسي بنشر كتابه المرجعي البارز “جرائم الإطاعة: نحو علم نفس اجتماعي للسلطة والمسؤولية” (Crimes of Obedience)، بالاشتراك مع عالم الاجتماع ف. لي هاميلتون (V. Lee Hamilton). انطلق الكتاب من صدمة مجزرة “ماي لاي” (My Lai Massacre) التي ارتكبتها القوات الأمريكية خلال حرب فيتنام عام 1968، حيث أُبيد مئات المدنيين العزل من النساء والأطفال بناءً على أوامر عسكرية صريحة، ليعيد فحص الأساس النفسي والقانوني الذي يستند إليه الأفراد لتبرير ارتكاب الفظائع تحت غطاء “تنفيذ الأوامر العليا”.
صاغ كيلمان وهاميلتون تعريفاً دقيقاً لمفهوم “جرائم الإطاعة” (Crimes of Obedience) بوصفها أفعالاً غير قانونية، أو تنتهك القوانين الإنسانية الدولية، يرتكبها الأفراد استجابةً لأوامر صادرة عن سلطة رسمية يقرون بشرعيتها، أو في سياق تنفيذ سياسات عامة صادرة عن تلك السلطة. رفض المؤلفان بشدة التفسيرات التبسيطية السائدة التي تختزل مثل هذه الجرائم البشعة في “الاعتلال النفسي الفردي” للجنود المنفذين أو تعتبرهم مجرد “تفاحات فاسدة”، مؤكدين أن الجريمة هنا تنبع من صميم الهيكل الاجتماعي والنفسي للمؤسسة ذاتها التي تعيد توجيه الضمير الأخلاقي للأفراد.
حلل كيلمان بعمق الصراع التمزيقي بين الواجب الأخلاقي الفردي والولاء للمؤسسة الرسمية، مشيراً إلى أن المجتمعات الحديثة تدرب مواطنيها عبر التنشئة المنهجية على اعتبار الطاعة فضيلة مدنية كبرى، مما يجعل التمرد على الأوامر الصادرة عن السلطة يبدو في وعي الفرد وكأنه خيانة أخلاقية ونكوص عن الواجب، وليس العكس. قادت هذه الأطروحة إلى تفكيك أسطورة “البراءة البيروقراطية”، ورسخت في الفقه الجنائي الدولي والنفسي ضرورة مساءلة الأفراد جنائياً وأخلاقياً عن الأوامر غير القانونية التي ينفذونها، بغض النظر عن هيبة ومكانة السلطة الآمرة.
5.2 العمليات الاجتماعية الثلاث المسهلة للعنف: الترخيص والروتين والتجريد من الإنسانية
لتفسير الكيفية التي تتحول بها المجتمعات والمؤسسات إلى أدوات لارتكاب المذابح والانتهاكات الشاملة دون مقاومة تذكر من قبل منتسبيها، حدد كيلمان ثلاث عمليات اجتماعية ونفسية متكاملة تعمل على إخماد الوازع الأخلاقي وتسهيل العنف الهيكلي:
- الترخيص (Authorization): وهي العملية التي يتم من خلالها تجريد الفعل العنيف من بعده الأخلاقي الفردي ونقله بالكامل إلى عهدة السلطة. حين تصدر الأوامر من جهة عليا ذات شرعية معترف بها، يشعر الفرد المنفذ بأنه معفى تماماً من المسؤولية الأخلاقية والجنائية عن أفعاله، حيث يتحول دوره في وعيه الخاص من فاعل أخلاقي مستقل يقرر الخطأ والصواب إلى مجرد امتداد ميكانيكي أو أداة تنفيذية محايدة في يد صانع القرار الأعلى.
- الروتين (Routinization): بعد الترخيص للفعل، تأتي مرحلة تحويل العنف إلى إجراءات عمل إدارية وبيروقراطية رتيبة ومجزأة. من خلال تقسيم العمل، وتوزيع المهام إلى خطوات تقنية صغيرة (كإعداد القوائم، أو قيادة شاحنات النقل، أو تزويد الوقود)، ينشغل الفرد بالتفاصيل الإجرائية والامتثال للمعايير المهنية البحتة، مما يحجب عنه الرؤية الكلية للجريمة وعواقبها الإنسانية المروعة، ويمنع نشوء الأسئلة الأخلاقية حول مغزى الفعل ككل.
- التجريد من الإنسانية (Dehumanization): لإتمام دائرة العنف المؤسسي وحماية الجناة من الصدمة النفسية الناتجة عن إيذاء بني جنسهم، تعمد الأنظمة إلى تجريد الضحايا من خصائصهم الإنسانية وهويتهم الفردية. يتم تصوير الضحايا في الخطاب الإعلامي والسياسي كـ “أرقام”، أو “تهديدات بيولوجية”، أو “حشرات”، أو كائنات لا تستحق التعاطف أو الحماية المجتمعية المشتركة، مما يجعل قتلهم أو تعذيبهم عملاً وقائياً روتينياً بدلاً من كونه جريمة قتل بشعة.
أوضح كيلمان أن هذه العمليات الثلاث لا تعمل بمعزل عن بعضها البعض، بل تتفاعل في دورة مغلقة ومدمرة تنتج ما أسماه بـ “بيئات التسهيل الفتاكة” (Lethal Facilitation Environments). عند تضافر هذه العوامل، يصبح ارتكاب الإبادة الجماعية سلوكاً مؤسسياً معتاداً لا يتطلب كراهية شخصية مسبقة من المنفذين تجاه الضحايا، بل يتطلب فقط وجود نظام سلطوي قادر على الترخيص، وآلة بيروقراطية قادرة على تحويل القتل إلى روتين، وخطاب أيديولوجي ينكر إنسانية المستهدفين، وهو التحليل الذي وفر فهماً غير مسبوق للمحارق النازية ومذابح رواندا وحروب البلقان الاستئصالية.
6. الانتقال نحو دراسات السلام وعلم النفس السياسي للنزاعات الدولية
6.1 إعادة صياغة النزاعات السياسية كعمليات نفسية بين مجموعات
في مطلع سبعينيات القرن العشرين، أحدث هربرت كيلمان ثورة إبستيمولوجية في مقاربة النزاعات الدولية من خلال تحديه الصريح للمفاهيم السائدة المستندة إلى الواقعية السياسية، والتي كانت تختزل الصراعات في التنافس الاستراتيجي على الأراضي والموارد الطبيعية وموازين القوى العسكرية. جادل كيلمان بأن النزاعات العميقة وطويلة الأمد (Intractable Conflicts) ليست مجرد خلافات حول مصالح مادية قابلة للتفاوض البراغماتي، بل هي في جوهرها تفاعلات سيكولوجية عميقة تتصادم فيها هويات جمعية مهددة، واحتياجات إنسانية ووجودية غير قابلة للإلغاء مثل الأمان، والاعتراف، والعدالة التاريخية، وتقرير المصير.
ركز كيلمان على تفكيك دور “الإدراك المشوه” (Distorted Perception) والصور النمطية السلبية المتبادلة في تغذية واستدامة دورات العنف؛ ففي حالات النزاع الحاد، تصاب الجماعات المتصارعة بنوع من “العمى المعرفي” المتبادل، حيث يتم تفسير كل مبادرة أو خطوة يقدم عليها الطرف الآخر باعتبارها دليلاً قاطعاً على خبثه ونواياه التدميرية الكامنة، في حين يتم تبرير أفعال الذات، حتى الأكثر عدوانية منها، بوصفها دفاعاً مشروعاً ومجبراً عن البقاء. هذا الفهم المتبادل المشوه يخلق فخاخاً تصعيدية مستمرة تعيد إنتاج ذاتها تلقائياً وتمنع أي محاولة جادة للاختراق الدبلوماسي.
بيّن كيلمان أن “الخوف الوجودي” (Existential Fear) هو المحرك الخفي والأعنف وراء تصلب المواقف الدبلوماسية؛ فحين يشعر مجتمع ما بأن وجوده المادي أو هويته الرمزية مهددان بالزوال التام على يد الخصم، يصبح اللجوء إلى القوة المفرطة وردود الفعل الاستباقية أمراً لا مناص منه في نظر أفراده. انتقد كيلمان الدبلوماسية التقليدية لعجزها الفاضح عن النفاذ إلى هذه الطبقات النفسية الدفينة؛ فالبروتوكولات الرسمية والمساومات السطحية تفشل دائماً في استيعاب مشاعر الإذلال التاريخي والرعب الوجودي التي تشكل الوقود الحقيقي لاستمرار الحروب المدمرة عبر الأجيال.
6.2 الحاجة إلى قنوات اتصال غير رسمية (المسار الثاني)
انطلاقاً من قناعته بمحدودية الدبلوماسية الرسمية، كان هربرت كيلمان من أوائل المنظرين والممارسين لما بات يعرف دولياً بـ “دبلوماسية المسار الثاني” (Track Two Diplomacy). رأى أن المفاوضين الرسميين، المقيدين بالضغوط السياسية المباشرة، وحسابات الرأي العام، والمواقف الحزبية المعلنة، يفتقرون تماماً إلى المساحة النفسية والمرونة المعرفية اللازمة للتفكير الاستكشافي والتراجع عن المطالب القصوى دون أن يُتهموا بالضعف أو الخيانة الوطنية من قبل ناخبيهم.
اقترح كيلمان تدشين قنوات اتصال موازية وغير رسمية يقودها أكاديميون وباحثون متخصصون في العلوم السلوكية يتصرفون كـ “ميسرين محايدين” (Neutral Facilitators) وليس كحكام أو مفاوضين مفوضين من حكوماتهم. يكمن الهدف الجوهري لهذه القنوات في توفير بيئات مغلقة وآمنة، بعيداً تماماً عن كاميرات الإعلام وتصريحات الاستهلاك الجماهيري، حيث يمكن للنخب المؤثرة والمقربة من مراكز صنع القرار من الأطراف المتصارعة أن تلتقي دون شروط مسبقة أو التزامات قانونية ملزمة للحديث الصريح وفهم العوالم النفسية لبعضهم البعض.
أكد كيلمان أن هذه اللقاءات غير الرسمية لا تهدف إلى التوصل إلى معاهدات سلام مكتوبة أو بديلة عن العمل الدبلوماسي الرسمي للمسار الأول، بل تهدف إلى تهيئة “البنية التحتية النفسية والمعرفية” التي تجعل المفاوضات الرسمية ممكنة ومجدية في المقام الأول. من خلال هذه القنوات، يمكن للمشاركين اختبار سيناريوهات حلول جريئة، وبناء جسور من الثقة الشخصية التفاعلية، وتفكيك الشكوك المسبقة حول نوايا الطرف الآخر، تمهيداً لنقل هذه الرؤى الاستكشافية التوفيقية إلى الدوائر السياسية العليا التي تمتلك سلطة التوقيع والإنفاذ الفعلي.
7. منهجية حل المشكلات التفاعلي (Interactive Problem-Solving)
7.1 فلسفة الورش التفاعلية وهيكليتها المنهجية
طور هربرت كيلمان، متأثراً بأعمال الأسترالي جون بيرتون (John Burton)، إطاراً تطبيقياً متكاملاً أطلق عليه اسم “حل المشكلات التفاعلي” (Interactive Problem-Solving – IPS). تقوم الفلسفة العميقة لهذه المنهجية على إعادة تأطير الصراع؛ فالنزاع لا ينبغي التعامل معه كـ “معركة صفرية” ينتصر فيها طرف على حساب تدمير الطرف الآخر، ولا كـ “مساومة سوقية” يتبادل فيها المفاوضون التنازلات التكتيكية المؤلمة، بل يجب النظر إليه كـ “مشكلة مشتركة” تتطلب حلاً تحليلياً وتعاونياً يلبي الاحتياجات الإنسانية والوجودية الأساسية لجميع الأطراف المعنية بالتوازي وبشكل متكافئ.
تعتمد الهيكلية المنهجية لورش العمل التفاعلية التي صممها كيلمان على دعوة مجموعات صغيرة متساوية العدالة (عادة من 3 إلى 6 أفراد من كل جانب) من الشخصيات ذات النفوذ السياسي أو الفكري غير الرسمي، مثل كبار المستشارين، والبرلمانيين، والأكاديميين، والإعلاميين المؤثرين وقادة الرأي. تُعقد هذه الورش في أماكن معزولة وأكاديمية ومحايدة، وتخضع لـ “قواعد اشتباك” صارمة ومحددة بدقة بالغة تحظر كلياً وجود وسائل الإعلام، وتمنع تسجيل المداولات، وتلزم المشاركين بالحفاظ على السرية المطلقة لعدم استخدام ما يدور داخل الغرفة لأغراض المناكفة السياسية خارجها.
يشغل الفريق الأكاديمي الميسر—الذي يقوده كيلمان وزملاؤه—موقعاً فريداً داخل هذه الورش؛ فهو لا يطرح حلولاً جاهزة، ولا يمارس أي ضغط لتوقيع اتفاقات، ولا يتصرف كقاضٍ يصدر أحكاماً قيمية حول من هو المخطئ ومن هو المصيب. ينحصر دور الفريق في “التيسير التحليلي” (Analytical Facilitation) عبر مساعدة المشاركين على تجاوز لغة الخطابة السياسية والدفاع عن “المواقف المعلنة” المتصلبة (Positions)، والغوص بدلاً من ذلك في تحليل وتوضيح “الاحتياجات والمخاوف الجوهرية” (Underlying Needs and Fears) التي تولد تلك المواقف، مما يفتح مسارات التفكير نحو حلول إبداعية لم تكن متخيلة في الأطر التقليدية.
7.2 مراحل العملية التفاعلية وآليات كسر الجمود الإدراكي
تمر ورش حل المشكلات التفاعلي عبر مراحل منهجية متسلسلة بدقة تهدف إلى تفكيك الجمود الإدراكي وإحداث تحول معرفي عميق لدى المشاركين:
- مرحلة التعبير والتحليل المشترك: يبدأ الحوار بتمكين كل طرف من طرح رؤيته للصراع، والتعبير بصراحة وحرية عن مخاوفه الوجودية العميقة، وأولويات مجتمعه دون مقاطعة أو محاولة لدحض روايته من قبل الطرف الآخر. يركز الميسرون هنا على كبح الميل الطبيعي للجدل التنافسي وتوجيه النقاش نحو استيعاب كيفية إدراك الطرف الآخر للواقع والتهديدات، مما يخلق شرخاً أولياً في جدار الإنكار المتبادل.
- مرحلة العصف الذهني المشترك (Joint Brainstorming): بعد تحديد الاحتياجات والمخاوف بدقة، ينتقل المشاركون إلى العمل المشترك لتوليد أفكار وخيارات مبتكرة قادرة على الاستجابة لمخاوف الطرفين في آن واحد. يتم التعامل مع هذه المقترحات كأفكار افتراضية وغير ملزمة، مما يحرر عقول المشاركين من قيود الحسابات السياسية الفورية ويشجعهم على ابتكار مقترحات تتجاوز الثنائيات الإقصائية المعتادة.
- مرحلة التقييم ومطابقة الواقع (Reality Testing): في هذه المرحلة، يقوم المشاركون بفحص الخيارات المطروحة نقدياً، والتساؤل حول مدى قابليتها للتطبيق في الميدان السياسي الحقيقي، مع الأخذ في الحسبان المعارضة والضغوط التي قد يواجهها كل طرف داخل مجتمعه وبيئته السياسية المحلية عند طرح هذه الأفكار للنقاش العام.
تتمثل إحدى أهم مساهمات كيلمان المنهجية في هذه العملية في معالجة إشكالية “نقل الأثر” (The Transfer Problem)؛ أي كيفية تحويل التغيرات المعرفية والتفاهمات التي تم التوصل إليها داخل “المختبر المحمي” للورشة المغلقة إلى الواقع السياسي الفعلي لصنع القرار. صمم كيلمان استراتيجيات دقيقة لاختيار المشاركين بحيث يكونون قريبين بما يكفي من دوائر صنع القرار لضمان التأثير في سياساتهم، وفي الوقت ذاته مستقلين بما يكفي لامتلاك المرونة الفكرية للمشاركة في حوار غير تقليدي، مما يضمن تدفق الأفكار التوفيقية الناتجة إلى قنوات المفاوضات الرسمية بسلاسة وفاعلية.
8. تطبيقات كيلمان الميدانية على النزاع الإسرائيلي الفلسطيني
8.1 عقود من الورش الحوارية بين الفلسطينيين والإسرائيليين
كرس هربرت كيلمان الجانب الأكبر من طاقته البحثية والميدانية الممتدة من سبعينيات القرن العشرين وحتى مطلع الألفية الثالثة لتطبيق منهجية حل المشكلات التفاعلي على النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. كانت هذه المبادرة في بداياتها محفوفة بمخاطر سياسية وقانونية هائلة؛ حيث كان القانون الإسرائيلي في تلك الحقبة يجرم أي اتصال بمنظمة التحرير الفلسطينية، في حين كانت قطاعات واسعة من الساحة الفلسطينية والعربية تعتبر أي حوار مع الإسرائيليين خيانة وطنية وتطبيعاً مرفوضاً، مما تطلب شجاعة أخلاقية وصبراً أكاديمياً استثنائياً من كيلمان وفريقه.
نجح كيلمان، مستفيداً من مكانته في جامعة هارفارد وشبكة علاقاته الدولية، في تنظيم عشرات الورش المغلقة في الولايات المتحدة وأوروبا، والتي جمعت شخصيات قيادية بارزة ومستشارين مقربين من القيادتين الفلسطينية والإسرائيلية. شارك في هذه الجلسات مفكرون وقادة سياسيون أصبحوا لاحقاً مفاوضين رئيسيين في المسار الدبلوماسي الرسمي؛ وقد عمل كيلمان على توثيق التحولات الدقيقة في اتجاهات وسلوكيات المشاركين عبر عقود من المتابعة البحثية الرصينة، مقدماً دليلاً إمبيريقياً نادراً على إمكانية تفكيك العداء التاريخي المتأصل من خلال التفاعل الإنساني المنهجي المشترك.
يجمع المؤرخون والمحللون المعاصرون على أن الورش التفاعلية التي أدارها كيلمان في السبعينيات والثمانينيات لعبت دوراً حاسماً وغير مباشر في تمهيد الأرضية النفسية والمعرفية التي قادت لاحقاً إلى المحادثات السرية في أوسلو عام 1993 وتوقيع إعلان المبادئ. فمن خلال تلك الغرف المغلقة في هارفارد، اكتشف المشاركون من الجانبين لأول مرة أن لديهم شركاء حقيقيين يمكن الحديث معهم والتفاوض معهم، وتمت صياغة أولى المفردات المشتركة حول الاعتراف المتبادل بحق تقرير المصير، وهي المفردات التي شكلت لاحقاً العمود الفقري لأي تقدم دبلوماسي لاحق في تاريخ المنطقة.
8.2 معالجة الخوف الوجودي وتفكيك نزع الشرعية المتبادل
شخص هربرت كيلمان جوهر النزاع الفلسطيني الإسرائيلي بوصفه “صراعاً وجودياً بين هويتين متنافستين كلياً” (A Zero-Sum Conflict of National Identities)؛ حيث بنى كل طرف أسطورته التأسيسية وروايته التاريخية على النفي الصريح والمطلق لوجود الطرف الآخر وحقه في الأرض. رأى الإسرائيليون في الرواية الفلسطينية تهديداً مباشراً لشرعية وجودهم القومي، في حين رأى الفلسطينيون في المشروع الصهيوني غصباً استعمارياً اقتلعهم من أرضهم ونفى إنسانيتهم وهويتهم الوطنية، مما خلق حالة من نزع الشرعية المتبادل والكامل (Mutual Delegitimization).
عمل كيلمان في ورشه الميدانية على تفكيك هذه العقدة المعرفية المستحكمة عبر تطبيق مفهوم “الاعتراف المتبادل بالهوية الوطنية” بوصفه شرطاً وجودياً لا يمكن تجاوزه لتحقيق أي تسوية سياسية قابلة للحياة. أكد أن أي اتفاقيات تركز فقط على الترتيبات الأمنية أو التقسيمات الجغرافية والحدود المؤقتة دون معالجة قضية الهوية وشرعية الانتماء الوطني للطرفين سيكون مصيرها الانهيار الحتمي؛ فالشعوب لا تتنازل عن هوياتها التاريخية تحت وطأة الضغوط التكتيكية، بل تصبح أكثر تشبثاً بها كلما شعرت بالتهديد والإقصاء.
كما واجه كيلمان بجرأة أكاديمية “عقدة احتكار دور الضحية” (The Monopoly of Victimhood) التي ميزت الخطاب العام لدى الجانبين؛ حيث شدد على أهمية أن يدرك كل طرف المعاناة التاريخية العميقة للطرف الآخر دون الخوف من أن يؤدي هذا الاعتراف إلى إضعاف قضيته الخاصة. اعتبر أن قدرة الإسرائيليين على استيعاب صدمة النكبة والتهجير الفلسطيني، وقدرة الفلسطينيين على استيعاب عمق الصدمة التاريخية للهولوكوست والخوف الوجودي اليهودي، تمثل المدخل النفسي الوحيد للتحول من منطق النفي والاستئصال إلى منطق التعايش الإنساني القائم على العدالة والكرامة المتساوية للجميع.
9. الهوية الوطنية والترابط الجمعي وتفكيك العداء المتأصل
9.1 سيكولوجية الارتباط بالأمة: النزعة القومية في مقابل الوطنية النقدية
قدم هربرت كيلمان مساهمات تأسيسية بارزة في سيكولوجية الارتباط بالأمة من خلال تفكيكه النقدي المعمق للتمييز المفاهيمي بين “النزعة القومية الشوفينية” (Nationalism) و”الوطنية الدستورية أو النقدية” (Patriotism). جادل كيلمان بأن الارتباط القومي العاطفي الأعمى بالدولة ينبني غالباً على مبدأ “بلدي على حق، صواباً كان أم خطأ”، وهو نمط من التماهي الهوياتي الذي يطمس الحس الأخلاقي الفردي ويجعل الفرد مستعداً لقبول وتبرير أكثر السياسات قمعاً وعدوانية متى ما تم تغليفها بشعارات المصلحة القومية العليا ومواجهة الأعداء الخارجيين.
في المقابل، صاغ كيلمان مفهوم “الوطنية النقدية أو البناءة” (Constructive Patriotism) بوصفه ارتباطاً بالوطن والمجتمع ينطلق من الالتزام بالقيم الديمقراطية والإنسانية ومبادئ العدالة الاجتماعية التي تمثل جوهر الوجود الأخلاقي للمجتمع. في هذا الإطار، لا يُقاس حب الوطن بالولاء الأعمى للقرارات الحكومية والسياسات الرسمية، بل بالاستعداد لمحاسبة السلطة، ونقد السياسات الجائرة، ومقاومة الانتهاكات المرتكبة باسم الأمة؛ فالوطني الحقيقي في نظر كيلمان هو من يسعى لجعل بلاده تتصرف وفقاً لأعلى المعايير الأخلاقية، وليس من يصفق لأخطائها في المحافل الدولية.
ربط كيلمان هذا التمييز بالتنشئة السياسية والمناهج التعليمية؛ موضحاً كيف تعمد الدول والأنظمة الاستبدادية إلى تغذية القومية الشوفينية من خلال تشويه التاريخ، وتضخيم أمجاد الذات، وترسيخ صور الشيطنة للأمم الأخرى لتأمين طاعة القطيع، في حين أن المجتمعات الناضجة تبني مناهجها على التربية النقدية التي تعترف بالأخطاء التاريخية، وتعلم الأجيال الشابة التفكير المستقل، والقدرة على رؤية العالم من منظور إنساني تعددي يتجاوز الحدود الوطنية الضيقة والتعصب الأيديولوجي المشلول.
9.2 الحواجز النفسية أمام إنهاء الصراعات وبناء الثقة
حدد كيلمان في دراساته المتأخرة جملة من “الحواجز النفسية البنيوية” (Psychological Barriers) التي تقف حائلاً منيعاً أمام بناء الثقة وإنهاء الصراعات التاريخية، حتى عندما تتوفر الإرادة السياسية وتتهيأ الظروف الإقليمية والدولية للحل السلمي. في مقدمة هذه الحواجز يأتي “الإدراك الانتقائي” (Selective Perception) و”التأطير التفاعلي السلبي”، حيث يميل العقل الجمعي للأطراف المتصارعة إلى استيعاب المعلومات التي تؤكد الصورة المسبقة عن شرور الخصم فقط، وتجاهل أو تشويه أي إشارات إيجابية أو بوادر حسن نية تصدر عنه باعتبارها مجرد “خدع تكتيكية” تهدف إلى تنويم الطرف الآخر.
كما حلل كيلمان ظاهرة “التكلفة الغارقة والتضحيات السابقة” (Sunk Costs and Past Sacrifices)؛ حيث تشعر المجتمعات التي قدمت تضحيات بشرية ومادية فادحة في الحروب بأن القبول بتسوية سياسية توافقية يمثل “خيانة لدماء الشهداء” وإهداراً لتلك التضحيات التاريخية. يؤدي هذا الفخ النفسي إلى تفضيل الاستمرار في خوض الصراع الخاسر ودفع مزيد من الأثمان الباهظة على الإقدام على تنازلات سياسية متبادلة، مما يمنح الماضي سلطة استبدادية مطلقة تكبل الحاضر وتحكم على المستقبل بالدمار المتواصل.
خلص كيلمان إلى أن عملية المصالحة الحقيقية (Reconciliation) لا يمكن اختزالها في توقيع معاهدة سلام أو وثيقة قانونية بين حكومات، بل هي “عملية تحول نفسي وثقافي طويلة الأمد” تتطلب تغييراً بنيوياً في الذاكرة الجمعية وتفكيكاً منهجياً لخطابات التحريض. وهنا تبرز الحاجة القصوى لـ “القيادة الشجاعة والمستنيرة” التي تمتلك الجسارة الأخلاقية لامتصاص المخاوف الجمعية لمجتمعاتها، وقيادة عملية التغيير المعرفي نحو تقبل الآخر، والاعتراف بأن التنازل من أجل السلام العادل ليس هزيمة تاريخية، بل هو الانتصار الإنساني الأسمى للبقاء المشترك والازدهار الحضاري.
10. التكامل بين الفلسفة الأخلاقية والعلوم السلوكية والسياسة العامة
10.1 الأخلاق كعنصر تكويني في الممارسة العلمية لا كإطار تزييني
رفض هربرت كيلمان طوال حياته الفكرية بشدة النزعة الوضعية الاختزالية (Logical Positivism) التي تدعو إلى الفصل التعسفي بين الوقائع التجريبية والقيم الأخلاقية، مدعية أن دور العالم ينحصر في رصد الظواهر كما هي دون إبداء أي موقف قيمي تجاهها. رأى كيلمان أن هذه الدعوة إلى “الحياد العلمي المطلق” في العلوم الاجتماعية هي وهم أيديولوجي خطير يخفي في طياته تواطؤاً ضمنياً مع الأمر الواقع وهياكل القوة القائمة؛ فالعلم ممارسة إنسانية ذات تبعات اجتماعية وسياسية مباشرة، والسكوت عن الظلم هو انحياز بنيوي للظالم.
بالنسبة لكيلمان، تمثل الأخلاق “عنصراً تكوينياً داخلياً” (Constitutive Element) في بنية المعرفة العلمية ذاتها، وليست مجرد إطار تزييني أو ملحق خارجي يُستدعى للمجاملة الخطابية. وقد سعى في دراساته إلى دمج الفلسفة الأخلاقية الكانطية القائمة على احترام الواجب والكرامة الذاتية للإنسان مع معايير المنفعة الاجتماعية الموجهة لتحقيق السلام والعدالة، مؤكداً أن المنهجية العلمية تفقد رصانتها وإنسانيتها متى ما تحولت إلى أداة لترشيد السيطرة والقمع والتلاعب بالجماهير تحت غطاء الكفاءة الإجرائية.
واجه كيلمان تحدياً مستمراً تمثل في كيفية الحفاظ على أعلى درجات الرصانة المنهجية والدقة التجريبية الصارمة أثناء ممارسة نشاطه الميداني الداعم للسلام وحقوق الإنسان. وقد استطاع ببراعة فائقة تفنيد الاتهامات الموجهة إليه بخلط الأكاديميا بالنشاط السياسي (Activism)، مبيناً أن التزام الباحث بالعدالة وبناء السلام لا يتعارض إطلاقاً مع النزاهة العلمية في جمع البيانات وتفسيرها، بل هو الضمانة الحقيقية التي تحول دون توظيف علم النفس كأداة لاإنسانية في خدمة الاستبداد والحروب العدوانية.
10.2 التأثير في السياسات العامة وصنع القرار الدولي
امتد تأثير هربرت كيلمان العميق ليتجاوز أروقة الجامعات والمؤتمرات التخصصية، حيث تحول إلى مستشار ومحاور دائم لكبرى مؤسسات صنع السياسة الخارجية، ووزارات الخارجية، والمنظمات التابعة للأمم المتحدة، ومراكز الفكر الاستراتيجي عبر العالم. لم يكن كيلمان يسعى لفرض رؤى نظرية طوباوية على الدبلوماسيين، بل عمل على ترجمة النماذج السيكولوجية المعقدة إلى “أدوات إجرائية وتشخيصية وتدريبية” تمكن المفاوضين من فهم التفاعلات الخفية التي تدير الأزمات الدولية من وراء الكواليس.
وجه كيلمان نقداً لاذعاً للمنظومات الدبلوماسية الغربية والدولية لاعتمادها المفرط والحصري على نماذج الردع العسكري، وموازين القوى، ومنطق العقوبات الجماعية، مبيناً أن هذه الأدوات، المستمدة من الرؤية الواقعية الكلاسيكية، تسهم في كثير من الأحيان في تصعيد الأزمات بدلاً من احتوائها؛ لأنها تعمق الخوف الوجودي وتغذي مشاعر الإذلال والعداء في المجتمعات المستهدفة. ودعا عوضاً عن ذلك إلى تبني مقاربات جديدة تتمحور حول مفهوم “الأمن الإنساني الشامل” (Comprehensive Human Security) الذي يضع تلبية الاحتياجات الأساسية والكرامة الإنسانية في صدارة أولويات الاستقرار الدولي.
كانت إسهاماته في تدريب الأطقم الدبلوماسية الأممية ومنظمات بناء السلام الدولية دليلاً ساطعاً على قابلية نظرياته للتطبيق العملي على أوسع نطاق. لقد رسخ في برامج بناء القدرات الأممية أهمية “الاستماع النشط”، وتفكيك الصور النمطية، والاعتراف المتبادل بالمظالم التاريخية، مؤسساً لنهج دبلوماسي إنساني أصبح اليوم جزءاً لا يتجزأ من الممارسات المعتمدة في إدارة الأزمات والوساطة الوقائية في شتى بقاع النزاع عبر العالم.
11. الإرث الأكاديمي والجوائز والتأثير في علم النفس المعاصر
11.1 المؤلفات المرجعية والإنتاج الفكري الغزير
ترك هربرت كيلمان وراءه إرثاً فكرياً ومكتبة غنية من المؤلفات والأبحاث التي غيرت ملامح علم النفس الاجتماعي المعاصر ودراسات السلام. يُعد كتابه الصادر عام 1989 بعنوان Crimes of Obedience: Toward a Social Psychology of Authority and Responsibility مع لي هاميلتون عملاً كلاسيكياً مرجعياً يتجاوز حدود التخصص الضيق؛ إذ يُدرّس اليوم كمرجع أساسي في كليات الحقوق، والعلوم السياسية، وعلم الاجتماع، والأخلاقيات العسكرية حول العالم، نظراً لما قدمه من تحليل رائد حول العلاقة بين البيروقراطية والجريمة والمسؤولية الفردية.
كما شكلت أعماله التأسيسية الأخرى، مثل كتابه المحرر البارز International Behavior: A Social-Psychological Analysis الصادر عام 1965، حجر الزاوية الذي انطلقت منه حقول علم النفس السياسي الحديث ودراسات العلاقات الدولية السلوكية. وتظل مقالاته المنشورة في كبرى الدوريات العلمية—والتي تجاوزت مئات الدراسات المحكمة—حول نظريات التأثير الاجتماعي، ومنهجيات حل المشكلات التفاعلي، وتحليل النزاع في الشرق الأوسط، من بين النصوص الأكثر استشهاداً في الأدبيات الأكاديمية المعاصرة حتى اليوم.
امتد الأثر الفكري لكيلمان إلى تخصصات الإدارة والقيادة المؤسسية؛ حيث أصبحت نظريته الثلاثية حول التأثير الاجتماعي (الامتثال، والتقمص، والتذويت) نموذجاً معيارياً يُستخدم في دراسة التحول التنظيمي، وبناء الثقافة المؤسسية، واستدامة القيادة الأخلاقية. يوضح هذا الانتشار الواسع الخصوبة النظرية لمفاهيم كيلمان وقدرتها العابرة للحقول المعرفية على تفسير التفاعل الإنساني المعقد في شتى مستوياته، من مستوى الفرد داخل المؤسسة إلى مستوى الدول في النظام الدولي.
11.2 التقدير الدولي والجوائز التكريمية المرموقة
تقديراً لإسهاماته العلمية والإنسانية الاستثنائية، حظي هربرت كيلمان بأرفع الجوائز والأوسمة الأكاديمية الدولية طوال مسيرته المديدة. من بين أبرز هذه التكريمات، نيله “جائزة كورت ليفين” (Kurt Lewin Award) المرموقة من جمعية الدراسة النفسية للقضايا الاجتماعية (SPSSI)، وهي جائزة تُمنح للعلماء الذين يجسدون في أبحاثهم الربط الوثيق بين التميز العلمي والالتزام بالعدالة الاجتماعية، وهو ما كان يمثل جوهر مشروع كيلمان العلمي.
كما منحته جمعية علم النفس الأمريكية (APA) “جائزة المساهمات المتميزة في علم النفس الدولي”، تكريماً لجهوده الرائدة في عولمة المنظور السيكولوجي وتطبيقه على قضايا الصراع والعدالة الدولية. وإلى جانب الجوائز الأكاديمية، نال كيلمان اعترافاً عالمياً بجهوده التطبيقية في الوساطة والتقارب بين الشعوب؛ حيث حاز “جائزة غاندي للسلام”، والعديد من درجات الدكتوراه الفخرية والميداليات التقديرية من جامعات ومراكز أبحاث السلام في الولايات المتحدة، وأوروبا، والشرق الأوسط.
عند وفاته في الأول من مارس عام 2022 عن عمر يناهز الرابعة والتسعين في منزله بمدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس، نعته كبرى الجامعات والمؤسسات العلمية الدولية، وفي مقدمتها جامعة هارفارد التي خدم فيها عقوداً، بوصفه “رمزاً خالداً للضمير الأخلاقي الأكاديمي، وبطلاً كرس حياته لانتزاع السلام من بين براثن العداء والتطرف”. وأكدت كلمات التأبين الصادرة عن المفكرين وصناع السياسات أن العالم لم يفقد فقط عالماً بارعاً في العلوم السلوكية، بل فقد بوصلة أخلاقية وإنسانية كرست قرناً كاملاً من الزمان لخدمة كرامة الإنسان وتفكيك ميكانيزمات العنف في كل مكان.
12. خاتمة استشرافية: راهنية أفكار هربرت كيلمان في عالم اليوم
12.1 صلاحية نموذج حل المشكلات في مواجهة الاستقطاب العالمي الراهن
في المشهد الجيوسياسي الراهن، الذي يتسم بعودة النزاعات العسكرية الكبرى، وتصاعد موجات الشعبوية، وتآكل منظومة المعاهدات الدولية متعددة الأطراف، تبدو أفكار ونماذج هربرت كيلمان أكثر إلحاحاً وراهنية من أي وقت مضى. إن الاستقطاب الأيديولوجي والسياسي الحاد الذي يمزق المجتمعات الديمقراطية من الداخل، والحروب الأهلية والنزاعات الإقليمية المستعرة، تثبت بجلاء أن المقاربات الأمنية الصلبة والقمع المؤسسي عاجزة تماماً عن تحقيق الاستقرار؛ فغياب المعالجة النفسية للمظالم العميقة لا يؤدي إلا إلى تأجيل الانفجار القادم وتغذيته بأحقاد جديدة.
تثبت منهجية “حل المشكلات التفاعلي” جدواها الفائقة اليوم كأداة قادرة على اختراق الاستعصاء السياسي المعاصر؛ فالحاجة ماسة لإحياء فضاءات الحوار غير الرسمي (المسار الثاني) لمعالجة الانقسامات المجتمعية والسياسية العميقة، بعيداً عن ضجيج منصات التواصل الاجتماعي وخوارزمياتها المصممة لتأجيج الغضب والانقسام. إن توفير منصات محايدة تتيح للأطراف المختلفة تفكيك المخاوف الوجودية والتعبير عن الاحتياجات الأساسية تمثل طوق النجاة الوحيد لإعادة بناء التماسك الاجتماعي المتصدع في عالم اليوم.
كما أن تحليل كيلمان لـ “جرائم الإطاعة” وعمليات “الترخيص والروتين والتجريد من الإنسانية” يقدم لنا ترسانة معرفية لا غنى عنها لفهم وتفكيك صعود التيارات اليمينية المتطرفة والخطابات الفاشية الجديدة؛ فالخطاب المعاصر الذي يشيطن المهاجرين، والأقليات، والمخالفين سياسياً، يتبع بالحرف ذات الآليات النفسية التي حذر منها كيلمان لعقود. إن مواجهة هذا الانحدار الأخلاقي تتطلب استدعاء الرؤية الكيلمانية الصارمة التي تدعو إلى التسلح بـ “الوطنية النقدية”، ورفض الطاعة العمياء، وتحميل كل فرد مسؤوليته الأخلاقية الذاتية في الدفاع عن إنسانية الآخر وكرامته مهما كانت الضغوط المؤسسية المحيطة به.
12.2 الخلاصة التركيبية لمسيرة عالم كرس حياته للأخلاق والسلام
تجسد المسيرة المتكاملة لهربرت كيلمان ملحمة فكرية وإنسانية فريدة تلاقت فيها المعاناة الشخصية الناجمة عن ويلات الهروب من الفاشية مع أعلى درجات الإنجاز العلمي والالتزام الأخلاقي الرفيع. لقد أثبت كيلمان عبر حياته المديدة أن علم النفس ليس أداة تكنوقراطية محايدة للتلاعب بالسلوك وتكييف الأفراد مع الأنظمة الجائرة، بل هو علم تحرري يمتلك القدرة على تفكيك بنى القهر وفتح آفاق المصالحة والعدالة الإنسانية المستدامة.
يتمثل الدرس التأسيسي الأهم الذي تركه لنا هربرت كيلمان (1927-2022) في أن “السلام الحقيقي ليس مجرد غياب مؤقت للحرب أو هدنة عسكرية تفرضها موازين القوى المتغيرة، بل هو عملية نفسية ومجتمعية مستمرة ومعقدة تتطلب عملاً شاقاً وتغييراً جذرياً في الوعي والهوية ونظم التفكير”. إن السلام صرح أخلاقي يُبنى يوماً بعد يوم عبر الاعتراف المتبادل بالكرامة، والجرأة على تفكيك المخاوف الذاتية، والإصغاء الصادق لآلام الآخرين واحتياجاتهم المشروعة.
سيظل إرث هربرت كيلمان منارة معرفية وأخلاقية مضيئة تلهم الباحثين، وصناع السلام، والنشطاء المدافعين عن حقوق الإنسان عبر العالم. وفي عصر تتكاثف فيه ظلال التوحش والعنف، يهمس لنا مشروعه الفكري بصرامة لا تلين: إن الأمل في غدٍ إنساني عادل ليس ترفاً طوباوياً، بل هو واجب أخلاقي وعلمي ممكن التحقق إذا امتلكنا الشجاعة لمواجهة آليات الإطاعة العمياء في نفوسنا، وسعينا بلا كلل لتحويل النزاعات الهدامة إلى فرص تاريخية للارتقاء الإنساني المشترك.
المراجع
- American Psychological Association. (2022). Herbert C. Kelman In Memoriam (1927–2022). Washington, DC: American Psychological Association.
- Burton, J. W. (1990). Conflict: Resolution and Provention. New York: St. Martin’s Press.
- Hamilton, V. L., & Kelman, H. C. (1989). Crimes of Obedience: Toward a Social Psychology of Authority and Responsibility. New Haven: Yale University Press.
- Kelman, H. C. (1958). Compliance, identification, and internalization: Three processes of attitude change. Journal of Conflict Resolution, 2(1), 51–60. https://doi.org/10.1177/002200275800200106
- Kelman, H. C. (1965). International Behavior: A Social-Psychological Analysis. New York: Holt, Rinehart and Winston.
- Kelman, H. C. (1967). Human use of human subjects: The problem of deception in social psychological experiments. Psychological Bulletin, 67(1), 1–11. https://doi.org/10.1037/h0024072
- Kelman, H. C. (1972). The problem-solving workshop in conflict resolution. In R. L. Merritt (Ed.), Communication in International Politics (pp. 168–204). Urbana: University of Illinois Press.
- Kelman, H. C. (1973). Violence without moral restraint: Reflections on the dehumanization of victims and victimizers. Journal of Social Issues, 29(4), 25–61. https://doi.org/10.1111/j.1540-4560.1973.tb00102.x
- Kelman, H. C. (1997). Social-psychological dimensions of international conflict. In I. W. Zartman & J. L. Rasmussen (Eds.), Peacemaking in International Conflict: Methods & Techniques (pp. 191–237). Washington, DC: United States Institute of Peace Press.
- Kelman, H. C. (1999). The interdependence of Israeli and Palestinian national identities: The role of the mutual recognition of ethnicity in conflict resolution. Journal of Social Issues, 55(3), 581–600. https://doi.org/10.1111/0022-4537.00134
- Kelman, H. C. (2005). Building trust among enemies: The central challenge for international conflict resolution. International Journal of Intercultural Relations, 29(6), 639–650. https://doi.org/10.1016/j.ijintrel.2005.07.011
- Kelman, H. C. (2018). Herbert C. Kelman: A Pioneer in the Social Psychology of Conflict Analysis and Resolution. Cham: Springer International Publishing. https://doi.org/10.1007/978-3-319-39032-1
- Lewin, K. (1948). Resolving Social Conflicts: Selected Papers on Group Dynamics. New York: Harper & Row.
- Milgram, S. (1974). Obedience to Authority: An Experimental View. New York: Harper & Row.
- Rouhana, N. N., & Kelman, H. C. (1994). Promoting joint thinking in international conflicts: An interactive problem-solving approach. Journal of Social Issues, 50(1), 157–178. https://doi.org/10.1111/j.1540-4560.1994.tb02403.x