السيرة
يمثل البروفيسور جاك أ. ناجليري (Jack A. Naglieri)، منذ ولادته في منتصف القرن العشرين وحتى اللحظة الراهنة، أحد أبرز الرواد المجددين في حقول علم النفس المعرفي، والقياس النفسي، وعلم النفس المدرسي العصبي. تميزت مسيرته العلمية، التي تمتد لأكثر من خمسة عقود، بإحداث تحول نموذجي (Paradigm Shift) في كيفية فهم الباحثين والممارسين لطبيعة الذكاء الإنساني والعمليات المعرفية. فبدلاً من الاستسلام للنماذج السيكومترية التقليدية التي اختزلت العقل البشري لعقود طويلة في معامل الذكاء العام الأحادي (General Intelligence Factor – g) القائم أساساً على المعرفة اللفظية والمكتسبات المدرسية المسبقة، أسس ناجليري، بالتعاون مع زملائه، مقاربة جذرية تعيد ربط القياس النفسي بالبنية الوظيفية للدماغ البشري وعلم الأعصاب المعرفي، مما وفر أدوات تقييم سريرية وتربوية ذات أثر عالمي واسع.
تكمن فرادة المشروع العلمي لناجليري في قدرته الفائقة على تسييج التنظير العلمي المعقد بإجراءات قياسية وتطبيقية قابلة للاستخدام الميداني المباشر؛ حيث تجسد ذلك في صياغة نظرية باس للعمليات المعرفية (PASS Theory: Planning, Attention, Simultaneous, Successive)، بالاشتراك مع العالم الكبير جيه بي داس (J.P. Das) وجون كيربي (John Kirby). وتوج هذا البناء النظري الرصين بتطوير أدوات قياس معيارية عالمية، مثل نظام التقييم المعرفي (Cognitive Assessment System – CAS) بنسختيه الأولى والثانية، واختبار ناجليري للقدرة غير اللفظية (Naglieri Nonverbal Ability Test – NNAT). لم تكن هذه الأدوات مجرد إضافات عددية لمستودع المقاييس النفسية، بل جاءت كثورة منهجية استهدفت تفكيك أشكال التحيز الثقافي واللغوي، وتوفير تشخيص دقيق وعادل للفئات المهمشة والأقليات اللغوية والعرقية، وذوي صعوبات التعلم، والطلاب الموهوبين ذوي الاحتياجات الخاصة المزدوجة.
تتجلى أهمية استعراض سيرة وفكر جاك ناجليري في هذا الفضاء الزمني الممتد من عام 1950 حتى العصر الحالي في تقديم قراءة نقدية وتاريخية ومفاهيمية متكاملة لرجل لم يكتفِ بإعادة تعريف الذكاء، بل ربط القياس بالتدخلات العلاجية الميدانية في الفصول الدراسية عبر استراتيجيات “تيسير التخطيط” (Planning Facilitation)، مؤكداً أن وظيفة القياس النفسي ليست تصنيف الأفراد ووسمهم، بل تمكينهم من التعلم والتطور الذاتي والتكيف الفعال. في هذا البحث الموسع، سنستكشف الأبعاد البيوغرافية، والمرتكزات النظرية، والخصائص السيكومترية، والتأثيرات الحقوقية والتربوية الكبرى التي ميزت مشروع هذا العالم الفذ، مع استشراف آفاق إرثه المعرفي في عصر الذكاء الاصطناعي والرقمنة السيكومترية الحديثة.
1. المقدمة والنشأة والسياق التاريخي لجاك ناجليري (1950 – الوقت الحاضر)
1.1 السياق البيوغرافي والميلاد والنشأة المبكرة
ولد جاك ناجليري في عام 1950 في الولايات المتحدة الأمريكية، في حقبة تاريخية اتسمت بالتحولات الجذرية في أعقاب الحرب العالمية الثانية. كان المجتمع الأمريكي يشهد حينها طفرة المواليد وما رافقها من نمو متسارع في المؤسسات التعليمية، الأمر الذي ألقى بظلاله المباشرة على هيكلة التعليم العام واكتظاظ الفصول الدراسية وتنوع خلفيات الطلاب الملتحقين بالمدارس. نشأ ناجليري في بيئة اجتماعية جعلته شديد الملاحظة للفروق الفردية بين أقرانه، حيث تفتحت اهتماماته المبكرة حول الأسباب الكامنة وراء عجز بعض الأطفال عن التعلم بكفاءة رغم تمتعهم بذكاء واضح في سياقات الحياة اليومية، في حين يحقق آخرون نجاحاً أكاديمياً سهلاً من خلال حفظ المعارف دون امتلاك مهارات تفكير ابتكارية أو قدرات حل المشكلات المعقدة.
خلال مراحله الدراسية الأولى، أظهر ناجليري ميلاً واضحاً نحو فهم السلوك الإنساني والعمليات الدماغية، الأمر الذي قاده إلى مجالات علم النفس والتربية الخاصة التي كانت تمر في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين بمرحلة تأسيسية حرجة. كان الدافع الإنساني والعلمي متضافرين في توجهاته الأولى؛ إذ استرعى انتباهه التفاوت الصارخ في الفرص المتاحة للأطفال الذين يعانون من اضطرابات غير مرئية كصعوبات التعلم، وكيف تؤدي الممارسات المدرسية التقليدية إلى تصنيفهم كأفراد كسالى أو محدودي القدرات العقلية، مما ولّد لديه شغفاً مبكراً بالبحث المعمق في كوامن القدرات المعرفية الإنسانية خارج الأطر التعليمية التلقينية المقيدة.
هذا الفضول الاستكشافي قاد ناجليري إلى الانخراط في دراسة القضايا المتعلقة بالنمو المعرفي والتعلم، حيث أدرك باكراً أن هناك فجوة معرفية هائلة تفصل بين العلوم العصبية الطبية من جهة، والعلوم التربوية والنفسية الميدانية من جهة أخرى. وكانت هذه الفجوة بمثابة الحافز الحاسم الذي وجه مشروعه الفكري والمهني نحو البحث عن لغة مشتركة تربط فسيولوجيا الدماغ البشري بالتطبيقات الصفية اليومية، وتجعل من التقييم النفسي أداة إنقاذ وتوجيه تربوي بدلاً من أن يكون سيفاً سيكومترياً مسلطاً يقضي بالإقصاء والحرمان الأكاديمي.
1.2 السياق التاريخي لتطور حركة القياس النفسي في النصف الثاني من القرن العشرين
لفهم الجذور الثورية لأعمال جاك ناجليري، لا بد من تفكيك المشهد التاريخي لحركة القياس النفسي التي كانت سائدة في منتصف القرن العشرين. كانت الأوساط الأكاديمية والسريرية واقعة تحت السطوة المطلقة للنموذج السيكومتري التقليدي المستند إلى مفهوم “العامل العام للذكاء” (g factor) الذي صاغه تشارلز سبيرمان، والذي وجد ترجمته الإجرائية الأكثر انتشاراً في مقاييس ألفرد بينيه ومن ثم مقاييس ديفيد ويكسلر المتتالية. ورغم العبقرية التقنية لهذه المقاييس في زمنها، إلا أنها اعتمدت بشكل شبه كلي على قياس حصيلة ما تعلمه الفرد بالفعل في بيئته المنزلية والمدرسية، كالذخيرة اللغوية، والمعلومات العامة، والحساب، وهي مكونات تتأثر بشكل حاسم بالامتياز الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للمفحوص.
مع تصاعد حركات الحقوق المدنية في الولايات المتحدة خلال الستينيات والسبعينيات، بدأت الانتقادات الراديكالية تنهال على حركة القياس النفسي التقليدي. ووجهت اتهامات علمية وقانونية لاذعة لتلك الاختبارات بأنها متكلسة ومتحيزة ثقافياً ولغوياً وطبقياً ضد الأقليات العرقية، لا سيما الأمريكيين من أصول إفريقية، وذوي الأصول اللاتينية، والطلاب المهاجرين الذين لا تعد الإنجليزية لغتهم الأم. وقد تجلى ذلك في الفوارق الملحوظة إحصائياً في متوسطات درجات الذكاء بين هذه الفئات والمجموعات البيضاء المهيمنة، مما كان يُستخدم بشكل جائر لتبرير إلحاق أبناء الأقليات بفصول الإعاقة العقلية والتربية الخاصة بنسب مئوية تفوق كثيراً تمثيلهم في المجتمع العام.
في هذا المناخ المشحون بالاستقطاب العلمي والاجتماعي، برزت الحاجة الماسة إلى صياغة بديل علمي ونظري رصين. لم يعد مقبولاً في الأوساط التنويرية الاستمرار في استخدام اختبارات “الصندوق الأسود” التي تقيس ما يدخل إلى المفحوص من معلومات وما يخرج منه دون تقديم أي تفسير علمي لطبيعة “العمليات” التي تجري داخل الدماغ أثناء معالجة المعلومات. لقد كانت الساحة النفسية مهيأة، بل وملحة، لظهور نموذج عصبي معرفي بديل يربط بين وظائف الدماغ وطرائق المعالجة العقلية، ويوفر للتربويين أساساً صلباً لفهم وتعديل وتطوير القدرات العقلية دون الاعتماد على الاختبارات المشبعة بالمحتوى اللفظي الموروث ثقافياً.
1.3 الأهداف المهنية والتحول نحو العدالة في التقييم النفسي
وضع جاك ناجليري منذ بواكير انخراطه المهني هدفاً محورياً أرسى دعائم مسيرته بالكامل: تحقيق مبدأ “العدالة التقييمية” (Assessment Equity). تمثل هذا التحول في تبني قناعة علمية راسخة مؤداها أن التقييم النفسي الحقيقي يجب ألا يقيس مقدار ما حصله الطالب من معارف ومعلومات مدرسية أو مجتمعية، بل يجب أن يقيس كفاءة الأنظمة المعرفية في حل المشكلات ومعالجة المثيرات الجديدة. كان ناجليري يرى أن التمييز الحقيقي بين القدرة العقلية الفطرية (Cognitive Ability) والمعرفة المكتسبة (Acquired Knowledge) هو السبيل الوحيد لإيقاف التمييز الممنهج في الأنظمة التعليمية.
تجلت رسالته العلمية في مسارين متوازيين ومترابطين؛ الأول: تفكيك النموذج السائد القائم على المعامل العام للذكاء، والذي يفترض أن الذكاء كيان أحادي صلد، واستبداله بنموذج عملياتي ديناميكي متعدد الأبعاد يرى الدماغ كشبكة معقدة من العمليات المترابطة التي تعمل معاً بتكامل، ولكن يمكن فصلها وتشخيصها إكلينيكياً بدقة بالغة. أما المسار الثاني، فكان الالتزام بإنتاج أدوات قياس خالية من العوائق اللغوية ومتحررة من الأطر الثقافية، لتمنح كل طفل، أياً كانت لغته الأم أو مستواه الاقتصادي أو خلفيته الأسرية، فرصة متكافئة لإظهار قدراته العقلية الكامنة دون أن يعاقبه الاختبار على فقر بيئته اللغوية أو قلة تعرضه لثقافة الأغلبية.
امتدت هذه الرؤية لأكثر من خمسة عقود من العطاء الصارم؛ حيث عمل ناجليري بلا هوادة على إقناع المؤسسات التشريعية والمهنية بإلغاء اشتراطات نماذج “التناقض بين الذكاء والتحصيل” التي كانت تؤخر التدخلات التربوية للأطفال ذوي صعوبات التعلم. لقد كرّس حياته لتحويل علم النفس المدرسي من مجرد أداة لتصنيف الطلاب وفق مسارات محددة مسبقاً، إلى أداة سريرية تكشف مواطن القوة الكامنة لديهم، وتزود المعلمين بأدلة إرشادية قائمة على البيانات لتعديل طرائق التدريس وتفعيل أقصى إمكانات كل طفل.
2. التكوين الأكاديمي والمسيرة المهنية في الجامعات ومراكز الأبحاث
2.1 المراحل الدراسية والشهادات العليا
بدأت المسيرة الأكاديمية الصارمة لجاك ناجليري بالحصول على درجة البكالوريوس في علم النفس في أوائل سبعينيات القرن العشرين، حيث ركز على دراسة أسس السلوك البشري وعلم النفس التجريبي. وسرعان ما قاده شغفه الميداني إلى مواصلة دراساته العليا في مجال علم النفس المدرسي، وهو المجال الذي وجد فيه المساحة التطبيقية المثالية لاختبار الفرضيات النظرية مباشرة مع الأطفال والأسر والمعلمين. حصل ناجليري على درجة الماجستير في علم النفس المدرسي، حيث اكتسب خبرة سريرية عميقة في استخدام وتفسير المقاييس النفسية التي كانت سائدة آنذاك، وخبر بنفسه مكامن الخلل والقصور الإكلينيكي في أدوات التقييم المعتمدة، مثل مقاييس ويكسلر ومقاييس بينيه المعدلة.
توج ناجليري مساره الدراسي بالحصول على درجة الدكتوراه (Ph.D.) في علم النفس المدرسي من جامعة جورجيا (University of Georgia) المرموقة في عام 1979. وتحت إشراف وتوجيه نخبة من علماء القياس النفسي والتربية الخاصة الرائدين في ذلك الوقت، جاءت أطروحته لتؤسس لاهتماماته طويلة الأمد بالقياس العصبي المعرفي غير اللفظي. انخرط ناجليري خلال فترة الدكتوراه في دراسات موسعة هدفت إلى مقارنة البنى المعرفية والعمليات العقلية لدى الأطفال العاديين وأولئك المصابين بإعاقات ذهنية أو صعوبات في التعلم، مستعيناً بمناهج سيكومترية متقدمة ونماذج إحصائية صارمة، مما رسخ مكانته الأكاديمية كباحث متمرس في تصميم وبناء وتقنين الاختبارات النفسية منذ سنوات شبابه الأولى.
خلال دراسته الجامعية العليا، كان ناجليري مهتماً بالدراسات المقارنة بين الاختبارات اللفظية والاختبارات غير اللفظية، مثل اختبار “رسم الرجل” لجودإناف-هاريس واختبارات مصفوفات ريفن المتتابعة. غير أنه سرعان ما لاحظ أن هذه الاختبارات البديلة، رغم تميزها غير اللفظي، تفتقر إلى إطار نظري شامل يفسر طبيعة العمليات العقلية التي تقيسها بالفعل. هذا الإدراك الأكاديمي المبكر شكل الشرارة الأولى التي دفعته، فور تخرجه، إلى البحث عن نظريات معاصرة في علم الأعصاب يمكن تحويلها إلى أدوات قياس سريرية بالغة الدقة والموثوقية.
2.2 المناصب الأكاديمية والبحثية الرئيسية
عقب نيله درجة الدكتوراه، تقلد الدكتور ناجليري عدداً من المناصب الأكاديمية والبحثية المرموقة التي مكنته من الجمع بين التدريس الجامعي وإجراء الأبحاث النفسية التجريبية والميدانية واسعة النطاق. التحق في بداية مسيرته بهيئة التدريس في جامعة ولاية أوهايو (The Ohio State University)، حيث أمضى سنوات طويلة كأستاذ لعلم النفس المدرسي والتربية. في أوهايو، أسس ناجليري معامل بحثية متخصصة في القياس المعرفي، وأشرف على تدريب وتخريج المئات من الأخصائيين النفسيين المدرسيين والباحثين الأكاديميين، وغرس فيهم روح التشكيك العلمي البناء في المقاييس الموروثة والسعي الدائم وراء الممارسة المرتكزة على الأدلة (Evidence-Based Practice).
بعد مسيرته الحافلة في جامعة ولاية أوهايو، انتقل ناجليري إلى جامعة جورج ميسون (George Mason University) في فيرجينيا، حيث عمل كأستاذ متميز لعلم النفس. وفي هذا الصرح الأكاديمي، واصل قيادة المجموعات البحثية المعنية بتطوير أدوات القياس غير اللفظية ونماذج تقييم صعوبات التعلم واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه. وفرت له جامعة جورج ميسون منصة ممتازة لتوسيع علاقاته التعاونية مع صناع القرار والمدارس العامة والمؤسسات الفيدرالية، مما جعل أبحاثه تؤثر مباشرة في اللوائح والسياسات التربوية على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية والعالم.
بالتوازي مع مساره الجامعي، شغل ناجليري منصب باحث أول في “مركز ديفرو للأطفال المرنين” (Devereux Center for Resilient Children)، حيث ركز على دراسة المرونة النفسية (Resilience) والنمو الاجتماعي-الانفعالي لدى الأطفال واليافعين. أتاح له هذا الموقع البحثي الفريد تجاوز الأبعاد المعرفية الصرفة للذكاء، ودمج قياس العمليات المعرفية بتقييم السلوك التكيفي والمهارات الاجتماعية-الانفعالية، الأمر الذي أثمر عن تطوير مجموعة متقدمة من مقاييس التصنيف السلوكي السريرية المعتمدة وطنياً، مثل مقاييس “ديفرو” لتقييم الكفاءة الاجتماعية والاضطرابات السلوكية لدى الأطفال.
2.3 النشاط المهني في الجمعيات النفسية الدولية
شهدت المسيرة المهنية لجاك ناجليري حضوراً بارزاً ومؤثراً في كبرى المنظمات والهيئات المهنية العالمية المعنية بعلم النفس والتربية. انضم ناجليري مبكراً إلى جمعية علم النفس الأمريكية (American Psychological Association – APA)، وأصبح زميلاً (Fellow) دائماً فيها تقديراً لإسهاماته الاستثنائية في تطوير الحقل المعرفي. نشط بشكل خاص ومكثف في “القسم 16” (Division 16) التابع للجمعية، والمخصص لعلم النفس المدرسي؛ حيث ترأس العديد من اللجان العلمية وفرق العمل المعنية بوضع المعايير الأخلاقية والممارسات المهنية لتقييم الأطفال ذوي الإعاقات والخلفيات المتنوعة.
كما لعب ناجليري دوراً فاعلاً واستراتيجياً في الجمعية الوطنية لأخصائيي علم النفس المدرسي (NASP)، حيث شارك بانتظام في مؤتمراتها السنوية عبر تقديم ورش عمل تدريبية ومحاضرات رئيسية للممارسين الميدانيين. وعمل بلا كلل مع المنظمات الدولية والمحلية لتحديث ومراجعة “معايير الاختبارات التربوية والنفسية” (Standards for Educational and Psychological Testing)، التي تصدرها بشكل مشترك كل من APA وAERA وNCME، داعياً دائماً إلى ضرورة تقييد استخدام الاختبارات التي يثبت تحيزها الإحصائي ضد الأقليات اللغوية والعرقية، وداعياً إلى اعتماد مقاييس موضوعية مبنية على نظريات معالجة المعلومات.
امتد نشاطه الأكاديمي الدولي إلى الإشراف على عشرات الرسائل والأطروحات الأكاديمية لنيل درجتي الماجستير والدكتوراه، فضلاً عن إدارته لمشاريع بحثية كبرى ممولة بمنح وطنية وفيدرالية بملايين الدولارات لدراسة العدالة في اكتشاف الطلاب الموهوبين وذوي صعوبات التعلم. كان ناجليري صوتاً علمياً عالمياً لا يهدأ؛ حيث سافر إلى عشرات الدول في أوروبا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية، والشرق الأوسط، لإلقاء المحاضرات وتدريب الكوادر السيكومترية على تطبيق نظرية باس ونظام التقييم المعرفي، مما جعل اسمه علامة فارقة في علم النفس المعاصر في مختلف أصقاع الأرض.
3. الأسس النظرية: نظرية باس (PASS) للعمليات المعرفية
3.1 الجذور العصبية وتأثير ألكسندر لوريا
تعود الجذور الفلسفية والعلمية لـ نظرية باس للعمليات المعرفية (PASS Theory) إلى الأبحاث الرائدة لعالم الأعصاب والطب النفسي السوفيتي الشهير ألكسندر رومانوفيتش لوريا (Alexander Luria، 1902–1977)، الذي يعد بحق الأب الروحي لعلم النفس العصبي الحديث. تميزت مقاربة لوريا برفض المحاولات الاختزالية لتوطين الوظائف العقلية العليا في مراكز دماغية منعزلة، كما رفضت النظريات السلوكية التي تعامل العقل كصندوق أسود غير متمايز. وبدلاً من ذلك، طرح لوريا مفهوم “الأنظمة الوظيفية المعقدة” (Complex Functional Systems)، مؤكداً أن أي نشاط عقلي إنساني واعي يتطلب تضافر وتكامل مناطق دماغية متعددة ومتباعدة تشريحياً، تعمل معاً كأوركسترا متناغمة.
قسّم لوريا الدماغ البشري وظيفياً إلى ثلاث وحدات أساسية تعمل بتعاون متبادل ومستمر:
- الوحدة الوظيفية الأولى: تقع في جذع الدماغ، والتكوين الشبكي (Reticular Formation)، والأجزاء تحت القشرية والجهار الحوفي، ومسؤوليتها الحيوية هي تنظيم استثارة القشرة المخية، والحفاظ على اليقظة وحالة التأهب العقلي والانتباه المركز وتثبيط المشتتات الخارجية.
- الوحدة الوظيفية الثانية: تحتل المناطق الخلفية من القشرة المخية (الفصوص الجدارية والقذالية والصدغية)، ووظيفتها الأساسية هي استقبال، ومعالجة، وترميز، وتخزين المعلومات والمثيرات الحسية القادمة من العالم الخارجي والجسد عبر آليتين رئيستين: المعالجة المتزامنة والمعالجة المتتابعة.
- الوحدة الوظيفية الثالثة: تتركز في المناطق الأمامية من الدماغ، وتحديداً الفصوص الجبهية ومناطق ما قبل الجبهية (Prefrontal Cortex)، وتختص ببرمجة وتنظيم وتوجيه النشاط البشري الواعي، ووضع الخطط والاستراتيجيات، ومراقبة وتقييم الأداء، وتعديل المسار عند مواجهة العقبات (الوظائف التنفيذية).
في أواخر سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن العشرين، أدرك جاك ناجليري، بالتعاون التاريخي والوثيق مع العالم الهندي-الكندي جيه بي داس (J.P. Das) وعالم النفس جون كيربي (John Kirby)، أن هذا النموذج العصبي اللورياني الرصين يمثل الإطار المعرفي المتين المفقود في حقل القياس النفسي. انخرط هذا الفريق الثلاثي في مشروع بحثي مكثف امتد لسنوات طويلة بهدف تحويل المفاهيم العصبية التشريحية للوريا إلى نظرية سيكومترية قابلة للتطبيق السريري والمدرسي، وهو ما تبلور رسمياً في صياغة “نظرية باس للذكاء والعمليات المعرفية” التي اختصرت العمليات العقلية الأساسية في أربعة أبعاد جوهرية: التخطيط (Planning)، الانتباه (Attention)، المعالجة المتزامنة (Simultaneous Processing)، والمعالجة المتتابعة (Successive Processing).
3.2 عملية التخطيط (Planning) والوظائف التنفيذية
تمثل عملية التخطيط (Planning) في نظرية باس القمة التطورية للنشاط العقلي الإنساني، وهي الترجمة المباشرة للوحدة الوظيفية الثالثة لدى لوريا، وترتبط تشريحياً بصورة وثيقة ومعقدة بالفصوص الجبهية (Frontal Lobes)، لا سيما القشرة أمام الجبهية (Prefrontal Cortex). يُعرّف ناجليري التخطيط بأنه القدرة المعرفية العليا المسؤولة عن تحديد الأهداف، واختيار أو توليد الاستراتيجيات والخطط والوسائل المناسبة لبلوغ تلك الأهداف، ومراقبة ومتابعة مسار التنفيذ والتحقق من فاعليته أثناء العمل، والتحكم الذاتي وتثبيط الاندفاعات غير المجدية، وأخيراً التعديل المرن للخطط عند ارتكاب الأخطاء أو عند تغير متطلبات الموقف أو المشكلة.
ترتبط عملية التخطيط ارتباطاً وثيقاً بما يُعرف في علم النفس المعاصر بـ الوظائف التنفيذية (Executive Functions) والتنظيم الذاتي (Self-Regulation) وما وراء المعرفة (Metacognition). إلا أن ما يميز معالجة ناجليري للتخطيط هو أنه جعلها قابلة للقياس السيكومتري المستقل عن اللغة والمعرفة الأكاديمية السابقة. ففي الاختبارات التي صممها لقياس التخطيط، يواجه الفرد مهاماً مبتكرة وجديدة عليه تماماً لا يمكن حلها بالاعتماد على الذاكرة الآلية أو المعرفة الجاهزة؛ بل تتطلب منه التوقف والتأمل، وصياغة خطة عمل ذهنية، وتجريب استراتيجيات مختلفة، وتصحيح مساره ذاتياً إذا تبين عدم جدواها.
تكمن العبقرية المنهجية لناجليري في تصميم اختبارات تقيس فاعلية التخطيط دون إرهاق المفحوصين بتعليمات شفهية أو كتابية مطولة؛ حيث تُقدم المهام عبر أنماط بصرية وحركية واضحة للغاية تسمح للطفل بالاستجابة الفورية، بينما يسجل الأخصائي الفاحص ليس فقط النتيجة النهائية (الصواب أو الخطأ)، بل والزمن المستغرق والاستراتيجية النوعية المتبعة. هذا الفصل الدقيق بين “القدرة التخطيطية النقية” والمحتوى اللفظي المكتسب مكّن من تشخيص دقيق لعجز الفصوص الجبهية والخلل الوظيفي التنفيذي لدى فئات سريرية معقدة مثل المصابين بإصابات الدماغ الرضحية (TBI)، واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، والأطفال ذوي صعوبات التعلم المزمنة.
3.3 عملية الانتباه واليقظة (Attention)
تجسد عملية الانتباه (Attention) في نظرية باس الوحدة الوظيفية الأولى لألكسندر لوريا، وتستند تشريحياً إلى شبكة تفاعلية معقدة تربط بين التكوين الشبكي الصاعد في جذع الدماغ والمناطق تحت القشرية والجهاز الحوفي والفصوص الجبهية والجدارية. ويُعرّف ناجليري الانتباه بأنه العملية المعرفية التي تمكّن الفرد من توجيه نشاطه العقلي وتركيز طاقته الواعية بصورة انتقائية نحو مثير حسي أو معرفي محدد ومستهدف، مع القدرة الصارمة على تجاهل وتثبيط المثيرات الأخرى المشتتة وغير ذات الصلة (Inhibitory Control)، والحفاظ على هذا الجهد الذهني واليقظة الانتقائية لفترة زمنية محددة (Sustained Attention).
يؤكد ناجليري أن الانتباه ليس مجرد حالة فسيولوجية سلبية من الاستيقاظ، بل هو عملية معرفية نشطة تتطلب مجهوداً موجهاً نحو هدف. ففي البيئات الصفية والحياتية المشبعة بالمشتتات البصرية والسمعية، يتطلب التعلم الفعال من التلميذ تثبيط رغبته التلقائية في الاستجابة للمثيرات الأبرز حسياً، والتركيز بدلاً من ذلك على المثيرات الأكثر أهمية تربوياً. لذلك، ترتكز اختبارات الانتباه ضمن منظومة PASS على إحداث صراع إدراكي يتطلب من المفحوص كبح الاستجابة التلقائية النمطية وتفعيل الاستجابة الانتقائية الصحيحة، على غرار مهام “ستروب” (Stroop Effect) المعدلة إدراكياً للأطفال واليافعين.
تكتسب هذه العملية أهمية حاسمة في التفريق السريري الدقيق بين الأفراد ذوي التطور النمائي الطبيعي وأولئك الذين يعانون من اضطراب قصور الانتباه وفرط الحركة (ADHD). فمن خلال اختبارات الانتباه المقننة التي بناها ناجليري، يمكن للأخصائي النفسي ملاحظة وقياس وتحديد مدى هشاشة الانتباه الانتقائي، ومعدلات التشتت الإدراكي، وضعف السيطرة على الاستجابات الاندفاعية. هذا التشخيص الموضوعي يوفر بديلاً نوعياً رصيناً للمقاييس السلوكية التقديرية الذاتية التي تعتمد على انطباعات المعلمين وأولياء الأمور والتي قد تشوبها درجات عالية من عدم الدقة أو التحيز الشخصي.
3.4 المعالجة المتزامنة والمتتابعة (Simultaneous and Successive)
تشكل العمليتان المتبقيتان في نظرية باس، وهما المعالجة المتزامنة (Simultaneous Processing) والمعالجة المتتابعة (Successive Processing)، الوجهين الوظيفيين للوحدة الدماغية الثانية لدى لوريا، المسؤولة عن استقبال وتجهيز وترميز وتخزين المعلومات القادمة من الحواس. وتعمل هاتان العمليتان بشكل متكامل ومتضافر لتمكين الفرد من تنظيم المثيرات البيئية والتفاعل معها بذكاء:
أولاً: المعالجة المتزامنة: ترتبط بنيوياً بالفصوص القذالية والجدارية (Occipital and Parietal Lobes)، وهي مسؤولة عن دمج وتجميع المثيرات والعناصر المعرفية المنفصلة في كلٍّ واحد مترابط وكلي وشامل، تتحدد فيه أجزاء الموقف بناءً على علاقاتها المكانية والمنطقية المتبادلة. تتجلى المعالجة المتزامنة في مهام الفضاء المكاني (Spatial Relations)، وتدوير الأشكال الهندسية ذهنياً، وقراءة الخرائط، وإدراك العلاقات المنطقية والنحوية المعقدة (مثل: “أخو والدي” أو “الدائرة داخل المربع وفوق المثلث”)، وفهم المفاهيم الرياضية والهندسية التي تتطلب رؤية الصورة الكلية للعلاقات البنيوية في آن واحد.
ثانياً: المعالجة المتتابعة: ترتبط تشريحياً بالمناطق الصدغية-الجدارية (Temporal-Parietal Lobes) والمناطق الجبهية الأمامية، وتختص بتنظيم العناصر والمعلومات في تسلسل خطي وزمني صارم ورتيب، بحيث لا يمكن فهم أو استرجاع أو إنتاج أي عنصر دون أن يتبعه أو يسبقه العنصر الآخر وفق ترتيب دقيق غير قابل للتغيير. تعد هذه العملية الأساس العصبي الحاسم لاكتساب مهارات الوعي الصوتي (Phonological Awareness)، وفك الترميز القرائي للأحرف والكلمات (Decoding)، وحفظ السلاسل الرقمية والأيام والشهور، والتعامل مع العمليات الحسابية المتسلسلة خطوة بخطوة.
إن ما حققه ناجليري وداس وكيربي من خلال هذا الربط الوظيفي المتكامل يمثل إلغاءً تاماً للحاجة إلى مفهوم “العامل العام للذكاء” (g) المجرد والمبهم. لقد برهن نموذج باس على أن القدرة المعرفية ليست كتلة إسمنتية واحدة، بل هي تفاعل رباعي متقن ومحدد: تخطيط يوجه، وانتباه يركز، ومعالجة متزامنة تجمع، ومعالجة متتابعة ترتب. هذا الطرح منح علماء النفس أداة تشريحية وتشخيصية ذات قدرة غير مسبوقة على تفسير أسباب النجاح والإخفاق الأكاديمي لدى الأطفال والراشدين على حد سواء.
4. نظام التقييم المعرفي (CAS): التأسيس والخصائص السيكومترية
4.1 تطوير مقياس التقييم المعرفي – الإصدار الأول (CAS-1)
في عام 1997، وبعد قرابة عقدين من الأبحاث التجريبية والعيادية الشاقة، أطلق جاك ناجليري بالتعاون مع جيه بي داس المقياس الذي أحدث زلزالاً في ساحة القياس النفسي المدرسي: نظام التقييم المعرفي (Das-Naglieri Cognitive Assessment System – CAS) في إصداره الأول. جاء هذا المقياس كنقلة نوعية وترجمة إجرائية وعملية ومباشرة لنظرية PASS للعمليات المعرفية، ليكون أول اختبار ذكاء شامل ومقنن يُبنى بالكامل انطلاقاً من نظرية عصبية معرفية حديثة صريحة، بدلاً من الاعتماد على التجميع الإمبريقي للفقرات أو الانطلاق من مفاهيم إحصائية بحتة ومجردة كتحليل العوامل.
تكون الإصدار الأول لمقياس CAS من بطارية شاملة ومقننة للفئات العمرية من سن 5 سنوات حتى 17 عاماً و11 شهراً. وتوزعت فقراته واختباراته الفرعية بدقة هندسية لقياس العمليات الأربع المستقلة بنسب متساوية وموزونة:
- مقياس التخطيط: شمل اختبارات مبتكرة مثل اختبار “التخطيط التوافقي” (Matching Numbers)، واختبار “رموز التخطيط” (Planned Codes)، واختبار “توصيل الخطوط التخطيطي” (Planned Connections).
- مقياس الانتباه: تضمن اختبارات تقيس الانتباه الانتقائي والمستمر مثل اختبار “الانتباه للتعبيرات” (Expressive Attention – بديل اختبار ستروب)، واختبار “الانتباه للأرقام” (Number Detection)، واختبار “الانتباه الاستقبالي” (Receptive Attention).
- مقياس المعالجة المتزامنة: قيس عبر اختبارات “المصفوفات غير اللفظية” (Nonverbal Matrices)، واختبار “العلاقات المكانية اللفظية” (Verbal-Spatial Relations)، واختبار “تشابه الأشكال” (Figure Memory).
- مقياس المعالجة المتتابعة: احتوى على اختبارات “تذكر سلاسل الكلمات” (Word Series)، واختبار “تكرار الجمل غير المألوفة” (Sentence Repetition)، واختبار “الأسئلة المتتابعة” (Sentence Questions).
خضع الإصدار الأول لدراسات تقنين سيكومترية بالغة الدقة على عينة معيارية ضخمة وممثلة ديموغرافياً للمجتمع الأمريكي استناداً إلى بيانات التعداد السكاني، وشملت كافة الشرائح العرقية والاجتماعية والاقتصادية والمناطق الجغرافية. وأظهرت النتائج أن المقياس يتمتع بخصائص سيكومترية استثنائية وبناء عاملي نقي تماماً، حيث أكدت التحليلات العاملية التوكيدية أن بنية العمليات الأربع (PASS) هي النموذج الأكثر ملاءمة لتفسير تباين الدرجات مقارنة بأي نموذج تقليدي آخر.
4.2 نظام التقييم المعرفي – الإصدار الثاني (CAS2) والتحديثات المعيارية
في عام 2014، أصدر ناجليري مع زملائه نظام التقييم المعرفي – الإصدار الثاني (CAS2)، والذي مثل قفزة نوعية في دقة وحداثة أدوات القياس النفسي العصبي. تم توسيع الشريحة العمرية للمقياس لتغطي الأفراد من سن 5 سنوات حتى 18 عاماً، مع تحديث شامل للمعايير الإحصائية الوطنية لتعكس التغيرات الديموغرافية والاجتماعية في المجتمع المعاصر. كما تم تنقيح وتحسين الرسوم والمواد البصرية لتكون أكثر جاذبية وتحفيزاً للأطفال واليافعين في العصر الرقمي.
قدم الإصدار الثاني CAS2 مرونة عيادية غير مسبوقة للأخصائيين النفسيين عبر توفير ثلاث نسخ مقننة ومتباينة الاستخدام:
- النسخة الموسعة (Extended Battery): تتكون من 12 اختباراً فرعياً (بواقع ثلاثة اختبارات فرعية لكل عملية معرفية من عمليات PASS)، وتوفر أقصى درجات الدقة الإكلينيكية والعمق التشخيصي، وتستخدم خصيصاً في التقييمات المعقدة لتشخيص صعوبات التعلم الشديدة وتحديد الأهلية للتربية الخاصة.
- النسخة الأساسية (Core Battery): تتكون من 8 اختبارات فرعية (بواقع اختبارين لكل عملية)، وتعتبر الأداة المثالية للتقييم الروتيني الشامل؛ حيث توفر توازناً استثنائياً بين الكفاءة الزمنية والموثوقية السيكومترية العالية.
- النسخة الموجزة (Brief Battery): تتكون من 4 اختبارات فرعية مصممة للتطبيق السريع في غضون 20 دقيقة، وتستهدف المسح الأولي والكشف السريع عن الأطفال المعرضين لمخاطر العجز المعرفي، وتحديد من يحتاج منهم إلى إحالة لتقييم شامل.
أظهرت الدراسات السيكومترية لـ CAS2 مؤشرات ثبات واتساق داخلي بالغة الارتفاع تجاوزت (0.90) لمعظم المقاييس المركبة ومؤشر الدرجة الكلية (Full Scale Composite Score). كما تميز بصدق بنائي وتلازمي فائق تم التحقق منه من خلال مئات الدراسات المقارنة مع مقاييس ويكسلر (WISC) ومقاييس وودكوك-جونسون (WJ). والأهم من ذلك، برهن CAS2 على قدرة متفوقة في الحفاظ على أدنى فجوة ممكنة في الدرجات بين المجموعات العرقية المتنوعة، مما عزز مكانته كمعيار ذهبي للعدالة والمصداقية السيكومترية.
4.3 الأدوات الرقمية والإصدارات التكنولوجية الحديثة
مع تسارع وتيرة الثورة الرقمية في مستهل الألفية الثالثة، قاد جاك ناجليري جهوداً حثيثة لنقل نظام التقييم المعرفي من بيئته الورقية الكلاسيكية إلى منصات التقييم الرقمي التفاعلي والمتقدم. أثمرت هذه الجهود عن إطلاق منصات رقمية متطورة تتيح تطبيق وتصحيح وتفسير CAS2 عبر الأجهزة اللوحية والحواسيب المترابطة، مما شكل قفزة نوعية في دقة القياس وتوفير الوقت للأخصائي النفسي والمفحوص معاً.
يوفر التطبيق الرقمي لنظام CAS2 مزايا سيكومترية بالغة الأهمية؛ أبرزها القضاء التام على أخطاء القياس البشرية المترتبة على استخدام ساعات الإيقاف اليدوية في تسجيل أزمنة الاستجابة، لا سيما في اختبارات التخطيط والانتباه التي تتطلب حساسية زمنية فائقة بالمللي ثانية. كما تضمن المنصة الرقمية التوحيد القياسي الصارم لتقديم المثيرات الصوتية والبصرية، مما يقلل من تباين ظروف الفحص الناتجة عن اختلاف أداء الفاحصين أو لكناتهم أو سرعة قراءتهم للتعليمات.
علاوة على ذلك، توفر الأنظمة الرقمية الحديثة لنظام CAS2 خوارزميات تقريرية متقدمة تنتج تقارير إكلينيكية وتربوية فورية وشاملة. لا تكتفي هذه الخوارزميات بحساب الدرجات المعيارية والرتب المئينية بدقة متناهية، بل تقوم بإجراء مقارنات إحصائية آلية بين نقاط القوة ونقاط الضعف المعرفية (PSW Analysis) لدى المفحوص وفق نموذج التناقض بين الاتساق وعدم الاتساق. وتختتم التقارير باقتراح حزمة متكاملة ومخصصة من التدخلات التعليمية والاستراتيجيات الصفية المباشرة الموجهة للمعلمين بناءً على النمط المعرفي الفريد للطالب، محققة بذلك الربط الحقيقي بين التقييم والتدخل العلاجي.
5. اختبار ناجليري للقدرة غير اللفظية (NNAT): العدالة الثقافية واللغوية
5.1 فلسفة القياس غير اللفظي وحل معضلة التحيز
تعد قضية الاختبارات النفسية غير اللفظية المحور المركزي الثاني في مشروع ناجليري لإصلاح حركة القياس النفسي. انطلق ناجليري من ملاحظة واقعية ومؤلمة مفادها أن اختبارات الذكاء التقليدية – حتى تلك التي تحتوي على مقاييس أداء فرعية غير لفظية – كانت تفشل باستمرار في تحقيق العدالة للأطفال الذين لا يتقنون اللغة السائدة للاختبار، أو أولئك الذين ينتمون إلى خلفيات اجتماعية واقتصادية محرومة. كانت المشكلة تكمن في أن التعليمات اللفظية المطولة والمعقدة، والمفاهيم الثقافية الضمنية المشحونة في بنود الاختبار، كانت تضع عائقاً هائلاً يحول دون تمكن المفحوص من إظهار تفكيره المجرد وقدراته العقلية الكامنة.
من هذا المنطلق، بلور ناجليري فلسفته الخاصة في القياس غير اللفظي التام، والتي استهدفت صياغة أدوات تقييم متحررة جذرياً من سلطة اللغة ومن التحيز الثقافي. وترتكز هذه الفلسفة على مبادئ إجرائية صارمة:
- التقليل شبه المطلق من استخدام الكلمات والتعليمات الشفهية؛ حيث يتم توجيه المفحوص لفهم متطلبات المهمة من خلال النمذجة الحركية البسيطة والفقرات التدريبية التفاعلية التي لا تحتاج إلى أي تفسير لغوي.
- إلغاء أي اعتماد على المهارات الحركية الدقيقة المعقدة (Fine Motor Skills) التي قد تؤثر سلباً على نتائج الأطفال ذوي الإعاقات البدنية أو تأخر التآزر الحركي البصري، فالاستجابة تتطلب فقط الإشارة أو اختيار البديل الصحيح.
- التركيز الحصري على قياس القدرة العامة على التفكير المجرد، وحل المشكلات الهندسية المكانية الجديدة، والاستدلال المنطقي من خلال مصفوفات الأشكال والتصميمات المجردة التي لا تنتمي لأي ثقافة محددة بذاتها.
مكن هذا النهج غير اللفظي الجريء من تحويل عملية تقييم الذكاء من اختبار يقيس مدى “اندماج وتطبع” الطالب مع الثقافة الأنجلو-ساكسونية البيضاء المهيمنة، إلى مقياس موضوعي محايد يقيس المرونة العصبية والقدرة العقلية الفطرية للإنسان ككائن مفكر أينما وُجد، الأمر الذي جعله الأداة العالمية الأكثر موثوقية لتقييم المهاجرين، واللاجئين، والأقليات اللغوية، والطلاب متعددي اللغات (ELL) في شتى بقاع الأرض.
5.2 تطور الأجيال: من NNAT إلى NNAT2 وNNAT3
في عام 1997، طرح ناجليري الإصدار الأول من مقياسه الشهير: اختبار ناجليري للقدرة غير اللفظية (NNAT)، ليكون خليفة ثورياً لاختبار “ماتريكس ناجليري” السابق (Naglieri Matrix Progressive Test)، واستجابة نقدية سيكومترية متطورة لتجاوز عيوب اختبار مصفوفات ريفن المتتابعة. تميز الإصدار الأول بقدرته الفائقة على قياس الاستدلال المجرد لدى الطلاب من مرحلة رياض الأطفال حتى الصف الثاني عشر، مع توفير تطبيق جماعي أو فردي فعال يمكن إنجازه في غضون 30 دقيقة فقط، وهو ما شكل إنجازاً سيكومترياً هائلاً سمح للمدارس بإجراء مسوحات تقييمية شاملة لآلاف الطلاب بأقل تكلفة وجهد.
مع التقدم التقني وتطور الدراسات الإحصائية، شهد عام 2008 إطلاق الجيل الثاني: NNAT2. جاء هذا الإصدار محملاً بتحديثات جوهرية؛ حيث تم تطوير بنك فقرات غني وموسع، وإدخال عناصر ألوان جديدة تعتمد على تباين بصري متطور يساعد في جذب انتباه الأطفال الصغار دون أن يتسبب في تشتيتهم أو يعيق الطلاب الذين يعانون من قصور في رؤية الألوان. كما شهد NNAT2 التدشين الرسمي لأولى المنصات المؤتمتة للاختبار عبر الإنترنت، مما مكن المناطق التعليمية الضخمة من تطبيق الاختبار ومسح مئات الآلاف من الطلاب إلكترونياً والحصول على درجات معيارية وتقارير تصنيفية آلية في الوقت الفعلي.
وفي عام 2016، توج ناجليري مسيرة هذا المقياس بإصدار الجيل الثالث الأحدث: NNAT3. تميز NNAT3 بتحديثات سيكومترية وطنية شاملة مبنية على عينات ضخمة عكست التركيبة السكانية المتغيرة في القرن الحادي والعشرين. وشهد الاختبار تحسيناً جذرياً لواجهات الاستخدام الرقمية لتناسب الأجهزة اللوحية التي تعمل باللمس، إضافة إلى صياغة نماذج فحص موازية (Parallel Forms) تضمن أقصى درجات النزاهة السيكومترية وتمنع تسريب الاختبارات أو تكرارها عند إعادة الفحص الدوري. وأثبتت الدراسات أن NNAT3 هو الاختبار الأكثر تحرراً من الفروق العرقية واللغوية في تاريخ القياس التربوي المعاصر، محافظاً على قيم تباين شبه متطابقة بين مختلف المجموعات السكانية.
5.3 الأنماط المعرفية المستخدمة في عناصر NNAT
صُممت فقرات اختبارات NNAT عبر أجيالها المتعاقبة لتستند إلى أربعة أنماط معرفية تجريدية دقيقة تُقاس من خلال مصفوفات الأشكال والتصميمات الهندسية ثنائية الأبعاد، وتتطلب مستويات متصاعدة من التفكير المنطقي غير اللفظي:
- إكمال الأنماط (Pattern Completion): يمثل النمط التأسيسي للمقياس، ويستخدم غالباً مع الأعمار الأصغر ومستويات البداية. وفيه يُعرض على المفحوص تصميم أو نمط بصري كبير متصل يحتوي على جزء مفقود تم اقتطاعه، ويتعين على المفحوص فحص المنظومة البصرية بأكملها وتحديد البديل الذي يكمل التصميم بصورة صحيحة ومتناسقة هندسياً، مما يتطلب دقة الإدراك البصري والتحليل الكلي للعلاقات الشكلية.
- الاستدلال الاستدلالي / التناظري (Reasoning by Analogy): يتطلب من المفحوص إدراك وتحديد العلاقة المنطقية الهندسية القائمة بين عنصرين أو أكثر (مثل التغير في الحجم، أو اللون، أو الشكل، أو الاتجاه، أو عدد الأجزاء)، ومن ثم نقل وتطبيق هذه القاعدة المجردة بدقة على عنصر آخر لاكتشاف الجزء الناقص المتمم للتناظر.
- المتواليات التسلسلية (Serial Reasoning): يواجه الفرد مصفوفات تتغير فيها الأشكال والتصميمات وفق تسلسل زمني أو مكاني خطي رتيب (أفقياً، أو رأسياً، أو قطرياً). يتطلب حل هذه المشكلة المعرفية تتبع قاعدة التغير الحركي أو العددي للأشكال خطوة بخطوة، واستنتاج ما يجب أن يكون عليه الشكل اللاحق في المتوالية المنطقية.
- التوجه المكاني / التصور الفضائي (Spatial Visualization): يمثل النمط الأكثر تعقيداً وعمقاً في المقياس؛ حيث يتعين على المفحوص إجراء عمليات تحويل وتدوير وتجميع ودمج ذهني لجزأين أو أكثر من الأشكال الهندسية المتراكبة أو المنقسمة لتحديد كيف سيبدو الشكل النهائي بعد تطابقهما أو طيهما في الفضاء المكاني، وهو ما يتطلب تفعيلاً استثنائياً للذاكرة العاملة البصرية المكانية والعمليات المتزامنة العليا.
تضمن هذه الأنماط المعرفية الأربعة، بتكاملها التدريجي عبر مستويات الاختبار المتعددة، قياس البنية العميقة للذكاء التجريدي الخام دون الاعتماد على القراءة، أو الكتابة، أو الحساب، أو الثروة اللغوية، مما جعل NNAT الأداة المفضلة عالمياً لاكتشاف الكفاءة الإنسانية الكامنة وراء حواجز اللغة والثقافة.
6. إسهامات ناجليري في تشخيص صعوبات التعلم الأكاديمية
6.1 نقد نموذج التناقض التقليدي (IQ-Achievement Discrepancy)
شن جاك ناجليري، منذ أواخر ثمانينيات القرن العشرين، حملة علمية وسيكومترية لا هوادة فيها ضد النموذج الذي هيمن لعقود طويلة على تشخيص صعوبات التعلم المحددة (Specific Learning Disabilities – SLD)، وهو ما يُعرف بنموذج “التناقض بين نسبة الذكاء والتحصيل” (IQ-Achievement Discrepancy Model). كان هذا النموذج البائد يشترط لتشخيص الطفل بوجود صعوبة تعلم أن يظهر تباعداً إحصائياً كبيراً (عادة ما يعادل انحرافين معياريين أو أكثر) بين درجة ذكائه العامة المقاسة باختبارات الذكاء التقليدية ومستوى تحصيله الأكاديمي الفعلي في القراءة أو الرياضيات.
فصّل ناجليري أوجه القصور العلمي والمنهجي والأخلاقي الفادحة لهذا النموذج التقليدي في محاور حاسمة:
- مفارقة “الانتظار حتى الفشل” (Wait-to-Fail Paradox): حيث كان النموذج يعجز بنيوياً عن تشخيص الأطفال في الصفوف الدراسية الأولى (الروضة، الصف الأول والثاني)؛ لأن الفجوة الرياضية بين الذكاء والتحصيل لا تصبح كبيرة إحصائياً إلا بعد أن يتراكم الفشل الأكاديمي للطالب لسنوات عدة، مما يعني حرمان الطفل من التدخلات المبكرة الأكثر حساسية وتأثيراً في نموه المعرفي والأكاديمي.
- القصور المنطقي في تعريف الذكاء: الاعتماد على مقاييس الذكاء التقليدية المشبعة بالمعرفة الأكاديمية والمهارات اللفظية يجعل من التناقض خدعة سيكومترية؛ فالطفل الذي يعاني من صعوبة في القراءة ستنخفض حتماً درجات ذكائه اللفظي على مقياس ويكسلر، مما يؤدي إلى تقليص الفجوة المفتعلة بين الذكاء والتحصيل، وبالتالي حرمانه من حقه القانوني في خدمات التربية الخاصة.
- انعدام الجدوى التربوية والتدخلية: لم يكن رقم التناقض الإحصائي المجرد يقدم للأخصائيين النفسيين أو المعلمين أي تفسير علمي أو عصبي لسبب فشل الطالب في القراءة أو الحساب، ولم يكن يوفر أي دليل إرشادي لتوجيه وتصميم البرامج العلاجية المناسبة.
دفعت هذه الانتقادات العلمية الصارمة، التي قادها ناجليري وشاركته فيها نخب من الباحثين، الكونغرس الأمريكي والهيئات التشريعية عند إعادة إقرار “قانون تعليم الأفراد ذوي الإعاقة” (IDEA 2004) إلى إلغاء إلزامية استخدام نموذج التناقض التقليدي، وفتح الباب صراحة أمام النماذج البديلة المبنية على الاستجابة للتدخل (RTI) وتقييم العمليات النفسية والمعرفية الأساسية.
6.2 نموذج التناقض بين الاتساق وعدم الاتساق (Discrepancy/Consistency Model)
كبديل علمي متقدم وعملي لنماذج التشخيص البائدة، طور جاك ناجليري، بالتعاون مع باحثين متخصصين، نموذجاً سيكومترياً رصيناً أطلق عليه اسم “نموذج التناقض بين الاتساق وعدم الاتساق” (Discrepancy/Consistency Model – DCM)، وهو أحد التطبيقات الإكلينيكية المتقدمة لمنهجية تحليل “نقاط القوة والضعف المعرفية” (Patterns of Strengths and Weaknesses – PSW). يرتكز هذا النموذج على الفرضية المنطقية العصبية التي تؤكد أن صعوبة التعلم ليست ضعفاً شاملاً في القدرة العقلية، بل هي عجز أو قصور غير متوقع في عملية معرفية نفسية محددة ونوعية يقابله سلامة ونقاط قوة واضحة في العمليات المعرفية الأخرى.
يعتمد نموذج DCM السيكومتري في تشخيص صعوبات التعلم على التحقق الإحصائي الدقيق من ثلاثة أركان بنيوية متداخلة:
- التناقض المعرفي الداخلي (Cognitive Discrepancy): وجود تباعد إحصائي دال ومعنوي سريرياً بين نقاط القوة المعرفية للمفحوص (عملية أو أكثر من عمليات PASS تقع في المدى المتوسط أو فوق المتوسط) ونقطة ضعف معرفية محددة (انخفاض دال في إحدى عمليات PASS كالمعالجة المتتابعة أو التخطيط).
- الاتساق المعرفي-الأكاديمي (Cognitive-Achievement Consistency): وجود علاقة ارتباطية ونوعية وتوافقية وثيقة إحصائياً بين العملية المعرفية التي تشهد قصوراً واضحاً والمهارة الأكاديمية المحددة التي يفشل فيها الطالب في الواقع الدراسي؛ كأن يترافق ضعف المعالجة المتتابعة مع عسر القراءة الفونولوجي، أو يترافق ضعف التخطيط والمعالجة المتزامنة مع صعوبات حل المسائل الرياضية.
- التناقض المعرفي-الأكاديمي الخارجي: وجود تباعد دال وإحصائي بين نقاط القوة المعرفية السليمة لدى الطالب ومستوى التحصيل الأكاديمي المنخفض في المادة التي يعاني فيها من صعوبة، مما يثبت بشكل قاطع أن الفشل الأكاديمي ليس ناتجاً عن إعاقة عقلية شاملة أو انخفاض عام في القدرة الذهنية.
يقدم هذا النموذج للأخصائيين النفسيين المدرسيين إطاراً إكلينيكياً متيناً ومبرهناً سيكومترياً يضمن التشخيص التفريقي الدقيق لعسر القراءة (Dyslexia)، وعسر الكتابة (Dysgraphia)، وعسر الحساب (Dyscalculia)، محولاً عملية التشخيص من مجرد تسميات تصنيفية باردة إلى خريطة عصبية معرفية تكشف المسارات المعطلة وتهيئ البيئة لتصميم استراتيجيات التدخل التعويضي الموجه بدقة متناهية.
6.3 المعالجة المتتابعة وصعوبات القراءة والكتابة
تعتبر الدراسات التي أجراها جاك ناجليري حول العلاقة الجدلية بين المعالجة المتتابعة (Successive Processing) واكتساب مهارات القراءة والكتابة من أعمق إسهاماته في ميدان صعوبات التعلم اللغوية. برهن ناجليري من خلال مئات الدراسات التجريبية المقارنة على أن العجز الأساسي في الغالبية الساحقة من حالات عسر القراءة التنموي (Developmental Dyslexia) يعود بالدرجة الأولى إلى خلل وظيفي حاد في المعالجة المتتابعة، أي عدم قدرة المنظومة العصبية المعرفية للطفل على إدراك وحفظ وترميز وإنتاج المثيرات الصوتية والرمزية في تسلسل خطي زمني دقيق ورتيب.
يفسر نموذج PASS هذا العجز القرائي بدقة علمية بالغة؛ فالقراءة في مراحلها الأولى ليست نشاطاً بصرياً مكانياً متزامناً، بل هي نشاط متتابع بامتياز يتطلب من الطفل ربط الحرف المكتوب (Grapheme) بالصوت المنطوق (Phoneme) في تتابع صارم، ومن ثم دمج الأصوات المنفصلة في سلسلة زمنية خطية متصلة لتشكيل الكلمة، ثم تركيب الكلمات في تسلسل نحوي دقيق لتكوين الجملة. عندما يعاني الطفل من ضعف في المعالجة المتتابعة، تفشل الذاكرة العاملة اللفظية في تثبيت الترتيب الخطي للأصوات، فيظهر الخلط النمطي بين الحروف المتجاورة، وتبديل مقاطع الكلمات، والعجز التام عن فك الترميز الصوتي للكلمات الجديدة أو الكلمات غير المألوفة (Pseudowords).
انطلاقاً من هذا التفسير العصبي المعرفي، لم يقف ناجليري عند حدود التشخيص، بل قدم حلولاً تربوية وعلاجية رائدة. دعا إلى استبدال طرائق التدريس الصوتية التلقينية الصارمة – التي تُصر على مخاطبة المعالجة المتتابعة المعطوبة لدى مريض عسر القراءة – بـ استراتيجيات التعويض المكاني والمتزامن (Simultaneous Compensatory Strategies). وتتضمن هذه الاستراتيجيات إعادة تقديم الكلمات كبنى بصرية متكاملة وشاملة، واستخدام البطاقات الملونة والصور الذهنية والروابط المكانية الدلالية، وتدريب الطالب على استراتيجيات التخطيط الذاتي لتحليل البنية المورفولوجية للكلمات، مما يسمح له بتجاوز الاختناق في مسار المعالجة المتتابعة وتحقيق طلاقة القراءة عبر توظيف قدراته العقلية السليمة في الفصوص الدماغية الأخرى.
7. تطبيقات نموذج ناجليري في تقييم الموهبة والتفوق العقلي
7.1 إعادة تعريف الموهبة من منظور العمليات المعرفية
أحدث جاك ناجليري ثورة موازية في حقل تعليم الموهوبين والمتفوقين، مستهدفاً تفكيك النظرة الكلاسيكية التي ربطت “الموهبة العقلية” بحصول التلميذ على درجة ذكاء تقليدية (IQ) تفوق 130 على اختبارات الذكاء اللفظية الأكاديمية. جادل ناجليري بأن هذا التعريف التقليدي الأحادي والمشوه لا يقيس الموهبة العقلية الحقيقية أو الإبداع الفكري؛ بل يقيس بالدرجة الأولى الامتياز الثقافي، والمستوى الاقتصادي، ومقدار الرعاية المعرفية التي يتلقاها الطفل في منازل الطبقات العليا والمتوسطة، مما جعل برامج رعاية الموهوبين لعقود طويلة حكراً شبه مطلق على فئات اجتماعية محددة دون غيرها.
في مقابل ذلك، طرح ناجليري تعريفاً متعدد الأبعاد للموهبة يستند إلى مصفوفة العمليات المعرفية الأربع (PASS). وبموجب هذا النموذج، لا تُعرّف الموهبة بكونها تفوقاً كمياً عاماً في كافة المجالات، بل يمكن أن تتجلى في شكل قدرة استثنائية وفائقة في عملية أو أكثر من العمليات المعرفية الجوهرية:
- التفوق الاستثنائي في التخطيط: يظهر في المهارات التفكيرية غير النمطية، والقدرة المتقدمة على حل المشكلات المعقدة والجديدة، وإبداع استراتيجيات عمل فريدة ومرنة تفوق المراحل النمائية للطفل.
- التفوق الاستثنائي في المعالجة المتزامنة: يتجلى في التفكير الفضائي والمكاني المتقدم، والرؤية الكلية للعلاقات الرياضية والهندسية، والقدرة الخارقة على الربط المنطقي والمفاهيمي المجرد.
- التفوق الاستثنائي في الانتباه أو المعالجة المتتابعة: يتبدى في القدرات الفائقة على التركيز العميق طويل الأمد، والبراعة الموسيقية أو البرمجية التي تتطلب تتابعاً دقيقاً وسريعاً للأنظمة الرمزية.
هذا التحول المنهجي أتاح إعادة تشكيل سياسات اكتشاف الموهوبين في العديد من النظم التربوية العالمية؛ حيث سمح بقبول الطلاب الذين يمتلكون طاقات عقلية وابتكارية جبارة ولكنهم قد يعانون من ضعف في التحصيل اللفظي التقليدي أو يعيشون في بيئات لا تتحدث لغة التدريس السائدة، مؤكداً أن الموهبة هي القدرة على التفكير ومعالجة المعلومات وليست كمية المعلومات المخزنة في الذاكرة.
7.2 اكتشاف الموهوبين من الفئات غير الممثلة تاريخياً
تعد دراسات ناجليري الميدانية حول معالجة النقص العددي التاريخي للطلاب من الأقليات العرقية واللغوية في فصول الموهوبين من أكثر أعماله تأثيراً على مستوى السياسات الاجتماعية والتربوية في الولايات المتحدة. لعقود طويلة، كشفت الإحصاءات الرسمية أن الطلاب الأمريكيين من أصول إفريقية، وأولئك ذوي الأصول اللاتينية والمهاجرين، والطلاب من السكان الأصليين، يمثلون نسباً ضئيلة ومجحفة في برامج الموهوبين لا تتناسب مطلقاً مع أعدادهم الحقيقية في المدارس العامة، نتيجة لاعتماد لجان القبول الصارم على ترشيحات المعلمين الذاتية واختبارات الذكاء اللفظية المتحيزة.
أثبت ناجليري من خلال دراسات مسحية ضخمة شملت مئات الآلاف من الطلاب، ولا سيما دراسته التاريخية المنشورة بالتعاون مع الباحثة دونا فورد (Donna Ford)، أن استخدام اختبار ناجليري للقدرة غير اللفظية (NNAT) كأداة مسح شاملة وعادلة (Universal Screening) يؤدي إلى مضاعفة نسب اكتشاف وقبول الطلاب الموهوبين من أصول إفريقية ولاتينية بثلاثة إلى أربعة أضعاف، لتصل نسبهم إلى التمثيل الديموغرافي العادل والمكافئ تماماً لأقرانهم البيض.
أوضحت النتائج أن السبب في هذا التحول الجذري يعود إلى أن اختبار NNAT يتجاوز الحواجز اللغوية وعوائق الترشيح المبكر؛ فالطفل المهاجر الذي وصل حديثاً ولا ينطق سوى بضع كلمات إنجليزية يتمكن من خلال مصفوفات NNAT الهندسية التجريدية من إظهار ذكائه الاستدلالي الفائق دون أن يقف حاجز المفردات عائقاً بينه وبين حقه في الالتحاق بالبرامج الإثرائية، وهو ما شكل حجة علمية دامغة حسمت الكثير من المعارك التشريعية لصالح العدالة الاجتماعية في الأنظمة المدرسية.
7.3 الموهوبون ذوو الاحتياجات الخاصة المزدوجة (Twice-Exceptional)
كرس ناجليري جانباً مهماً من أبحاثه السريرية لواحدة من أكثر الفئات المعرفية تعقيداً وتهميشاً في البيئات التعليمية: فئة الموهوبين ذوي الاحتياجات الخاصة المزدوجة (Twice-Exceptional / 2e). تضم هذه الشريحة الطلاب الذين يجمعون في آن واحد وبشكل متناقض ظاهرياً بين امتلاك قدرات عقلية عليا واستثنائية (موهبة فائقة)، والمعاناة من اضطراب نمائي عصبي أو صعوبة تعلم محددة؛ مثل اضطراب طيف التوحد (ASD)، أو اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD)، أو عسر القراءة الحاد (Dyslexia).
كانت الاختبارات التقليدية تفشل بشكل ذريع في اكتشاف هذه الفئة؛ حيث تؤدي الموهبة الفائقة إلى تمويه وصرف الانتباه عن صعوبة التعلم الخفية، وفي الوقت ذاته تؤدي صعوبة التعلم إلى خفض الدرجة الكلية لمعامل الذكاء العام (Full-Scale IQ)، فيظهر الطفل بمظهر التلميذ “المتوسط والعادي تماماً” ويفقد فرصة الحصول على الدعم العلاجي المزدوج، محكوماً عليه بالإحباط النفسي المزمن والاحتراق الذاتي. هنا برز نظام التقييم المعرفي (CAS) كأداة تشخيصية فريدة لا تضاهى في فك هذه المعضلة العيادية.
من خلال تفكيك بنية العمليات المعرفية الأربع، يكشف مقياس CAS النقاب عن الملف المعرفي المتباين لهؤلاء الطلاب بدقة جراحية؛ حيث يمكن للأخصائي النفسي رصد درجات بالغة الارتفاع والعبقرية (تتجاوز 130 و140) في مقياسي التخطيط والمعالجة المتزامنة، متزامنة مع انخفاض حاد ودال (أقل من 85) في مقياس الانتباه أو المعالجة المتتابعة. هذا التحديد الدقيق يمكّن الفرق التربوية من بناء “خطة تعليم فردية مزدوجة” (Dual IEP)، توفر للطالب بيئة تعلم إثرائية محفزة تستثمر قدراته التخطيطية والفضائية الخارقة، وتزوده في الوقت عينه باستراتيجيات تعويضية ودعم حسي وأكاديمي لمعالجة القصور النمائي في مسارات الانتباه أو التسلسل.
8. تقييم اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) واضطرابات طيف التوحد
8.1 التمييز الإكلينيكي لاضطراب ADHD باستخدام نظام CAS
قدم جاك ناجليري إسهامات سريرية فارقة في تحسين موثوقية التشخيص الإكلينيكي لـ اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (Attention-Deficit/Hyperactivity Disorder – ADHD). تاريخياً، اعتمد تشخيص هذا الاضطراب بشكل شبه مطلق على المقاييس التقديرية السلوكية الذاتية والملاحظات الميدانية التي يدونها المعلمون والآباء (مثل مقاييس كونرز ومقاييس فاندربيلت)، وهي أدوات معرضة دائماً لخطأ التقدير والتحيزات الشخصية وسوء تفسير سلوكيات التمرد أو القلق الطفولي كأعراض لفرط الحركة ونقص الانتباه.
من خلال أبحاثه المكثفة على عينات عيادية ضخمة، استطاع ناجليري تحديد “البصمة المعرفية المميزة” (Cognitive Profile) لاضطراب ADHD باستخدام نظام التقييم المعرفي (CAS). وأثبتت الدراسات أن الأطفال الذين يعانون حقاً من هذا الاضطراب النمائي العصبي يظهرون نمطاً إحصائياً متسقاً وصارخاً يتمثل في:
- انخفاض جوهري ودال سريرياً في درجات مقياسي الانتباه (Attention) والتخطيط (Planning)، وهما العمليتان المرتبطتان وظيفياً بالوحدة الأولى للوريا وشبكات الفصوص الجبهية المسؤولة عن السيطرة التثبيطية والوظائف التنفيذية.
- سلامة واضحة ومستويات متوسطة أو فوق المتوسطة في درجات مقياسي المعالجة المتزامنة (Simultaneous) والمعالجة المتتابعة (Successive)، وهما العمليتان المرتبطتان بالوحدة الدماغية الثانية المسؤولة عن معالجة المعلومات الحسية والترميز.
يوفر هذا التباين الحاد أداة تشخيص تفريقي موضوعية بالغة الأهمية في العيادات النفسية؛ إذ يمكّن الأخصائي من التفريق الدقيق بين طفل يعاني من عجز وظيفي تنفيذي حقيقي في الدماغ يتطلب تدخلاً دوائياً وسلوكياً مركزاً، وطفل آخر يعاني من مشكلات سلوكية أو قلق انفعالي أو اضطرابات بيئية أسرية تُظهر أعراضاً سلوكية شبيهة بـ ADHD ولكن ملفه المعرفي على مقياس CAS يظهر كفاءة طبيعية ومتوازنة في عمليات الانتباه والتخطيط، مما يمنع الوصف الخاطئ للأدوية النفسية المنبهة للأطفال.
8.2 ملفات المعالجة المعرفية لدى الأفراد ذوي طيف التوحد (ASD)
امتدت تطبيقات نظرية باس ونظام CAS لتشمل الفحص والتقييم النفسي العصبي المعمق لـ اضطرابات طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder – ASD). واجه الأخصائيون النفسيون على الدوام تحدياً هائلاً عند تقييم القدرات العقلية الحقيقية للأطفال ذوي طيف التوحد، لا سيما غير الناطقين منهم أو ذوي المهارات اللفظية المحدودة والاضطرابات التفاعلية الاجتماعية الشديدة؛ حيث كانت درجاتهم على مقاييس الذكاء اللفظية التقليدية تصنفهم تلقائياً ضمن فئات الإعاقة الفكرية الحادة نتيجة عجزهم عن فهم التعليمات التفاعلية أو الاستجابة اللفظية للفاحص.
كشفت الدراسات التي أجراها ناجليري وزملاؤه باستخدام أدوات التقييم غير اللفظية ونظام CAS2 أن الأفراد ذوي طيف التوحد يمتلكون ملفاً معرفياً متبايناً ومثيراً للاهتمام:
- تفوق ملحوظ وقوة معرفية واضحة في المعالجة المتزامنة (Simultaneous Processing)؛ حيث يمتلك العديد منهم قدرات استثنائية في التحليل البصري المكاني، وإدراك الأنماط الهندسية المجردة، والتعامل مع المنظومات الصورية المعقدة، وهو ما يفسر ميلهم الشديد إلى التفكير بالصور والنماذج البصرية.
- تفاوت وضعف نسبي في المعالجة المتتابعة (Successive Processing)، نتيجة الصعوبات الكامنة في معالجة سلاسل الأصوات واللغة اللفظية الزمنية، إلى جانب تباين واضح في مقياسي التخطيط والانتباه بحسب شدة الاضطراب ومدى تأثر الوظائف التنفيذية.
إن تطبيق مقاييس ناجليري غير اللفظية (مثل NNAT والنسخ غير اللفظية لـ CAS) على أطفال طيف التوحد فتح آفاقاً تربوية غير مسبوقة؛ إذ كشف عن ذكاء أصيل وقدرات استدلالية وتفكير تجريدي متقدم لدى أطفال كان يُعتقد خطأً أنهم يعانون من تأخر ذهني شامل. هذا الفهم العلمي الدقيق مكّن معلمي التربية الخاصة من بناء بيئات تعليمية ومناهج بصرية-مكانية تستثمر نقاط القوة المتزامنة لديهم، وتتجاوز القصور اللفظي والاجتماعي العارض.
8.3 مقاييس التصنيف السلوكي المكملة: مقياس تقييم السلوك المعرفي (CAS Ratings)
إدراكاً منه لأهمية التكامل العيادي بين الأداء الاختباري المباشر والملاحظة البيئية الواقعية، لم يكتفِ ناجليري بالاختبارات الأدائية الفردية (Performance-Based Tests)، بل قام بتطوير مقاييس تقييم السلوك المعرفي (CAS2: Rating Scale)، بالتعاون مع تولين (Tulsky) وباحثين آخرين. صُممت هذه المقاييس لتُستكمل من قِبل المعلمين في الفصول الدراسية وأولياء الأمور في المنازل، وهي مؤسسة بالكامل على المحاور النظرية الأربعة لنظرية باس (التخطيط، الانتباه، التزامن، التتابع).
تمثل هذه المقاييس التقديرية أداة سيكومترية استثنائية تسد الفجوة بين ما يُظهره الطفل في غرفة الفحص العيادي الهادئة والفردية، وما يمارسه بالفعل من سلوك معرفي وتنفيذي في خضم الفوضى اليومية للمدرسة والمنزل. تحتوي المقاييس على عبارات مقننة تصف سلوكيات نوعية قابلة للملاحظة المباشرة؛ مثل: “هل يستطيع التلميذ تعديل طريقته عندما لا تنجح محاولته الأولى لحل المشكلة؟” (لقياس التخطيط)، أو “هل يظل مركزاً على شرح المعلم رغم وجود أحاديث جانبية في الفصل؟” (لقياس الانتباه).
تكمن القوة التشخيصية الكبرى في الدمج الإحصائي بين نتائج مقياس CAS الأدائي ومقياس CAS التقديري السلوكي؛ فعندما تتطابق الدرجات المنخفضة في الانتباه والتخطيط عبر كلا المصدرين (الأدائي والسلوكي)، يصل الأخصائي النفسي إلى أعلى درجات اليقين العيادي في تشخيص ADHD أو القصور التنفيذي. كما تُستخدم هذه المقاييس التقديرية السلوكية كأداة حساسة وموثوقة لمراقبة ومتابعة “الاستجابة للعلاج” (Response to Treatment)، سواء كان العلاج تدخلاً سلوكياً وتربوياً أو علاجاً دوائياً ونفسياً عصبياً، مما يسمح بتقييم فاعلية الخطط العلاجية وتعديلها بصورة دورية ودقيقة.
9. قضية الإنصاف والحد من التحيز للأقليات العرقية واللغوية
9.1 تفنيد أسطورة الفروق العرقية في الذكاء الوراثي
شهدت مسيرة جاك ناجليري معارك علمية وفكرية محتدمة في مواجهة الأطروحات العنصرية والوراثية الحتمية التي حاولت، عبر تاريخ القياس النفسي، تبرير الفوارق الطبقية والعرقية. ففي تسعينيات القرن العشرين، وعقب صدور الكتاب الجدلي الشهير “منحنى الجرس” (The Bell Curve) لريتشارد هيرنشتاين وتشارلز موراي، والذي ادعى وجود فوارق جينية وراثية ثابتة في نسبة الذكاء (IQ) تجعل الأمريكيين من أصول إفريقية أدنى ذكاءً بطبيعتهم من نظرائهم البيض، برز ناجليري كواحد من أشرس وأقوى الأصوات العلمية التي تصدت لهذه المزاعم وفندتها بالأدلة السيكومترية التجريبية القاطعة.
أثبت ناجليري من خلال أبحاث إحصائية رصينة ونشر علمي موسع في أرقى المجلات السيكومترية أن الفجوة التقليدية الشهيرة البالغة 15 نقطة في معامل الذكاء (انحراف معياري كامل) بين البيض والسود على مقاييس ويكسلر وبينيه ليست حقيقة بيولوجية أو وراثية على الإطلاق، بل هي نتاج مباشر وشائه لـ “التحيز اللفظي والمعرفي للمحتوى” (Content and Construct Bias). وبيّن أن هذه المقاييس التقليدية تقيس بالأساس مقدار التراكم اللغوي والخبرات الثقافية الخاصة بالطبقة الوسطى والبيضاء، مما يجعل تطبيقها على الأقليات العرقية والمحرومين اقتصادياً قمة في الإجحاف المنهجي.
وقدم ناجليري الدليل التجريبي الحاسم من خلال تطبيق “نظام التقييم المعرفي” (CAS) و”اختبار ناجليري للقدرة غير اللفظية” (NNAT) على عينات ضخمة وممثلة وطنياً من مختلف الأعراق. وكانت النتيجة السيكومترية المدوية هي:
عندما نستخدم مقاييس مبنية على العمليات العصبية المعرفية ونستبعد المعرفة اللفظية والمدرسية المسبقة، تتضاءل الفروق بين المجموعات العرقية إلى الصفر تقريباً (أقل من نقطة أو نقطتين، وهي فروق غير ذات دلالة إحصائية أو إكلينيكية).
هذا الإنجاز التجريبي العظيم أسقط الأسطورة الوراثية الزائفة، وأعاد الاعتبار للأقليات العرقية، مثبتاً أن العقل البشري يولد بإمكانات متكافئة للتعلم والمعالجة عبر كافة الأجناس والأعراق.
9.2 تقييم الطلاب متعددي اللغات (English Language Learners – ELL)
تعتبر فئة الطلاب متعددي اللغات (ELL) أو متعلمي اللغة الإنجليزية كلغة ثانية من أكثر الفئات التي عانت تاريخياً من التقييم الجائر في الأنظمة المدرسية الغربية. فعندما يدخل طفل لا يجيد اللغة الإنجليزية إلى المدرسة، كانت الاختبارات السيكومترية المترجمة أو المطبقة بلغته الضعيفة تظهره غالباً كطفل متأخر ذهنياً، مما يؤدي إلى إيداعه تعسفياً في فصول التربية الخاصة والإعاقة الفكرية، وهو ما يُعرف في الأدبيات التربوية بـ “التصنيف الخاطئ الممنهج” (Disproportionate Misplacement).
خاض ناجليري نضالاً علمياً لوضع حد لهذه المأساة التربوية عبر صياغة منهجية صارمة تنادي بـ “الفصل التام بين الكفاءة اللغوية المكتسبة والقدرة المعرفية الفطرية الكامنة”. وشدد على أن عدم إتقان التلميذ لقواعد ومفردات لغة بلد المهجر لا يعني بأي حال من الأحوال قصوراً في أنظمته التخطيطية أو الانتباهية أو المعالجاتية في الدماغ. ومن هنا، جاء استخدام مقاييسه غير اللفظية ونظام CAS ليقدم الحل السيكومتري الجذري لهذه الإشكالية.
تتميز أدوات ناجليري بأنها تسمح بتقييم الطالب متعدد اللغات دون الحاجة إلى مترجمين فوريين (الذين غالباً ما يغيرون الخصائص السيكومترية للفقرات دون قصد أثناء الترجمة)، وتمنع تضليل الأخصائي النفسي بضعف التعبير الشفهي للطفل. وقد أثبتت الدراسات المقارنة أن أداء الطلاب متعددي اللغات على اختبارات NNAT وCAS يتطابق بدقة تامة مع أدائهم الحقيقي في حل المشكلات الحياتية، مما حمى مئات الآلاف من الأطفال المهاجرين من خطر الوسم بالإعاقة العقلية وفتح أمامهم أبواب التعليم النظامي والإثرائي العادل.
9.3 التأثير القانوني والسياسات التربوية العامة
لم تكن أبحاث جاك ناجليري حبيسة الأبراج العاجية أو المجلات الأكاديمية النظرية، بل تحولت إلى قوة قانونية وحقوقية فاعلة شكلت معالم السياسات التعليمية العامة في الولايات المتحدة والعديد من الدول. استُدعي ناجليري مراراً كخبير استشاري ومحلف علمي أمام المحاكم الفيدرالية ولجان الكونغرس الأمريكي في قضايا التمييز المنهجي في التعليم، والدعاوى القضائية المرفوعة من منظمات الحقوق المدنية ضد وزارات التعليم والمناطق المدرسية التي تستخدم اختبارات تقييم متحيزة ضد الطلاب من الأقليات.
كان لشهاداته وأبحاثه الإمبريقية أثر حاسم في تعديل لوائح وسياسات القبول في كبريات المناطق التعليمية في الولايات المتحدة؛ مثل مقاطعة فيرفاكس (Fairfax County) في فيرجينيا، والمدارس العامة في نيويورك وشيكاغو وفلوريدا وماريلاند. وتبنت هذه المناطق التعليمية الضخمة اختبارات NNAT كأداة رسمية وإلزامية وحيدة لإجراء المسح الشامل لجميع طلاب المدارس لاكتشاف الموهوبين، مما أسهم تاريخياً في إنهاء احتكار فئات اجتماعية معينة لهذه البرامج وتحقيق قفزات تاريخية في دمج الأقليات.
كما ساهمت أعماله في توجيه صياغة الإرشادات التنفيذية لـ قانون تعليم الأفراد ذوي الإعاقة (IDEA)، حيث تم الاستشهاد بنموذجه للعمليات النفسية (PASS) كأحد المعايير المعتمدة لتعريف صعوبات التعلم بعيداً عن أساليب التناقض القديمة. وأصبح اسم جاك ناجليري مرادفاً للمقاومة العلمية المؤسسية ضد التمييز السيكومتري، ورائداً تاريخياً نجح في تسخير الأرقام والمعادلات الإحصائية للدفاع عن الكرامة الإنسانية وحقوق الأطفال الأكثر ضعفاً في المجتمع.
10. التدخلات التربوية القائمة على العمليات المعرفية واستراتيجيات التدريس
10.1 برنامج تعزيز التخطيط (Planning Facilitation)
من أعظم السمات التي تميز مسيرة جاك ناجليري العلمية عن غيره من علماء القياس النفسي هي رفضه الصارم لحصر دور السيكومتري في “التشخيص والتصنيف المجرد”. كان ناجليري يردد دائماً أن:
الاختبار الذي لا يقود إلى تدخل تعليمي فعال هو مضيعة لوقت الطفل والتربويين.
ومن هذا المنطلق الفلسفي، طور ناجليري واحداً من أشهر برامج التدخل التربوي المعرفي في العصر الحديث: برنامج تعزيز/تيسير التخطيط (Planning Facilitation Intervention).
يستهدف هذا البرنامج التدخلي تنمية وتفعيل الوظائف التنفيذية وعمليات التخطيط لدى الطلاب الذين يعانون من ضعف أكاديمي، لا سيما في مادتي الرياضيات والفهم القرائي. ويرتكز البرنامج على فلسفة ما وراء المعرفة (Metacognition)، حيث يمتنع المعلم تماماً عن تلقين الطلاب الخطوات أو إعطائهم خوارزميات جاهزة لحل المسائل. وبدلاً من ذلك، يدير المعلم نقاشات صفية تفاعلية تحفيزية تطرح أسئلة مفتوحة وموجهة تدفع الطلاب للتفكير في تفكيرهم؛ مثل:
- “ما هي خطتك لحل هذه المسألة؟”
- “لماذا اخترت هذه الطريقة تحديداً دون غيرها؟”
- “هل ساعدتك هذه الطريقة في الوصول للحل بسرعة ودقة؟”
- “إذا واجهتك صعوبة في هذه الخطوة، ما هي الخطة البديلة التي يمكن أن تطبقها؟”
أثبتت العشرات من الدراسات التجريبية ذات الشواهد وضبط المتغيرات (Randomized Controlled Trials) التي أجراها ناجليري وزملاؤه أن تطبيق برنامج تيسير التخطيط لفترات قصيرة (10 إلى 15 دقيقة يومياً لعدة أسابيع) يحقق قفزات مذهلة ومستدامة في درجات التحصيل الأكاديمي لدى الأطفال ذوي صعوبات التعلم وذوي اضطراب ADHD. والأكثر إثارة في هذه النتائج هو أن التحسن الأكاديمي لم يكن ناتجاً عن تدريب مكثف على الرياضيات أو القراءة ذاتها، بل كان ناتجاً عن تمكين الطفل من قيادة عملياته الدماغية الذاتية، وتنظيم استراتيجياته، وتصحيح أخطائه بوعي واستقلالية.
10.2 الربط المباشر بين التقييم والتدخل العلاجي (Assessment to Intervention)
كرس ناجليري جهوده العملية لتأسيس منهجية شاملة تسمى “من التقييم إلى التدخل” (Assessment to Intervention)، رافضاً قطيعة الاتصال التاريخية التي فصلت بين عمل الأخصائي النفسي في غرفته وعمل المعلم داخل الفصل الدراسي. وتتأسس هذه المنهجية على ترجمة الملف المعرفي المستخرج من نظام CAS مباشرة إلى أهداف استراتيجية تُدرج في “خطة التعليم الفردية” (Individualized Education Program – IEP) لكل طالب من ذوي الاحتياجات الخاصة.
وضع ناجليري مصفوفة تفصيلية تربط بين كل نمط من أنماط القصور المعرفي في عمليات PASS وحزمة من الاستراتيجيات التعليمية التعويضية المحددة بدقة:
- الطلاب ذوو القصور في التخطيط: يتم تدريبهم صراحة على استراتيجيات التنظيم الذاتي، والتوقف قبل الاستجابة، وتجزئة المهام الكبيرة إلى خطوات صغيرة، واستخدام قوائم المراجعة الذاتية (Checklists)، وتدوين اليوميات التأملية أثناء حل المشكلات.
- الطلاب ذوو القصور في الانتباه: تُصمم بيئاتهم الصفية لتقليل المشتتات البصرية والسمعية، مع تقديم المثيرات التعليمية في فترات زمنية قصيرة ومركزة، واستخدام إشارات حركية وبصرية دورية لإعادة توجيه التركيز، وتدريبهم على تقنيات تثبيط الاندفاع والتركيز الانتقائي.
- الطلاب ذوو القصور في المعالجة المتزامنة: يُنصح المعلمون بالابتعاد عن الشروح الفضائية والمكانية المعقدة والخرائط المجردة في البداية، وتفكيك المفاهيم الكلية إلى أجزاء خطية واضحة، واستخدام التعزيز اللفظي خطوة بخطوة لشرح العلاقات المنطقية والنحوية.
- الطلاب ذوو القصور في المعالجة المتتابعة: يتم تجنب التعليمات الشفهية المتتالية الطويلة والطرائق الصوتية الصرفة، والاعتماد بدلاً من ذلك على المنظمات البصرية التخطيطية (Graphic Organizers)، والجداول الزمنية المصورة، والوسائل متعددة الحواس لربط الأفكار معاً ككتل بصرية مترابطة.
بهذا البناء التطبيقي المتكامل، ارتقى ناجليري بالتقييم النفسي ليكون محرّكاً حقيقياً للعلاج والتطوير التربوي، مانحاً المعلمين أدوات علمية مبرهنة تضع حداً لسياسات التجربة والخطأ العشوائية في التعامل مع مشكلات التعلم.
10.3 تطبيقات البرنامج في الفصول الدراسية الدامجة
مع تنامي حركة الدمج الشامل (Inclusive Education) في المدارس العالمية، وسّع جاك ناجليري نطاق تطبيقات نظرية باس لتتجاوز غرف المصادر والتربية الخاصة إلى الفصول الدراسية العامة التي تضم كافة مستويات الطلاب. ونادى بدمج مبادئ العمليات المعرفية ضمن إطار “التصميم الشامل للتعلم” (Universal Design for Learning – UDL)، مؤكداً أن تعليم الطلاب كيفية التفكير وإدارة عملياتهم العقلية يجب أن يكون جزءاً عضوياً من المنهج المدرسي العام الموجه للجميع.
يتضمن تطبيق نموذج PASS في الفصول الدامجة تدريب المعلمين النظاميين على تقديم المادة التعليمية الواحدة عبر مسارات معالجة متعددة تلائم التنوع العصبي للمتعلمين؛ حيث تُشرح الدروس بالجمع المتزامن بين المسار المتتابع (الشرح الخطي المتدرج والمكتوب) والمسار المتزامن (الرسوم البيانية والمجسمات والخرائط الذهنية الكلية)، مع فتح المجال الدائم لتطبيق أنشطة تعزيز التخطيط التي تحث الطلاب على توليد استراتيجياتهم الخاصة وتبادلها مع زملائهم.
أظهرت نتائج الدراسات الميدانية في المدارس التي تبنت هذا النموذج الدامج فوائد عميقة انعكست على المناخ المدرسي بأكمله؛ فالطلاب العاديون والمتفوقون زادت قدراتهم على التفكير النقدي وحل المشكلات غير المألوفة وارتفعت مهاراتهم في ما وراء المعرفة، بينما وجد الطلاب المتعثرون وذوو الاحتياجات الخاصة بيئة تعليمية مرنة تحترم خصوصياتهم المعرفية وتتيح لهم الاندماج والنجاح دون الشعور بالعزلة أو العجز، مما رسخ مبادئ العدالة والمساواة في قلب العملية التعليمية اليومية.
11. المؤلفات العلمية والجوائز والاعتراف الأكاديمي بجاك ناجليري
11.1 الكتب المرجعية والدراسات المفصلية المنشورة
يعد الإنتاج العلمي لجاك ناجليري أحد أكثر السجلات الأكاديمية غزارة وتأثيراً في تاريخ علم النفس المعاصر. ألف وشارك في تأليف عشرات الكتب المرجعية الكبرى وموسوعات التقييم النفسي التي أصبحت مراجع إلزامية في برامج الدراسات العليا في مختلف قارات العالم. من أبرز مؤلفاته التأسيسية كتابه المفصلي الصادر عام 1994 بالتعاون مع جيه بي داس وجون كيربي بعنوان “تقييم العمليات المعرفية: نظرية باس لذكاء الإنسان” (Assessment of Cognitive Processes: The PASS Theory of Intelligence)، والذي وضع المانيفستو العلمي الأول للنظرية ولتطبيقاتها السيكومترية.
كما أصدر كتابه المرجعي البارز “الأساسيات في تقييم القدرة المعرفية باستخدام نظام CAS” (Essentials of CAS Assessment)، والذي قدم دليلاً إكلينيكياً معمقاً للأخصائيين النفسيين حول كيفية تطبيق وتفسير المقياس وتوظيفه في التشخيص التفريقي. وتأكيداً لاهتمامه الدائم بالمعلمين والأسر، أصدر مؤلفه الشهير واسع الانتشار “مساعدة الأطفال على التعلم: استراتيجيات وتدخلات قائمة على نظرية باس” (Helping Children Learn)، بالاشتراك مع كاثلين كريمر، والذي تُرجم إلى لغات عدة، وقدم مئات الاستراتيجيات العملية والصفية الميسرة التي تمكن الآباء والمعلمين من ترجمة تقارير التقييم النفسي إلى ممارسات يومية تثري تعلم الأطفال.
إلى جانب ذلك، ترأس ناجليري تحرير والمشاركة في إعداد العديد من الموسوعات القيادية الضخمة؛ من بينها “دليل التقييم غير اللفظي” (Handbook of Nonverbal Assessment)، والموسوعة المرجعية الشهيرة لجمعية علم النفس الأمريكية “التقييم النفسي في المدارس”. تميزت مؤلفاته بأسلوب علمي يجمع بين الصرامة السيكومترية والوضوح البلاغي والتوجه التطبيقي الحاسم، مما جعل كتاباته تحظى بقبول استثنائي بين العلماء النظريين والممارسين الميدانيين على حد سواء.
11.2 الجوائز والتكريمات الأكاديمية والمهنية
تقديراً لمسيرته العلمية والاجتماعية الاستثنائية، نال جاك ناجليري أرفع الأوسمة والجوائز التكريمية من كبرى المؤسسات الأكاديمية والمهنية في الولايات المتحدة والعالم. منحته جمعية علم النفس الأمريكية (APA) عبر القسم 16 (علم النفس المدرسي) “جائزة الإسهام العلمي المتميز في علم النفس المدرسي” (Senior Scientist Award)، وهي أرفع جائزة تمنح للعلماء الذين قدموا أبحاثاً رائدة أعادت تشكيل الفكر والممارسة السيكولوجية عبر مسيرة حياتهم المهنية.
كما كرمته الجمعية الوطنية لأخصائيي علم النفس المدرسي (NASP) بمنحه “جائزة المساهمات المتميزة مدى الحياة”، تقديراً لتفانيه في تدريب أجيال من الأخصائيين النفسيين ودفاعه المستميت عن العدالة في التقييم والارتقاء بحقوق الأطفال في المدارس العامة. وحصل على العديد من الجوائز من جمعيات رعاية الموهوبين، مثل الجمعية الوطنية للأطفال الموهوبين (NAGC)، تثميناً لأبحاثه التي فتحت أبواب برامج التفوق للأقليات المهمشة تاريخياً.
توالت عليه التكريمات من الجامعات المرموقة التي عمل بها؛ حيث نال لقب “أستاذ باحث متميز” في جامعة جورج ميسون، وألقى العشرات من المحاضرات الشرفية الافتتاحية في كبرى المؤتمرات الدولية للقياس النفسي وعلم النفس العصبي في الولايات المتحدة، وكندا، وبريطانيا، وإيطاليا، واليابان، وأستراليا، وغيرها من المحافل العالمية التي وقفت احتراماً لمنجزه العلمي الفذ وإخلاصه الإنساني النبيل.
11.3 المقالات البحثية والأثر الاستشهادي (Citation Impact)
يتميز السجل البحثي لجاك ناجليري بكثافة استثنائية ونوعية نادرة؛ حيث نشر أكثر من 300 مقال علمي محكم في أعرق الدوريات والمجلات العالمية المتخصصة في القياس، وعلم النفس المعرفي، والتربية الخاصة، وعلم النفس المدرسي؛ مثل مجلة Journal of Educational Psychology، وIntelligence، وSchool Psychology Review، وPsychological Assessment. خضعت هذه الدراسات لتقييم علمي صارم وأسهمت في صياغة مفاهيم القياس المعاصر عبر عقود متتالية.
يتمتع ناجليري بمعدلات استشهاد أكاديمي (Citation Impact) بالغة الارتفاع؛ حيث تُستشهد أعماله بعشرات الآلاف من المرات في الأطروحات والبحوث العالمية، مما يضعه ضمن قائمة النخبة الأكثر تأثيراً واستشهاداً بين علماء النفس في العالم في مؤشرات (Google Scholar) وقواعد بيانات (Scopus وWeb of Science). ولم يتوقف تأثيره عند حدود العالم الأنجلو-أمريكي؛ بل امتدت شبكات تعاونه البحثي لترجمة واختبار وتقنين نظرية باس ومقاييس CAS وNNAT في عشرات الثقافات واللغات حول العالم، محققاً تأثيراً معرفياً عابراً للقارات والحدود الإقليمية.
12. الإرث العلمي ومستقبل القياس النفسي العصبي المعرفي
12.1 إعادة تشكيل مفهوم الذكاء في الأوساط السيكولوجية المعاصرة
يقف جاك ناجليري اليوم في طليعة العلماء الذين أعادوا رسم الخريطة المفاهيمية لعلم النفس المعاصر، مسهماً بفاعلية حاسمة في تفكيك الهيمنة القديمة لنظرية الذكاء الأحادي الثابت. لقد نجح مشروعه العلمي في نقل المجتمع النفسي والتربوي من النظرة القديمة التي كانت ترى الذكاء كمقدار جامد محتوم وراثياً لا يمكن تغييره، إلى نظرة ديناميكية عصبية ترى القدرة العقلية كمجموعة من “العمليات المعالجاتية الوظيفية الحية والقابلة للتدريب والتطوير والتعويض المستمر”.
تجاوز تأثير نموذج PASS حدود مقاييس ناجليري الخاصة؛ إذ امتد ليؤثر تأثيراً عميقاً في بنية وتطوير الإصدارات الحديثة من كبرى الاختبارات العالمية المنافسة. فقد تأثرت الإصدارات الأخيرة من مقاييس “كوفمان” للتقييم المعرفي للأطفال (KABC-II)، وبطاريات “وودكوك-جونسون” للاختبارات المعرفية (WJ-IV) بالمفاهيم العصبية والمعالجاتية التي رسخها ناجليري وداس، وباتت تدرج مفاهيم المعالجة المتزامنة والمتتابعة والوظائف التخطيطية ضمن أبنيتها النظرية، مما يؤكد أن ناجليري لم يطور مجرد اختبار، بل قاد تحولاً فكرياً وثقافياً في حركة القياس النفسي بأكملها.
لقد أعاد ناجليري جسر الهوة بين النظرية العصبية والتطبيق المدرسي، مبرهناً على أن أحدث مكتشفات الفحص الوظيفي للدماغ والرنين المغناطيسي المعرفي يمكن ترجمتها إلى ممارسات صفية بسيطة وفعالة ينفذها المعلم في فصله لمساعدة طفل متعثر على القراءة أو حل المسائل الحسابية، وهو ما يمثل الأثر الدائم الذي لا يمحى لفكره العلمي الرصين.
12.2 آفاق الذكاء الاصطناعي والتقييم المعرفي المتكيف
مع انفتاح العصر الحالي على ثورات التكنولوجيا الرقمية، والتعلم الآلي، والذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence)، لم يتوقف جاك ناجليري عن مواصلة الابتكار واستشراف المستقبل. يشارك ناجليري حالياً في قيادة مشاريع بحثية متقدمة تهدف إلى دمج خوارزميات الذكاء الاصطناعي والتعلم العميق في أنظمة التقييم المعرفي التفاعلي المؤتمت، مما يبشر بولادة جيل ثوري جديد من أدوات القياس النفسي العصبي.
تتمحور هذه الرؤية المستقبلية حول الاستفادة من تحليلات الذكاء الاصطناعي لمراقبة “مسار التفكير” لدى المفحوص في الوقت الحقيقي (Real-Time Process Tracking). فبدلاً من الاكتفاء برصد زمن الإجابة وصحتها كما في الاختبارات السابقة، تتيح المنصات الرقمية الذكية تتبع حركة العين (Eye-Tracking)، ومسارات حركة اليد على الشاشات اللمسية، ومحاولات التجربة والخطأ، وتحليل الاستراتيجيات الذهنية الدقيقة التي يوظفها الطفل أثناء التخطيط وحل المشكلات. هذا المستوى من التحليل الفائق يوفر خريطة معرفية ثلاثية الأبعاد تعري مكامن القصور الدماغي بدقة مذهلة تفوق أي جهد بشري تقليدي.
علاوة على ذلك، يعمل ناجليري على تطوير بيئات تقييم رقمية تكيفية (Computerized Adaptive Testing – CAT) لا تكتفي بالتقييم التشخيصي المجرد، بل تندمج فورياً في برامج تدريب وتدخل محوسبة ذكية وذاتية التكيف؛ حيث يقوم النظام الذكي، فور اكتشاف ضعف في كفاءة التخطيط أو الانتباه، بتوليد ألعاب وتحديات معرفية مخصصة وموجهة لإعادة تأهيل المسارات العصبية المعطلة لدى الطفل، مما يحقق حلم ناجليري الأبدي في دمج التقييم بالتدخل في حلقة ذكية واحدة مستمرة ومحفزة للتعلم.
12.3 الخاتمة: مكانة جاك ناجليري في تاريخ القياس النفسي
في الختام، يقف البروفيسور جاك أ. ناجليري كواحد من أعظم وأشجع مجددي القياس النفسي وعلم النفس العصبي في القرنين العشرين والحادي والعشرين. منذ انطلاقته الأكاديمية الأولى في عام 1950 وحتى لحظتنا الراهنة، ظل ناجليري نموذجاً استثنائياً للعالم الملتزم بقضايا الحقيقة والعدالة الاجتماعية، رافضاً المساومة على حقوق الفئات الضعيفة، ومدافعاً علمياً صلباً عن حق كل إنسان في أن يُقاس عقله وتُفهم قدراته بمعايير علمية محايدة ومنصفة ومبنية على أصول عصبية متينة.
إن إرث جاك ناجليري لا يكمن فقط في المقاييس العالمية الرائدة التي تحمل اسمه وتطبق يومياً في آلاف المدارس والعيادات حول العالم (CAS وNNAT)، ولا في مئات الأبحاث والمؤلفات المرجعية التي شكلت وعي أجيال من السيكولوجيين؛ بل يكمن جوهر إرثه الحقيقي في البعد الأخلاقي والإنساني العميق الذي غرسه في نفوس تلاميذه ومتبعي منهجه: أن القياس النفسي ليس أداة للتصنيف أو النبذ أو الحرمان، بل هو رسالة تحرير وتنوير تهدف إلى الكشف عن النور الكامن في عقل كل طفل، وتزويده بالأجنحة المعرفية التي تمكنه من التحليق وبلوغ أقصى إمكاناته الإنسانية الخلاقة.
المراجع
- Das, J. P., Naglieri, J. A., & Kirby, J. R. (1994). Assessment of cognitive processes: The PASS theory of intelligence. Allyn & Bacon.
- Luria, A. R. (1973). The working brain: An introduction to neuropsychology. Basic Books.
- Naglieri, J. A. (1997). Naglieri Nonverbal Ability Test (NNAT). The Psychological Corporation.
- Naglieri, J. A. (1999). Essentials of CAS assessment. John Wiley & Sons.
- Naglieri, J. A. (2003). Naglieri Nonverbal Ability Test–Multilevel Technical Manual. Harcourt Assessment.
- Naglieri, J. A. (2008). Naglieri Nonverbal Ability Test–Second Edition (NNAT2). Pearson.
- Naglieri, J. A. (2015). Understanding and using the PASS theory of intelligence. In S. Goldstein, D. Princiotta, & J. A. Naglieri (Eds.), Handbook of intelligence: Evolutionary theory, historical perspective, and current concepts (pp. 371–392). Springer. https://doi.org/10.1007/978-1-4939-1562-0_23
- Naglieri, J. A., & Conway, R. N. (2009). Comparing the PASS reading enhancement program with conventional tutoring for children with reading disabilities. Journal of Learning Disabilities, 42(3), 247–259. https://doi.org/10.1177/0022219408331038
- Naglieri, J. A., & Das, J. P. (1997). Cognitive Assessment System (CAS). Riverside Publishing.
- Naglieri, J. A., & Das, J. P. (2014). Cognitive Assessment System–Second Edition (CAS2). PRO-ED.
- Naglieri, J. A., & Ford, D. Y. (2003). Addressing underrepresentation of gifted minority students using the Naglieri Nonverbal Ability Test (NNAT). Gifted Child Quarterly, 47(2), 155–165. https://doi.org/10.1177/001698620304700206
- Naglieri, J. A., & Pickering, E. B. (2010). Helping children learn: Intervention handouts for use in school and at home (2nd ed.). Brookes Publishing.