جين لاف – 1939 حتى الوقت الحاضر

جين لاف (Jean Lave)

  • 1939، الولايات المتحدة الأمريكية – حتى الآن
  • أمريكية
  • سيكولوجيا الممارسة المعرفية
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 9 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 9 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

أبرز الإسهامات

  • التعلم الموضعي (Situated Learning)
  • المشاركة الهامشية المشروعة (Legitimate Peripheral Participation)
  • مجتمعات الممارسة (Communities of Practice)
  • مشروع رياضيات البالغين (Adult Math Project)

السيرة

شهد النصف الثاني من القرن العشرين تحولات إبستمولوجية عميقة هزت أركان العلوم الإنسانية والاجتماعية، وكان من أبرز هذه التحولات تفكيك النماذج المعرفية الكلاسيكية التي اختزلت العقل البشري في صورة حاسوب بيولوجي معزول يعالج الرموز المجردة داخل صندوق الجمجمة المغلق. وفي قلب هذه الثورة الفكرية، برز اسم عالمة الأنثروبولوجيا الاجتماعية الأمريكية جين لاف (Jean Lave) بوصفها واحدة من أكثر المنظرين تأثيراً وجرأة في مساءلة المسلمات الراسخة حول طبيعة التعلم والإدراك البشري. انطلقت لاف من خلفية أنثروبولوجية إثنوغرافية فريدة لتعلن أن التعلم ليس عملية فردية استيعابية للمعلومات، بل هو صيرورة اجتماعية ومادية متجذرة في سياقات الحياة الواقعية وممارساتها اليومية، مما أحدث قطيعة معرفية مع التقاليد الديكارتية التي هيمنت على علم النفس والتربية لعقود طويلة.

من خلال دراساتها الميدانية الرائدة—بدءاً من تتبع الممارسات الحسابية لربات البيوت والمتسوقين في كاليفورنيا وصولاً إلى مراقبة ورش الخياطة التقليدية لقبيلة فاي في غرب أفريقيا—قدمت جين لاف أطروحات ثورية أعادت تشكيل فلسفة التربية وعلم النفس المعرفي وسوسيولوجيا المعرفة. فقد بينت أن الفجوة المصطنعة بين “التفكير” و”العمل”، وبين “النظرية” و”الممارسة”، ليست سوى نتاج لتنظيم مؤسسي وتاريخي خاص بالمدارس والمؤسسات البيروقراطية، وليست توصيفاً حقيقياً للطريقة التي يفهم بها البشر عالمهم وينخرطون فيه. وقد تبلورت جهودها المشتركة مع عالم الحاسوب والنظم الاجتماعية إتيان فينجر (Etienne Wenger) في صياغة مفاهيم غيرت وجه العلوم التربوية والإدارية المعاصرة، مثل “التعلم الموضعي” (Situated Learning) و“المشاركة الهامشية المشروعة” (Legitimate Peripheral Participation) و“مجتمعات الممارسة” (Communities of Practice).

تستكشف هذه الدراسة الشاملة السيرة الفكرية والمهنية لجين لاف منذ بداياتها التكوينية في ستينيات القرن العشرين وحتى إسهاماتها النقدية المتأخرة في دراسة الحركات الاجتماعية والتحرر الإنساني. وتتعمق المقالة في تحليل الروافد الفلسفية والماركسية والسوسيولوجية التي نسجت منها لاف نظرياتها، مع تفكيك منهجي لمشروعاتها الإثنوغرافية المركزية ومساءلة نقدية لردود الفعل الأكاديمية التي أثارتها أطروحاتها، مقدمة قراءة نقدية معاصرة لأهمية إرثها الفكري في زمن الذكاء الاصطناعي وإعادة هيكلة بيئات العمل والتعليم الرقمي.

1. المقدمة والمسيرة الأكاديمية لجين لاف: تحول جذري في فهم التعلم البشري

1.1 النشأة والمحطات العلمية الأولى

ولدت جين لاف في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1939 في فترة اتسمت بتحولات اجتماعية وسياسية كبرى أثرت لاحقاً في توجهاتها النقدية نحو المؤسسات الرسمية. تلقت تعليمها التأسيسي في بيئة أكاديمية كانت تشهد بدايات صعود الثورة المعرفية ومحاولات استبدال السلوكية الصارمة بنماذج معالجة المعلومات. ومع ذلك، اختارت لاف مساراً علمياً مختلفاً قادها إلى دراسة الأنثروبولوجيا الاجتماعية، وهو التخصص الذي يمنح الأولوية لفهم الظواهر الإنسانية من داخل سياقاتها الثقافية الحية بدلاً من فرض النماذج المخبرية المصطنعة.

توجت لاف مرحلتها التعليمية التأسيسية بالالتحاق بـجامعة هارفارد العريقة، حيث نالت درجة الدكتوراه في الأنثروبولوجيا الاجتماعية عام 1968. كانت أطروحتها وتكوينها في هارفارد مشبعين بالتقاليد الإثنوغرافية الدقيقة والتساؤلات المقارنة حول البنى الاجتماعية. وقد مكنها هذا المسار المعرفي من امتلاك أدوات بحثية ميدانية نوعية جعلتها تشكك مبكراً في قدرة الاختبارات المعيارية والتحليلات الإحصائية المجردة على رصد التعقيد الخفي للأنشطة الإنسانية. وعقب تخرجها، انخرطت في التدريس والبحث الأكاديمي، متنقلة بين عدة مؤسسات حتى استقرت كأستاذة متميزة للجغرافيا والتعليم في جامعة كاليفورنيا في بيركلي.

شكّل انتقالها إلى جامعة كاليفورنيا في بيركلي محطة محورية؛ إذ تزامنت إقامتها الأكاديمية هناك مع حيوية فكرية وسياسية راديكالية تميزت بها الجامعة. أتاح لها موقعها المشترك بين أقسام الجغرافيا والتربية والأنثروبولوجيا بناء رؤية متداخلة التخصصات تتجاوز الحدود المصطنعة بين العلوم. كما ركزت في أبحاثها على البعد المكاني والاجتماعي للنشاط الإنساني، معتبرة أن الفضاء المكاني ليس مجرد خلفية مادية صامتة للتعلم، بل هو عنصر بنيوي نشط يشكل الممارسة ويوجه التفكير.

1.2 التحول من الأنثروبولوجيا الكلاسيكية إلى سيكولوجيا الممارسة المعرفية

بدأت لاف مسيرتها بإجراء دراسات إثنوغرافية تقليدية، من بينها أبحاثها الميدانية الأولى حول مجتمعات السكان الأصليين في البرازيل ونظم القرابة والعد لدى قبيلة كراو (Krahô)، لكنها سرعان ما أدركت أن النماذج الأنثروبولوجية البنيوية المستقرة تعاني من انفصال واضح عن الواقع المعاش للأفراد في صراعاتهم اليومية. دفعها هذا الوعي إلى توجيه عدستها الإثنوغرافية نحو ظاهرة قلما درسها الأنثروبولوجيون بعمق: ظاهرة المعرفة والإدراك والتعلم، والتي كانت في ذلك الوقت حكراً شبه مطلق على علماء النفس التجريبيين وخبراء القياس النفسي التربوي.

اتسم هذا التحول بنقد راديكالي للمقاربات المعرفية الديكارتية الشائعة التي تصوّر العقل كمعالج منعزل للرموز ومخزن محايد للبيانات. رأت لاف أن إدخال الفرد إلى المختبر وتقديم مسائل حسابية أو لغوية مجردة له لمعرفة مستوى “ذكائه” أو “قدرته المعرفية” هو إجراء يتجاهل عمداً حقيقة أن النشاط العقلي لا ينفصل عن البيئة الاجتماعية والمادية التي يمارس فيها. وانتقدت النماذج المدرسية التي تدعي امتلاك احتكار “المعرفة الحقيقية” وتعتبر الممارسات اليومية مجرد تطبيقات ناقصة للنظريات المجردة.

من هنا، أسست لاف رؤية إبستمولوجية جديدة دمجت فيها بين التحليل الثقافي الإثنوغرافي، وعلم النفس الاجتماعي التاريخي، والنظرية النقدية للتربية. لم تعد المعرفة في منظورها “شيئاً” يمتلكه الفرد في رأسه، بل “نشاطاً” يمارسه الفرد بالاشتراك مع الآخرين وفي تفاعل مع الأدوات المادية والرمزية المتاحة في عالمه. هذا الانزياح من دراسة “البنى العقلية” إلى دراسة “الممارسات الموضعية” فتح الباب لولادة ما يعرف اليوم بـ سيكولوجيا الممارسة المعرفية.

1.3 المكانة المعرفية في المشهد الأكاديمي المعاصر

تحتل جين لاف موقعاً فريداً ومركزياً في المشهد الأكاديمي المعاصر؛ فهي تقف على ملتقى الطرق بين علم النفس المعرفي، والأنثروبولوجيا الثقافية، ونظريات التعلم، والجغرافيا الاجتماعية. إن كتاباتها—وعلى رأسها كتابها التأسيسي Cognition in Practice (1988) وكتابها الأشهر بالاشتراك مع إتيان فينجر Situated Learning (1991)—أحدثت زلزالاً معرفياً تخطت أصداؤه الأوساط الأكاديمية لتصل إلى الدوائر المهنية وتصميم بيئات العمل والتدريب في مجالات متعددة مثل الطب، والتمريض، وهندسة البرمجيات، والتعليم العالي.

تكمن قوة إسهاماتها في أنها منحت صوتاً نظرياً ومنهجياً للممارسات المعرفية المهمشة وغير المعترف بها أكاديمياً؛ حيث برهنت على أن الأشخاص العاديين—من عمال، وحرفيين، ومستهلكين—يمارسون عمليات تفكير معقدة وعالية الكفاءة دون الحاجة إلى التدريب المدرسي النظامي أو الخضوع لقوالبه الصارمة. وقد ألهم هذا المنظور حركات الإصلاح التربوي حول العالم التي سعت إلى استبدال أساليب التلقين القائمة على “التعليم البنكي” بنماذج ترتكز على التعلم التشاركي، والمشروعات الميدانية، والتدريب العملي المدمج في بيئات العمل الحقيقية.

حتى الوقت الحاضر، وعلى الرغم من تقاعدها من التدريس النظامي برتبة أستاذة فخرية (Professor Emerita) في بيركلي، لا تزال لاف تشارك بفاعلية في النقاشات الفكرية العالمية. وقد واصلت في مؤلفاتها اللاحقة، مثل Apprenticeship in Critical Ethnographic Practice (2011) وLearning and Everyday Life (2019)، تطوير قراءتها النقدية للتربية، مركزة على دور الحركات الاجتماعية والنشاط السياسي الميداني كفضاءات حية للتعلم والتحرر الإنساني، مما جعلها أيقونة فكرية للتربويين النقديين والباحثين في العلوم الاجتماعية حول العالم.

2. الروافد الفكرية والنظرية المؤثرة في أطروحات جين لاف

2.1 التأثر بالنظرية النقدية والماركسية الاجتماعية

لا يمكن فهم المشروع النظري لجين لاف بمعزل عن قراءتها المتعمقة للفلسفة الماركسية والنظرية النقدية للمجتمع. استلهمت لاف من كارل ماركس، وتحديداً من أطروحات حول فيورباخ ومفهوم النشاط المادي الحسي (Praxis)، فكرة أن الوعي الإنساني ليس قالباً تأملياً سلبياً يعكس العالم الخارجي، بل هو نتاج مباشر للممارسة المادية التاريخية التي يغير من خلالها البشر بيئتهم ويغيرون أنفسهم في آن واحد. ترى لاف أن التفكير والتعلم هما شكلان من أشكال العمل البشري المشروط بعلاقات الإنتاج المادية والاجتماعية القائمة في زمن معين.

قادها هذا المنظور الماركسي إلى توجيه نقد لاذع لعلاقات القوة والهياكل الاقتصادية والاجتماعية التي تصوغ ما يعد “معرفة مشروعة” في المجتمعات الرأسمالية. فالمعرفة في نظرها ليست كياناً متعالياً ومحايداً، بل هي حقل تتصارع فيه المصالح الطبقية وتتجلى فيه الهيمنة الأيديولوجية. وقد كشفت أبحاثها كيف تحرص المؤسسات التعليمية المهيمنة على احتكار تعريف الكفاءة والذكاء، محولة المؤهلات الأكاديمية إلى رأسمال رمزي واقتصادي يكرس تقسيم العمل غير المتكافئ ويعيد إنتاج التراتبية الطبقية.

علاوة على ذلك، حذرت لاف بشدة من “سلعنة التعليم” وفصل التفكير عن شروط الإنتاج الواقعية. ورأت أن المدرسة الحديثة تعمل كخط إنتاج مصنعي يفصل المعرفة عن استخدامها الوظيفي ويسلخ المتعلم عن موضوع تعلمه، مما يولد حالة من الاغتراب المعرفي (Epistemic Alienation) تشبه تماماً اغتراب العامل عن منتجه في المصنع الرأسمالي. لذا، يهدف مشروع لاف الإبستمولوجي إلى استعادة الطابع التحرري للمعرفة بوصفها نشاطاً حياً مدمجاً في حياة الناس اليومية وتطلعاتهم الحقيقية.

2.2 الامتداد لنظرية النشاط والرافد الفيجوتسكي

يمثل التراث النفسي التاريخي-الثقافي الذي أسسه السوفييتي ليف فيجوتسكي (Lev Vygotsky) وامتداداته في نظرية النشاط (Activity Theory) مع أليكسي ليونتيف وميخائيل باختين، ركيزة جوهرية ثانية في بناء أطروحات جين لاف. تلتقي لاف مع فيجوتسكي في فكرته الأساسية القائلة بأن الوظائف النفسية العليا للإنسان لا تنبثق تلقائياً من النضج البيولوجي الفردي، بل تنشأ عبر الوساطة الثقافية والتاريخية (Cultural Mediation) باستخدام الأدوات والرموز واللغة التي يطورها المجتمع عبر أجياله.

مع ذلك، لم تأخذ لاف أفكار فيجوتسكي كمسلمات جامدة، بل أخضعتها لإعادة قراءة وتوسيع جذريين. ويظهر ذلك بوضوح في تعاملها مع مفهوم منطقة النمو المجاور (Zone of Proximal Development – ZPD)؛ فبينما يتم حصر هذا المفهوم غالباً في علم النفس التربوي الغربي في إطار التفاعل الثنائي المباشر بين تلميذ ساذج ومعلم راشد يقدم له “الدعائم التعليمية” (Scaffolding)، أعادت لاف تعريف المفهوم من منظور الممارسة الاجتماعية الشاملة. فقد رأت أن منطقة النمو ليست مساحة تدريس مصطنعة، بل هي الفضاء الجدلي الذي تتفاوض فيه الجماعة ككل حول المعنى وتتطور فيه الممارسات المجتمعية التاريخية عبر انخراط الفاعلين في حل معضلات حقيقية.

نقلت لاف مركز الثقل في التفكير النفسي من مجرد “التفاعل الفردي المدعوم” إلى “الانخراط في النشاط الاجتماعي المشترك”. وقد مكنها هذا التوسع المستند إلى نظرية النشاط من النظر إلى الأدوات المادية والمفاهيم الثقافية ليس كأشياء خارجية يستعين بها الدماغ، بل كأطراف تكوينية ممتدة تشكل جزءاً لا يتجزأ من النسق المعرفي ذاته؛ فالإنسان لا يفكر بواسطة الأداة فحسب، بل يفكر في سياق المنظومة الاجتماعية التي تمنح تلك الأداة قيمتها ووظيفتها.

2.3 نظرية الممارسة عند بيير بورديو

شكّلت سوسيولوجيا الممارسة لدى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو (Pierre Bourdieu) الضلع الثالث في المثلث النظري الذي بنت عليه جين لاف تحليلاتها المعرفية. استعارت لاف ووظفت بعمق مفهوم الهابيتوس (Habitus)، بوصفه نسقاً من الاستعدادات المكتسبة والدائمة والمولدة للممارسات، لفهم كيف يستبطن الأفراد المعايير والمهارات المعرفية لبيئاتهم دون حاجة إلى تدريب صفي واعٍ أو تلقين نظري مجرد.

وفقاً لهذا التوظيف، فإن المعرفة الحقيقية ليست حزمة من القواعد الذهنية التي يتذكرها الشخص ويطبقها ميكانيكياً، بل هي معرفة مجسدة (Embodied Knowledge) تسكن في عضلات الجسد، وفي حركات العينين، وفي الإحساس البديهي بالتوقيت والمكان، وهي ممارسات تتشكل عبر المعايشة والتطبيع التدريجي داخل حقل اجتماعي محدد. يفسر هذا المفهوم كيف يتمكن الحرفيون والمتسوقون والمهنيون من اتخاذ قرارات معرفية معقدة في أجزاء من الثانية دون إعلان القوانين الحسابية أو المنطقية التي تحكم أفعالهم بصوت عالٍ.

كما ساعدت مفاهيم بورديو حول الحقل (Field) والعنف الرمزي (Symbolic Violence) لاف على تحليل العلاقة الجدلية الشائكة بين الفاعلية الإنسانية الحرة والبنى الاجتماعية المستقرة. فالتعلم لا يحدث في فراغ محايد، بل في مساحات اجتماعية مشحونة بالتفاوتات والنزاعات حول الشرعية والاعتراف. وقد مكن هذا الإطار بورديوي النزعة جين لاف من إظهار كيف تفرض المدارس ثقافة الطبقات المهيمنة باعتبارها المعيار الوحيد للذكاء، معتبرة أي ممارسة معرفية بديلة خارج أسوارها ضرباً من “الجهل” أو “القصور الإدراكي”.

3. مشروع الرياضيات في الممارسة اليومية (AMP): تفكيك وهم النقل المعرفي

3.1 منهجية مشروع رياضيات البالغين وأهدافه

في أواخر سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن العشرين، قادت جين لاف مع فريق من الباحثين في جامعة كاليفورنيا في إيرفاين دراسة إثنوغرافية ميدانية فريدة من نوعها عُرفت باسم مشروع رياضيات البالغين (Adult Math Project – AMP). كان الهدف الأساسي للمشروع هو مساءلة افتراض جوهري في علم النفس والتربية ظل لعقود بمثابة حقيقة مطلقة: الافتراض بأن المهارات الحسابية المجردة التي يتعلمها التلميذ في المدرسة هي أدوات عامة قابلة للنقل والتطبيق المباشر في شتى مواقف الحياة اليومية.

صممت لاف بحثاً إثنوغرافياً دقيقاً راقبت فيه 35 شخصاً بالغاً (معظمهم من ربات البيوت والمتسوقين من الطبقة المتوسطة في مقاطعة أورانج بكاليفورنيا) أثناء ممارستهم لأنشطة التسوق المعتادة في متاجر البقالة الكبرى، وخلال إعدادهم للوجبات في مطابخهم، ومتابعتهم لبرامج الحمية الغذائية وإدارة ميزانيات المنازل. لم يعتمد البحث على استبيانات بعدية، بل نزل الباحثون مع المشاركين إلى أروقة المتاجر، مرافقين إياهم خطوة بخطوة، مسجلين كل حديث يجرونه مع أنفسهم أو مع مرافقيهم، وموثقين كل حركة فحص للمنتجات، وحساب للأوزان، ومقارنة للأسعار والعروض التجارية.

لقياس وتحدي الفرضيات النفسية التقليدية حول الذكاء والقدرة العددية، صمم المشروع ثلاثة أشكال مختلفة من التقييم لنفس الأفراد:

  • الأداء الواقعي الميداني: حل المشكلات الحسابية التي تنشأ بصورة طبيعية وعفوية أثناء التسوق في السوبرماركت (مثل تحديد العبوة الأكثر وفرة اقتصادياً بين حجمين وسعرين مختلفين).
  • الاختبارات المحاكية للواقع: حل مسائل مكتوبة مبنية مباشرة على مواقف تسوق حقيقية عُرضت عليهم في منازلهم.
  • الاختبارات المدرسية المعيارية المجردة: اختبارات ورقية كلاسيكية تحتوي على عمليات حسابية رقمية مجردة (جمع، وطرح، وكسور، وعمليات قسمة ونسب مئوية مطابقة للمناهج المدرسية).

3.2 النتائج التجريبية وفشل فرضية الانتقال المباشر للتعلم

جاءت النتائج التجريبية لمشروع AMP بمثابة صدمة مزلزلة لأوساط علماء النفس التربوي، وفجرت ما أسمته لاف “وهم النقل المعرفي العام” (The Myth of Cognitive Transfer). سجل المشاركون في الدراسة نسب نجاح شبه مثالية في العمليات الحسابية التي أجروها بأنفسهم أثناء التسوق الفعلي في السوبرماركت، حيث بلغت نسبة الدقة ما يقارب 98% من إجمالي الحسابات المعقدة التي تطلبتها قرارات الشراء اليومية، دون أن يرتكبوا أي أخطاء حسابية جوهرية تؤثر على ميزانياتهم.

المفارقة المذهلة حدثت عندما طُلب من نفس هؤلاء الأشخاص حل اختبارات ورقية مدرسية تتضمن العمليات الحسابية الرياضية والكسور ذاتها التي استخدموها بكفاءة في المتاجر؛ إذ هبطت نسبة النجاح هبوطاً دراماتيكياً لتصل إلى متوسط 59% فقط. بل إن بعض المشاركين الذين أظهروا براعة لا تبارى في المتجر لحساب أي العبوات أرخص نسبة إلى الجرام أصيبوا بحالة من “الجمود والذعر الحسابي” أمام الورقة والقلم، وأعلنوا بصراحة عجزهم عن حل المسائل المدرسية وادعوا أنهم “فاشلون في الرياضيات”!

أثبتت هذه البيانات التجريبية القاطعة خطأ الافتراض بأن المهارات الحسابية تنتقل بسلاسة وتلقائية من سياق إلى آخر بمجرد حفظ القواعد المجردة. وبينت لاف أن السلوك المعرفي لا يُحدد بمخزون داخلي ثابت من القواعد الرياضية المستقلة عن الموقف، بل إن السياق المادي والاجتماعي هو الذي يحدد طبيعة المشكلة وطريقة حلها. إن التباين الشاسع بين 98% في المتجر و59% في الاختبار المدرسي كشف أن المشكلة لا تكمن في القدرات العقلية للأفراد، بل في العزل القسري الذي تمارسه الاختبارات المدرسية على العقل البشري، منتزعة إياه من بيئة الفعل التوليدية.

3.3 إعادة تعريف الرياضيات كنشاط عملي وتموضعي

أظهرت التحليلات الإثنوغرافية المتعمقة لمشروع AMP أن المتسوقين لا يستخدمون خوارزميات القسمة المطولة أو تحويل الكسور العشرية التي تعلموها على مقاعد الدراسة، بل يبتكرون استراتيجيات حسابية موضعية بديلة ترتبط عضوياً بفيزيائية المكان والمنتجات. فعلى سبيل المثال، لحل مسألة مقارنة سعر علبتين من حبوب الإفطار تختلفان في الوزن والسعر، لم يلجأ المتسوقون إلى قسمة السعر على الوزن بالجرام لإيجاد سعر الوحدة، بل استخدموا استراتيجيات بصرية ومادية تعتمد على حجم العبوة، وترتيب العلب على الرف، والفرق الذهني السريع بين العملات المعدنية، ومقدار الحاجة الاستهلاكية للأسرة في تلك اللحظة.

وثقت لاف حالة شهيرة في المشروع عُرفت في الأدبيات بـ “مسألة الجبن القريش” (The Cottage Cheese Case)؛ حيث كان أحد المشاركين يخضع لحمية غذائية صارمة تقتضي تناول ثلثي الكمية المقررة من الجبن القريش، والتي كانت محددة بـ ثلاثة أرباع الكوب. في السياق المدرسي التقليدي، تتطلب هذه المسألة ضرب كسرين اعتياديين (2/3 × 3/4 = 6/12 = 1/2 كوب). لكن كيف حل المشارك المسألة واقعياً؟ لم يبحث عن قلم وورقة؛ بل سكب ثلاثة أرباع الكوب من الجبن على لوح التقطيع، وسواه بيديه على شكل دائرة، ثم رسم علامة صليب وقسم الدائرة إلى أربعة أجزاء، وأزال ربعاً منها، ثم أخذ ثلثي الباقي بصرياً وبشكل بديهي واستهلكه فوراً دون أن ينطق بكسر رياضي واحد!

دفع هذا التحليل جين لاف إلى إعادة تعريف الرياضيات ليس بوصفها نسقاً صورياً من القوانين التجريدية المتعالية، بل كـ نشاط عملي وتموضعي (Activity-in-the-world) يتشابك فيه الجسد والمكان والأدوات في توليد الحلول. الحساب في الممارسة اليومية ليس حلاً لمعادلات مكتوبة في كتاب، بل هو وسيلة للتفاوض المستمر مع الواقع، وحل لمشكلات حية ترتبط بالمعنى الشخصي والرغبة والكلفة المادية. وبهذا رسخت لاف أطروحتها الرائدة: لا وجود لـ “عقل منعزل” يفكر خارج العالم، بل العالم ذاته شريك بنيوي في عملية التفكير.

4. دراسة خياطي فاي في ليبريا: التلمذة المهنية كنموذج إبستمولوجي

4.1 السياق الإثنوغرافي لقبيلة فاي والتدريب الحرفي

في السبعينيات من القرن الماضي، وقبل نشر أبحاثها حول الرياضيات اليومية، أجرت جين لاف دراسة إثنوغرافية ميدانية معمقة استمرت لسنوات في غرب أفريقيا، ركزت فيها على التلمذة المهنية التقليدية لدى خياطي قبيلة فاي (Vai Tailors) في ليبيريا. تشتهر جماعة فاي بنظام كتابة أصيل وبتقاليد عريقة في الحرف اليدوية الماهرة، وكان مركز اهتمام لاف ينصب على الإجابة عن سؤال إبستمولوجي تأسيسي: كيف يتمكن هؤلاء الخياطون الأميون في الغالب من اكتساب مهارات تقنية وحسابية وهندسية بالغة التعقيد لإنتاج أزياء تقليدية وإفريقية مطرزة بدقة متناهية دون الالتحاق بأي مدرسة نظامية أو تلقي أي تدريب رسمي؟

عايشت لاف الخياطين داخل ورشهم المفتوحة والنشطة في الأسواق والأحياء الشعبية، ووثقت غياباً تاماً للمناهج التعليمية المكتوبة، وانعدام المحاضرات، واختفاء أسلوب التلقين الصفي المباشر الذي يسود المدارس الحديثة. لم يكن “المعلم” أو “الأسطى” (Master Tailor) يجلس ليشرح للمتدرب النظريات الهندسية للقياسات أو قواعد التناسب وقص القماش، ولم تكن هناك اختبارات دورية بالمعنى التقليدي تصنف المتدربين إلى ناجحين وفاشلين بناءً على درجات رقمية.

كشفت هذه الإثنوغرافيا الرائدة عن نظام تلمذة مهنية يمتد عبر أجيال، ينتقل فيه الحرفي من موقع المبتدئ الجاهل بأبجديات الحرفة إلى موقع الخبير المستقل الصانع لأعقد الثياب، في سلاسة ودون تسرب مدرسي أو شعور بالإحباط. أظهرت لاف أن ورشة الخياطة تشكل بيئة تعليمية بيئية متكاملة (Ecological Learning Environment)، تذوب فيها الفروق التقليدية بين مكان العمل ومكان التعليم، حيث تتولد المعرفة من صميم تدفق الإنتاج الاقتصادي والاجتماعي اليومي.

4.2 مسار التعلم المعكوس في الخياطة

من أعمق الاكتشافات التي وثقتها لاف في ورش خياطي فاي هي الظاهرة المعرفية التي أطلقت عليها “مسار التعلم المعكوس” (Reversed Learning Trajectory). في التعليم المدرسي النظامي، يبدأ الطلاب عادة بتعلم المبادئ التأسيسية البسيطة والمجردة ثم يتدرجون نظرياً نحو الأجزاء الأكثر تعقيداً وصولاً إلى المنتج النهائي في آخر مراحل التعليم. ولو طُبّق النموذج المدرسي على الخياطة، لبدأ المتدرب بالتعلم النظري لكيفية أخذ القياسات ورسم الباترون، ثم قص القماش الثمين، وأخيراً خياطته وكيّه.

أما في ورش خياطي فاي، فقد وجدت لاف أن المسار التعليمي ينقلب رأساً على عقب تماماً لغايات معرفية واقتصادية بالغة الذكاء:

  • المرحلة الأولى (إنهاء الملابس وتركيب الأزرار والكي): يبدأ الصبي المتدرب عمله في الورشة بأبسط المهام الفيزيائية وأقلها خطورة، مثل قص الخيوط الزائدة، وخياطة الأزرار، والكي النهائي للثوب التام. هذه البداية تتيح له لمس المنتج المكتمل، وتفحص زواياه، وإدراك الصورة الكلية للثوب الناجح في ذهنه وجسده قبل أن يبدأ في صناعته.
  • المرحلة الثانية (تجميع القطع البسيطة): ينتقل المتدرب تدريجياً إلى خياطة أجزاء ثانوية غير ظاهرة أو خطوط مستقيمة بسيطة باستخدام ماكينة الخياطة، مستفيداً من مراقبته المتكررة لزملائه الأكبر سناً.
  • المرحلة الثالثة (قص القماش وتفصيله): لا يُسمح للمتدرب بلمس المقص وقص لفافات القماش الباهظة الثمن إلا في المراحل المتقدمة جداً من تلمذته؛ أي بعد أن يكون قد استوعب تماماً أبعاد الثوب وهندسته عبر مراحل التجميع والكي السابقة.

يحقق هذا الترتيب المعكوس هدفين حاسمين: الأول هو تقليل تكلفة الخطأ الاقتصادي؛ فقص القماش في البداية قد يدمر رأسمال الورشة إذا أخطأ المبتدئ، بينما قص الخيوط والكي لا ينطوي على مخاطر مالية كبرى. أما الهدف الثاني فهو معرفي ونفسي بامتياز؛ إذ يتشكل لدى المتدرب فهم كلي (Holistic Understanding) للمنتج النهائي ومعايير جودته العالية قبل الدخول في متاهة التفاصيل والقطع المجزأة، مما يمنحه ثقة تصاعدية وشعوراً دائماً بالجدوى والمساهمة في الإنتاج.

4.3 التحول من مراقب سلبي إلى خبير متمكن

حللت لاف بدقة آليات الانتقال المعرفي والهوياتي للمتدرب، موضحة أن التعلم لا يتم عبر الاستماع لتعليمات الخبير، بل عبر المعايشة والملاحظة الغامرة لشبكة العلاقات والتفاعلات داخل الورشة. في البداية، يكون المتدرب الجديد بمثابة مراقب على حافة النشاط؛ يجلس في الزاوية، يجلب الشاي، يراقب حركات أيدي المعلمين والعمال الأكبر سناً، ويستمع إلى نقاشاتهم حول جودة الأقمشة وأسعار السوق ورغبات الزبائن وتفضيلاتهم الجمالية.

تتم عملية التقييم في هذا النموذج بصورة مدمجة ومستمرة ودون حاجة إلى درجات امتحانية مفاجئة؛ فالتقييم هنا هو تقييم واقعي بطبيعته (Inherent Authentic Assessment). إذا قام المتدرب بكي القماش بصورة غير متقنة، أو إذا ركب زراً في غير موضعه الصحيح، فإن الثوب نفسه يعلن عن الخلل فوراً أمام الجميع، ويطلب منه زملاؤه أو المعلم تصحيحه في التو واللحظة دون توبيخ أكاديمي أو إشعار بالفشل العقلي. يتعلم المتدرب بالتدريج لغة المهنة، وحركاتها الجسدية الموزونة، وطرائق ضبط التوتر أثناء العمل السريع.

بهذا استخلصت لاف نموذجاً إبستمولوجياً بديلاً يفحم التصورات المدرسية التقليدية: إن اكتساب المعرفة لا يتطلب وجود معلم ملقن ومنهج مجرد، بل يتطلب بيئة عمل مفتوحة وغنية تتيح الانخراط التدريجي، ومساراً يمنح المتعلم حق الحضور والمراقبة، وشبكة اجتماعية توفر التغذية الراجعة الفورية. لقد كان هذا البحث في ليبيريا النواة المباشرة التي ولدت منها لاحقاً نظريتها الشاملة حول “التعلم الموضعي” و”المشاركة الهامشية المشروعة”.

5. نظرية التعلم الموضعي (Situated Learning): أركانها وأسسها النفسية

5.1 تعريف التعلم الموضعي وماهيته الإبستمولوجية

تعد نظرية التعلم الموضعي (Situated Learning Theory) النواة الصلبة للمشروع الفكري لجين لاف. تنص النظرية في جوهرها على أن التعلم ليس نشاطاً عقلياً مجرداً يتمثل في استيعاب وتخزين ومعالجة الرموز والمفاهيم داخل الذهن الفردي المنفصل، بل هو سمة ملازمة لا تنفصل عن الممارسة الاجتماعية والمادية. المعرفة في المنظور الموضعي لا توجد كأفكار ساكنة تنتظر من ينقلها، بل هي ظاهرة علائقية (Relational) وموزعة (Distributed) تنشأ في الفضاء التفاعلي المشترك بين الأفراد والأنشطة والعالم المادي الذي يعيشون فيه.

يرتكز التعلم الموضعي على أطروحة مفادها أن كل فعل معرفي هو فعل “متموضع” بطبيعته في سياق تاريخي، وثقافي، ومكاني محدد. فلا وجود لما يسمى “تفكير نقي” خارج الثقافة، ولا وجود لـ “ذاكرة مجردة” تعمل بمعزل عن المثيرات والأدوات المحيطة. وبالتالي، فإن محاولة عزل المفاهيم المعرفية عن سياقات استخدامها الفعلية—كما تفعل المدارس والجامعات عادة حينما تدرس النظريات بمعزل عن التطبيق العملي—يحول تلك المفاهيم إلى كيانات ميتة، عاجزة عن العمل، وفاقدة للمعنى والدلالة الحيوية بالنسبة للمتعلم.

تدمج ماهية التعلم الموضعي الجوانب الانفعالية والجسدية والاجتماعية في صلب العملية الإدراكية. فالتعلم لا يخاطب “العقل التفكيري” بمفرده، بل يشمل الجسد بحواسه وحركاته، والمشاعر بدوافعها وشغفها بالانتماء، والعلاقات الاجتماعية بما تحمله من ثقة واعتراف متبادل. إن الموقف (Situation) ليس مجرد حاوية أو خلفية تجري داخلها العمليات العقلية، بل هو طرف مساهم ومكون أساسي في بنية الفكرة ذاتها؛ فالشخص والموقف يتشكلان بصورة متزامنة وتبادلية من خلال الفعل المشترك.

5.2 نقد علم النفس المعرفي الديكارتي التقليدي

وجهت لاف ضربة فلسفية قاصمة للثنائيات الديكارتية المتوارثة التي شكلت العمود الفقري لعلم النفس المعرفي منذ عصر التنوير، وأهمها ثنائية (العقل والجسد)، وثنائية (الذات العارفة والموضوع المعروف)، وثنائية (الداخلي والخارجي). انتقدت لاف بشدة الرؤية الإبستمولوجية التي تعتبر الإنسان ذاتاً منعزلة تتلقى انطباعات حسية من عالم خارجي منفصل، ثم تقوم بمعالجتها داخلياً قبل أن تصدر أوامرها للجسم ليتحرك.

خصت لاف بالذكر ونقدت بضراوة نموذج الحاسوب كاستعارة للدماغ البشري (The Computational Metaphor of Mind)؛ وهو النموذج المهيمن في الذكاء الاصطناعي الكلاسيكي والعلوم المعرفية التقليدية، الذي يتعامل مع التفكير البشري كسلسلة من المدخلات (Inputs) والعمليات الخوارزمية (Processing) والمخرجات (Outputs). ترى لاف أن هذه الاستعارة مضللة ومختزلة إلى أبعد الحدود؛ لأنها تتجاهل أن البشر ليسوا آلات تتبع قواعد صارمة، بل كائنات ذات تاريخ، ومشاعر، ورغبات، تعيش في بيئات اجتماعية مشحونة بالصراعات الثقافية والمعاني الرمزية التي لا يمكن حوسبتها أو تجريدها في كود ثنائي جامد.

كما فضحت لاف القصور البنيوي في النماذج المعملية لعلم النفس؛ حيث يعمد الباحثون التجريبيون إلى عزل الأفراد داخل غرف مغلقة، وتجريدهم من أي أدوات أو تفاعلات طبيعية، ثم يطلبون منهم حل ألغاز مصطنعة لقياس سعة الذاكرة أو سرعة المعالجة. تؤكد لاف أن نتائج هذه التجارب لا تخبرنا بأي شيء ذي قيمة عن كيفية عمل العقل البشري في الواقع؛ فالإنسان في حياته الحقيقية لا يحل مشكلات مصطنعة معزولة، بل يتفاعل مع بيئة غنية بالأدوات والدعامات والشركاء الذين يتقاسمون معه العبء المعرفي.

5.3 المعرفة كنشاط في العالم (Cognition in the Wild)

في مسار تفكيك النماذج المعملية، تلتقي جين لاف فكرياً ومنهجياً مع عالم الإدراك البارز إدوين هتشينز (Edwin Hutchins)، صاحب الكتاب الكلاسيكي Cognition in the Wild (1995)، والذي أثبت فيه أن قيادة سفينة حربية عملاقة لا تتم بواسطة عقل القبطان بمفرده، بل عبر منظومة “إدراك موزع” تشمل الخرائط، وأجهزة الاتصال، والبحارة الموزعين على أرجاء السفينة، والتقاليد البحرية المتوارثة. تشاركت لاف مع هتشينز الدعوة إلى دراسة “المعرفة في بريتها الطبيعية”؛ أي في فضاءات الحياة المعاشة دون تدخل اصطناعي.

تحول التركيز الإبستمولوجي جذرياً بفضل هذا الطرح من السؤال الكلاسيكي: “ماذا يعرف الفرد؟” (وهو سؤال يركز على المحتوى التخزيني في الرأس) إلى السؤال الموضعي: “كيف يشارك الفرد في النشاط الاجتماعي؟” (وهو سؤال يركز على الفعل والعلاقات والتفاعل مع الأدوات). أدى هذا التحول إلى تفكيك المفهوم البورجوازي للذكاء الفردي القائم على درجات الـ IQ، واستبداله بمفهوم “الكفاءة التشاركية والموضعية”؛ فالكفاءة لم تعد صفة ثابتة يمتلكها شخص عبقري، بل هي قدرة النسق الاجتماعي ككل على التكيف والإنجاز والابتكار.

تستدعي هذه الرؤية إعادة نظر شاملة في تقييم القدرات البشرية؛ فالشخص الذي يصنفه النظام المدرسي بأنه “غبي” أو “يعاني من صعوبات تعلم” قد يظهر ذكاءً إدراكياً استثنائياً إذا وضع في بيئة واقعية ذات معنى، مثل ورشة ميكانيكا، أو متجر بيع، أو ملعب رياضي، أو مختبر برمجي. إن الذكاء ليس جوهراً بيولوجياً مسبقاً، بل هو إمكانية تنبثق وتزدهر عندما تتناغم أدوات الفعل المادية والاجتماعية مع مقاصد الفاعل وتطلعاته الإنسانية.

6. المشاركة الهامشية المشروعة (LPP): الآلية الجوهرية للتعلم الاجتماعي

6.1 تفكيك مفهوم الشرعية (Legitimacy)

في عام 1991، صاغت جين لاف بالتعاون مع إتيان فينجر المفهوم التأسيسي الذي غيّر خارطة نظريات التعلم الاجتماعي: المشاركة الهامشية المشروعة (Legitimate Peripheral Participation – LPP). لا يمثل هذا المفهوم تقنية تدريسية أو استراتيجية تربوية مقترحة، بل هو وصف تحليلي دقيق للآلية العضوية التي يتعلم بها البشر في أي مجتمع ممارسة طبيعي. يتكون المصطلح من ثلاثة عناصر بنيوية متكاملة، يمثل عنصر الشرعية (Legitimacy) ركيزتها السياسية والنفسية الأولى.

تعني الشرعية هنا الاعتراف الاجتماعي والمؤسسي بالوافد الجديد كعضو مستقبلي حقيقي وكشريك واعد داخل جماعة الممارسة. فبدون منح هذه الصفة الشرعية للمتعلم، يظل وجوده داخل بيئة العمل غير مرحب به، أو يُنظر إليه كمتطفل أو عالة تعطل تدفق الإنتاج. تضمن الشرعية للمبتدئ:

  • الحق في الوجود المادي والمكاني داخل فضاء الممارسة دون خوف أو ارتباك.
  • الحق في الوصول غير المقيد إلى مصادر المعرفة، وأسرار المهنة، وتفاصيل الأدوات، وملاحظة الممارسين الخبراء أثناء أدائهم لمهامهم الدقيقة.
  • توفير بيئة نفسية آمنة تخفف من قلق الأداء وتمنح المتعلم حق الخطأ دون التعرض للتدمير المعنوي أو الطرد من الجماعة.

تكشف لاف النقاب عن دور علاقات القوة والسلطة في تحديد من يُمنح الشرعية ومن يُحرم منها؛ فالشرعية ليست هبة مجانية، بل هي مساحة تخضع للهيمنة الاجتماعية والطبقية والجندرية. ففي كثير من السياقات المهنية والأكاديمية، قد يتم حجب الشرعية عن النساء أو الأقليات العرقية أو الفئات الاجتماعية المهمشة، مما يمنعهم من الوصول إلى المركز ويجعل وجودهم صورياً أو غير مرئي، الأمر الذي يعيق تعلمهم ويجهض إمكانيات تطورهم المهني منذ البداية.

6.2 ديناميكية الهامشية (Peripherality)

يمثل البعد الثاني في المعادلة، وهو الهامشية (Peripherality)، مفهوماً إيجابياً وتوليدياً في نظرية لاف، على عكس الاستخدام الشائع للكلمة في العلوم السياسية والاجتماعية كمرادف للإقصاء والتهميش. الهامشية في إطار LPP تعني الموقع الفضائي والاجتماعي المتميز الذي يشغله المبتدئ على “تخوم” أو “أطراف” الممارسة الحقيقية، وهو موقع يتيح له المراقبة الشاملة والانخراط الجزئي والتدريجي في الإنتاج دون تحمل المسؤوليات الكاملة والمخاطر الجسيمة التي تقع على عاتق الخبراء المتمرسين.

ميزت لاف وفينجر بدقة بالغة بين نوعين متناقضين من الهامشية:

  1. الهامشية التمكينية المنتجة (Empowering Peripherality): وهي موقع مفتوح وحركي وديناميكي، يمثل ممراً آمناً وبوابة عبور تدريجية للمتعلم، حيث يمنح مهاماً أولية حقيقية تتناسب مع كفاءته المبدئية، مع وجود أفق واضح ومتاح للتحرك المستمر نحو مركز الممارسة والسيطرة على مقاليدها.
  2. التهميش الإقصائي القمعي (Disempowering Marginality): وهو حالة من الحبس في الزوايا الميتة للمؤسسة، حيث يُحرم الشخص من التطور ويُجبر على أداء أعمال روتينية تافهة ومبتذلة إلى الأبد، دون السماح له بالاقتراب من جوهر الممارسة المعرفية أو فهم أسرارها وصنع قراراتها.

يتجلى التدرج الوظيفي للهامشية التمكينية في تكليف المبتدئ بمهام تتزايد في تعقيدها وأهميتها تدريجياً. ففي المستشفى التعليمي، يبدأ طالب الطب بمراقبة فحص المرضى ومساعدة الأطباء في تدوين الملاحظات الروتينية (موقع هامشي)، ثم ينتقل إلى المشاركة في تضميد الجراح وتقديم الإسعافات الأولية تحت الإشراف، وصولاً إلى إجراء العمليات الجراحية المعقدة بنفسه واتخاذ القرارات المصيرية (موقع المركز). هذه الديناميكية الهامشية تضمن بناء الكفاءة المهنية على أسس راسخة ومجربة واقعياً.

6.3 المشاركة كجوهر للفعل والنمو المعرفي

أما العنصر الثالث، وهو المشاركة (Participation)، فيشكل قلب العملية الإدراكية وجوهرها النابض. تؤكد لاف أن المشاركة ليست مجرد مراقبة سلبية أو حضور جسدي صامت في مكان الحدث، بل هي فعل اجتماعي وتواصلي وتفاعلي ينخرط فيه الشخص بكل كيانه. إنها تشمل الحديث بلغة الجماعة، واستخدام أدواتها، والاستجابة لمعاييرها الأخلاقية والمهنية، والمساهمة في حل المشكلات الحية التي تواجهها المنظومة الإنتاجية.

في إطار هذا المنظور، تتلاشى الحدود المصطنعة والفواصل التقليدية بين “عملية التعلم” و”عملية أداء العمل الفعلي”؛ فالمرء يتعلم العمل من خلال ممارسة العمل ذاته، وينمو معرفياً من خلال الانخراط في السياق الإنتاجي الاجتماعي. لا توجد مرحلة أولى تسمى “تلقي المعرفة المجردة” تتبعها مرحلة ثانية تسمى “تطبيق المعرفة في الواقع”، بل إن التعلم والإنتاج يتوحدان في فعل واحد مستمر وتراكمي.

تقود المشاركة الهامشية المشروعة بالضرورة إلى تحول مسار المتعلم؛ إذ يتحرك بثبات من أطراف الممارسة وتخومها الخارجية إلى مركز الممارسة (Core Practice)، ليصبح خبيراً متمكناً وفاعلاً رئيسياً لا يكتفي بإعادة إنتاج المعايير القديمة السائدة، بل يصبح بدوره قوة تجديدية وابتكارية ترفد المجتمع بالدماء الجديدة وتدرب الأجيال اللاحقة من الوافدين الهامشيين، مما يضمن استمرارية الثقافة المهنية وتطورها التاريخي الخلاق.

7. تطور مفهوم مجتمعات الممارسة (Communities of Practice) بالتعاون مع إتيان فينجر

7.1 صدور كتاب 1991 المشترك: نقطة تحول في العلوم الإنسانية

في عام 1991، صدر كتاب Situated Learning: Legitimate Peripheral Participation المنشور عن مطبعة جامعة كامبريدج، والذي صاغته جين لاف بالاشتراك مع إتيان فينجر. شكّل هذا الكتاب النحيف في عدد صفحاته، العميق في طرحه الفلسفي، نقطة تحول زلزالية في العلوم الإنسانية والاجتماعية؛ حيث أعاد صياغة العلاقة بين الفرد والجماعة داخل سياقات الإنتاج والتعلم، وافتتح حقبة جديدة من الدراسات التنظيمية والتربوية التي تجاوزت الأطر السلوكية والمعرفية الضيقة.

جاء الكتاب تتويجاً لتكامل بحثي استثنائي بين خلفيتين معرفيتين مختلفتين تماماً لكنهما تلاقتا بانسجام عبقري؛ فمن جهة، جلبت جين لاف ثقلها الأنثروبولوجي الميداني، وحسها الإثنوغرافي الراديكالي، ورؤيتها النقدية الماركسية لعلاقات القوة والاستغلال والممارسة الاجتماعية. ومن جهة أخرى، أحضر إتيان فينجر خبرته العميقة في علوم الحاسوب، ونظم الذكاء الاصطناعي، والتعليم المعان بالتقنية، والتحليل النظمي للمؤسسات.

قام الكتاب على تحليل مقارن لخمس دراسات حالة إثنوغرافية متنوعة لأنظمة التلمذة المهنية حول العالم: خياطو فاي في ليبريا، والقابلات التقليديات في يوكاتان بالمكسيك، والضباط الملاحيون في البحرية الأمريكية، ومحمصو اللحوم في المتاجر الكبرى، وأعضاء مجموعات الدعم لمدمني الكحول المجهولين (Alcoholics Anonymous). أظهر هذا التحليل العابر للثقافات والمهن أن التعلم الإنساني في كافة هذه السياقات يستند إلى نفس الآلية الجوهرية: المشاركة الهامشية المشروعة داخل جماعة مترابطة من الممارسين تشترك في هدف حياتي واحد.

7.2 العناصر البنيوية الثلاثة لمجتمعات الممارسة

تبلور عن هذا التعاون المفهوم الأشهر عالمياً: مجتمعات الممارسة (Communities of Practice – CoP). ولتوضيح هذا المفهوم وفصل أي لبس بينه وبين مجرد تجمعات العمل العادية أو فرق العمل المؤقتة، حددت النظرية ثلاثة عناصر بنيوية متداخلة لا بد من توافرها معاً لقيام مجتمع ممارسة حقيقي:

  • المجال المشترك (The Domain): وهو لا يعني مجرد عنوان وظيفي أو تخصص أكاديمي، بل هو “الهوية المشتركة” وميدان الاهتمام الموحد الذي يلتف حوله الأعضاء. إنه الالتزام المشترك بقضية، أو شغف، أو كفاءة محددة تميز الأعضاء عن غيرهم من الغرباء عن المجال، وتمنح ممارستهم غاية ومعنى عميقين.
  • المجتمع (The Community): وهو شبكة التفاعلات والعلاقات الإنسانية والاجتماعية التي تنشأ بين الأعضاء أثناء ملاحقتهم لاهتمامهم المشترك. داخل هذا المجتمع، ينخرط الأعضاء في أنشطة مشتركة، ويتبادلون المساعدة، ويتشاركون المعلومات، ويبنون جسور الثقة المتبادلة والاعتراف المتبادل، مما يولد رأسمالاً اجتماعياً وتضامناً جمعياً متيناً.
  • الممارسة (The Practice): وهي ليست مجرد نشاط عابر، بل هي “المخزون المشترك” (Shared Repertoire) من الموارد والمفاهيم والأدوات والقصص والرموز والمصطلحات والخبرات الموثقة والضمنية التي يطورها الأعضاء عبر الزمن لحل المشكلات المتكررة وتوجيه سلوكهم المهني.

إذا اجتمعت هذه العناصر الثلاثة، يتحول الكيان البشري إلى مجتمع ممارسة ناضج قادر على توليد المعرفة، وتطوير الابتكارات، وصقل الهويات المهنية، ونقل الخبرات بسلاسة مذهلة تفوق بكثير ما تحققه الأدلة الإجرائية والكتيبات التدريبية المكتوبة في الشركات والمنظمات الرسمية.

7.3 تباين الرؤى لاحقاً بين لاف وفينجر

على الرغم من النجاح الأكاديمي والعملي الهائل للمفهوم، إلا أن السنوات اللاحقة شهدت تمايزاً فكرياً واضحاً وتبايناً في المسارات النظرية بين جين لاف وإتيان فينجر؛ وهو تباين يعكس التوتر العميق بين النزعة النقدية الراديكالية والنزعة الوظيفية التطبيقية في العلوم الاجتماعية:

اتجه إتيان فينجر في كتابه الفردي الصادر عام 1998 بعنوان Communities of Practice: Learning, Meaning, and Identity نحو تكييف المفهوم ليصبح أداة تطبيقية وإدارية رئيسية في مجالات إدارة المعرفة (Knowledge Management)، والتطوير التنظيمي داخل الشركات الكبرى والمنظمات الدولية مثل البنك الدولي وهيئات الرعاية الصحية. ركز فينجر على كيفية تصميم وتسهيل وإدارة هذه المجتمعات لتحسين الأداء الوظيفي، وتنمية رأس المال البشري، وتعزيز الابتكار التنافسي في بيئات الأعمال الرأسمالية الحديثة.

في المقابل، تمسكت جين لاف بنبرتها النقدية والأنثروبولوجية الصارمة؛ ورفضت رفضاً قاطعاً اختزال مفهوم “مجتمعات الممارسة” في مجرد “أداة إدارية مبتكرة” (Management Tool) أو تقنية تسويقية تهدف إلى زيادة الإنتاجية وتعظيم أرباح الشركات واستغلال العمال بأسماء ناعمة. انتقدت لاف محاولات “هندسة” هذه المجتمعات من أعلى إلى أسفل عبر قرارات إدارية فوقية، مؤكدة أن مجتمعات الممارسة هي تشكيلات عضوية وتاريخية حية تنبثق من أسفل، وهي مساحات للصراع والمقاومة وتفاوض القوة بقدر ما هي مساحات للتعاون، ولا يمكن ترويضها لتلائم منطق الأسواق الرأسمالية دون تجريدها من روحها التحررية الأصيلة.

8. تشكل الهوية والتحول الذاتي في نظرية جين لاف

8.1 التعلم كصيرورة لتكوين الهوية (Becoming)

من أهم الإسهامات التي قدمتها جين لاف لعلم النفس والتربية المعاصرة هي إعادة تعريف التعلم من منظور أنطولوجي وجودي يتجاوز البعد الإبستمولوجي الضيق. في الأطر التربوية السائدة، يُنظر إلى التعلم كعملية تراكمية مجردة لاكتساب المعلومات وحشو الذاكرة بالحقائق والمعارف المنفصلة. أما عند لاف، فإن التعلم هو في جوهره صيرورة لتكوين الهوية والتحول الذاتي (Becoming)؛ إنه عملية إعادة تشكيل عميقة ومستمرة للإجابة عن السؤال الوجودي: “من نكون في هذا العالم؟”

تؤكد لاف أن المرء حين يتعلم مهنة أو حرفة أو علماً ما، فإنه لا يغير فقط محتويات رأسه المعرفية، بل يغير كامل تموضعه الوجودي والاجتماعي في العالم. فالشخص الذي يتعلم الطب لا “يخزن” مجرد معلومات عن التشريح والأدوية، بل يتحول ليصبح طبيباً؛ يكتسب نظرة الطبيب للأجساد والأمراض، ويستبطن أخلاقيات المهنة وتوتراتها، ويتحدث لغتها، ويغير طريقة وقفته ومشيته ونظرته للحياة والموت. التعلم والممارسة والهوية يشكلون كلاً لا يتجزأ؛ حيث يتشابك التطور المعرفي مع التحول النفسي والشخصي في مسار تطوري واحد.

يتحقق هذا التحول عبر بناء المعنى والتفاوض المستمر حول الذات داخل سياق مجتمع الممارسة. يكتشف المتعلم نفسه من خلال عيون أقرانه والخبراء المحيطين به، ومطابقة سلوكه مع التوقعات والمعايير الثقافية للجماعة. ومن ثم، فإن الفشل في التعلم في كثير من الأحيان ليس فشلاً في القدرات الإدراكية أو الاستيعابية، بل هو أزمة هوية ورفض للموقع الوجودي الذي تحاول المؤسسة فرضه على الفرد.

8.2 الانتماء والاغتراب داخل جماعات الممارسة

يحتل الشعور بالانتماء (Sense of Belonging) موقع القلب في المحرك النفسي الذي يدفع التعلم البشري إلى الأمام وفق نظرية لاف. فالبشر لا يتعلمون بدافع الدرجات المدرسية أو المكافآت المالية الخارجية فحسب، بل يتعلمون أساساً بدافع الرغبة المتجذرة في الانتماء إلى جماعة يعترفون بقيمتها ويسعون لنيل اعترافها وتقديرها المشترك. يوفر هذا الانتماء الأمان الوجودي والتحفيز الداخلي الذي يجعل الفرد مستعداً لبذل الجهد وتحمل مشاق التدريب والمثابرة في مواجهة الصعاب.

في المقابل، حللت لاف النتائج النفسية والإدراكية الكارثية المترتبة على الاغتراب والإقصاء (Marginality and Alienation) داخل البيئات التعليمية والمهنية. فعندما يُحرم المتعلم من الشرعية، أو يُعامل كعنصر دخيل ومرفوض، أو يُجبر على أداء مهام ميكانيكية مجردة مقطوعة الصلة بأي جماعة حقيقية، تنكسر لديه بوصلة المعنى، ويصاب بما يشبه “الشلل الإدراكي”. إن تجربة الرفض الاجتماعي داخل البيئة الصفية لا تؤذي المشاعر النفسية فقط، بل تعطل الأداء المعرفي وتنتج ما يسمى بـ “العجز المكتسب”.

كما رصدت لاف التوتر الإنساني الدائم الذي يعيشه الفرد بين الرغبة في الحفاظ على خصوصيته الفردية واستقلاليته الذاتية من جهة، والضرورة الضاغطة لاستيعاب ثقافة الجماعة ومعاييرها الصارمة من جهة أخرى. هذا التوتر ليس عيباً في النظام الاجتماعي، بل هو الوقود الجدلي الحي الذي يمنع مجتمعات الممارسة من التحول إلى طوائف مغلقة ومتحجرة، ويجعل تشكل الهوية عملية ديناميكية ومفتوحة دائماً على احتمالات التغيير وإعادة التفاوض.

8.3 إعادة إنتاج المجتمع وتجديده

لا تكتفي نظرية لاف بتفسير كيفية دمج الأفراد في الثقافات المهنية المستقرة، بل تقدم نموذجاً سوسيولوجياً لشرح كيفية تطور المجتمعات البشرية وتجددها التاريخي من خلال الصراع بين الأجيال. ترى لاف أن العلاقة بين “القدامى المتمرسين” (Masters/Old-timers) و”القادمين الجدد” (Newcomers) ليست علاقة هادئة وتوافقية دائماً، بل هي علاقة مشحونة بالصراع الحتمي بين الاستمرارية والابتكار:

  • يسعى الخبراء القدامى بحكم موقعهم وتاريخهم إلى حماية التقاليد الراسخة، وتأكيد سلطتهم المعرفية، وإعادة إنتاج الأنماط السائدة التي حققوا من خلالها نجاحهم ومكانتهم الاجتماعية.
  • بينما يدخل القادمون الجدد إلى الممارسة بخلفيات مختلفة، وأفكار طازجة، ونظرة نقدية غير مقيدة بمسلمات الماضي، ويحملون معهم بذور التمرد والابتكار وتعديل القواعد القديمة.

من خلال هذه المشاركة الهامشية النشطة، لا يكتفي المتعلمون الجدد بـ “التكيف” مع المجتمع القائم وتكرار حركاته كما لو كانوا مرايا عاكسة، بل يقومون بالتفاوض حول معاني الممارسة وتغيير بنيتها ذاتها شيئاً فشيئاً. إن كل عملية تعلم ناجحة هي في الوقت نفسه عملية إعادة إنتاج اجتماعي وتحول ثوري للمجتمع؛ فالوافدون الجدد يعيدون تشكيل شروط الممارسة ذاتها، مما يمنح الثقافة الإنسانية قدرتها المستمرة على التطور والتكيف مع تقلبات الزمن.

9. نقد التعليم النظامي المدرسي: قراءة لاف في الاغتراب الأكاديمي

9.1 عزل المعرفة وتجريدها المصطنع داخل الفصول الدراسية

شنت جين لاف عبر مجمل أبحاثها نقداً إبستمولوجياً واجتماعياً لاذعاً للمنظومة المدرسية الرسمية في المجتمعات الحديثة. ترى لاف أن الخطيئة الأصلية للمدرسة التقليدية تكمن في العزل الميكانيكي القسري للمعرفة وتجريدها المصطنع عن سياقات استخدامها وإنتاجها الحقيقي في العالم. فبدلاً من أن يتعلم الطلاب الرياضيات من خلال ممارسة التجارة أو البناء أو الطهي، أو يتعلموا العلوم من خلال الانخراط في البحث الطبي أو الزراعي، يُحبسون في غرف مغلقة ومقاعد ثابتة ليواجهوا نصوصاً مجردة منزوعة الروح ومقطوعة الصلة بأي ممارسة اجتماعية حية.

ينتج عن هذا التجريد تحويل المعرفة الحية إلى “مقررات دراسية ميتة” ومناهج مصطنعة لا يمارسها أحد في العالم الواقعي إلا الطلاب داخل قاعات الامتحانات. وتكشف لاف كيف يؤدي هذا النموذج إلى تزييف دوافع التعلم؛ فالطالب في المدرسة لا يتعلم ليصنع ثوباً يرتديه الناس أو ليبني جسراً يحل أزمة مرور، بل يتعلم لغرض وحيد ووحيد فقط: اجتياز الاختبار ونيل الدرجات والشهادات التي تمكنه من الانتقال للمرحلة التالية. وبذلك تحل الدرجات الامتحانية محل المعنى الحقيقي كدافع للفعل المعرفي.

يخلق هذا الترتيب المؤسسي فجوة نفسية وإبستمولوجية حادة لا يمكن ردمها بين “عالم المدرسة” و”عالم الحياة الواقعية”. فالمهارات التي يتقنها الطالب على الورق تثبت عجزها وفشلها فور مواجهته للمواقف المعقدة والمشوشة وغير المنظمة في الشارع والمصنع والمجتمع، مما يجعل معظم سنوات التعليم النظامي—من منظور لاف—هدراً معرفياً يعيد إنتاج الاغتراب بدلاً من تنمية القدرات الإنسانية الفاعلة.

9.2 إنتاج الفشل وصناعة العجز المتعلم

في أطروحة تعد من أكثر أطروحاتها جرأة وإثارة للجدل، تؤكد جين لاف أن صعوبات التعلم والغباء والفشل الأكاديمي ليست عيوباً بيولوجية أو قصوراً ذهنياً متأصلاً في رؤوس الطلاب، بل هي “صناعة مؤسسية” بامتياز تنتجها المدرسة عبر ترتيباتها البيروقراطية الصارمة ومعاييرها المعوجة. فالمدرسة المعاصرة مصممة وفق نموذج الفرز والترتيب الاجتماعي، وتعتمد على منحنى التوزيع الطبيعي (Bell Curve) الذي يقتضي بالضرورة أن يفشل جزء من الطلاب لكي ينجح الآخرون وتثبت الاختبارات “صلاحيتها الإحصائية”.

تقوم المدرسة بفرض معايير موحدة واختبارات ورقية مقيدة زمنياً تتجاهل تماماً التنوع الثقافي والسياقي الغني للطلاب وخلفياتهم الاجتماعية المختلفة. ومن خلال هذا الفرز المجرد، تسهم المدرسة في ترسيخ وتأبيد التفاوت الطبقي والعنصري؛ إذ تصنف أبناء الطبقات الكادحة والأقليات الثقافية بأنهم “فاشلون في التحصيل” لمجرد أن أنماطهم المعرفية الموضعية والعملية لا تتوافق مع الثقافة اللغوية والتجريدية للطبقات البرجوازية التي صممت المناهج المدرسية على مقاسها.

هذا الفرز المؤسسي المستمر يولد ما يعرف بـ “العجز المتعلم” (Learned Helplessness)؛ حيث يستبطن التلميذ حكم المدرسة الجائر عليه، ويبدأ في تصديق أنه عاجز ذهنياً بطبيعته، فيتخلى عن ثقته بنفسه وتتوقف رغبته التلقائية في التعلم والاستكشاف. لقد بينت لاف أن التلميذ الذي يحصل على تقدير “راسب” في اختبار الرياضيات المدرسي يمتلك في الحقيقة قدرات حسابية مدهشة يمارسها بكفاءة حين يلعب ألعاب الفيديو المعقدة، أو حين يدير ميزانيته الشخصية، أو حين يمارس عملاً يدوياً في الحي، لكن المدرسة تأبى الاعتراف بهذه الممارسات لأنها تتم خارج أسوار احتكارها الرمزي للمعرفة.

9.3 البدائل التربوية الممكنة وفق منظور لاف

لم تكتف جين لاف بتفكيك ونقد التعليم المدرسي، بل وضعت المبادئ الأساسية التي يمكن من خلالها إعادة تصور وبناء بدائل تربوية حقيقية وإنسانية. إن المخرج من مأزق الاغتراب المدرسي لا يكمن في إدخال الحواسيب اللوحية أو تزيين الفصول بالوسائل التقنية مع الإبقاء على نفس بنية التلقين، بل يتطلب إعادة هيكلة المدارس وتحويلها جذرياً إلى “مجتمعات ممارسة حقيقية وتفاعلية” تتلاشى فيها الحدود العازلة بين المدرسة والمجتمع المحلي المحيط بها.

تتمثل أبرز ملامح البدائل التربوية المستلهمة من منظور لاف في النقاط التالية:

  • التعلم القائم على المشروعات الواقعية وحل المشكلات الحية: استبدال التمارين والمسائل التدريبية الجافة بمشروعات إنتاجية ومجتمعية حقيقية يشارك فيها الطلاب (مثل تصميم حديقة مدرسية لإنتاج الغذاء، أو دراسة التلوث البيئي في الحي المجاور وتقديم حلول للبلدية، أو تشغيل ورشة طباعة وتصميم رقمي تخدم مؤسسات المجتمع المدني).
  • إعادة صياغة دور المعلم: التخلي عن النموذج التلقيني الذي يجعل المعلم “مالكاً مطلقاً للحقيقة” وملقناً للدروس، والتحول إلى نموذج “الممارس الخبير والميسر للمشاركة” (Master Practitioner) الذي ينخرط مع الطلاب في العمل الفعلي، ويوضح لهم كيف يفكر الخبير في مواجهة الغموض والتعقيد والخطأ بدلاً من تقديم إجابات جاهزة ومصمتة.
  • التقييم الأصيل المدمج في الممارسة: إلغاء الامتحانات المعيارية المفاجئة واستبدالها بنظم تقييم طبيعية تشبه تقييم ورش الخياطة؛ حيث يُقاس النجاح بجودة المنتج النهائي، وبقدرة الطالب على تصحيح أخطائه بنفسه، وبمستوى مساهمته الفعالة في الفريق وتقدمه من الهامش نحو مركز الكفاءة الميدانية.

10. التطبيقات النفسية والمهنية المعاصرة لنظريات جين لاف

10.1 التدريب المهني وتطوير الكفاءات في بيئات العمل الحديثة

تركت أطروحات جين لاف بصمات لا تمحى على نظريات التدريب والتطوير المهني في قطاعات بالغة الحساسية والتعقيد في العالم المعاصر. ومن أبرز هذه المجالات التعليم الطبي والتمريض؛ حيث استندت كليات الطب المرموقة حول العالم إلى مفاهيم لاف وفينجر لإعادة هيكلة فترات “الإقامة الطبية والامتياز” (Residency and Internships). فبدلاً من الاكتفاء بالمحاضرات النظرية الطويلة، أصبحت المستشفيات التعليمية تُنظم كـ مجتمعات ممارسة ينخرط فيها الطبيب المبتدئ عبر المشاركة الهامشية المشروعة، متعلماً مهارات التشخيص الجسدي والتواصل مع المرضى وأسرهم من خلال ملازمة الاستشاريين الكبار وملاحظة ممارساتهم الميدانية الدقيقة.

كذلك شهدت صناعة هندسة البرمجيات والتكنولوجيا المتقدمة تطبيقاً مكثفاً لهذه النظريات. تعتمد كبرى شركات التقنية العالمية اليوم في تدريب مبرمجيها الجدد على أساليب تبتعد تماماً عن الفصول الدراسية؛ مثل أسلوب “البرمجة الزوجية” (Pair Programming)، حيث يجلس المبرمج المبتدئ بجوار مهندس برمجيات خبير ليعمل معه على نفس الشفرة المصدرية (Code)، وجلسات “مراجعة النظراء للكود” (Code Reviews). تتيح هذه البيئات للمطور المبتدئ استيعاب فلسفة التصميم المعماري للأنظمة ولغة الفريق واصطلاحاته الضمنية من خلال الاحتكاك المباشر بالمشكلات البرمجية الحية وتصحيح الأخطاء في بيئات تشغيلية واقعية.

أدى هذا التحول إلى تبني شعار “التعلم المدمج في العمل” (Workplace Learning / In-situ Learning) في السياسات الإدارية المعاصرة؛ حيث أدركت المؤسسات أن ملايين الدولارات التي تنفق على ورش التدريب المنعزلة وقاعات المحاضرات الفندقية تذهب سدى لأنها تفتقر إلى السياق الحقيقي للممارسة. وأصبح الرهان اليوم على خلق ثقافات مؤسسية تشجع تكوين مجتمعات ممارسة داخلية غير رسمية، توفر بيئة آمنة يتبادل فيها الموظفون الخبرات والقصص المهنية الواقعية، مما يضمن التطور المستدام للكفاءات الوظيفية.

10.2 التعلم الرقمي ومجتمعات الممارسة الافتراضية

مع انفجار شبكة الإنترنت وثورة الاتصالات الرقمية، وجدت مفاهيم جين لاف متنفساً وتطبيقاً أوسع نطاقاً مما كان متوقعاً في عصر صدورها الورقي. برز ذلك جلياً في دراسة مجتمعات البرمجيات مفتوحة المصدر (Open Source Communities) مثل لينكس، وأباتشي، ومجتمعات التطوير التشاركي على منصة GitHub. تمثل هذه المنصات الحاضنة الرقمية المثالية لنموذج المشاركة الهامشية المشروعة؛ حيث يدخل المستخدم الجديد في البداية كمجرد قارئ ومراقب صامت وسلبي لما يجري، وهو السلوك الذي يُعرف في الثقافة الرقمية بـ (Lurker).

في منظور لاف، لا يعد هذا “التخفي الرقمي” والتربص السلبي عيباً أو نقصاً، بل هو عين “الهامشية المشروعة” التي تتيح للوافد الجديد قراءة تاريخ النقاشات، وفهم لغة المطورين، واستيعاب المعايير البرمجية الصارمة للمشروع دون أن يتحمل عبء المساهمة الفورية. بعد فترة من المعايشة الهامشية، يقوم المستخدم بأولى خطوات المشاركة عبر الإبلاغ عن ثغرة برمجية بسيطة، أو تصحيح خطأ إملائي في دليل الاستخدام، ثم يتدرج ليقدم تعديلات صغيرة على الكود (Pull Requests)، وصولاً إلى أن يصبح مطوراً أساسياً (Core Maintainer) يمتلك سلطة اعتماد التعديلات وتوجيه المشروع، متحولاً من التخوم إلى المركز القيادي للجماعة.

يمتد هذا النمط ليشمل منصات المعرفة التشاركية العالمية مثل ويكيبيديا ومجتمعات المساعدة التقنية مثل Stack Overflow؛ حيث يكتسب الأعضاء معايير الكتابة والتوثيق والمراجعة عبر الممارسة اليومية والتغذية الراجعة من زملائهم المحررين القدامى. ومع ذلك، يطرح التعلم في هذه المجتمعات الافتراضية غير المكانية (Virtual CoPs) تحديات جديدة تتعلق بمدى القدرة على بناء هويات راسخة والشعور بالانتماء والتضامن الإنساني في غياب التفاعل الجسدي والمكاني المباشر، وهو ما يفتح آفاقاً بحثية واسعة أمام الباحثين في علم النفس السيبراني وعلوم التربية الرقمية.

10.3 الإرشاد النفسي والعلاج السلوكي الاجتماعي

امتدت التطبيقات المعاصرة لأفكار لاف لتحدث ثورة في حقول الصحة النفسية والإرشاد السلوكي الاجتماعي؛ وتحديداً في مقاربة مجموعات الدعم النفسي وبرامج التعافي من الإدمان والصدمات النفسية. وكما حللت لاف وفينجر في كتابهما المشترك نموذج مدمني الكحول المجهولين (Alcoholics Anonymous)، فإن الشفاء والتعافي لا يحدثان عبر تلقي نصائح طبية مجردة من طبيب جالس خلف مكتبه، بل عبر الانخراط في “مجتمع ممارسة علاجي”.

في هذه المجموعات، ينخرط العضو الجديد في البداية عبر الاستماع الصامت لقصص المتعافين القدامى (مشاركة هامشية مشروعة). يستمع المبتدئ إلى كيفية سرد القدامى لتجاربهم مع الألم والانتكاس والمقاومة، متعلماً تدريجياً “لغة التعافي”، ومستبدلاً هويته السابقة كـ “شخص منبوذ وفاشل” بهوية جديدة كـ “شخص متعافٍ يسلك درب الشفاء بالاشتراك مع رفاقه”. هنا يتحول التعافي إلى صيرورة لإعادة بناء الهوية، وتعمل الجماعة كحاضنة توفر الأمان النفسي والانتماء الوجودي الذي يحمي الفرد من العزلة والانتكاس.

كما ساعدت هذه المقاربة علماء النفس المهني على إعادة تفسير مشكلات التكيف والاحتراق النفسي (Burnout) والقلق الوظيفي لدى الموظفين الجدد في المؤسسات والشركات. فبدلاً من النظر إلى هذه المشكلات كاضطرابات نفسية شخصية أو ضعف في الصلابة النفسية للفرد، باتت تُعامل كـ أزمات انتماء وهوية تنجم عن حجب الشرعية عن الموظف، أو إبقائه في حالة تهميش إقصائي تمنعه من الوصول إلى جوهر الممارسة والشعور بالجدوى والمساهمة الفاعلة في الفريق. ويتم التدخل العلاجي والتوجيهي في هذه الحالات عبر إعادة هيكلة بيئة العمل لتفعيل آليات الدعم المتبادل بين الأقران، وتمكين الموظف من المشاركة الهامشية الآمنة التي تعيد له ثقته بنفسه وتشعره بالانتماء الحقيقي لجماعته المهنية.

11. الانتقادات والجدل الأكاديمي حول أطروحات جين لاف

11.1 مسألة المعرفة النظرية المجردة ونقص التجريد

أثارت أطروحات جين لاف الراديكالية موجة عارمة من السجالات والانتقادات الحادة من جانب علماء النفس المعرفي الكلاسيكي وخبراء المناهج التعليمية؛ وكان من أشرس هذه الردود الهجوم الذي قاده عالم النفس المعرفي الأسترالي جون سويلر (John Sweller)—صاحب نظرية الحمل المعرفي—بالاشتراك مع رواد العلوم المعرفية جون أندرسون وهربرت سايمون في مقالهم الشهير عام 1996 بعنوان Situated Learning and Education. تركز النقد حول خطورة النفي المطلق لجدوى المعرفة النظرية المجردة ولإمكانية الانتقال المعرفي (Cognitive Transfer).

جادل النقاد بأن اختزال التعلم في الممارسة الموضعية المباشرة والسياقية يعجز عن تفسير كيفية تعلم العلوم الصعبة والمعقدة مثل الفيزياء المتقدمة، والرياضيات البحتة، وفلسفة المنطق، والكيمياء العضوية. فهذه التخصصات العلمية الرفيعة قامت تاريخياً بفضل التجريد الصوري الصارم وصياغة معادلات رمزية متجاوزة للسياقات المادية المباشرة. والاعتماد الحصري على التلمذة المهنية في هذه المجالات قد يحرم المتعلم من امتلاك المبادئ الكلية المجردة القابلة للتعميم عبر مجالات متعددة ومتباينة؛ فالمهندس لا يمكن أن يتعلم تصميم ناطحات السحاب وحسابات الزلازل بمجرد مراقبة البنائين في موقع العمل دون دراسة معمقة للنظريات المجردة لميكانيكا المواد والرياضيات التفاضلية.

كما بينت دراسات سويلر أن المتعلمين المبتدئين في المجالات المعقدة يصابون بـ إجهاد وإرهاق إدراكي مفرط (Cognitive Overload) إذا ألقي بهم مباشرة في خضم البيئات الواقعية المليئة بالمشتتات والضغوط، مؤكداً على ضرورة وجود تعليم مباشر منظم (Direct Instruction) وتدريب ممنهج على المسائل المحلولة مسبقاً (Worked Examples) داخل قاعات الدراسة الهادئة لبناء المخططات الذهنية التأسيسية قبل الانتقال للممارسة العملية الميدانية، محذراً من تحويل التعلم الموضعي إلى عقيدة أيديولوجية تلغي إنجازات التعليم الصفي المنظم.

11.2 إشكالية ديناميكيات القوة والاستغلال في التلمذة

على الرغم من المنظور الماركسي والنقدي الذي انطلقت منه لاف، إلا أن أطروحتها حول “المشاركة الهامشية المشروعة” تعرضت لنقد سوسيولوجي شديد من جانب علماء الاجتماع التربوي والنسويين، الذين رأوا أن النموذج يحمل في طياته نزعة مثالية ورومانسية خفية تجاه نظم التلمذة المهنية وجماعات الممارسة التقليدية. فقد اتهم النقاد لاف بالتقليل أحياناً من البعد المظلم لنظم التلمذة، وتحديداً إمكانية تحولها إلى أداة لـ استغلال العمالة الرخيصة والعمل غير مدفوع الأجر تحت مسمى “التعلم والمشاركة الهامشية”.

ففي كثير من المهن والورش الحرفية—وحتى في المؤسسات الحديثة مثل وكالات الإعلانات والمكاتب القانونية وأروقة المستشفيات—يتم استغلال المتدربين والمبتدئين لسنوات طويلة في أعمال هامشية شاقة ومذلة ومنخفضة الأجر، بينما يحصد الخبراء القدامى وأصحاب العمل أرباحاً طائلة، مع ممارسة سياسات إقصائية تحجب عن هؤلاء الشباب أسرار المهنة الحقيقية لحماية مصالحهم الاحتكارية ومكانتهم الطبقية. ومن ثم، فإن التلمذة ليست دائماً مساراً حراً ومفتوحاً للتمكين، بل قد تكون آلية لإعادة إنتاج الخضوع والطاعة العمياء للأساتذة والمعلمين المستبدين.

علاوة على ذلك، أشار الباحثون النسويون والنقديون إلى ضرورة تفكيك أعمق لديناميكيات الجندر والعرق والطبقة داخل مجتمعات الممارسة. فكثير من هذه المجتمعات تتسم بالنزعة المحافظة والانغلاق، ومقاومة أي تجديد أو تغيير يهدد بنيتها الذكورية أو امتيازاتها العرقية المتوارثة (كما كان الحال تاريخياً في نقابات الحرفيين الأوروبية). وبالتالي، فإن الدخول إلى هذه الجماعات ونيل الشرعية فيها لا يحدده الاستعداد المعرفي والرغبة في التعلم فقط، بل تحكمه آليات الهيمنة الاجتماعية والتمييز الهيكلي التي لم تولها لاف في كتابها مع فينجر عام 1991 المساحة التحليلية الكافية التي يستحقها هذا الموضوع الشائك.

11.3 صعوبة القياس الكمي والتقييم المؤسسي

ينبع الانتقاد الثالث لأطروحات جين لاف من داخل الميدان العملي للإدارة التربوية والسياسات العامة؛ حيث تتمثل المعضلة الكبرى في صعوبة إخضاع التعلم الموضعي والمشاركة الهامشية للقياس الكمي والتقييم المؤسسي القياسي. ترفض نظرية لاف بطبيعتها الإبستمولوجية الاختبارات المعيارية والدرجات الرقمية الموحدة وتعتبرها أدوات قمع وتزييف للوعي، وتطالب بدلاً من ذلك باعتماد أدوات تقييم نوعية وإثنوغرافية مستمرة مدمجة في صميم الممارسة.

هذا الرفض يضع النظرية في صدام مباشر مع متطلبات الدولة الحديثة والمنظومات التعليمية البيروقراطية التي تحتاج إلى مؤشرات أداء كمية، وبيانات إحصائية واضحة، ومعايير موحدة للمساءلة والمفاضلة بين آلاف المتقدمين للجامعات والوظائف. كيف يمكن لوزارة تعليم أو مؤسسة وطنية قياس مفاهيم سيالة ونوعية مثل “عمق الانتماء للجماعة”، أو “صيرورة تحول الهوية”، أو “التحرك النوعي من الهامش إلى المركز” بأدوات كمية معتمدة وموثوقة إحصائياً؟

تولد هذه الصعوبة مقاومة بيروقراطية شرسة من جانب مديري المدارس وصناع القرار التربوي ضد تطبيق نماذج لاف على نطاق واسع في التعليم النظامي؛ إذ يخشى هؤلاء من تفكك المعايير وسقوط النظام التعليمي في الفوضى الذاتية في ظل غياب الامتحانات الموحدة. ونتيجة لذلك، ظل تطبيق نموذج مجتمعات الممارسة محصوراً غالباً في المبادرات التجريبية الخاصة، أو في التعليم غير النظامي، أو داخل قطاعات التدريب المهني في الشركات، عاجزاً عن اختراق الجدار البيروقراطي الصلب للتعليم العام الإلزامي في معظم دول العالم.

12. الإرث المستدام لجين لاف وآفاق البحث المستقبلي في العلوم المعرفية

12.1 تأثير لاف في بزوغ علوم التعلم (Learning Sciences)

على الرغم من كافة الانتقادات والتحفظات، يظل الإرث العلمي لجين لاف من أضخم الإنجازات النظرية في العلوم الاجتماعية والتربوية المعاصرة. لقد كانت أفكارها الإثنوغرافية الجريئة بمثابة القابلة التي ساهمت في ولادة حقل أكاديمي متداخل التخصصات بزغ بقوة في تسعينيات القرن الماضي ويُعرف اليوم بـ علوم التعلم (The Learning Sciences). جمع هذا الحقل الجديد بين علماء الإدراك، والأنثروبولوجيين، وعلماء الحاسوب، والمصممين التعليميين، متخذاً من فرضيات لاف حول الموضعة والتشارك والممارسة أساساً لتصميم بيئات تعليمية حديثة تتجاوز قيود المدرسة الكلاسيكية.

أعادت أبحاث لاف توجيه بوصلة “التصميم التعليمي” (Instructional Design) من مجرد كتابة مقررات وحشوها بالمعلومات، إلى تصميم بيئات اجتماعية ومادية ثرية تتيح المشاركة النشطة والانخراط في مهام واقعية أصيلة. وقد تجلى ذلك في ظهور استراتيجيات تربوية معاصرة أصبحت اليوم من كبريات الاتجاهات العالمية؛ مثل:

  • التعلم القائم على الاستقصاء التشاركي (Inquiry-Based Learning).
  • بيئات التلمذة المعرفية (Cognitive Apprenticeship) التي صاغها كولينز وبراون وهولوم استناداً مباشراً إلى دراسات لاف لخياطي فاي.
  • حركات “استوديوهات التصميم” و”مساحات الصنّاع” (Makerspaces) داخل الجامعات والمدارس؛ حيث يتعلم الطلاب الهندسة والتقنية عبر صناعة روبوتات وحلول مادية بالتعاون المشترك.

كما يعود الفضل لラの في ترسيخ المنهجيات النوعية والإثنوغرافية وأدوات دراسة الحالة المتعمقة بوصفها أدوات بحثية ذات موثوقية علمية رصينة داخل كليات التربية وعلم النفس، بعد أن ظلت تلك الكليات لعقود أسيرة المنهجيات التجريبية والإحصائية الصارمة التي كانت تعامل الأبعاد الثقافية والسياقية كـ “متغيرات مشوشة” يجب استبعادها من معادلات البحث العلمي.

12.2 أعمال لاف المتأخرة والاهتمام بالتحرر والنشاط الاجتماعي

في مسارها الأكاديمي المتأخر، واصلت جين لاف تعميق قراءتها النقدية للتربية والمجتمع دون أن تركن إلى المجد الأكاديمي لنظرياتها السابقة. وقد تجلى هذا النضج الفكري في كتابها الصادر عام 2011 بعنوان Apprenticeship in Critical Ethnographic Practice، والذي قدمت فيه تأملاً ميثودولوجياً وإبستمولوجياً عميقاً في مسيرتها الميدانية الطويلة، مؤكدة أن الإثنوغرافيا ليست مجرد وسيلة لجمع البيانات، بل هي شكل من أشكال التلمذة الحياتية التي تحول الباحث نفسه وتجعله جزءاً من الممارسة التي يدرسها.

أما تتويج أفكارها النقدية فقد تجسد في كتابها الصادر عام 2019 عن مطبعة جامعة أكسفورد بعنوان Learning and Everyday Life: Access, Participation, and Changing Practice. في هذا العمل، وسعت لاف نطاق نظرية التعلم الموضعي لتقترب أكثر من قضايا النشاط السياسي والتحرر في الحركات الاجتماعية المعاصرة. درست لاف كيف يتعلم النشطاء السياسيون، والمنظمون المجتمعيون، وحركات العدالة البيئية والمناهضة للرأسمالية (مثل حركات Occupy وحركات حقوق السكان الأصليين) أساليب المقاومة، وإعادة تخيل العدالة الاجتماعية، وإدارة الصراع عبر الممارسة الميدانية المباشرة في الشوارع والخيام والساحات العامة.

أكدت لاف في هذا الكتاب أن التعلم في أنقى وأشرف صوره ليس هو ما تمنحه المؤسسات لترويض الأفراد وتطويعهم لخدمة النظام الاقتصادي، بل هو ما يبتكره الناس بأنفسهم عندما ينخرطون معاً في النضال من أجل تغيير شروط حياتهم اليومية ومقاومة الهيمنة والاستلاب. وبذلك ربطت لاف حبل التعلم بحبل الحرية والعدالة، معتبرة أن المعرفة الحقيقية هي الأداة التي يسترد بها الإنسان فاعليته المسلوبة ويبني بها عالماً أكثر إنسانية ورحابة.

12.3 خلاصة الرؤية: الإنسان ككائن يتعلم بالعيش والمشاركة

في المحصلة الختامية لمسيرة جين لاف الفكرية الممتدة لأكثر من خمسة عقود، يمكن تلخيص إسهامها التاريخي في إحداث تحول نموذجي جذري (Paradigm Shift) في فهم الوجود الإنساني؛ تحول من النظر إلى الإنسان كـ “عقل ديكارتي معزول يمثل وعاءً لتلقي الرموز وتخزين البيانات”، إلى النظر إليه كـ “شريك حي وفاعل في ممارسات اجتماعية وتاريخية لا تنتهي”. الإنسان في فلسفة لاف لا يتعلم لكي يعيش، بل هو يتعلم من خلال العيش ذاته والانخراط العضوي في العالم ومع الآخرين.

تكتسب هذه الرؤية الموضعية اليوم، في مطلع القرن الحادي والعشرين، أهمية استثنائية وراهنية قصوى تفوق أي وقت مضى، خاصة في مواجهة التحديات الوجودية التي يفرضها الانفجار الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي وأتمتة المعرفة. فبينما تثبت خوارزميات الذكاء الاصطناعي تفوقاً كاسحاً على البشر في معالجة الرموز المجردة، وحفظ البيانات، وتطبيق القوانين المنطقية المسبقة، وحل الاختبارات المدرسية والجامعية القياسية بأعلى الدرجات، فإن ما يعجز الذكاء الاصطناعي تماماً عن محاكاته هو المعرفة الموضعية، والمجسدة، والتاريخية المنبثقة من اللحم والدم، ومن مشاعر الانتماء، ومن العيش الحقيقي داخل مجتمع ممارسة بشري يتشارك الألم والأمل والمصير المشترك.

تذكرنا جين لاف بأن ما يجعلنا بشراً ليس هو مقدار ما نحفظه في رؤوسنا من معادلات ميتة وقوالب مصمتة، بل هو قدرتنا اللانهائية على التعاطف، والتواصل، والمشاركة الهامشية المشروعة، والنمو المشترك مع رفاقنا في ورش العمل، وميادين النضال، وأروقة الحياة اليومية. لقد حفرت جين لاف اسمها بحروف من نور كرائدة أنثروبولوجية فذة ومفكرة تربوية شجاعة أعادت للبشر حقهم الطبيعي في أن يتعلموا كما عاشوا دائماً: أحراراً، فاعلين، ومتشاركين في صناعة المعنى والحياة.

خاتمة

قدمت جين لاف عبر مسيرتها الأكاديمية والبحثية المتميزة مشروعاً إبستمولوجياً متكاملاً زعزع المسلمات الكلاسيكية التي استقرت عليها العلوم المعرفية والتربوية لعقود طويلة. ومن خلال الانطلاق من عدسة الأنثروبولوجيا الاجتماعية والملاحظة الإثنوغرافية الدقيقة، نجحت لاف في نقل مركز الثقل في التفكير النفسي من “الرأس المنعزل” إلى “النشاط المادي والاجتماعي في العالم”، مثبتة أن التعلم والممارسة والهوية يشكلون كلاً لا يتجزأ في التجربة الإنسانية.

سواء من خلال تفكيكها لأوهام النقل المعرفي في مشروع رياضيات البالغين، أو كشفها عن عبقرية التعلم المعكوس لدى خياطي فاي في ليبريا، أو صياغتها المفاهيمية بالغة التأثير للمشاركة الهامشية المشروعة ومجتمعات الممارسة بالتعاون مع إتيان فينجر، فإن لاف أعادت الاعتبار لذكاء الحياة اليومية والممارسات المعرفية الأصيلة للمهمشين والعمال والحرفيين. ولم تكتف بتقديم بدائل نظرية، بل واصلت في كتاباتها المتأخرة نقد تسليع التعليم وربط المعرفة بالنضال التحرري والحركات الاجتماعية، مما يجعل إرثها مرجعاً لا غنى عنه لكل من يسعى لإصلاح المنظومات التربوية والمهنية في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي.

المراجع

★

تقييم هذا المحتوى

5.0 / 5 • 7 تقييمات