السيرة
يمثل الفكر الإنساني الساعي إلى تفكيك ظواهر القهر واللامساواة أحد أشرف المسارات المعرفية في تاريخ العلوم الاجتماعية؛ وفي هذا الفضاء المعرفي الرحب، يبرز اسم عالم النفس الاجتماعي والسياسي الأمريكي جيم سيدانيوس (Jim Sidanius: 1945–2021) كأحد ألمع العقول التي أعادت رسم خريطة الفهم العلمي لآليات التراتبية الاجتماعية، والاضطهاد المؤسسي، والتمييز القائم على الهوية الجماعية. لم يكن سيدانيوس مجرد باحث تقليدي يرصد الظواهر من برج عاجي، بل كان منظراً ثورياً ورائداً تجريبياً استطاع أن ينتزع دراسة التمييز العنصري والطبقي والعرقي من براثن التفسيرات السيكولوجية الفردية الضيقة، ليرتفع بها إلى مصاف النظرية الشاملة التي تدمج بين بيولوجيا التطور، والتحليل السوسيولوجي للبنى المؤسسية، وعلم النفس المعرفي والسياسي، مقدماً للبشرية إطاراً نظرياً بالغ الإحكام عُرف باسم نظرية الهيمنة الاجتماعية (Social Dominance Theory).
تكمن فرادة مشروع سيدانيوس في قدرته الفذة على تفكيك التناقض الجوهري الذي يسم المجتمعات الإنسانية الحديثة؛ ففي الوقت الذي تعلن فيه الدساتير المعاصرة التزامها الصارم بقيم الحرية والعدالة والمساواة، وتتغنى الديمقراطيات الغربية بحقوق الإنسان وكرامته المتأصلة، تستمر التمايزات الطبقية والعرقية والنوعية في تجديد نفسها بضراوة مقلقة. لقد رفض سيدانيوس بإصرار منهجي فكرة أن التمييز والاضطهاد مجرد “انحرافات سيكولوجية عابرة” تصيب فئات شاذة أو غير واعية، بل أثبت من خلال تراكم بحثي تجريبي امتد لنصف قرن أن إنتاج التراتبية والحفاظ عليها يمثلان نزعة نظامية متجذرة في التاريخ البشري، تدعمها أساطير مشرعنة تتسلل إلى العقل الجمعي، وتغذيها مؤسسات رسمية تعيد تدوير امتيازات القابضين على زمام السلطة وتهميش الفئات المستضعفة.
يقدم هذا العمل الموسوعي قراءة شاملة ومعمقة للمسار الفكري والمنهجي والحياتي للبروفيسور جيم سيدانيوس منذ نشأته وانخراطه في أتون النضال الحقوقي، مروراً بهجرته الأكاديمية الاستثنائية وتكوينه في السويد، وصولاً إلى استقراره في أرفع المنابر الأكاديمية في جامعة هارفارد. سنتناول هنا بالتشريح والتحليل الدقيقين أركان نظريته الكبرى، ونفكك أدوات قياسها السيكومترية، ونستعرض تطبيقاتها على قضايا العنف الشرطي، والعدالة الجنائية، والتقاطع المعقد بين العرق والجندر، مؤكدين على القيمة المعرفية الخالدة التي تركها هذا المفكر الفذ للأجيال القادمة في مواجهة صعود الفاشيات الجديدة، وتنامي الشعبوية، واشتداد النزاعات الجيوسياسية في عصرنا الراهن.
1. مدخل إلى سيرة جيم سيدانيوس ومكانته في علم النفس المعاصر
1.1 التعريف بالباحث وأهميته العلمية
يُعد جيم سيدانيوس واحداً من أكثر الشخصيات تأثيراً في مسار العلوم السلوكية والاجتماعية في أواخر القرن العشرين ومستهل القرن الحادي والعشرين. ترتكز مكانته العلمية الراسخة على كونه المفكر الذي قاد الانقلاب المعرفي ضد النزعة الاختزالية في تفسير التعصب الأعمى؛ فحتى مطلع ثمانينيات القرن الماضي، كانت أدبيات علم النفس الاجتماعي تميل ميلاً جارفاً نحو عزل التحيزات العنصرية وتفسيرها كأمراض شخصية فردية، أو اختلالات معرفية محلية، أو تجليات لما كان يُعرف بـ “الشخصية الاستبدادية” بمعناها الفرويدي-الماركسي الكلاسيكي. غير أن سيدانيوس قاد ثورة إبستيمولوجية أثبتت أن الاضطهاد العرقي والطبقي ليس مجرد مشاعر كراهية تنشأ في نفوس المتعصبين، بل هو نتاج منظومة ديناميكية متكاملة تعمل على مستويات متقاطعة تبدأ من التوجهات السيكولوجية الفردية، وتمر عبر الأيديولوجيات الثقافية المشتركة، لتستقر في البنى المؤسسية والتشريعية للدولة.
لقد أعاد سيدانيوس صياغة السؤال المركزي في علم النفس السياسي؛ فبدلاً من التساؤل الساذج: “لماذا يكره الناس بعضهم بعضاً؟”، صاغ تساؤله الوجودي الأكثر عمقاً وجرأة: “كيف تنجح المجتمعات البشرية ذات الفائض الاقتصادي في إدامة أنظمة قهرية مستقرة وغير متكافئة عبر القرون، ولماذا تتواطأ حتى الفئات المقهورة أحياناً في الحفاظ على هذا النظام الهرمي الجائر؟”. هذا التحول الجذري في طرح الإشكاليات نقل الحقل من التحليلات السطحية للأحكام المسبقة إلى دراسة البنى النفسية الداعمة للتراتبية الاجتماعية (Social Hierarchies). وبفضل شجاعته النظرية وتجرده العلمي، حظي سيدانيوس باعتراف كبريات الهيئات العلمية العالمية، متقلداً أرفع الأوسمة الأكاديمية ومكرساً اسمه كمرجع لا يمكن تجاوزه لأي باحث يروم فهم أسرار السلطة والسيطرة البشرية.
تتجلى أهمية إسهاماته كذلك في الجسر المتين الذي شيده بين المختبر النفسي والواقع السياسي المعاش. لم تكن نظريات سيدانيوس حبيسة العينات الطلابية الصغيرة الشائعة في الأبحاث النفسية الغربية، بل أخضع افتراضاته لاختبارات تجريبية صارمة شملت شرائح سكانية واسعة ومتنوعة عرقياً وطبقياً في الولايات المتحدة، ودول أمريكا اللاتينية، وأوروبا، والشرق الأوسط. هذا العمق الميداني منح أطروحاته صلابة استثنائية جعلت من نتاجه الفكري سلاحاً نظرياً حاسماً لتفكيك سياسات التمييز العنصري الهيكلي، ومراجعة منظومات العدالة الجنائية، واستيعاب دوافع النزاعات الأهلية والدولية المعاصرة.
1.2 الأفق الفكري والمنهجي لمشروعه المعرفي
يتميز المشروع المعرفي لجيم سيدانيوس بطابعه العابر للحقول التخصصية، حيث رفض الانغلاق داخل الحدود المصطنعة لعلم النفس التقليدي. لقد أدرك مبكراً أن فهم آليات الهيمنة الجماعية يستلزم بالضرورة نسج خيوط معرفية تجمع بين دقة علم النفس المعرفي التجريبي، وعمق التحليل السوسيولوجي الماركسي والفيبري للبنى الطبقية، وفهم العلوم السياسية لآليات توزيع القوة واحتكار العنف المشروع، فضلاً عن استدعاء مبادئ البيولوجيا التطورية وعلم النفس التطوري لتفسير الجذور الغريزية للنزاع بين المجموعات والتنافس على الموارد الحيوية.
هذا التكامل المعرفي الفريد مكّن سيدانيوس من التعامل مع الطبيعة المستمرة والراسخة للنزاعات الطبقية والعرقية والنوعية بوصفها ظواهر تتجاوز الصدفة التاريخية. فبدلاً من اعتبار العنصرية أو النظام الأبوي (البطريركي) مجرد تشوهات ثقافية طارئة يمكن محوها بحملات التوعية الأخلاقية البسيطة، نظر سيدانيوس إلى هذه الظواهر باعتبارها استراتيجيات تكيفية طورتها المجتمعات الإنسانية تاريخياً لإدارة الفائض وتوزيع الأعباء الحياتية وحماية المكتسبات الجماعية للمهيمنين. هذا المنظور التشاؤمي-الواقعي لم يكن هدفه تبرير الاضطهاد، بل نزع القداسة والأوهام الرومانسية عنه بهدف صياغة استراتيجيات مقاومة فعالة وقائمة على فهم عميق للطبيعة البشرية.
وعلى الصعيد المنهجي، اتسم مشروع سيدانيوس بصرامة تجريبية وسيكومترية استثنائية؛ إذ كان رائداً في بناء وتطوير أدوات قياس دقيقة قادرة على رصد النوازع الإيديولوجية غير الواعية والتوجهات السلوكية المستترة. كان تطويره لمقياس “التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية” بمثابة ثورة منهجية وضعت بين أيدي الباحثين أداة إحصائية قياسية تم التحقق من ثباتها وصدقها التنبؤي عبر عشرات الثقافات واللغات. لم يكتفِ سيدانيوس بالدراسات المقطعية البسيطة، بل وظف النمذجة بالمعادلات البنائية المعقدة (Structural Equation Modeling) والدراسات الطولية الممتدة عبر سنوات، ليبرهن بصورة قاطعة على اتجاه العلاقات السببية بين المعتقدات النفسية الفردية والممارسات التمييزية المؤسسية.
2. المسار الأكاديمي والنشأة والتكوين الفكري (1945-2021)
2.1 السنوات المبكرة والخلفية التكوينية
ولد جيم سيدانيوس في الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1945، وهي سنة تاريخية شهدت انتهاء الحرب العالمية الثانية وتدشين عصر جديد من التوترات الدولية، متزامنة مع تصاعد المد النضالي لحركات الحقوق المدنية للأفارقة الأمريكيين. نشأ سيدانيوس في بيئة أمريكية كانت تمور بالصراعات العرقية الصريحة، وتعيش تحت وطأة قوانين الفصل العنصري والممارسات التمييزية الهيكلية ضد السود. هذه التجربة الحياتية المبكرة، والانتماء إلى أقلية عرقية كابدت عنف الهيمنة البيضاء، حفرت في وجدانه وعياً مبكراً ومؤلماً بآليات القهر المنهجي، وزرعت في نفسه رغبة عارمة في فهم الشفرة النفسية والاجتماعية التي تجعل فئة من البشر تستعبد وتضطهد فئات أخرى بضمير مستريح وبغطاء قانوني وأخلاقي زائف.
مع تصاعد وتيرة الاحتجاجات المناهضة للحرب على فيتنام واشتداد اغتيالات القادة الحقوقيين في ستينيات القرن العشرين، وجد سيدانيوس نفسه في مواجهة مناخ سياسي وأكاديمي خانق في بلاده. دفعه هذا التوتر الوجودي والسياسي إلى اتخاذ قرار مصيري بالهجرة إلى أوروبا، وتحديداً إلى السويد، حيث التحق بـ جامعة ستوكهولم لاستكمال دراساته العليا. مثلت هذه الهجرة منعطفاً إبستيمولوجياً حاسماً في مسيرته؛ إذ وفّرت له السويد بيئة ديمقراطية اشتراكية متقدمة ونموذجاً فريداً لدولة الرفاه الاجتماعي التي ترفع راية المساواة، مما منحه مسافة نقدية استثنائية لمراقبة البنية الطبقية والعرقية الأمريكية من الخارج، وفي الوقت ذاته، رصد الأشكال المستترة والناعمة للتراتبية الاجتماعية في المجتمعات الأوروبية التي كانت تدعي البراءة من التمييز.
في جامعة ستوكهولم، نال سيدانيوس درجة الدكتوراه في علم النفس السياسي تحت إشراف نخبة من كبار العلماء والمنهجيين السويديين. تشبع خلال تلك الفترة بالأدبيات السوسيولوجية النقدية والتقاليد المنهجية الصارمة للمدرسة الإسكندنافية. كان أطروحته تمزج ببراعة بين التحليل السياسي الراديكالي والأدوات الإحصائية المعقدة لتحليل سلوك النخب والجماهير. لقد أكسبته إقامته الطويلة في السويد وإتقانه للغة السويدية رؤية مقارنة نادرة مكنته لاحقاً من تجريد مفاهيم الهيمنة من الخصوصية الأمريكية المحضة، ليصوغها كظاهرة كونية تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، مما مهّد لعودته اللاحقة إلى الولايات المتحدة كعالم ناضج يحمل مشروعاً فكرياً متكاملاً لا نظير له.
2.2 المسيرة التدريسية والبحثية في الجامعات الكبرى
بعد إتمام دراساته وتدريسه لفترة في السويد، عاد جيم سيدانيوس إلى الولايات المتحدة حاملاً أفقاً نظرياً مختلفاً أربك الدوائر الأكاديمية التقليدية. استهل مسيرته الأكاديمية الأمريكية بالعمل والتدريس في مؤسسات جامعية مرموقة، من بينها جامعة كارنيغي ميلون، وجامعة تكساس في أوستن، ثم استقر لسنوات طوال كأستاذ بارز في قسم علم النفس بـ جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA). في هذه المحطة الكاليفورنية الخصبة، تفجرت طاقته البحثية على نحو مذهل؛ حيث أسس مختبرات بحثية متقدمة لدراسة النزاعات العرقية والعلاقات بين الجماعات، وشهدت أروقة جامعة لوس أنجلوس ولادة وتطوير المفاصل الأساسية لنظرية الهيمنة الاجتماعية بالتعاون مع باحثين واعدين شكلوا نواة المدرسة السيدانيوسية.
بلغ التقدير الأكاديمي لمسيرة سيدانيوس ذروته التاريخية في عام 2006، حين استقطبته جامعة هارفارد العريقة ليتولى كراسي أستاذية مزدوجة نادرة الجمع؛ إذ عُيّن أستاذاً لعلم النفس في قسم علم النفس، وأستاذاً للدراسات الإفريقية والإفريقية الأمريكية في كلية الآداب والعلوم، حاملاً لقب “أستاذية جون ليندلي لعلم النفس والطب النفسي والدراسات الإفريقية الأمريكية”. في هارفارد، رسخ سيدانيوس مكانته كأب روحي لعلم النفس السياسي المعاصر، مستقطباً ألمع العقول الطلابية والباحثين من مختلف أرجاء المعمورة، ومحولاً هارفارد إلى المركز العالمي الأول لدراسة التمييز المنهجي والهيمنة الجماعية.
لم تنحصر بصمة سيدانيوس في تأليف الأبحاث والكتب المرجعية فحسب، بل تجسدت في بناء أجيال متتابعة من العلماء الذين تتلمذوا على يديه، وأصبحوا اليوم ملء السمع والبصر في أعرق الجامعات العالمية. كان أسلوبه الإشرافي يجمع بين الصرامة المنهجية التي لا ترحم الخطأ التجريبي، والدفء الإنساني العميق، وتشجيع الطلاب القادمين من خلفيات مهمشة ومضطهدة على تحويل معاناتهم المعاشة إلى طاقة استكشاف معرفي موضوعي. واصل عمله الدؤوب ومحاضراته وأبحاثه في هارفارد بشغف لا ينطفئ حتى رحيله التراجيدي في عام 2021، تاركاً إرثاً أكاديمياً غير مسبوق في غناه وتأثيره الباقي في ضمير المعرفة الإنسانية.
3. أصول نظرية الهيمنة الاجتماعية وتأسيسها المعرفي
3.1 السياق التاريخي لظهور النظرية بالتعاون مع فيليسيا براتو
في أواخر ثمانينيات ومطلع تسعينيات القرن العشرين، كان حقل علم النفس الاجتماعي يعيش مأزقاً نظرياً خانقاً في معالجة قضية استدامة اللامساواة العرقية والطبقية. تمثل المأزق في عجز النماذج الكلاسيكية السائدة عن تقديم تفسير تركيبي مقنع للظاهرة؛ فمن جهة، كانت “نظرية الشخصية الاستبدادية” (Authoritarian Personality) الموروثة عن مدرسة فرانكفورت وثيودور أدورنو تعاني من نزعة إكلينيكية مفرطة تربط العنصرية بالتنشئة القمعية والاضطراب النفسي الداخلي، مما جعلها عاجزة عن تفسير اتساع رقعة التمييز بين أناس “أسوياء” نفسياً بل ومثقفين. ومن جهة أخرى، كانت نظرية الهوية الاجتماعية (Social Identity Theory) التي أسسها هنري تاجفيل وجون تيرنر تفترض أن مجرد تصنيف البشر في مجموعات يقود تلقائياً إلى تحيز متماثل لصالح “الجماعة الداخلية”، وهو ما فشل في تفسير ظاهرة التبعية المستمرة وعدم تمرد الجماعات المقهورة تاريخياً، بل وخضوعها الطوعي في كثير من الأحيان لمنظومة الهيمنة.
في هذا المفترق التاريخي، بدأ التعاون العلمي التاريخي والملهم بين جيم سيدانيوس والباحثة اللامعة فيليسيا براتو (Felicia Pratto). رأى الباحثان أن الحاجة باتت ماسة لصياغة إطار نظري كلي يتجاوز النظرة الأحادية، ويربط بين المستويات النفسية الميكروية (الدوافع، السمات، المعتقدات) والمستويات السوسيولوجية الماكروية (المؤسسات، القوانين، الأساطير الثقافية). انطلقت رحلتهما المشتركة بنشر سلسلة من الأوراق العلمية المؤسسة في كبريات المجلات المحكمة مثل (Journal of Personality and Social Psychology)، حيث قاما باختبار الفرضيات الأولى للنظرية وصياغة مفاهيمها الإجرائية بدقة بالغة.
توج هذا التعاون الخلاق بصدور كتابهما المرجعي التاريخي في عام 1999 عن دار نشر جامعة كامبريدج تحت عنوان: Social Dominance: An Intergroup Theory of Social Hierarchy and Oppression (الهيمنة الاجتماعية: نظرية بين-جماعية للتراتبية الاجتماعية والاضطهاد). شكل هذا السفر الأكاديمي حدثاً فارقاً وزلزالاً معرفياً في الأوساط العلمية؛ إذ قدم نموذجاً شاملاً ومتكاملاً فكك عبره الباحثان تشابكات السيطرة، مبرهنين على أن الهيمنة ليست حادثاً عرضياً في التاريخ، بل هي بنية عضوية تتضافر في نسجها البيولوجيا الإنسانية، والتنشئة الاجتماعية، والتواطؤ المؤسسي، والإنتاج الأيديولوجي المشترك.
3.2 الافتراضات الوجودية والأسس التطورية للنظرية
تنطلق نظرية الهيمنة الاجتماعية من فرضية أنثروبولوجية وتاريخية حاسمة: مفادها أن جميع المجتمعات البشرية التي تنتج فائضاً اقتصادياً مستداماً (Economic Surplus) تتجه حتماً وبشكل تلقائي نحو تطوير تراتبيات اجتماعية قائمة على الجماعات (Group-based Social Hierarchies). فبينما اتسمت مجتمعات الصيد والجمع البدائية بنوع من المساواتية البسيطة نظراً لغياب الفائض وصعوبة تخزين الموارد، فإن التحول نحو الزراعة والاستقرار وتراكم الثروات قاد تاريخياً إلى نشوء صراع وجودي بين المجموعات حول السيطرة على هذا الفائض، مما ولد بنى هرمية قسرية تحتل فيها جماعة مهيمنة (Dominant Group) قمة الهرم، مستحوذة على الحصة الأكبر من القوة والثروة والهيبة، في حين تُدفع الجماعات التابعة (Subordinate Groups) إلى القاع لتتحمل الأعباء والمخاطر والتهميش.
ولكي يفسر سيدانيوس سبب استمرار هذه النزعة عبر مختلف العصور والثقافات البشرية، استدعى بجرأة غير مألوفة في علم النفس الاجتماعي المنظور التطوري (Evolutionary Perspective). جادل سيدانيوس بأن الضغوط الانتقائية في البيئة التطورية الأولى لأسلافنا البشر صاغت عقولنا بحيث أصبحت مهيأة للانخراط في منافسات شرسة بين المجموعات للبقاء وتمرير الجينات وتأمين الموارد الشحيحة. في تلك البيئات البدائية القاسية، كان النزوع إلى تشكيل تحالفات هرمية، والقتال ضد المجموعات الأخرى لإخضاعها أو نهب مواردها، استراتيجية تكيفية عززت فرص النجاة البيولوجية للجماعات المنتصرة، لاسيما لدى ذكورها الذين قادوا المعارك واستأثروا بالإناث والمكانة.
هذا الأساس التطوري لا يعني أبداً بحسب سيدانيوس حتمية الاضطهاد الجينية أو استحالة التغيير؛ فالنظرية تميز بدقة بين “القابلية البيولوجية التطورية” وبين “الحتمية السلوكية”. لقد أوضح سيدانيوس أن التطور وهب البشر أيضاً قدرات موازية على التعاطف والتعاون والسعي نحو العدالة، إلا أن التراتبية تظل الخيار البنيوي الأسهل الذي تلجأ إليه المجتمعات حين تعجز عن بناء آليات واعية لتوزيع القوة. ومن هنا، فإن ثبات منظومات السيطرة عبر الإمبراطوريات التاريخية، من بابل وروما القديمة إلى الإمبراطوريات الاستعمارية الحديثة والرأسمالية المعولمة، يُفهم بوصفه تجلياً متجدداً لهذه الديناميكية التطورية-المجتمعية التفاعلية التي تتطلب يقظة نقدية دائمة لتقويضها.
4. مفهوم التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية كمتغير فردي محوري
4.1 تعريف المفهوم وبنيته السيكولوجية
يحتل مفهوم التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية (Social Dominance Orientation – SDO) القلب النابض في الصرح النظري لجيم سيدانيوس؛ إذ يمثل هذا المفهوم المتغير السيكولوجي الأساسي على مستوى الفروق الفردية. يُعرّف التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية بأنه: “الدرجة التي يفضل أو يقبل بها الفرد التراتبية اللامتكافئة بين المجموعات الاجتماعية، ورغبته في أن تسود جماعته (أو الجماعات المتفوقة عموماً) على الجماعات الأدنى مكانة، ورفضه للمساواة الشاملة بين البشر”. إن هذا المفهوم لا يقتصر على مجرد التفضيل الأناني للجماعة التي ينتمي إليها الفرد، بل يمتد ليكون فلسفة وجودية عامة ونزعة نفسية تفضل أن يكون العالم مبنياً على قانون الغاب والتراتبية الهرمية الصارمة، بحيث تكون هناك دائماً فئات حاكمة وفئات محكومة.
حرص سيدانيوس على تفكيك التباين الجوهري بين التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية ومفاهيم كلاسيكية أخرى ظلت تختلط به في الأدبيات النفسية؛ وأبرزها التمييز الحاسم بين تفضيل تفوق الجماعة الداخلية (In-group favoritism) وبين الرغبة العامة في سيادة التراتبية. فقد يظهر فرد ينتمي إلى جماعة مهيمنة درجة عالية من هذا التوجه رغبة في حماية مكاسب جماعته، بينما قد يسجل فرد من جماعة مقهورة درجة مرتفعة أيضاً من التوجه نحو الهيمنة، لا لأنه يكره جماعته، بل لأنه استبطن الاعتقاد بأن التراتبية هي النظام الطبيعي والمقدس للأشياء، وأن محاولة فرض المساواة هي ضرب من العبث الفوضوي أو التهديد للاستقرار العام.
وعلى صعيد التحليل النفسي لشخصية الأفراد ذوي التوجه المرتفع نحو الهيمنة، أثبتت الدراسات التجريبية الموسعة التي قادها سيدانيوس وزملاؤه وجود ارتباطات سلبية وثيقة بين هذا التوجه وأبعاد الشخصية الإنسانية الكبرى (Big Five Personality Traits). فالأفراد الذين يسجلون درجات عالية في الهيمنة الاجتماعية يتسمون بانخفاض حاد في سمة “التوافق” (Agreeableness)، وانعدام ملحوظ في مشاعر التعاطف والشفقة الإنسانية تجاه معاناة الآخرين، وميل طاغٍ نحو المكيافيلية والبراغماتية النفعية القاسية؛ فهم يرون العالم كحلبة صراع صفري (Zero-sum game) لا مكان فيها للرحمة أو التعايش العادل، حيث البقاء فقط للأقوى والأكثر قدرة على افتراس الضعفاء وتطويعهم.
4.2 مقياس التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية ومراحله التطويرية
لم يترك سيدانيوس مفهوم التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية سابحاً في فضاء التجريد النظري، بل سارع مع فيليسيا براتو إلى بناء وتطوير أداة قياس سيكومترية بالغة الدقة عُرفت باسم مقياس التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية (SDO Scale). خضع هذا المقياس منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي لعمليات تطوير متتابعة، متدرجاً من نسخته الأولى المكونة من بنود عامة، مروراً بالنسخة الشهيرة السادسة (SDO-6) التي تضمنت 16 بنداً متوازناً يقيس المواقف المؤيدة للتراتبية والمناهضة للمساواة، وصولاً إلى النسخة المحدثة المتطورة المعروفة بـ (SDO-7) التي أحدثت نقلة فارقة في التحليل السيكومتري الدقيق للبنية العاملية للمفهوم.
في النسخة الحديثة (SDO-7)، فكك سيدانيوس وزملاؤه التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية إلى بعدين فرعيين متمايزين وظيفياً ومتكاملين ديناميكياً:
- بُعد الهيمنة الصريحة القائمة على السيطرة (SDO-Dominance): ويعبر عن التفضيل الفج والمباشر لاضطهاد الجماعات التابعة، وإخضاعها بالقوة المادية والعنف، واستخدام الترهيب لضمان خضوعها التام لسلطة الجماعة المهيمنة.
- بُعد مناهضة المساواة وتثبيت اللامساواة (SDO-Anti-egalitarianism): ويمثل نزعة أكثر تحفظاً وخبثاً، تتجلى في الرفض القاطع للمشاريع والسياسات التي تسعى إلى تحقيق العدالة التوزيعية، وإلغاء برامج الدعم الاجتماعي، والاعتراض المبدئي على تقليص الفجوات الطبقية أو العرقية بحجة الحفاظ على التوازن التقليدي للمجتمع.
أثبت هذا المقياس قدرة تنبؤية خارقة حظيت بإجماع علماء القياس النفسي حول العالم؛ فقد استُخدم بنجاح مبهر في التنبؤ بالسلوك التصويتي للأفراد، وتأييد السياسات العقابية القاسية مثل عقوبة الإعدام وعسكرة الشرطة، وتبرير الحروب الاستباقية والتدخلات العسكرية الإمبريالية، والعداء المستتر والعلني للمهاجرين والأقليات، والمواقف المناهضة لحقوق المرأة والأقليات الجنسية. وبفضل التحقق التجريبي من صدقه وثباته عبر عشرات الثقافات (من اليابان وتايوان إلى تركيا وإسرائيل وتشيلي ودول أوروبا الغربية)، أصبح مقياس سيدانيوس المعيار الذهبي المعتمد عالمياً في قياس التحيز البين-جماعي والأيديولوجيات السياسية المحافظة والرجعية.
5. الثالوث الهرمي: أنظمة التراتبية القائمة على الجماعات
5.1 نظام تراتبية العمر وتمايز الأجيال
يفترض سيدانيوس في نظريته أن المجتمعات البشرية المعقدة تنظم تراتبيتها الاجتماعية وفق ثلاثة أنظمة فرعية متمايزة تشكل مجتمعة ما أسماه “الثالوث الهرمي” (Hierarchical Trifold). النظام الأول في هذا الثالوث هو نظام العمر (Age System)، والذي بموجبه يمتلك البالغون والكهول والمسنون قوة اجتماعية، وسياسية، ومادية، وسلطة اتخاذ قرار تفوق بكثير ما يمتلكه الأطفال والمراهقون والشباب صغار السن. يتجلى هذا النظام في كافة الثقافات البشرية المسجلة تاريخياً، حيث تُناط قيادة الأسرة والقبيلة ومؤسسات الدولة بالراشدين، في حين يخضع الصغار للوصاية الإلزامية والتبعية القانونية والمعيشية التامة.
ما يميز نظام تراتبية العمر عن غيره من الأنظمة الهرمية هو سمته الانتقالية والمرنة بطبيعتها؛ فالطفل المحروم من القوة اليوم لا يظل محروماً منها إلى الأبد، بل ينتقل حتماً بحكم سيرورة الزمن والنمو البيولوجي إلى فئة البالغين ليصبح ممارساً لنفس السلطة التي كانت تُمارس عليه. هذه الطبيعة التطورية الانتقالية تجعل نظام العمر أقل إثارة للنزاعات العنيفة الوجودية وأكثر استقراراً وقبولاً من الناحية النفسية والاجتماعية؛ فالخضوع هنا مؤقت ومقرون بالرعاية، والامتيازات مؤجلة ومضمونة التحقق مع التقدم في السن.
من المنظور التطوري الذي تبناه سيدانيوس، يؤدي نظام العمر وظيفة حيوية لبقاء النوع البشري واستقراره المعرفي؛ فالكهول والبالغون يختزنون الخبرات التراكمية، والمعارف البيئية، والمهارات التقنية الضرورية لإدارة شؤون الجماعة وحمايتها من الأخطار الوجودية. وبالتالي، فإن تركيز السلطة في أيديهم كان تاريخياً وسيلة لتقليل الفوضى وضمان نقل التراث الثقافي والتكنولوجي للأجيال اللاحقة بأقل قدر من الصدامات الداخلية، مما جعل تراتبية العمر مكوناً شبه كوني لا يخلو منه مجتمع إنساني على مر العصور.
5.2 نظام تراتبية النوع وسلطة البطريركية
النظام الثاني في ثالوث سيدانيوس هو نظام النوع الاجتماعي (Gender System)، والمعروف في الأدبيات النقدية بالنظام الأبوي أو البطريركي (Patriarchy). يرتكز هذا النظام على التوزيع غير المتكافئ للسلطة السياسية، والاقتصادية، والمادية، والرمزية لصالح الرجال على حساب النساء عبر التاريخ الإنساني. لم يتوانَ سيدانيوس عن تحليل هذه الهيمنة الذكورية بأدوات تفكيكية لا هوادة فيها، مؤكداً أن احتكار الرجال لمواقع القرار، ومصادر الثروة، وأدوات العنف المنظم (كالجيوش وأجهزة الأمن) يمثل ظاهرة كونية عابرة للثقافات، استمرت بأشكال شتى رغم النضالات النسوية الطويلة.
يربط سيدانيوس هذا النظام بالجذور النفسية التطورية، وتحديداً بنظرية الاستثمار الوالدي لروبرت تريفيرز والاختيار الجنسي. ففي البيئات البدائية، ولأن كلفة التكاثر لدى الإناث أعلى بيولوجياً، كان الذكور يتنافسون بضراوة على الهيمنة والموارد لجذب الشريكات، مما صاغ سيكولوجية ذكورية أكثر ميلاً للمخاطرة، والعدوانية، وبناء التحالفات الهرمية القسرية لفرض السيطرة. وتأكيداً لهذه الفرضية التطورية، قدم سيدانيوس ما عُرف بـ “فرضية اللاتماثل الجندري” (Gender Invariance Hypothesis)، والتي تبرهن تجريبياً على أن الرجال في جميع المجتمعات البشرية يسجلون، في المتوسط، مستويات من التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية (SDO) أعلى بكثير من النساء، بصرف النظر عن مستواهم التعليمي، أو انتمائهم الطبقي، أو أيديولوجيتهم السياسية، أو بيئتهم الثقافية.
وقد أثبتت الدراسات المقارنة التي أجراها سيدانيوس أن هذه الفجوة الجندرية في تأييد الهيمنة والعدوانية البين-جماعية تظل ثابتة ومستقرة، مما يوضح أن النظام الأبوي ليس مجرد نتاج عارض للتنشئة الثقافية، بل هو بنية تتغذى على تضافر الميول البيولوجية الذكورية مع المؤسسات المجتمعية التي صممها الرجال لإدامة تفوقهم وحماية امتيازاتهم الرمزية والمادية عبر العصور.
5.3 نظام التمايز التعسفي والقمع الجماعي
أما النظام الثالث والأخطر في منظومة سيدانيوس فهو نظام التمايز التعسفي (Arbitrary-Set System). هذا النظام لا يستند إلى محددات بيولوجية واضحة كالعمر أو الجنس، بل يبنى بالكامل على هويات جماعية تصنيفية مبتكرة اجتماعياً وتاريخياً، مثل: العرق، واللون، والإثنية، والديانة، والطائفة، والجنسية، والطبقة الاقتصادية. يصف سيدانيوس هذه المجموعات بـ “التعسفية” لأن الخطوط الفاصلة بينها ليست ثابتة في الطبيعة البيولوجية، بل هي تصنيفات مرنة وذاتية تتشكل وتتبدل بحسب السياقات السياسية، والنزاعات الاستعمارية، وحركة رأس المال، ومصالح النخب الحاكمة في لحظة تاريخية بعينها.
تكمن المفارقة المأساوية لنظام التمايز التعسفي في أنه، رغم طابعه الاصطناعي والمصطنع، يُعد النظام الأكثر دموية وإقصائية ووحشية في تاريخ البشرية؛ فبينما تحكم تراتبيات العمر والنوع روابط بيولوجية وقرابات عائلية تخفف نسبياً من حدة العنف المطلق (حيث لا يسعى الآباء لإبادة أبنائهم، ولا الرجال لإبادة نسائهم لوجود التكافل الإنجابي والأسري)، فإن نظام التمايز التعسفي يتحرر من هذه القيود البيولوجية. ومن ثم، فإن الصراعات التي تنشب في إطاره تتخذ طابعاً صفرياً إبادياً، متجسدة في المجازر العرقية، والحروب الأهلية الطائفية، والإبادات الجماعية، والتهجير القسري، واستعباد الشعوب الأخرى، كما حدث في الهولوكوست، والاستعمار الاستيطاني، ورواندا، والبوسنة.
بيّن سيدانيوس أن نظام التمايز التعسفي لا ينشأ إلا في المجتمعات التي تمتلك فوائض اقتصادية تسمح بتمايز العمل واستعباد الآخرين. وفي هذا النظام، يُنزع الطابع الإنساني عن الجماعات التابعة، ويتم استهدافها بعنف مؤسسي منظم يهدف إلى تجريدها من مواردها وضمان بقائها في قاع السلم المجتمعي؛ مما يجعل دراسة هذا النظام المحور الأساسي الذي تركز عليه نظرية الهيمنة الاجتماعية لكشف ألاعيب القوى المهيمنة وفضح استراتيجياتها التدميرية.
6. الأساطير المشرعنة: الصراع الأيديولوجي بين تعزيز الهيمنة وتخفيفها
6.1 مفهوم الأساطير المشرعنة ودورها الوظيفي
لكي تستمر أنظمة التراتبية القمعية دون الحاجة إلى استخدام العنف المادي والأسلحة النارية على مدار الساعة، تحتاج السلطة المهيمنة إلى سلاح أكثر دهاءً ونفاذاً: سلاح الأيديولوجيا والإقناع الرمزي. هنا صاغ جيم سيدانيوس مفهوم الأساطير المشرعنة (Legitimizing Myths). تُعرّف هذه الأساطير بأنها: “مجموعات من القيم، والمعتقدات، والمواقف، والنظريات، والافتراضات الثقافية المشتركة التي توفر تبريراً أخلاقياً وفكرياً لتوزيع القوة والموارد والامتيازات بين المجموعات الاجتماعية داخل المجتمع”. وكلمة “أسطورة” هنا في المعجم السيكولوجي لسيدانيوس لا تعني بالضرورة أن المعتقد كاذب وخيالي بالمعنى الحرفي، بل تشير إلى وظيفته التبريرية وقدرته على إنتاج إجماع جمعي يضفي صبغة “الطبيعية” أو “العدالة” على وضع جائر ومصطنع أصلاً.
تؤدي الأساطير المشرعنة وظيفتين نفسيتين محوريتين تضمنان بقاء واستقرار التراتبية الاجتماعية:
- الوظيفة التبريرية للمهيمنين: تحمي الأساطير أفراد الجماعة المهيمنة من الشعور بالذنب الأخلاقي أو تنافر الموقف الإنساني؛ فحين يرى المهيمن أن تفوقه الاقتصادي والسياسي مستحق بحكم جدارته، أو ذكائه المتفوق، أو إرادة الآلهة، فإنه يمارس التمييز بضمير مرتاح وبشعور بالواجب المدني أو التفوق الحضاري.
- الوظيفة التسكينية للمقهورين: تعمل الأساطير على تقليل احتمالات التمرد والمقاومة لدى الفئات التابعة والمستضعفة؛ إذ تدفعهم إلى استبطان وضعهم الدوني باعتباره قدراً محتوماً، أو نتيجة لفشلهم الشخصي وكسلهم، أو عقاباً إلهياً مشروعاً، مما يشل قدرتهم على الغضب الثوري والاحتجاج الجمعي المنظم.
وبذلك، تصبح الأساطير المشرعنة هي الإسمنت النفسي والأخلاقي الذي يربط مفاصل البنية التراتبية؛ حيث تحول علاقات القوة الغاشمة والاستغلال الاقتصادي الصريح إلى علاقات تبدو قائمة على الجدارة والأخلاق والضرورة الاجتماعية، مما يضمن تدفق الامتيازات من الأسفل إلى الأعلى بسلاسة وتواطؤ شبه عام.
6.2 الأساطير المعززة للهيمنة المجتمعية
قسّم سيدانيوس الأساطير المشرعنة إلى قطبين متصارعين؛ القطب الأول هو الأساطير المعززة للهيمنة (Hierarchy-Enhancing Legitimizing Myths – HE myths). هذه المنظومات الأيديولوجية تعمل بلا هوادة على تعميق الفجوات التراتبية، وتبرير التمييز، وترسيخ امتيازات الفئات العليا. تتخذ هذه الأساطير أشكالاً متعددة عبر التاريخ تتبدل بتغير الخطاب السائد؛ ففي القرون السابقة، سادت النظريات البيولوجية العنصرية الفجة التي قسمت البشر إلى أعراق نقية ذكية وأعراق همجية منحطة، ونظرية الداروينية الاجتماعية التي رأت في فناء الفقراء والمستعمرين تطبيقاً حتمياً لقانون “البقاء للأصلح”.
وفي المجتمعات المعاصرة التي تخلت ظاهرياً عن العنصرية البيولوجية، طورت القوى المهيمنة أساطير أكثر نعومة وخبثاً، وعلى رأسها أسطورة الجدارة الفردية المطلقة (The Meritocracy Myth) وعقيدة “أخلاقيات العمل البروتستانتية”. تروج هذه الأسطورة لفكرة أن كل إنسان في المجتمع يحصل تماماً على ما يستحقه بفضل جهده الفردي وذكائه؛ وبالتالي، فإن ثراء الأغنياء هو دليل قاطع على كفاءتهم ومثابرتهم، وفقر الفقراء وتهميش الأقليات هو برهان لا يقبل الشك على كسلهم، وافتقارهم للموهبة، وعيوبهم الثقافية. تلعب هذه الأسطورة دوراً مدمراً لأنها تلوم الضحية (Blaming the victim) وتطمس تماماً الحواجز الهيكلية والتمييز المؤسسي المتراكم تاريخياً.
تندرج تحت هذا القطب أيضاً الأيديولوجيات القومية الشوفينية، ومفاهيم “القدر المتجلي” (Manifest Destiny)، والنزعات الأصولية الدينية التي تعتقد أن جماعة معينة هي “شعب الله المختار” أو الفئة الناجية الوحيدة التي يحق لها إخضاع سائر الخلق وإقصاؤهم؛ فضلاً عن التمييز الجنسي الداعي إلى خضوع النساء للرجال بدعوى “الطبيعة الفطرية المتباينة”. وكلما ارتفع مستوى التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية (SDO) لدى الفرد، كلما كان أكثر اعتناقاً وتأييداً لهذه الأساطير المعززة واستعداداً للتضحية بحقوق الآخرين في سبيل تثبيتها.
6.3 الأساطير المخففة للهيمنة والنزوع نحو المساواة
في المقابل، صاغ سيدانيوس القطب الثاني المتمثل في الأساطير المخففة للهيمنة (Hierarchy-Attenuating Legitimizing Myths – HA myths). هذه الأساطير تشتمل على الأيديولوجيات، والفلسفات، والمنظومات القيمية التي تدعو صراحة إلى تفكيك التراتبية، وتقليص الفجوات بين الجماعات، وتكريس العدالة الاجتماعية، والمساواة الإنسانية الكونية. تمثل هذه الأساطير رافعة المقاومة الفكرية والنفسية ضد بطش المنظومات المهيمنة، وتستمد قوتها من قدرتها على فضح زيف الأساطير المعززة للهيمنة وتجريدها من مشروعيتها الأخلاقية المزعومة.
تشمل هذه المنظومات الأيديولوجية فلسفات حقوق الإنسان العالمية، والمذاهب الاشتراكية والماركسية التي تدعو إلى الملكية المشتركة وإلغاء الاستغلال الطبقي، وحركات التحرر الوطني المناهضة للاستعمار، والحركات النسوية التقاطعية الرامية لتقويض النظام الأبوي، وحركات الحقوق المدنية ومناهضة التمييز العنصري. كما تندرج تحتها الحركات اللاهوتية التقدمية مثل “لاهوت التحرير” في أمريكا اللاتينية والتقاليد الروحية التي تؤكد على الأخوة الإنسانية والمساواة المطلقة للبشر أمام الخالق بصرف النظر عن ألوانهم أو طبقاتهم.
أكد سيدانيوس أن المجتمعات ليست كتلاً مصمتة مستسلمة للهيمنة بالكامل، بل هي ساحات صراع أيديولوجي دائم لا ينقطع بين الأساطير المعززة للهيمنة والأساطير المخففة لها. إن القوانين، والسياسات العامة، والأنظمة الضريبية، وتشريعات الرعاية الاجتماعية في أي بلد هي الحصيلة الصافية لميزان القوى بين هاتين المجموعتين من الأساطير في لحظة تاريخية بعينها؛ فحين تنتصر الأساطير المخففة، يشهد المجتمع إصلاحات جذرية تعزز العدالة وتكبح التغول الطبقي، وحين تنتكس لصالح الأساطير المعززة، تتسع هوة التفاوت وتعود القسوة التمييزية لتطل برأسها من جديد.
7. اللاتماثل السلوكي وديناميكيات خضوع الفئات المستضعفة
7.1 مفهوم اللاتماثل السلوكي وأبعاده النفسية
من أعمق المفاهيم وأكثرها إثارة للجدل في مشروع جيم سيدانيوس هو مفهوم اللاتماثل السلوكي (Behavioral Asymmetry). جاء هذا المفهوم ليقدم إجابة علمية صادمة عن اللغز المعقد: كيف تشارك الجماعات التابعة والمضطهدة، في كثير من الأحيان ودون وعي منها، في إعادة إنتاج اضطهادها وإدامة دونيتها داخل النظام التراتبي؟ وفقاً لنظرية الهوية الاجتماعية الكلاسيكية، كان المتوقع أن تظهر الجماعات التابعة نفس مستوى “التحيز للجماعة الداخلية” (In-group favoritism) الذي تظهره الجماعات المهيمنة كوسيلة لتعزيز احترام الذات الجماعي. غير أن سيدانيوس أثبت تجريبياً أن هذا التماثل المفترض لا وجود له في الواقع القمعي المعاش.
يتجلى اللاتماثل السلوكي في أربعة أبعاد نفسية وسلوكية رئيسية رصدها سيدانيوس بدقة متناهية:
- اللاتماثل في التحيز للجماعة الداخلية: بينما تظهر الجماعات المهيمنة (مثل البيض في الولايات المتحدة أو النخب الطبقية) تحيزاً صارخاً وقوياً لصالح جماعتها ضد الآخرين، يضعف هذا التحيز بشكل حاد لدى الجماعات التابعة (مثل الأقليات العرقية أو الطبقات المسحوقة)، بل وقد ينقلب في أحيان كثيرة إلى تفضيل للجماعة المهيمنة على حساب جماعتهم الداخلية (Out-group favoritism).
- اللاتماثل في احترام الذات الجمعي: يرتبط احترام الذات لدى أفراد الجماعة المهيمنة بمدى تماهيهم مع جماعتهم المتفوقة، في حين ينفصل هذا الرابط أو يصبح سلبياً لدى أفراد الفئات التابعة؛ إذ قد يشعر الفرد بالخجل من هويته الجمعية المستضعفة.
- التواطؤ الإيديولوجي المستبطن: تبني الفئات المقهورة للأساطير المعززة للهيمنة وإيمانهم الراسخ بـ “عدالة العالم” ونظام الجدارة الذي يدينهم شخصياً.
- التخريب الذاتي السلوكي: انخراط أفراد الفئات المستضعفة في أنماط سلوكية تدمر تماسكهم الداخلي وتعزز الصور النمطية السلبية التي تلصقها بهم الجماعة المهيمنة.
هذا اللاتماثل السلوكي يمثل الانتصار الأكبر للمنظومة التراتبية؛ حيث يوضح كيف يتحول القمع من قوة إكراه خارجية تمارسها الشرطة والجيش إلى قيد داخلي يستقر في البنية النفسية للمضطهدين، مما يجعلهم وكلاء غير واعين في صيانة السجن الاجتماعي الذي يقيدهم.
7.2 تجليات التخريب الذاتي والوهن النفسي
تتبع سيدانيوس وفريقه البحثي التجليات الميدانية والاجتماعية المؤلمة لظاهرة اللاتماثل السلوكي عبر دراسات إمبيريقية صادمة؛ ومن أبرز هذه التجليات ظاهرة التخريب الذاتي الجماعي (Self-Debilitation). وتتمثل في أن الضغوط الهيكلية المزمنة، وانعدام الفرص، واستبطان مشاعر الدونية تدفع بعض أفراد الفئات التابعة إلى ممارسات سلوكية عالية الخطورة تعمل على هدم مستقبلهم ومستقبل مجتمعاتهم؛ مثل ارتفاع معدلات الجريمة داخل المجتمع المحلي للجماعة المستضعفة (Intragroup Violence)، حيث يوجه المقهورون عنفهم وإحباطهم ضد إخوانهم في المعاناة بدلاً من توجيهه نحو النظام المهيمن الذي يسحقهم جميعاً.
يتجلى هذا الوهن النفسي أيضاً في الانخراط الكثيف في تعاطي المخدرات، والتسرب المبكر من التعليم، والسلوكيات المناهضة للتحصيل الأكاديمي بدعوى أن التفوق الدراسي يمثل “تشبهاً بالجماعة المهيمنة المستعمرة” (Acting White). إن استبطان النمط الدوني يولد ما وصفه علماء النفس بـ “التهديد النمطي المستبطن”، حيث يفشل الأفراد في الاختبارات والفرص الحياتية ليس لنقص في قدراتهم العقلية، بل تحت وطأة الخوف المشل من تأكيد الصورة النمطية السلبية الشائعة عن عرقهم أو طبقتهم.
ويقود هذا اللاتماثل السلوكي في التحليل النهائي إلى الإجهاض المنهجي لأي محاولة للتعبئة السياسية الجمعية (Collective Political Mobilization)؛ فالجماعات المهيمنة تتمتع بتماسك نخبوي عالٍ، ومؤسسات دعم متبادل، وإيمان مطلق بحقها في القيادة، في حين تعاني الجماعات التابعة من التشرذم، وانعدام الثقة البينية، والشك المتبادل بين أفرادها. هذا التفاوت السلوكي والنفسي الحاد يحمي التراتبية من خطر الثورات والانتفاضات الجذرية، ويضمن استمرار الهيمنة بتكلفة سياسية وأمنية بالغة الضآلة للقوى المسيطرة.
8. فرضية استهداف الذكور التابعين والتقاطع بين العرق والجنس
8.1 صياغة فرضية استهداف الذكور التابعين
واحدة من أكثر الأطروحات أصالة وجرأة التي قدمها جيم سيدانيوس في مسيرته هي فرضية استهداف الذكور التابعين (Subordinate Male Target Hypothesis – SMTH). تنص هذه الفرضية، المستندة بقوة إلى علم النفس التطوري ونظرية الصراع البين-جماعي، على أن التمييز السلبي، والعنف الجسدي، والقمع القاتل الموجه ضد الجماعات التابعة في نظام التمايز التعسفي لا يتوزع بالتساوي بين الجنسين، بل يتم استهداف رجال وذكور الجماعات التابعة بشكل أشرس وأعنف بكثير مقارنة بنساء تلك الجماعات.
يفسر سيدانيوس هذه الظاهرة بالعودة إلى التاريخ التطوري للصراع البشري؛ فالصراعات القاتلة بين المجموعات البدائية كانت تُخاض أساساً بواسطة الذكور ولأهداف ذكورية تتمحور حول تحييد المنافسين الذكور والاستيلاء على الموارد والنساء. فالذكور في الجماعات التابعة يمثلون تاريخياً وتطورياً “التهديد الوجودي العسكري الأكبر” للجماعة المهيمنة؛ فهم القادرون على حمل السلاح، وقيادة التمرد، ومنافسة ذكور الجماعة المهيمنة على السلطة والتكاثر. وعليه، فإن الآليات النفسية والتحيزات الإدراكية لدى أفراد الجماعة المهيمنة مبرمجة تطورياً ومجتمعياً للنظر إلى “الرجل التابع” ككائن خطر، وعدواني، ومفترس تجب تصفيته أو شل حركته وسجنه وإذلاله بشكل استباقي.
قدم سيدانيوس سيلاً جارفاً من الأدلة التجريبية والإحصائية المعاصرة لإثبات هذه الفرضية، لاسيما في سياق المجتمع الأمريكي؛ حيث أظهرت أبحاثه أن:
- الرجال السود واللاتينيين يتعرضون لجرائم القتل برصاص الشرطة وعنف أجهزة إنفاذ القانون بمعدلات فلكية مقارنة بنساء نفس المجموعات ومقارنة بالرجال البيض.
- الأحكام القضائية الجنائية تكون أقسى بكثير وتصل إلى الإعدام والسجن المؤبد حين يكون المتهم ذكراً تابعاً والضحية منتمياً للجماعة المهيمنة.
- ممارسات الحبس الاحتياطي الجماعي (Mass Incarceration) في الغرب صُممت هيكلياً لعزل وتجريد ذكور الفئات المستضعفة من أهليتهم المدنية والسياسية.
هذه الفرضية الثورية أعادت قراءة ظواهر التمييز العنصري بوصفها صراعاً ذكورياً-ذكورياً مقنعاً، تتضافر فيه محددات العرق والنوع لإبادة أو ترويض الفئة الأكثر قدرة على المقاومة المادية داخل الجماعة المقهورة.
8.2 التقاطعية المعقدة بين العرق والجندر
أثارت فرضية استهداف الذكور التابعين نقاشات حامية ومعمقة بين جيم سيدانيوس ورواد النظرية التقاطعية (Intersectionality Theory) الكلاسيكية التي أسستها الباحثة القانونية الشهيرة كيمبرلي كرينشو. كانت المقاربة التقاطعية النسوية السائدة تفترض نموذج “الاضطهاد المزدوج” (Double Jeopardy)، والذي بموجبه تكون المرأة المنتمية لأقلية عرقية (كالمرأة السوداء) هي الفئة الأكثر اضطهاداً على الإطلاق في المجتمع لأنها تعاني من تقاطع التمييز العنصري مع التمييز الجنسي معاً، في حين يُفترض أن الرجل الأسود يتمتع بامتياز ذكوري يخفف من وطأة عنصريته.
دخل سيدانيوس في حوار نقدي رصين مع هذه المقاربة، مؤكداً أنه لا ينكر مطلقاً المعاناة الفادحة والتمييز المركب الذي ترزح تحته النساء التابعات، إلا أنه جادل بأن “طبيعة ونوعية” الاضطهاد تختلف جذرياً بين الجنسين داخل الجماعة التابعة نفسها. فالمرأة التابعة تواجه تمييزاً يتسم بالتهميش الاقتصادي، والاستغلال الجنسي، والحرمان من الأجور العادلة، والازدراء الرمزي؛ وهي آليات إخضاع بطريركية تهدف إلى السيطرة عليها واستغلالها. أما الرجل التابع، فيواجه اضطهاداً يستهدف “وجوده وحياته وحريته الجسدية”؛ إذ ينظر إليه النظام المهيمن كعدو حرب تجب إبادته أو استئصاله أو إلقاؤه وراء القضبان.
أيد سيدانيوس وجهة نظره بدراسات تجريبية بالغة الدقة في مجالات التوظيف وسوق العمل؛ حيث أثبتت تجاربه المعملية والميدانية أن التمييز السلبي ضد السير الذاتية في طلبات التوظيف يستهدف الرجال السود بمستويات تفوق بكثير التمييز الموجه ضد النساء السوداوات عند التساوي في المؤهلات. وأظهرت الدراسات أن أصحاب العمل يرون المرأة التابعة أكثر قابلية للانقياد والسيطرة، في حين يُستبعد الرجل التابع بدافع الخوف غير الواعي من تمرده وعدوانيته المفترضة. ومن هنا، ساهم سيدانيوس في تعميق النظرية التقاطعية ونقلها من النماذج الجمعية الرياضية البسيطة (عرق + جنس = اضطهاد مضاعف) إلى نموذج تفاعلي مركب يفهم التهديد الوجودي الموجه لكل جنس وفق السياق النفسي والتطوري والمؤسسي الحاكم.
9. التمييز المؤسسي والمفارقة الديمقراطية
9.1 دور المؤسسات في تعزيز التراتبية أو التخفيف منها
لم يقف جيم سيدانيوس عند حدود التحليل الفردي أو الجماعي، بل صعد بنظريته إلى المستوى البنيوي عبر تفكيك التمييز المؤسسي (Institutional Discrimination). أكد سيدانيوس أن التراتبية الاجتماعية لا يمكن أن تستمر عبر الزمن بالاعتماد فقط على مواقف الأفراد المتحيزين، بل لابد من تجسيد هذه المواقف في قواعد، وإجراءات، وسياسات مؤسسية تعمل بشكل آلي ومستمر. وفي هذا الإطار، ابتكر سيدانيوس تصنيفاً وظيفياً ثنائياً للمؤسسات المجتمعية:
| نوع المؤسسة | الوظيفة المجتمعية | أمثلة ونماذج واقعية | مستوى توجه العاملين نحو الهيمنة (SDO) |
|---|---|---|---|
| مؤسسات معززة للهيمنة (Hierarchy-Enhancing – HE) |
تكرس التراتبية، وتحمي امتيازات الجماعات المهيمنة، وتفرض النظام القسري على الفئات التابعة عبر الإكراه والضبط. | أجهزة الشرطة، الجيوش النظامية، إدارة السجون، المحاكم الجنائية، البنوك الاستثمارية الكبرى، الشركات المتعددة الجنسيات. | مرتفع جداً: يميل العاملون فيها إلى الإيمان بالقوة، واحتقار الضعف، ومعاداة المساواة، وتفضيل العقوبات الصارمة. |
| مؤسسات مخففة للهيمنة (Hierarchy-Attenuating – HA) |
تعمل على تقليص الفجوات الاجتماعية، ومساعدة الفئات المستضعفة، وتوفير الحماية القانونية والرعاية للمهمشين. | منظمات حقوق الإنسان، مكاتب الدفاع الجنائي العام، دور الرعاية الاجتماعية، الجمعيات الخيرية والإغاثية، نقابات العمال. | منخفض جداً: يتسم العاملون فيها بارتفاع التعاطف، والإيمان العميق بالعدالة التوزيعية، والسعي للمساواة. |
كشف سيدانيوس عن آليتين سيكولوجيتين ومؤسسيتين تضمنان بقاء هذه المنظومة وتناغمها؛ الآلية الأولى هي الفرز الذاتي والمؤسسي (Institutional Selection): حيث ينجذب الأفراد ذوو التوجه المرتفع نحو الهيمنة الاجتماعية تلقائياً للتقدم للوظائف في المؤسسات المعززة (كالشرطة)، وتقوم تلك المؤسسات بدورها باختيارهم وتفضيلهم لأنهم يتناسبون مع عقيدتها الضبطية. وفي المقابل، ينجذب الأفراد ذوو التوجه المنخفض للهيمنة إلى مؤسسات الرعاية والدفاع الحقوقي. أما الآلية الثانية فهي التطبيع المؤسسي (Institutional Socialization): حيث تقوم المؤسسة بإعادة تشكيل عقول منتسبيها الجدد، فتعزز قسوة رجال الشرطة وترسخ عقيدة حماية النظام، بينما تعزز المنظمات الحقوقية قيم التضامن الإنساني، مما يجعل التمييز المؤسسي عملاً هيكلياً مستقلاً عن إرادات الأفراد المنفردين.
9.2 المفارقة الديمقراطية واستدامة اللامساواة
قاد هذا التحليل البنيوي جيم سيدانيوس إلى صياغة واحدة من أجرأ أطروحاته السياسية: المفارقة الديمقراطية (The Democratic Paradox). تتمثل هذه المفارقة في التناقض الصارخ الذي تعيشه المجتمعات الليبرالية الغربية الحديثة؛ فهذه المجتمعات تعلن في دساتيرها ومواثيقها التزاماً مقدساً بالمساواة، وتجرم التمييز العنصري والطبقي في نصوصها القانونية، وتتبنى خطاباً إعلامياً يتبرأ من الفاشية والتعصب. ومع ذلك، وعلى أرض الواقع، تكشف كافة المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والصحية استمرار فجوات تراتبية مروعة بين الجماعات العرقية والطبقية تكاد تماثل ما كان سائداً في العهود الاستعمارية السابقة.
فسر سيدانيوس هذه المفارقة بالبرهنة على أن الديمقراطيات الغربية طورت قدرة فائقة على استخدام الأطر واللغات الديمقراطية نفسها كوسائل تبريرية مستترة للسياسات الإقصائية والتمييزية؛ فالتمييز في العصر الحديث نادراً ما يمارس تحت لافتات عنصرية فجة، بل يمارس عبر معايير تبدو في ظاهرها محايدة إجرائياً، وتكنوقراطية، وعادلة قانونياً. فعلى سبيل المثال، لا يُسجن الشاب الأسود لأنه أسود، بل لأنه “خالف القانون الجنائي الصارم” الذي فُصّل أصلاً لتجريم وتتبع أنماط معيشة وسلوكيات الطبقات الفقيرة والأقليات وتجاهل جرائم ذوي الياقات البيضاء للنخب الحاكمة.
تفكك نظرية الهيمنة الاجتماعية السياسات الاقتصادية النيوليبرالية من هذا المنظور النقدي؛ حيث يُقدَّم تفكيك دولة الرفاه الاجتماعي، وإلغاء برامج الدعم والرعاية، وخصخصة التعليم والصحة في الغرب، ليس بوصفه اضطهاداً للفقراء والمستضعفين، بل بوصفه تطبيقاً لـ “كفاءة السوق الحرة” و”تشجيع المسؤولية الفردية”. وبذلك، تنجح المجتمعات الديمقراطية في الحفاظ على بنيتها التراتبية العميقة وحماية الامتيازات التاريخية للنخب البيضاء والطبقات البرجوازية المهيمنة، بينما تتستر برداء براق من الشرعية الديمقراطية والعدالة الإجرائية الشكلية التي تعمي العيون عن المأساة الحقيقية للقابعين في القاع.
10. التقاطعات والمقارنات النظرية في علم النفس الاجتماعي
10.1 المقارنة مع نظرية تبرير النظام لجون جوست
في المشهد النظري المعاصر لعلم النفس الاجتماعي والسياسي، تبرز مقارنة حتمية ومثمرة بين مشروع جيم سيدانيوس ومشروع صديقه ومناظره البارز جون جوست (John Jost)، صاحب نظرية تبرير النظام (System Justification Theory – SJT). تلتقي النظريتان في نقطة مركزية بالغة الأهمية: كلاهما يسعى لتفسير الظاهرة المحيرة المتمثلة في دفاع الأفراد، وخاصة أفراد الفئات المستضعفة والمحرومة، عن الأنظمة السياسية والاجتماعية غير العادلة التي تضطهدهم، ورفضهم التمرد عليها بل وتبرير مظالمها.
إلا أن التباين الإبستيمولوجي والدافعي بين النموذجين يظل عميقاً وجوهرياً، ويمكن إجماله في النقاط التالية:
- طبيعة الدافع الأساسي: يرى جون جوست في نظرية تبرير النظام أن الدافع المحرك للأفراد هو دافع “معرفي ووجودي وإيبستيمي” بالأساس؛ فالإنسان يبرر النظام القائم لتخفيف القلق الوجودي، والحد من عدم اليقين، وتلبية الحاجة النفسية للشعور بأن العالم مكان منظم وعادل وآمن ومفهوم، حتى لو كان هذا النظام ظالماً له شخصياً. في المقابل، يرى سيدانيوس في نظرية الهيمنة الاجتماعية أن الدافع المحرك هو دافع “تنافسي، ومادي، وبين-جماعي، وتطوري”؛ فالتراتبية تنشأ وتُحمى مدفوعة برغبة الجماعات في السيطرة على الفائض الاقتصادي واحتكار الموارد والامتيازات الحيوية في صراع صفري بين المجموعات.
- تفسير خضوع المستضعفين: في حين يعتبر جوست خضوع الضحايا نتاجاً للرغبة في المواءمة النفسية وتجنب التنافر المعرفي مع البيئة القائمة، يرى سيدانيوس أن خضوعهم هو نتاج لآليات معقدة من الترويض المؤسسي القسري، والخداع الأيديولوجي عبر الأساطير المشرعنة، وظاهرة اللاتماثل السلوكي الناتجة عن تدمير مقومات التماسك الجمعي لديهم.
- التكامل المعرفي: لا تلغي إحدى النظريتين الأخرى، بل تتكاملان بصورة فريدة؛ فنظرية الهيمنة تشرح كيف تتشكل التراتبيات وتتسلح بالمؤسسات والأساطير وتستهدف الجماعات المنافسة (المستوى البنيوي والتطوري)، بينما تشرح نظرية تبرير النظام العمليات المعرفية الدقيقة التي تجعل العقل الفردي يهدأ ويستسلم لهذا الواقع في أوقات الأزمات والتحولات الكبرى.
10.2 المقارنة مع نظرية الهوية الاجتماعية لهنري تاجفيل وجون تيرنر
المقارنة التاريخية الكبرى الأخرى التي خاضها سيدانيوس كانت مع نظرية الهوية الاجتماعية (Social Identity Theory – SIT) التي أرسى دعائمها العالمان البريطانيان هنري تاجفيل وجون تيرنر في سبعينيات القرن العشرين. انطلقت نظرية تاجفيل من تجارب “النموذج الأدنى للجماعة” (Minimal Group Paradigm)، والتي أثبتت أن مجرد تقسيم الناس إلى مجموعات بناءً على معايير تافهة (كالقرعة أو تفضيل لوحة فنية) يولد تحيزاً فورياً وتلقائياً لصالح الجماعة الداخلية في توزيع المكافآت التافهة، مفسرة ذلك برغبة الفرد في تعزيز مفهومه الإيجابي عن ذاته من خلال تفوق جماعته.
وجه سيدانيوس نقداً منهجياً وتاريخياً جذرياً لهذا الافتراض التاجفيلي البسيط؛ وجادل بأن “تعميم التحيز التلقائي للجماعة الداخلية” هو خطأ ناجم عن البيئة الاصطناعية للمختبر الخالي من توازنات القوى الحقيقية. وأثبت في أبحاثه الميدانية أن هذا التحيز ليس شاملاً ولا متطابقاً بين البشر في الحياة الواقعية؛ فالجماعات المهيمنة وحدها هي التي تمتلك ترف التحيز القوي لذاتها، بينما تفتقر الجماعات التابعة تاريخياً لهذا التحيز في كثير من الأحيان، بل وتبدي تحيزاً عكسياً لصالح قاهريها تحت وطأة الهيمنة المؤسسية واستبطان الأساطير التبريرية (اللاتماثل السلوكي).
علاوة على ذلك، وسع سيدانيوس أفق نظرية الهوية الاجتماعية بنقلها من مجرد البحث عن “هوية نفسية إيجابية” إلى دراسة “الصراع الهرمي الدائم على السلطة والموارد الحقيقية”. ورأى أن التماهي مع الهوية الجماعية ليس متغيراً مستقلاً معزولاً، بل هو دالة تتفاعل بقوة مع مستوى “التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية” (SDO) لدى الفرد وموقعه الطبقي والعرقي في السلم الاجتماعي؛ مما جعل نظرية الهيمنة الاجتماعية نموذجاً أكثر رحابة وقدرة على احتواء تعقيدات الواقع السياسي والحروب والنزاعات الاستعمارية التي عجزت نظرية الهوية الاجتماعية الكلاسيكية عن سبر أغوارها العميقة.
11. الإرث الأكاديمي والمنهجي لـ جيم سيدانيوس في جامعة هارفارد
11.1 التأثير التربوي وتأسيس المدرسة البحثية
شهدت السنوات الخمس عشرة التي قضاها جيم سيدانيوس في جامعة هارفارد (2006–2021) قمة نضجه الفكري وعطائه التربوي؛ حيث حوّل مختبره البحثي ومكتبه في قاعة وليام جيمس (William James Hall) إلى قبلة فكرية وخلية نحل يقصدها خيرة الباحثين في العالم لدراسة العلاقات بين الجماعات، وعلم النفس السياسي، وأبحاث اللامساواة العرقية. نجح سيدانيوس في تأسيس “مدرسة بحثية” حقيقية تميزت بطابعها التعددي، وجرأتها في طرح الأسئلة الصعبة والمحرمة سياسياً، وتماسكها المنهجي الذي لا يقبل المساومة.
تتلمذ على يد سيدانيوس جيل استثنائي من علماء النفس المعاصرين الذين يقودون اليوم أقسام علم النفس في كبريات الجامعات الأمريكية والأوروبية. ومن أبرز هؤلاء الأعلام تلاميذه ونظراؤه مثل: شانا ليفين (Shana Levin)، ونور كتيلي (Nour Kteily)، وإيفا هو (Eva Ho)، ورينيه بيكر (Renee Becker)، وليندا تروت (Linda Tropp)، وغيرهم ممن طوروا مفاهيم بالغة الحساسية كـ “نزع الطابع الإنساني الصريح” (Blatant Dehumanization)، وتأثيرات التهديد الجماعي، وتداعيات التمييز على الصحة النفسية للأقليات. لقد كان سيدانيوس يغرس في طلابه مبدأً صارماً: أن البحث العلمي حول الاضطهاد ليس ترفاً أكاديمياً لجمع النقاط الترقوية، بل هو التزام أخلاقي وإنساني يفرض على الباحث أقصى درجات النزاهة العلمية والتجرد من الهوى الأيديولوجي لتقديم الحقيقة العارية كما هي.
تقديراً لمسيرته الأكاديمية الاستثنائية وتأثيره التربوي والفكري العابر للقارات، حصد سيدانيوس أرفع الجوائز والأوسمة التقديرية التي يمنحها الحقل العلمي؛ ومن بينها:
- جائزة “هارولد لاسويل” (Harold Lasswell Award) للإنجاز العلمي المتميز مدى الحياة من الجمعية الدولية لعلم النفس السياسي (ISPP).
- جائزة “العلماء المتميزين” (Distinguished Scientist Award) من جمعية علم النفس التجريبي الاجتماعي (SESP).
- جائزة الإنجاز الوظيفي الرائد من جمعية الشخصية وعلم النفس الاجتماعي (SPSP).
- انتخابه زميلاً دائماً في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم (American Academy of Arts and Sciences)، وهو أرفع تكريم يُمنح للعلماء والمفكرين في الولايات المتحدة الأمريكية.
11.2 الصرامة المنهجية والابتكار البحثي
لم تكن شهرة جيم سيدانيوس مستمدة فقط من براعته في صياغة النظريات الفلسفية التجريدية، بل كانت وليدة عبقريته المنهجية وابتكاراته التجريبية التي أرست معايير جديدة للبحث العلمي في العلوم السلوكية. كان سيدانيوس مدمناً على الدقة الإحصائية والتحليل الرياضي المتقدم، حيث كان من أوائل من أدخلوا تقنيات النمذجة بالمعادلات البنائية المتعددة المستويات (Multilevel Structural Equation Modeling) لدراسة الظواهر النفسية السياسية، مما مكنه من فك الاشتباك المعقد بين المتغيرات الفردية التراكمية والتأثيرات البيئية والمؤسسية في آن واحد.
تميزت منهجيته بدمج رائد وخلاق بين ثلاثة مسارات بحثية نادراً ما تجتمع لدى باحث واحد:
- التجارب المعملية الصارمة عشوائية الضبط (Lab Experiments): لاختبار الآليات السببية الدقيقة، وردود الفعل الإدراكية اللاواعية، واستجابات الأفراد الفورية للمواقف التمييزية.
- المسوح الميدانية واسعة النطاق (Large-scale Representative Surveys): شملت عشرات الآلاف من المواطنين عبر عينات عشوائية ممثلة للسكان الحقيقيين وليس فقط لطلاب الجامعات المرفهين.
- الدراسات الطولية الممتدة عبر سنوات (Longitudinal Panel Studies): حيث تتبع مع فريقه مجموعات من الطلاب والمواطنين عبر سنوات طوال لرصد كيف تتغير مستويات توجههم نحو الهيمنة الاجتماعية مع دخولهم سوق العمل وانخراطهم في مؤسسات مختلفة كأجهزة العدالة أو منظمات المجتمع المدني.
كما كان سيدانيوس مدافعاً شرساً عن ضرورة اختبار النظريات النفسية خارج حدود المجتمعات الغربية الصناعية المرفهة (التي تُعرف اختصاراً بمجتمعات WEIRD). قاد بنفسه دراسات مقارنة شديدة التعقيد في مناطق الصراعات الساخنة، مثل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، والتوترات القبلية في إفريقيا، والنزاعات الطبقية في أمريكا اللاتينية، ليتحقق من الصلاحية الكونية لنظرية الهيمنة الاجتماعية ومقياسها الإحصائي، محذراً دائماً تلاميذه من الوقوع في فخ الاستنتاجات المبسطة أو التعميمات المتسرعة دون سند تجريبي لا يرقى إليه الشك.
12. آفاق فكر سيدانيوس بعد رحيله (1945-2021) ومستقبل علم النفس السياسي
12.1 تأملات في أثر رحيله عام 2021
في التاسع والعشرين من يونيو عام 2021، أسلم جيم سيدانيوس الروح عن عمر ناهز السادسة والسبعين عاماً، تاركاً فراغاً معرفياً هائلاً وصدمة عميقة في الأوساط الأكاديمية العالمية. جاء رحيله في توقيت عالمي بالغ الحساسية؛ حيث كان العالم بأسره يغلي على وقع التوترات العرقية المتفجرة في الولايات المتحدة في أعقاب مقتل جورج فلويد وصعود حركة “حياة السود مهمة” (Black Lives Matter)، وتصاعد موجات اليمين المتطرف، والنزعات الفاشية الجديدة، والسياسات الاستبدادية الشعبوية في شتى بقاع الأرض. بدت اللحظة التاريخية لوفاته وكأنها برهان عملي مأساوي على صحة كل كلمة سطرها هذا المفكر الفذ في كتبه وأبحاثه عبر العقود.
ضجت المجلات العلمية المحكمة وبيانات النعي الصادرة عن جامعة هارفارد والجمعيات الدولية للإشادة بمناقبه الفكرية ونزاهته الصارمة. وُصف سيدانيوس بأنه “العملاق الذي رأى ما لم يره الآخرون”، العالم الشجاع الذي امتلك الجرأة الفكرية لتمزيق الأقنعة الزائفة عن الحضارة الغربية الحديثة، وتعرية الوجه القبيح للهيمنة المؤسسية دون خوف من عداء الدوائر السياسية المحافظة أو عتاب الليبراليين السطحيين. لقد أعادت الدوائر الأكاديمية قراءة مؤلفاته، ليس بوصفها نصوصاً تاريخية، بل كبوصلة ومرجعية لا غنى عنها لفهم السعار القومي، وجرائم كراهية المهاجرين، والوحشية الشرطية التي باتت تطبع ملامح القرن الحادي والعشرين.
ترك سيدانيوس وراءه رصيداً علمياً خالداً يربو على مئات الأوراق البحثية المنشورة في أرفع المجلات العالمية، وكتباً مرجعية تُدرّس في أرقى الجامعات، وأجيالاً من العلماء الذين واصلوا السير على دربه التحرري الرصين. كان رحيله خسارة لعلم النفس الاجتماعي الراديكالي، إلا أن شعلته المعرفية ظلت متقدة، ملهمة كل باحث وطالب يرفض الاستسلام للأمر الواقع ويسعى لتسخير المعرفة العلمية الدقيقة في سبيل تفكيك أصنام الهيمنة والظلم.
12.2 الراهنية المستمرة لنظرية الهيمنة الاجتماعية في القرن الحادي والعشرين
مع تسارع وتيرة التحولات الجيوسياسية والتكنولوجية في عصرنا الحالي، تتجلى الراهنية المذهلة لنظرية الهيمنة الاجتماعية بصورة أكثر وضوحاً وقوة؛ فنحن نشهد اليوم إعادة إنتاج متوحشة للتراتبيات الاجتماعية عبر أدوات ووسائط غير مسبوقة. ففي مواجهة أزمات اللجوء وتدفقات الهجرة الناتجة عن الحروب والتغير المناخي، وظفت الحركات الشعبوية الصاعدة في أوروبا وأمريكا الأساطير المعززة للهيمنة، محولة المهاجرين واللاجئين إلى “كبش فداء” لامتصاص غضب الجماهير من الأزمات الاقتصادية، ومستهدفة بالأساس الذكور الشباب من المهاجرين كتهديد وجودي للأمن القومي، وهو ما يتطابق حرفياً مع تنبؤات “فرضية استهداف الذكور التابعين” لسيدانيوس.
علاوة على ذلك، يمتد فكر سيدانيوس اليوم ليقتحم أحدث حقول المعرفة التكنولوجية المتمثلة في الذكاء الاصطناعي وخوارزميات التعلم الآلي؛ إذ أثبتت الدراسات المعاصرة التي تستلهم نظرية الهيمنة الاجتماعية أن خوارزميات التعرف على الوجوه، وأنظمة التنبؤ بالجريمة (Predictive Policing)، وبرمجيات فرز طلبات التوظيف والقروض الائتمانية ليست محايدة تقنياً، بل أعادت إنتاج وبرمجة التحيزات البشرية المتجذرة في التراتبية العرقية والطبقية. لقد تحولت الخوارزميات الرقمية إلى “مؤسسات معززة للهيمنة” تمارس التمييز التعسفي بدقة آلية مرعبة وتحت ستار خادع من الحياد الرقمي والموضوعية التكنولوجية الزائفة، مما يثبت أن الأساطير المشرعنة قادرة على ارتداء أحدث الأزياء السيبرانية لضمان استمرار سيطرة المهيمنين.
تظل الخلاصة المعرفية والإنسانية لمشروع جيم سيدانيوس وثيقة بالغة القوة في يد قوى التغيير والعدالة حول العالم؛ إن التراتبية الاجتماعية والاضطهاد ليسا قدراً محتوماً لا فكاك منه، بل هما نتاج تفاعل معقد بين النوازع التطورية المادية والأساطير الأيديولوجية المضللة والمؤسسات القمعية المنظمة. ولا يمكن للبشرية أن تخطو نحو مجتمع أكثر عدالة وإنسانية وحرية إلا إذا امتلكت الشجاعة الفكرية لفهم هذه الترسانة القمعية وتفكيك مفاصلها بدقة ومثابرة علمية لا تلين، وهو الطريق التاريخي الرائد الذي شقه وكرس حياته له العالم العظيم جيم سيدانيوس.
خاتمة
ختاماً لهذه القراءة الموسوعية في سيرة وفكر البروفيسور جيم سيدانيوس (1945–2021)، يتضح بجلاء أننا أمام فيلسوف وعالم استثنائي لم يكتفِ بإعادة كتابة فصول من علم النفس الاجتماعي والسياسي، بل أعاد صياغة فهمنا للطبيعة البشرية وإخفاقاتها الهيكلية في إدارة القوة والعدالة. من خلال مشروعه التأسيسي لنظرية الهيمنة الاجتماعية، قدم سيدانيوس إجابات تجريبية عميقة وشجاعة على أكثر الأسئلة قتامة في التاريخ الإنساني، مبرهناً على أن المجتمعات البشرية تصمم ببراعة أساطيرها ومؤسساتها ونظمها السلوكية لترسيخ التفاوت والامتيازات الطبقية والعرقية والنوعية.
إن العزاء الأكبر في رحيل هذا الطود الأكاديمي الشامخ يتمثل في بقاء مشروعه المعرفي حياً، نابضاً، وعاصياً على النسيان؛ إذ يواصل طلابه وأبحاثه ونظرياته إلهام المناضلين والباحثين في شتى بقاع الأرض لمواجهة الشعبويات الصاعدة، ومقاومة عسكرة المجتمعات، وتفكيك الانحيازات المؤسسية الصريحة والمستترة. لقد علمنا جيم سيدانيوس أن النضال من أجل عالم يسوده العدل والمساواة يبدأ بالنزاهة المعرفية المطلقة في تشخيص الواقع دون تزييف أو تجميل؛ لتظل كلماته وتطبيقات نظريته مشعلاً وهاجاً ينير درب البشرية التواقة لكسر قيود الهيمنة والتحليق نحو آفاق الكرامة الإنسانية الشاملة.
المراجع
- Sidanius, J., & Pratto, F. (1999). Social dominance: An intergroup theory of social hierarchy and oppression. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9781139175043
- Pratto, F., Sidanius, J., Stallworth, L. M., & Malle, B. F. (1994). Social dominance orientation: A personality variable predicting social and political attitudes. Journal of Personality and Social Psychology, 67(4), 741–763. https://doi.org/10.1037/0022-3514.67.4.741
- Ho, A. K., Sidanius, J., Pratto, F., Levin, S., Thomsen, L., Kteily, N., & Sheehy-Skeffington, J. (2012). Social dominance orientation: Revisiting the structure and measurement of a core social and political trait. Political Psychology, 33(5), 583–606. https://doi.org/10.1111/j.1467-9221.2012.00911.x
- Ho, A. K., Sidanius, J., Kteily, N., Sheehy-Skeffington, J., Pratto, F., Henkel, K. E., Foels, R., & Stewart, A. L. (2015). The nature of social dominance orientation: Theorizing and measuring preferences for group-based hierarchy and group-based equality (SDO7). Journal of Personality and Social Psychology, 109(6), 1003–1028. https://doi.org/10.1037/pspi0000033
- Sidanius, J., Levin, S., Liu, J., & Pratto, F. (2000). Social dominance orientation, anti-egalitarianism and the political psychology of gender: An extension and cross-cultural replication. European Journal of Social Psychology, 30(1), 41–67. https://doi.org/10.1111/j.2044-8309.1994.tb01008.x
- Tajfel, H., & Turner, J. C. (1979). An integrative theory of intergroup conflict. In W. G. Austin & S. Worchel (Eds.), The social psychology of intergroup relations (pp. 33–47). Brooks/Cole.
- Kteily, N., Sidanius, J., & Levin, S. (2011). Social dominance orientation: Cause or consequence of hierarchy-attenuating and hierarchy-enhancing social roles? Journal of Experimental Social Psychology, 47(1), 208–214. https://doi.org/10.1016/j.jesp.2010.09.006
- Sidanius, J., Pratto, F., van Laar, C., & Levin, S. (2004). Social dominance theory: Its agenda and method. Political Psychology, 25(6), 845–880. https://doi.org/10.1111/j.1467-9221.2004.00401.x
- Harvard University Department of Psychology. (2021). In Memoriam: Jim Sidanius (1945–2021). Harvard Gazette. https://news.harvard.edu/gazette/story/2021/07/psychologist-jim-sidanius-dies-at-75/
- International Society of Political Psychology. (2021). Tribute to Professor Jim Sidanius, Recipient of the Harold Lasswell Award. ISPP News and Announcements. https://ispp.org/news/sidanius-tribute/