السيرة
يمثل الفيلسوف وعالم النفس والمربي الألماني يوهان فريدريش هربارت (1776–1841) نقطة تحول مفصلية في تاريخ الفكر الأوروبي الحديث؛ إذ تجرأ على اقتحام التخوم الشائكة الفاصلة بين الميتافيزيقا المتعالية، والعلوم الطبيعية الصارمة، وعلم النفس الرياضي، والنظرية البيداغوجية التطبيقية. ففي عصر هيمنت عليه المثالية الألمانية المطلقة بزعامة فيشته، وشيلينغ، وهيغل، شق هربارت مساراً معرفياً متفرداً انحاز فيه إلى الواقعية الفلسفية والتعددية الأنطولوجية، ساعياً إلى تخليص العقل البشري من قبضة الأحادية المثالية، وإخضاع الظواهر النفسية للتحليل الرياضي والملاحظة الإمبيريقية المنضبطة.
ولم تكن إسهامات هربارت مجرد اجتهادات نظرية معزولة في برج عاجي، بل كانت مشروعاً فكرياً شاملاً استهدف بناء نسق فلسفي متكامل يبتدئ من إعادة تعريف “الكينونة” و”الواقعيات” (Realien)، مروراً بتفكيك حركية الأفكار وصراعها داخل مسرح الوعي الإنساني، ووصولاً إلى تتويج هذا البناء التأسيسي في صورة منظومة تربوية علمية تجعل من الأخلاق غايتها القصوى ومن علم النفس وسيلتها التنفيذية الوحيدة. من هنا، يُعد هربارت المؤسس الحقيقي لعلم البيداغوجيا كفرع معرفي أكاديمي مستقل قائم على أسس سيكولوجية وأخلاقية واضحة، متجاوزاً النزعات الانطباعية والممارسات العشوائية التي طبعت التربية لقرون متطاولة.
يتناول هذا البحث الاستقصائي الموسع تجربة هربارت الفكرية وسيرته العلمية ومذهبه الفلسفي بتفصيل عميق؛ متتبعاً جذور نشأته في أولدنبورغ ومحطاته التأسيسية في يينا وسويسرا وغوتنغن وكونيغسبرغ، ومحللاً أطروحاته في الميتافيزيقا الواقعية، وديناميات التمثلات النفسية، وعتبة الوعي التي مهدت لظهور نظرية اللاشعور، والنمذجة الرياضية لعمليات الذهن، والكتلة الاستيعابية، فضلاً عن خططه التعليمية الخالدة ونقوده الفكرية لمعاصريه، وأثره الحاسم في ولادة علم النفس التجريبي وتطور علوم التربية المعاصرة.
1. النشأة والخلفية الفكرية والمسار الأكاديمي لهربارت
1.1 البيئة الأسرية والمراحل التعليمية الأولى في أولدنبورغ
ولد يوهان فريدريش هربارت في الرابع من مايو عام 1776 في مدينة أولدنبورغ الألمانية، في كنف أسرة برجوازية عريقة اتسمت بالانضباط الصارم والتقاليد الفكرية الرفيعة. كان والده مستشاراً قانونياً وموظفاً حكومياً مرموقاً عُرف بالحزم والجدية الإدارية، إلا أن التأثير الحاسم في تكوين شخصية الصبي الفكرية والنفسية جاء من جهة والدته، لويز جانيت هربارت، التي كانت امرأة استثنائية تمتعت بذكاء متقد وحس تربوي صارم، وتفرغت تفرغاً شبه كامل للإشراف على أدق تفاصيل تعليمه وتنشئته، حتى قيل إنها كانت تشاركه تعلم اللغات القديمة والرياضيات لضمان توفير أعلى درجات الجودة التعليمية لنجلها الوحيد.
تلقى هربارت تعليمه الأولي في المنزل تحت إشراف معلمين خصوصيين اختارتهم والدته بعناية فائقة، قبل أن يلتحق بمدرسة أولدنبورغ اللاتينية الكلاسيكية (Gleimschule). هناك لفت الأنظار بنبوغه الاستثنائي وعقليته المنطقية المبكرة؛ إذ أتقن اللاتينية واليونانية في سن غضة، وبرع براعة لافتة في دراسة الرياضيات وعلم المنطق الكلاسيكي، إلى جانب شغفه العميق بالموسيقى وعزفه البارع على آلتي البيانو والتشيلو، وهو شغف فني ترك بصمة لا تُمحى في تصوره اللاحق لتناغم الأفكار النفسية وتوازناتها الشبيهة بالقوانين الهارمونية والموسيقية.
وفي مرحلة مبكرة لم تتجاوز الثانية عشرة من عمره، انغمس هربارت في قراءة النصوص الفلسفية المعقدة، فقرأ باكرًا كتابات الفيلسوف العقلاني كريستيان فولف ومصنفات المدرسة الليبنتزية التي أسست لديه احتراماً بالغاً للتماسك النسقي والصرامة المنطقية. وسرعان ما اصطدم بالفكر النقدي للرائد إيمانويل كانط؛ ففي سن السادسة عشرة، كتب هربارت أطروحات صغيرة ناقش فيها مسائل حرية الإرادة والمفاهيم الأخلاقية، مما دل على تفتح وعي فلسفي باكر يرفض التلقين السطحي ويسعى لاختراق بنية المفاهيم المجردة إلى أصولها المنطقية الصلبة.
1.2 مرحلة جامعة يينا والتفاعل مع المثالية الألمانية
في عام 1794، انتقل هربارت إلى جامعة يينا لدراسة القانون تلبيةً لرغبة والده، لكن البريق الطاغي للحلقات الفلسفية في تلك الجامعة العريقة – التي كانت تمثل حينها بؤرة الثورة الفلسفية في أوروبا والقلب النابض للرومانتيكية والمثالية الألمانية – اجتذبه فوراً وبصورة قاطعة نحو أروقة الفلسفة الخالصة. تتلمذ هربارت في يينا على يد الفيلسوف المثالي الراديكالي يوهان غوتليب فيشته، الذي كان يشعل قاعات المحاضرات بحماسته المتوهجة ونظريته حول “الأنا المطلق” بوصفه المبدأ الأول والوحيد للوجود والوعي الأخلاقي المتعالي.
غير أن عقلية هربارت التحليلية والرياضية سرعان ما دخلت في حالة اشتباك نقدي حاد ومواجهة صريحة مع أطروحات أستاذه فيشته. فرغم إعجابه ببلاغة فيشته وحيويته، رفض هربارت المبدأ الأساسي للمثالية الذاتية القائل بأن “الأنا يضع نفسه بنفسه ويضع اللا-أنا”، ورأى في هذا الاختزال الشامل للوجود الموضوعي مجرد مغالطة منطقية تفضي إلى ضرب من الأنانية الفلسفية وسولبسزم ميتافيزيقي غير قابل للبرهنة. لقد شعر هربارت أن رد العالم الخارجي إلى مجرد نتاج للوعي يلغي استقلالية التجربة ويدمر إمكانية صياغة علم واقعي دقيق.
دفع هذا الخلاف الفكري العميق هربارت إلى الانفصال المنهجي عن منظومة فيشته، والبدء في وضع اللبنات الأولى لمذهبه “الواقعي” المستقل. لقد رأى أن الفلسفة الحقة لا تبدأ من استنباط الوجود من مبدأ واحد مجرد، بل تبدأ من تحليل المتعدد المعطى في التجربة، ومحاولة حل التناقضات الظاهرة الكامنة في المفاهيم الإنسانية اليومية. وتزامن هذا التحول مع تصاعد قناعته بأن حل المعضلات الميتافيزيقية الكبرى لا ينفصل عن بناء علم نفس إمبيريقي يفسر كيفية تولد الأفكار في الذهن، وعن تأسيس نظرية تربوية تُعنى ببناء الإنسان الواقعي في سياقه الحي، بعيداً عن تجريدات المثالية المطلقة المتعالية عن شروط الواقع اليومي.
1.3 العمل كمعلم خاص وتأثير يوهان هاينريش بستالوتزي
في عام 1797، غادر هربارت يينا قاصداً سويسرا، ليشغل منصب معلم خاص لأبناء حاكم مقاطعة إنترلاكن، السيد فون شتايغر. امتدت هذه التجربة العملية لقرابة ثلاث سنوات، وكانت بمثابة مختبر تربوي وإنساني بالغ الأهمية؛ إذ أتاحت له ممارسة التربية الفردية الحية لثلاثة فتيان من أعمار ومستويات عقلية متباينة، وتدوين تقارير دورية دقيقة ومكثفة لوالد الأطفال حول تطورهم الذهني والنفسي، وطرائق تحفيز انتباههم، والصعوبات السيكولوجية والمسلكية التي كانت تعترض طريق تعلمهم واستيعابهم.
خلال إقامته في سويسرا، وفي عام 1799 تحديداً، زار هربارت مدينة بورغدورف حيث التقى بالمربي الرائد يوهان هاينريش بستالوتزي، وشاهد عن كثب تطبيقاته لمبدأ “الحدس الحسي” (Anschauung) وطرق التعليم الأولي للفقراء والمحرومين. ترك اللقاء أثراً غائراً في فكر هربارت الشاب؛ فرأى في عمل بستالوتزي وميضاً من العبقرية التطبيقية التي تلامس الروح الإنسانية وتوقظ مدارك الإدراك الحسي المباشر، وكتب على إثر ذلك رسائل ودراسات مشهورة تشيد بمنهج بستالوتزي وتدعمه، وأبرزها مقالته المعنونة: “فكرة بستالوتزي عن الأبجدية كمنهج للإدراك الحسي” (1802).
ومع ذلك، لم يكن هربارت مجرد مقلد منبهر؛ بل رصد بدقة مواطن القصور في رؤية بستالوتزي، والتي تمثلت – في نظره – في افتقارها إلى نسق فلسفي متماسك وعلم نفس تحليلي صارم. لقد لاحظ هربارت في ممارسته مع أبناء شتايغر أن الاستجابات الفردية للمتعلمين لا تُفسر فقط بالحدس الخارجي، بل تتحدد بما يحمله الطفل مسبقاً في جهازه المعرفي والوجداني، مما وجه فكره مباشرة نحو دراسة البنى الذهنية السابقة وآليات تفاعلها مع الانطباعات الوافدة، واضعاً بذلك حجر الأساس لمفهوم “الكتلة الاستيعابية” الذي غير وجه البيداغوجيا الحديثة.
1.4 المسيرة الجامعية في غوتنغن وكونيغسبرغ
عاد هربارت إلى ألمانيا متحمساً لتدشين مسيرته الأكاديمية الرسمية؛ فالتحق بـ جامعة غوتنغن حيث نال درجتي الدكتوراه والتأهيل الأستاذي عام 1802. وفي غوتنغن، لمع اسمه سريعاً كمحاضر استثنائي يجمع بين العمق الفلسفي والوضوح الرياضي، وقام بتدريس الميتافيزيقا والمنطق والبيداغوجيا وعلم الأخلاق، وأصدر في هذه الفترة مؤلفه التأسيسي الذائع: “علم البيداغوجيا العام المشتق من غاية التربية” (Allgemeine Pädagogik) عام 1806، وهو الكتاب الذي أحدث ثورة معرفية بنقله قضايا التنشئة من حيز النصائح التربوية العامة إلى نسق علمي منضبط.
بلغ التقدير الأكاديمي لمكانة هربارت ذروته في عام 1809، حين تلقى دعوة تاريخية لشغل كرسي الفلسفة العريق في جامعة كونيغسبرغ، وهو الكرسي ذاته الذي كان يشغله إيمانويل كانط لعدة عقود. لم يكن قبول هذا المنصب مجرد تشريف أكاديمي فذ، بل كان تحدياً جسيماً واجه فيه هربارت الإرث الكانطي المباشر في عقر داره. أمضى هربارت في كونيغسبرغ ما يقرب من ربع قرن (1809–1833)، كانت أخصب مراحل إنتاجه العلمي، فصاغ خلالها أمهات كتبه في علم النفس الرياضي والميتافيزيقا المنهجية، وعلى رأسها كتابه الموسوعي: “علم النفس كعلم مبني حديثاً على الخبرة والميتافيزيقا والرياضيات” (1824–1825).
وفي كونيغسبرغ، تجلت عبقرية هربارت المؤسسية حين أسس معهداً تجريبياً للبيداغوجيا مزوداً بمدرسة تطبيقية ملحقة به لتدريب المعلمين وطلاب الفلسفة على طرائق التدريس الواقعية. كان هذا المعهد سابقة فريدة في تاريخ الجامعات، حيث طبق هربارت أفكاره النفسية في الفصول الدراسية تحت الملاحظة الدقيقة والتقييم الصارم للنتائج. وفي عام 1833، وتحت وطأة التغيرات السياسية وصعود النفوذ الفلسفي الهيغلي في بروسيا، قرر هربارت العودة إلى كرسيه الأثير في جامعة غوتنغن، حيث واصل أبحاثه ومحاضراته حتى وافته المنية إثر سكتة دماغية مباغتة في الرابع عشر من أغسطس عام 1841، تاركاً إرثاً ضخماً غير معالم الفكر الفلسفي والتربوي والسيكولوجي للأبد.
2. الأسس الفلسفية والميتافيزيقية لنظرية هربارت
2.1 الواقعية الهربارتية في مواجهة المثالية المطلقة
قامت فلسفة هربارت على تمرد معرفي راديكالي ضد التيار الجارف للمثالية الألمانية المطلقة التي مثّلها معاصروه مثل هيغل وفولتير الفلسفة البروسية. رفض هربارت رفضاً قاطعاً فكرة اختزال الوجود بكليته في “الفكرة المطلقة” أو “الأنا” أو “الروح الكلية الواعية بذاتها”؛ إذ رأى في تلك الأطروحات ضرباً من الخلط المنهجي واللغوي الفادح، ينتهي إلى إلغاء العالم الواقعي الخارجي وتسطيح التمايزات الجوهرية بين الذات العارفة والموضوع المدرك. وبدلاً من ذلك، نادى هربارت بالعودة إلى “المذهب الواقعي” (Realismus) المتين، مؤكداً أن الواقع موجود وجوداً موضوعياً مستقلاً عن كل وعي بشري يدركه أو يتصوره.
تنطلق الواقعية الهربارتية من بدهية مفادها أن المعرفة الإنسانية لا تخلق موضوعاتها، بل تستقبل انطباعات عن عالم حقيقي قائم بذاته. وتتألف هذه الحقيقة الموضوعية من كثرة من الكينونات التعددية المستقلة وليست من جوهر أحادي متصل كما زعم سبينوزا أو هيغل. وقد أطلق هربارت على هذه اللبنات الأنطولوجية الأولى مصطلح “الحقائق الأولية” أو “الواقعيات” (Reale)، معتبراً إياها عناصر ميتافيزيقية بسيطة، وثابتة، وغير قابلة للتجزئة أو الفناء أو التغير الداخلي، وهي التي تشكل الأساس العميق لكل ما يظهر لوعينا من ظواهر حسية متعددة.
وبهذا المعنى، سعى هربارت إلى استعادة التقاليد العقلانية الكلاسيكية التي لا تُنكر استقلال العالم الخارجي، ووجه نقداً لاذعاً للمنطق الجدلي (الديالكتيكي) الهيغلي، معتبراً إياه منطقاً مضللاً يعتاش على شرعنة التناقض واللعب بالألفاظ، في حين أن مهمة الفيلسوف الحقيقي هي نفي التناقض وفضه عن طريق التحليل الدقيق والتنظيم الصارم، وإدراك أن العالم لا يتشكل وفقاً لأوهام العقل البشري وتجريداته، بل وفق قوانين تكوينية مستقلة تحكم الكينونات البسيطة المؤسسة للوجود الحقيقي.
2.2 نظرية المونادات والواقعيات كجوهر للوجود والروح
تأثر هربارت تأثراً عميقاً بنظرية المونادولوجيا للفيلسوف غوتفريد فيلهلم لايبنتز، لكنه أعاد صياغتها بروح واقعية استبعدت فكرة “الانسجام المسبق” التوافقية والتصورات اللاهوتية المرتبطة بها. فالواقعيات (Realien) عند هربارت تشبه المونادات الليبنتزية من حيث كونها وحدات جوهرية بسيطة لا امتداد مكاني لها ولا أجزاء، ومنيعة على التغيرات الداخلية الذاتية؛ إلا أنها تفترق عنها بأنها ليست ذواتاً روحية مكتفية بذاتها ومغلقة “بلا نوافذ”، بل هي كينونات تدخل في شبكات من العلاقات والاصطدامات المتبادلة حين تتقارب أو تتماس في فضاء الوجود الميتافيزيقي.
وانطلاقاً من هذا التأسيس الأنطولوجي الصارم، نظر هربارت إلى الروح الإنسانية (Die Seele) بوصفها إحدى هذه “الواقعيات البسيطة” (Ein einfaches Reales). والروح في حالتها الأصلية والمجردة لا تملك أي صفات أو قوى فطرية مسبقة، وليست صفحة بيضاء سلبية بالمعنى اللوكي الساذج، بل هي كينونة قائمة بذاتها تفتقر إلى الأفكار الفطرية والملكات الجاهزة والتصورات القبلية التي زعمها العقلانيون ودعاة الفلسفة النقدية. إن الروح عند هربارت جوهر بسيط لا أجزاء فيه، وتتمثل السمة الأساسية لوجوده في النزوع المستمر نحو “الحفاظ على الذات” (Selbsterhaltung) ضد أي تشويش أو اضطراب خارجي ينتج عن احتكاكه بالكينونات الواقعية الأخرى المحيطة به.
ومن هذه الفرضية الفريدة، يفسر هربارت نشأة الحياة النفسية بأكملها؛ فالحياة النفسية والتغيرات الشعورية والذهنية ليست سوى سلسلة متصلة من ردود الأفعال الدفاعية التي تقوم بها الروح للحفاظ على هويتها ووحدتها في مواجهة التهديدات الخارجية الناتجة عن تلاقيها مع “واقعيات” العالم الأخرى. وكل فعل دفاعي صادر عن هذه الروح البسيطة يتخذ شكلاً نوعياً خاصاً يتجلى في الوعي الداخلي على هيئة “تمثل” أو “فكرة” (Vorstellung). وهكذا، فإن النفس الإنسانية لا تُولد مزودة بأجهزة تفكير جاهزة، بل تكتسب كل ثرائها وعمقها من خلال التفاعلات الديناميكية الجارية بين جوهرها البسيط وجواهر العالم المحيط بها.
2.3 نظرية المعرفة وتصحيح المفاهيم بالتجربة
تتمحور نظرية المعرفة (الإبستمولوجيا) عند هربارت حول أطروحة منهجية غاية في الدقة مفادها أن الفلسفة ليست علماً مستقلاً بموضوع فريد منعزل عن سائر العلوم، بل هي منهج منهجي صارم يهدف إلى “إعادة ترتيب المفاهيم المعطاة وتوضيحها وتصحيحها” (Bearbeitung der Begriffe). فالإنسان العادي يكتسب عبر التجربة اليومية والخبرة الحسية الساذجة منظومة واسعة من المفاهيم والملاحظات التي تبدو له بديهية، إلا أن التحليل الفلسفي المتأني يكشف سريعاً أن هذه المفاهيم اليومية تعج بالتناقضات المنطقية الصريحة.
وقد ضرب هربارت أمثلة ساطعة على هذا الخلل في مفاهيم محورية مثل: “المادة”، و”التغير”، و”الزمان”، و”المكان”، ومفهوم “الأنا”. فمفهوم التغير مثلاً يحمل تناقضاً باطنياً؛ إذ كيف يمكن لشيء معين أن يظل هو نفسه وفي الوقت عينه يصبح شيئاً مختلفاً؟ ومفهوم المادة يجمع بين الامتداد المكاني غير المحدود والانقسام إلى ما لا نهاية من جهة، والوحدة الصلبة للكتلة من جهة أخرى. وبدلاً من اللجوء إلى التناقض الديالكتيكي الهيغلي أو الهروب إلى عجز كانط الشكوكي بحجة أن هذه مجرد شطحات يتورط فيها العقل حين يجاوز حدود الظواهر، يؤكد هربارت أن وظيفة الميتافيزيقا تكمن في تفكيك هذه المفاهيم وتجريدها من تناقضاتها عبر إرجاعها إلى مبادئ الواقعيات البسيطة وقوانين تفاعلها.
تتأسس نظرية المعرفة الهربارتية بالتالي على جدلية عضوية بين المنطق العام والخبرة الإمبيريقية المنظمة؛ فالمنطق يعصم الفكر من التناقض الشكلي، بينما التجربة تمده بالمادة العيانية الخام. وتتحقق المعرفة الحقيقية حين يتجاوز الباحث مرحلة الانطباع السطحي الفوضوي إلى بناء شبكة نسقية منسجمة من المفاهيم المترابطة التي تنطبق تماماً على حركة الواقعيات الموضوعية. هذه الرؤية الإبستمولوجية ستشكل الأساس المتين الذي سيبني عليه هربارت نظريته النفسية في “الاستيعاب”، حيث تصبح المعرفة عملية إدماج وتصحيح دائم للتمثلات الجديدة في ضوء القوالب المفاهيمية الراسخة في الذهن.
3. تأسيس علم النفس كعلم مستقل وقائم على المنهج التجريبي
3.1 إعلان استقلال علم النفس عن الفسيولوجيا والميتافيزيقا التأملية
يعد كتاب هربارت الضخم الصادر في مجلدين بعنوان “علم النفس كعلم مبني حديثاً على الخبرة والميتافيزيقا والرياضيات” (Psychologie als Wissenschaft, neu gegründet auf Erfahrung, Metaphysik und Mathematik, 1824–1825) وثيقة الإعلان التاريخي لولادة علم النفس كحقل معرفي مستقل ومتميز. ففي تلك الحقبة، كان علم النفس يترنح بين اتجاهين متطرفين: إما أن يُختزل في فرع تأملي غامض وتابع للميتافيزيقا اللاهوتية المثالية كما فعل الرومانسيون، أو أن يُذوب بالكامل في دراسات فسيولوجيا الأعصاب والوظائف الحيوية الجسدية كما نادى الماديون من أطباء وعلماء أحياء فرنسيين وإنجليز.
خاض هربارت معركة منهجية مزدوجة لإثبات استقلالية الظاهرة النفسية؛ فمن جهة أولى، رفض رفضاً حاسماً رد الحوادث النفسية إلى مجرد آليات فسيولوجية عصبية محضة، مشدداً على أن دراسة الألياف العصبية وتدفقات الدم وحركات الدماغ قد تكشف عن الشروط العضوية المصاحبة، لكنها تعجز بنيوياً عن تفسير طبيعة الوعي، وتداعي المعاني، والمشاعر الأخلاقية، ووحدة الذات المدركة. ومن جهة ثانية، رفض علم النفس التأملي الخالص القائم على التخمينات الفلسفية المتعالية، مؤكداً أن الظاهرة السيكولوجية حدث إمبيريقي واقعي له قوانينه الحركية الصارمة التي تتطلب ملاحظة تجريبية منظمة وتطبيقاً دقيقاً لقواعد الاستدلال العلمي.
أكد هربارت أن علم النفس يجب أن يستند إلى مثلث منهجي صلب: الملاحظة التجريبية المستمرة للتجربة الإنسانية المباشرة (Erfahrung)، والإطار الميتافيزيقي المنضبط الذي يحدد طبيعة الروح وعلاقتها بالعالم الخارجي (Metaphysik)، واللغة الرياضية الصارمة التي تحسب مقادير القوى وتغيرات التوازن داخل الذهن (Mathematik). وبذلك، نزع هربارت القداسة الأسطورية عن دراسة النفس، ومهد الأرضية الأكاديمية لتحويل العمليات الشعورية إلى موضوع قابل للدراسة العلمية والمقارنة النسقية، على غرار علوم الفلك والميكانيكا والفيزياء الكلاسيكية.
3.2 نقد نظرية الملكات النفسية التقليدية
شن هربارت هجوماً نقدياً عاصفاً ومزلزلاً على “نظرية الملكات العقلية” (Vermögenspsychologie) التي كانت قد ترسخت منذ أرسطو ومروراً بكريستيان فولف وإيمانويل كانط، والتي كانت تقسم النفس البشرية إلى حجرات مغلقة ومستودعات مستقلة من القوى مثل: “ملكة الذاكرة”، و”ملكة الإرادة”، و”ملكة الخيال”، و”ملكة الإدراك الحسي”، و”ملكة العاطفة”. ورأى هربارت أن هذا التقسيم ليس إلا وهماً لغوياً مضللاً ومصادرة على المطلوب؛ إذ يلجأ فيه الفلاسفة إلى اختراع أسماء جوفاء لتفسير أفعال واقعية، كأن يقولوا إن الإنسان يتذكر بفضل ملكة التذكر، أو يريد بفضل ملكة الإرادة، وهو ما اعتبره هربارت تكراراً عقوفاً للفظ لا يقدم أي تفسير سببي حقيقي لكيفية حدوث هذه العمليات.
فكك هربارت هذه النظرية التقليدية تفكيكاً جذرياً، مبرهناً على أن الروح الإنسانية – بوصفها كينونة بسيطة غير قابلة للتجزئة – لا يمكن أن تحتوي على قوى فطرية متناثرة تعمل بمعزل عن بعضها البعض. فما يسمى “ملكات” ليس في الحقيقة سوى نتائج ثانوية وتكوينات لاحقة شديدة التعقيد ناتجة عن التفاعل الحركي للتمثلات والأفكار (Vorstellungen) داخل النفس. فالذاكرة ليست مستودعاً نضع فيه الصور ونستخرجها، بل هي تمثلات كامنة تستعيد نشاطها وقوتها في الوعي حين تتوفر لها الشروط الحركية والارتباطية المناسبة. وكذلك الإرادة ليست قوة غامضة تقرر بذاتها، بل هي محصلة نهائية لصراع أفكار ورغبات متضاربة بلغت إحداها ذروة التمكن وتجاوزت عتبة الفعل الحركي.
وقدم هربارت بديلاً نسقياً متكاملاً ينظر إلى العقل البشري بوصفه وحدة حركية ديناميكية واحدة، يتألف نسيجها المتماسك من سيل متصل من التمثلات التي تتفاعل، وتتداعى، وتتنافر، وتتجاذب وفق قوانين رياضية ونفسية منتظمة. هذا الهدم المعرفي لنظرية الملكات أحدث تحولاً جذرياً في فلسفة التربية؛ إذ لم يعد التعليم يستهدف “شحذ ملكات مفترضة” عبر تمارين شكلية ميتة، بل أصبح يهدف إلى إثراء العقل بمنظومة ثرية ومنسجمة من التمثلات والأفكار البناءة التي تشكل في مجموعها الشخصية الإنسانية الحية.
3.3 مكانة الاستبطان المنظم والملاحظة الإمبيريقية
على الرغم من إيمان هربارت القاطع بضرورة التجربة، إلا أنه كان شديد التشكك والحذر إزاء منهج “الاستبطان الداخلي” (Introspektion) بصيغته الساذجة الشائعة؛ حيث لاحظ بذكاء عميق المفارقة الإبستمولوجية التي تنشأ حين تحاول الذات مراقبة ذاتها في لحظة الانفعال أو التفكير، إذ إن فعل المراقبة يغير حتماً من طبيعة الحالة النفسية المرصودة، فإذا حاول المرء مراقبة غضبه بعين باردة تبدد الغضب أو تحول إلى حالة ذهنية مصطنعة. ولذلك، قرر هربارت أن الاستبطان المنعزل والذاتي لا يمكن أن يكون بمفرده أساساً لعلم نفس يقيني ما لم يتم تهذيبه وضبطه بمعايير صارمة للملاحظة الخارجية والسلوكية غير المباشرة.
تتمثل الملاحظة الإمبيريقية المنظمة عند هربارت في تتبع المسارات التطورية للنمو النفسي لدى الأطفال والمتعلمين عبر فترات زمنية ممتدة، ومراقبة السلوك اللغوي، وزمن الاستجابة، وردود الأفعال العاطفية، وتغيرات الانتباه في السياق الحي والواقعي للغرفة الصفية أو البيئة الأسرية. لقد دعا إلى تدوين سجلات نفسية دقيقة ترصد كيفية ارتباط فكرة بأخرى، وكيفية نسيان المعلومات، وما هي المحفزات التي تجعل الطفل يستدعي خبرة سابقة ويدمجها في خبرة راهنة، مما يجعل الباحث يستنبط القوانين العامة للعمليات الذهنية استناداً إلى تكرار التجارب والخبرات الشعورية في بيئات متعددة.
علاوة على ذلك، وسع هربارت أفق الملاحظة الإمبيريقية ليشمل دراسة الاضطرابات النفسية والسلوكية لدى المرضى والمختلين عقلياً، فضلاً عن ملاحظة سلوك الشعوب والأمم واللغات المختلفة كما تظهر في التاريخ البشري، معتبراً أن التاريخ والمجتمع يشكلان امتداداً عيانياً للظواهر النفسية ومختبراً مفتوحاً تتبدى فيه نتائج تضافر التمثلات الجمعية. بهذا التأسيس المنهجي المتوازن، جنب هربارت علم النفس الوقوع في فخ الذاتية المطلقة، ومهد السبيل للملاحظات المعملية المقننة التي سيتوجها لاحقاً رواد علم النفس التجريبي في ألمانيا.
4. ديناميات العقل ونظرية التمثلات النفسية
4.1 طبيعة التمثل بوصفه الوحدة البنائية الأساسية للعقل
يشكل مفهوم “التمثل” (Die Vorstellung) حجر الزاوية والخلية الأساسية التي يقوم عليها صرح السيكولوجيا الهربارتية بأكمله. والتمثل في تعريفه الفلسفي الدقيق عند هربارت ليس مجرد نسخة فوتوغرافية ميتة أو خيال باهت للشيء الخارجي كما تصوره التجريبيون الحسيون، بل هو في جوهره “فعل حفاظ على الذات” (Selbsterhaltungsakt) تمارسه الروح الإنسانية البسيطة حين تتعرض للإثارة والاصطدام بـ “واقعيات” العالم الخارجي. ولأن الروح جوهر لا يقبل الانقسام، فإن طاقتها الدفاعية تتشكل في كل مرة في صيغة نوعية من الوعي تسمى التمثل، وهو ما يعني أن التمثل هو وحدة حية ومكتنزة بالطاقة الفكرية.
تتعدد التمثلات في الذهن البشري وتتنوع تنوعاً لا نهائياً؛ فمنها التمثلات الحسية البسيطة الناتجة عن إثارة الحواس (كالألوان والأصوات والروائح)، ومنها التمثلات المجردة والمعقدة (كالمفاهيم الرياضية والأفكار الأخلاقية والجمالية)، ومنها المشاعر والانفعالات والذكريات والرغبات. والجدة الراديكالية في نظرية هربارت تكمن في قوله بأن كل هذه التمظهرات النفسية، مهما بدت متباينة، تعود في أصلها التكويني إلى “التمثلات”؛ فالعاطفة ليست سوى حالة من التوتر الحركي بين تمثلين، والرغبة هي تمثل يسعى إلى تأكيد ذاته وتجاوز موانعه، والذاكرة هي بقاء التمثل حياً في بنية الجهاز النفسي.
ومن أهم المبادئ الثورية التي أقرها هربارت في هذا السياق هو “مبدأ البقاء الأبدي للتمثلات”؛ فالتمثلات بمجرد أن تولد وتدخل فضاء النفس، لا تفنى ولا تتلاشى في العدم على الإطلاق. إن نسيان معلومة معينة أو غياب فكرة ما عن ساحة الوعي لا يعني موتها النهائي أو اندثارها، بل يعني فقط أنها تراجعت تحت وطأة قوى معاكسة زحزحتها عن بؤرة الانتباه وحولتها من حالة الفاعلية والظهور إلى حالة من السكون أو الكمون الطاقي، منتظرة اللحظة التي تتغير فيها توازنات القوى النفسية لتصعد مجدداً إلى مسرح الوعي الحي.
4.2 ميكانيزمات التجاذب والتنافر بين الأفكار
صاغ هربارت نظريته في حركة الأفكار ببراعة استعار فيها قوانين الميكانيكا النيوتونية وطبقها بحذافيرها على مسرح العقل الداخلي، فيما يمكن تسميته بـ “ميكانيكا الأفكار” (Mechanik des Geistes). تنطلق هذه الرؤية من أن التمثلات داخل النفس ليست عناصر ساكنة، بل هي قوى فاعلة تخضع في تفاعلاتها المتبادلة لميكانيزمات شبيهة بقوانين التجاذب والجاذبية والاصطدام والتنافر الفيزيائي؛ حيث تتحدد مسارات الأفكار بمقدار طاقتها الذاتية وطبيعة العلاقات المنطقية والوجدانية التي تربطها بسائر التمثلات المستقرة مسبقاً في الذهن.
تخضع العلاقات بين التمثلات لثلاثة أنماط رئيسية من التفاعل الميكانيكي الحركي:
- التنافر والتدافع (Widerstreit / Hemmung): يحدث بين التمثلات المتناقضة أو غير المتوافقة منطقياً ومعرفياً (مثل فكرة “المربع” وفكرة “الدائري”، أو شعور “الحب” وشعور “الكره” تجاه الموضوع ذاته في اللحظة عينها). في هذه الحالة، تتصادم القوى الفكرية تصادماً مباشراً، فتمارس الفكرة الأقوى طاقة كبح وإعاقة وضغط على الفكرة الأضعف، دافعة إياها نحو الهبوط والاحتجاب.
- التآلف والاندماج (Verschmelzung): يحدث بين التمثلات المتجانسة كلياً أو المتشابهة للغاية والتي تدخل الذهن في أوقات متقاربة؛ حيث تندمج الفكرة الجديدة مع الفكرة القديمة المماثلة لها لتشكلا معاً مركباً فكرياً واحداً أكثر كثافة وقوة، مثلما تندمج قطرات الماء لتكون قطرة أكبر.
- التعقيد والارتباط الشبكي (Complication): يحدث بين تمثلات مختلفة في طبيعتها لكنها متزامنة في الوقوع الحسي ولا تتناقض فيما بينها (كالاقتران بين لون الوردة، ورائحتها العطرية، وملمس أوراقها)؛ حيث تتشابك هذه التمثلات برباط مرن يُفضي استدعاء أحد أطرافه مستقبلاً إلى استدعاء باقي الأطراف المصاحبة له تلقائياً.
من خلال هذه القوانين الحركية الصارمة، فسر هربارت بناء المنظومة المعرفية الإنسانية بوصفه نسقاً ذاتي التنظيم؛ فالأفكار لا تتجاور تجاوراً اعتباطياً، بل تصطف في منظومات هرمية وتشابكية تتطرد وتتعدل باستمرار تبعاً لشدة التدفق الحسي وعمليات الاصطدام والتصالح الفكري الجارية على الدوام في أعماق النفس.
4.3 تحولات الطاقة النفسية من السكون إلى الحركة
قدم هربارت تحليلاً متقدماً جداً لمفهوم الطاقة النفسية وتحولاتها، مسبقاً بذلك مبادئ الديناميكا الحرارية ونظريات التحليل النفسي الحديثة؛ فالتمثل في النسق الهربارتي يمتلك كمية محددة من الطاقة تتأرجح باستمرار بين صورتين: “حالة الفاعلية الحركية” (Status der Vorstellung)، و”حالة السكون والجهد الكامن” (Status des Strebens). فعندما يمتلك التمثل طاقة حرة كافية تسمح له بالظهور في الوعي، فإنه يكون فكرة واعية ومشرقة توجه الانتباه وتدير التفكير المنطقي والسلوك الإرادي المباشر.
أما حين يتعرض التمثل لقوى كبح معاكسة وتدافع مضاد من تمثلات أقوى منه، فإن طاقته الحركية لا تضيع هباءً، بل تتحول بالضرورة إلى “نزوع” أو “ميل كامن” أو “جهد نفسي محبوس” (Bestreben vorzustellen). وهذا يعني أن الفكرة المضغوطة التي حُجبت عن الوعي تظل تحافظ على توترها الطاقي الداخلي وتتحول إلى ضاغط خفي يحاول في كل لحظة، وبقوة تعادل تماماً مقدار الجهد المبذول لكبحها، أن ينفذ من الثغرات ويصعد ثانية إلى السطح كلما خفت قبضة الأفكار الكابحة لها أو ضعفت طاقة الانتباه الموجهة ضدها.
ويفسر هربارت نشوء الحياة الانفعالية والوجدانية برمتها انطلاقاً من هذه التحولات الطاقية ومسارات التدافع؛ فالمشاعر ليست ملكات مستقلة، بل هي الإدراك الذاتي لسرعة وسهولة أو عسر حركة التمثلات داخل النفس. فحين تتدفق الأفكار بانسجام وتآلف دون معوقات، ينشأ في النفس شعور بالبهجة واللذة والرضا التام؛ في حين أنه عندما تصطدم التمثلات ببعضها وتتعرض فكرة محبوبة أو رغبة حية لحصار خانق وكبح جائر من تمثلات مضادة، يتولد في الوعي شعور بالألم والضيق والحزن أو التوتر الداخلي. وهكذا أرجع هربارت العالم المعقد للوجدان إلى آليات التحول الطاقي وحركة السكون والصراع بين التمثلات الذهنية.
5. عتبة الوعي والتمهيد لمفهوم اللاشعور
5.1 مفهوم عتبة الوعي الرياضي والديناميكي
يعد مفهوم “عتبة الوعي” (Die Schwelle des Bewusstseins) من أعظم الابتكارات المعرفية التي أهداها هربارت لتاريخ علم النفس، وهو المفهوم الذي بنى عليه فيشنر وفوندت وفرويد أبحاثهم لاحقاً. يعرف هربارت عتبة الوعي تعريفاً رياضياً وديناميكياً دقيقاً بأنها ذلك الحد الفاصل أو الخط الوهمي الذي يفصل بين ما هو حاضر ومستنير ومدرك بالفعل في العقل الواعي، وبين ما هو متراجع ومحتجب وكامن في ظلمة ما تحت الوعي. إنها خط التماس بين الحركة الظاهرة والجهد النفسي المكتوم.
لكي تتمكن فكرة معينة أو تمثل حسي من تجاوز هذه العتبة والولوج إلى حيز الإدراك المباشر، يجب أن تتوفر فيها شروط طاقية صارمة؛ أي أن تبلغ درجة شدتها وقوتها الميكانيكية حداً أدنى يكفي للتغلب على قوى الكبح والممانعة التي تبديها الأفكار المهيمنة سلفاً على مساحة الوعي الحاضر. وإذا كانت طاقة التمثل دون هذا الحد، فإنه يظل عاجزاً عن اختراق العتبة، ويبقى قابعاً تحت خط الوعي رغم وجوده الفعلي ونشاطه الديناميكي غير المرئي.
علاوة على ذلك، أشار هربارت إلى أن عتبة الوعي ليست حداً ثابتاً أو خطاً صلباً جامداً في البنية النفسية، بل هي حد نسبي وديناميكي يتذبذب ارتفاعاً وهبوطاً تبعاً للحالة الفسيولوجية والسيكولوجية العامة للإنسان. فعندما يكون الفرد في حالة إرهاق جسدي، أو استرخاء ذهني، أو في حالة النوم والوسن، تنخفض عتبة الوعي بدرجة كبيرة، مما يسمح للتمثلات الضعيفة والمكبوتة بالصعود بسهولة، متجلية في صور أحلام أو أفكار شاردة عفوية؛ في حين أنه في حالات التركيز الذهني الفائق والجهد العقلي المنظم، ترتفع العتبة وتشتد صرامة الحراسة الذهنية، فلا يسمح بالمرور إلا للأفكار شديدة التجانس مع مسار التفكير الواعي الراهن.
5.2 كبت وتمييع التمثلات في منطقة ما تحت الوعي
استخدم هربارت صراحة مصطلح “الكبت” أو “الكف والإعاقة” (Hemmung) قبل عقود طويلة من استخدام سيغموند فرويد له في أدبيات التحليل النفسي. فالكبت عند هربارت هو الآلية الميكانيكية التي يتم بموجبها إزاحة الأفكار والتصورات غير المتوافقة مع المنظومة الفكرية السائدة، ودفعها قهراً للهبوط تحت عتبة الوعي لتستقر في منطقة الظلال النفسية أو “ما تحت الوعي” (Das Unbewusste). والتمثل المكبوت لا يتلاشى، بل يتم تمييعه جزئياً؛ أي تُرغم طاقته الحركية على التحول إلى حالة من السكون الموضعي المقاوم.
تتحول منطقة ما تحت الوعي في النموذج الهربارتي إلى ساحة غليان دائمة ومستودع هائل من القوى الدافعة المتصارعة؛ فالأفكار المكبوتة لا تستكين في قاع النفس، بل تسعى حثيثاً وتتحين الفرص لرفع كفاءتها الميكانيكية وكسر طوق الإعاقة المسلط عليها. وتحدث هذه العودة إلى الوعي عبر إحدى وسيلتين:
- إما بضعف الأفكار الكابحة وزوال حضورها المباشر من بؤرة الاهتمام الذهني، مما يتيح للفكرة المكبوتة الانفلات التلقائي نحو السطح.
- وإما بتحالف الفكرة المكبوتة مع تمثلات جديدة واردة من الحواس تتشابه معها في المضمون، فتتضافر قواهما معاً وتتضاعف طاقتهما المشتركة إلى حد يمكنهما من اختراق العتبة معاً وإجبار العقل على إدراكهما.
هذا الصراع المستعر والدائم بين التمثلات للصعود إلى بؤرة الوعي يجعل العقل البشري مسرحاً لتدافع لا يهدأ من الأفكار التي تحاول الهيمنة على إرادة الإنسان وتوجيه مساراته السلوكية، وهو ما ينسف تماماً الرؤية الساذجة التي كانت تعتبر العقل مجرد مرآة سكونية هادئة تعكس العالم الخارجي ببرود وحياد مطلق.
5.3 الجذور التاريخية لعلم النفس الفرويدي عند هربارت
يمثل هربارت الحلقـة المفصلية والجذر التاريخي الحقيقي وغير المعلن في كثير من الأحيان لظهور مدرسة التحليل النفسي على يد سيغموند فرويد في فيينا. فعلى الرغم من أن الفضل الشائع في اكتشاف مفهوم اللاشعور غالباً ما يُنسب لفرويد أو نيتشه، فإن البناء المفاهيمي والهيكلي الدقيق لديناميات الصراع النفسي، والكبت (Verdrängung / Hemmung)، ومقاومة الأفكار، وعتبة الوعي، وتحول الطاقة النفسية من صورة إلى أخرى، كان قد صيغ بدقة متناهية وبمصطلحات تكاد تكون متطابقة في كتب وأبحاث هربارت المنشورة في الثلث الأول من القرن التاسع عشر.
ولم يكن هذا التأثير مجرد مصادفة فكرية أو توارد خواطر مجرد، بل كان انتقالاً أكاديمياً ومؤسسياً موثقاً عبر خطوط الاتصال المعرفي في النمسا وألمانيا؛ إذ إن النموذج الهربارتي في علم النفس كان هو المنهج الرسمي والمعياري المعتمد والمدرس في المدارس الثانوية والجامعات النمساوية لعقود طويلة خلال منتصف القرن التاسع عشر وأواخره عبر كتب تلميذه لودفيغ شترومبل وغوستاف أدولف ليندنر. وقد درس فرويد نفسه علم النفس في فيينا على يد فلاسفة وعلماء هربارتيين، كما تتلمذ في معهد الفسيولوجيا على يد الأستاذ البارز إرنست بروكة، وفي الطب النفسي على يد تيودور ماينرت، وكلاهما كانا مشبعين حتى النخاع بالروح العلمية والميكانيكية النفسية المستمدة مباشرة من تقاليد هربارت الفكرية.
تتجلى المقارنة بين النموذجين في أن “اللاشعور” عند هربارت كان مفهوماً معرفياً وديناميكياً ميكانيكياً يفسر حركة الأفكار والتمثلات وصراعها الطاقي، بينما قام فرويد بتطعيم هذا الهيكل الهربارتي بالدوافع الغريزية والبيولوجية والجنسية (الليبييدو) وصدمات الطفولة المبكرة. إن فكرة “جهاز المناعة الذهني” الذي يقاوم الأفكار الشاذة والمرفوضة ويرمي بها خارج حيز الشعور هي فكرة هربارتية خالصة أخذها فرويد وحولها إلى نظريته الشهيرة حول “الأنا والهو والأنا الأعلى”؛ مما يجعل هربارت بحق الجد الأكبر والملهم النظري الخفي لحركة التحليل النفسي برمتها.
6. علم النفس الرياضي والنمذجة الكمية للعمليات الذهنية
6.1 ضرورة تطبيق الرياضيات على الحالات النفسية
في الوقت الذي أعلن فيه إيمانويل كانط في كتابه الشهير “المبادئ الميتافيزيقية الأولى للعلم الطبيعي” (1786) حكماً قاطعاً ومحبطاً باستحالة تحويل علم النفس إلى “علم حقيقي بالمعنى الدقيق”، مبرراً ذلك بأن العمليات النفسية والظواهر الداخلية لا تقبل التطبيق الرياضي لأنها تمتد في بُعد الزمان فقط وتفتقر إلى أبعاد المكان والامتداد الهندسي، انتفض هربارت ليتحدى هذا التحريم الكانطي الصارم، معلناً بشجاعة نادرة أن علم النفس لا يمكن أن يكتمل أو يستحق صفة العلم إلا إذا أصبح علماً رياضياً دقيقاً وشاملاً كالميكانيكا الفلكية.
جادل هربارت بأن كانط أخطأ الفهم حين حصر تطبيق الرياضيات في الأبعاد المكانية والهندسية وحدها؛ فالرياضيات ليست هندسة مكانية فحسب، بل هي علم المقادير والحساب الكمي أيضاً. والتمثلات والأفكار في النفس البشرية، وإن لم تكن كتلية أو ذات أبعاد مكانية فيزياوية، تمتلك مقادير طاقية قابلة للقياس والتقدير؛ فللأفكار “شدة” (Intensität) تتفاوت من القوة إلى الضعف، ولها “درجة وضوح”، ولها “سرعة” في الحركة والتداعي، وتدخل في علاقات تصادم وتوازن تبدي فيها “قوى مقاومة” مختلفة. وطالما أن هناك مقادير تزيد وتنقص وتتغير عبر الزمان، فإنها تخضع بالضرورة لقوانين الحساب والتحليل الكمي.
وضع هربارت بالتالي معادلات رياضية وصيغاً رمزية معقدة لنمذجة حركة التمثلات، محاولاً حساب قوى التجاذب والتنافر ومحاور الاستقرار في الوعي؛ واعتبر أن كل حالة ذهنية هي في جوهرها نقطة اتزان رياضي بين منظومة معقدة من القوى المتصارعة. وبذلك، كان أول مفكر في التاريخ الإنساني يطرح فكرة النمذجة الرياضية للعمليات العقلية، مجسداً طموح عصر التنوير في إخضاع أعمق خفايا النفس الإنسانية للغة الجبر والحساب والتكميم الصارم.
6.2 حساب التفاضل وتوازن القوى الفكرية
لتحقيق طموحه في التكميم النفسي، وظف هربارت أدوات حساب التفاضل والتكامل (Calculus) التي طورها نيوتن ولايبنتز، لمحاكاة التغيرات المتناهية في الصغر التي تطرأ على قوى التمثلات وسرعة هبوطها وصعودها عبر مجرى الزمان. وافترض هربارت أنه إذا اصطدم تمثلان غير متوافقين لهما طاقتا (a) و (b)، حيث (a) تمثل الفكرة الأقوى و (b) تمثل الفكرة الأضعف، فإن مقدار الكبح الإجمالي الذي يقع على المنظومة الذهنية يتعين بصيغ رياضية تأخذ في الحسبان نسبة التضاد بينهما، بحيث تتحمل الفكرة الضعيفة القسط الأكبر من الإعاقة والتضاؤل التدريجي.
استخدم هربارت معادلات تفاضلية من الدرجة الأولى لتمثيل معدل اضمحلال الأفكار نحو عتبة الوعي، حيث ينخفض استحضار الفكرة بمرور الوقت وفق دالة أسية تتناسب طردياً مع قوى المقاومة المعاكسة؛ وصاغ فرضيات رياضية لحساب ما أسماه “بقية التمثل” (Das Residuum)، وهو المقدار المتبقي من طاقة الفكرة الذي يظل فاعلاً في الوعي بعد تعرضها لكبح جزئي. كما صاغ معادلات خاصة لحساب شروط الاتزان الساكن (Statik des Geistes) حين تتكافأ القوى الفكرية وتستقر الأفكار في حالة توازن مستقر، وقوانين حركية الأفكار (Mechanik des Geistes) حين يختل التوازن بفعل منبه خارجي جديد يقتحم الذهن ويدفع المنظومة بأسرها إلى إعادة التموضع والحساب.
وكان هربارت يهدف من وراء هذا التعقيد الرياضي إلى تجريد الظواهر النفسية من طابعها المزاجي والحدسي الغامض، مبيناً أن استجابة المتعلم في الفصل الدراسي لمثير معين ليست حدثاً عشوائياً، بل هي نتيجة حتمية ومحسوبة رياضياً لتفاعل قوى أفكاره السابقة مع المثير الجديد؛ فإذا أمكننا نظرياً معرفة مقادير طاقات التمثلات المسبقة في ذهن التلميذ، لأمكننا التنبؤ بدقة رياضية بما سينتبه إليه وما سيهمله أو ينساه بالضرورة.
6.3 التقييم التاريخي لمحاولة هربارت الرياضية
حين ينظر مؤرخو العلوم اليوم إلى مشروع هربارت في علم النفس الرياضي، فإنهم يصفونه بأنه “محاولة عبقرية سابقة لأوانها بعقود طويلة”، لكنها اصطدمت بمأزق إبستمولوجي بنيوي خطير حرمها من التحول إلى ثورة علمية مكتملة في زمانه؛ وتجلى هذا المأزق في “غياب أدوات القياس التجريبي الميداني المقارن”. لقد وضع هربارت صروحاً من المعادلات الرياضية والرموز الجبرية المعقدة لسرعة الأفكار وقوى الكبت، لكنه لم يكن يمتلك في مطلع القرن التاسع عشر أي وسيلة معملية أو أجهزة تجريبية (مثل أجهزة قياس أزمنة الرجع والنبض الكهربائي العصبي) لتقدير وتدريج قيم تلك المتغيرات بأرقام عيانية مستمدة من أرض الواقع، فظلت معادلاته رموزاً نظرية مجردة ونماذج عقلية بارعة تفتقر إلى المعايرة الإمبيريقية.
ومع ذلك، كان لهذا الفشل الإجرائي المؤقت أثر تاريخي بالغ الخطورة والإيجابية؛ إذ فتحت أطروحات هربارت أعين أجيال كاملة من العلماء الألمان على إمكانية تكميم الظواهر النفسية، وألهمت محاولاته الرياضية كلاً من غوستاف تيودور فيشنر وإرنست هاينريش فيبر لتأسيس علم “السيكوفيزيقا” (Psychophysik) في منتصف القرن التاسع عشر؛ حيث استعار فيشنر فكرة عتبة الوعي الهربارتية وحساباتها ليصيغ “قانون فيبر-فيشنر” الشهير الذي يربط رياضياً وتجريبياً بين شدة المثير الحسي الفيزيائي ودرجة الاستجابة الشعورية الواعية في الذهن.
علاوة على ذلك، يُعد هربارت اليوم الرائد الأول والأب الشرعي لعلم النفس الرياضي المعاصر (Mathematical Psychology)، ونظريات الشبكات العصبية والحوسبة المعرفية التي تتعامل مع العمليات العقلية بوصفها تدفقات من البيانات ومقادير من الطاقة تتفاعل وتتوازن عبر خوارزميات رياضية دقيقة؛ مما يبرهن على أن رؤيته الكمية، وإن بدت لمعاصريه ضرباً من الخيال الأكاديمي، كانت في الواقع استشرافاً مذهلاً للمسار الذي ستسلكه العلوم الإنسانية في العصر الحديث.
7. نظرية الاستيعاب العقلي (الكتلة الاستيعابية)
7.1 تعريف الاستيعاب والفرق بين الإدراك الحسي والاستيعابي
تعد نظرية “الاستيعاب” أو “الإدراك الفائق / التمثل الإدراكي” (Die Apperzeption) الذروة المضيئة لإسهامات هربارت الفكرية، والمفهوم الذي شكل أعظم جسر ربط بين فلسفته النفسية وتطبيقاته التربوية. استعار هربارت المصطلح في البداية من فلسفة لايبنتز وكانط، لكنه نقله من حقلهما الميتافيزيقي والمتعالي (الترانسندنتالي) ليصوغه في قالب سيكولوجي إمبيريقي يصف الآلية العقلية اليومية التي يتعلم بها البشر ويفهمون من خلالها ما يحيط بهم من أحداث ومواضيع.
يميز هربارت تمييزاً جوهرياً وحاسماً بين عمليتين ذهنيتين غالباً ما يقع الخلط بينهما:
- الإدراك الحسي البسيط (Perzeption): وهو العملية الفسيولوجية السلبية والعفوية التي تستقبل فيها الحواس المثيرات الخارجية الخام المنعزلة؛ مثل رؤية بقعة لونية أو سماع صوت مفاجئ غير مفهوم دون إدراك دلالته أو كنهه. هذا الإدراك هو مجرد نافذة استقبال حسية لا تصنع معرفة حقيقية بمفردها.
- الإدراك الاستيعابي (Apperzeption): وهو العملية العقلية الإيجابية والنشطة التي يتم فيها احتواء وتفسير ودمج هذه المعطيات الحسية الواردة عبر ربطها وتنسيقها مع شبكة المعارف والخبرات والتصورات القديمة المخزونة سلفاً في الذاكرة. فالإنسان لا يستوعب الشيء لأنه يراه فقط، بل يراه ويفهمه لأن في عقله معارف سابقة تتطابق معه وتمنحه معناه وهويته.
فإذا نظر طفل صغير إلى “تلسكوب فلكي”، فإنه بحكم الإدراك الحسي الخام يرى أنبوباً معدنياً لامعاً مزوداً بقطع زجاجية؛ لكن عالم الفلك الذي ينظر إلى الشيء عينه يستوعبه إدراكياً بوصفه أداة بصرية لرصد الأجرام السماوية وحساب مسارات الكواكب. فالمشهد البصري واحد، لكن “المعنى” اختلف كلياً باختلاف البنية المعرفية السابقة التي استقبلت ذلك المثير؛ ومن هنا فإن عملية الاستيعاب عند هربارت هي الجوهر الحقيقي لكل فعل تعلم إنساني، وهي الآلية الوحيدة التي يُخلق من خلالها الفهم وتُضفى بها الدلالة على معطيات التجربة الراهنة.
7.2 بنية الكتلة الاستيعابية ووظائفها التوجيهية
أطلق هربارت على ذلك الرصيد التراكمي المنظم من الخبرات والمعارف والأفكار والذكريات المستقرة في ذهن الفرد اسم “الكتلة الاستيعابية” (Apperzeptionsmasse). هذه الكتلة ليست مجرد ركام غير متجانس أو كومة عشوائية من المعلومات المنسية، بل هي بنية عضوية ونسيج فكري ديناميكي مترابط تتجمع فيه الأفكار وتتكتل حول محاور واهتمامات معينة؛ وتتصرف هذه الكتلة كسلطة مركزية وحارس معرفي مهيمن يدير الحياة الواعية للإنسان بأسرها.
تمارس الكتلة الاستيعابية ثلاث وظائف توجيهية كبرى في الجهاز العقلي:
- سلطة الاختيار والانتقاء: فهي التي تحدد ما يسمح له بالمرور عبر عتبة الوعي وما يُحكم عليه بالرفض والكبت؛ فالإنسان لا يرى ولا يسمع كل ما يدور حوله في البيئة، بل ينتبه فقط للمثيرات التي تجد لها “صدى” أو قرابة دلالية مع ما تحويه كتلته الاستيعابية من تمثلات قائمة، بينما يتم تجاهل المثيرات الغريبة تماماً أو رفضها لعدم وجود مرجعيات تفسرها.
- وظيفة التحويل والتأويل: فالأفكار الجديدة لا تدخل العقل بصورتها النقية الأصلية، بل تقوم الكتلة الاستيعابية بهضمها وتحويرها وإعادة تشكيلها لتناسب طبيعة المنظومة الفكرية القائمة سلفاً لدى المتعلم، تماماً كما يحول الجهاز الهضمي الطعام إلى مادة حية تناسب بنية الجسم.
- وظيفة إسناد القيمة والمعنى: وبموجبها تتحدد مشاعر الفرد ومواقفه الأخلاقية والجمالية تجاه الأحداث؛ فاختلاف التفسيرات بين شخصين لحادثة اجتماعية أو سياسية واحدة يرجع مباشرة إلى تباين طبيعة وتكوين “الكتل الاستيعابية” لدى كل منهما، والتي تشكلت عبر مسارات حياتية وثقافية مختلفة.
تعد هذه الرؤية الهربارتية الأصل التاريخي المباشر لما يُعرف في علم النفس المعرفي المعاصر بـ “نظرية المخططات الذهنية” (Schema Theory) التي طورها فريدريك بارتليت وجان بياجيه لاحقاً، والتي تؤكد أن استيعاب أي معلومة جديدة مشروط بوجود مخطط عقلي مسبق يستوعبها ويوفر لها البيئة التفسيرية الحاضنة.
7.3 آليات الانتباه الإرادي وغير الإرادي وعلاقته بالاستيعاب
ربط هربارت نظرية الاستيعاب العقلي بمفهوم “الانتباه” (Aufmerksamkeit)، وفكك آلياته الميكانيكية والنفسية تفكيكاً دقيقاً؛ مبيناً أن الانتباه ليس طاقة سحرية غامضة نوجهها كيفما نشاء، بل هو ظاهرة سيكولوجية مشروطة تماماً بحركة الكتل الاستيعابية. وقسم هربارت الانتباه إلى نمطين أساسيين يتدرج الإنسان بينهما:
النمط الأول هو “الانتباه اللاإرادي أو السلبي” (Unwillkürliche Aufmerksamkeit)، وهو الذي يفرضه المثير الخارجي بقوته الذاتية الفجة وعنفه الحسي (كالصوت المدوي المفاجئ أو الوميض الضوئي الساطع)، أو ينشأ عفوياً حين يصادف المثير رغبة ملحة أو تمثلاً خاملاً في الكتلة الاستيعابية فيستفزه ويجذبه إلى السطح دون أدنى جهد يبذله الشخص. هذا النمط من الانتباه بدائي، ومشتت، وعابر، ولا يمكن الاعتماد عليه بمفرده في بناء تعليم رصين مستدام.
أما النمط الثاني فهو “الانتباه الإرادي أو النشط” (Willkürliche Aufmerksamkeit)، وهو فعل عقلي رفيع يتطلب استدعاءً مقصوداً ومتعمداً لكتلة استيعابية معينة من أعماق الذاكرة، ووضعها في حالة استعداد طاقي لملاقاة خبرة جديدة صعبة أو غير جذابة بذاتها؛ كأن يجبر الطالب نفسه على دراسة مسألة رياضية جافة أو نص تاريخي معقد. وهذا الانتباه يتطلب جهداً وإرادة لمقاومة المشتتات، إلا أن هربارت يحذر بشدة من استمرار الاعتماد على الجهد القسري وحده، لأن ذلك يقود سريعاً إلى الإرهاق الذهني والنفور الوجداني.
وتتجلى عبقرية المعلم الهربارتي هنا في مهارة توظيف قوانين الاستيعاب لتحويل “الانتباه الإرادي الشاق” إلى انتباه عفوي ومستدام يُعرف بـ “الاهتمام المعرفي الأصيل” (Interesse). ويتحقق ذلك حين ينجح المربي في كشف الروابط الخفية وتجسير الفجوة بين الموضوع الدراسي الجديد وبين الكتل الاستيعابية التي يعشقها التلميذ بالفعل وتثير شغفه، مما يجعل التعلم عملية اكتشاف ممتعة تتدفق فيها التمثلات بيسر وسلاسة، وتندمج داخل البنية الذهنية دون حاجة إلى الإكراه والعقاب والقسر الخارجي.
8. علم النفس التربوي والربط المحوري بين الأخلاق والمعرفة
8.1 الأخلاق كغاية نهائية والبيداغوجيا كوسيلة تنفيذية
تتفرد فلسفة هربارت التربوية بأنها لا تقبل العشوائية أو الانفصال بين الفكر النظري والممارسة العملية؛ فقد أقام نظريته البيداغوجية على عمادين فلسفيين متكاملين وراسخين لا غنى لأحدهما عن الآخر: “علم الأخلاق” (Ethik) من جهة، و”علم النفس” (Psychologie) من جهة أخرى. وصاغ هربارت هذه العلاقة الجوهرية في معادلته المعرفية الشهيرة التي لخصت جوهر مشروعه التربوي بأكمله:
“علم الأخلاق هو الذي يرسم الغاية القصوى للتربية، في حين أن علم النفس هو الذي يوفر الوسائل والطرق التنفيذية لتحقيق تلك الغاية.”
فالأخلاق، بوصفها فرعاً من الفلسفة العملية، تجيب عن السؤال المعياري والوجودي الأساسي: “إلى أين نوجه الإنسان؟ وما هو النموذج الإنساني الأسمى الذي يجب أن نسعى لصياغته وتكوينه؟”. وتجيب فلسفة هربارت عن ذلك بحسم: إن الغاية القصوى لكل تنشئة بشرية هي “تكوين الشخصية الأخلاقية المتزنة والمستنيرة” التي ترتكز على الفضيلة والحكمة وحرية الضمير الداخلي.
أما علم النفس، فيجيب عن السؤال العلمي التطبيقي: “كيف نصل إلى ذلك الهدف؟ وما هي طبيعة الذهن البشري ومسارات عملياته التي يجب على المربي مراعاتها لغرس تلك الأخلاق دون تشويه أو إخفاق؟”. لقد أدرك هربارت أن الأخلاق التي لا تتسلح بمعرفة سيكولوجية عميقة بآليات الاستيعاب وديناميات الأفكار تظل مجرد وعظ طوباوي عقيم ونوايا طيبة لا تثمر في الواقع سوى النفاق أو التمرد؛ وأن علم النفس المجرد من الغايات الأخلاقية السامية يتحول إلى تقنية تلاعبية خطيرة وفارغة من القيمة الروحية والإنسانية.
8.2 تنمية الفضيلة وقوة الشخصية الأخلاقية
عرف هربارت “الفضيلة” (Tugend) بأنها الاستقرار الراسخ والنهائي للإرادة الإنسانية على فعل ما هو خير وحق؛ وهي في جوهرها ليست عاطفة جياشة عابرة ولا طاعة عمياء لأوامر خارجية ونصوص مقدسة، بل هي “بصيرة عقلية مستنيرة” ناتجة عن التناسق الداخلي الشامل للأفكار والتمثلات. فالشخص الأخلاقي الحق عند هربارت هو الشخص الذي استقرت منظومته المعرفية على نحو لم يعد معه للرغبات الهمجية والأفكار المتنافرة قدرة على زعزعة توازنه الداخلي.
واشتق هربارت في فلسفته العملية خمس “أفكار أخلاقية كبرى” (Praktische Ideen) اعتبرها المبادئ الكلية التي تقيس بها النفس البشرية سلوكياتها ومساراتها، وهي:
- الحرية الداخلية (Innere Freiheit): وهي تطابق تام وانسجام كامل بين إرادة الفرد الحية وبصيرته العقلية والقناعات الراسخة في فكره، بحيث لا تفعل الإرادة شيئاً ينكره العقل أو يرفضه الضمير المستنير.
- الكمال أو العظمة (Vollkommenheit): وتعني قوة وكثافة وتعدد وتناسق الأفكار والجهود؛ فالإرادة القوية الشاملة والنشطة أسمى من الإرادة الضعيفة الخاملة حتى لو كانت حسنة النية.
- النية الحسنة أو العطف (Wohlwollen): وهي نكران الذات والنزوع غير الأناني لتوجيه الإرادة نحو تعزيز سعادة الآخرين ورفاههم والتعاطف مع قضاياهم.
- العدالة والحق (Recht): وتنشأ كفكرة عقلية لفض النزاعات وتجنب الصراع المتبادل بين إرادات متعددة عبر الاحتكام للقانون والاتفاق العادل المنظم للحياة الجمعية.
- الإنصاف أو الجزاء (Vergeltung / Billigkeit): وتعني الإقرار بضرورة مكافأة العمل الصالح وعقاب السلوك السيئ بمقدار أثرهما، لترسيخ النظام القيمي في الوعي.
والهدف التربوي الأسمى هو تحويل هذه الأفكار الأخلاقية الخمس من مجرد مبادئ نظرية باردة إلى تكوين سيكولوجي حي يُعرف بـ “قوة الشخصية الأخلاقية” (Charakterstärke der Sittlichkeit)؛ بحيث يصبح الواجب الأخلاقي التزاماً ذاتياً ينبع من صميم كيان الفرد لا خوفاً من عقاب ولا طلباً لمكافأة دنيوية، بل حفاظاً على نقاء البنية الفكرية والروحية التي تشكل هويته الإنسانية.
8.3 مفهوم ‘التعليم التكويني’ وبناء الدائرة الفكرية
صاغ هربارت واحداً من أعمق المفاهيم التربوية وأكثرها تأثيراً في تاريخ التعليم الحديث، وهو مفهوم “التعليم التكويني أو التعليم المربي” (Erziehender Unterricht). يقف هذا المفهوم على طرفي نقيض صريح مع نمطين تعليميين كانا سائدين في عصره ولا يزالان يلقيان بظلالهما حتى اليوم: التعليم التلقيني النفعي الصرف الذي يقتصر على شحن ذهن المتعلم بالمعلومات والمهارات التقنية النفعية لكسب العيش بمعزل عن أي تهذيب أخلاقي أو روحي، والتربية العاطفية الوعظية السطحية التي تحاول تعديل سلوك الطفل بالنصائح الجافة والزجر دون تزويده بمعرفة فكرية حقيقية.
ينطلق هربارت من مبدأ فلسفي-سيكولوجي قاطع: “لا تعليم بدون تربية أخلاقية، كما أنه لا توجد تربية أخلاقية حقيقية لا تتأسس على التعليم والمعرفة”. فالإرادة الأخلاقية عند هربارت ليست نبتة شيطانية تنبت في فراغ، وليست ملكة فطرية معزولة عن التفكير؛ بل إن إرادة الإنسان، ومشاعره، ودوافعه السلوكية، تتولد جميعها بطريقة سببية حتمية من محتويات “دائرته الفكرية” (Gedankenkreis). إن ما يفكر فيه الإنسان وما يستقر في ذهنه من شبكات المعاني والصور هو الذي يصنع بالضرورة ما يرغب فيه وما يكرهه، وما يسعى إليه وما يحجم عنه.
من هنا، يصبح بناء “الدائرة الفكرية” وتشكيلها الواعي هو المهمة المركزية والوحيدة للتعليم المربي؛ فالأستاذ الذي يبث في عقول تلاميذه أفكاراً علمية وأدبية وفلسفية وفنية ثرية ومنسجمة ومترابطة، ويبني كتلهم الاستيعابية بعناية فائقة، يبني في الحقيقة والواقع إراداتهم الأخلاقية ويحصنهم ضد الانحراف والابتذال. إن الجهل وضيق الأفق الفكري واضطراب الأفكار هي المرتع الخصب لكل رذيلة وانحطاط سلوكي؛ في حين أن العقل المنظم والمستنير والمترابط البنية لا يمكن إلا أن يقود صاحبه نحو اتزان الإرادة وسمو السلوك وقوة الشخصية الأخلاقية.
9. الخطوات التعليمية الهربارتية وتطبيقاتها الميدانية
9.1 الخطوات الأربع الأصلية لصياغة الدرس الفعال
انطلاقاً من نظريته السيكولوجية في الاستيعاب وتداعي التمثلات، وضع هربارت نسقاً منهجياً محكماً لإدارة عملية التدريس وصياغة بنية الدرس الفعال، يقوم على أربع مراحل أو خطوات عقلية متسلسلة تعكس التطور الطبيعي للحركة الذهنية لدى الإنسان أثناء استقباله واستيعابه لأي معرفة جديدة. واعتبر هربارت أن أي درس يغفل إحدى هذه الخطوات أو يخل بترتيبها المنطقي، يتحول حتماً إلى تجربة تعليمية فاشلة ومشتتة لذهن المتعلم:
تتمثل هذه الخطوات الأربع الأصلية (Formalstufen) في الآتي:
- خطوة الوضوح (Klarheit): وتتطلب هذه المرحلة عزل العنصر التعليمي أو الفكرة المراد تعلمها عزلاً تاماً عن كل ما عداها من المؤثرات والمشتتات، وتقديمها للمتعلم بأقصى درجات التركيز والتحديد والوضوح الحسي؛ حيث يغوص الذهن في تفاصيل المفردة الواحدة بتمهل حتى يتبين ملامحها الدقيقة، وهو ما يماثل حالة الانتباه المتعمق والساكن (Vertiefung).
- خطوة الارتباط (Assoziation): وفيها ينتقل المعلم من حالة السكون إلى حالة الحركة الذهنية، متيحاً المجال لإجراء حوار تفاعلي ومقارنات حرة تهدف إلى إقامة جسور وروابط بين الفكرة الجديدة التي أصبحت واضحة وبين الأفكار والخبرات القديمة المستقرة في الكتلة الاستيعابية للتلميذ، فتختبر أوجه الشبه والاختلاف لتذويب الوحشة بين الجديد والمألوف.
- خطوة النظام أو النسق (System): بعد الربط والتقريب، تأتي مرحلة التفكير التأملي الشامل والمنظم؛ حيث يُرتب المتعلم الأفكار المرتبطة داخل نسق عام وقاعدة كلية، مستنبطاً القانون المجرد أو المبدأ العلمي الذي يحكم تلك الجزئيات ويوحدها داخل شبكة المعرفة الكلية، متجاوزاً بذلك التناثر العشوائي للمعلومات.
- خطوة الطريقة أو التطبيق (Methode): وهي الخطوة التتويجية والعملية؛ حيث يُطلب من المتعلم الخروج من دائرة الاستيعاب النظري إلى ممارسة المعرفة فعلياً من خلال تطبيق القوانين والقواعد المستنبطة في حل مشكلات وتدريبات وتطبيقات جديدة ومتنوعة، مما يرسخ استقرار الأفكار في الكتلة الاستيعابية ويبرهن على امتلاك الطالب الحقيقي للمهارة.
هذا الترتيب المحكم نقل التخطيط التدريسي من مجرد اجتهادات انطباعية فوضوية تخص كل معلم إلى ممارسة مهنية علمية منضبطة تخضع لمعايير نفسية ومنطقية صارمة ومبرهنة سيكولوجياً.
9.2 تطوير الخطوات الخمس على يد أتباع المدرسة الهربارتية
بعد وفاة هربارت، قامت حركة أكاديمية واسعة من تلاميذه ومحبيه بتطوير مؤلفاته ونشرها، وتولى اثنان من كبار رواد “المدرسة الهربارتية الحديثة” (Neu-Herbartianismus) – وهما الفيلسوف والمربي تويلون تسيلر (Tuiskon Ziller) في جامعة لايبتزغ وتلميذه فلهلم راين (Wilhelm Rein) في جامعة يينا – إعادة صياغة وهيكلة الخطوات التعليمية الأربع، وتوسيعها لتصبح “الخطوات التعليمية الخمس الشهيرة” التي اعتمدت لعقود طويلة كمعيار دولي عالمي لتخطيط الدروس وتأهيل المعلمين في أوروبا والولايات المتحدة وكافة أرجاء العالم المتحضر:
تمثلت هذه الخطوات الخمس المعيارية في الترتيب التالي:
- 1. التهيئة والتحضير (Vorbereitung / Preparation): وتتمثل في استدعاء الأفكار والخبرات السابقة ذات الصلة من الكتلة الاستيعابية للمتعلمين وتنشيطها وجلبها إلى حيز الوعي الحاضر لتهيئة الذهن لاستقبال المعرفة الجديدة.
- 2. العرض والتقديم (Darbietung / Presentation): وهو العرض الواضح والحي للمادة والخبرات التعليمية الجديدة باستخدام الوسائل الحسية المناسبة والشرح المنظم والدقيق.
- 3. الربط والمقارنة (Verknüpfung / Association): المقارنة التحليلية العميقة بين المعارف الجديدة المكتسبة والتمثلات القديمة المستحضرة، وتحديد نقاط التماثل والفروق الجوهرية بينهما.
- 4. التعميم والاستنباط (Zusammenfassung / Generalization): تجريد المعارف من أطرها العيانية وصياغة القواعد الكلية والمفاهيم العامة والنظريات المجردة التي انتظمت فيها المعارف المستوعبة.
- 5. التطبيق والممارسة (Anwendung / Application): حل التمارين والأنشطة الإثرائية والمشكلات الحياتية لترسيخ المفاهيم ونقل أثر التعلم إلى سياقات جديدة ومستقلة.
تحول هذا النموذج الخماسي إلى الإنجيل التعليمي غير الرسمي لكليات ومعاهد إعداد المعلمين طوال النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وساهم بصورة حاسمة في دمقرطة الممارسة الصفية ورفع كفاءة التعليم العام، عبر تزويد آلاف المعلمين ببوصلة بيداغوجية واضحة ومقننة تحميهم من التخبط والعشوائية داخل الفصول الدراسية.
9.3 مفهوم الاهتمام متعدد الجوانب وشروط تحقيقه
رفض هربارت فكرة قصر العملية التعليمية على تخصص علمي ضيق أو تدريب مهني محدود في المراحل العمرية المبكرة، واعتبر أن العلامة الفارقة للتعليم التكويني الراقي هي توليد وتنمية ما أسماه بـ “الاهتمام متعدد الجوانب المتزن” (Vielseitigkeit des Interesses). فالاهتمام عند هربارت ليس وسيلة مؤقتة لحمل التلميذ على حفظ درس اليوم، بل هو “غاية في حد ذاته”؛ إنه حالة من التفتح الروحي والنشاط الذهني المستمر التي تسبق التعلم وترافقه وتضمن بقاء شعلة الرغبة في المعرفة متقدة في نفس الإنسان طوال حياته.
قسم هربارت مصادر الاهتمام متعدد الجوانب إلى مجالين رئيسيين، ينقسم كل منهما إلى ثلاثة أبعاد نوعية، مشكلاً بذلك سداسية متوازنة تغطي كافة أبعاد الوجود الإنساني:
أولاً: الاهتمام المعرفي القائم على دراسة الطبيعة والعالم الخارجي:
- الاهتمام التجريبي (Empirisches Interesse): الموجه نحو إدراك ظواهر الطبيعة المتعددة وجمع الحقائق ورصد الأشياء كما هي في الواقع العياني.
- الاهتمام التأملي (Spekulatives Interesse): النزوع نحو البحث في الأسباب والعلل العميقة والقوانين المنطقية والروابط السببية التي تحكم العالم.
- الاهتمام الجمالي (Ästhetisches Interesse): القدرة على تذوق الجمال والتناغم والانسجام في الفنون والطبيعة وتكوين الأحكام الذوقية الصائبة.
ثانياً: الاهتمام الوجداني-الاجتماعي القائم على التعامل مع البشر والمجتمع:
- الاهتمام التعاطفي (Sympathisches Interesse): القدرة على مشاركة المشاعر الإنسانية، والتضامن الوجداني مع آلام الآخرين وأفراحهم.
- الاهتمام الاجتماعي (Soziales Interesse): فهم الروابط الجمعية والقضايا الوطنية والاجتماعية والنزوع نحو خدمة المجتمع والمصلحة العامة.
- الاهتمام الديني (Religiöses Interesse): الشعور بالخشوع والرهبة أمام عظمة الوجود والسمو الروحي نحو المبدأ الإلهي وتأمل مصير النفس البشرية.
اشترط هربارت أن تحقق التربية التوازن التام بين هذه الجوانب الستة دون طغيان لأحدها على الآخر؛ فالإفراط في تدريس العلوم الطبيعية وحدها ينتج عقلاً تقنياً جافاً ومجرداً من الحس الأخلاقي والإنساني، والإفراط في الدراسات الأدبية أو التأملية دون علوم دقيقة ينتج شخصيات حالمة تفتقر للواقعية والصلابة العقلية. ومن خلال هذا الاهتمام المتعدد، تتكامل “الدائرة الفكرية”، وتتحصن النفس ضد التعصب وضيق الأفق، وتنبثق الشخصية الأخلاقية المتوازنة والمستقلة.
10. المواقف النقدية والمقارنة مع معاصريه
10.1 هربارت وإيمانويل كانط: التلاقي والقطيعة
شغل هربارت موقعاً فريداً وشديد التعقيد إزاء فلسفة مواطنه الرائد إيمانويل كانط؛ فقد اعتبر نفسه دوماً تلميذاً مخلصاً لروح النقد الكانطي في تحري الدقة والصرامة المنهجية، وتقاسم معه الإيمان الراسخ بمركزية الأخلاق بوصفها أسمى ما يمكن أن ينتجه العقل الإنساني والهدف النهائي للتربية. غير أن هذا التقدير البالغ لم يمنع هربارت من إحداث قطائع معرفية وميتافيزيقية جذرية مع الصرح الكانطي في عدة محاور أساسية هزت أركان الفلسفة النقدية.
تمثلت القطيعة الأولى في رفض هربارت الصارم لنظرية كانط حول “الشيء في ذاته” (Ding an sich) بوصفه كينونة مجهولة ومستحيلة المعرفة ومفصولة بحجاب لا يُعبر عن عالم الظواهر (Phänomena). لقد رأى هربارت في هذا الفصل ضرباً من الشكوكية العقيمة التي تفرغ المعرفة من مضمونها الحقيقي، مؤكداً أن الظواهر ليست أوهاماً تحجب الواقعيات، بل هي “دلالات ومؤشرات حقيقية” على وجود تلك الواقعيات؛ وأن مهمة الفلسفة ليست الاستسلام للعجز المعرفي، بل اختراق الظواهر لتصحيح المفاهيم والوصول إلى معرفة موضوعية بطبيعة الكينونات البسيطة وقوانين تفاعلها.
أما القطيعة الثانية والمدوية، فكانت في رفضه لموقف كانط المتعنت إزاء علم النفس؛ حيث كسر هربارت التحريم الكانطي لتطبيق الرياضيات على دراسات العقل والشعور، وبرهن نظرياً ورياضياً على أن العمليات النفسية تمتلك مقادير طاقية قابلة للقياس والتكميم الصارم. كما رفض تقسيم كانط الصارم للعقل إلى ملكات حس وفهم وعقل قبلي متعالٍ، مقدماً بدلاً منه مذهبه الواقعي الذي يرى في العقل بنية ديناميكية واحدة تتولد تدريجياً عبر تفاعل وتمثل الخبرات المعطاة، ليعيد بذلك علم النفس من سماء التأمل الترانسندنتالي إلى أرض الملاحظة الإمبيريقية والقوانين الميكانيكية.
10.2 الخلاف الجذري مع بستالوتزي وشلايرماخر
رغم التقدير العاطفي والإنساني الكبير الذي أبداه هربارت للمربي السويسري يوهان هاينريش بستالوتزي ودعمه لمشروعه الرائد في مراحله الأولى، إلا أن التطور الفكري لهربارت قاده إلى تسجيل خلاف جذري ومحوري مع الأسس النظرية للمنهج البستالوتزي. انتقد هربارت ما اعتبره “اعتماداً مفرطاً وساذجاً من بستالوتزي على الحدس الحسي العفوي المباشر” (Anschauung) دون تأطير هذا الحدس بنسق فلسفي وسيكولوجي متماسك؛ مشيراً إلى أن وضع الأشياء والوسائل الحسية أمام أعين الأطفال لا يؤدي تلقائياً إلى الفهم والمعرفة ما لم تُبنَ في أذهانهم مسبقاً الكتل الاستيعابية الكفيلة بهضم وتفسير تلك المعطيات الحسية، محذراً من أن الحدس الحسي غير المنظم فكرياً ينقلب سريعاً إلى تشويش ذهني وضياع معرفي.
وعلى جبهة أخرى، اصطدم هربارت اصطداماً فكرياً حاداً مع الفيلسوف واللاهوتي الرومانسي البارز فريدريش شلايرماخر، الذي كان يمثل تيار “البيداغوجيا الفردية والهرمنيوطيقية”. عارض هربارت بقوة النزعة الرومانتيكية الذاتية لدى شلايرماخر، والتي كانت تنظر إلى التربية كفن تأويلي خاص يقتصر على الإنصات العاطفي لفرادة الطفل وتطوير قدراته الذاتية بصورة شبه فوضوية تتوجس من القواعد العلمية الصارمة والمعايير الكلية المستقلة.
أصر هربارت في مواجهة شلايرماخر على الطابع العلمي الموضوعي الصارم للتربية؛ مؤكداً أن البيداغوجيا ليست فناً غامضاً أو حساً وجدانياً هلامياً يعتمد على إلهام المعلم ومزاجه، بل هي علم تطبيقي منضبط له قوانينه النفسية الثابتة وغاياته الأخلاقية الكلية القابلة للبرهنة والتطبيق المنهجي. لقد رأى في مثالية شلايرماخر التربوية خطراً يهدد استقرار المجتمعات عبر تجريد المعلم من المنهجية الواضحة وترك العملية التعليمية عرضة للعواطف الفردية والتقلبات اللاهوتية غير القابلة للقياس والضبط العلمي.
10.3 ردود أفعال المثاليين الهيغليين على المذهب الواقعي
شهدت الجامعات الألمانية في الثلثين الثاني والأخير من القرن التاسع عشر سجالات فلسفية بالغة العنف والحدة بين أنصار الواقعية الهربارتية وتيار الفلسفة المثالية المطلقة بزعامة تلاميذ جورج فيلهلم فريدريش هيغل. شن الهيغليون هجوماً شرساً ومتواصلاً على فلسفة هربارت وعلم نفسه؛ موجهين إليه تهمة “التجزيئية الميكانيكية الميتة” (Mechanizismus) و”الذرية النفسية”، زاعمين أن هربارت بتفكيكه العقل إلى تمثلات وقوى كبح وتجاذب ميكانيكية قد ذبح “وحدة الروح الحية” ومزق الكيان الجدلي العضوي للوعي الإنساني وتطوره التاريخي الحر.
كما اتهم الهيغليون هربارت بأنه يتبنى نزعة محافظة ومضادة للحرية التاريخية بتأكيده على أن الروح جوهر بسيط بلا فاعلية ذاتية أصلية سوى الحفاظ على الذات؛ مما يلغي – في نظرهم – قدرة الإنسان على صنع التاريخ عبر الصراع الديالكتيكي ونفي النفي وتجلي الروح الكلي في مؤسسات الدولة والمجتمع المدني. واعتبروا أن خطواته التعليمية الخمس ليست سوى قوالب ميكانيكية استبدادية تسعى إلى تنميط عقول التلاميذ وحشوها بالأفكار كما تُشحن الآلات في المصانع الرأسمالية الناشئة.
ورغم الشراسة الأكاديمية لهذا الهجوم الهيغلي واستحواذ المثاليين على كثير من المناصب الجامعية في برلين ومراكز القرار السياسي لفترة من الوقت، إلا أن النظام الهربارتي أظهر صموداً استثنائياً وقوة بقاء نادرة؛ والسبب في ذلك هو التماسك المنطقي الداخلي لنسقه، والنجاح الميداني الباهر الذي حققته تطبيقاته البيداغوجية في المدارس ومراكز تدريب المعلمين، حيث عجزت المثالية الهيغلية بتجريداتها الميتافيزيقية الطنانة عن تقديم خطة درس واحدة صالحة للتطبيق في غرفة صفية، بينما قدمت الواقعية الهربارتية للمعلمين أدوات سيكولوجية عملية ومنهجية مكنتهم من إدارة الفصول وصناعة التعلم الحقيقي بكفاءة لا نظير لها.
11. الحركة الهربارتية وأثرها في ولادة علم النفس التجريبي
11.1 انتشار الهربارتية في ألمانيا وأوروبا والولايات المتحدة
عقب وفاة هربارت، انفجرت حركة فكرية وبيداغوجية كبرى عرفت باسم “الحركة الهربارتية”، تحولت إلى تيار عالمي كاسح غير ملامح النظم التعليمية في العالم الغربي بأسره خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. تأسست الجمعيات الأكاديمية المتخصصة في دراسة وتطوير الفكر الهربارتي، وأُصدرت المجلات العلمية الدورية المرموقة لنشر أبحاثه؛ وتأسست مراكز إشعاع هربارتية عملاقة، لا سيما في جامعتي لايبتزغ ويينا، حيث كانت تعقد الحلقات الدراسية التطبيقية التي يتوافد عليها آلاف المعلمين والأساتذة من كافة أرجاء أوروبا وأمريكا وروسيا واليابان للتدرب على المنهج الهربارتي ونقله لأوطانهم.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية تحديداً، أحدثت الحركة الهربارتية ثورة تعليمية شاملة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، قادها ثلة من رواد التعليم الأمريكيين الذين درسوا في ألمانيا، وعلى رأسهم تشارلز دي غارمو والإخوة تشارلز وفرانك مكمري. أسس هؤلاء الرواد في عام 1892 “الجمعية الوطنية لدراسة الهربارتية” (National Herbart Society)، التي أصدرت أمهات المصنفات والدوريات التي قننت طرق التدريس ومناهج إعداد المعلمين في الجامعات وكليات التربية الأمريكية الكبرى مثل كلية المعلمين بجامعة كولومبيا (Teachers College, Columbia University).
هيمن النموذج الهربارتي هيمنة شبه مطلقة على نظم التعليم العام والتخطيط المدرسي في أمريكا وأوروبا؛ فنظمت الكتب المدرسية وفق خطواته المنطقية، ودُرب المعلمون على صياغة الأهداف التعليمية، وتحضير الكتل الاستيعابية، وإدارة المناقشات الصفية وفق الخطوات الشكلية الخمس. وكان هذا الانتشار العالمي الواسع دليلاً قاطعاً على النجاح الباهر لمشروع هربارت في تحويل التعليم من مهنة يدوية غامضة تمارس بالحدس والمحاكاة إلى تخصص أكاديمي احترافي له مرجعياته ونظرياته ومناهجه العلمية المقننة.
11.2 التأثير المباشر على غوستاف فيشنر وفلهلم فوندت
لم يقتصر إرث هربارت على المجال التربوي، بل كان المحرك الأساسي والقوة الدافعة المباشرة التي أدت إلى ولادة “علم النفس التجريبي” كمجال مختبري مستقل. ويشهد تاريخ العلم بأن الرعيل الأول من مؤسسي هذا العلم في ألمانيا كانوا جميعهم مدينين بعمق للإطار النظري والمفاهيمي الذي شيده هربارت. فقد اعترف غوستاف تيودور فيشنر صراحة بأن أطروحات هربارت الرياضية حول “عتبة الوعي” وتدافع القوى الفكرية كانت الشرارة الملهمة التي دفعته لإجراء تجاربه المعملية الرائدة في السيكوفيزيقا وصياغة معادلاته المشهورة التي برهنت على خضوع العمليات النفسية للقياس الكمي الدقيق.
أما الأب المؤسس لعلم النفس التجريبي الحديث، فلهلم فوندت (Wilhelm Wundt) – الذي أسس أول مختبر رسمي لعلم النفس في العالم في جامعة لايبتزغ عام 1879 – فقد كان تأثره بهربارت عميقاً وبنيوياً. فعلى الرغم من أن فوندت انتقد هربارت لعدم إجرائه تجارب معملية بنفسه، إلا أنه استعار جوهر نظرية هربارت في “الاستيعاب” (Apperzeption) وجعلها الركيزة المركزية والمحور الأساسي لنظريته السيكولوجية في مختبر لايبتزغ لتفسير كيفية تنظيم العقل لخبراته الحسية وانتباهه الإرادي للمثيرات.
قام فوندت وتلاميذه بتحويل الفرضيات والنماذج النظرية الهربارتية إلى تجارب مختبرية عملية؛ فاستخدموا المياقيت وأجهزة التقدير الزمني (Chronoscopes) لقياس “أزمنة الرجع” (Reaction Times) وزمن الاستيعاب الإدراكي، وتحديد عتبات الإحساس والانتباه الفارق بدقة أجزاء من الثانية. وبذلك أثبتت المختبرات التجريبية صحة الحدوس العبقرية التي صاغها هربارت بقلمه ورياضياته على الورق قبل عقود من الزمان؛ مما يجعل هربارت بحق المهندس المعماري النظري الأبرز الذي استندت إليه مختبرات علم النفس الحديث عند نشأتها الأولى.
11.3 الانتقادات والتحولات في بدايات القرن العشرين
مع مطلع القرن العشرين، واجهت الحركة الهربارتية موجة عاتية من النقد الفلسفي والتربوي أدت إلى تراجع هيمنتها المؤسسية الصارمة؛ وكان ذلك نتيجة طبيعية لتحول خطواتها التعليمية الرائعة – عبر عقود من الممارسة الحرفية الروتينية لآلاف المعلمين ذوي الكفاءة المحدودة – إلى طقوس صفية جامدة ونمطية قاتلة أفرغت المنهج من روحه الحية، وجعلت الدروس قوالب مسبقة التجهيز تسحق عفوية المتعلمين وتلزمهم بمسارات تفكير نمطية واحدة.
قاد الفيلسوف والتربوي البراغماتي الأمريكي جون ديوي (John Dewey) وحركة “التربية التقدمية” (Progressive Education) رأس الحربة في تفكيك الهيمنة الهربارتية؛ ووجه ديوي في كتبه مثل “المدرسة والمجتمع” و”الديمقراطية والتربية” انتقادات لاذعة للنموذج الهربارتي، متهماً إياه بأنه نموذج شديد التمركز حول “المعلم والمادة الدراسية” (Teacher-centered)، ينظر إلى عقل الطفل كمستقبل سلبي تُبنى كتلته الاستيعابية من الخارج عبر ما يختاره ويسكبه المعلم من معارف جاهزة، بدلاً من أن يكون بيئة نشطة يتعلم فيها الطفل عبر “العمل والممارسة الذاتية” (Learning by doing) والتفاعل الديمقراطي مع المشكلات الواقعية لمجتمعه.
أدى هذا الهجوم التقدمي إلى تراجع تدريس الهربارتية كعقيدة تربوية شاملة وحل مكانها نظريات التعلم النشط، والتربية البنائية، ونظريات بياجيه وفيغوتسكي في علم النفس النمائي. ومع ذلك، لم يكن هذا التحول موتاً للفكر الهربارتي بل كان استيعاباً وتجاوزاً له؛ فالأفكار الهربارتية التأسيسية – كأهمية الخبرات السابقة في التعلم، ودور الانتباه، وترابط المفاهيم، والبعد الأخلاقي للمعرفة – لم تمت قط، بل أصبحت من البديهيات الراسخة التي قامت عليها كافة نظريات التعلم المعرفية الحديثة، والتي ظلت تعترف لهربارت بريادته الأولى التي مهدت لكل تطور لاحق.
12. التقييم التاريخي والمعاصر لإرث يوهان فريدريش هربارت
12.1 مكانة هربارت في الفكر السيكولوجي المعاصر
يشهد مطلع القرن الحادي والعشرين حركة إعادة قراءة فلسفية وتاريخية بالغة الإنصاف لإرث يوهان فريدريش هربارت في ضوء التطورات المتسارعة في علوم الأعصاب الإدراكية (Cognitive Neuroscience) وعلم النفس المعرفي الحاسوبي. فالباحثون المعاصرون يعترفون اليوم بأن نموذج هربارت في “معالجة المعلومات الذهنية” وصراع القوى الفكرية وحساباتها الحركية كان استشرافاً عبقرياً ومبكراً للنماذج الشبكية التوزيعية الحديثة للذاكرة والوعي، والتي تفسر العمليات العقلية بوصفها تدفقات من التنشيط الطاقي المتزامن والمتبادل عبر مسارات عصبية متنافسة.
كما يُنظر إلى هربارت اليوم بوصفه الأب الروحي الحقيقي وغير المنازع لـ “نظرية المخططات العقلية” وعلوم الذكاء الاصطناعي الرمزية والديناميكية؛ فنظرته للكتلة الاستيعابية كبنية معلوماتية ذاتية التنظيم والفرز تتطابق في جوهرها النظري مع الكيفية التي تُبنى بها اليوم خوارزميات التعلم الآلي وتصنيف البيانات واستدعاء المعارف في النظم الذكية. إن العقل عند هربارت لم يكن صندوقاً أسود غامضاً كما رأت السلوكية السطحية، بل كان جهازاً فائق التعقيد يمتلك آليات ديناميكية واضحة لإدارة التداخل والتصالح بين المعطيات القديمة والحديثة.
فضلاً عن ذلك، تستعيد أبحاث الإدراك الراهنة أطروحات هربارت الثورية حول “المعالجة اللاواعية للمعلومات”؛ حيث أثبتت تجارب التصوير العصبي الوظيفي صحة ما ذهب إليه هربارت من أن الغالبية العظمى من العمليات الذهنية والتمثلات تجري تحت عتبة الوعي دون أن نشعر بها، وأن ما يظهر في بؤرة الانتباه ليس سوى القمة الطافية لجبل جليدي هائل من الحسابات والاصطدامات الميكانيكية الجارية في منطقة ما تحت الوعي؛ مما يمنح نسقه السيكولوجي راهنية مدهشة تجعله أكثر قرباً للعلم المعاصر من كثير من النظريات التي جاءت بعده بعقود متطاولة.
12.2 الأهمية المتجددة لرؤيته في أخلاقيات التعليم
في عصرنا الرقمي الراهن، الذي تعصف به أزمات التسطيح المعرفي، وتشتت الانتباه المزمن تحت وطأة التدفق الجارف لمنصات التواصل الاجتماعي، والانفصال الفادح بين التطور التقني الهائل والانحطاط القيمي والأخلاقي، تكتسب رؤية هربارت في “التعليم التكويني المربي” (Erziehender Unterricht) بريقاً استثنائياً وأهمية بالغة الإلحاح تتجاوز كل العصور السابقة.
إن صرخة هربارت المدوية بأن “التعليم المجرد من التربية الأخلاقية ليس إلا خطراً داهماً” تمثل العلاج الناجع للأزمة البنيوية التي تعاني منها المدارس والجامعات الحديثة؛ حيث اختُزلت وظيفة المؤسسات التعليمية في إعداد “تروس بشرية” وتدريب عمالة تقنية تلبي متطلبات السوق الاستهلاكية الجافة، مع إهمال شبه تام لبناء الضمير الإنساني والمسؤولية المجتمعية والحرية الداخلية. تذكرنا فلسفة هربارت بأن التراكم المعلوماتي والمهارات التكنولوجية لا قيمة لها ما لم تُبنَ داخل “دائرة فكرية” منسجمة تقود حتماً إلى ترسيخ الفضيلة وتزكية قوة الشخصية الأخلاقية المستنيرة.
كما أن مفهومه المبدع حول “الاهتمام المتعدد الجوانب” يمثل ترياقاً حاسماً لمواجهة كارثة التخصص الدقيق والمبكر التي تمزق وحدة الوعي الإنساني المعاصر؛ إذ يضع هربارت بين أيدينا خارطة طريق لتربية إنسانية متوازنة تدمج العلوم الطبيعية والفيزيائية مع الفنون، والآداب، والفلسفة، والاهتمام بالآخرين والبيئة، مما يحمي المتعلم من قسوة الأحادية التقنية ويمنحه بصيرة شمولية تمكنه من فهم ذاته والوجود، وتخلق منه مواطناً كونياً يجمع بين دقة العقل الرياضي ونبل الضمير الأخلاقي الحي.
12.3 خلاصة فلسفية حول راهنية مشروعه العلمي
إن المتأمل في مسيرة يوهان فريدريش هربارت ومشروعه العلمي يدرك أنه كان أحد أعظم العقول النسقية والتأسيسية في التاريخ الإنساني؛ مفكراً تجرأ على الوقوف بمفرده في وجه عمالقة المثالية المطلقة في عصره، ليمد جسراً متيناً وفريداً ربط بين الميتافيزيقا العقلانية الكلاسيكية والعلوم الإنسانية والاجتماعية الدقيقة. لقد امتلك هربارت شجاعة تفكيك الأوهام الفلسفية المعقدة، محولاً المفاهيم المتعالية إلى فرضيات إمبيريقية ومعادلات قابلة للقياس والتطبيق الواقعي في حياة البشر اليومية.
تتجلى عبقرية مشروعه في تلك الرابطة العضوية الصلبة التي أقامها بين أربعة ميادين كان يُعتقد بتنافرها: الميتافيزيقا الواقعية كمنطلق وجودي، والرياضيات كلغة للتكميم والدقة، وعلم النفس كآلية للتحليل السيكولوجي، والأخلاق والبيداغوجيا كغاية لتوجيه الفعل الإنساني نحو الكمال. لقد كان يدرك بعمق أن إصلاح المجتمعات وتحقيق ازدهارها الروحي والمادي لا يبدأ من الثورات السياسية الصاخبة ولا من الشعارات الطنانة الجوفاء، بل يبدأ من الغرفة الصفية، عبر تفكيك وبناء عقل الفرد الإنساني، وزرع الأفكار المنظمة في كتلته الاستيعابية، وربط معرفته بفضيلته.
يقدم لنا إرث هربارت الخالد درساً إبستمولوجياً وأخلاقياً بالغ العمق في كيفية بناء فلسفة تربوية وسيكولوجية معاصرة تتجاوز ثنائية التنظير العقيم والممارسة العمياء؛ ليظل هربارت – بعد مرور أكثر من قرنين على صياغة مؤلفاته الكبرى – منارة شامخة تلهم كل من يؤمن بأن التعليم هو أشرف مسعى إنساني على الإطلاق، وأن تحرير الإنسان لا يكتمل إلا ببناء فكره المستنير وتهذيب إرادته الأخلاقية الحرة.
المراجع
- Herbart, J. F. (1806). Allgemeine Pädagogik aus dem Zweck der Erziehung abgeleitet [General Pedagogics derived from the Purpose of Education]. Heinrich Dieterich. https://archive.org/details/allgemeinepd00herb
- Herbart, J. F. (1816). Lehrbuch zur Psychologie [Textbook in Psychology]. Unzer. https://archive.org/details/lehrbuchzurpsyc00herb
- Herbart, J. F. (1824–1825). Psychologie als Wissenschaft, neu gegründet auf Erfahrung, Metaphysik und Mathematik (2 Bände) [Psychology as a Science, newly founded on Experience, Metaphysics, and Mathematics (2 vols.)]. August Wilhelm Unzer. https://books.google.com/books?id=PSoLAAAAIAAJ
- Herbart, J. F. (1835). Umriss pädagogischer Vorlesungen [Outline of Educational Lectures]. Dieterichsche Buchhandlung. https://archive.org/details/umrisspdago00herb
- Boring, E. G. (1950). A History of Experimental Psychology (2nd ed.). Appleton-Century-Crofts. https://archive.org/details/historyofexperim00bori
- De Garmo, C. (1895). Herbart and the Herbartians. Charles Scribner’s Sons. https://archive.org/details/herbartandherba00garmgoog
- Kim, A. (2015). Johann Friedrich Herbart. In E. N. Zalta (Ed.), The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2015 ed.). Stanford University. https://plato.stanford.edu/entries/herbart/
- Dunkel, H. B. (1970). Herbart and Herbartianism: An Educational Ghost Story. University of Chicago Press. https://press.uchicago.edu/ucp/books/book/chicago/H/bo3684065.html
- Hilgenheger, N. (1993). Johann Friedrich Herbart (1776–1841). Prospects: The Quarterly Review of Comparative Education, 23(3/4), 649–664. https://doi.org/10.1007/BF02195143
- Watson, R. I. (1978). The Great Psychologists: From Aristotle to Freud (4th ed.). J. B. Lippincott Company. https://archive.org/details/greatpsychologis00wats