السيرة
يمثل تاريخ علم النفس في منتصف القرن العشرين ملحمة فكرية تجلت فيها الصراعات المعرفية الكبرى بين مدرستين هيمنتا على المشهد الأكاديمي والعيادي لردح طويل من الزمن؛ فمن جهة، انتصبت السلوكية الراديكالية بنموذجها الآلي الصارم الذي حصر الكائن البشري في نمط استجابي بيولوجي تحكمه حتمية المثير والاستجابة وتاريخ التعزيز الخارجي المجرد من أي فاعلية واعية، ومن جهة أخرى، استقرت مدرسة التحليل النفسي الفرويدية التي أرجعت محركات السلوك إلى صراعات لاشعورية غائرة ونزوات غرائزية مكبوتة تتشكل في مرحلة الطفولة المبكرة وتهيمن على مصير الفرد دون وعي حقيقي منه. وفي قلب هذا الاستقطاب الحاد، بزغت عبقرية العالم الأمريكي جوليان روتر (Julian B. Rotter) (1916-2014)، الذي قدم صياغة ثورية متكاملة نقلت علم النفس من قيود الحتميات البيولوجية والميكانيكية إلى آفاق علم النفس المعرفي الاجتماعي القائم على الفاعلية الإنسانية، والإدراك الذاتي، والتفسير العقلاني للمواقف الحياتية.
لم يكن مشروع روتر مجرد تعديل سطحي للأطر السلوكية القائمة، بل كان إعادة تأسيس جوهرية لمفاهيم الشخصية والسلوك الإنساني والعلاج النفسي؛ حيث أدرك مبكراً أن إغفال العمليات المعرفية الداخلية في دراسة السلوك يفقد علم النفس جوهره الإنساني، وأن عزل السلوك عن سياقه الاجتماعي التفاعلي يجرده من معناه الحقيقي. من هذا المنطلق، صاغ روتر نظريته الشهيرة في التعلم الاجتماعي (Social Learning Theory) التي نشرها في كتابه التأسيسي عام 1954، واضعاً الركائز الأولى لما عُرف لاحقاً بـ الثورة المعرفية في علم النفس. وقد توج هذا الإطار المفاهيمي بصياغة مصطلحات أحدثت تحولاً إبستمولوجياً ومنهجياً في البحوث السيكولوجية المعاصرة، وعلى رأسها مفهوم مركز التحكم (Locus of Control)، ومفهوم الثقة الشخصية المتبادلة (Interpersonal Trust)، وتطويره لأدوات تقييم سريرية راسخة مثل اختبار إكمال الجمل (Rotter Incomplete Sentences Blank).
يتناول هذا البحث الاستقصائي الموسع المسيرة الفكرية والأكاديمية لجوليان روتر، متتبعاً أصوله التكوينية وروافده النظرية، ومفككاً الأركان البنائية لنظريته في التعلم الاجتماعي، ومعادلاتها الرياضية والافتراضية للتنبؤ بالسلوك، ومنظومة الحاجات النفسية، والخصائص السيكومترية لأدواته القياسية، فضلاً عن تطبيقاتها الإكلينيكية، مع عقد موازنة نقدية مقارنة مع مجايليه من الرواد مثل بورهوس إف سكينر وألبرت باندورا. إن استقراء تراث روتر ليس مجرد استحضار لتاريخ الأفكار، بل هو استكشاف للأسس التي لا تزال تُبنى عليها التدخلات المعرفية السلوكية والبحوث النفسية والاجتماعية المعاصرة في مطلع القرن الحادي والعشرين.
1. النشأة التاريخية والخلفية الأكاديمية لجوليان روتر
1.1 السنوات الأولى والبيئة الأسرية في بروكلين
ولد جوليان روتر في الثاني والعشرين من أكتوبر عام 1916 في حي بروكلين بمدينة نيويورك، وهو الابن الثالث لمهاجرين يهوديين وفدا إلى الولايات المتحدة بحثاً عن الأمان والاستقرار وفرص العيش الكريم. كانت بيئته الأسرية تجسيداً للطبقة الوسطى المكافحة؛ حيث كان والده يعمل في تجارة التجزئة، ويوفر للأسرة حياة مستقرة نسبياً في سنوات طفولة روتر الأولى. نشأ روتر في بيئة حضرية متعددة الثقافات غنية بالصخب الفكري والاجتماعي، حيث كانت مدينة نيويورك في تلك الحقبة بؤرة لتيارات فكرية وسياسية متباينة وصوت حركات التغيير والعدالة الاجتماعية التي شكلت وجدانه الأولي ووعيه الجمعي.
شهدت مراهقة روتر صدمة اقتصادية كبرى تمثلت في كارثة الكساد الكبير التي ضربت الولايات المتحدة والعالم عام 1929؛ فقد انهار متجر والده وفقدت الأسرة استقرارها المالي بصورة مفاجئة وكارثية، واضطرت للعيش في كنف الضيق الاقتصادي والحاجة لسنوات طويلة. كان لهذه التجربة الوجودية القاسية أثر لا يُمحى في عقل روتر الشاب؛ إذ لاحظ بأم عينيه كيف يمكن لمتغيرات بيئية واقتصادية كلية، خارجة تماماً عن إرادة الفرد وقدراته الشخصية، أن تعصف بمصائر البشر، وتغير مسارات حياتهم، وتؤثر في صحتهم النفسية وسلوكياتهم اليومية. ولّدت هذه المحنة لديه إحساساً عميقاً بقضايا العدالة الاجتماعية، وأيقظت في نفسه الرغبة في فهم أسباب السلوك البشري وكيفية استجابة الأفراد للظروف القهرية والإحباطات البيئية المحيطة بهم.
وسط هذه الأزمات، وجد روتر ملاذه الحقيقي ومصدر إلهامه الفكري في مكتبة بروكلين العامة؛ فقد كان قارئاً نهماً يلتهم أمهات الكتب في شتى فروع المعرفة، لا سيما الفلسفة وعلم الاجتماع والأدب العالمي. وهناك، في ريعان شبابه وقبل أن يبلغ عامه العشرين، وقع بين يديه كتاب التحليل النفسي لسيغموند فرويد، بالإضافة إلى أعمال مؤسس مدرسة علم النفس الفردي ألفريد أدلر. وجد روتر في قراءات أدلر صدى عميقاً لأفكاره الخاصة حول الدوافع الإنسانية؛ إذ لفت انتباهه تأكيد أدلر على البعد الاجتماعي في فهم الشخصية وأهمية النزوع نحو الهدف والتعويض عن مشاعر الدونية والضعف، وهي مفاهيم رسخت في ذهنه قناعة مبكرة بأن السلوك البشري ليس مجرد انعكاس أعمى لغرائز مظلمة، بل هو سعي هادف ضمن بيئة اجتماعية معقدة.
1.2 المسار التعليمي والتكوين الجامعي الأولي
في عام 1933، التحق روتر بكلية بروكلين (Brooklyn College) لمواصلة تعليمه الجامعي. وعلى الرغم من افتتانه الجارف بعلم النفس منذ سنوات مراهقته، إلا أن الواقع الاقتصادي المرير الذي خلفه الكساد الكبير فرض عليه التفكير العملي والبراغماتي في مستقبله المهني؛ إذ لم يكن تخصص علم النفس في تلك الحقبة يوفر مساراً وظيفياً واضحاً أو عائداً مالياً مضموناً لخريج جامعي من أسرة فقيرة. وبناءً على ذلك، اختار روتر في بادئ الأمر التخصص في علم الكيمياء، معتبراً إياه مساراً علمياً تطبيقياً يؤهله للعمل في المختبرات والمنشآت الصناعية. غير أن شغفه بالعلوم الإنسانية ظل متقداً، ما دفعه إلى الاستمرار في تسجيل مساقات اختيارية متفرقة في علم النفس والاجتماع.
حدث التحول المفصلي في حياة روتر الأكاديمية عندما علم بأن الدكتور ألفريد أدلر، الذي كان قد غادر النمسا واستقر في الولايات المتحدة، يلقي محاضرات وندوات علمية في الكلية الطبية بنيويورك وفي أماكن أخرى ببروكلين. لم يتردد روتر في حضور هذه الندوات الحلقية والمحاضرات العامة بشغف منقطع النظير؛ وهناك أتيحت له الفرصة النادرة للقاء أدلر شخصياً والتفاعل المباشر معه، وتقديم بعض الرؤى التحليلية لبعض الحالات التي كان أدلر يطرحها للنقاش. كان لحضور أدلر الإنساني الدافئ وعمقه العيادي ونظرته الاجتماعية الثاقبة للسلوك البشري أثر حاسم ومزلزل في قرار روتر؛ إذ تيقن أن رسالته الحقيقية تكمن في سبر أغوار النفس البشرية ومساعدة المتألمين نفسياً، وليس في مختبرات الكيمياء الجافة.
عقد روتر العزم على تحويل مساره الأكاديمي بالكامل إلى علم النفس، متحملاً كافة المخاطر المهنية والاقتصادية المترتبة على هذا القرار في زمن الندرة. وتتلمذ خلال سنواته الباقية في كلية بروكلين على يد أساتذة متميزين، كان من أبرزهم عالم النفس الشهير أبراهام ماسلو، الذي كان في بدايات مسيرته الأكاديمية ويشغل منصب مدرس في الكلية. تشرب روتر من ماسلو النظرة الشاملة للدافعية الإنسانية والتقدير العميق للإمكانات البشرية، وتخرج في كلية بروكلين حاصلاً على درجة البكالوريوس في علم النفس عام 1937، متطلعاً نحو الانخراط في أرقى برامج الدراسات العليا لتأسيس فهم تجريبي وعيادي متين للظاهرة الإنسانية.
1.3 الدراسات العليا والتدريب الإكلينيكي في آيوا وإنديانا
بعد تخرجه بمرتبة الشرف، شق روتر طريقه نحو الغرب الأوسط الأمريكي للالتحاق بجامعة آيوا (University of Iowa)، التي كانت في ذلك الوقت منارة رائدة في علم النفس التجريبي والفسيولوجي. وهناك التحق ببرنامج الماجستير وتتلمذ على أيدي قامات علمية بارزة في مجال السلوك والتعلم، إلا أن التأثير الأكثر عمقاً وتوجيهاً لمساره جاء من لقائه بالعالم الجشطالتي الألماني المهاجر كورت ليفين. وجد روتر في نظرية المجال (Field Theory) التي طورها ليفين إطاراً نظرياً استثنائياً يفسر السلوك بوصفه محصلة للتفاعل الديناميكي الشامل بين الفرد وبيئته السيكولوجية المدركة، وليس مجرد استجابات مجزأة لمثيرات منعزلة. نال روتر درجة الماجستير في علم النفس من جامعة آيوا عام 1938، بعد أن أجرى دراسات تجريبية رصينة حول مستويات الطموح وعلاقتها بالخبرة الذاتية للفرد.
بدافع من رغبته في المزاوجة بين الصرامة التجريبية والممارسة العيادية، سعى روتر للحصول على تدريب إكلينيكي متقدم، وهو تخصص كان لا يزال في طور النشأة والتبلور الأولي في الولايات المتحدة. التحق بعد ذلك بمستشفى ورسستر الحكومي في ولاية ماساتشوستس (Worcester State Hospital) كمتدرب مقيم في علم النفس الإكلينيكي؛ حيث كان هذا المركز يمثل إحدى البيئات التدريبية النادرة والمتقدمة التي تتيح الاحتكاك المباشر بالحالات النفسية والعقلية الحادة وتطبيق أساليب التشخيص والعلاج النفسي التجريبية.
توج روتر مسيرته التكوينية بالالتحاق بجامعة إنديانا (Indiana University) لمتابعة دراسات الدكتوراه، مستفيداً من المناخ الأكاديمي الصارم للمؤسسة التي كانت تعد معقلاً للسلوكية التجريبية الرصينة. أنجز روتر أطروحته التي دمجت بين الفحص التجريبي الدقيق للمتغيرات المعرفية والسلوك الإكلينيكي، وحصل في عام 1941 على درجة الدكتوراه في علم النفس الإكلينيكي، مسجلاً اسمه في التاريخ الأكاديمي كأول متخصص يحصل رسمياً على هذه الدرجة العلمية الدقيقة من جامعة إنديانا، ومؤسساً لمسيرة علمية أحدثت ثورة حقيقية في كيفية تصور النفس البشرية وتفسير عللها وسلوكياتها.
2. الروافد الفكرية والتحول نحو علم النفس المعرفي الاجتماعي
2.1 تفكيك السلوكية الراديكالية ومحاولة التجاوز
خلال العقدين الرابع والخامس من القرن العشرين، بلغت السلوكية الإجرائية بزعامة بي إف سكينر (B. F. Skinner) ذروة هيمنتها على الفكر السيكولوجي الأكاديمي في الولايات المتحدة. نادت هذه المدرسة باختزال السلوك البشري إلى معادلة بسيطة قوامها اقتران المثير بالاستجابة وما يتبعهما من تعزيز خارجي، رافضة بصورة قاطعة إدراج أي متغيرات معرفية أو ذاتية داخلية تحت دعوى أنها افتراضات غير قابلة للملاحظة الموضوعية المباشرة وتمثل عودة إلى الميتافيزيقا القديمة. اعتبر سكينر العقل صندوقاً أسود يستحيل ويستغنى عن فحصه علمياً، مرسخاً مفهوماً آلياً يرى الإنسان كائناً سلبياً تشكله بيئته الخارجية كيفما اتفق تبعاً لجدولة التعزيزات المادية الصرفة.
وقف جوليان روتر موقفاً نقدياً حاسماً من هذا الاختزال الإبستمولوجي الفج؛ إذ رأى أن السلوكية الراديكالية قد نجحت بالفعل في استعارة المنهج التجريبي الصارم للعلوم الطبيعية، لكنها فقدت في الطريق جوهر الموضوع الذي تدرسه: الإنسان بوصفه كائناً واعياً، مفكراً، وصانعاً للمعنى. رأى روتر أن ردود أفعال البشر تجاه المواقف الحياتية لا تتحدد بالخصائص الفيزيائية للمثيرات المحيطة بهم، ولا بالسجل التاريخي التراكمي للتعزيزات البيولوجية فحسب، بل بكيفية إدراك الفرد وتأويله لتلك المثيرات؛ فالحدث الواحد قد يشكل تعزيزاً إيجابياً لشخص ما، في حين يمثل عقاباً أو إهانة لشخص آخر بناءً على بنيته الإدراكية ومنظومة توقعاته وقيمه الفردية.
انطلق روتر في مشروعه التأسيسي نحو بناء جسر نظري متين يربط بين التجريبية السلوكية الرصينة القائمة على القياس الموضوعي، والعمليات المعرفية الداخلية غير المرئية التي توجه الفعل الإنساني. لم يرفض روتر مبدأ التعزيز ذاته، بل أعاد تعريفه وظيفياً ونفسياً؛ فالتعزيز عنده لا يغير السلوك بطريقة آلية وميكانيكية عمياء، بل يعمل من خلال إمداد الفرد بمعلومات معرفية تسهم في بناء وتعديل التوقعات حول المستقبل. ومن ثم، فإن السلوك الإنساني يتحدد بالمعنى الرمزي والدلالة السيكولوجية الذاتية التي يخلعها الكائن على بيئته، مما جعل روتر بحق أحد أبرز الآباء الأوائل للحركة التوفيقية التي دمجت المعرفة بالسلوك وأطلقت شرارة علم النفس المعرفي الاجتماعي.
2.2 أثر ألفريد أدلر وعلم النفس الفردي
استقى روتر جوهر الرؤية الإنسانية والاجتماعية في نظريته من تعاليم ألفريد أدلر، الذي ثار مبكراً على النزعة البيولوجية المغلقة لفرويد. تمثل المفهوم المحوري الأول الذي تبناه روتر من أدلر في الغائية (Teleology)؛ أي المبدأ القائل بأن السلوك البشري لا يُدفع فقط بأسباب سابقة من الماضي، بل يُسحب نحو المستقبل عبر أهداف وغايات ومقاصد واعية يسعى الفرد إلى تحقيقها. إن السلوك الإنساني في جوهره موجه نحو هدف (Goal-directed behavior)، وكل حركة أو قرار يتخذه الفرد يكتسب معناه الحقيقي عند النظر إليه في ضوء النتيجة النهائية التي يرجو بلوغها والتوقعات التي يؤسسها للوصول إليها.
كذلك، أخذ روتر عن أدلر إيمانه الراسخ بالطبيعة الاجتماعية العميقة للإنسان؛ فالشخصية لا تنمو ولا تتشكل في فراغ فردي معزول، بل تنشأ وتتطور من خلال التفاعل المستمر والمعقد مع الآخرين ضمن شبكة من العلاقات الإنسانية. ومن هنا، رأى روتر أن أكثر الدوافع الإنسانية فاعلية، وأكثر التعزيزات أهمية وقوة، ليست تلك البيولوجية الأولية كالجوع والعطش والجنس التي تركز عليها التجارب المعملية على الحيوانات، بل هي التعزيزات الاجتماعية المكتسبة، مثل الحاجة إلى التقدير، والانتماء، والحماية، والحب، والمكانة الاجتماعية داخل الجماعة التي ينتمي إليها الفرد.
وعلاوة على ذلك، عمل روتر على تطوير الأفكار الأدلرية المتعلقة بـ الشعور بالدونية والتعويض، ونقلها من فضاء التخمينات الفلسفية والعيادية الفضفاضة إلى أطر مفاهيمية قابلة للقياس الإمبريقي والتحقق التجريبي؛ فبدلاً من الحديث عن نقص عضوي أو نفسي غامض، صاغ روتر هذه المفاهيم في قالب توقعات النجاح والفشل، ومستوى الهدف الأدنى الذي يقبله الفرد لنفسه، ومفهوم حرية الحركة ومدى إدراك الشخص لقدرته على إشباع حاجاته النفسية من خلال سلوكيات تكيفية سوية بدلاً من اللجوء إلى الآليات الانسحابية المرضية.
2.3 تأثير نظرية المجال لكورت ليفين
إذا كان أدلر قد منح نظرية روتر روحها الغائية وبعدها الاجتماعي، فإن كورت ليفين قد زودها بنموذجها الهيكلي وصياغتها الديناميكية الميدانية. تأثر روتر بعمق بنظرية المجال (Field Theory) ومفهوم الفضاء النفسي (Psychological Life Space)؛ حيث أكد ليفين أن السلوك ($B$) في أي لحظة زمنية معينة هو دالة ($f$) للتفاعل المتبادل والمستمر بين خصائص الشخص ($P$) والبيئة المحيطة به ($E$) كما تتبدى له في تلك اللحظة، وفق معادلته الخالدة الشهيرة:
B = f(P, E)
تلقف روتر هذا النموذج وطبقه بصرامة على دراسة الشخصية الإنسانية؛ إذ أكد أن “البيئة” التي تحدد سلوك الإنسان ليست البيئة الفيزيائية الموضوعية التي يقيسها المراقب الخارجي بأدواته المخبرية، بل هي البيئة السيكولوجية المدركة؛ أي العالم كما يفسره الفرد ويضفي عليه المعنى من خلال إطاره المرجعي الخاص وخبراته التراكمية السابقة. وبالتالي، فإن فهم سلوك الإنسان يقتضي بالضرورة معرفة الطريقة الفريدة التي يبني بها هذا الفرد موقفه المعرفي ويدرك به الإمكانات والتهديدات المتاحة أمامه.
كما استعار روتر من سيكولوجية الجشطالت مبدأ الكلية والترابط الوظيفي؛ إذ رفض النظر إلى الشخصية كحزمة من السمات الثابتة أو العادات السلوكية المنفصلة التي يمكن دراستها بمعزل عن الموقف، مؤكداً أن الشخصية تتجلى في وحدة ديناميكية تتفاعل فيها التوقعات بالقيم بالحاجات ضمن سياق موقفي محدد. وقد شكلت هذه الرؤية الليفينية حجر الزاوية الذي بنى عليه روتر لاحقاً مفهومه عن الموقف السيكولوجي (Psychological Situation)، ليجعل من نظريته نموذجاً تفاعلياً متقدماً تجاوز به الثنائية التقليدية العقيمة بين النزعة الذاتية الفردية والحتمية البيئية الظرفية.
3. الأركان البنائية لنظرية التعلم الاجتماعي عند روتر
3.1 المعادلة الأساسية للتنبؤ بالسلوك
في عام 1954، قدم جوليان روتر مساهمته الكبرى في كتابه الكلاسيكي “التعلم الاجتماعي وعلم النفس الإكلينيكي” (Social Learning and Clinical Psychology)، حيث وضع الأساس الرياضي والمفاهيمي لنظرية متكاملة تهدف إلى التنبؤ بالسلوك البشري في مواقف محددة بدقة منهجية فائقة. صاغ روتر هذه الفكرة في معادلة تنبؤية أساسية تجمع بين ثلاثة متغيرات نفسية جوهرية:
BP_{x, s1, R_a} = f(E_{x, R_a, s1} & RV_{a, s1})
تقرر هذه الصياغة الرمزية أن إمكانية السلوك (Behavior Potential – BP) لحدوث السلوك ($x$) في موقف محدد ($s1$) من أجل تحقيق تعزيز معين ($R_a$)، هي دالة رياضية وتفاعلية لكل من التوقع (Expectancy – E) بأن السلوك ($x$) في هذا الموقف تحديداً سينتج عنه المعزز المطلوب، والقيمة التعزيزية (Reinforcement Value – RV) لهذا المعزز ($R_a$) بالنسبة للشخص في هذا الموقف ذاته. تبرز هذه المعادلة الأنيقة أن السلوك لا يصدر عن دافع غريزي أعمى ولا يتولد آلياً بفعل مثير منعزل، بل هو خيار إدراكي محسوب يتوقف على التقاء عاملين: مدى اعتقاد الشخص في قدرة سلوكه على تحقيق نتيجة معينة، ومدى حبه ورغبته في تلك النتيجة مقارنة بالنتائج البديلة.
تتميز المعادلة بطبيعتها التفاعلية التكاملية والشرطية؛ فإذا انعدم أحد الطرفين انعدمت إمكانية ظهور السلوك تلقائياً؛ فإذا كان الشخص يرغب بشدة في مكافأة معينة وتكتسب عنده قيمة تعزيزية هائلة ولكنه يعتقد استناداً إلى تجاربه أن احتمالية تحقيقها عبر هذا السلوك تساوي صفراً (توقع منعدم)، فلن يُقدم على ممارسة السلوك إطلاقاً. وعلى العكس تماماً، لو كان الفرد متأكداً يقيناً بنسبة مئة في المئة بأن قيامه بسلوك معين سيحقق نتيجة ما (توقع مرتفع جداً)، لكن هذه النتيجة لا تمثل له أي قيمة نفسية تذكر أو تجلب له نفوراً (قيمة تعزيزية منعدمة أو سالبة)، فلن تظهر تلك الاستجابة. هذه البنية الرياضية التفاعلية شكلت فتحاً مبيناً في نمذجة الفعل الإنساني عقلانياً.
3.2 مفهوم إمكانية السلوك والموقف السيكولوجي
يُعرف روتر إمكانية السلوك (Behavior Potential) بوصفها احتمالية قيام الفرد باستجابة سلوكية معينة من بين مجموعة بدائل سلوكية متاحة في موقف ما، بهدف تحصيل عائد أو تعزيز محدد. والملمح البالغ الأهمية في تصور روتر للسلوك هو اتساع نطاقه الإبستمولوجي والعيادي؛ فالسلوك عنده لا يقتصر إطلاقاً على الاستجابات الحركية والفسيولوجية الظاهرة التي يمكن للملاحظ الخارجي رصدها وتسجيلها في المختبر كالكلام أو المشي أو الضغط على رافعة، بل يشمل بالقدر نفسه العمليات المعرفية الضمنية الداخلية، كالتفكير، والتحليل، والمقارنة، والتخطيط، وابتداع الحلول، وإعادة التقييم الإدراكي، بل واستخدام الحيل الدفاعية النفسية.
أما الموقف السيكولوجي (Psychological Situation)، فهو المتغير الثالث الحاكم الذي يُقيد ويحدد سياق التنبؤ؛ إذ يرى روتر أن السلوك لا يمكن دراسته أو عزله عن السياق الموقفي الملموس الذي يتبدى فيه. الموقف السيكولوجي ليس هو المحيط الجغرافي أو الفيزيائي المجرد، بل هو الموقف كما يدركه الفرد ذاتياً في ضوء خبراته وتجاربه الشخصية التراكمية السابقة. إن الفرد يُسقط على كل بيئة وموقف معاني وتوقعات خاصة به تحفز استجابات سلوكية معينة وتقلل من احتمالية استجابات أخرى؛ فالشخص الذي يدخل قاعة اختبار قد يدرك الموقف كفرصة سانحة لإثبات الذات وإظهار البراعة ونيل التقدير، في حين يدركه شخص آخر كتهديد مرعب وموقف عقابي وشيك، مما يجعل إمكانية استجابة الهدوء والتركيز عالية لدى الأول، بينما تسود استجابات القلق والانسحاب والارتباك لدى الثاني.
من هنا، أكد روتر أن الموقف السيكولوجي يتفاعل تفاعلاً عضوياً ومستمراً مع خبرات الشخص، ويعمل كمرشح إدراكي يحدد أي التوقعات وأي القيم التعزيزية سيتم استدعاؤها من الذاكرة وتنشيطها في تلك اللحظة، وهو ما يفسر التباين الهائل في سلوك الفرد ذاته عبر المواقف المختلفة، فضلاً عن الفروق الفردية البينة بين شتى البشر في الموقف الواحد ذاته.
3.3 طبيعة التوقع وتطوره عبر مسار الخبرة
يُعد التوقع (Expectancy) الركيزة المعرفية الأكثر حيوية في نظرية روتر، ويُعرفه بأنه: التقدير الذاتي أو الاحتمالية الذاتية التي يضعها الفرد بأن تعزيزاً معيناً سيحدث كنتيجة لممارسته لسلوك محدد في موقف معين. التوقع عند روتر لا يتطابق بالضرورة مع الاحتمالات الرياضية الإحصائية الموضوعية للحدث في الواقع الخارجي، بل هو اعتقاد شخصي نابع من قناعات الفرد وتكوينه الإدراكي، ويتراوح قيمياً بين الصفر المطلق (استحالة التحقق) والواحد الصحيح (اليقين التام بالتحقق).
يميز روتر بدقة علمية بين نمطين رئيسيين من التوقعات تتكامل فيما بينها لتحديد مسار الاستجابة:
- التوقعات النوعية أو الخاصة ($E’$ – Specific Expectancy): وهي التقديرات المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بموقف محدد وتجربة بعينها؛ كأن يتوقع طالب الحصول على درجة امتياز في مادة الكيمياء تحديداً عند أستاذ معين بناءً على أدائه السابق في اختبارات هذه المادة ونوعية تفاعله مع ذلك الأستاذ.
- التوقعات المعممة ($GE$ – Generalized Expectancy): وهي معتقدات عامة وعريضة يطورها الفرد عبر تاريخ طويل من الخبرات المتراكمة في مواقف متعددة ومتنوعة، وتُعمم لتشمل مواقف جديدة أو متشابهة. وهذه التوقعات المعممة هي التي تشكل اللبنات الأساسية لسمات الشخصية المستقرة نسبياً في نظرية روتر، مثل توقعات التحكم في المصير أو الثقة بالآخرين.
تتطور التوقعات ديناميكياً عبر مسار تراكم الخبرات؛ فعندما يواجه الفرد موقفاً مألوفاً اعتاد عليه وتكرر حدوثه مئات المرات، فإن التوقعات الخاصة والنوعية ($E’$) هي التي تهيمن بصورة شبه كاملة على قراره وسلوكه؛ نظراً لتوفر بيانات تجريبية شخصية واضحة ومباشرة لديه عن هذا الموقف. أما حينما يوضع الفرد في موقف جديد كلياً، أو موقف غامض يفتقر إلى المعالم الواضحة والسابقة الإرشادية، فإن التوقعات المعممة ($GE$) تتدخل بقوة بوصفها الموجه الإدراكي الأساسي الذي يقود تفسيراته واستجاباته السلوكية، وهي الصياغة التي جعلت النظرية قادرة على تفسير الثبات النسبي للشخصية جنباً إلى جنب مع مرونتها وتكيفها الظرفي.
3.4 القيمة التعزيزية وتفضيل النتائج
تُعرف القيمة التعزيزية (Reinforcement Value) بأنها درجة التفضيل النسبي التي يمنحها الفرد لمعزز معين أو نتيجة محددة إذا ما تساوت احتمالات وتوقعات الحصول على جميع البدائل المتاحة أمامه بالكامل. وبمعنى إجرائي مبسط: إذا وُضع الفرد في موقف يتأكد فيه بنسبة مئة في المئة أنه قادر على نيل النتيجة ($A$) أو النتيجة ($B$) أو النتيجة ($C$) على حد سواء، فإن الخيار الذي سيختاره طواعية هو الخيار الذي يحمل بالنسبة له أعلى قيمة تعزيزية ذاتية في ذلك التوقيت.
شدد روتر على الاستقلالية المفهومية النسبية بين القيمة التعزيزية والتوقع؛ فكون الشيء مرغوباً فيه للغاية لا يعني بالضرورة أن الفرد يتوقع تحقيقه، كما أن توقع حدوث أمر ما بيقين تام لا يجعله محبباً إلى النفس بالتبعية. غير أنه على المستوى الإكلينيكي والواقعي، قد تتداخل هاتان القوتان وتؤثران على بعضهما البعض بصورة مشوهة لدى الأفراد غير المتوافقين نفسياً، كالذين يسقطون رغباتهم الذاتية على الواقع فيتوقعون مستحيلات لمجرد حبهم لها (التفكير الرغبوي – Wishful Thinking).
ترتبط القيمة التعزيزية عند روتر بصلات وثيقة بمنظومة الحاجات النفسية المعقدة للشخص؛ فالمعزز لا يكتسب قيمته في فراغ، بل من خلال قدرته على إشباع حاجة أو أكثر من الحاجات الأساسية للإنسان. وعلاوة على ذلك، تتميز القيمة التعزيزية بارتباطها التتابعي المستقبلي؛ فغالباً ما يستمد المعزز اللحظي قيمته العالية ليس من خصائصه الآنية المجردة فقط، بل من السلسلة التتابعية من التعزيزات المستقبلية التي يمهد الطريق إليها ويعد الفرد بنيلها في قادم الأيام.
4. منظومة الحاجات النفسية في نظرية روتر
4.1 تصنيف الحاجات النفسية الست الأساسية
إدراكاً منه لاستحالة التنبؤ الدقيق بالسلوكيات الفردية المعزولة في الحياة اليومية المعقدة عبر المعادلات الرياضية الجزئية لكل حركة، انتقل روتر في مستويات التحليل إلى صياغة أكثر شمولية وتجريداً، مستبدلاً التعزيزات المنفردة بمفهوم الحاجات النفسية (Psychological Needs)؛ حيث رأى أن الحاجة تمثل مجموعة واسعة من السلوكيات المختلفة التي تتكامل وظيفياً وتتجه نحو تحقيق نمط متشابه من الإشباعات والتعزيزات. وقد صنف روتر الحاجات النفسية الأساسية للإنسان الراشد إلى ست فئات كبرى تغطي معظم مجالات الفاعلية الإنسانية:
- حاجة التقدير والمكانة (Recognition-Status): الرغبة العميقة في أن يُنظر إلى الفرد من قِبل الآخرين بوصفه كفؤاً، ومتميزاً، وناجحاً، ومتمتعاً بالمهارة والاحترام في مجالات عمله وعلاقاته، وتشمل الحاجة إلى المكانة الاجتماعية المرموقة وتوكيد الكفاءة الذاتية.
- حاجة الحماية والاعتماد (Protection-Dependency): حاجة الفرد إلى الشعور بالأمان من خلال الاعتماد على شخص آخر أو مؤسسة لحمايته من الأخطار والإحباطات والمساعدة في تلبية متطلبات الحياة وحل الأزمات العاصفة.
- حاجة السيطرة والهيمنة (Dominance): السعي إلى توجيه وتعديل سلوكيات الآخرين، والتحكم في مجريات الأحداث، وفرض الرأي، وامتلاك القوة والسلطة والنفوذ داخل المحيط الاجتماعي.
- حاجة الاستقلالية (Independence): الرغبة في الاعتماد الكامل على الذات في اتخاذ القرارات، وتحديد الأهداف الخاصة، وحرية التصرف دون الخضوع لوصاية أو تدخلات وإملاءات وضغوط خارجية من المحيطين.
- حاجة الحب والعطف (Love and Affection): الحاجة الملحة إلى الشعور بالقبول الوجداني غير المشروط، والاهتمام العاطفي العميق، والود والحميمية، والدفء الإنساني المتبادل مع أشخاص ذوي دلالة في حياة الفرد.
- حاجة الراحة البدنية والسلامة الشخصية (Physical Comfort): الحاجة إلى الإشباع الفسيولوجي المريح، وتجنب الآلام الجسدية، والعيش في بيئة آمنة توفر العافية البدنية والاسترخاء والتحرر من التهديدات البيولوجية.
4.2 إمكانية الحاجة وقيمة الحاجة
قام روتر بتطوير بنية مفاهيمية موازية لمعادلته التنبؤية الأساسية ولكن على مستوى الحاجات الشاملة، تتألف من ثلاثة عناصر رئيسية: إمكانية الحاجة، وقيمة الحاجة، وحرية الحركة. تُعرف إمكانية الحاجة (Need Potential) بأنها احتمالية صدور حزمة من السلوكيات المترابطة وظيفياً لدى الشخص، والتي تستهدف الوصول إلى إشباع حاجة محددة من الحاجات الست السابقة ضمن فئة واسعة من المواقف المتشابهة.
أما قيمة الحاجة (Need Value)، فهي التفضيل النسبي المجرد الذي يوليه الفرد لمجموعة معينة من الإشباعات والتعزيزات المرتبطة بحاجة ما عند مقارنتها بغيرها من الحاجات، بافتراض ثبات احتمالية الإشباع وتساوي فرص الحصول عليها. على سبيل المثال، إذا تساوت فرص نيل المكانة والتقدير مع فرص نيل الاستقلالية أو الحب، فإن النمط الإشباعي الذي يختاره الفرد كأولوية يحدد أي الحاجات تمثل لديه قيمة حاجة أعلى من غيرها؛ فهناك من يضحي بالحب في سبيل المكانة، وهناك من يتنازل عن الهيمنة في سبيل نيل الحماية والاعتمادية.
ويرتبط بهذين المفهومين مفهوم نوعي شديد الخصوبة العيادية هو حرية الحركة (Freedom of Movement)؛ ويعني متوسط التوقعات المعممة لدى الفرد بأن سلوكياته الموجهة نحو إشباع حاجة معينة ستؤدي بالفعل إلى تحقيق هذا الإشباع ونيل التعزيز المنشود. إن حرية الحركة تعكس ببساطة مدى شعور الشخص وتفاؤله المعرفي بكفاءته وقدرته الواقعية على الوصول إلى أهدافه الحيوية؛ فالشخص ذو “حرية الحركة العالية” يمتلك ثقة كبيرة وتوقعاً راسخاً بأن جهوده ومهاراته ستكلل بالنجاح وستمكنه من إشباع حاجاته، في حين يعيش الشخص ذو “حرية الحركة المنخفضة” حالة من اليأس والعجز الإدراكي، حيث يتوقع مسبقاً التعرض للفشل والإحباط ورفض المجتمع مهما بذل من طاقة ومحاولات.
4.3 التوافق النفسي ومستوى الهدف الأدنى
قدم جوليان روتر فهماً فريداً ومتقدماً لآليات التوافق النفسي (Psychological Adjustment) وسوء التوافق، مرتكزاً على العلاقات التفاعلية بين هذه المتغيرات. وأدخل هنا مفهوماً جوهرياً هو مستوى الهدف الأدنى (Minimal Goal Level)، وهو الخط الفاصل أو الحد الأدنى التقديري الذي يضعه الفرد في متصل النتائج، بحيث يعتبر أي إنجاز أو تعزيز يقع فوق هذا الحد نجاحاً وإشباعاً مرضياً يجلب الرضا والسرور، في حين يعد أي تعزيز يقع دونه فشلاً ذريعاً وإحباطاً مؤلماً يستوجب لوم الذات أو الشعور بالنقص.
يحدث التوافق السوي المتزن عندما تتطابق وتتناغم أبعاد هذه المنظومة الثلاثية؛ أي عندما تكون لدى الفرد حرية حركة واسعة وكافية (توقعات واقعية بالنجاح) تتناسب مع قدراته ومهاراته الحقيقية، وتتوازى مع قيمة حاجة معتدلة ومستوى هدف أدنى مرن وقابل للتحقيق في واقعه البيئي. وفي هذه الحالة، يعمل السلوك بسلاسة وفاعلية نحو الإنجاز، ويحقق الفرد مستويات مرتفعة من الكفاءة الذاتية والرضا عن الحياة.
في المقابل، يتفجر الصراع النفسي الحاد وسوء التوافق الإكلينيكي في الحالة الكلاسيكية الأكثر شيوعاً في العيادات النفسية: عندما تجتمع لدى الفرد قيمة حاجة شديدة الارتفاع (Need Value) مع حرية حركة متدنية للغاية (Low Freedom of Movement) ومستوى هدف أدنى مفرط في المثالية والجمود؛ كأن يضع شخص لنفسه مطلباً مستحيلاً بأنه يجب أن يكون متفوقاً تماماً ومحل إعجاب الجميع بلا استثناء لنيل المكانة (قيمة حاجة ومستوى هدف مرتفعان جداً)، بينما هو في قرارة بنيته المعرفية يوقن بأنه عاجز ويفتقر للقدرات ولا يملك أي وسيلة لتحقيق ذلك الهدف الخيالي (حرية حركة متدنية جداً). يقود هذا المأزق المعرفي الوجودي الفرد حتماً إلى تجنب المواقف الواقعية والهروب منها، وتوظيف أساليب دفاعية عصابية، واللجوء إلى الأعراض المرضية كالاكتئاب والقلق والانسحاب والعدوانية كبدائل مشوهة للتعامل مع الإحباط المستمر.
5. البنية النظرية لمركز التحكم (Locus of Control)
5.1 تأصيل المفهوم والتمايز بين الضبط الداخلي والخارجي
يعد مفهوم مركز التحكم (Locus of Control)، الذي صاغه روتر في منتصف خمسينيات القرن الماضي وطوره بعمق في دراسته الضخمة المنشورة عام 1966، الإسهام الأكثر شهرة وتأثيراً واستشهاداً في تاريخ علم النفس الحديث. ينتمي مركز التحكم وظيفياً إلى فئة التوقعات المعممة (Generalized Expectancies)؛ وهو يصف المعتقد المعرفي الراسخ لدى الفرد حول طبيعة القوى المسؤولة عن مجريات حياته ومسببات النتائج والمكافآت والعقوبات التي يتلقاها في هذا العالم.
قسم روتر هذا البعد النفسي إلى قطبين متمايزين يشكلان متصلاً مستمراً تتوزع عليه الشخصيات الإنسانية:
1. التوجه نحو الضبط الداخلي (Internal Locus of Control):
يتجلى في اعتقاد الفرد الجازم بأن مجريات حياته وما يناله من نجاحات أو إخفاقات، ومكافآت أو عقوبات، هي نتائج مباشرة ومنطقية لخصائصه الذاتية وسلوكياته وقراراته ومقدار الجهد والكد والمهارة التي يبذلها. إن الأفراد ذوي التوجه الداخلي يتبنون مبدأ “أنا صانع مصيري ومسؤول عن نتائجي”؛ فإذا حقق أحدهم نجاحاً في مهمة ما أرجع ذلك لكفاءته وجده، وإذا واجه إخفاقاً تحمّل مسؤوليته باحثاً عن أوجه القصور في خطته لتصحيحها.
2. التوجه نحو الضبط الخارجي (External Locus of Control):
يتجسد في ميل الفرد إلى إرجاع ما يقع له من أحداث وما يصيبه من نواتج حياتية إلى قوى خارجية تقع خارج نطاق إرادته وقدرته الذاتية على التحكم والتأثير. وتشمل هذه القوى: الحظ، والمصادفة، والقدر المكتوب، وتقلبات الظروف الغامضة، أو سيطرة “الآخرين الأقوياء” في المجتمع (كالرؤساء، والأنظمة السياسية، والقوى الطبقية والاجتماعية القاهرة). يتبنى ذوو التوجه الخارجي شعوراً دفيناً بالعجز والقدرية؛ إذ يعتقدون أن الجهد الشخصي عديم الجدوى في تغيير مسار الأحداث طالما أن اللعبة تُدار بواسطة قوى خارجية لا يمكن التنبؤ بها أو ردعها.
5.2 الأسس النمائية لتشكل مركز التحكم
أكد جوليان روتر وزملاؤه الباحثون أن مركز التحكم ليس سمة بيولوجية فطرية موروثة في الجينات، بل هو معتقد معرفي متطور يتشكل بالكامل عبر عمليات التنشئة الاجتماعية وخبرات التعلم التراكمية في سياق الأسرة والبيئة المحيطة منذ مراحل الطفولة الباكرة. وتبرز الدراسات الإمبريقية دور النمط الوالدي والأسري بوصفه الحاضنة التكوينية الأولى لهذا التوجه؛ فالأطفال الذين ينشؤون في أسر تتميز بأساليب معاملة والدية تتسم بالدفء الوجداني، والاتساق والانضباط العقلاني، والتشجيع المستمر على الاستقلالية وتحمل المسؤولية، وتطبيق قواعد واضحة يمكن التنبؤ بها للمكافأة والعقاب، يميلون بدرجة عالية إلى تطوير مركز تحكم داخلي قوي ومستقر؛ ذلك لأن الطفل في هذه البيئة يتعلم مبكراً وبوضوح أن هناك رابطاً سببياً ثابتاً وموثوقاً بين أفعاله وتصرفاته الذاتية وبين النواتج التي تترتب عليها في واقعه.
على النقيض من ذلك تماماً، ترتبط بيئات التنشئة التي يسودها التسلط، والقسوة المفرطة، أو الإهمال والنبذ الوالدي، وبشكل خاص عدم الاتساق والتقلب المزاجي في تقديم المعززات والعقوبات (حيث يُعاقب الطفل تارة على سلوك ثم يُكافأ عليه تارة أخرى تبعاً للمزاج الانفعالي للوالد دون معيار موضوعي واضح)، بترسيخ مركز تحكم خارجي متجذر. ينمو الطفل في مثل هذه الأجواء المشوشة وهو يشعر بأن العالم الخارجي مكان فوضوي غامض لا تحكمه قوانين ولا يمكن التنبؤ به، وأن مصيره يتوقف كلياً على أهواء ورغبات وتصرفات الكبار الأقوياء المحيطين به، دون أن تكون لأفعاله وقدراته الخاصة أي فاعلية في صياغة النتيجة.
وإلى جانب الأسرة، تلعب التجارب المتراكمة للنجاح والفشل في المدرسة ومع جماعة الرفاق دوراً بالغ الأهمية في تثبيت هذا التوجه أو تعديله عبر مراحل المراهقة والرشد؛ فالنجاحات المستمرة المتبوعة باعتراف حقيقي ومكافآت تدعم الضبط الداخلي، بينما تقود الصدمات المتكررة والإحباطات المزمنة والعجز المفروض بالقوة إلى الانكفاء نحو التوجه الخارجي كدرع وقائي لتفادي الشعور بالدونية الذاتية.
5.3 الفروق الفردية الناتجة عن مركز التحكم
أنتج مفهوم مركز التحكم مئات الدراسات والبحوث الميدانية التي كشفت عن فروق فردية مذهلة وعميقة بين ذوي التوجه الداخلي وذوي التوجه الخارجي في شتى ميادين الحياة السلوكية والمعرفية والانفعالية. تظهر هذه التباينات بوضوح في أبعاد متعددة تشمل:
- البحث النشط عن المعلومات وحل المشكلات: يتميز الأفراد ذوو الضبط الداخلي بنزوع معرفي واستكشافي نشط؛ فهم يجمعون بجدية وبشكل استباقي كافة المعلومات والبيانات المتعلقة بمواقفهم وبيئاتهم، ويضعون خططاً استراتيجية لمواجهة التحديات قبل وقوعها، بدافع من قناعتهم بأن معرفتهم تمكنهم من السيطرة على النتائج، في حين يتسم سلوك الخارجيين بالسلبية والجمود والانتظار السلبي لما ستسفر عنه الظروف.
- مقاومة التلاعب والامتثال الاجتماعي: كشفت التجارب المخبرية أن ذوي الضبط الداخلي هم أكثر قدرة وصلابة في مقاومة الضغوط الاجتماعية، وحملات الإقناع الخفية، ومحاولات التلاعب والتوافق الأعمى مع الجماعة، متمسكين بأحكامهم العقلانية المستقلة، بينما يُظهر ذوو الضبط الخارجي قابلية مفرطة للإيحاء والانقياد لآراء السلطة والأكثرية تماشياً مع شعورهم بالتبعية لقوى أقوى منهم.
- الإنجاز الأكاديمي والمهني: يرتبط التوجه الداخلي ارتباطاً وثيقاً ومطرداً بمستويات إنجاز أكاديمي ومهني عالية؛ حيث يبذل هؤلاء الأفراد جهوداً مضاعفة ويتحلون بالمثابرة والجلد في مواجهة الإخفاقات الوقتية، ويضعون لأنفسهم مستويات طموح واقعية ولكنها متقدمة، مقارنة بنظرائهم الخارجيين الذين يستسلمون بسرعة للإحباط متذرعين بالحظ العاثر أو ظلم المعلمين والمديرين.
6. مقياس الضبط الداخلي – الخارجي (I-E Scale): التطوير والمنهجية القياسية
6.1 بناء المقياس والخيارات المنهجية
لتجسيد مفهوم مركز التحكم في قالب قياسي موضوعي وإمبريقي، عكف جوليان روتر بالتعاون مع باحثين مساعدين في جامعة ولاية أوهايو (مثل شيبارد ليفرانت وجيمس فيرس) على تطوير مقياس الضبط الداخلي – الخارجي (I-E Scale)، الذي خرج في صورته النهائية المعيارية عام 1966. واجه روتر خلال تصميم المقياس تحدياً منهجياً وسيكومترياً شاقاً يتمثل في نزعة الرغبة الاجتماعية (Social Desirability Bias)؛ أي ميل المفحوصين الفطري إلى اختيار الإجابات التي تبدو مقبولة ومستحسنة مجتمعياً وأخلاقياً بدلاً من التعبير عن قناعاتهم الحقيقية، وكان من شأن صياغة الأسئلة المباشرة أن تقود معظم المستجيبين لادعاء الضبط الداخلي باعتباره قيمة إيجابية ترمز للرجولة والكفاءة والمسؤولية في الثقافة الغربية.
للتغلب العبقري على هذا التحيز السيكومتري، اتخذ روتر خياراً منهجياً حاسماً باعتماد تقنية الاختيار الإجباري (Forced-Choice Technique)؛ حيث يتكون كل بند من بنود المقياس من عبارتين متقابلتين يمثل أحدهما التوجه الداخلي ويمثل الآخر التوجه الخارجي، وتمت معايرة العبارتين تجريبياً بحيث تكونان متساويتين تقريباً في درجة الجاذبية والرغبة الاجتماعية، مما يضطر المفحوص للاختيار بين معتقدين متكافئين قيمياً لكنهما متباينان فلسفياً.
يتألف المقياس في نسخته الرسمية المعتمدة من 29 زوجاً من العبارات؛ تتضمن 23 فقرة تشخيصية تُمنح بموجبها درجات التحكم (بحيث تُعطى درجة واحدة لكل خيار يعكس التوجه الخارجي، وتتراوح الدرجة الكلية من صفر كحد أقصى للداخلية إلى 23 كحد أقصى للخارجية)، في حين دمج روتر بذكاء استثنائي 6 فقرات وهمية ومحايدة (Filler Items) لا يتم تصحيحها ولا تدخل في حساب الدرجة؛ والهدف منها تمويه الغرض الحقيقي للاختبار ومنع المفحوص من تخمين الأبعاد السيكولوجية الدقيقة التي يقيسها المقياس، وهو ما عزز من صدق الأداة ونزاهتها القياسية.
6.2 الخصائص السيكومترية ومعايير التقنين
أخضع روتر وفريقه مقياس الضبط الداخلي – الخارجي لفحوص سيكومترية بالغة الدقة عبر عينات ضخمة ومتنوعة من طلاب الجامعات، والجنود، والمهنيين في مختلف الولايات الأمريكية. أظهرت نتائج التحليل الإحصائي معاملات ثبات اتساق داخلي مقبولة ومتينة للغاية لسمة عامة وعريضة؛ حيث تراوحت معاملات الارتباط سبيرمان-براون وكودر-ريتشاردسون (KR-20) بين 0.65 و0.79 عبر عينات متعددة. كما أثبتت اختبارات إعادة التطبيق (Test-Retest Reliability) على فترات زمنية متباينة تراوحت من شهر إلى شهرين ثباتاً زمنياً دالاً تراوح بين 0.60 و0.83، مما أكد أن المقياس يقيس سمة معرفية وتوجهاً ذهنياً يتمتع بدرجة معتبرة من الاستقرار عبر الزمن.
أما على صعيد الصدق (Validity)، فقد برهن المقياس على مؤشرات صدق مفهوم وتكوين فرضي وصدق تلازمي خارق للعادة؛ إذ ارتبطت الدرجات المرتفعة نحو الخارجية ارتباطاً دالاً بمقاييس القلق، والعصابية، والاكتئاب، والعجز، في حين ارتبطت الدرجات المتجهة نحو الداخلية بتقدير الذات الإيجابي، واليقظة الذهنية، والتحصيل الأكاديمي، والمشاركة السياسية النشطة كالمشاركة في حركات الحقوق المدنية لمناهضة التمييز العنصري في الستينيات، مما وفر أدلة تجريبية قاطعة على قدرة الأداة الفائقة في التمييز والتنبؤ بالسلوكيات الواقعية المستقلة.
ومع ذلك، أثارت مسألة تقنين وتطبيق المقياس عبر ثقافات متباينة نقاشات منهجية معقدة؛ فقد تبين أن دلالة الدرجات تتأثر بعمق بالسياقات الاقتصادية، والطبقية، والهياكل السياسية للمجتمعات المختلفة؛ فالأقليات العرقية المحرومة أو الأفراد الخاضعون لأنظمة استبدادية قاهرة قد يسجلون درجات خارجية مرتفعة تعكس قراءة واقعية ودقيقة لبيئتهم المسلوبة الإرادة وليس عجزاً نفسياً أو مرضياً داخلياً، مما نبه الباحثين لاحقاً إلى ضرورة توخي الحذر الشديد عند عزل القياس السيكومتري عن الواقع السوسيولوجي والسياسي للمستجيبين.
6.3 الانتقادات الموجهة للمقياس وتعديلاته اللاحقة
على الرغم من النجاح الساحق الذي حققه مقياس روتر في الأوساط الأكاديمية العالمية، إلا أنه سرعان ما واجه نقداً علمياً رصيناً انصب معظمه على افتراض أحادية البعد (Unidimensionality)؛ فقد افترض روتر أن التحكم متصل خطي يقع الضبط الخارجي في أحد طرفيه والضبط الداخلي في الطرف الآخر ككتلة واحدة مصمتة. كان النقد الأبرز والأكثر تأثيراً هو ما قدمته الباحثة هانا ليفينسون (Hanna Levenson) في مطلع السبعينيات؛ حيث حاججت بأن جمع جميع مصادر الضبط الخارجي في فئة واحدة يمثل تبسيطاً مختزلاً يطمس الفروق النفسية الجوهرية بين الأفراد.
أوضحت ليفينسون أن هناك فارقاً نوعياً وهائلاً بين شخص يعتقد أن مصيره محكوم بـ الصدفة والحظ العشوائي (Chance)، وبين شخص آخر يعتقد أن مصيره محكوم بـ الآخرين الأقوياء (Powerful Others)؛ فالأخير يدرك أن عالمه منظم ومحكوم بقوانين وقوى اجتماعية محددة يمكن استيعابها أو مهادنتها أو التنبؤ بها، في حين يرى الأول أن الحياة خبط عشواء لا معنى لها. وبناءً على ذلك، قامت ليفينسون بتطوير مقياسها الشهير ثلاثي الأبعاد (I, P, C Scales) لتفكيك هذا التداخل المفاهيمي داخل النموذج الخارجي.
علاوة على ذلك، كشفت الأبحاث اللاحقة عن محدودية التنبؤ بالسلوكيات الدقيقة والمتخصصة بالاعتماد فقط على مقياس عام وشامل كمقياس روتر للضبط الداخلي – الخارجي؛ مما فتح الباب واسعاً أمام ولادة جيل جديد من المقاييس المجالية النوعية (Domain-Specific Scales) المستندة أساساً إلى نظرية روتر ولكن الموجهة نحو قطاعات حياتية محددة. وكان من أبرز هذه الامتدادات تطوير “مقياس مركز التحكم الصحي” (Health Locus of Control Scale) لتقييم معتقدات المرضى تجاه مسببات المرض والشفاء، ومقاييس الضبط الأكاديمي، والضبط المهني والسياسي، والتي أثبتت جميعها دقة تنبؤية متفوقة في سياقاتها التخصصية مقارنة بالمقياس العام الأصلي.
7. مفهوم الثقة الشخصية المتبادلة (Interpersonal Trust)
7.1 التحديد المفاهيمي للثقة الشخصية المتبادلة
في مسار موازٍ لبحوثه حول مركز التحكم، التفت جوليان روتر في أواخر الستينيات نحو ظاهرة اجتماعية ونفسية حرجة رأى أنها تمثل الشريان الحيوي والعمود الفقري لبقاء وتماسك المجتمعات الإنسانية بأسرها، وهي مسألة الثقة الشخصية المتبادلة (Interpersonal Trust). وكعادته في صياغة المفاهيم، أدرج روتر الثقة ضمن منظومة التوقعات المعممة، وقدم لها تعريفاً نظرياً وإجرائياً دقيقاً في دراسته الرائدة عام 1967، بوصفها: توقع عام ومعمم يحمله الفرد بأن كلمة، أو وعد، أو تقرير شفاهي أو كتابي صادر عن شخص آخر أو جماعة أخرى، هو أمر صادق ويمكن الاعتماد عليه والوثوق به.
أكد روتر أن الثقة ليست مجرد ترف أخلاقي أو شعور وجداني عابر، بل هي ضرورة بنائية ونفعية حتمية لأي نظام اجتماعي؛ إذ يستحيل قيام أي تعاملات اقتصادية، أو علاقات أسرية، أو عقود قانونية، أو مسارات تعليمية، وحتى العلاقات السياسية بين الدول، دون حد أدنى من الثقة الضمنية المتبادلة في مصداقية الاتصال الإنساني؛ فلو كان على كل إنسان في كل لحظة أن يتأكد ويفحص بنفسه وبشكل مباشر صحة كل ادعاء أو معلومة يتلقاها من الطبيب، أو البائع، أو المعلم، أو المسؤول، لانهارت الحضارة وتعطلت آليات الحياة اليومية تحت وطأة الشك المستمر والشلل التام.
وفي هذا السياق، حرص روتر بصرامة منهجية على تفكيك الخلط الشائع بين مفهوم الثقة الاجتماعية العقلانية ومفهوم السذاجة (Gullibility)؛ فالسذاجة تعني تصديق أي ادعاء أو خديعة عمياء دون وجود أي دليل أو حتى في ظل وجود أدلة معاكسة تثبت التضليل، بدافع من الغفلة أو تدني القدرات الإدراكية النقدية. أما الثقة المتبادلة عند روتر، فهي موقف فلسفي ومعرفي إيجابي يقوم على التقدير الاحتمالي الرصين القائل بأن أغلب الناس في الظروف العادية يتعاملون بصدق، ولكن مع بقاء الفرد يقظاً وقادراً على سحب هذه الثقة وتعديل توقعاته فور ظهور أدلة وقرائن حسية واضحة تثبت خيانة الطرف الآخر أو عدم أمانته.
7.2 تطوير مقياس الثقة الشخصية المتبادلة (ITS)
لتطبيق المنهج التجريبي الصارم على دراسة الثقة، عكف روتر على تصميم مقياس الثقة الشخصية المتبادلة (Interpersonal Trust Scale – ITS) عام 1967، ليكون أداة معيارية قادرة على رصد الفروق الفردية في هذا البعد وتحديد آثاره السلوكية والمجتمعية. صُمم المقياس بأسلوب ليكرت الخماسي المتدرج، وتضمن مجموعة من العبارات المحكمة التي غطت نطاقاً عريضاً من التوقعات المعممة للفرد نحو فئات متباينة من الفاعلين في المشهد الإنساني.
وزع روتر عبارات المقياس هندسياً بحيث تشمل نوعين رئيسيين من الأهداف الاجتماعية:
- الثقة في المؤسسات العامة والرموز المجتمعية: مثل الهيئات القضائية، والمؤسسات القضائية، ووسائل الإعلام الجماهيرية، والساسة والحكومة، والمؤسسات العلمية والتعليمية.
- الثقة في العلاقات الشخصية البين-فردية: مثل الوالدين، والأصدقاء، والزملاء في العمل، وعامة الناس العاديين الذين يلتقي بهم الفرد في مجرى حياته اليومية.
أثبت المقياس خصائص سيكومترية استثنائية؛ حيث برهن على ثبات اتساق داخلي وإعادة تطبيق عالٍ، بالإضافة إلى صدق تنبؤي تجريبي مذهل في المواقف الواقعية؛ فقد كشفت التجارب المعملية والميدانية أن المفحوصين الذين يحصلون على درجات مرتفعة في مقياس الثقة يتصرفون في التجارب التي تنطوي على إغراءات الغش أو السرقة أو التجسس بقدر أعلى بكثير من النزاهة والصدق مقارنة بذوي الدرجات المنخفضة، مما أكد صحة الفرضية التأسيسية لروتر بأن المقياس لا يعكس مجرد كلام نظري مثالي يطلقه الفرد بل ينبئ بنمط سلوكي حقيقي ومتسق في معترك الحياة.
7.3 السمات النفسية والاجتماعية للأفراد ذوي الثقة المرتفعة
دحضت أبحاث جوليان روتر المكثفة الصور النمطية الخاطئة والساذجة التي كانت تصور الشخص عالي الثقة بالآخرين بوصفه إنساناً ضعيف الشخصية، أو مغفلاً، أو فاقداً للحصافة والذكاء يسهل خداعه وابتزازه واستغلاله من قِبل الآخرين. على العكس تماماً، كشفت النتائج الإمبريقية التراكمية عن صورة مشرقة وبالغة الإيجابية تتسم بها شخصيات الأفراد الذين يتمتعون بمستويات مرتفعة من الثقة الشخصية المتبادلة، وتتلخص أهم ملامحها في الآتي:
- الأمانة والالتزام الأخلاقي: أظهرت البيانات أن الأشخاص الأكثر ثقة بالآخرين هم أنفسهم الأقل ميلاً للخداع، أو الكذب، أو الغش، أو خرق القواعد الأخلاقية والاجتماعية؛ فهم يمتلكون اتساقاً أخلاقياً داخلياً يعاملون به غيرهم وفق القاعدة التي يثقون بها.
- التوافق النفسي والصحة الانفعالية: أظهر ذوو الثقة المرتفعة معدلات تفوق واضحة في التوافق النفسي، وانخفاضاً جوهرياً في مشاعر الاغتراب الاجتماعي، والعدائية، والقلق، والمرارة، والصراع الباطني؛ فهم يرون العالم مكاناً ودوداً ودافئاً في مجمله، مما يجنبهم العصابية والبارانويا الشائعة لدى فاقدي الثقة.
- الشعبية وشبكات الدعم الاجتماعي المتماسكة: يتمتع أصحاب الثقة العالية بقدرة فائقة على تكوين علاقات صداقة عميقة ومستدامة، وجذب الآخرين إليهم، وبناء شبكات متينة من الدعم الاجتماعي المتبادل؛ إذ إن نزوعهم نحو منح الثقة يعزز شعور الأطراف الأخرى بالأمان والتقدير، مما يولد دائرة تكاملية إيجابية من الاحترام والتكافل الإنساني، مع احتفاظهم الكامل بالقدرة على اتخاذ مواقف حازمة إذا ثبت انتهاك هذه الثقة.
8. اختبار روتر لإكمال الجمل (RISB): الإسهام في التقييم الإكلينيكي
8.1 الأسس النظرية والمنهجية للاختبار
لم تكن إسهامات روتر مقتصرة على الأطر النظرية والمقاييس الموضوعية لسمات الشخصية، بل امتدت لتحدث نقلة نوعية في مجال التقييم الإكلينيكي والتشخيص النفسي من خلال تطويره لـ اختبار روتر لإكمال الجمل (Rotter Incomplete Sentences Blank – RISB)، الذي أصدره لأول مرة بالتعاون مع بنيامين ويلمان عام 1950. جاء هذا الاختبار ليمثل حلاً عبقرياً ومبتكراً لمعضلة طالما انقسمت حولها المدارس الإكلينيكية؛ وهي التوفيق بين حرية الاستجابة الإسقاطية العميقة التي توفرها الاختبارات الإسقاطية التقليدية (مثل اختبار رورشاخ لبقع الحبر واختبار تفهم الموضوع TAT)، وبين معايير الموضوعية، والتقنين الإحصائي الصارم، وسهولة وثبات التصحيح الكمي الذي تمتاز به الاختبارات السيكومترية الموضوعية.
يستند الاختبار من الناحية النظرية إلى مبادئ نظرية التعلم الاجتماعي لروتر؛ حيث يفترض أن رغبات الفرد، وأهدافه، وصراعاته، وتوقعاته، ومخاوفه الدفينة، تظهر وتنعكس بوضوح في استجاباته اللغوية التلقائية عندما يُطلب منه إكمال بدايات أو “جذوع” جمل مفتوحة دون قيود صارمة. يتألف الاختبار من 40 جذع جملة (40 Sentence Stems) مصاغة بعناية فائقة وتكون في معظمها قصيرة ومحايدة؛ مثل: “أنا أرغب…”، “في المدرسة…”، “أشعر بالخوف من…”، “الناس عادة…”، “المستقبل يبدو…”؛ مما يمنح المفحوص حرية كاملة في توجيه الاستجابة وفق عالمه الداخلي الخاص.
يتميز الاختبار بمرونته الوظيفية المذهلة؛ إذ إنه صُمم في الأساس كأداة مسحية وفحصية سريعة وشبه مقننة للكشف الأولي عن مستوى التوافق النفسي العام (Overall Adjustment) والفرز المبكر للأفراد الذين يعانون من سوء توافق شديد أو اضطرابات وجدانية ونفسية تتطلب تدخلاً علاجياً فورياً، وقد صدرت منه ثلاث كراسات مقننة لمراحل عمرية مختلفة: لطلاب المدارس الثانوية، ولطلاب الجامعات، وللراشدين.
8.2 نظام التصحيح وتحديد درجات التوافق
تكمن العبقرية الحقيقية لاختبار RISB في نظامه الموضوعي المبتكر لتقييم وتصحيح الاستجابات الكيفية وتحويلها إلى بيانات كمية رقمية دقيقة ذات دلالة تشخيصية لا تتأثر بالانحيازات الشخصية للفاحص. قسّم روتر استجابات المفحوصين على كل جذع جملة إلى ثلاث فئات بنائية كبرى يتم توزيع الدرجات عليها وفق سلم متدرج من صفر إلى 6 درجات على النحو التالي:
| فئة الاستجابة | المدى الوزني | الخصائص والوصف السيكولوجي |
|---|---|---|
| استجابات التوافق (Adjustment Responses – C) | 0 – 2 درجة | تعكس مشاعر إيجابية، وتفاؤلاً واقعياً، وتكيفاً سوياً، وروح دعابة، ورضا عن الذات والحياة والعلاقات الإنسانية؛ كلما زادت الإيجابية اتجهت الدرجة نحو الصفر. |
| الاستجابات المحايدة (Neutral Responses – N) | 3 درجات | عبارات وصفية جافة، أو أقوال مأثورة، أو إجابات روتينية مجردة وخالية من الشحنة الانفعالية أو الكشف الذاتي الصريح (مثل: “في الصيف… الجو حار”). |
| استجابات الصراع (Conflict Responses – C) | 4 – 6 درجات | تعبر عن مشاعر عدائية، أو إحباط، أو يأس، أو صراعات أسرية حادة، وشعور بالنقص والعجز والتشاؤم، واضطرابات بدنية ونفسية متكررة؛ وتُمنح الدرجة 6 لأشد استجابات الصراع والأعراض العصابية فداحة. |
تُجمع الدرجات الموزونة على البنود الأربعين لتشكل الدرجة الكلية المركبة للاختبار، والتي تنحصر نظرياً في مدى يتراوح بين الصفر (أعلى درجات التوافق والإيجابية المطلقة) و240 درجة (أعلى درجات سوء التوافق والاضطراب النفسي الشديد). وبناءً على البيانات الإحصائية والمعايير المعملية، حدد روتر نقطة القطع التشخيصية (Cutoff Score) الكلاسيكية عند 135 درجة (رُفعت في بعض التعديلات المعاصرة إلى 145 درجة لتقليل الإيجابيات الكاذبة)؛ حيث يُعتبر الفرد الذي يحصل على درجة تتجاوز نقطة القطع هذه شخصاً يعاني من سوء توافق جلي واضطراب نفسي يسترعي انتباه الطبيب المعالج والتدخل العيادي العاجل.
8.3 المكانة المعاصرة لاختبار RISB واستخداماته
حافظ اختبار روتر لإكمال الجمل عبر أكثر من سبعة عقود على مكانة مرموقة واستثنائية في طليعة أدوات القياس والتقييم النفسي المعتمدة عبر أنحاء العالم؛ فبينما واجهت الكثير من الاختبارات الإسقاطية الكلاسيكية كانتقادات لاذعة وهبوطاً ملحوظاً في ثقة الأوساط الأكاديمية نتيجة تدني موثوقيتها وصعوبة تقنينها وغموض تفسيراتها التأويلية، ظل اختبار RISB متألقاً في العيادات النفسية، والمستشفيات، والمراكز الجامعية للإرشاد والتوجيه، وحتى في برامج الفحص والفرز العسكري لاختيار القيادات وتحديد صلاحية الأفراد للمهام الحساسة.
يعود هذا الصمود المنهجي المذهل إلى ما يتمتع به المقياس من معاملات ثبات اتفاق بين المصححين (Inter-Scorer Reliability) تتجاوز في غالبية الدراسات المعاصرة 0.90؛ بفضل وجود “دليل تصحيح إكلينيكي مفصل” وضعه روتر يتضمن مئات الأمثلة والنماذج الحية لكل فئة من فئات الاستجابة ودرجاتها. كما أكدت دراسات الصدق التلازمي والتمييزي قدرته الفائقة على فرز الحالات السوية بدقة عن حالات الاكتئاب السريري، واضطرابات التكيف، والقلق العام، مما يجعله إلى يومنا هذا نموذجاً فريداً يجمع بين الثراء الكيفي للتحليل النفسي والدقة القياسية للسيكومترية الحديثة.
9. التطبيقات الإكلينيكية والعلاج النفسي وفق مدخل روتر
9.1 رؤية روتر للاضطراب النفسي وسوء التوافق
ينظر جوليان روتر إلى المرض النفسي والاضطرابات السلوكية من منظور مغاير تماماً للنموذج الطبي التقليدي الذي يرى الاضطراب كـ “مرض داخلي خفي” يعتري الفرد، وكذلك للنموذج السلوكي الراديكالي الذي يراه مجرد عادات آلية خاطئة. فالاضطراب النفسي وفق نظرية التعلم الاجتماعي هو سلوك غير تكيفي (Maladaptive Behavior) يتعلمه الفرد ويمارسه بهدف تجنب العقاب المحتمل أو مواجهة الإحباط واليأس الناجم عن عجز أدواته السلوكية عن إشباع حاجاته النفسية الأساسية.
يتشكل جوهر المرض النفسي في نموذج روتر عندما يعيش الفرد فجوة سيكولوجية كارثية تتجسد في الجمع بين قيمة حاجة عالية وتوقعات منخفضة جداً للنجاح (حرية حركة متدنية). في هذه الحالة، يتطلع الشخص بشغف إلى تحقيق أهداف وإشباعات حيوية ومصيرية لا غنى له عنها، لكنه في الوقت ذاته مقتنع إدراكياً بأنه لا يمتلك السلوكيات ولا الكفاءة ولا الظروف المواتية للوصول إليها. يقود هذا المأزق الفرد حتماً إلى تطوير أساليب تعامل انسحابية وتجنبية ودفاعية بالغة الخطورة؛ كالإدمان، أو التظاهر بالمرض الجسمي (التحول الهستيري)، أو الانسحاب الاكتئابي التام، أو الانفصال البارانوي عن الواقع؛ بهدف حماية ذاته من مواجهة الفشل المعلن وتحاشي التعرض للرفض الاجتماعي واللوم الذاتي.
كما يلعب التشوه المعرفي في تقدير التعزيزات وتعميم التوقعات السلبية دوراً مفصلياً في إدامة المرض؛ فالشخص غير المتوافق يميل إلى تعميم خبرة فشل جزئية عابرة في موقف محدد لتشمل كل جوانب حياته ومستقبله، مما يرسخ لديه مركز تحكم خارجي سلبي وقدرية انهزامية تجعله يرى أية محاولة لبذل الجهد في الواقع ضرباً من العبث، لتنغلق أمامه سبل التعلم الحقيقي وتتعزز لديه أعراض العجز والاكتئاب النفسي في حلقة مفرغة محكمة الإغلاق.
9.2 أهداف العلاج النفسي القائم على التعلم الاجتماعي
تتمحور أهداف العلاج النفسي (Psychotherapy) من منظور التعلم الاجتماعي حول التدخل المعرفي والسلوكي المباشر لإعادة التوازن لمنظومة أهداف العميل وتوقعاته وحرية حركته، وتتلخص أهم هذه الأهداف الإكلينيكية في المحاور الآتية:
- توسيع ورفع حرية الحركة (Increasing Freedom of Movement): مساعدة العميل على اكتساب مهارات معرفية، وحوارية، وتواصلية، وتكيفية جديدة تمكنه من التعامل الواقعي والفعال مع مواقف الحياة، مما يرفع من توقعاته الحقيقية للنجاح، ويخرجه من دائرة العجز والاستسلام.
- تعديل مستويات الأهداف وقيم الحاجات غير الواقعية: توجيه العميل نحو خفض مستوى الهدف الأدنى إذا كان مفرطاً في التصلب والمثالية إلى حدود تنسجم مع إمكانياته والواقع الاجتماعي المعاش؛ فالعلاج يساعد الشخص الذي يطالب نفسه بالكمال المطلق على إدراك أن النجاح نسبي، وأن الخطأ والقصور جزء طبيعي لا يتجزأ من التجربة الإنسانية السوية.
- إعادة هيكلة الإسناد السببي نحو مركز تحكم داخلي متزن: تخليص العميل من التوجه الخارجي الانهزامي الذي يلقي فيه باللائمة الدائمة على الحظ أو الآخرين، وتدريبه على إدراك الروابط المنطقية بين قراراته وجهوده المبذولة والنتائج الإيجابية التي يحققها، مع تفادي الوقوع في لوم الذات المفرط عن متغيرات قاهرة تقع بطبيعتها خارج إرادته.
- تصحيح التوقعات المعممة السلبية المشوهة: مساعدة المسترشد على وقف التعميم الجائر لخبرات الصدمة والفشل السابقة، وتعلم كيفية التمييز المعرفي الدقيق بين المواقف السيكولوجية المتنوعة دون إسقاط مخاوف الماضي على توقعات المستقبل.
9.3 دور المعالج وتكتيكات التدخل الإكلينيكي
يرفض روتر بقوة النموذج العلاجي التقليدي الذي يقف فيه المعالج موقف “المفسر الصامت والحيادي السلبي” كما هو الحال في التحليل النفسي الكلاسيكي، بل يرى المعالج النفسي في دور المعلم النشط، والموجه الإدراكي، والنموذج الاجتماعي؛ فالعلاج في جوهره عملية تعلم اجتماعي تفاعلية وإيجابية تهدف إلى مساعدة الفرد على إعادة فحص خبراته السابقة في بيئة آمنة وبناء بدائل سلوكية ومعرفية منتجة.
يعتمد المعالج وفق مدخل روتر على مزيج متجانس من التكتيكات المعرفية والعملية السلوكية الميدانية:
- التعزيز الاجتماعي الانتقائي (Selective Social Reinforcement): يستخدم المعالج حضوره الوجداني وقبوله وتقديره كمعزز قوي ومباشر داخل الجلسة لتشجيع أي استجابة عقلانية، أو محاولة استباقية للحل، أو تعبير عن التوجه الداخلي المسؤول يطلقه العميل، مع كف المعززات عن أنماط الشكوى الهروبية واللغو التجنبي.
- حل المشكلات وإعادة التقييم المعرفي (Problem-Solving & Cognitive Re-evaluation): تدريب العميل بصورة منهجية على تفكيك المشكلات المستعصية، وتوليد بدائل سلوكية متعددة، وتوقع نتائج كل بديل بدقة، وحساب القيمة التعزيزية والاحتمالية لكل خيار قبل الإقدام عليه.
- الواجبات والتجارب السلوكية الواقعية (Behavioral Assignments): تكليف العميل بمهام وأنشطة متدرجة تُنفذ في بيئته الحياتية الحقيقية بين الجلسات لممارسة السلوكيات الجديدة واختبار توقعاته المعرفية إمبريقياً؛ فالنجاح التدريجي الصغير في مهمة حياتية يقدم دليلاً حسياً قاطعاً ينسف التوقعات السلبية ويعزز حرية الحركة بكفاءة تتجاوز أضعاف ساعات الحديث النظري المجرد داخل غرفة العلاج.
10. دراسة مقارنة: جوليان روتر وألبرت باندورا وبي إف سكينر
10.1 أوجه الاتفاق والافتراق بين روتر وسكينر
عند وضع جوليان روتر في مواجهة رائد السلوكية الراديكالية بي إف سكينر، نجد أنفسنا أمام مساحة التقاء منهجي أولية سرعان ما تتشظى إلى افتراق فلسفي ومفاهيمي جذري. يلتقي العالمان في نقطة البدء الإمبريقية؛ فكلاهما يقر بأهمية التعزيز البيئي في صياغة السلوك وتعديله، وكلاهما يرفض الفرضيات الميتافيزيقية والتخمينات الغامضة لمدرسة التحليل النفسي حول قوى الغرائز اللاشعورية المبهمة، ويصران بصرامة على إخضاع الظاهرة النفسية للتحقق التجريبي الدقيق والمعايير السلوكية القابلة للملاحظة والقياس.
إلا أن روتر يفترق افتراقاً قاطعاً ولا رجعة فيه عن سكينر في تعريفه لطبيعة هذا التعزيز وكيفية عمله داخل الكائن الحي؛ ففي حين يُعرف سكينر التعزيز إجرائياً بحتاً وبشكل ميكانيكي خارجي بأنه “أي مثير يزيد من احتمالية تكرار الاستجابة السابقة عليه” دون أي وسيط داخلي، يرى روتر أن هذا الطرح الآلي يتجاهل تماماً كينونة العقل الإنساني. التعزيز عند روتر يكتسب فاعليته وتأثيره فقط من خلال المعنى الذاتي المعرفي والقيمة التي يسبغها الفرد عليه، ومن خلال أثره في بناء التوقعات المعرفية المستقبلية؛ فالكائن البشري لا يتصرف كحمام أو فئران سكينر التي تُشكلها أجهزة التعزيز الآلية، بل يتصرف ككائن مفكر يوازن ويفسر ويتوقع.
وعلاوة على ذلك، رفض روتر بشدة إمكانية تعميم نتائج التجارب المخبرية المجراة على الحيوانات في أقفاص معزولة لتفسير السلوك البشري الراشد؛ فالإنسان يعيش في بيئة اجتماعية زاخرة بالرموز واللغة والقيم الأخلاقية المعقدة، والتعزيزات الأكثر حسماً في توجيه مصيره هي معززات اجتماعية بين-شخصية (كالاحترام، والحب، والمكانة) لا يمكن اختزالها في جدولات التعزيز البيولوجية الأولية التي شغف بها سكينر في مختبره.
10.2 مقارنة معمقة بين روتر وألبرت باندورا
يمثل جوليان روتر وألبرت باندورا العملاقين التأسيسيين لما يُعرف اليوم بـ علم النفس المعرفي الاجتماعي (Social Cognitive Psychology). تجمعهما وحدة الهدف التاريخي في كسر أغلال السلوكية الآلية ودمج العمليات الإدراكية في صلب سيكولوجية التعلم، والتركيز على الفاعلية الإنسانية النشطة (Human Agency)، غير أن هناك فروقاً دقيقة وتمايزات نظرية غاية في الأهمية والخصوبة بين بنيتيهما المفاهيميتين.
أولى هذه الفروق تتبدى في المقارنة الشهيرة بين مفهوم روتر عن مركز التحكم (Locus of Control) ومفهوم باندورا عن الكفاءة الذاتية (Self-Efficacy)؛ فعلى الرغم من أن الكثير من الباحثين يخلطون بينهما خطأً، إلا أن التمايز بينهما جوهري:
- مركز التحكم عند روتر (توقع ناتج – Outcome Expectancy): يركز على الاعتقاد في طبيعة العلاقة السببية بين السلوك والنتيجة؛ أي “هل جهودي وسلوكي عموماً كفيلان بإحداث تغيير في هذا الموقف أم أن الأمور تخضع للحظ والآخرين؟”.
- الكفاءة الذاتية عند باندورا (توقع كفاءة – Efficacy Expectancy): تركز على الاعتقاد في قدرة الذات المحددة على أداء السلوك ذاته بنجاح؛ أي “هل أمتلك أنا شخصياً المهارة والقدرة اللازمة لتنفيذ هذه المهمة المعينة في هذا التوقيت؟”. قد يمتلك الفرد مركز تحكم داخلياً تاماً (يؤمن يقيناً أن من يتدرب بجدية سيجتاز اختبار الطيران)، ولكنه يعاني من تدني الكفاءة الذاتية (يعتقد بأنه شخصياً يفتقر للشجاعة والمهارة لقيادة الطائرة).
أما من زاوية آليات التعلم ذاتها، فبينما أعطى باندورا الأولوية القصوى لـ التعلم بالملاحظة (Observational Learning) والنمذجة البديلة (Vicarious Modeling) دون اشتراط مرور الفرد بالخبرة المباشرة، ركز روتر بصورة أعمق على تاريخ التعزيز التراكمي المباشر، والنمذجة الرياضية التفاعلية للتوقعات وقيم التعزيز في سياق الموقف السيكولوجي، مجذراً نظريته في التراث الرياضي الاحتمالي لعلماء القرار.
10.3 الموقع الريادي لروتر في تاريخ الثورة المعرفية
على الرغم من أن الشهرة الجماهيرية والأكاديمية الواسعة للثورة المعرفية ارتبطت بأسماء لاحقة مثل ألبرت باندورا، وأولريك نيسر، وآرون بيك، وألبرت إيليس، إلا أن التاريخ الأكاديمي المنصف يثبت لجوليان روتر السبق التاريخي والريادة المطلقة في تدشين هذا التحول الإبستمولوجي. ففي عام 1954، عندما أصدر روتر كتابه التاريخي “التعلم الاجتماعي وعلم النفس الإكلينيكي”، كان علم النفس لا يزال يرزح بالكامل تحت وطأة السلوكية السكينرية والتحليل النفسي، وقبل ما يقرب من عقد من الزمان من نشر ألبرت إيليس لنظريته في العلاج العقلاني الانفعالي (REBT) عام 1962، وتأسيس آرون بيك للعلاج المعرفي في أواخر الستينيات، وأكثر من عقدين قبل أن ينشر باندورا كتابه التأسيسي “نظرية التعلم الاجتماعي” عام 1977.
كان روتر أول من أدرج المصطلحات المعرفية الإدراكية كـ “التوقع”، و”الإدراك الذاتي للموقف”، و”القيم”، داخل نظرية منظومية شاملة تخضع للتحقق التجريبي، مبرهناً للأوساط العلمية المتشككة على إمكانية دراسة العمليات العقلية والداخلية بأعلى درجات الصرامة الرياضية والمخبرية دون السقوط في الميتافيزيقا. لقد فتح روتر بهذا العمل الرائد كوّة واسعة في الجدار الحديدي للسلوكية التقليدية، وتسللت منها الأفكار والبحوث التي أينعت لاحقاً بما بات يُعرف اليوم بـ العلاج السلوكي المعرفي (CBT)، ليكون روتر بحق حجر الزاوية والمهندس الأول غير المتوج لهذه الثورة الفكرية العارمة.
11. القيمة الإمبريقية والانتقادات الموجهة لأطروحات روتر
11.1 التقييم النقدي لفرضيات نظرية التعلم الاجتماعي
على الرغم من الإحكام النظري والمنهجي الباهر لنظرية روتر، إلا أنها لم تخلُ من مآخذ وانتقادات وجهها لها فلاسفة العلم ومنظرو الشخصية. يتمثل النقد الأبرز في صعوبة التطبيق الواقعي والحساب الرياضي الفعلي للمعادلات التنبؤية في مجرى الحياة الحقيقية خارج جدران المختبر؛ فالمعادلة الأساسية لحساب إمكانية السلوك تتطلب قياساً دقيقاً ومكمماً لكل من التوقعات الخاصة والمعممة، وحساب القيمة التعزيزية النسبية ضمن مصفوفة شاسعة من البدائل في كل لحظة وفي كل موقف سيكولوجي فريد، وهو أمر بالغ العسر والتعقيد الحسابي في التعامل مع كائنات حية تتصرف بتدفق مستمر في مواقف حياتية بالغة التغير والتشابك.
كما انتقد بعض الباحثين ما اعتبروه إفراطاً نسبياً في العقلانية (Over-Rationality) لدى روتر في تصويره للكائن البشري؛ فالنظرية تفترض ضمناً أن الإنسان يتصرف دائماً كعالم إحصاء أو خبير اقتصادي رشيد يقوم بوعي واقتدار بضرب التوقعات في القيم التعزيزية لاختيار السلوك الأكثر نفعاً وجدوى. وقد رأى أصحاب المدارس التحليلية والديناميكية أن هذا الطرح يتجاهل القوى الدافعة للانفعالات الجارفة، والأهواء غير المنطقية، والصراعات اللاشعورية، والانحيازات المعرفية التلقائية والعمياء التي كثيراً ما تدفع الإنسان دفعاً لارتكاب سلوكيات يعلم مسبقاً أن احتمالية نجاحها كارثية أو أن قيمتها مدمرة لمستقبله (كما في حالات التدمير الذاتي والإدمان القهري).
وفضلاً عن ذلك، ثار جدل منهجي حول الاعتماد المكثف على أدوات التقرير الذاتي (Self-Report Inventories) في التحقق من صحة الفرضيات وقياس التوقعات وقيم الحاجات؛ حيث رأى النقاد أن هذه الأدوات، مهما بلغت درجة صقلها السيكومتري، تظل عرضة لحدود الوعي الذاتي، وخداع النفس، وتحيزات الاستجابة الوقتية، مما يثير تساؤلات حول مدى موضوعية القياس التجريبي المستخلص منها.
11.2 الانتقادات الموجهة لمفهوم مركز التحكم
تحول مفهوم مركز التحكم، بفعل شعبيته الكاسحة وتطبيقاته التي لا حصر لها، إلى بؤرة اشتباك نقدي واسع في الأدبيات السيكولوجية، وتركزت أبرز الانتقادات في الجوانب الآتية:
- خطر التنميط الثنائي المصطنع (Typological Fallacy): على الرغم من تأكيد روتر المتكرر بأن مركز التحكم هو متصل مستمر (Continuum)، إلا أن مئات الباحثين وقعوا في خطيئة التبسيط الإكلينيكي عبر تصنيف البشر قسرياً إلى نمطين متناقضين وثابتين: “داخليون” و”خارجيون”، متجاهلين حقيقة أن الفرد الواحد قد يتبنى توجهاً داخلياً في مجالات معينة (كالعمل والدراسة) وتوجهاً خارجياً تاماً في مجالات أخرى (كالعلاقات العاطفية أو الصحة الجسدية).
- أسطورة إيجابية الضبط الداخلي المطلقة: تعاملت الكثير من الكتابات والتطبيقات النفسية الشعبية مع التوجه الداخلي بوصفه مرادفاً للفضيلة، والصحة النفسية، والتكيف الإيجابي في كل الأحوال، مصورة التوجه الخارجي كعيب أو خلل نفسي دائم. وقد أثبتت الدراسات النقدية خطأ هذه النظرة التبسيطية؛ فالضبط الداخلي المتطرف وغير الواقعي قد يقود إلى شعور مدمر بـ اللوم الذاتي والذنب المرضي عند مواجهة كوارث أو أزمات بيئية كلية (كالزلازل، أو الأوبئة، أو التمييز العنصري الممنهج)، في حين يعمل الضبط الخارجي في مثل هذه الظروف الظالمة كآلية دفاعية صحية تحمي الكرامة النفسية للفرد من الانهيار (“الخارجية الدفاعية – Defensive Externality”).
- التحيز الثقافي والعرقي: نبه علماء النفس الثقافي إلى أن مقياس روتر يعكس بوضوح أيديولوجية وقيم الثقافة الغربية، والأمريكية بوجه خاص، التي تمجد النزعة الفردية (Individualism)، والمبادرة الشخصية، والسيطرة الذاتية على البيئة. أما في الثقافات الجمعية (Collectivist Cultures) في آسيا وإفريقيا، فإن إرجاع الأمور إلى إرادة الجماعة، أو الأسرة، أو القدر، لا يُعد عجزاً أو سوء توافق، بل هو تعبير عن التناغم والانسجام الاجتماعي والخضوع لقيم عليا تحظى بالتقدير والتبجيل.
11.3 الردود الأكاديمية ودفاع روتر عن نموذجه
لم يقف جوليان روتر مكتوف الأيدي أمام هذه الانتقادات المتناسلة، بل خاض معارك أكاديمية رصينة للدفاع عن نظريته وتوضيح سوء الفهم الذي أحاط بإنتاجه العلمي، وتجلى ذلك بوضوح في مقالته الشهيرة والتاريخية التي نشرها عام 1975 في مجلة Journal of Consulting and Clinical Psychology بعنوان تحذيري صريح: “بعض المشكلات وسوء الفهم المرتبط بمفهوم الضبط الداخلي مقابل الخارجي للتعزيز”.
أكد روتر في دفاعه الحازم على عدة ركائز جوهرية؛ أولها تبرؤه التام من النزعة النمطية الثنائية، مذكراً الباحثين بأن مفهومه يمثل متصلاً تدرجياً احتمالياً ولا يصح علمياً تقسيم المستجيبين تعسفياً إلى “داخلين وخارجيين” عبر قطع وسيط الدرجات، لأن ذلك يشوه التباينات الفردية الدقيقة. وثانيها، تشديده المستمر والدائم على الحاكمية المطلقة لـ الموقف السيكولوجي؛ فالسمة العامة ليست قوة مطلقة تعمل بمعزل عن السياق اللحظي، بل إن التنبؤ الحقيقي بالسلوك يتطلب فحص التفاعل المعقد بين التوقع المعمم والتوقعات الخاصة المتولدة من خصائص الموقف ذاته.
واستدعى روتر الأطنان من البيانات الإمبريقية الرصينة التي راكمتها مختبرات الأبحاث المستقلة حول العالم، والتي برهنت على أن أدواته القياسية ومفاهيمه التفسيرية، على الرغم من أي انتقادات موضعية في قياس النواحي الدقيقة، تظل تمتلك قدرة تنبؤية استثنائية تفوقت بها على معظم النظريات المنافسة في تفسير سلوكيات الالتزام الصحي، والإنجاز التعليمي، والحركات الاجتماعية الإصلاحية، مؤكداً أن نظريته بُنيت لخدمة الممارسة والبحث الإكلينيكي العلمي وليست مجرد تأملات فلسفية في برج عاجي.
12. الإرث الأكاديمي والامتدادات المعاصرة لأعمال جوليان روتر (1916-2014)
12.1 المسيرة المهنية والجوائز والتكريمات
امتدت المسيرة المهنية والأكاديمية لجوليان روتر لما يقرب من سبعة عقود حافلة بالعطاء البحثي والتدريس وتخريج أجيال من كبار علماء النفس. بعد حصوله على الدكتوراه والخدمة كضابط ومعالج نفسي في الجيش الأمريكي أثناء الحرب العالمية الثانية، التحق روتر عام 1946 بـ جامعة ولاية أوهايو (The Ohio State University)، حيث عاش أزهى وأخصب فتراته العلمية؛ إذ تعاون هناك مع زميله الرائد جورج كيلي في تطوير وتأسيس البرنامج التدريبي الإكلينيكي الرائد الذي جسد “نموذج العالم-الممارس” (Scientist-Practitioner Model) المعتمد في مؤتمر بولدر، والذي جعل من ولاية أوهايو قبلة لعلم النفس الإكلينيكي في العالم.
في عام 1963، انتقل روتر إلى جامعة كونيتيكت (University of Connecticut) ليشغل منصب أستاذ متميز ومدير لبرنامج التدريب في علم النفس الإكلينيكي، واستمر فيها باحثاً ومعلماً حتى تقاعده الأكاديمي، محولاً قسم علم النفس هناك إلى مركز أبحاث عالمي مرموق في دراسات التعلم الاجتماعي، والشخصية، والسيكومترية المتقدمة.
حصد روتر خلال رحلته التكريمات الأرفع في ميدانه؛ وتوج ذلك بحصوله في عام 1989 على جائزة المساهمة العلمية المتميزة (Award for Distinguished Scientific Contributions) من جمعية علم النفس الأمريكية (APA)، وهي الجائزة الأسمى التي تُمنح للعلماء الذين غيروا مسار العلم وبنيته المعرفية. وفي عام 2002، نشرت مجلة Review of General Psychology دراسة إحصائية موسعة صنفت جوليان روتر في المرتبة الثالثة والثلاثين (33) ضمن قائمة أكثر 100 عالم نفس تأثيراً وشهرة واستشهاداً بأعمالهم في القرن العشرين بأكمله، متقدماً على أسماء بارزة وملء السمع والبصر في تاريخ الفكر العالمي.
12.2 التطبيقات الحديثة لنظرياته في مجالات الحياة المختلفة
لم تتوقف أفكار روتر عند حدود النظريات الكلاسيكية لعلم النفس، بل تمددت وتناسلت بصورة مذهلة في شتى فروع العلوم الإنسانية والتطبيقية المعاصرة في الألفية الثالثة. تبرز هذه الامتدادات بوضوح في القطاعات الآتية:
- علم نفس الصحة والطب السلوكي (Health Psychology): غدا مفهوم مركز التحكم الصحي الركيزة الأساسية لتفسير التزام المرضى بالبروتوكولات العلاجية، وتغيير أنماط الحياة الخطرة (كالتدخين، والسمنة، وإدمان الكحوليات)، وإدارة الأمراض المزمنة كالسكري والسرطان؛ فالمرضى ذوو التوجه الداخلي يظهرون استجابة استباقية للوقاية والامتثال للعلاج لثقتهم في فاعلية سلوكهم، مقارنة بالخارجيين الذين يستسلمون لمصيرية المرض.
- السلوك التنظيمي والقيادة والإدارة (Organizational Behavior): أصبحت مقاييس روتر جزءاً لا يتجزأ من أدوات إدارة الموارد البشرية، وتحليل السلوك القيادي، ودراسات الرضا الوظيفي والاحتراق النفسي (Burnout)؛ حيث تبين أن القادة والموظفين ذوي الضبط الداخلي يتمتعون بمهارات حل المشكلات، والابتكار، والمبادرة، والصمود المهني تحت وطأة الضغوط بصورة تفوق نظراءهم ذوي الضبط الخارجي.
- سيكولوجية الفضاء الرقمي والذكاء الاصطناعي: استعادت مقاييس ونظريات روتر حول الثقة الشخصية المتبادلة (Interpersonal Trust) بريقاً وأهمية استثنائية بالغة الحداثة في العصر الراهن لدراسة التفاعلات عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وظواهر انتشار الأخبار الزائفة والتضليل الرقمي، وبناء معايير “الثقة في خوارزميات وأنظمة الذكاء الاصطناعي”؛ حيث يعكف باحثو العصر الرقمي على استخدام أطر روتر لفهم كيف يقرر المستخدم البشري منح ثقته للأنظمة الذكية والمنصات السيبرانية الافتراضية.
12.3 وفاة روتر ورؤيته الختامية لعلم النفس العلمي
في السادس من يناير عام 2014، ترجل الفارس عن صهوة جواده؛ حيث وافته المنية في منزله الهادئ بمدينة مانسفيلد في ولاية كونيتيكت عن عمر يناهز السابعة والتسعين عاماً، بعد حياة حافلة بالإنتاج الفكري والالتزام الأكاديمي الصارم. ترك روتر خلفه إرثاً لا ينضب؛ ليس فقط من خلال مؤلفاته وكتبه ومقاييسه الذائعة، بل من خلال منهجيته العلمية الرصينة التي ظلت وفية حتى اللحظة الأخيرة لرفض أي شكل من أشكال الاختزال الساذج لكينونة الإنسان.
كانت الرؤية الختامية التي نافح عنها روتر طوال حياته هي أن علم النفس يجب أن يظل علماً صارماً؛ علماً لا يهرب من تعقيد الخبرة الإنسانية ولا يختزلها في شفرات فسيولوجية جافة أو استجابات آلية مجتزأة، بل علماً يحتفي بقدرة الإنسان الفريدة على التفكير، وصناعة الأهداف، وتوقع النواتج، والتعلم من السياق الاجتماعي. لقد رسخ جوليان روتر ببصيرته الثاقبة حقيقة أن مصير الإنسان لا تصنعه فقط حتميات البيئة الخارجية ولا أسرار الغرائز المظلمة، بل يصنعه قبل كل شيء وعيه الذاتي، وتوقعاته المعرفية، وثقته في أخيه الإنسان، ليظل اسمه منقوشاً بحروف من نور كواحد من أعظم بناة الصرح المعرفي الحديث لعلم النفس الإكلينيكي والإنساني على مر العصور.
خاتمة
إن استعراض السيرة العلمية والفكرية الحافلة للعالم الفذ جوليان روتر (1916-2014) يكشف بجلاء عن عبقرية استثنائية أعادت رسم الخريطة المعرفية لعلم النفس الحديث في لحظة تاريخية حرجة كان العلم فيها مهدداً بالانقسام بين حتميتين خانقتين: ميكانيكية السلوكية الراديكالية ومظلمة التحليل النفسي الغريزي. لقد استطاع روتر، بنفاذ بصيرته وتكوينه العلمي المتين المتشبع بروافد أدلر وليفين وماسلو، أن يبني صرحاً نظرياً شامخاً دمج فيه ببراعة فائقة بين صرامة المنهج التجريبي وقوة الفاعلية الإنسانية الواعية، واضعاً بذور الثورة المعرفية الاجتماعية قبل أوانها بعقود.
تتجلى خلود أطروحات روتر في حقيقة أن مفاهيمه التأسيسية — كالمعادلة التنبؤية للسلوك، وحرية الحركة ومنظومة الحاجات، والتوقعات المعممة — لم تكن مجرد تنظيرات تجريدية، بل تحولت عبر مقاييسه السيكومترية الرائدة (كمقياس الضبط الداخلي – الخارجي، ومقياس الثقة الشخصية المتبادلة، واختبار إكمال الجمل) إلى أدوات عمل يومية لا غنى عنها في العيادات النفسية، والمدارس، ومؤسسات الأعمال، ومختبرات البحث العلمي في مشارق الأرض ومغاربها. لقد أثبتت هذه الأدوات صموداً إمبريقياً مذهلاً وتطورت لتغطي أحدث المجالات المعاصرة كعلم نفس الصحة والفضاء الرقمي والذكاء الاصطناعي.
في جوهر رسالته الإنسانية والعلمية، قدم جوليان روتر دعوة دائمة لتحرير الإنسان من قيود العجز السلبي والقدرية الانهزامية؛ مؤكداً أن كينونة البشر تتحدد بمدى إدراكهم لمسؤولياتهم وصناعتهم لمصائرهم (الضبط الداخلي)، وبقدرتهم على نسج روابط التعاون والأمان الأخلاقي المتبادل (الثقة الشخصية). ومن هنا، يظل إرث روتر نبراساً سيكولوجياً هادياً يؤكد أن دراسة السلوك الإنساني تكتمل فقط عندما ننظر إلى الإنسان ككائن مفكر، هادف، مسؤول، وصانع للمعنى في عالمه الاجتماعي المعاش.
المراجع
- Bandura, A. (1977). Social learning theory. Prentice-Hall.
- Levenson, H. (1974). Activism and powerful others: Distinctions within the concept of internal-external control. Journal of Personality Assessment, 38(4), 377–383. https://doi.org/10.1080/00223891.1974.10119988
- Lewin, K. (1936). Principles of topological psychology. McGraw-Hill.
- Rotter, J. B. (1954). Social learning and clinical psychology. Prentice-Hall. https://doi.org/10.1037/10788-000
- Rotter, J. B. (1966). Generalized expectancies for internal versus external control of reinforcement. Psychological Monographs: General and Applied, 80(1), 1–28. https://doi.org/10.1037/h0092976
- Rotter, J. B. (1967). A new scale for the measurement of interpersonal trust. Journal of Personality, 35(4), 651–665. https://doi.org/10.1111/j.1467-6494.1967.tb01454.x
- Rotter, J. B. (1975). Some problems and misconceptions related to the construct of internal versus external control of reinforcement. Journal of Consulting and Clinical Psychology, 43(1), 56–67. https://doi.org/10.1037/h0076301
- Rotter, J. B. (1980). Interpersonal trust, trustworthiness, and gullibility. American Psychologist, 35(1), 1–7. https://doi.org/10.1037/0003-066X.35.1.1
- Rotter, J. B., & Rafferty, J. E. (1950). The Rotter Incomplete Sentences Blank manual: College form. The Psychological Corporation.
- Rotter, J. B., Chance, J. E., & Phares, E. J. (1972). Applications of a social learning theory of personality. Holt, Rinehart & Winston.
- Skinner, B. F. (1953). Science and human behavior. Macmillan.
- Haggbloom, S. J., Warnick, R., Warnick, J. E., Jones, V. K., Yarbrough, G. L., Russell, T. M., Borecky, C. M., McGahhey, R., Powell, J. L., III, Beavers, J., & Monte, E. (2002). The 100 most eminent psychologists of the 20th century. Review of General Psychology, 6(2), 139–152. https://doi.org/10.1037/1089-2680.6.2.139