كارل لاشلي – 1890 1958

كارل سبنسر لاشلي (Karl Spencer Lashley)

  • 7 يونيو 1890، ديفيس، فرجينيا الغربية – 1958
  • أمريكي
  • المدرسة السلوكية (السلوكية الفسيولوجية)
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 17 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 17 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

أبرز الإسهامات

  • تأسيس علم النفس العصبي التجريبي
  • البحث التجريبي عن الإنغرام (أثر الذاكرة الفيزيائي)
  • مبدأ تكافؤ الإمكانات (Equipotentiality)
  • مبدأ الفعل الجمعي (Mass Action)
  • دراسة مشكلة الترتيب التسلسلي في السلوك ونقد النموذج الانعكاسي ومقسم الهاتف للدماغ

السيرة

يحتل عالم النفس والفسيولوجيا الأمريكي كارل سبنسر لاشلي (Karl Spencer Lashley: 1890–1958) مكانة استثنائية وفريدة في تاريخ العلوم المعرفية والبيولوجية؛ إذ يُعد بلا منازع الأب الروحي والمؤسس الفعلي لميدان علم النفس العصبي التجريبي (Experimental Neuropsychology). ففي مرحلة تاريخية كانت السايكولوجيا تتأرجح فيها بين استبطانية القرن التاسع عشر الغامضة واختزالية المدرسة السلوكية الميكانيكية الصارمة، اختار لاشلي طريقاً علمياً وعراً استهدف الإجابة عن أعمق الأسئلة الفلسفية والبيولوجية: كيف تتجسد الذاكرة مادياً داخل الجهاز العصبي المركزي؟ وما هي الآليات الفسيولوجية التي تجعل الدماغ قادراً على التعلم والتكيف والتفكير الموجه وإصدار السلوكيات المعقدة؟

كرّس لاشلي أكثر من أربعة عقود من حياته الأكاديمية والبحثية في مسعى حثيث، كاد يلامس الملحمة العلمية، وراء تعقب وتحديد ما عُرف بـ “الإنغرام” (Engram) أو الأثر المادي الفيزيائي للذاكرة في قشرة الدماغ. ومن خلال آلاف العمليات الجراحية الدقيقة التي أجراها على القوارض والرئيسيات، مستخدماً تقنيات الاستئصال والكي النسيجي القشري المقنن، استطاع أن يقوض المسلمات التوطينية الكلاسيكية الفجة، مبرهناً على أن الدماغ لا يعمل بمثابة لوحة مقاسم هاتفية تتألف من نقاط وصل ميكانيكية معزولة، بل بوصفه كلاً ديناميكياً متكاملاً يتسم بمرونة تكيفية فائقة تجعله قادراً على تعويض الأنسجة المفقودة وإعادة هيكلة وظائفه بمرونة مذهلة.

إن إرث كارل لاشلي الفكري لا ينحصر في نتائجه السلبية الشهيرة التي أفضت إلى عجزه عن حصر الذاكرة في رقعة تشريحية ضيقة، بل يمتد إلى تنظيراته الثورية حول “مبدأ تكافؤ الإمكانات” و”مبدأ الفعل الجمعي”، واختراقه المعرفي الباهر في ندوة هيكسون عام 1948 حول مشكلة الترتيب التسلسلي في السلوك، والتي شكّلت حجر الأساس للثورة المعرفية ولنشوء اللغويات التوليدية. يستعرض هذا البحث الأكاديمي الموسع سيرة كارل لاشلي العلمية وتطوره الفكري، وتشريح تجاربه الرائدة ومجادلاته النظرية، وصولاً إلى تقييم إرثه المستمر وتأثيره البالغ في أبحاث الدماغ والذكاء والشبكات العصبية المعاصرة.

1. النشأة والتكوين العلمي المبكر لكارل لاشلي

1.1 السنوات الأولى والبيئة الأسرية والتعليمية

ولد كارل سبنسر لاشلي في السابع من يونيو عام 1890 في بلدة ديفيس الصغيرة الواقعة بولاية فرجينيا الغربية بالولايات المتحدة الأمريكية، وهي بيئة جبلية نائية طبعت طفولته بطابع خاص من العزلة النسبية والتأمل الفطري. نشأ لاشلي في أسرة من الطبقة المتوسطة؛ حيث كان والده، تشارلز لاشلي، رجلاً عملياً تقلب في وظائف تجارية ومحلية متعددة كإدارة المتجر البريدي المحلي والعمل في بلدية البلدة، بينما تميزت والدته، ماغي سبنسر، بثقافة واسعة وشغف جارف بالقراءة وحب المعرفة، فحرصت على تزويد المنزل بمكتبة غنية شجعت عقل الطفل المتوثب على ارتياد آفاق الفكر والاطلاع الذاتي المبكر.

منذ سنوات طفولته المبكرة، أظهر لاشلي ولعاً استثنائياً بالعالم الطبيعي وتاريخ الكائنات الحية. كان يقضي ساعات طويلة متجولاً في الغابات الكثيفة والمجاري المائية المحيطة ببلدته، يجمع الحشرات، ويراقب سلوك الطيور والثدييات الصغيرة، ويفحص بنى النباتات. هذا الانغماس الحسي والفكري في بيئة البرية عزز لديه حساً تشريحياً وملاحظة بيولوجية ثاقبة تحولت لاحقاً إلى مهارة منهجية في علم الحيوان التجريبي. ولم يكن اهتمامه بالطبيعة مجرد هواية صبيانية، بل كان توقاً عقلانياً لفهم العلاقات البيولوجية الدقيقة وتمايز الأنواع الحية وقدرتها التكيفية المذهلة مع شروط بيئتها القاسية.

التحق لاشلي بعد ذلك بـ جامعة فرجينيا الغربية وهو لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، مدفوعاً برغبة أولية في دراسة اللغات الكلاسيكية والإنجليزية، غير أن لقاءه بعالم الحيوان جون بلاك جونستون كان نقطة تحول حاسمة؛ إذ قاده الأخير إلى دراسة التشريح المقارن للجهاز العصبي للأسماك والفقاريات الدقيقة. انبهر لاشلي بالهياكل الخلوية الدقيقة للدماغ وأدرك أن الألغاز الفلسفية الكبرى للوعي والنشاط الذهني لا يمكن حلها إلا عبر سبر أغوار التشريح العصبي وتطوره التاريخي، فحصل على درجة البكالوريوس في علم الحيوان عام 1910، متسلحاً برؤية تطورية داروينية شكلت العمود الفقري لمسيرته العلمية بأسرها.

1.2 المرحلة الجامعية والدراسات العليا في جامعة جونز هوبكنز

بعد تخرجه من جامعة فرجينيا الغربية وحصوله على درجة الماجستير في علم الجراثيم من جامعة بيتسبرغ عام 1911، انتقل لاشلي إلى واحدة من أرقى المؤسسات الأكاديمية العالمية آنذاك، وهي جامعة جونز هوبكنز في بالتيمور، لمتابعة دراساته العليا في علم الحيوان وعلم وظائف الأعضاء، متتلمذاً على يد القامة العلمية البارزة في مجال الوراثة وسلوك الكائنات الأولية، هربرت سبنسر جينينغز (Herbert Spencer Jennings).

تلقى لاشلي تدريباً صارماً تحت إشراف جينينغز على استخدام تقنيات الفحص المجهري المتقدمة وطرق التحليل الكمي للتغيرات المورفولوجية والفسيولوجية في الكائنات الحية الدقيقة. وهناك تمكن من تطوير مهارات استثنائية في التشريح العصبي المجهري الدقيق (Micro-neuroanatomy)، وإعداد المقاطع النسيجية الرقيقة، وتطبيق الصبغات الخلوية الخاصة لفحص شبكات الخلايا العصبية بدقة متناهية، وهي مهارات تقنية وعملية جعلت منه لاحقاً جراحاً تجريبياً لا يشق له غبار في التعامل مع الأدمغة الدقيقة للقوارض دون الإضرار غير المحسوب بالأنسجة المحيطة.

تمحورت أطروحة الدكتوراه التي نال بها شهادته عام 1914 حول السلوك والتكيف الوراثي في الكائنات الأولية، وتحديداً الهدبيات وحيوان الهيدرا العذب. كان السؤال المركزي الذي استحوذ على تفكيره هو: كيف تستطيع الكائنات البدائية الخالية من جهاز عصبي متطور أن تستجيب لمنبهات البيئة بتناسق تكيفي؟ قاده هذا البحث إلى استنتاج فكري جوهري مفاده أن السلوك المنظم ليس وليد بنيات فسيولوجية ثابتة محددة مسبقاً، بل هو خاصية ديناميكية ناشئة عن التفاعل الشامل للبروتوبلازم الحي مع محيطه، وهي فكرة بذورية ظلت حية في عقله، وأسهمت بعد سنوات في بلورة نقده الجذري للنظريات التوطينية في دماغ الثدييات.

1.3 التفاعل الأكاديمي والشراكة مع جون بي. واطسون

خلال تواجده في جامعة جونز هوبكنز، التقى لاشلي بالشخصية الأكثر إثارة للجدل والتأثير في علم النفس الأمريكي المعاصر، وهو جون بي. واطسون (John B. Watson)، الذي كان قد نشر بيانه التأسيسي الشهير للمدرسة السلوكية عام 1913. وجد واطسون في الشاب لاشلي عقلية علمية موضوعية بالغة الدقة ومهارة بيولوجية وتشريحية فذة كان يفتقر إليها هو نفسه لإرساء دعائم مشروعه الرامي إلى تحويل السايكولوجيا إلى علم طبيعي تجريبي بحت يستبعد الاستبطان ومفاهيم الوعي الذاتي.

أثمر هذا التعاون عن انخراط لاشلي مع واطسون في مشروعات ميدانية تجريبية رائدة، كان من أبرزها رحلتهما الاستكشافية إلى جزر التورتوغاس الجافة (Dry Tortugas) في خليج المكسيك لدراسة سلوك التعشيش والاهتداء المكاني لدى طيور الخرشنة (Terns). قام الباحثان بنقل الطيور لمئات الأميال بعيداً عن أعشاشها وإطلاقها فوق مياه المحيط المفتوحة لمراقبة مسارات عودتها وتوثيق قدرتها الفطرية على الملاحة الحيوية دون الاستعانة بمعالم بصرية مألوفة. هذه التجارب الميدانية الصارمة رسخت في ذهن لاشلي أهمية التحليل الإمبريقي الموضوعي للسلوك الطبيعي للكائنات في بيئاتها الأصلية.

تبنى لاشلي من واطسون المنهج التجريبي الصارم ورفض التفسيرات الميتافيزيقية للظواهر النفسية، لكنه اختلف معه من الناحية الفسيولوجية. بينما كان واطسون راضياً بالتعامل مع الكائن العضوي بوصفه “صندوقاً أسود” تنحصر دراسته في رصد المثير الخارجي والاستجابة الناتجة (S-R)، رأى لاشلي أن علم النفس السلوكي سيظل ناقصاً وعاجزاً ما لم يقتحم ذلك الصندوق الأسود ذاته ويفكك الآليات العصبية والفسيولوجية الكامنة وراء تلك الاستجابات، لتبدأ بذلك نقطة الافتراق المنهجي الخلاق بين الرجلين.

2. السياق التاريخي وعلاقة لاشلي بالمدرسة السلوكية

2.1 المناخ الفكري للسايكولوجيا في أوائل القرن العشرين

كان المشهد الفكري الأكاديمي في مطلع القرن العشرين يموج بصراعات إبستمولوجية حادة بين مدارس علم النفس الوليدة. فمن جهة، كانت الهيمنة التقليدية لمدرسة الاستبطان (Introspectionism) بزعامة إدوارد تيتشنر في الولايات المتحدة تصر على أن موضوع السايكولوجيا هو دراسة بنية الوعي والحالات الذهنية الذاتية عبر التقارير الشفوية الدقيقة للأفراد المدربين، وهو ما اعتبره علماء الطبيعة منهجاً عقيماً يفتقر لأبسط معايير الموضوعية وقابلية التكرار والتحقق الكمي التجريبي.

ومن جهة أخرى، احتدم الصراع الفلسفي بين التيارات المادية الاختزالية التي نظرت إلى الكائن الحي كآلة كيميائية حيوية ميكانيكية، والتيارات الحيوية والغائية (Vitalism and Teleology) التي رأت أن السلوك الإنساني والحيواني موجه بغايات ومقاصد عليا لا يمكن اختزالها في قوانين الفيزياء والكيمياء. وسط هذا الصخب الإبستمولوجي، صعدت المدرسة السلوكية بمثابة ثورة علمية تستهدف تنحية كل ما لا يمكن ملاحظته وقياسه مباشرة في المختبر، من إحساسات وخواطر ونوايا، وحصر البحث العلمي في المخرجات السلوكية القابلة للإدراك الحسي المجرد.

تفاعل لاشلي مع هذه التموجات الفكرية بحذر نقدي وبصيرة نافذة؛ إذ أدرك أن الثورة السلوكية تمثل الترياق الضروري والوحيد لإنقاذ علم النفس من الانزلاق إلى مستنقع الفلسفة التأملية والأدب الوصفي. ومع ذلك، لم يكن راضياً عن النزعة التبسيطية الساذجة التي كانت تروج لها بعض الأوساط السلوكية الشعبية الراديكالية؛ حيث كان يرى أن إقصاء العمليات المعرفية المركزية دون فهم ركائزها البيولوجية في الدماغ لا يحل المعضلة بل يؤجلها فقط خلف حجاب من المصطلحات المفرغة من محتواها البيولوجي الحقيقي.

2.2 التبني النقدي للسلوكية والتحول الفسيولوجي

انخرط لاشلي في المعسكر السلوكي بكل قواه المنهجية، معلناً رفضه القاطع لـ الثنوية الديكارتية (Cartesian Dualism) التي تفصل فصلاً مصطنعاً بين النفس المفكرة والمادة الممتدة. وفي ورقته الجريئة عام 1923 بعنوان “السلوكية كمنهج وموقف علمي”، أكد لاشلي أن المشكلات التي يطلق عليها علم النفس الكلاسيكي “ظواهر الوعي” ما هي في جوهرها إلا وظائف فسيولوجية بالغة التعقيد يؤديها الجهاز العصبي المركزي، ولا يمكن فك طلاسمها بالاستبطان بل بتشريح وتتبع التغيرات العصبية الخلوية.

عارض لاشلي بشدة النزعة التي سادت بين العديد من السلوكيين للاكتفاء بالصندوق الأسود، وتجاهل الدماغ باعتباره عضواً لا حاجة لمعرفة ما يدور داخله طالما أن معادلة المثير-الاستجابة تؤدي وظيفتها التنبؤية. وجادل بأن هذا التجاهل يُعد انتحاراً علمياً يحرم السايكولوجيا من قاعدتها الصلبة المتمثلة في علم وظائف الأعضاء، مشيراً إلى أن الارتباطات السلوكية ليست تجريدات رياضية تسبح في الفراغ، بل هي عمليات نسيجية ديناميكية تجري داخل شبكات القشرة المخية والمراكز الحركية والحسية التحت قشرية.

أرسى لاشلي بذلك ما يمكن تسميته بـ “السلوكية الفسيولوجية” (Physiological Behaviorism)؛ وهي رؤية إبستمولوجية تنطلق من أن التفسير الحتمي والوحيد لأي سلوك منظم—سواء كان تعلم متاهة من قِبل جرذ، أو قفز قطة فوق حاجز، أو حديث فيلسوف حول الوجود—يجب أن يُصاغ في نهاية المطاف بلغة الفسيولوجيا العصبية والتشريح الدماغي. وبذلك نقل السلوكية من كونها مجرد دراسة للمثيرات والاستجابات البيئية إلى مشروع بيولوجي استكشافي يستهدف تفكيك المحرك الفسيولوجي المتحكم في الكائن الحي من الداخل.

2.3 الخلاف المنهجي مع إيفان بافلوف والنظرية المنعكسة

في موازاة صعود السلوكية الأمريكية، كانت نظرية المنعكسات الشرطية لعالم الفسيولوجيا الروسي الحائز على جائزة نوبل، إيفان بافلوف (Ivan Pavlov)، تجتاح الدوائر الأكاديمية العالمية كنموذج تفسيري مهيمن للسلوك. افترض بافلوف ومعه واطسون أن التعلم والذاكرة وتكوين العادات المعقدة ليست سوى سلاسل متصلة من الأقواس الانعكاسية المشروطة (Conditioned Reflexes)، حيث يتصل منبه محدد بخلية حسية تنقل شحنتها عبر مسارات ليفية عصبية محددة وثابتة تشريحياً وصولاً إلى العضلات المستجيبة.

وقف لاشلي موقفاً نقدياً راديكالياً من هذه النظرية، مؤكداً أن اختزال السلوك في مسارات منعكسة ثابتة يُعد تبسيطاً كرتونياً لا يمت للواقع البيولوجي بصلة. وبينت تجاربه المبكرة أن الكائن الحي لا يتعلم استجابة حركية صلبة ومحددة، بل يتعلم علاقات وديناميكيات وظيفية. فإذا تعلّم الجرذ الجري في متاهة مستخدماً عضلات أطرافه الأربعة، ثم أُصيبت أطرافه أو قُطعت مساراتها الحركية، فإنه يظل قادراً على الوصول إلى صندوق الطعام عبر السباحة أو الزحف أو القفز؛ مما يثبت استحالة أن يكون السلوك مجرد سلسلة من المنعكسات العضلية الآلية المبرمجة سلفاً.

رفض لاشلي بقوة النموذج الميكانيكي للدماغ الذي شاع في عصره، والذي شبّه القشرة المخية بـ “مقسم هاتف يدوي” تتصل فيه الأسلاك الحسية بالأسلاك الحركية عبر لوحات تحويل ثابتة. ورأى أن هذا التصور المنعكسي يعجز تماماً عن تفسير المرونة المذهلة للسلوك التكيفي، وقدرة الكائن على الاستجابة للمواقف الجديدة بحركات مبتكرة لم يسبق تدريبه عليها؛ مؤكداً أن الجهاز العصبي يعمل وفق مبادئ تكاملية وحقلية تفاعلية تتجاوز الحدود الضيقة للقوس الانعكاسي التقليدي.

3. البحث التجريبي عن ‘الإنغرام’ (أثر الذاكرة الفيزيائي)

3.1 مفهوم الإنغرام والخلفية النظرية لريتشارد سيمون

يُعد مفهوم “الإنغرام” (Engram) حجر الزاوية الذي تمحورت حوله مغامرة كارل لاشلي العلمية لعقود طويلة. يعود هذا المصطلح في أصوله البيولوجية والفلسفية إلى عالم الأحياء التطوري الألماني ريتشارد سيمون (Richard Semon) في مطلع القرن العشرين، وتحديداً في كتابيه “المنيموس” (Die Mneme: 1904) و“الإنغرامات المنيمية” (1909)؛ حيث افترض سيمون أن كل تجربة حسية أو منبه بيئي يؤثر في الكائن الحي يترك أثراً مادياً دائماً ومطبوعاً في المادة الحية للأنسجة العصبية، وأطلق على هذا الأثر التغييري الكامن اسم “الإنغرام”، وعلى عملية استحضاره لاحقاً اسم “الإكفوري” (Ecphory).

تلقف لاشلي هذه الفرضية النظرية وحولها من فكرة فلسفية مجردة إلى برنامج بحثي تجريبي صارم في مختبرات علم النفس الفسيولوجي. وضع لاشلي فرضية عمل واضحة: إذا كان التعلم يمثل تعديلاً فيزيائياً في الجهاز العصبي، فإن هذا الأثر—الإنغرام—يجب أن يكون متوضعاً في مسارات عصبية محددة أو في رقعة تشريحية معينة داخل قشرة المخ، ويمكن استئصاله أو قطعه جراحياً لإلغاء التعلم واستعادة السلوك الفطري الأصلي للكائن كما كان قبل التدريب.

لتنفيذ هذه الفرضية، صمم لاشلي منظومة متكاملة من الاختبارات السلوكية الموحدة للحيوانات المخبرية، وخاصة الفئران والجرذان البيضاء. قام بتطوير مجموعة متباينة التعقيد من المتاهات (Mazes)، بدءاً من المتاهات البسيطة ذات الممر الواحد والمنعطف الفردي، وصولاً إلى متاهات غولدشتاين وستونات المعقدة التي تحتوي على عشرات الممرات العمياء والمنعطفات المتعددة، وذلك لقياس سرعة الاكتساب، ومعدل الأخطاء، ونسبة الاحتفاظ بالعادة بعد فترات زمنية متباينة من التدريب.

3.2 المنهجية الجراحية وتقنيات الاستئصال القشري

اعتمد لاشلي منهجية جراحية تجريبية تعتمد على الاستئصال النسيجي الدقيق (Surgical Cortical Ablation) والمقنن لمناطق مختلفة من قشرة الدماغ في الجرذان. كان يقوم أولاً بتدريب الحيوانات حتى تبلغ معياراً صارماً من الإتقان التام في حل المتاهة، بحيث تجتازها عدة مرات متتالية دون ارتكاب أي خطأ في الدخول إلى الممرات العمياء. وبعد تثبيت هذه العادة السلوكية في ذاكرة الحيوان، يخضعه لاشلي لعملية جراحية عصبية مجهرية بالغة التعقيد تحت التخدير العام.

باستخدام مباضع دقيقة وإبر حرارية ومكاوٍ كهربائية مجهرية صمم بعضها بنفسه، كان لاشلي يستأصل أجزاء محددة ومقاسة تشريحياً من نصفي الكرة المخية: الفصوص الجبهية، أو الفصوص الجدارية، أو الفصوص القذالية البصرية، أو الفصوص الصدغية. وبعد تعافي الحيوانات من الصدمة الجراحية، كان يعيد اختبارها في المتاهات نفسها لرصد ما إذا كان قد تم “محو” عادة المتاهة، ومقارنة عدد المحاولات والأخطاء اللازمة لإعادة تعلمها مقارنة بالحيوانات السليمة من المجموعة الضابطة.

تميزت تجارب لاشلي بضبط تجريبي استثنائي؛ إذ كان حريصاً على عزل المتغيرات الحسية المختلفة التي يمكن أن يعتمد عليها الجرذ في تذكر طريقه. أجرى تجارب قام فيها باستئصال العيون لعزل حاسة البصر، وقطع شوارب الحيوان لعزل اللمس الإبري، واستئصال البصلات الشمية لمنع الاستدلال برائحة الطعام، وتدمير القنوات الهلالية في الأذن الداخلية لتعطيل التوازن الدهليزي. ورغم كل هذه العزولات الحسية المعقدة، كان الحيوان يحتفظ بقدرته المدهشة على اجتياز المتاهة بنجاح، مما قاد لاشلي إلى البحث عن مركز التجميع والتخزين داخل القشرة ذاتها.

3.3 نتائج عقود من البحث: الإخفاق في العثور على الإنغرام

بعد أكثر من ثلاثين عاماً من البحث المضني والمتواصل، وعشرات الآلاف من العمليات الجراحية التي شملت تقطيع واستئصال كل بقعة يمكن تصورها من القشرة المخية لدى الجرذان، وصل لاشلي إلى نتيجة صادمة وغير متوقعة بالمرة: لم يتمكن من العثور على الإنغرام على الإطلاق في أي موضع تشريحي محدد. لم يكن هناك أي فص أو تلم أو تلافيف قشرية يؤدي استئصالها منفرداً إلى محو عادة المتاهة مع الإبقاء على الوظائف الأخرى سليمة.

أظهرت البيانات التجريبية المتراكمة أن الحيوانات التي تعرضت لتدمير واسع النطاق في الفص القذالي (البصري) أو الفص الجبهي أو الجداري ظلت قادرة على تذكر المتاهة، أو على الأقل استعادتها بسرعة لافتة بعد بضع محاولات تدريبية بسيطة. ورغم تدمير مناطق شاسعة وصلت في بعض الأحيان إلى استئصال أكثر من 50% أو حتى 70% من إجمالي النسيج القشري لنصفي الكرة المخية، كانت الحيوانات تواصل المحاولة وتنجح في حل المسألة السلوكية، متكيفة بحركات عضلية جديدة لتعويض العجز الحركي الناتج عن الجراحة.

توج لاشلي هذه الملحمة البحثية في ورقته التاريخية والشهيرة لعام 1950 بعنوان “بحثاً عن الإنغرام” (In Search of the Engram). وفي هذه الورقة، استعرض بياناته التجريبية الكثيفة وأطلق عبارته الساخرة المتهكمة التي صارت من أشهر المقولات في تاريخ علم الأعصاب المعرفي، حين كتب:

“عند استعراض الأدلة حول توطين أثر الذاكرة، يبدو في بعض الأحيان أن النتيجة الحتمية الوحيدة هي أن التعلم مستحيل على الإطلاق! ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا الاستنتاج، يظل التعلم يحدث في كل يوم في كل كائن حي.”

لم تكن هذه الخلاصة إعلاناً عن الاستسلام أو العدمية العلمية، بل كانت نقداً لاذعاً وجهه لاشلي للنموذج التوطيني الكلاسيكي الذي سجن الفكر العصبي لعقود في أوهام المراكز المنفصلة.

4. مبدأ تكافؤ الإمكانات (Equipotentiality) في وظائف الدماغ

4.1 صياغة المبدأ والتعريف الأكاديمي

كنتيجة مباشرة لعجزه التجريبي عن العثور على موضع نسيجي محدد للإنغرام في منطقة قشرية بعينها، صاغ كارل لاشلي نظريته الكبرى الأولى لتفسير ديناميكية الدماغ في كتابه الرائد الصادر عام 1929 بعنوان “آليات الدماغ والذكاء” (Brain Mechanisms and Intelligence)، مطلقاً عليها اسم “مبدأ تكافؤ الإمكانات” (Equipotentiality). ويشير هذا المبدأ الفسيولوجي إلى أن الأجزاء السليمة غير التالفة من منطقة وظيفية معينة في القشرة المخية قادرة على تولي وتنفيذ المهام التي كانت تؤديها الأجزاء المستأصلة أو التالفة بكفاءة متكافئة.

حرص لاشلي على تحديد الحدود التشريحية لهذا المبدأ بدقة علمية صارمة منعا للخلط، فميز بين نوعين رئيسيين من الأنسجة القشرية:

  • القشرة الإسقاطية الحسية والحركية الأولية (Primary Sensory and Motor Projection Areas): مثل الباحة البصرية المخططة أو الشريط الحركي الأولي، حيث يوجد توطين طبوغرافي وظيفي صارم نسبياً يربط مناطق محددة في المحيط بأجزاء مقابلة في القشرة.
  • القشرة الترابطية والتكاملية (Associative and Integrative Cortex): وهي المناطق المسؤولة عن العمليات المعرفية العليا، مثل التعلم المعقد، وحل المشكلات، واستبقاء عادات المتاهة، والتجريد الفكري.

أكدت الأدلة السلوكية أن تدمير جزء معين من القشرة الترابطية لا يلغي الوظيفة المتعلمة، لأن الخلايا والشبكات العصبية المتبقية في المناطق المحيطة، أو حتى في النصف المخي الآخر المقابل، تعيد تنظيم نفسها فسيولوجياً لتتولى زمام القيادة وتؤدي المهمة السلوكية ذاتها، مما يثبت أن القدرة الوظيفية ليست حكراً على مجموعة خلايا مكرسة بذاتها لتلك العادة دون سواها.

4.2 الدلالات الفسيولوجية لمرونة الجهاز العصبي المركزي

كانت صياغة مبدأ تكافؤ الإمكانات بمثابة صدمة إبستمولوجية لعلماء الفسيولوجيا في عصره؛ إذ نسفت الفكرة الشائعة التي اعتبرت الخلايا العصبية وحدات مبرمجة سلفاً وغير قابلة للتغيير في استجاباتها التخصصية في العمليات المعرفية. فتح هذا المبدأ الباب على مصراعيه لفهم الطبيعة التكيفية الرائعة للدماغ وقدرته الهيكلية على التعافي الوظيفي بعد السكتات الدماغية، والإصابات الرضية، والأورام النسيجية، عبر مسارات إعادة توزيع الحمل المعرفي على الدوائر العصبية السليمة.

يُعد لاشلي من خلال هذا المفهوم الجسر التاريخي الحقيقي الذي مهّد الطريق لظهور المفاهيم المعاصرة حول اللدونة العصبية (Neuroplasticity) والتشابكية. فعندما أثبت أن استئصال جزء كبير من النسيج لا يؤدي إلى شلل العادة بل يوزعها على الأنسجة الباقية، كان يضع اللبنات الأولى لفكرة أن التوصيلات الدماغية ليست شبكة أسلاك نحاسية جامدة، بل هي نسيج حيوي ديناميكي يتشكل ويتسع باستمرار تبعاً لمتطلبات الفعل والتكيف البيئي.

علاوة على ذلك، فرض هذا المبدأ إعادة التفكير في العلاقة بين المورفولوجيا (الشكل التشريحي) والوظيفة. فالوظيفة النفسية المعقدة ليست نتاج نقطة جغرافية في الدماغ، بل هي نتاج “حقل وظيفي” واسع يتفاعل فيه الدماغ كوحدة كلية، حيث تمتلك مجموعات واسعة من الخلايا العصبية إمكانية كامنة للتعويض والقيام بأدوار متعددة ومرنة تتغير بتغير الشروط العضوية والفسيولوجية للكائن الحي.

4.3 حدود تطبيق تكافؤ الإمكانات ونقد التعميم المفرط

على الرغم من الأهمية الثورية لمبدأ تكافؤ الإمكانات، إلا أنه لم يخلُ من انتقادات منهجية وتحذيرات من التعميم المفرط، كان لاشلي نفسه واعياً لبعضها بينما كشفت الأبحاث اللاحقة عن البعض الآخر. فالاعتراض الأكبر الذي واجهه تمثل في التمايز الإقليمي والتشريحي الصارم في بعض الوظائف الحسية والحركية الدقيقة للثدييات؛ فالإصابة الموضعية في باحة برودمان 17 البصرية تؤدي حتماً إلى عمى نصفي أو عتمة في المجال البصري المقابل لا يمكن لأي منطقة أخرى في الدماغ تعويضها تعويضاً كلياً آنياً.

اعترف لاشلي بهذا القيد بوضوح، مؤكداً أن تكافؤ الإمكانات لا يسري بالقوة ذاتها على المسارات الإسقاطية البسيطة، بل يتجلى بوضوح كاسح في القشرة الترابطية العليا ومناطق التكامل السلوكي. ومع ذلك، وجه علماء التشريح العصبي انتقادات لاذعة لمنهجيته الجراحية؛ حيث أشاروا إلى أن الآفات والاستئصالات التي كان يحدثها بالمكواة لم تكن بالغة الدقة الميكروسكوبية، وكثيراً ما كانت تترك أجزاءً من الطبقات القشرية العميقة أو تدمر أنسجة وعائية ثانوية ونوى تحت قشرية دون عمد، مما قد يربك التفسير السلوكي للحيوان.

كما بينت الدراسات المقارنة اللاحقة أن مبدأ تكافؤ الإمكانات يتجلى بأعلى درجاته في القوارض (كالفئران والجرذان) نظراً لعدم اكتمال التخصص الوظيفي القشري لديها، بينما يقل هذا التكافؤ تدريجياً كلما ارتقينا في سلم التطور العصبي نحو الرئيسيات العليا والإنسان؛ حيث تصبح القشرة المخية شديدة التمايز والتخصص الإقليمي الدقيق، مما يجعل الإصابات الموضعية في الدماغ البشري تؤدي غالباً إلى عيوب وظيفية حادة ومحددة لا يمكن تعويضها ببساطة.

5. مبدأ الفعل الجمعي (Mass Action) وتفسير ديناميكية التعلم

5.1 العلاقة التناسبية بين حجم التلف والأداء المعرفي

بالتوازي مع مبدأ تكافؤ الإمكانات، صاغ كارل لاشلي مبدأه النظري والتجريبي الكبير الثاني وهو “مبدأ الفعل الجمعي” (Mass Action). ينص هذا المبدأ على أن كفاءة أداء الدماغ للوظائف المعقدة والمهام السلوكية المكتسبة تتناسب طردياً مع الحجم الإجمالي للنسيج القشري السليم المتبقي، ولا تعتمد على الموضع التشريحي الدقيق للنسيج الذي تعرض للتدمير أو الاستئصال داخل القشرة الترابطية.

توصل لاشلي إلى هذا المبدأ من خلال تحليلات إحصائية دقيقة لنتائج مئات التجارب على الجرذان التي تم تدريبها على متاهات متباينة الصعوبة. ولاحظ وجود ارتباط خطي واضح: كلما زادت النسبة المئوية للنسيج القشري المستأصل (سواء كان المستأصل 10%، 25%، أو 50%)، زاد التدهور السلوكي للحيوان وتضاعف عدد الأخطاء التي يرتكبها في المتاهة، وتطلّب وقتاً أطول بكثير لإعادة التعلم. والمثير في بيانات لاشلي هو أن استئصال 20% من الفص الجبهي أحدث تدهوراً مساوياً تقريباً لاستئصال 20% من الفص الجداري أو القذالي في المهام غير الحسية البحتة.

ارتبطت هذه الظاهرة طردياً بدرجة تعقيد المهمة؛ ففي المتاهات البسيطة جداً (التي تتطلب انعطافاً واحداً نحو ممر طعام)، لم يظهر حجم الاستئصال أثراً كبيراً، واستطاعت الحيوانات حتى مع تلف قشري واسع أن تؤدي المهمة بنجاح. أما في المتاهات ذات التعقيد المعرفي العالي، فقد أدى أي نقصان في الكتلة الدماغية الإجمالية إلى انخفاض فادح في القدرة على حل المشكلة، مما دل على أن المهام المعقدة تحتاج إلى حشد طاقة قشرية عامة لا ترتبط ببقعة جغرافية واحدة.

5.2 الفعل الجمعي وتكامل الأنظمة القشرية

قدم لاشلي من خلال مبدأ الفعل الجمعي رؤية فلسفية وفسيولوجية متماسكة تنظر إلى القشرة المخية كـ “حقل وظيفي وديناميكي متكامل” (Integrated Dynamic Field). ورفض رفضاً قاطعاً التفتيت الآلي للمخ إلى وحدات فسيفسائية مغلقة ومنفصلة، معتبراً أن السلوك الذكي والتعلم التكيفي هو نتاج التعاون الجمعي المشترك لملايين العصبونات المتفاعلة التي تؤثر شحناتها الكهرومغناطيسية وتعديلاتها التشابكية في النسيج ككل متصل ومترابط.

أحدث هذا الطرح تقارباً فكرياً مدهشاً وتناغماً عميقاً بين لاشلي وحركة علم نفس الجشطالت (Gestalt Psychology) التي كانت تزدهر في ألمانيا بزعامة فولفغانغ كوهلر وماكس فيرتهايمر وكورت كوفكا. فقد تبنى الجشطالتيون الشعار الشهير بأن “الكل أكبر من مجموع أجزائه”، ووجدوا في تجارب لاشلي حول الفعل الجمعي الدليل الفسيولوجي والتشريحي الدامغ على صحة أطروحاتهم السايكولوجية؛ حيث أثبت لاشلي مختبرياً أن النشاط العصبي للقشرة ليس مجرد تجميع تراكمي لمنعكسات جزئية معزولة، بل هو انتظام كلي لمجالات فسيولوجية تتجاوز الحدود التشريحية الصارمة للمسارات المفردة.

جادل لاشلي بأن التعلم يؤدي إلى تشكيل أنماط عامة من النشاط الموجي أو الترددي الذي يعم القشرة المخية بأسرها، وأن تلف أي جزء من هذه القشرة يقلل من “الدقة الكلية” للنظام ومن قدرته على التمييز والتحليل، دون أن يمحو النمط بأكمله طالما بقيت كتلة حرجة كافية من النسيج المخي لتشغيل النظام بصورة كلية.

5.3 التداعيات النظرية على قياس الذكاء والقدرات العامة

تجاوزت تداعيات مبدأ الفعل الجمعي حدود علم الحيوان التجريبي لتلقي بظلالها على الفلسفة السايكولوجية ونظريات الذكاء البشري. رأى لاشلي أن نتائجه التجريبية توفر الأساس الفسيولوجي الملموس لنظرية الإحصائي وعالم النفس البريطاني تشارلز سبيرمان حول “العامل العام للذكاء” (General Factor – *g*). فقد افترض سبيرمان أن هناك قدرة عقلية عامة مشتركة تكمن وراء جميع الأنشطة المعرفية المتباينة التي يؤديها الفرد، وتفاوت الأفراد فيها يعود لامتلاكهم مستويات متباينة من هذه الطاقة العقلية المركزية.

قام لاشلي بمطابقة هذا المفهوم السيكومتري مع النسيج الدماغي، طارحاً فرضية أن القشرة المخية توفر نوعاً من “الطاقة الفسيولوجية الجمعية” أو الاحتياطي العصبي العام الذي يغذي العمليات المعرفية المتنوعة دون تخصيص مسبق. واعتبر أن الذكاء هو تعبير مباشر عن حجم وجودة هذه الكتلة القشرية الفاعلة وقدرتها على العمل المتناسق لمواجهة المشكلات البيئية المعقدة وحلها بسرعة ومرونة.

أثرت هذه الرؤية تأثيراً بالغاً في الفهم العصبي الحديث للتدهور المعرفي لدى البشر، ولا سيما في سياق أمراض الخرف والأمراض التنكسية العصبية مثل مرض آلزهايمر وحالات التلف الدماغي الرضي المنتشر (Diffuse Axonal Injury)؛ حيث يُلاحظ سريرياً أن التدهور في القدرات العقلية والذاكرة والتفكير التجريدي يرتبط طردياً بكمية الضمور النسيجي الشامل وفقدان الخلايا العصبية المنتشر عبر القشرة، أكثر من اعتماده على بؤرة تلف مجهرية محددة، مما يثبت وجاهة الاستبصار الفسيولوجي الذي دشنه لاشلي في مبدأ الفعل الجمعي.

6. أبحاث لاشلي في الإدراك البصري والآليات الحسية

6.1 دراسات التمييز البصري وتصميم ‘منصة لاشلي للقفز’

بالإضافة إلى أبحاثه الكبرى حول متاهات الذاكرة، كان لكارل لاشلي إسهام تجريبي وتقني هائل في مجال دراسة الآليات الفسيولوجية للإدراك الحسي، وخاصة الإدراك البصري لدى الثدييات. في عام 1930، ابتكر لاشلي تصميماً مخبرياً عبقرياً أحدث ثورة في منهجية دراسة الإدراك البصري والتعلم التمييزي لدى القوارض، عُرف تاريخياً بـ “منصة لاشلي للقفز” (Lashley Jumping Stand).

تمثلت هذه الأداة في منصة مرتفعة يقف عليها الجرذ الجائع، وتواجهه نافذتان مغلقتان بأبواب خفيفة من الورق المقوى مرسوم عليها أنماط بصرية متباينة (مثل دائرة بيضاء مقابل مربع أسود، أو خطوط أفقية مقابل خطوط عمودية). ويكون الحيوان مجبراً على اتخاذ قرار حركي حاسم بالقفز من المنصة عبر الهواء نحو أحد البابين؛ فإذا اختار النمط البصري “الصحيح” وفق الإشراط التجريبي، انفتح الباب بسهولة ليسقط الحيوان على منصة مريحة خلفها تحتوي على مكافأة غذائية شهية، أما إذا قفز نحو النمط “الخاطئ”، فإن الباب يكون مغلقاً ومثبتاً بإحكام، فيصطدم به الجرذ ويسقط في شبكة ناعمة تحته متحملاً صدمة الفشل والانزعاج.

أجبر هذا التصميم الحيوان على الانتباه البصري الفائق والتركيز الشديد قبل اتخاذ قرار القفز، مما أدى إلى تقليص عدد المحاولات اللازمة للتعلم التمييزي من مئات المحاولات الشاقة التي كانت تتطلبها الصناديق التقليدية إلى عشرات المحاولات السريعة فقط. مكنت هذه المنصة لاشلي وزملاءه من رسم خرائط تجريبية بالغة الدقة لقدرات التمييز الحسي للسطوع، والألوان، والأحجام، والأنماط الهندسية المجردة لدى القوارض، وتوثيق أثر التدمير الجراحي للبنى القشرية والتحت قشرية على دقة هذا التمييز.

6.2 تجارب استئصال الباحة البصرية في الثدييات والرئيسيات

وجه لاشلي مبضعه الجراحي نحو الفصوص القذالية، وبخاصة القشرة البصرية المخططة (Striate Cortex / Area 17)، باحثاً عن الأسس التوطينية للرؤية النمطية واستبقاء العادات البصرية. وأظهرت نتائجه الجراحية أن الاستئصال الثنائي التام للقشرة المخططة في الجرذان يؤدي إلى القضاء الكامل على القدرة على تمييز الأشكال والأنماط الهندسية المعقدة (كالتفريق بين مثلث ومستطيل)، غير أنه لاحظ بذهول أن الحيوان يظل قادراً تماماً على التمييز بين درجات السطوع الضوئي المتفاوتة والتعرف على وجود الضوء من عدمه واجتياز منصة القفز بناءً على ذلك.

أثبت لاشلي من خلال هذه الملاحظة وجود مستويين فسيولوجيين متباينين لمعالجة المعلومات البصرية في الثدييات:

  1. مستوى قشري راقٍ ومركب تضطلع به القشرة المخططة، وهو المسؤول الحصري عن تحليل الأنماط، والتفاصيل المورفولوجية الدقيقة، والإدراك المكاني التشكيكي.
  2. مستوى تحت قشري، أولي وتطوري قديم، تضطلع به نوى السقف في الدماغ المتوسط وبخاصة الأكيمة العلوية (Superior Colliculus)، وهو كافٍ للحفاظ على الرؤية الضوئية البدائية وتوجيه الرأس والعينين نحو المنبهات العامة.

وعندما وسّع لاشلي تجاربه لتشمل الرئيسيات مثل قرود المكاك في مرحلة لاحقة من حياته، كشفت مقارناته التشريحية عن حدوث تحول تطوري هائل عُرف لاحقاً بـ “الدعس القشري للوظائف” (Corticalization of Function)؛ حيث وجد أن استئصال القشرة المخططة لدى القرود العليا يؤدي إلى تدهور بصري أعمق بكثير مقارنة بالقوارض، مما جعل الرئيسيات تعتمد اعتماداً شبه مطلق على قشرتها الحديثة في إدراك العالم الحسي المحيط، وهو ما رسخ الفهم التشريحي التطوري لتدرج التخصص القشري بين مراتب الثدييات.

6.3 نظريات تعميم المنبه وتشكيل الإدراك

لم تتوقف أبحاث لاشلي البصرية عند حدود التشريح والفسيولوجيا الجراحية، بل امتدت إلى التأسيس لنظرية الإدراك المعرفي الشامل وتفسير ظاهرة “ثبات الإدراك” (Perceptual Constancy). تساءل لاشلي في سلسلة أبحاثه: كيف يتمكن الجرذ الذي تعلم الاستجابة لدائرة مضيئة قطرها سنتيمتران من الاستجابة فوراً، ودون أي تدريب إضافي، لدائرة قطرها عشرة سنتيمترات، أو دائرة مفرغة، أو حتى شكل هندسي مجرد يشبه الدائرة، رغم أن الصورة الساقطة على شبكية العين وبالتالي على الخلايا القشرية المخططة تنشط مجموعات عصبية مختلفة تماماً في كل حالة؟

دحض لاشلي من خلال هذه المشاهدات النماذج التوطينية الميكانيكية التي تفترض أن كل نقطة في الصورة البصرية ترتبط بخلية قشرية مطابقة عبر مسار نقطي صارم (Point-to-point wiring). وأكد أن الجهاز العصبي المركزي لا يستجيب للمنبهات الفيزيائية المجردة في عزلتها الخام، بل يستجيب حصرياً للعلاقات والنسب الهيكلية المنبثقة من المشهد الحسي (مثل التناظر، والتباين، والنسبة بين المحيط والمركز)، وهي سمة إدراكية عليا تتطلب معالجة حقلية مركبة تضطلع بها القشرة بكامل تكاملها الديناميكي.

طرح لاشلي نظريته حول “تداخل الموجات العصبية” (Interference Patterns)؛ مفترضاً أن الاستثارة القشرية الناتجة عن المنبه الحسي تنتشر في القشرة المخية على شكل موجات تذبذبية فسيولوجية تتداخل فيما بينها لتشكل “أنماط تداخل كهرومغناطيسية” موزعة، شبيهة بتلك التي تتشكل على سطح الماء الهادئ عند إلقاء عدة حجارة فيه. وقد شكلت هذه الفرضية الاستشرافية الإلهام المباشر لنظريات الهولوغرام العصبي (Holonomic Brain Theory) التي صاغها تلميذه اللاحق كارل بريبرام، مبرزة عبقرية لاشلي في استباق مفاهيم معالجة الإشارات في الدماغ.

7. نقد النماذج التوطينية الكلاسيكية لوظائف الدماغ

7.1 تفكيك الموروث الفكري للفينولوجيا والتوطين الصارم

خاض كارل لاشلي معركة معرفية ضروساً لتطهير علم الأعصاب من الرواسب الفكرية لما كان يسميه “الفينولوجيا المقنعة” (Disguised Phrenology). كانت الفينولوجيا، التي دشنها عالم التشريح النمساوي فرانز جوزيف غال (Franz Joseph Gall) في مطلع القرن التاسع عشر، تفترض أن الملكات الذهنية (كالذكاء، والتدين، وحب التملك، والذاكرة) تتوطن في نتواءات وأعضاء دماغية مستقلة وبارزة تحت عظام الجمجمة، وهي أطروحة سرعان ما تحولت إلى خرافة علمية فقدت مصداقيتها الإمبريقية.

غير أن لاشلي رأى أن علماء التشريح والطب العصبي في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين—على الرغم من سخريتهم العلنية من خرافات غال—قد سقطوا في الفخ الفكري ذاته تحت عباءة علمية جديدة؛ حيث استبدلوا أعضاء غال بـ “مراكز لحائية محددة”، معلنين عن وجود “مركز للغة”، و”مركز لكتابة الكلمات”، و”مركز للتفكير المنطقي”، و”مركز لذاكرة المفاهيم”، موزعة بدقة داخل تلافيف محددة في القشرة المخية. وانتقد لاشلي بشدة هذا النمط من التفكير واعتبره تبسيطاً طفولياً يعكس رغبة أيديولوجية في جعل الدماغ شبيهاً بآلات التصنيع البخارية المعاصرة لتلك الحقبة.

أعاد لاشلي تقييم الاكتشافات الإكلينيكية التاريخية الرائدة لكل من بول بروكا (Paul Broca) عام 1861 وكارل فيرنيكه (Carl Wernicke) عام 1874 حول مراكز الحبسة الكلامية (Aphasia). وأكد أن التلف الموضعي في باحة بروكا لا يمحو “ملكة الكلام” كبنية عقلية منعزلة، بل يقطع مساراً حركياً تنفيذياً بالغ الحساسية، في حين تظل القدرة اللغوية التوليدية والمفاهيمية موزعة في شبكات أوسع بكثير تتجاوز تلك المنطقة الصغرى، محذراً من الخلط الفادح بين العجز في الأداء الخارجي للعضو وفقدان الوظيفة المعرفية الكامنة في أصلها التكاملي.

7.2 الاعتراض على نظرية المسارات الترابطية المغلقة

كانت إحدى الركائز الأساسية التي بنيت عليها النماذج التوطينية والارتباطية هي افتراض أن التعلم يمثل تشكل مسارات ليفية عصبية محددة وعوازل نسيجية مغلقة تربط الباحات الحسية بالباحات الحركية، وأن السلوك المتعلم يعتمد حصراً على سريان التيارات العصبية عبر تلك المسارات المعزولة كتدفق الكهرباء في الأسلاك. واعتبر لاشلي هذه النظرية وهماً فسيولوجياً يتعارض مع الواقع التشريحي للدماغ.

لاختبار هذا الافتراض تجريبياً، صمم لاشلي في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة من أدق الجراحات القشرية التجريبية وأكثرها راديكالية؛ حيث استخدم مشارط ميكروسكوبية لإحداث “قطوع نسيجية متقاطعة” (Cross-hatching Incisions) وقطوع خطية عميقة في قشرة دماغ الحيوانات المتعلمة، قاطعاً بذلك جميع الألياف العصبية الترابطية الأفقية التي تمر تحت القشرة وتربط الفصوص المختلفة ببعضها البعض، أو التي تصل بين الباحات الحسية والمناطق المحركة. وكانت المفاجأة الكبرى أن هذه القطوع الشاملة والتشويهات العميقة للألياف الترابطية لم تؤدِ إلى محو العادات المتعلمة، ولم تمنع الجرذان من الاستجابة التكيفية الدقيقة للمنبهات السلوكية السابقة.

أثبتت هذه التجارب الجريئة بما لا يدع مجالاً للشك أن انتشار الاستثارة العصبية داخل القشرة المخية لا يسير في خطوط تشريحية أفقية صلبة ومعزولة كأنابيب المياه، بل ينتشر بأسلوب حقلي ثلاثي الأبعاد يعتمد على التوصيل الحجمي، والتكامل التذبذبي، والمسارات الرأسية البديلة الممتدة نحو التراكيب التحت قشرية والغائرة، مؤكداً فشل نموذج الأسلاك الترابطية المغلقة في تفسير النشاط المعرفي.

7.3 المناظرات الأكاديمية مع معاصري التوطين العصبي

أثارت أطروحات لاشلي الكلية (Holism) سجالات ومناظرات أكاديمية عاصفة ملأت صفحات المجلات العلمية وأروقة المؤتمرات الطبية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، وكان من أبرزها مواجهاته الفكرية الصامتة والعلنية مع رواد التوطين العصبي المعاصرين له، وعلى رأسهم جراح الأعصاب الكندي البارز وايلدر بنفيلد (Wilder Penfield)، وعالم الفسيولوجيا السويسري والتر هيس (Walter Hess).

كان بنفيلد، من خلال عملياته الجراحية لمرضى الصرع في معهد مونتريال للأعصاب، ينشر خرائطه الشهيرة لـ “القزم القشري” (Cortical Homunculus)، مبرهناً على وجود تمثيل نقطي محدد لأعضاء الجسم في التلفيف خلف المركزي والتلفيف أمام المركزي، ومسجلاً استحضار ذكريات بصرية وسمعية حية لمرضاه بمجرد لمس أجزاء من الفص الصدغي بقطب كهربائي دقيق. رأى الكثيرون في نتائج بنفيلد دحضاً ساحقاً لكليات لاشلي وإنكاراً لمبدأ الفعل الجمعي.

غير أن لاشلي لم يتراجع أمام هذه المعطيات، بل قام بموضعتها في سياقها الصحيح، موضحاً في كتاباته أن التحفيز الكهربائي الموضعي لبنفيلد لا يثير “الإنغرام” بحد ذاته، بل يطلق تفاعلاً شبكياً عاماً يوقظ دوائر ترابطية موزعة على الدماغ بأسره. وجادل لاشلي بأن هناك فرقاً جوهرياً لا يغتفر بين:

  • التمثيل الطبوغرافي للأعضاء المحيطية: كالأصابع أو عضلات اللسان في القشرة الحسية الحركية (وهو ما لا ينكره أحد).
  • التنظيم الوظيفي للعمليات المعرفية العليا: كالتفكير، والتعلم، وحل المشكلات، واللغة، وهي عمليات تتطلب بطبيعتها تكاملاً شاملاً وحقلياً لا يمكن اختزاله في نقطة كهربائية يشير إليها قطب جراحي.

أسهمت هذه المناظرات في صياغة رؤية ناضجة تجاوزت ثنائية الكلية والتوطين، ورسمت معالم النماذج المعاصرة في الطب النفسي والفسيولوجيا العصبية.

8. ورقة عام 1951 ومشكلة الترتيب التسلسلي في السلوك

8.1 ندوة هيكسون ونقطة التحول المعرفي التاريخية

في سبتمبر من عام 1948، استضاف معهد كاليفورنيا للتقنية (Caltech) في باسادينا حدثاً علمياً مفصلياً غير مجرى تاريخ العلوم السلوكية والعصبية، وهو “ندوة هيكسون حول الآليات الدماغية في السلوك” (Hixon Symposium). جمعت هذه الندوة صفوة العقول الرياضية والبيولوجية والفيزيائية في ذلك العصر، وكان من بين الحضور عملاق الحوسبة جون فون نيومان، ورائد المنطق العصبي وارن ماكولوك، ونخبة من أطباء النفس وعلماء وظائف الأعضاء، للبحث في آليات معالجة المعلومات في النظم الحية والآلات الذاتية.

في هذا المحفل التاريخي الباذخ، ألقى كارل لاشلي محاضرته الشهيرة التي نُشرت وقائعها رسمياً عام 1951 في كتاب الندوة، تحت عنوان مهيب غير قواعد اللعبة المعرفية: “مشكلة الترتيب التسلسلي في السلوك” (The Problem of Serial Order in Behavior). وتُعد هذه الورقة، بحسب إجماع مؤرخي العلوم الإدراكية، بمثابة المانيفستو الفعلي الذي أطلق رصاصة الرحمة على السلوكية الراديكالية ومفاهيم السلاسل الانعكاسية الترابطية البسيطة، مؤذنة بالولادة الحتمية لـ علم النفس المعرفي (Cognitive Psychology).

كانت مداخلة لاشلي بمثابة زلزال فكري في القاعة؛ إذ لم يقدم فيها مجرد نتائج جراحية لفئران في متاهات، بل صاغ نقداً إبستمولوجياً ومنطقياً شديد العمق للفرضيات الأساسية التي قامت عليها نظريات التعلم والسلوك طوال النصف الأول من القرن العشرين، واضعاً أسئلة لم تكن نماذج ذلك العصر قادرة على الإجابة عنها دون اللجوء إلى بنيات تمثيلية مركزية وتنظيمات هرمية مجردة.

8.2 تفكيك السلاسل المنعكسة وتفسير السلوك المعقد

كان المنطق السلوكي والبافلوفي التقليدي يفسر أي سلوك حركي مركب يتكون من سلسلة متتابعة من الأفعال—مثل عزف مقطوعة موسيقية سريعة على البيانو، أو التحدث بلغة فصيحة، أو المشي الرشيق لكائن حي—على أنه “سلسلة منعكسات حسية-حركية”؛ حيث تؤدي الحركة الأولى (أ) إلى إثارة مستقبلات حسية ومفصلية تطلق تغذية راجعة عصبية (Sensory Feedback) نحو النخاع والدماغ، فتكون هذه التغذية الراجعة بمثابة المثير الذي يطلق الحركة التالية (ب)، وتطلق (ب) الحركة (ج)، وهكذا دواليك في تسلسل خطي ميكانيكي.

قام لاشلي في ورقة 1951 بتفكيك هذه الفرضية رياضياً وفسيولوجياً، مبرهناً على استحالتها البيولوجية القاطعة مستنداً إلى عامل السرعة العصبية. أوضح لاشلي أن عازف البيانو الماهر يمكنه عزف مقطوعة موسيقية بسرعة فائقة تصل إلى 16 نغمة في الثانية الواحدة؛ أي أن الفارق الزمني بين الحركة والحركة التي تليها لا يتجاوز بضع عشرات من الأجزاء من الألف من الثانية (ميلي ثانية). وبحساب سرعة انتقال السيال العصبي في الألياف العصبية وزمن عبور المشابك الكيميائية (Synaptic Delay)، وجد لاشلي أن الإشارة الحسية الصادرة من حركة الإصبع الأولى على المفتاح تستغرق وقتاً طويلاً جداً للوصول إلى الدماغ، ومعالجتها، ثم إرسال أمر حركي جديد للإصبع الثانية، بحيث تكون الحركة الثانية قد نُفذت بالفعل قبل أن تدرك القشرة الحسية أن الحركة الأولى قد اكتملت!

استنتج لاشلي من هذا البرهان الحاسم أن الحركات السريعة والمعقدة لا يمكن بأي حال أن تكون مقيدة بتغذية راجعة حسية متسلسلة خطياً، بل يجب أن تكون خاضعة بالضرورة لـ “تنظيم هرمي وبرنامج مركزي مسبق” (Central Motor Program). وافترض وجود بنية تخطيطية عليا في الدماغ تقوم بجدولة وتسلسل الأوامر الحركية ككتلة واحدة مبرمجة سلفاً قبل البدء الفعلي في تنفيذ الحركة، وهي فكرة سبقت ظهور مفاهيم البرمجة الحاسوبية والتحكم السيبراني بسنوات طويلة.

8.3 التأثير على اللغويات التوليدية وظهور علم النفس المعرفي

كان للأفكار التي طرحها لاشلي في ورقة الترتيب التسلسلي أثر تحويلي عميق امتد إلى حقل اللغويات والعلوم المعرفية الوليدة. ففي ذلك الوقت، كان السلوكي الشهير بي. إف. سكينر يستعد لنشر أطروحته في كتاب “السلوك اللفظي” (Verbal Behavior)، مدعياً أن اللغة ليست سوى سلاسل من الاستجابات الصوتية المشروطة والمعززة بيئياً، حيث تكون كل كلمة بمثابة مثير للكلمة التي تليها في الجملة.

شكلت ورقة لاشلي السلاح الفكري والفسيولوجي الأقوى الذي استند إليه عالم اللسانيات الشاب آنذاك نوام تشومسكي في مراجعته النقدية التاريخية لكتاب سكينر عام 1959. اعتمد تشومسكي على منطق لاشلي ليثبت أن بناء الجملة الإنسانية وفهمها لا يمكن تفسيره بسلسلة ترابطية سطحية من كلمة إلى أخرى، بل يتطلب افتراض وجود “بنية عميقة هرمية” وقواعد توليدية كلية مجردة مبرمجة مسبقاً في الدماغ البشري، بحيث تحكم الجملة ككل وتحدد ترتيب كلماتها وفق نسق نحوي صارم يعلو على التتابع الخطي البسيط للأصوات.

فتحت هذه الورقة التاريخية الباب أمام الانتقال الإبستمولوجي من السلوكية المحضة إلى النماذج الإدراكية، حيث صار الدماغ يُفهم ليس كمستجيب سلبي للمثيرات، بل كنظام معالجة معلومات نشط يحتوي على خطط عمل، وخرائط معرفية، ومستويات هرمية من التحكم، مما جعل لاشلي أحد الآباء الشرعيين لثورة العلوم المعرفية والسبرانية في النصف الثاني من القرن العشرين.

9. إدارة مختبرات يركيس والتجارب المقارنة على الرئيسيات

9.1 تولي إدارة مختبرات يركيس لبيولوجيا الرئيسيات (1942-1955)

في عام 1942، دخلت مسيرة كارل لاشلي مرحلة مؤسسية وتجريبية جديدة وبالغة الأهمية حين تولى منصب المدير العام لـ “مختبرات يركيس لبيولوجيا الرئيسيات” (Yerkes Laboratories of Primate Biology) الواقعة في أورانج بارك بولاية فلوريدا، خلفاً لمؤسسها وصديقه القديم عالم النفس المقارن روبرت م. يركيس (Robert M. Yerkes)، وهو المنصب الرفيع الذي احتفظ به لاشلي حتى عام 1955 تحت رعاية مشتركة من جامعتي هارفارد وييل.

كانت هذه المختبرات تمثل في ذلك العصر المركز الأهم والأكبر في العالم المكرس لأبحاث الشمبانزي والقردة العليا الحية في بيئات شبه طبيعية. وجد لاشلي في هذا المرفق البحثي الضخم فرصة ذهبية لنقل تجاربه الفسيولوجية العصبية الجريئة من القوارض الصغيرة إلى الرئيسيات ذات الأدمغة المعقدة تشريحياً والقريبة تطورياً من الدماغ البشري، بهدف اختبار مدى صحة مبادئه حول تكافؤ الإمكانات والفعل الجمعي على قشرة دماغية أكثر تمايزاً وتطوراً في قشرتها الحديثة (Neocortex).

تطلب قيادة هذه المؤسسة جهوداً إدارية ولوجستية وتجريبية جبارة؛ إذ كان على لاشلي الحفاظ على مستعمرات الشمبانزي في ظروف صحية ونفسية ممتازة، وتدريب فريق متعدد التخصصات من الجراحين والبيولوجيين وعلماء النفس المقارن، وابتكار معدات اختبار ميكانيكية وسلوكية خاصة تتناسب مع القوة البدنية الهائلة والذكاء المتقدم لهذه الكائنات العليا دون الإضرار بسلامتها أو سلامة الباحثين.

9.2 الأبحاث المتقدمة على أدمغة الرئيسيات والشيمبانزي

خلال فترة إدارته لمختبرات يركيس، ركز لاشلي اهتمامه التشريحي على دراسة وظائف الفصوص الجبهية (Frontal Lobes) وبخاصة القشرة قبل الجبهية (Prefrontal Cortex) في الشمبانزي وقرود المكاك. قام بإجراء استئصالات نسيجية جبهية دقيقة ومدروسة لفحص آثارها على الوظائف المعرفية التنفيذية الأكثر تعقيداً، مثل الذاكرة العاملة المؤجلة (Delayed-response tasks)، والقدرة على التخطيط الاستراتيجي، والتثبيط السلوكي، والاتزان الانفعالي والاجتماعي داخل المستعمرة.

أظهرت نتائج هذه الأبحاث تمايزاً جوهرياً وحاسماً مقارنة بالنتائج التي كان قد حصل عليها سابقاً من القوارض؛ حيث وجد أن استئصال القشرة قبل الجبهية في الشمبانزي يؤدي إلى عجز فادح ومستديم في المهام التي تتطلب استبقاء تمثيل ذهني لمكافأة مخفية لعدة ثوانٍ دون رؤيتها، وعجز في التبديل المرن بين القواعد السلوكية، فضلاً عن تغيرات ملحوظة في المزاج والسلوك التفاعلي. برهنت هذه المقارنة التطورية على أن ظاهرة “الفعل الجمعي” تتناقص أهميتها النسبية مع تعقد الدماغ، مفسحة المجال لتخصص إقليمي وظيفي متزايد في القشرة الحديثة للرئيسيات والإنسان.

علاوة على ذلك، أسهمت أبحاث لاشلي في أورانج بارك في تفكيك بنية المسارات التنازلية والصاعدة في جذع الدماغ والمخيخ ونوى المهاد في علاقتها بالقشرة الحركية، وقدمت أطلساً تشريحياً بالغ الدقة للبنى التحت قشرية في الشمبانزي اعتمدت عليه الأبحاث الطبية والجراحية في دراسة وظائف الدماغ البشري لسنوات طويلة تالية.

9.3 التفاعل والتعاون مع الباحثين في علم النفس المقارن

تميزت فترة إدارة لاشلي لمختبرات يركيس ببيئة أكاديمية خصبة ومحفزة جمعت بين نخبة من كبار الباحثين في علم النفس المقارن والعلوم العصبية، حيث حوّل المختبرات من مجرد حديقة حيوان تجريبية إلى مركز تفكير دولي يُناقش فيه أعمق إشكاليات الوعي والارتقاء البيولوجي والتعلم السلوكي.

تعاون لاشلي ووجه أبحاث رواد دراسة الرئيسيات الميدانية، واضعاً معايير منهجية جديدة صارمة في القياس السلوكي تبتعد عن التفسيرات الإنسانية الإسقاطية (Anthropomorphism) لعواطف القردة وذكائها، مؤكداً ضرورة تقييم الاستجابة الحيوانية من منظور قدراتها البيولوجية والشروط التطورية لنوعها. كما دشن بروتوكولات أخلاقية وتجريبية متقدمة خففت من الآلام الجراحية وضمنت الرعاية النفسية والاجتماعية للحيوانات الخاضعة للتجارب لتجنب تأثير الضغط والتشويش على النتائج السلوكية.

اجتذب لاشلي خلال هذه الفترة جيلاً جديداً من طلاب ما بعد الدكتوراه والباحثين الزائرين الذين تشربوا روحه النقدية الصارمة، وأتيحت لهم فرصة نادرة للجمع بين تشريح الدماغ العياني الدقيق والتحليل السلوكي المتطور للقردة العليا، مما ساعد على انتشار منهجه العلمي في كبريات الجامعات الأمريكية والعالمية.

10. التأثير الفكري في تكوين العلماء وتأسيس علم النفس العصبي

10.1 الإشراف الأكاديمي على دونالد هيب وتوليد نظرية المشابك

لعل أحد أعظم التجليات التاريخية للعبقرية الفكرية لكارل لاشلي يتمثل في تلاميذه الذين شكلوا قادة الجيل التالي في العلوم العصبية والمعرفية، وفي مقدمتهم العالم الكندي البارز دونالد هيب (Donald O. Hebb). عمل هيب كباحث ما بعد الدكتوراه تحت إشراف لاشلي المباشر في جامعة شيكاغو وهارفارد ولاحقاً في مختبرات يركيس في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، حيث خاض معه نقاشات فلسفية وفسيولوجية مستفيضة حول معضلة الإنغرام المفقود وعجز الدوائر الانعكاسية عن تفسير التعلم التكاملي.

تأثر هيب تأثراً عميقاً بالتحديات الإبستمولوجية التي طرحها لاشلي حول كيفية تكامل النشاط القشري، لكنه لم يقتنع تماماً بفكرة “الفعل الجمعي” الحقلية الغامضة التي بدت وكأنها تتجاهل البنية الخلوية للمشابك العصبية. فقام هيب بتطوير إجابة عبقرية تجمع بين صرامة لاشلي البيولوجية وتكاملية الفعل الجمعي، نشرها في كتابه المرجعي الصادر عام 1949 بعنوان “تنظيم السلوك” (The Organization of Behavior)؛ حيث صاغ فرضيته الشهيرة حول المشابك المترابطة (Hebbian Synapse)، التي تنص على أنه عندما تنشط خليتان عصبيتان في الوقت نفسه، فإن كفاءة الاتصال المشبكي بينهما تزداد تقوية وثباتاً.

اقترح هيب مفهوم “التجميعات الخلوية” (Cell Assemblies) والدوائر الرنينية المرتدة، موضحاً كيف يمكن للتعلم أن يكون موزاعاً في شبكة واسعة من الخلايا المترابطة (محققاً بذلك مبدأ لاشلي في التوزيع الكلي وتكافؤ الإمكانات)، وفي الوقت نفسه مستنداً إلى تغيرات تشابكية كيميائية دقيقة ومحددة في نقاط الاشتباك العصبي. وبذلك خرجت نظرية التعلم العصبي الأكثر رسوخاً في تاريخ العلم الحديث من رحم التساؤلات المعضلة التي فجرها لاشلي في عقل تلميذه النجيب.

10.2 توجيه وتدريب أجيال من علماء الأعصاب المعرفيين

لم يقتصر تأثير لاشلي التأسيسي على دونالد هيب وحده، بل امتد ليتتلمذ على يديه ويتأثر بمنهجه النقدي الصارم اثنان من أعظم علماء القرن العشرين في أبحاث الدماغ: كارل بريبرام (Karl Pribram) وروجر سبيري (Roger Sperry)، والأخير حاز لاحقاً على جائزة نوبل في الطب والفسيولوجيا عام 1981.

عمل بريبرام لسنوات مساعداً للاشلي في مختبرات يركيس، وتشرب منه أفكار التداخل الموجي والمجالات الحقلية الموزعة في القشرة، وهو ما دفعه لاحقاً إلى صياغة “النموذج الهولوغرافي للدماغ” (Holographic Brain Model) لتفسير تخزين الذاكرة واستعادتها الشاملة. أما روجر سبيري، فقد تتلمذ على يد لاشلي كباحث في شيكاغو وهارفارد، واختبر تحت إشرافه فرضيات تجديد الألياف البصرية وحركة العضلات في البرمائيات، متعلماً من لاشلي أقصى درجات الشك المنهجي والدقة التجريبية الفائقة في الجراحة المجهرية، وهي المهارات التي وظفها سبيري لاحقاً في أبحاثه الرائدة حول مرضى الدماغ المفصول (Split-Brain) وتخصص نصفي الكرة المخية.

غرس لاشلي في طلابه ومساعديه تقليداً علمياً فريداً يقوم على التفكير البيني العابر للتخصصات؛ فلم يكن يسمح بالفصل بين السلوك الحيواني والتشريح العصبي المجهري والفيزياء الحيوية. وكان يحث تلاميذه دائماً على الشجاعة الفكرية في تحدي النظريات الأكاديمية السائدة، والاستعداد التام لنقض فرضياتهم المفضلة في اللحظة التي تتناقض فيها مع الحقائق الإمبريقية المستمدة من المختبر.

10.3 المكانة الأكاديمية والاعتراف المؤسسي خلال مسيرته

تقلد كارل لاشلي عبر مسيرته الحافلة أعلى المراتب الأكاديمية والتشريفية في المجتمع العلمي الأمريكي والدولي، محققاً اعترافاً مؤسسياً واسع النطاق بإسهاماته التأسيسية في علم النفس العصبي. ففي عام 1929، وهو العام نفسه الذي نشر فيه كتابه الرائد “آليات الدماغ والذكاء”، انتُخب رئيساً لـ الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA)، واستغل منصبه القيادي لتكريس المنهج البيولوجي والفسيولوجي كمسار رئيسي ومستقبلي لتطور العلوم السلوكية.

وفي عام 1930، تم انتخابه عضواً في الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة (NAS)، وهي أرفع هيئة علمية أمريكية، تقديراً لابتكاراته الجراحية والمنهجية في تشريح الدماغ. كما نال لاحقاً شرف الانتخاب كعضو أجنبي في الجمعية الملكية البريطانية العريقة في لندن (Royal Society)، إلى جانب عضويته في الجمعية الفلسفية الأمريكية والعديد من الأكاديميات العلمية المرموقة حول العالم.

وعلى الصعيد الجامعي، توجت مسيرته في عام 1935 بتعيينه أستاذاً لعلم النفس في جامعة هارفارد العريقة، ثم ترقيته في عام 1937 ليتبوأ كرسي أستاذية أبحاث علم النفس العصبي المرموق المسمى “كرسي أبحاث بروفسور ديل” (Research Professor of Neuropsychology)، وهو كرسي استثنائي منح لاشلي تفرغاً بحثياً شبه كامل لإدارة مختبراته وإجراء تجاربه المعقدة في هارفارد ومختبرات يركيس حتى تقاعده الأكاديمي عام 1955.

11. المراجعة النقدية والتقييم المعاصر لنظريات لاشلي

11.1 القصور المنهجي في دراسات استئصال الدماغ للجرذان

مع تطور العلوم العصبية الحديثة في النصف الثاني من القرن العشرين، خضعت تجارب كارل لاشلي ومنهجيته لمراجعة إبستمولوجية ونقدية معمقة كشفت عن وجود نقاط قصور تجريبية وتفسيرية واضحة أثرت على تعميم استنتاجاته. وكان الاعتراض الأبرز يتعلق بطبيعة الاختبار السلوكي الذي وظفه لعقود، وهو مهمة حل المتاهة المعقدة في الجرذان.

أكد علماء الأعصاب السلوكيون المعاصرون أن المتاهة ليست مهمة نفسية بسيطة ونقية تقيس مهارة ذاكرية موحدة، بل هي مهمة بالغة التعقيد متعددة الوسائط الحسية والحركية (Multimodal Task)؛ إذ يعتمد الجرذ في حلها على حزمة متداخلة من الإشارات:

  • الرؤية البصرية لمعالم الجدران والضوء.
  • الروائح الشمية ومسارات الفيرومونات على أرضية المتاهة.
  • اللمس عبر الشوارب والاحتكاك بالجدران الجانبية.
  • الإحساس الحركي العضلي والدهليزي لعدد الخطوات والمنعطفات.

وبالتالي، عندما كان لاشلي يستأصل القشرة البصرية، كان الجرذ يعوض ذلك باستخدام الشم واللمس، وعندما يستأصل الباحة الجدارية الحركية، يعوض الحيوان بالبصر والشم. وهكذا، لم يكن “تكافؤ الإمكانات” أو “الفعل الجمعي” الذي رصده لاشلي بالضرورة خاصية حيوية مطلقة للنسيج القشري، بل كان في جزء كبير منه تعبيراً عن التنوع الاستراتيجي والتعويض الحسي المتبادل الذي أتاحته بيئة المتاهة المعقدة للحيوان.

بالإضافة إلى ذلك، تجاهلت منهجية لاشلي الجراحية الفحص المجهري العميق للنوى والتشكيلات التحت قشرية الغائرة؛ حيث كان استئصاله يقتصر على الصفيحة القشرية السطحية معتبراً إياها المقر الحصري للنشاط الذكي، دون إدراك للدور المحوري الذي تلعبه النوى القاعدية وجهاز الحوف والتلفيف المسنن في تنظيم وتخزين المهارات والخرائط المعرفية.

11.2 اكتشافات الذاكرة الحديثة وموضع الإنغرام الحقيقي

تلقى موقف لاشلي المتشكك في وجود مراكز متخصصة للذاكرة ضربة علمية قاصمة في خمسينيات القرن الماضي عبر واحدة من أشهر الحالات الطبية في تاريخ الطب العصبي: حالة المريض هينري موليسون المشهور بالرمز الإكلينيكي (H.M.). خضع هذا المريض عام 1953 لجراحة استئصال ثنائية للسطح الإنسي للفصين الصدغيين شملت تركيب قرن آمون (الحصين – Hippocampus) والمناطق المحيطة به، بهدف السيطرة على صرع مستعصٍ.

أظهرت دراسات الجراحة العصبية وعالمة النفس الكندية بريندا ميلنر (Brenda Milner) أن المريض H.M. قد أصيب بفقدان ذاكرة تقدمي كامل ودائم (Dense Anterograde Amnesia)؛ حيث أصبح عاجزاً عجزاً مطلقاً عن تثبيت أي ذكرى جديدة لحوادث أو أشخاص أو كلمات في ذاكرته طويلة المدى بعد الجراحة، على الرغم من بقاء ذكائه العام وقدراته الإدراكية وذاكرته القديمة السابقة للجراحة في حالة سليمة تماماً. أثبت هذا الاكتشاف الحاسم أن الدماغ يمتلك بالفعل مركزاً تشريحياً متخصصاً وحيوياً لا غنى عنه لتجميع وتثبيت الذاكرة الجديدة، وهو تركيب قرن آمون، وهو ما كان غائباً تماماً عن نماذج لاشلي التي ركزت حصراً على القشرة السطحية.

علاوة على ذلك، أحدثت أبحاث عالم الأعصاب الحائز على جائزة نوبل عام 2000، إريك كاندل (Eric Kandel) على رخويات الأبليزيا، ومن بعده تقنيات الوراثة البصرية المعاصرة (Optogenetics) بزعامة سوسومو تونيغاوا في معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT)، اختراقاً مذهلاً بالعثور الفعلي على “الإنغرام” وتحديده بدقة متناهية. فقد استطاع العلماء تحديد مجموعات خلوية عصبية محددة في قرن آمون والقشرة تستقبل تعديلات جزيئية وبروتينية أثناء التعلم، وتمكنوا باستخدام الضوء الليزري من تنشيط هذه الخلايا اصطناعياً لاسترجاع ذكرى الخوف في الفئران، أو تعطيلها لمحو الذكرى بالكامل، منهين بذلك قرناً من الشكوك التي فجرها لاشلي حول وجود الأثر المادي للذاكرة.

11.3 أين أصاب لاشلي وأين أخطأ؟ قراءة متوازنة

عند تقييم مسيرة كارل لاشلي العلمية بنظرة معاصرة متوازنة وعادلة تاريخياً، يتجلى لنا بوضوح أين أخفق استبصاره وأين حقق نبوءاته العلمية الخالدة:

أين أخطأ لاشلي؟

  • أخطأ في إنكاره الراديكالي لوجود مراكز متخصصة في تثبيت الذاكرة وتحويلها من شكلها المؤقت إلى المخزن الدائم؛ إذ كشف علم الأعصاب الحديث عن الدور الفريد للفص الصدغي الإنسي وقرن آمون.
  • أخطأ في افتراضه أن القشرة المخية للثدييات متجانسة في وظائفها المعرفية كقطعة واحدة، متجاهلاً التمايز الإقليمي والطبقي الشديد للقشرة الحديثة، ولا سيما في الكائنات الراقية كالإنسان.
  • أخطأ في تصوره أن النماذج الحقلية والموجية الكهرومغناطيسية يمكن أن تنفي الأساس المشبكي والخلوي الدقيق لتبادل المعلومات في الجهاز العصبي المركزي.

أين أصاب لاشلي؟

  • كان صوابه باهراً وعبقرياً في إثبات أن تخزين الذاكرة طويلة المدى الموزعة واسترجاع المعارف المعقدة والخبرات التجريدية لا يتم في “أرشيف نسيجي محلي”، بل هو عملية شبكية موزعة تتطلب تضافر وتفاعل شبكات قشرية متعددة تعمل بنمط الفعل الجمعي والتكامل الشامل.
  • أصاب إصابة تاريخية في دحض نظرية السلاسل المنعكسة الخطية، مؤكداً حاجة السلوك المعقد إلى برامج مركزية وهرمية مسبقة، وهو ما أسس لنظريات البرمجة الحركية واللسانيات التوليدية.
  • أصاب في رؤيته المبكرة لمرونة الدماغ (اللدونة العصبية)، ودحض النظرة الساكنة والمتجمدة للتشريح العصبي الميكانيكي.

12. الإرث الدائم لكارل لاشلي في العلوم السلوكية والعصبية

12.1 التحول من النموذج الميكانيكي إلى النماذج الشبكية والموزعة

يمثل إرث كارل لاشلي المنعطف الإبستمولوجي الحقيقي الذي نقل التفكير العلمي في وظائف الدماغ من “النموذج الميكانيكي الاختزالي” الشبيه بالساعة ومقاسم الهاتف إلى النماذج الديناميكية الحديثة القائمة على المعالجة الموزعة المتوازية (Parallel Distributed Processing – PDP) ونظريات الاتصالية (Connectionism) التي قادها علماء مثل ديفيد روملهارت وجيمس ماكليلاند في ثمانينيات القرن الماضي.

تنبأت كتابات لاشلي التجريبية بأن التمثيل المعرفي والذاكرة في العقل والآلة لا يمكن أن يتخزن في عنوان ذاكرة واحد (Address-based storage) كما هو الحال في بنية حواسيب فون نيومان التقليدية، بل يجب أن يكون تمثيلاً موزعاً على أوزان الاتصالات بين أعداد هائلة من الوحدات الحسابية المتشابكة، بحيث تؤدي إزالة أي وحدة فردية إلى انخفاض طفيف وتدريجي في كفاءة النظام دون انهياره كلياً، وهو ما يُعرف في هندسة الحاسوب والذكاء الاصطناعي الحديث بمبدأ “التدهور الرشيق” (Graceful Degradation)، وهو الترجمة الحرفية والمباشرة لمبدأ الفعل الجمعي وتكافؤ الإمكانات للاشلي على مستوى السيليكون.

تجد أفكار لاشلي اليوم صدى هائلاً في أحدث مشروعات علم الأعصاب المعاصر، وعلى رأسها أبحاث “المخطط التوصيلي للدماغ” (Human Connectome Project) وعلم شبكات الدماغ المعقدة (Brain Network Analysis)؛ حيث بات من المسلم به أن الوظائف الإدراكية الكبرى ليست نتاج مناطق معزولة بل هي نتاج “شبكات وظيفية عصبية واسعة النطاق” (Large-Scale Functional Networks) مثل شبكة الوضع الافتراضي (DMN) والشبكة التنفيذية المركزية (CEN)، وهي المفاهيم التي صاغ لاشلي بذرتها الأولى بنظرته الحقلية الشاملة.

12.2 جائزة كارل سبنسر لاشلي في علم النفس العصبي التكاملي

تخليداً لإسهاماته العلمية الفذة واعترافاً بفضله الريادي في ردم الهوة المعرفية بين السايكولوجيا والبيولوجيا العصبية، أسست الجمعية الفلسفية الأمريكية (American Philosophical Society) في عام 1957، وقبل عام واحد من وفاته، جائزة علمية سنوية رفيعة باسم “جائزة كارل سبنسر لاشلي” (Karl Spencer Lashley Award).

خُصصت هذه الجائزة المرموقة لتكريم كبار الباحثين والعلماء على المستوى العالمي الذين يقدمون إسهامات أصيلة وخارقة في دراسة الأساس العصبي التكاملي للسلوك والعمليات المعرفية. وعلى مر العقود الماضية، تحولت هذه الجائزة إلى واحدة من أرفع الأوسمة التقديرية في علوم الأعصاب؛ حيث ضمت قائمة الفائزين بها نخبة العقول التي غيرت فهم البشرية لدماغها وسلوكها، بما في ذلك أسماء عملاقة من وزن:

  • بريندا ميلنر تقديراً لأبحاثها في الفص الصدغي والذاكرة.
  • إريك كاندل لإسهاماته في المشابك العصبية والذاكرة الخلوية.
  • روبرت ريسكورلا لتطويره نماذج التعلم والإشراط.
  • سيمور بينزر لاكتشافاته في الوراثة العصبية للسلوك.

ظلت هذه الجائزة بمثابة البوصلة الأكاديمية التي تجسد الروح المنهجية التي تميز بها لاشلي: الدمج الوثيق والعميق بين صرامة الفحص السلوكي التجريبي ودقة الفسيولوجيا والتشريح العصبي الخلوي.

12.3 خلاصة فلسفية حول مسار لاشلي العلمي وتأثيره المستمر

في التاسع والعشرين من ديسمبر عام 1958، وافت المنية كارل سبنسر لاشلي بصورة مفاجئة أثناء قضائه إجازة استجمام في مدينة بوشيل في مقاطعة بوشيل الفرنسية، مسدلاً الستار على واحدة من أكثر المسيرات العلمية خصوبة وشجاعة في تاريخ العلم الحديث. لم يكن لاشلي عالماً اعتيادياً يقنع بجمع البيانات لتأكيد المسلمات المريحة في عصره، بل كان نموذجاً أصيلاً للباحث الأكاديمي الحقيقي الملتزم بـ “الأمانة العلمية المطلقة”، والمستعد لنقض فرضيته الشخصية المفضلة والاعتراف بالإخفاق إذا قادته نتائج التجربة إلى ذلك.

تكمن العظمة الفلسفية والتاريخية لمسار لاشلي في أنه علمنا التواضع المعرفي أمام التعقيد المذهل للجهاز العصبي المركزي. فقد حذر البشرية من الانخداع بالاستعارات التقنية المؤقتة وتطبيقاتها الساذجة على الدماغ—سواء كانت ساعة ميكانيكية، أو مقسم هاتف، أو حاسوباً رقمياً—مبرهناً على أن النسيج البيولوجي الحي يعمل وفق منطق ديناميكي متكامل، متكيف، وموزع يعصى على التبسيط الآلي الفج.

يقف كارل لاشلي اليوم كعلامة فارقة ورمز تاريخي مضيء في ملحمة الفكر البشري؛ إذ نقل دراسة العقل من أروقة التأمل الفلسفي والتخمين الاستبطاني إلى ساحات الملاحظة والتشريح والقياس الكمي الرصين، ممهداً الطريق لولادة علم النفس العصبي الحديث الذي يواصل اليوم، مستنداً إلى كشوفاته وأسئلته الرائدة، السعي لحل اللغز الأكبر في الكون: كيف تنبثق التجربة العقلية الواعية من نشاط المادة العصبية؟

المراجع

  • Beach, F. A., Hebb, D. O., Morgan, C. T., & Nissen, H. W. (Eds.). (1960). The Neuropsychology of Lashley: Selected Papers of K. S. Lashley. McGraw-Hill.
  • Chomsky, N. (1959). A review of B. F. Skinner’s Verbal Behavior. Language, 35(1), 26–58. https://doi.org/10.2307/411334
  • Hebb, D. O. (1949). The Organization of Behavior: A Neuropsychological Theory. John Wiley & Sons.
  • Kandel, E. R. (2006). In Search of Memory: The Emergence of a New Science of Mind. W. W. Norton & Company.
  • Lashley, K. S. (1923). The behavioristic interpretation of consciousness. Psychological Review, 30(4), 237–272. https://doi.org/10.1037/h0074152
  • Lashley, K. S. (1929). Brain Mechanisms and Intelligence: A Quantitative Study of Injuries to the Brain. University of Chicago Press.
  • Lashley, K. S. (1930). The mechanism of vision: I. A method for rapid analysis of pattern-vision in the rat. Journal of Genetic Psychology, 37(4), 453–460. https://doi.org/10.1080/08856559.1930.9944158
  • Lashley, K. S. (1950). In search of the engram. Symposia of the Society for Experimental Biology, 4, 454–482.
  • Lashley, K. S. (1951). The problem of serial order in behavior. In L. A. Jeffress (Ed.), Cerebral Mechanisms in Behavior: The Hixon Symposium (pp. 112–136). John Wiley & Sons.
  • Milner, B., Squire, L. R., & Kandel, E. R. (1998). Cognitive neuroscience and the study of memory. Neuron, 20(3), 445–468. https://doi.org/10.1016/S0896-6273(00)80987-3
  • Penfield, W., & Rasmussen, T. (1950). The Cerebral Cortex of Man: A Clinical Study of Localization of Function. Macmillan.
  • Pribram, K. H. (1971). Languages of the Brain: Experimental Paradoxes and Principles in Neuropsychology. Prentice-Hall.
  • Semon, R. (1921). The Mneme. George Allen & Unwin. (Original work published 1904).
  • Watson, J. B., & Lashley, K. S. (1915). Homing and Related Activities of Birds. Carnegie Institution of Washington.
★

تقييم هذا المحتوى

5.0 / 5 • 7 تقييمات