كيلر بريلاند – 1915 1965

كيلر بريلاند (Keller Breland)

  • 1915، ميسيسيبي – 1965
  • أمريكي
  • المدرسة السلوكية
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 14 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 14 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

أبرز الإسهامات

  • تطبيق الإشراط الإجرائي خارج المختبر وعلى نطاق تجاري
  • المشاركة في مشروع الحمام العسكري (Project Pigeon)
  • تأسيس مؤسسة سلوك الحيوان
  • تطوير وتحسين تصميم صندوق سكينر وتقنيات التشكيل السلوكي
  • إبراز أثر المحددات البيولوجية والفطرية في مقاومة قوانين الإشراط

السيرة

يحتل الباحث الأمريكي كيلر بريلاند (Keller Breland: 1915-1965) مكانة استثنائية وفريدة في تاريخ علم النفس الحديث وتطبيقاته التجريبية؛ إذ يمثل الجسر الحيوي الذي نقل مفاهيم الإشراط الإجرائي (Operant Conditioning) من فضاء المختبرات الأكاديمية المغلقة إلى معترك التطبيق الميداني والإنتاج التجاري والصناعي. ففي مرحلة كانت السلوكية الأمريكية الكلاسيكية والراديكالية تخضع فيها الظواهر النفسية لصياغات نظرية صارمة تستند إلى فكرة “الصفحة البيضاء”، كان بريلاند، بتكوينه العلمي المتين وتجربته التطبيقية غير المسبوقة، يعيد اختبار هذه الفرضيات على أرض الواقع، مما مكنه من رصد التفاعلات المعقدة بين قوانين التعلم المكتسب والمحددات البيولوجية التطورية الفطرية للكائنات الحية.

ولم تكن مسيرة كيلر بريلاند مجرد امتداد تقليدي لمشروع أستاذه عالم النفس الشهير ب. ف. سكينر (B. F. Skinner)، بل شكلت انزياحاً نقدياً وتصحيحياً جوهرياً من داخل النموذج السلوكي ذاته. فعندما أسس رفقة زوجته ماريان كروز مؤسسة “سلوك الحيوان” (Animal Behavior Enterprises)، دخل في شراكة طويلة الأمد مع آلاف الحيوانات المنتمية لعشرات الفصائل البيولوجية المختلفة. وقد أتاحت له هذه التجربة الميدانية الهائلة، التي لا يمكن لمختبر جامعي مضاهاة اتساعها، أن يلاحظ ثغرات بنيوية في الفهم السلوكي السائد آنذاك، مما دفعه إلى صياغة مفاهيم محورية قلبت مسار التحليل السلوكي وألهمت تيار علم النفس التطوري وعلم السلوك المقارن.

إن دراسة السيرة العلمية والمهنية لكيلر بريلاند تمثل تفكيكاً عميقاً لمسار تطور العلوم؛ كيف تبدأ النظرية في التجريد، وكيف تختبر في الواقع النفعي، وكيف تجبر الملاحظة الأمبريقية الصادقة الباحث النزيه على مساءلة أصوله الفكرية ذاتها. يستعرض هذا المقال الموسع والشامل حياة هذا العالم الاستثنائي، محللاً نشأته، ومشروعاته الرائدة، وابتكاراته المنهجية، والمناظرات الإبستمولوجية التي أطلقها عبر ورقته التاريخية الشهيرة، فضلاً عن إرثه الدائم الذي لا يزال يشكل الممارسات المعاصرة في مجالات تدريب الكائنات الحية وتعديل السلوك وتصميم البيئات الإدراكية.

1. السياق التاريخي والنشأة الأولى لكيلر بريلاند (1915-1965)

1.1 الخلفية الاجتماعية والتعليمية المبكرة

ولد كيلر بريلاند في عام 1915 في أعماق ولاية ميسيسيبي الأمريكية، في بيئة جغرافية واجتماعية اتسمت بالبساطة الريفية والارتباط الوثيق بالحياة الطبيعية والإنتاج الزراعي. وكان لهذه البيئة الأولى أثر لا يمكن إغفاله في صقل حواسه الملاحظة تجاه الكائنات الحية؛ إذ نشأ بريلاند وهو يراقب سلوك حيوانات المزرعة والبرية المحيطة به، مما غرس في ذهنه فضولاً فطرياً مبكراً حول الكيفية التي تتحرك بها الكائنات وتستجيب لمثيرات بيئتها الطبيعية. ورغم هذه الخلفية الريفية، أظهر بريلاند منذ طفولته نبوغاً ذهنياً وميلاً استثنائياً نحو الانضباط الأكاديمي والتحليل العلمي، وهو ما دفعه إلى متابعة تعليمه العالي بإصرار كبير في زمن كانت الفرص فيه محدودة نسبياً في الجنوب الأمريكي.

التحق بريلاند بكلية ميلسابس (Millsaps College)، وهي مؤسسة تعليمية عريقة في جاكسون بميسيسيبي، حيث ركز دراسته الأولى على العلوم الطبيعية والرياضيات، إلى جانب اهتمام متنامٍ بالفلسفة والأدب. وقد منحته دراسة الرياضيات والعلوم منهجية صارمة في التفكير المنطقي والنزوع نحو القياس الكمي والتجريب المضبوط، وهي أدوات أثبتت لاحقاً قيمتها الحاسمة في إعادة تعريفه لعلم النفس التجريبي. وخلال سنوات دراسته الجامعية الأولى، بدأ يتكشف له أن السلوك الحيواني والإنساني ليس لغزاً غيبياً أو مجرد حركة عشوائية، بل هو ظاهرة خاضعة لقوانين الطبيعة ويمكن سبرها ودراستها بالأساليب التجريبية الصارمة ذاتها المتبعة في الفيزياء والبيولوجيا.

شكل انتقاله اللاحق إلى جامعة منيسوتا نقطة تحول كبرى وفارقة في مساره الحياتي والمهني؛ إذ كانت منيسوتا في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين بؤرة متوهجة من بؤر الحداثة النفسية ومقصداً لألمع العقول التجريبية في الولايات المتحدة. وقد أتاح هذا الانتقال لبريلاند الانغماس في البرامج المتقدمة لعلم النفس الأكاديمي، متجاوزاً المقاربات الاستبطانية القديمة التي كانت لا تزال تحتفظ ببعض النفوذ في بعض الجامعات، ليجد نفسه في قلب ثورة معرفية تسعى إلى تحويل علم النفس إلى علم طبيعي موضوعي بالكامل، يعتمد على القياس الدقيق والملاحظة الخارجية القابلة للتكرار والتحقق الأمبريقي.

كان المشهد الفكري لعلم النفس الأمريكي في تلك الحقبة خاضعاً بالكامل لهيمنة السلوكية الكلاسيكية التي أرسى دعائمها جون ب. واطسون، وعززتها إسهامات إدوارد ثورندايك وإدوين جوثري وكلارك هال. وتميزت هذه المرحلة بالاعتقاد الراسخ بأن التعلم هو المحرك الوحيد للسلوك، وأن الكائن الحي يأتي إلى العالم كـ “صفحة بيضاء” تتشكل خصائصها واستجاباتها عبر سلاسل من المثيرات والاستجابات والروابط الشرطية. وفي هذا الجو المشحون بالثقة المفرطة في قدرة البيئة الخارجية على تشكيل أي كائن بأي صورة، نضج وعي بريلاند العلمي، حاملاً معه في آن واحد احتراماً كبيراً للدقة التجريبية السلوكية، وتوجساً فطرياً اكتسبه من طفولته الريفية حول مدى قدرة هذه القوانين المختبرية المجردة على تفسير كل تعقيدات الحياة البيولوجية في تنوعها البري الهائل.

1.2 اللقاء الأكاديمي مع ب. ف. سكينر وبدايات التلمذة

في جامعة منيسوتا، تقاطعت مسارات كيلر بريلاند مع الشاب الصاعد آنذاك في سماء علم النفس، بورهوس فريدريك سكينر، الذي كان قد بدأ لتوه في بناء سمعته الأكاديمية بعد نشره دراساته الأولى التي ستتوج بكتابه المرجعي “سلوك الكائنات الحية” عام 1938. وسرعان ما لفت بريلاند انتباه سكينر بفضل مهاراته اليدوية الفريدة، وقدرته الاستثنائية على تصميم الأجهزة الميكانيكية، إلى جانب استيعابه العميق والسريع للأسس الفلسفية للسلوكية الراديكالية. وأصبح بريلاند أحد أوائل وأبرز طلبة الدراسات العليا المباشرين لسكينر، متخذاً مقعده في مختبر كان يغلي بالأفكار الثورية حول آليات الإشراط والتعلم والتحكم في السلوك.

استوعب بريلاند بدقة متناهية المبادئ الراديكالية للإشراط الإجرائي؛ وهو النموذج الذي طوره سكينر لتمييز السلوك المنبعث (Operant) الذي يؤثر في البيئة ويحدث فيها تغييراً، عن السلوك المستجيب (Respondent) اللاإرادي المرتبط بأبحاث إيفان بافلوف الكلاسيكية. وقد أدرك بريلاند بعمق القوة التفسيرية لمفهوم “التعزيز الإيجابي الفوري” (Immediate Positive Reinforcement)، حيث تصبح عواقب السلوك هي المحدد الأساسي لاحتمالية تكراره في المستقبل. ولم يكتفِ بريلاند بالاستيعاب النظري، بل انغمس في الجوانب التقنية لآليات التجريب، مدرباً نفسه على قراءة ورسم منحنيات الاستجابة التراكمية، ومراقبة سلوك فئران المختبر بدقة متناهية تزن بالثواني والفواصل الزمنية الدقيقة جداً.

ولم تكن مساهمة بريلاند في مختبر منيسوتا مقتصرة على تسجيل البيانات، بل تجاوزتها إلى تطوير وتحديث التجهيزات الهندسية المستخدمة؛ حيث شارك بفعالية في تحسين تصميم ما بات يعرف تاريخياً باسم صندوق سكينر (Skinner Box). واستغل مهاراته العملية في معالجة المشكلات الميكانيكية المتعلقة بأنظمة التغذية التلقائية، ورافعات الضغط، ومسجلات السلوك الكهروميكانيكية، مما ساعد في رفع كفاءة وموثوقية التجارب المختبرية. وكان هذا التداخل بين العقل الهندسي العملي والفكر النفسي النظري هو السمة المميزة التي ميزت شخصية بريلاند عن بقية زملائه في المختبر، الذين كانوا يميلون إلى حصر أنفسهم في السجالات الفكرية والتنظير الأكاديمي الصرف.

أثمر هذا التقارب عن بناء علاقة مهنية وشخصية وثيقة بين سكينر وتلميذه النابه، اتسمت بالاحترام المتبادل والحوار العلمي العميق. ورغم أن سكينر كان يمثل السلطة العلمية والموجه الفكري، إلا أنه وجد في بريلاند شريكاً قادراً على ترجمة الفروض المجردة إلى نماذج تشغيلية حية تتجاوز الفئران إلى كائنات أكثر تعقيداً. وقد جمعت بين الرجلين نظرة تجريبية صارمة تؤمن بأن سلوك الكائن الحي هو مادة قابلة للدراسة العلمية المستقلة دون الحاجة إلى افتراض حالات عقلية داخلية غير خاضعة للقياس. غير أن هذه العلاقة، التي بدأت في إطار التلمذة التقليدية الصارمة، كانت تحمل في طياتها بذور الاختلاف المستقبلي؛ إذ كان بريلاند يمتلك نزعة براغماتية تطبيقية جامحة تدفعه لاختبار هذه المبادئ خارج البيئات المعقمة للمختبر الجامعي، وهو ما شكل لاحقاً نقطة الانطلاق لمسيرته المستقلة التي غيرت وجه علم النفس التطبيقي بالكامل.

2. مشروع الحمام العسكري (Project Pigeon) والتطبيق التجريبي الموسع

2.1 المشاركة في أبحاث الحرب العالمية الثانية

مع اندلاع الحرب العالمية الثانية وانخراط الولايات المتحدة في المجهود الحربي الشامل، وُجهت الطاقات العلمية والأكاديمية في مختلف الجامعات لخدمة الأغراض الدفاعية الوطنية. وفي هذا السياق، تقدم ب. ف. سكينر بفكرة غير مسبوقة وغير تقليدية بالمرة، عرفت تاريخياً باسم مشروع الحمام (Project Pigeon)، والتي هدفت إلى تطوير نظام توجيه بيولوجي للصواريخ والقنابل الجوية المضادة للسفن الحربية، مستخدماً الحمام كعنصر تحكم وتوجيه حيوي داخل رأس الصاروخ لتجاوز التشويش اللاسلكي الذي كان يعطل الصواريخ الموجهة رادارياً في ذلك الوقت.

انخرط كيلر بريلاند بحماس استثنائي في هذا المشروع السري عالي الحساسية، وعمل جنباً إلى جنب مع سكينر وزميلته في الدراسات العليا ماريان كروز (Marian Kruse)، التي ستصبح لاحقاً شريكة حياته ومسيرته العلمية بأكملها. وتمثلت مهمة الفريق في تطويع المبادئ الأساسية للإشراط الإجرائي لتصميم برامج تدريبية متقدمة للغاية، يتم بموجبها تدريب الحمام داخل مقصورات مصغرة على نقر شاشة زجاجية محفور عليها شكل الهدف العسكري (مثل السفن الحربية في عرض البحر). ومن خلال النقر المستمر والدقيق في مركز الهدف المتحرك عبر ألياف بصرية ومرايا عاكسة، كان منقار الحمامة يولد نبضات ميكانيكية وكهربائية توجه جنيحات الصاروخ وتعدل مسار سقوطه الجوي بدقة متناهية نحو الهدف المحدد.

تطلب هذا المشروع توظيف تقنيات متطورة في التشكيل السلوكي (Behavioral Shaping)، والتقريب المتتابع (Successive Approximations)، لرفع كفاءة الحمام وسرعة استجابته ومقاومته للظروف البيئية القاسية كارتفاع درجات الحرارة والضغط والضجيج والجاذبية الشديدة. واضطلع بريلاند بالدور الأكبر في التغلب على التحديات الهندسية واللوجستية المعقدة، مثل تصميم نظام تلقائي لتقديم حبوب القنب كمعززات غذائية في فواصل زمنية مجزأة لأجزاء من الثانية دون تشتيت انتباه الطائر أثناء الطيران الافتراضي، وضمان استمرار معدل النقر السريع والمستقر لفترات زمنية طويلة تحت وطأة الضغوط النفسية والفيزيولوجية التجريبية.

ورغم أن المشروع أُلغي رسمياً في عام 1944 نتيجة ظهور الرادار وأنظمة التوجيه الإلكترونية وتشكك كبار جنرالات الجيش في الاعتماد على الطيور لتوجيه الأسلحة الفتاكة، إلا أن التجربة تركت أثراً معرفياً حاسماً لا رجعة فيه في عقلية كيلر بريلاند. لقد أثبت المشروع بوضوح قاطع أن الإشراط الإجرائي ليس مجرد أداة أكاديمية لدراسة الحيوانات داخل أقفاص زجاجية معزولة في منيسوتا، بل هو تقنية قوية ذات كفاءة هندسية فائقة قادرة على إنتاج وتثبيت سلوكيات حركية معقدة وموثوقة بنسبة تقارب المائة بالمائة تحت أصعب الظروف الخارجية. وتولدت لدى بريلاند قناعة نهائية بأن أفق هذا العلم يمتد أبعد بكثير من حدود الأبحاث الحربية والجدران الجامعية المغلقة، نحو فضاءات تطبيقية يومية واقتصادية وترفيهية لا حصر لها.

2.2 التحول نحو الاستقلال المهني والفكري

عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، وجد بريلاند نفسه أمام مفترق طرق وجودي وأكاديمي بالغ الأهمية؛ فقد كان المسار الطبيعي المتوقع لطالب دكتوراه متفوق في جامعة منيسوتا هو إتمام أطروحته، والالتحاق بإحدى الجامعات المرموقة كأستاذ مساعد، ونشر الأوراق النظرية والترقي في السلك الأكاديمي التقليدي. غير أن الخبرة العميقة التي اكتسبها بريلاند من مشروع الصواريخ الحية جعلته يشعر بضيق المسار الأكاديمي وافتقاره للحيوية والجرأة التطبيقية. وبناءً على ذلك، اتخذ بريلاند قراراً راديكالياً بالانسحاب من برنامج الدكتوراه قبل مناقشة أطروحته النهائية، عازماً على تأسيس مهنة جديدة لم يكن لها وجود من قبل في التاريخ الإنساني: عالم النفس السلوكي التطبيقي التجاري والميداني المستقل.

تعزز هذا القرار بالزواج المبارك والملهم بين كيلر بريلاند وماريان كروز في عام 1947. لم يكن زواجهما مجرد ارتباط عاطفي واجتماعي، بل تحول إلى واحدة من أخصب وأعظم الشراكات العلمية والتطبيقية في تاريخ العلوم السلوكية. فقد تقاسم الزوجان الفلسفة ذاتها، وامتلكا شجاعة المغامرة المشتركة في مياه مجهولة؛ حيث تخليا عن الأمان الوظيفي الذي تمنحه الوظائف الجامعية في سبيل بناء مشروع تجاري ريادي يرتكز حصرياً على تطبيق مبادئ التعزيز الإيجابي لتعديل وتوجيه سلوك الحيوانات على نطاق تجاري وصناعي واسع.

تبلورت الرؤية المشتركة للزوجين بريلاند حول فرضية جريئة وجديدة كلياً في ذلك الوقت: أن بالإمكان تطويع سلوك أي كائن حي يمتلك جهازاً عصبياً ودوافع بيولوجية، وتشكيل مهاراته الاستجابية بدقة متناهية ودون استخدام أية أساليب قسرية أو عنيفة، عبر تطبيق صارم ومنهجي لقوانين الإشراط الإجرائي. وكان هذا التصور يتجاوز مجرد فكرة ترويض الحيوانات التقليدية في السيرك، القائمة تاريخياً على الإخضاع الجسدي والترهيب وحرمان الطعام الشديد، ليطرح بديلاً علمياً متحضراً يعتمد على فهم دقيق لقواعد التعلم الإيجابي والتحفيز الممنهج.

أدى هذا التوجه الجديد إلى بداية تباين فكري وتدريجي في وجهات النظر بين كيلر بريلاند وأستاذه سكينر؛ فبينما كان سكينر مهتماً بالصياغة الفلسفية والأطر النظرية الكلية وتعميم القوانين الرياضية للسلوك الإنساني والاجتماعي كما تجلى في روايته الطوباوية “فالدن تو” (Walden Two)، كان بريلاند منغمساً في التفاصيل الميدانية، ومواجهة المتغيرات المعقدة في البيئات المفتوحة، والتصدي للتحديات البيولوجية واللوجستية التي تفرضها الحيوانات الحية عندما تُنقل خارج صناديق المختبر. وبينما ظل سكينر في برج عاجي ينظر للسلوك من زاوية بيئية حتمية مطلقة، بدأ بريلاند يختبر حدود هذه النظرية تحت شمس الواقع العملي المتقلبة، مهيئاً نفسه لتسجيل ملاحظات ستحدث لاحقاً ثورة مدوية داخل المنظومة السلوكية ذاتها.

3. تأسيس مؤسسة سلوك الحيوان (Animal Behavior Enterprises – ABE)

3.1 الولادة التاريخية لأول شركة استشارات سلوكية تجارية (1947)

في عام 1947، افتتح كيلر وماريان بريلاند فصلاً جديداً تماماً في تاريخ علم النفس بتأسيسهما لشركة مؤسسة سلوك الحيوان (Animal Behavior Enterprises)، المعروفة اختصاراً بـ ABE. واختار الزوجان مزرعة واسعة بالقرب من بلدة هت سبرينغز (Hot Springs) في ولاية أركنساس لتكون مقراً رئيسياً لهذه الشركة الفريدة. ومثلت ABE أول كيان تجاري مؤسسي في العالم يكرس جهوده لتحويل نظريات علم النفس التجريبي والتحليل السلوكي إلى منتجات وخدمات تجارية واستشارية موجهة لقطاعات التجارة، والزراعة، والترفيه، والإعلان، والدفاع.

قام كيلر بريلاند بتصميم البنية التحتية لمركز التدريب في أركنساس بنفسه، مستعيناً بموهبته الهندسية الفريدة لإعادة هيكلة الحظائر والمباني الريفية وتحويلها إلى أحدث مختبر سلوكي مفتوح في العالم. وتم تقسيم المزرعة إلى قطاعات تخصصية تضم حظائر للحيوانات الداجنة، وأقفاصاً مصممة وفق معايير سلوكية دقيقة للطيور والثدييات الصغيرة، وأحواضاً مائية، ومساحات تدريب داخلية وخارجية مزودة بأنظمة آلية لتسجيل السلوك وتقديم المعززات الغذائية بدقة متناهية. وكانت هذه الحظائر تُدار بوصفها امتداداً عملاقاً لصناديق سكينر، لكن مع توفير مساحات بيئية أوسع تتيح دراسة الكائن في ظروف تقترب من محيطه المعيشي الطبيعي.

طور بريلاند عبر شركته تقنيات متطورة لما يمكن تسميته بـ “الإنتاج الواسع للحيوانات المدربة” (Mass Production of Conditioned Animal Behavior)؛ حيث لم تعد الشركة تدرب حيواناً واحداً أو اثنين لعرض خاص، بل كانت قادرة على تدريب المئات من الدجاج والخنازير والكلاب والقطط والراكون والطيور في وقت متزامن وفق خطوط إنتاج سلوكية قياسية ومنتظمة. وكان هذا الإنجاز يتطلب دقة لوجستية غير مسبوقة في ضبط جداول التغذية، والتحكم في المحفزات البيئية، وتدريب الموظفين الميدانيين على اتباع بروتوكولات صارمة مستمدة حرفياً من مبادئ الإشراط الإجرائي دون أي حياد أو ارتجال.

قوبل هذا المشروع الرائد في بداياته بحملة واسعة من التشكيك والازدراء الأكاديمي من قبل أساتذة الجامعات وعلماء النفس التقليديين؛ إذ رأى العديد من الأكاديميين في خطوة بريلاند نوعاً من “التسليع المبتذل” للعلم الرصين وخيانة للمسار الفكري النقي لصالح عروض الحيوانات واستعراضات السيرك التجاري. غير أن بريلاند كان يمتلك رداً عميقاً ومقنعاً على هؤلاء النقاد؛ فقد رأى أن الاختبار الحقيقي لصدقية أي نظرية علمية لا يتمثل في عزلها داخل المختبرات المعقمة حيث تُحجب كافة المتغيرات المشوشة قسراً، بل يكمن في قدرتها على العمل بكفاءة وموثوقية في خضم تعقيدات العالم الواقعي وفوضاه العارمة. وكان يرى أن نجاح ABE الاقتصادي والميداني هو البرهان الدامغ والأخير على صحة وقوة مبادئ علم السلوك.

3.2 فلسفة التدريب الإيجابي والبديل الإنساني للعقاب

أحدثت مؤسسة ABE ثورة أخلاقية ومنهجية كبرى في أساليب التعامل مع الحيوانات وتدريبها؛ فقبل ظهور بريلاند، كانت أساليب ترويض الحيوانات في السيرك والجيوش والزراعة تعتمد منذ قرون سحيقة على مبادئ الإكراه، والسيطرة الجسدية، واستخدام السلبيات كالسياط، والأطواق الخانقة، والضرب، وتجويع الحيوانات الشديد لكسر إرادتها وإخضاعها لأوامر المدرب. ورفض كيلر بريلاند هذه المقاربات القمعية جملة وتفصيلاً، ليس فقط انطلاقاً من بعد إنساني وأخلاقي رفيع، بل انطلاقاً من قناعة علمية تجريبية تثبت عدم كفاءة العقاب (Punishment) كأداة لتشكيل السلوك المستقر.

استبدل بريلاند تلك الممارسات العنيفة بالاعتماد الحصري والمطلق على قوانين الإشراط الإجرائي المتمثلة في التعزيز الإيجابي (Positive Reinforcement)، والتعزيز التفاضلي للسلوكيات البديلة (Differential Reinforcement)، والتشكيل المتدرج عبر تجزئة المهام المعقدة إلى حلقات استجابية دقيقة تُكافأ خطوة بخطوة. وأثبتت طريقته أن الحيوان الذي يعمل من أجل الحصول على مكافأة مرغوبة يُظهر معدلات تعلم أسرع، وأداءً أكثر استقراراً وحيوية، ومقاومة أعلى للانطفاء، مقارنة بالحيوان الذي يتحرك مدفوعاً بالخوف من العقاب، والذي غالباً ما تُظهر استجاباته تشوهات سلوكية وتوتراً حاداً وميلاً للهرب أو العدوانية المضادة.

أرست ABE بذلك الأسس العلمية الحديثة لرفاهية الحيوان (Animal Welfare) القائمة على الفهم الدقيق للاحتياجات الفسيولوجية والدوافع البيولوجية للأنواع المختلفة؛ فلم يكن الحيوان يُحرم من طعامه الأساسي بشكل يهدد صحته، بل كان يُدار نظامه الغذائي بنسب أوزان مضبوطة علمياً (عادة بين 80% إلى 85% من وزنه الحر) لضمان بقائه في حالة تأهب واستجابة دون إلحاق أي ضرر جسدي أو نفسي به. كما حرص بريلاند على توفير بيئات إثراء سلوكي وحركي داخل الحظائر تضمن حيوية الحيوانات وسلامتها العامة بين جلسات التدريب المتكررة.

وسرعان ما أثبتت هذه المقاربة الإنسانية تفوقها الاقتصادي والزمني الكاسح على الأساليب التقليدية القديمة؛ فبينما كان مدربو السيرك يقضون أشهراً طويلة لإجبار دب أو كلب على أداء حركة استعراضية واحدة باستخدام أساليب الخوف المصحوبة بنسب فشل وتمرد عالية، كانت مؤسسة ABE قادرة على إنتاج دجاجات تؤدي عروضاً معقدة وحيوانات برية تنفذ حركات مبهرة في غضون أسابيع أو أيام قليلة فقط. وفتح هذا النجاح الباهر أعين أصحاب المزارع والمؤسسات الترفيهية والمدربين حول العالم على حقيقة تاريخية جديدة: أن الرفق والتعزيز العلمي الإيجابي ليسا مجرد خيار أخلاقي فضفاض، بل هما الاستراتيجية الأكثر كفاءة وإنتاجية واستدامة على المستويين الاقتصادي والسلوكي.

4. الابتكارات المنهجية في التشكيل السلوكي والتعزيز الثانوي

4.1 استخدام المثير الجسري والصفارة الصوتية (Bridging Stimulus)

واجه كيلر بريلاند في عمله الميداني مع كائنات متنوعة معضلة سلوكية كبرى كانت تؤرق الباحثين: وهي الفجوة الزمنية الحتمية الفاصلة بين لحظة انبعاث السلوك المرغوب من الكائن، ولحظة وصول التعزيز الأولي (مثل حبة الطعام أو قطعة اللحم) إلى فمه. ففي الميدان المفتوح، قد يكون الحيوان بعيداً عن المدرب بعشرات الأمتار أو يسبح في حوض مائي عميق، وأي تأخير في تقديم الطعام ولو لبضع ثوانٍ كفيل بأن يؤدي إلى تعزيز سلوكيات عرضية غير مقصودة حدثت خلال فترة الانتظار، مما يدمر الدقة الاستجابية المطلوبة للتشكيل المتدرج.

لحل هذه المعضلة الرياضية والزمنية المعقدة، طور بريلاند وكرس استخدام ما أطلق عليه مصطلح المثير الجسري (Bridging Stimulus)؛ وهو مثير محايد تماماً في الأصل، مثل صوت نقرة ميكانيكية، أو صافرة صوتية حادة، أو وميض ضوئي. ويتم شحن هذا المثير عبر إقرانه المتكرر والمضبوط بالتعزيز الأولي ليتحول إلى معزز شرطي ثانوي فائق الفعالية. ويعمل هذا المثير كـ “جسر زمني ومعلوماتي” دقيق للغاية، يخبر الحيوان في جزء من الثانية: “هذا السلوك الدقيق الذي قمت به الآن هو الصحيح، ومكافأتك في طريقها إليك حتماً”.

وضع بريلاند بهذا الابتكار الباهر حجر الأساس النظري والعملي والمنهجي لما يُعرف في عصرنا الحالي بـ التدريب بالنقر (Clicker Training)، والذي يشكل اليوم المعيار الذهبي لتدريب الكلاب، والثدييات البحرية، والخيول، وحتى الحيوانات البرية في حدائق الحيوان حول العالم. وقد تطلب هذا النظام معايرة استثنائية لتوقيت الأثر المعزز من قبل المدرب البشري؛ إذ كان بريلاند يؤكد دائماً في تدريبه للموظفين أن فارق نصف ثانية في إطلاق المثير الجسري قد يعني الفرق الشاسع بين بناء استجابة عضلية صحيحة أو تشكيل عادة عصبية وسلوكية شاذة (Superstitious Behavior) يصعب محوها لاحقاً.

قام بريلاند بتعميم تقنية المثير الجسري وتطويرها لتلائم كائنات ذات خصائص إدراكية وحسية بالغة التباين؛ فاستخدم الصافرات عالية التردد مع الدلافين والحيتان في أبحاث البحار، والنقرات الصوتية الخافتة مع القوارض والراكون، والإشارات الضوئية المتوامضة مع الحمام والدواجن، والمؤشرات اللمسية مع الحيوانات الكبيرة كالأبقار والخيول. وبرهن عبر هذا التعميم الميداني المتقن على أن قوانين التعزيز المشروط تمتلك صفة العالمية الفيزيولوجية متى ما وُضعت في قالب زمني دقيق يتناسب مع النطاق الإدراكي والحسي الخاص بكل فصيلة حية.

4.2 سلاسل السلوك المعقدة والبرمجة الآلية

تميز عمل كيلر بريلاند بالقدرة الفائقة على ترويض التعقيد الحركي؛ فلم تكن استعراضاته تركز على استجابات بسيطة ومعزولة، بل كان يتخصص في بناء سلاسل سلوكية مركبة وطويلة جداً (Behavioral Chains). وتعتمد هذه السلاسل على مفهوم أن كل استجابة ينتج عنها تغيير بيئي يعمل كمثير مميز (Discriminative Stimulus) للاستجابة التالية، وفي الوقت نفسه يعمل كمعزز مشروط للاستجابة السابقة، لتتشكل حلقة سلوكية متماسكة تنطلق من مثير بدائي واحد وتنتهي بتلقي التعزيز الأولي الكامل في ختام العملية السلوكية بأسرها.

ولتحقيق الاستقرار والموثوقية في هذه السلاسل الطويلة دون الاعتماد الحصري على التواجد البشري المباشر، وظف بريلاند عبقريته الهندسية لتصميم أجهزة ميكانيكية وكهروميكانيكية وإلكترونية بالغة التطور لتقديم التغذية الراجعة والتعزيز بصورة آلية مستقلة. فصمم وحدات تغذية مزودة بمغناطيسات كهربائية ومؤقتات زمنية ومفاتيح استشعار باللمس والوزن، تتيح تشغيل عروض سلوكية متعددة المراحل تؤديها الحيوانات باستقلالية مطلقة أمام الجمهور دون أن يتدخل أي مدرب أو يظهر على منصة العرض، وهو ما كان يمنح المتفرجين شعوراً بالإعجاز والدهشة إزاء ذكاء الكائن واستقلاليته الذاتية.

أتاحت هذه الأتمتة الميكانيكية الفريدة لبريلاند توثيق آلاف الساعات من معدلات الاستجابة ومقاومة الانطفاء (Resistance to Extinction) بدقة غير مسبوقة؛ فقام باختبار جداول التعزيز المتنوعة (Schedules of Reinforcement) التي طورها سكينر نظرياً—مثل جداول النسبة الثابتة، والمتغيرة، والفواصل الزمنية المتنوعة—ولكن في بيئات حية ومفتوحة وغير منضبطة، كالمعارض الجماهيرية الصاخبة والمراكز التجارية المزدحمة. وجمعت مؤسسته بيانات إحصائية ضخمة حول سلوك آلاف الحيوانات في ظل ظروف تشتيت حسي وضوضائي قصوى لم يكن من الممكن محاكاتها أبداً داخل المختبرات الجامعية المغلقة.

كشفت هذه التجارب المعمقة عن قدرة الإشراط الإجرائي على خلق استجابات سلوكية ميكانيكية فائقة الدقة والمقاومة للملل والإحباط، وأظهرت أن الاستخدام الذكي لجداول التعزيز المتقطعة (Intermittent Schedules) يمكن أن يجعل حيواناً كالغراب أو الدجاجة يكرر نمطاً سلوكياً معقداً لمئات المرات دون انطفاء، اعتماداً فقط على التعزيز المتقطع المتباعد. وكان هذا الإنجاز التطبيقي بمثابة فتح علمي مبهر أكد للعالم أن البرمجة السلوكية، إذا ما بنيت على هندسة رصينة وتوقيت محكم، قادرة على تحويل النظريات الأكاديمية الجافة إلى تطبيقات عملية تعمل بكفاءة الساعة السويسرية الصارمة.

5. حديقة الذكاء (IQ Zoo) وتطبيقات الترفيه الشعبي

5.1 إنشاء حديقة الحيوان الاستعراضية في هت سبرينغز

في منتصف خمسينيات القرن العشرين، أطلق كيلر وماريان بريلاند مشروعهما الأشهر والأكثر شعبية في الولايات المتحدة: حديقة الذكاء (The IQ Zoo) في مدينة هت سبرينغز بولاية أركنساس. وكان الهدف من وراء هذا المرفق المبتكر ذا شقين مترابطين: تقديم تجربة ترفيهية وتثقيفية استثنائية للجمهور العام تحطم الحواجز النفسية تجاه الحيوانات، وفي الوقت نفسه تأسيس منصة تشغيلية حية تمول الأبحاث السلوكية للشركة وتعمل كحقل تجارب مستمر لدراسة الفروق الفردية والنوعية بين شتى الكائنات الحية.

تحولت حديقة الذكاء سريعاً إلى مزار وطني مذهل، حيث تميزت العروض بتقديم سلوكيات طريفة ومستحيلة الظاهر أذهلت العقول وأسرت قلوب الزوار؛ فشاهد الجمهور الدجاج وهو يلعب “كرة السلة” وينقر الكرة بدقة نحو السلة المخصصة، أو ينقر على أزرار آلة البيانو ليعزف ألحاناً منتظمة، وشاهدوا الخنازير وهي تدير أجهزة التنظيف الكهربائية، وتفرز الغسيل المتسخ وتضعه في السلال، وتشغل مضخات المياه، في حين كان حيوان الراكون يقف بثبات ليلتقط العملات المعدنية بيديه ويودعها داخل صندوق ادخار مغلق (حصالة معدنية)، وشاهدوا الأرانب وهي تقرع الطبول النحاسية بنغمات إيقاعية مضبوطة.

استقطبت الحديقة ملايين الزوار على مدار سنوات تشغيلها، من بينهم طلاب مدارس، وعلماء نفس، وصحفيون، وسياسيون، وسياح من كافة بقاع العالم. وكان كيلر بريلاند حريصاً على أن يوضح للجمهور عبر لوحات تفسيرية وكتيبات تثقيفية أن هذه الحيوانات لا تمتلك “ذكاءً خارقاً” غيبياً أو قدرات عقلية بشرية، بل هي كائنات بيولوجية تخضع لقوانين الإشراط الإجرائي وعلم النفس السلوكي الصارم. ونجحت الحديقة في تغيير الصورة النمطية السائدة لدى الرأي العام، والتي كانت تحصر الحيوانات المزرعية مثل الخنازير والدجاج في خانة الغباء والكسل، مظهراً إمكاناتها التعلمية والحركية الهائلة متى ما توفرت البيئة السلوكية المعززة المناسبة.

والأهم من ذلك، أن الأرباح المالية الطائلة التي درتها تذاكر الدخول والعروض الاستعراضية لم تذهب إلى الرفاهية الشخصية، بل أعيد استثمارها بالكامل في تمويل أحدث معامل وأجهزة مؤسسة ABE، وشراء أنواع حيوانية نادرة وغريبة لتوسيع قاعدة الدراسات السلوكية المقارنة. وأتاح هذا الاكتفاء المالي الذاتي لبريلاند وفريقه استقلالاً أكاديمياً وبحثياً تاماً عن المنح الحكومية والجامعية المشروطة، مما منحهم حرية مطلقة في تجريب فرضيات سلوكية جريئة، واستكشاف سلوك آلاف الحيوانات دون التعرض لضغوط السياسات الأكاديمية البيروقراطية المقيدة للابتكار.

5.2 التوسع التجاري والحملات الدعائية الكبرى

لم تتوقف طموحات كيلر بريلاند عند حدود حديقة الذكاء في أركنساس، بل أدرك مبكراً الإمكانات الهائلة لاستخدام الحيوانات المدربة سلوكياً في قطاعات الإعلان، والتسويق، والحملات الترويجية لكبريات الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات. وسرعان ما بدأت مؤسسة ABE تتلقى عقوداً ضخمة من كبرى شركات تصنيع الأعلاف الحيوانية، والسلع الاستهلاكية، والمصارف، لتصميم وحدات عرض استعراضية متنقلة تُعرض في المتاجر والمعارض التجارية لجذب المتسوقين وزيادة المبيعات.

وكان من أبرز تلك المشروعات الشراكة التاريخية مع شركة الأعلاف الوطنية العملاقة “جنرال ميلز” (General Mills)، حيث طورت ABE مئات الوحدات المغلقة التي تضم دجاجات مدربة سلوكياً على لعب “لعبة تيك تاك تو” (Tic-Tac-Toe أو إكس-أو) ضد البشر في المعارض التجارية والولائية. وكان المتحدي البشري يقف مذهولاً أمام دجاجة تنقر زراً ضوئياً لتسبقه في وضع العلامة وتفوز عليه أو تحقق التعادل معه في كل جولة تقريباً. وأحدثت هذه العروض الدعائية صدى إعلامياً مدوياً، وتصدرت صور بريلاند وحيواناته صفحات مجلات عالمية كبرى مثل Life وTime وThe Saturday Evening Post، مما جعل منه رمزاً ثقافياً وشعبياً لـ “مهندس السلوك الحيواني” في الوعي الجمعي الأمريكي.

ولضمان جودة الأداء وموثوقية العروض في مئات المدن الأمريكية المتفرقة، دشن بريلاند برنامجاً منهجياً صارماً لتدريب وتأهيل المئات من المدربين التجاريين والتقنيين الميدانيين. ووضع بنفسه كتيبات إرشادية مفصلة (Manuals) تحوي تعليمات دقيقة حول جداول التغذية، والتحكم في الإضاءة والحرارة، وكيفية صيانة الأجهزة الكهروميكانيكية، ومعالجة أي هبوط طارئ في معدلات الاستجابة السلوكية للحيوانات، مانحاً إياهم تدريباً سلوكياً يعادل أرقى المساقات الأكاديمية المتقدمة في الجامعات.

أسس كيلر بريلاند عبر هذا التوسع التجاري غير المسبوق سوق عمل وصناعة جديدة بالكامل في الاقتصاد الأمريكي، جمعت لأول مرة بين علم النفس الحيواني والإنتاج التجاري والترفيهي الاحترافي. وأثبت لقطاع الأعمال والصناعة أن الاستثمار في المعرفة السلوكية الرصينة يمكن أن يولد عوائد مالية وتسويقية مذهلة تفوق بكثير الوسائل الإعلانية التقليدية. ورسخ هذا التمدد مكانة بريلاند ليس فقط كعالم نفس تجريبي بارع، بل كرائد أعمال عبقري نجح في إخراج علمه من القوالب الورقية الباردة ليجعله قوة حية وملموسة ومربحة تؤثر في ثقافة واقتصاد أمة بأسرها.

6. ظهور الشقوق في النموذج السلوكي الراديكالي

6.1 ملاحظة التشوهات السلوكية غير المبررة تجريبياً

مع بداية النصف الثاني من خمسينيات القرن العشرين، وبينما كانت مؤسسة ABE في قمة مجدها التجاري والعملي، بدأت تظهر في الأفق التجريبي لبريلاند شقوق وملاحظات غريبة ومربكة لم تكن تتوافق أبداً مع النماذج النظرية الصارمة للإشراط الإجرائي التي تشربها من سكينر. ففي أثناء تدريب آلاف الحيوانات على سلوكيات متنوعة ومستقرة لشهور طويلة، لاحظ بريلاند وماريان ظاهرة متكررة وغامضة: أن بعض الحيوانات، بعد أن تتقن السلوك المشروط وتحصل على مئات المعززات الإيجابية بنجاح تام، تبدأ تدريجياً وبشكل غير مفهوم في إفساد استجاباتها السلوكية ذاتها، والتحول نحو أنماط حركية مشوهة تعيقها فعلياً عن نيل الطعام وتؤخر حصولها على المكافأة!

كانت إحدى أوضح وأبرز هذه الحالات التجريبية ما حدث أثناء تدريب حيوان الراكون (Raccoon) على التقاط العملات المعدنية وإيداعها داخل صندوق ادخار معدني مغلق؛ في البداية، سار التشكيل السلوكي بسلاسة فائقة؛ حيث تعلم الراكون التقاط عملة واحدة والتوجه بها إلى الحصالة وإسقاطها داخل الفتحة ليتلقى حبة طعام فوراً عبر المثير الجسري. ولكن، عندما حاول بريلاند تعقيد المهمة وتدريب الراكون على جمع عملتين معاً قبل إسقاطهما في الصندوق، حدث تدهور سلوكي حاد وغير متوقع بالمرة؛ فقد رفض الراكون إفلات العملات داخل الفتحة، وبدلاً من ذلك بدأ يمسك بالعملتين ويدلكهما معاً بفرك بطيء وهوسي متكرر بيديه، ثم يغمرهما داخل فتحة الصندوق ويسحبهما مجدداً دون إفلاتهما، ويستمر في هذا الفرك الدائري العقيم لدقائق طويلة، متحملاً الجوع وحارماً نفسه من الطعام المتاح أمامه بسهولة!

ولم تكن هذه الملاحظة المربكة مقتصرة على الراكون وحده، بل ظهرت أنماط شاذة مشابهة مع فصائل أخرى متعددة؛ فعند تدريب الخنازير على التقاط عملات خشبية كبيرة وحملها لمسافة قصيرة لإيداعها في حصالة بلاستيكية ضخمة كاستعراض تجاري، أتقنت الخنازير السلوك لأسابيع ثم بدأت فجأة تسقط العملة على الأرض قبل الوصول للحصالة، وتبدأ في دفعها وتمريرها بأنفها بعنف وحفر الأرضية المحيطة بها (Rooting)، مكررة هذا السلوك الميكانيكي المستمر دون أن تنقل العملة للحصالة للحصول على وجبتها. كما لوحظ مع الدجاج المدرب على التقاط مقذوف بلاستيكي ورميه في السلة، أنه بدأ ينقر المقذوف بقوة على الأرض بصورة متشنجة متكررة دون رفعه، مما كان يمنعه تماماً من إتمام الاستجابة المطلوبة لنيل حبة القمح المعززة.

شكلت هذه الملاحظات صدمة تجريبية عميقة لفريق ABE؛ إذ وفقاً لقوانين التحليل الإجرائي التقليدي، كان ينبغي لأي سلوك لا يؤدي إلى تعزيز، أو يؤدي إلى تأخير التعزيز وحرمان الكائن، أن يخضع لعملية الانطفاء الطبيعي السريع (Extinction)، وأن تعود الاستجابة الصحيحة المعززة سابقاً للظهور بقوة وثبات. غير أن ما كان يحدث على أرض الواقع الميداني كان العكس تماماً: كان السلوك الشاذ غير المعزز يزداد قوة ورسوخاً وشراسة بمرور الوقت، في حين كان السلوك المشروط المتعلم والمكافأ بكثافة ينهار ويتلاشى تدريجياً، عاجزاً عن الصمود أمام هذه الأنماط الحركية الغريبة التي تفرض نفسها قسراً على الكائن.

6.2 المعضلة النظرية بين الفرضية السلوكية والواقع الميداني

وضعت هذه المشاهدات المتراكمة كيلر بريلاند أمام أزمة إبستمولوجية ومعرفية بالغة التعقيد والحساسية؛ فقد كانت السلوكية الراديكالية السائدة تؤكد بكل حزم أن الكائن الحي يدخل المختبر كصفحة بيضاء مجردة، وأن تاريخه السلوكي الفردي (Ontogeny) وجداول التعزيز التي يتعرض لها في حياته هي المتحكم الكلي والمطلق في توجيه وتشكيل استجاباته الحركية. وكان الافتراض الضمني الأكثر قداسة في هذا التيار هو أن القوانين الإجرائية تتسم بـ “العمومية الكونية”؛ أي أن ما ينطبق على جرذ أبيض يضغط رافعة في منيسوتا ينطبق بذات الدقة والآلية على حمامة، أو خنزير، أو راكون، أو حتى كائن بشري، بغض النظر عن انتمائهم البيولوجي أو تاريخهم التطوري الطبيعي (Phylogeny).

غير أن الواقع الميداني الصارم كشف لبريلاند زيف هذه المسلمة المعرفية؛ فقد أظهرت البيانات أن الاستجابة المشروطة التي يقترن فيها مثير محايد (مثل العملة المعدنية) بالطعام المعزز لا تظل مجرد استجابة إجرائية خاضعة للتحكم البيئي الخارجي، بل تبدأ تدريجياً بالانحراف والتحول نحو استجابات فطرية غريزية وثيقة الصلة بطرق تغذي الحيوان في بيئته البرية الأصلية. فالراكون في البرية لا “يأكل” طعامه فور التقاطه، بل يغسله ويدلكه بيديه في قيعان الجداول المائية لإزالة القشور والرواسب، والخنزير يحفر الأرض بأنفه بحثاً عن الجذور والديدان المدفونة تحت التراب، والدجاجة تنقر الحبوب بشدة على الصخور لتفتيتها وتناولها. ومن ثم، فإن العملة المعدنية، عبر اقترانها المتكرر بالطعام، لم تعد مجرد “أداة إجرائية محايدة”، بل تحولت في الجهاز العصبي للكائن الحي إلى “بديل رمزي للطعام نفسه”، مما أطلق تلقائياً المنظومة الغريزية الفطرية الخاصة بالتغذي لدى ذلك النوع، وهي منظومة بيولوجية راسخة عبر ملايين السنين من التطور الطبيعي.

في مواجهة هذه المعضلة العلمية، لم يسارع بريلاند إلى التراجع أو التشكيك في نزاهة ملاحظاته الميدانية، كما كان يفعل العديد من الباحثين الذين كانوا يستبعدون مثل هذه الحالات الشاذة بوصفها “أخطاء تجريبية” أو “حيوانات معيبة عصبياً”. بل قام بريلاند، وبمنهجية العالم المحقق، بإخضاع هذه الظواهر لضبط تجريبي إضافي شديد الصرامة؛ فأعاد ضبط جداول التعزيز بدقة، وتحكم في درجات الحرمان الغذائي، وغير أحجام وأشكال العملات المعدنية، وجرب استخدام معززات مختلفة، وتأكد مراراً وتكراراً من خلو الأجهزة الكهروميكانيكية من أية أعطال قد تسبب سلوكيات نمطية عرضية. غير أن النتائج ظلت ثابتة ومحبطة للنموذج السلوكي الكلاسيكي: كانت الغريزة الطبيعية للحيوان تنتصر في النهاية على بروتوكولات التعزيز الإجرائي الأكثر إحكاماً.

تجلت في هذه اللحظة التاريخية الشجاعة الفكرية والأخلاقية النادرة لكيلر بريلاند؛ فبدلاً من التستر على هذه البيانات الصادمة إرضاءً لأساتذته في منيسوتا، أو خوفاً على مكانته وعقوده التجارية الناجحة، اختار بريلاند أن يجهر بالحقيقة العلمية العارية. لقد أدرك أن النموذج السلوكي النقي الذي تشرب مبادئه وقام عليه مجده المهني يعاني من ثغرة بنيوية كبرى تتجاهل البيولوجيا والتطور، وقرر أن الوقت قد حان لمواجهة المجتمع السلوكي الأمريكي بأسره بهذه الحقائق التجريبية الميدانية، حتى لو كلفه ذلك صداماً نظرياً وفكرياً مباشراً مع ملهمه الأول ب. ف. سكينر ومعبد السلوكية الراديكالية الراسخ.

7. الورقة التاريخية: ‘سوء سلوك الكائنات الحية’ (1961)

7.1 سياق نشر الورقة في مجلة American Psychologist

في عام 1961، فجر كيلر وماريان بريلاند قنبلة إبستمولوجية مدوية داخل الأوساط الأكاديمية الأمريكية بنشرهما مقالاً علمياً جريئاً واستفزازياً في مجلة American Psychologist المرموقة، لسان حال الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA). وحملت الورقة عنواناً ذا دلالة تهكمية ونقدية لاذعة: “سوء سلوك الكائنات الحية” (The Misbehavior of Organisms)، وهو تحوير مقصود ومباشر لعنوان كتاب ب. ف. سكينر التأسيسي الخالد الصادر عام 1938 بعنوان “سلوك الكائنات الحية” (The Behavior of Organisms)، معلنين بذلك بداية مواجهة فكرية صريحة وتفكيك منهجي للوثوقية السلوكية المفرطة من داخل البيت السلوكي نفسه.

ولم تكن الورقة مجرد مرافعة فلسفية أو تنظير انطباعي، بل استندت إلى قاعدة بيانات تجريبية وإحصائية لم يكن بمقدور أي مختبر أكاديمي منافستها؛ حيث استعرض الزوجان بريلاند نتائج عملهما الميداني المكثف على مدار 14 عاماً متواصلاً، شمل تدريب وملاحظة أكثر من ستة آلاف (6000) حيوان ينتمون إلى 38 نوعاً وفصيلة بيولوجية مختلفة، من بينها حيوانات داجنة، وقوارض، وطيور جارحة، وثدييات برية ومائية معقدة. وقدم الباحثان في الورقة سجلاً موثقاً ودقيقاً لعشرات الحالات التي انهار فيها الإشراط الإجرائي المتقن بصورة منهجية ومنتظمة أمام الاستجابات الفطرية العفوية للكائنات، مقدمين أمثلة حية مدعومة بالأرقام وتفاصيل التجارب الميدانية الصادمة.

أحدث نشر الورقة صدمة عميقة وزلزالاً معرفياً في الجامعات والأوساط السلوكية الأمريكية، التي كانت حتى تلك اللحظة تعيش في حالة من النشوة الفكرية وتعتبر قوانين التعزيز بمثابة “قوانين نيوتن” الشاملة لكل الظواهر النفسية الحية. ووجد كبار المنظرين السلوكيين أنفسهم في موقف حرج؛ إذ لم يكن بريلاند فيلسوفاً كرسياً يعارض السلوكية من منطلقات ميتافيزيقية استبطانية يسهل تسخيفها، بل كان التلميذ الأبرز والأكثر إنتاجية للمدرسة السلوكية، والخبير الذي نجح فيما فشل فيه الأكاديميون على مستوى التطبيق الهندسي والتحكم الميداني في السلوك على أوسع نطاق ممكن.

تجاوزت أهمية الورقة حدود التحليل السلوكي لتصل إلى فروع العلوم الإنسانية والبيولوجية الأخرى؛ حيث مثلت أول شرخ علني ورسمي يعترف بفشل مبدأ “التعميم المطلق للقوانين السلوكية” وتجاهل الفوارق النوعية بين الأنظمة البيولوجية. وكان لنشر هذه الورقة أثر بالغ في فتح الباب على مصراعيه أمام جيل جديد من الباحثين لإعادة النظر في المسلمات السائدة حول طبيعة التعلم، مهيئاً التربة الخصبة لظهور مراجعات جذرية أخرى، مثل أبحاث جون جارسيا حول النفور من التذوق (Taste Aversion)، وأبحاث مارتن سيليجمان حول الاستعداد البيولوجي، وهي الدراسات التي غيرت مفاهيم علم النفس الحديث إلى الأبد.

7.2 صياغة مصطلح ‘الانجراف الغريزي’ (Instinctive Drift)

شهدت الورقة التاريخية لعام 1961 صياغة كيلر بريلاند لأحد أهم المفاهيم الكلاسيكية في تاريخ علم النفس التجريبي والبيولوجي: مفهوم الانجراف الغريزي (Instinctive Drift). وعرف بريلاند هذا المفهوم بدقة علمية رصينة بوصفه: “الميل التدريجي والحتمي للسلوك الحيواني المشروط والمتعلم إلى الانحراف والانهيار، متجهاً بقوة نحو الأنماط السلوكية الفطرية والغريزية والتطورية الخاصة بالنوع، حتى لو كان هذا الانحراف يتعارض مباشرة مع جدول التعزيز المتاح ويؤدي إلى حرمان الحيوان الفعلي من الطعام”.

برهن بريلاند من خلال تحليله للانجراف الغريزي على ظاهرة بيولوجية في غاية العمق؛ وهي أن السلوك المتعلم ليس كياناً منعزلاً يتحرك في فراغ فراغي تحكمه فقط احتمالات التعزيز الإجرائي، بل هو طبقة سلوكية تكتيكية مرنة تتوضع فوق بنية بيولوجية تطورية صلبة وضاربة في القدم. وعندما يحدث اقتران وثيق ومتكرر بين مثير محايد (مثل العملة أو المقذوف) ومعزز أولي بقائي أساسي (كالطعام)، فإن هذا الاقتران، بدلاً من أن يظل إشراطاً إجرائياً خالصاً، يعمل على “استثارة وتنشيط المنظومة الغريزية البقائية” الكاملة الخاصة بسلوك البحث عن الطعام واستهلاكه لدى الحيوان، وتصبح الاستجابات الغريزية المنبعثة أقوى بمراحل من الاستجابات الإجرائية التي حاول المدرب هندستها اصطناعياً.

أثبت هذا التحليل الثوري أن الانجراف الغريزي ليس مجرد عجز في التعلم أو “حادث عارض”، بل هو قانون طبيعي يعكس هيمنة المحددات الجينية والتكيفية التطورية التي صاغها الاصطفاء الطبيعي عبر ملايين السنين لحماية النوع وضمان بقائه في موطنه الأصلي. وأوضح بريلاند أن محاولة محو هذه الأنماط الفطرية أو استبدالها كلياً عبر التعزيز الإجرائي أشبه بمحاولة ضخ مياه نهر عكس اتجاه انحداره الطبيعي؛ فقد ينجح الإشراط في تعديل المسار مؤقتاً تحت ضغط التدريب المستمر، ولكن بمجرد أن يستقر المثير وتستثار الغريزة، يفيض السلوك الفطري كالنهر الهادر ليجرف معه كل الحواجز السلوكية المصطنعة.

أعاد هذا المفهوم المبتكر الاعتبار العلمي لمصطلح الغريزة (Instinct)، بعد أن كانت السلوكية الراديكالية قد شنت عليه حرباً ضروساً لعقود طويلة، معتبرة إياه مفهوماً غيبياً دائرياً (Circular Concept) لا قيمة علمية له يجب شطبه من معاجم علم النفس الموضوعي. وبفضل بيانات كيلر بريلاند الصادقة، عاد مفهوم السلوك الفطري والمحددات التطورية إلى قلب النقاش السيكولوجي، مجبراً علماء النفس على الاعتراف بأن السلوك هو نتاج تفاعل جدلي ومستمر بين التاريخ التطوري الوراثي للنوع من جهة، والتاريخ البيئي التعلمي للفرد من جهة أخرى، ولا يمكن اختزاله في أي من الطرفين بمعزل عن الآخر.

8. إعادة بناء الفهم النظري: التوفيق بين السلوكية وعلم الإيثولوجيا

8.1 التقاطع بين طروحات كيلر بريلاند ونظريات لورنز وتينبرغن

لم يكتفِ كيلر بريلاند بهدم المسلمات السلوكية عبر ورقته التاريخية، بل اتجه بنضج فكري رائد نحو إعادة بناء صرح نظري تركيبي وتكاملي يجمع بين مزايا المدرسة السلوكية التجريبية الأمريكية، وإشراقات المدرسة الأوروبية الصاعدة في دراسة سلوك الحيوان، المعروفة بـ علم الإيثولوجيا (Ethology). وكان هذا الانفتاح الفكري يمثل خطوة سابقة لعصرها؛ إذ كانت الهوة الجغرافية والمعرفية بين السلوكيين في أمريكا والإيثولوجيين في أوروبا واسعة جداً وشبه مستحيلة العبور في خمسينيات وستينيات القرن المنصرم.

انكب بريلاند على قراءة واستيعاب أبحاث رواد الإيثولوجيا الأوروبية البارزين، مثل النمساوي كونراد لورنز (Konrad Lorenz) والهولندي نيكولاس تينبرغن (Niko Tinbergen)، اللذين كانا يدرسان سلوك الحيوانات في مواطنها الطبيعية ويؤكدان على أهمية المفاهيم التطورية كـ “الأنماط الحركية الثابتة” (Fixed Action Patterns – FAPs)، و”المثيرات الإشOpposite أو المحررة” (Sign Stimuli or Releasers)، و”آليات الإطلاق الفطرية” (Innate Releasing Mechanisms). ووجد بريلاند في هذه المفاهيم التفسير الدقيق والمفقود للألغاز السلوكية التي عاينها في حديقة الذكاء ومزرعة أركنساس؛ حيث أدرك أن سلوكيات فرك العملات وحفر الأرض ونقر البلاستيك لم تكن استجابات عشوائية، بل كانت “أنماطاً حركية ثابتة” أطلقتها مثيرات مرتبطة بالطعام عجزت السلوكية عن تصنيفها.

نجح بريلاند في تحطيم الجدار العازل والمصطنع بين دراسة التعلم داخل الأقفاص المعزولة ودراسة السلوك الغريزي في البرية المفتوحة، مؤكداً أن دراسة الكائن الحي لا يمكن أن تكتمل دون فهم تاريخه الطبيعي والبيئي التطوري. وتوقع بريلاند بفطنته ما صاغه الباحثون لاحقاً تحت مسمى الاستعداد البيولوجي (Biological Preparedness)؛ وهي الفكرة القائلة بأن الحيوانات ليست مبرمجة جينياً للتعلم بالطريقة ذاتها في جميع المجالات، بل إن التطور البيولوجي يجعل الكائن “مستعداً وراثياً” لتعلم بعض الاستجابات الحيوية لبقائه بسرعة فائقة وبجهد ضئيل، في حين يكون “غير مستعد” أو حتى “موجهاً عكسياً ضد” تعلم سلوكيات أخرى تخالف طبيعته التشريحية والغرائزية المتوارثة.

أرسى هذا التوليف المنهجي الرائد رؤية جديدة تؤكد أن التعلم ليس عملية طيعة وعشوائية تخضع لمشيئة المجرب ورغباته في التشكيل والتعزيز، بل هو آلية تكيّفية متطورة محكومة بالقيود البيولوجية والتطورية للنوع. وفتح بريلاند بذلك آفاقاً جديدة للبحث السيكولوجي، مجسداً دور العالم المصلح الذي يسعى لبناء جسور التكامل العلمي بين التخصصات المتصارعة، بدلاً من التخندق وراء العصبيات المدرسية الضيقة، مما جعله بحق أحد أهم رواد الحوار بين العلوم السلوكية والعلوم البيولوجية في القرن العشرين.

8.2 نقد مبدأ ‘تكافؤ الاحتمالات’ (Equipotentiality Principle)

كان الإسهام النظري الأعمق لكيلر بريلاند في مواجهة السلوكية الكلاسيكية هو نقده الصارم وتفكيكه الجذري لما يُعرف في أدبيات التعلم بـ مبدأ تكافؤ الاحتمالات (Equipotentiality Principle). وينص هذا المبدأ الضمني، الذي تبناه جون واطسون وسكينر ودافعوا عنه طويلاً، على أن أية استجابة حركية يستطيع الكائن أداءها تشريحياً يمكن ربطها بأي مثير حسي يستطيع إدراكه، واستخدام أي معزز طبيعي لتثبيت هذا الرابط بذات الكفاءة والسرعة والقواعد الرياضية في أي نوع حيواني، دون أي تمييز بين الحمام والجرذ والكلب والإنسان.

أثبت بريلاند عبر بياناته التجريبية القاطعة خطأ هذا الفرض الميكانيكي الساذج؛ فبين بوضوح أن الفصائل الحية تمتلك “قنوات تعلم حسية وحركية متباينة” تشكلت عبر بيئتها التطورية الخاصة. فعلى سبيل المثال، يتعلم الحمام ربط الاستجابات البصرية (كنقر الأزرار الضوئية) بالمعززات الغذائية بسهولة وسرعة فائقة لأن الطيور تعتمد كلياً على حاسة البصر في اصطياد الحبوب، بينما يعجز تقريباً عن تعلم الضغط بقدمه على عتلة للحصول على الطعام، ولكنه يتعلم بسهولة الضغط بقدمه أو رفرفة جناحيه إذا كان التعزيز هو “الهروب من الصدمة الكهربائية”؛ لأن الرفرفة هي الاستجابة البيولوجية الطبيعية للنجاة والهروب من الخطر. وبالمثل، يتعلم الكلب والجرذ الاستجابات الشمية والحركية المعقدة بمرونة تفوق بمراحل قدراتهما على معالجة الإشارات الضوئية المجردة.

أرسى بريلاند قاعدة ذهبية لا تزال تحكم ممارسات تعديل السلوك وتدريب الحيوانات المعاصرة حتى اليوم، وهي: “أن فهم بيولوجيا وتاريخ تطور الحيوان ليس مجرد معلومات تكميلية ثانوية، بل هو شرط أولي وإلزامي لتصميم أي برنامج تدريبي أو تجريبي ناجح”. وأوضح أن أي محاولة لبناء استجابة سلوكية مشروطة تخالف التركيب البيولوجي والتكيفي للكائن الحي هي محاولة محكوم عليها بالفشل التراكمي الحتمي، أو ستتطلب تكلفة إجرائية وجهداً تعزيزياً مضنياً لن يصمد طويلاً أمام التحديات الميدانية وتغيرات البيئة.

ساهمت هذه الأطروحات الجريئة لبريلاند في التمهيد النظري والتاريخي المباشر لظهور الثورة المعرفية (Cognitive Revolution) وعلم النفس التطوري في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي؛ فقد ساعدت في تحرير الفكر السيكولوجي من إسار الصندوق الأسود (Black Box) الذي فرضته السلوكية الراديكالية لعقود، وأعادت توجيه أنظار العلماء نحو فحص البنى الداخلية، والقدرات المعرفية الفطرية، والآليات البيولوجية المتخصصة لكل نوع. وباتت أفكار بريلاند بمثابة الجذور الأولى التي نمت عليها نظريات كبار علماء البيولوجيا التطورية والسلوك الإدراكي في العصر الحديث.

9. الجهود التدريسية والتأليفية لكيلر بريلاند

9.1 كتاب ‘سلوك الحيوان’ (Animal Behavior – 1966)

في السنوات الأخيرة من حياته القصيرة والحافلة، كرس كيلر بريلاند وقتاً طويلاً وجهداً فكرياً مكثفاً لتقنين وتنظيم خبراته الميدانية وأطروحاته النظرية في مؤلف أكاديمي شامل، يمكن استخدامه كمرجع علمي منهجي لطلاب الجامعات والباحثين المتخصصين. وكان يهدف من وراء هذا المشروع إلى كتابة مدخل تعليمي جديد يعيد تقديم علم النفس المقارن لطلاب علم النفس والبيولوجيا في قالب تركيبي حديث، يدمج ببراعة وإحكام بين دقة المنهج الإجرائي السكينري وعمق الرؤية الإيثولوجية التطورية التي كرس حياته لبلورتها.

ركز بريلاند في صياغته لفصول كتاب “سلوك الحيوان” (Animal Behavior) على شرح الأساس الفسيولوجي والعصبي والتطوري للسلوك، موضحاً بالتفصيل آليات التفاعل المتبادل بين العمليات الجينية والبيئة التعلمية. وتناول الكتاب دراسات حالة مفصلة لعدة أنواع بيولوجية، مستعرضاً الفروق الدقيقة في استجاباتها الحسية والحركية، ومقدماً دليلاً عملياً لتطبيق تقنيات التشكيل السلوكي والتعزيز الإيجابي والمثيرات الجسرية، مع التحذير المنهجي المفصل من مغبة الوقوع في أخطاء الانجراف الغريزي وتجاهل التكيفات البيئية الطبيعية لكل نوع.

غير أن المنية وافت كيلر بريلاند بصورة مباغتة وصادمة في عام 1965 قبل أن يرى هذا العمل الضخم النور. وفي مشهد يجسد عمق الوفاء الإنساني والشراكة الفكرية الخالدة، أخذت رفيقة دربه وزوجته ماريان بريلاند على عاتقها مسؤولية مراجعة واستكمال وتدقيق الفصول المتبقية من المخطوطة، وتجهيزها للنشر بالتعاون مع دار نشر Macmillan العريقة، ليصدر الكتاب رسمياً في عام 1966 حاملاً اسميهما معاً، ليكون بمثابة وثيقة علمية وتاريخية تجسد ثمار عشرين عاماً من النضال التجريبي والبحثي المشترك في مزرعة أركنساس.

حقق الكتاب عقب صدوره نجاحاً أكاديمياً لافتاً، وجرى اعتماده كمرجع دراسي رئيسي في برامج علم النفس والبيولوجيا السلوكية في العديد من الجامعات الأمريكية المرموقة. واعتبره النقاد والأكاديميون في ذلك الوقت بمثابة أول كتاب دراسي ينجح فعلياً في كسر الهيمنة الأحادية للنظريات السلوكية الضيقة، ومقدمة رائدة للمقاربة التكاملية في دراسة السلوك؛ حيث أتاح لطلاب العلم فرصة غير مسبوقة للتعرف على الوجه التطبيقي والميداني لعلم السلوك الحيواني بعيداً عن الرسوم البيانية التجريدية التي كانت تملأ المراجع التقليدية الأخرى.

9.2 المحاضرات العامة والتوجيه الأكاديمي

إلى جانب مشاريعه البحثية والتأليفية، كان كيلر بريلاند محاضراً مفوهاً ومعلماً ملهماً يمتلك كاريزما فذة وقدرة غير عادية على تبسيط المفاهيم العلمية المعقدة لجمهور واسع ومتباين الثقافات. وقدم بريلاند مئات المحاضرات العامة وورش العمل التطبيقية المكثفة التي استهدفت فئات متنوعة شملت أساتذة الجامعات، والباحثين الشبان، ومدربي الحيوانات المحترفين، وأصحاب المزارع، والعاملين في مجالات الطب البيطري والصحة النفسية وتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة.

كان بريلاند رائداً في استخدام “العروض السلوكية الحية” كوسائل إيضاح تعليمية أثناء إلقاء محاضراته في المؤتمرات والندوات الجامعية؛ فلم يكن يكتفي بعرض الشرائح المكتوبة أو تلاوة النصوص النظرية، بل كان يصطحب معه في كثير من الأحيان بعض حيواناته المدربة—مثل دجاجة أو بطة أو أرنب—ليعرض أمام أعين الباحثين المتشككين كيف يمكن تشكيل سلوك معقد في غضون دقائق معدودة باستخدام المثير الجسري والتعزيز التفاضلي. وفي الوقت نفسه، كان يتعمد إظهار ظواهر الانجراف الغريزي أمامهم لشرح التفاعل الدقيق بين قوانين التعلم والمحددات الوراثية على خشبة المسرح مباشرة، مما كان يترك أثراً معرفياً لا يُمحى في أذهان الحاضرين.

ساهمت هذه الأنشطة العامة في نشر الوعي بأهمية التحليل التجريبي للسلوك وتطبيقاته الإنسانية والعملية في الأوساط الأكاديمية والمهنية في الولايات الجنوبية والغربية من أمريكا، وهي مناطق كانت بعيدة نسبياً عن المعاقل السلوكية التقليدية في جامعات الساحل الشرقي ومنيسوتا. وألهم بريلاند المئات من طلبة الجامعات الإقليمية لدراسة السلوك الحيواني بموضوعية علمية، مشجعاً إياهم على النزول إلى المزارع والحقول والغابات لمراقبة الكائنات الحية في سياقاتها الطبيعية، وعدم حصر طموحاتهم في حدود المختبرات المغلقة.

وكان الدرس الأهم والأعمق الذي دأب بريلاند على غرس وتوجيهه لطلابه ومستمعيه هو: “الالتزام الصارم بالنزاهة العلمية وشجاعة الانصياع للبيانات الميدانية”. وكان يردد دائماً أن واجب العالم الأول هو الإصغاء لما يقوله سلوك الكائن الحي، وليس محاولة إجبار الكائن على الانصياع لما قالته الكتب والنظريات السائدة. وعلمهم أن ظهور شذوذ أو تشوه في نتائج التجربة ليس كارثة تستوجب إخفاء البيانات، بل هو غالباً الهدية العلمية الكبرى التي تشير إلى وجود حقيقة طبيعية جديدة تنتظر من يمتلك البصيرة لاكتشافها وفهمها.

10. التطبيقات الدفاعية والبحرية المتقدمة لشركة ABE

10.1 أبحاث البحرية الأمريكية وتدريب الثدييات البحرية

في أواخر خمسينيات ومطلع ستينيات القرن العشرين، دخلت مؤسسة ABE في مرحلة متقدمة من التعاون الاستراتيجي مع وزارة الدفاع والبحرية الأمريكية (US Navy)، لتأسيس أولى البرامج العلمية الرامية إلى توظيف الثدييات البحرية في العمليات الدفاعية والأمنية تحت الماء، مستفيدة من السمعة المرموقة التي بناها كيلر بريلاند في هندسة وتشكيل السلوك لدى الكائنات المعقدة.

شارك بريلاند وماريان بشكل مباشر في إطلاق الأبحاث الأولى لتدريب الدلافين وخراف البحر وأسود البحر، لأداء مهام عملياتية شاقة عجزت التكنولوجيا العسكرية في تلك الحقبة عن إنجازها؛ وشملت تلك المهام استرجاع المعدات العسكرية والطوربيدات الغارقة في الأعماق السحيقة، وتحديد مواقع الألغام البحرية المزروعة، والقيام بأعمال الدورية والاستطلاع في محيط الموانئ والقواعد البحرية الحساسة لرصد أي غواصين معادين أو متسللين تحت الماء.

واجه بريلاند في هذه المشاريع تحديات تدريبية وبيئية غير مسبوقة في تاريخ علم النفس التجريبي؛ فكان التحدي الأكبر يتمثل في كيفية الحفاظ على السيطرة السلوكية التامة والامتثال الإجرائي للحيوان في المياه المفتوحة (Open Ocean)؛ حيث لا توجد جدران، أو أقفاص، أو حواجز فيزيائية تمنع الدولفين أو أسد البحر من السباحة بعيداً والهرب إلى المحيط الشاسع. ولتحقيق هذا الإنجاز المذهل، طور بريلاند أنظمة اتصالات وتوجيه صوتية معقدة تحت الماء باستخدام أجهزة إرسال هيدروفونية وموجات فوق صوتية تعمل كمثيرات جسرية ومميزة، تمكن المدرب على سطح القارب من التواصل اللحظي مع الحيوان على بعد أميال وإعطائه الأوامر وتوجيهه نحو الأهداف واستدعائه بدقة متناهية لنيل المكافأة.

نجحت شركة ABE في إثبات أن التعزيز الإيجابي والمثيرات الشرطية المضبوطة كافية تماماً لإلزام الحيوان بالعودة والبقاء في خدمة فريقه البشري طواعية حتى في عرض المحيطات المفتوحة، دون الحاجة لأي قيود مادية. وأرست البروتوكولات التدريبية والهندسية التي وضعها كيلر بريلاند في هذه المشاريع المبكرة المعايير القياسية والأسس التشغيلية التي اعتمد عليها “برنامج الثدييات البحرية التابع للبحرية الأمريكية” (U.S. Navy Marine Mammal Program) لعقود طويلة تالية، فضلاً عن تأثيرها الحاسم في تطوير أساليب تدريب الحيتان والدلافين في الأحواض المائية الترفيهية والحدائق البحرية العالمية المعاصرة.

10.2 مشروعات المراقبة والحراسة الميدانية

امتدت ابتكارات كيلر بريلاند الدفاعية لتشمل مجالات المراقبة والحراسة وتأمين المنشآت الحيوية في ظل التوترات الأمنية التي فرضتها حقبة الحرب الباردة. وطورت مؤسسة ABE سلسلة من المشروعات التكتيكية التي اعتمدت على الاستفادة من القدرات الحسية والفيزيولوجية الخارقة لبعض الحيوانات والطيور، والتي تتجاوز بمراحل كفاءة المجسات الإلكترونية والعيون البشرية، لا سيما في البيئات الوعرة والمظلمة.

صمم بريلاند برامج متقدمة استخدم فيها الطيور الجارحة (كالصقور والغربان والبوم) إلى جانب فصائل متخصصة من الكلاب، مدرباً إياها على مهام الحراسة الثابتة والمتحركة والكشف المبكر عن المتسللين في المحيطات المعزولة للقواعد العسكرية ومخازن الأسلحة الحساسة. وتم توظيف تقنيات “التمييز الحسي المعقد” (Complex Sensory Discrimination) لتدريب هذه الكائنات على تجاهل حركة الحيوانات البرية الطبيعية في الغابات المحيطة، وتوجيه استجابتها الإنذارية حصرياً نحو رصد أشكال وتصرفات بشرية محددة، أو التقاط انبعاثات ضوئية خافتة وترددات صوتية لا تدركها الأذن البشرية.

تميزت هذه المشاريع بالتوثيق الإحصائي الصارم والدقيق لمعدلات الموثوقية؛ حيث كان بريلاند يختبر حيواناته تحت ظروف مناخية وبيئية قاسية تشمل الأمطار الغزيرة، والعواصف الثلجية، والضباب الكثيف، والظلام الدامس. وكانت التقارير الميدانية تثبت دائماً تفوق الحراس البيولوجيين المدربين وفق قواعد الإشراط الإجرائي على الحراس البشر؛ فالطائر أو الكلب المدرب لا يعاني من تشتت الانتباه، أو الإرهاق الذهني، أو النوم أثناء نوبات المراقبة الطويلة، ما دامت استجاباته اليقظة تخضع لجداول تعزيز دقيقة تضمن بقاءه في ذروة التحفز والتركيز.

وعمل بريلاند على نقل هذه الخبرات التقنية المكتسبة في المشاريع الأمنية المغلقة إلى المجالات المدنية والتجارية والصناعية الناشئة؛ فوظف مبادئ التمييز الحسي ذاتها لتدريب الحيوانات على خدمات التفتيش ومراقبة الجودة في خطوط الإنتاج بالمصانع (مثل تدريب الطيور على فحص الحبوب أو الكبسولات الدوائية واستبعاد القطع المعيبة أو المكسورة بسرعات مذهلة تفوق الآلات)، فضلاً عن استخدام الكلاب المدربة في مهام البحث والإنقاذ، والتفتيش الجمركي، وخدمات الدعم والرعاية للمكفوفين وذوي الاحتياجات الخاصة، مؤسساً بذلك نموذجاً ملهماً لكيفية تحويل العلوم العسكرية إلى تطبيقات حضارية وسلمية تخدم رفاهية المجتمع البشري بأسره.

11. الوفاة المفاجئة والأثر المباشر على المجتمع العلمي (1965)

11.1 الرحيل المبكر في قمة العطاء الفكري

في عام 1965، وبينما كان كيلر بريلاند في أوج نشاطه العلمي ونضجه الفكري وفي خضم إنجاز العديد من المشروعات التوسعية والتأليفية الرائدة، تعرض فجأة لأزمة قلبية حادة ومباغتة أودت بحياته عن عمر يناهز الخمسين عاماً فقط. وشكل هذا الرحيل الصادم والمبكر زلزالاً مأساوياً هز عائلته وأصدقاءه والمجتمع العلمي برمته؛ إذ خسرت الساحة العلمية الأمريكية واحداً من أجرأ العقول التجريبية وأكثرها ابتكاراً وأصالة في منتصف القرن العشرين، في وقت كانت الساحة في أشد الحاجة إلى حضوره لمواصلة مشروعه التوليفي بين السلوكية والبيولوجيا.

خلفت وفاة بريلاند ردود فعل واسعة ومحزنة في الأوساط الأكاديمية والمهنية الأمريكية؛ وتوالت برقيات التعزية والمقالات التأبينية من كبار الشخصيات العلمية في الجمعية الأمريكية لعلم النفس ومختبرات البحوث في كبرى الجامعات، ونعاه أستاذه القديم ب. ف. سكينر وزملاؤه بكلمات ملؤها التقدير والتبجيل، معترفين بموهبته الهندسية والسلوكية النادرة، ومشيدين بالجرأة المنهجية التي اتسمت بها مسيرته الفريدة. واعترف الجميع بأن بريلاند لم يكن مجرد باحث موهوب، بل كان قوة دافعة وطاقة خلاقة نجحت في نفخ الحياة في نظريات علم النفس وتحويلها إلى واقع ملموس غير مجرى ممارسات تدريب الكائنات في العالم بأسره.

ورغم الفراغ الروحي والفكري الهائل الذي تركه غياب كيلر، لم تتوقف مسيرة مؤسسة سلوك الحيوان (ABE)؛ فقد أظهرت رفيقة دربه ماريان بريلاند شجاعة استثنائية وإصراراً فولاذياً على مواصلة المسيرة وحماية الإرث العلمي المشترك. وشاركت ماريان في قيادة المؤسسة بمساعدة خبير السلوك والباحث المتميز بوب بيلي (Bob Bailey)—الذي كان مديراً لتدريب الثدييات البحرية في البحرية الأمريكية قبل انضمامه لـ ABE وتزوجه ماريان لاحقاً بعد سنوات من وفاة كيلر. وتكاتفت جهود ماريان وبيلي للحفاظ على معايير الجودة الصارمة التي أرساها كيلر، ومواصلة تشغيل حديقة الذكاء وتطوير البرامج الاستشارية والأمنية لعقود تالية، مخلدين اسمه كرمز تاريخي لا يُنسى في الذاكرة العلمية للشركة.

11.2 التقييم الفوري لإسهاماته العلمية

عقب رحيل كيلر بريلاند، بدأت الأوساط الأكاديمية تعيد تقييم إسهاماته العلمية بموضوعية وتجرد أكبر؛ حيث خفتت حدة الغضب والتعصب السلوكي الكلاسيكي الذي قوبلت به ورقته التاريخية في عام 1961، وبدأ بعض أبرز رموز السلوكية الراديكالية والاشتراط التجريبي يعترفون، سراً وعلانية، بصحة ملاحظاته العميقة ودقة استنتاجاته حول ظاهرة الانجراف الغريزي والمحددات البيولوجية للتعلم.

وسارع علماء نفس التعلم والباحثون في المختبرات الجامعية إلى الاستفادة من طروحات بريلاند لتعديل وتحديث النماذج الرياضية والإجرائية للاشتراط؛ فبدأت الأبحاث تدمج المتغيرات البيولوجية والنوعية (Species-specific variables) ضمن تصميم التجارب، وتخلت معظم المراجع الحديثة عن النظرة الحتمية الساذجة لـ “تكافؤ الاحتمالات”. وأصبح مفهوم “الانجراف الغريزي” فقرة رئيسية لا غنى عنها في كل كتاب جامعي يتناول سيكولوجية التعلم في جميع أنحاء العالم، بوصفه المفهوم الذي أعاد التوازن المنطقي بين تأثير البيئة وتأثير الوراثة في صناعة السلوك الحيواني.

كما ترسخت مكانة كيلر بريلاند في الوعي المهني المعاصر باعتباره “الأب الروحي الحقيقي لمهنة تدريب الحيوانات الحديثة القائمة على العلم”؛ فقد كان أول من أثبت أن هذه المهنة ليست مهارة فلكلورية أو سحراً شخصياً يمتلكه بعض المروضين، بل هي علم تطبيقي دقيق يستند إلى قوانين الفيزياء والبيولوجيا والتحليل السلوكي، ويمكن تعليمه ونقله وممارسته بأساليب إنسانية رفيعة تبتعد كلياً عن العنف والقهر البدني.

وامتد التأثير المباشر لأفكاره إلى حركة “علم النفس المعرفي” الصاعدة بقوة في منتصف الستينيات؛ حيث استند كبار رواد الإدراكية على أبحاث بريلاند كدليل تجريبي دامغ على أن الكائن الحي ليس مجرد مستقبل سلبي للمثيرات البيئية كما ادعت السلوكية المغالية، بل هو كائن نشط يمتلك بنى معرفية وغريزية ومعالجات بيولوجية داخلية توجه وتقيد مسارات تعلمه وتفاعله مع العالم المحيط. وكتب بريلاند بجرأته الميدانية، حتى بعد رحيله، السطور الأولى في كتاب التحول المعرفي والبيولوجي الذي أعاد تشكيل المشهد الإبستمولوجي لعلم النفس في الثلث الأخير من القرن العشرين.

12. المكانة المعاصرة والإرث الفكري الدائم لكيلر بريلاند

12.1 الأثر على تحليل السلوك التطبيقي (ABA) وعلم النفس الحيوي

يمتد الأثر الفكري والمنهجي لكيلر بريلاند بعمق إلى صميم الممارسات المعاصرة لـ تحليل السلوك التطبيقي (Applied Behavior Analysis – ABA)، وهو الحقل الذي يُعنى بتعديل السلوك البشري وعلاج الاضطرابات النمائية كالتوحد وصعوبات التعلم. فرغم أن هذا الحقل يعتمد على تقنيات الإشراط الإجرائي السكينري، إلا أن التحذيرات المنهجية التي أطلقها بريلاند حول خطورة إهمال الجوانب البيولوجية والنمائية الفطرية أصبحت تشكل صمام الأمان المعرفي للممارسين السلوكيين المحدثين؛ حيث بات من المسلمات اليوم أن برامج التدخل السلوكي البشري لا يمكن أن تنجح إلا إذا راعت الخصائص النمائية والبيولوجية والقدرات الحسية والعصبية الفريدة لكل فرد، متجنبة الفرض القسري لاستجابات تخالف الاستعداد التطوري الطبيعي للإنسان.

تُستحضر تجربة كيلر بريلاند في تاريخ العلوم اليوم كدرس إبستمولوجي وأخلاقي بالغ الأهمية حول “قيمة التغذية الراجعة من الميدان إلى المختبر النظري” (The Value of Field-to-Lab Feedback). فقد برهن بريلاند على أن الباحث الذي يحبس نفسه داخل برج عاجي ويقتصر على دراسة نماذج حيوانية محدودة في ظروف اصطناعية مفرطة في التعقيم يقع حتماً في فخ التعميمات الخاطئة والعمى النظري؛ وأن النزول إلى الواقع التطبيقي ومواجهة تعقيداته غير المنضبطة هو السبيل الوحيد لاختبار صلابة النظريات وتصحيح انحرافاتها المفهومية.

وتحتفظ ورقة “سوء سلوك الكائنات الحية” (1961) بمكانتها التاريخية الخالدة في المناهج الجامعية الكبرى حول العالم كواحدة من أكثر الأوراق العلمية تأثيراً وقراءة في تاريخ العلوم الإنسانية؛ إذ تُدرس للطلاب كعلامة تحول فارقة ونموذج استثنائي للمراجعة النقدية الشجاعة التي تنبع من قلب التخصص لا من أعدائه الأيديولوجيين. وتُقرأ تجربة بريلاند اليوم في ضوء التطورات الهائلة في علم الأعصاب الإدراكي (Cognitive Neuroscience) وعلم الجينات السلوكية؛ حيث تكشف دراسات التصوير العصبي الحديثة كيف تتفاعل المسارات العصبية للتعزيز (كإفراز الدوبامين) مباشرة مع الدوائر العصبية التطورية العميقة للغرائز في جذع الدماغ والجهاز الحوفي، مؤكدة صحة الرؤية التركيبية التي تنبأ بها بريلاند بملاحظاته العينية قبل ستين عاماً.

كما ينعكس إرث بريلاند الخالد في الفلسفة المعاصرة لرعاية وإدارة الحيوانات في حدائق الحيوان والمحميات الطبيعية ومراكز الإنقاذ العالمية؛ حيث استقرت مفاهيم الإثراء السلوكي (Behavioral Enrichment)، والتدريب الطبي الطوعي الخالي من الإجهاد (Stress-free Husbandry Training)، والاعتماد الحصري على التعزيز الإيجابي والمثيرات الجسرية كسياسات إلزامية تفرضها المعايير الدولية لحقوق ورفاهية الحيوان. وكل قرد يمد ذراعه طواعية لأخذ لقاح طبي، أو فيل يرفع قدمه لتقليم أظافره، أو دولفين يسبح بثقة بجانب مدربه دون خوف، يمثل شهادة حية ودائمة على عظمة الفلسفة الإنسانية والعلمية التي زرع بذورها كيلر بريلاند في أرض الواقع الميداني.

12.2 الخلاصة والدروس المستفادة من سيرة باحث غير تقليدي

تجسد السيرة الذاتية والعلمية لكيلر بريلاند (1915-1965) النموذج المتكامل والفريد للباحث الأكاديمي الرصين ورائد الأعمال الميداني المبتكر، وهي توليفة نادرة الوجود في تاريخ الفكر الإنساني. لقد استطاع بريلاند، بفضل تواضعه المعرفي وعقليته الهندسية الوقادة، أن يكسر الأغلال الأكاديمية الصارمة، وينزل بالعلم من سماء النظريات المجردة إلى تراب المزارع وساحات العرض ومياه المحيطات، محولاً المفاهيم السلوكية الجافة إلى أدوات حية تبني السلوك، وتثقف الجماهير، وتطور الصناعة، وتصنع الثروة المستدامة، دون أن يفقد للحظة واحدة بوصلته الأخلاقية والعلمية الصادمة.

إن الدرس الأعمق الذي تتركه لنا حياة كيلر بريلاند هو “الانتصار المطلق للملاحظة الأمبريقية الصادقة على حساب الولاء الأيديولوجي الأعمى للمدارس الفكرية”. فعندما وقفت بيانات الراكون والخنزير والدجاجة الميدانية في وجه نظريات أستاذه المعظم سكينر، لم يتردد بريلاند في الانحياز التام للحيوان والبيانات الصادقة، مضحياً براحته الأكاديمية في سبيل الحقيقة العلمية. وعلمنا بريلاند أن تقدم العلم لا يحدث عبر ترديد النصوص المقدسة للمؤسسين، بل عبر الجرأة على مساءلتها، ورصد شذوذها، وتطوير نماذج أوسع تستوعب الاستثناءات وتصنع منها قواعد جديدة أكثر عمقاً وإحاطة بالواقع البيولوجي المعقد.

كما ساهمت جهود بريلاند في إحداث تحول ثقافي وحضاري هائل وعابر للقارات في ثقافة التعاطي البشري مع الحيوانات؛ حيث قاد المسيرة التاريخية التي أسقطت قروناً من القهر والقسوة والعقاب الجسدي، مستبدلاً إياها بفلسفة الرفق، والتحفيز الإيجابي المستدام، والاحترام العميق للغرائز الطبيعية والتكيفات البيولوجية لكل نوع من الكائنات التي تشاركنا العيش على هذا الكوكب.

ختاماً، يبقى كيلر بريلاند، بعد أكثر من قرن على ولادته ونصف قرن على رحيله، نموذجاً فريداً للشجاعة المنهجية والأصالة العلمية؛ فقد كان الرجل الذي اختبر حدود السلوكية حتى أقصاها، وعندما بلغت تلك الحدود نهايتها المنطقية، امتلك البصيرة لرؤية ما وراءها، مساهماً في نسج الخيوط الأولى التي ربطت بين علم النفس وعلم البيولوجيا التطورية. إن سيرته ستظل منارة تضيء الطريق لكل باحث يؤمن بأن العلم الحقيقي ليس ما نحفظه داخل قاعات المحاضرات، بل هو ما نصنعه ونختبره بأيدينا في خضم الحياة الواقعية، وبأن التواضع أمام أسرار الطبيعة وعظمتها هو أول شروط المعرفة الإنسانية الحقة وآخرها.

خاتمة

في ختام هذه القراءة الاستقصائية الشاملة لسيرة ومسيرة كيلر بريلاند، يتضح لنا بجلاء أن هذا العالم الفذ لم يكن مجرد مدرب حيوانات عبقري أو تلميذ نجيب لسكينر، بل كان مفكراً إصلاحياً ومبتكراً إبستمولوجياً غير مسبوق في تاريخ علم النفس. لقد استطاع بريلاند أن ينتزع الإشراط الإجرائي من عزلته المختبرية ليدخله في قلب الاقتصاد والترفيه والدفاع، وأثبت بما لا يدع مجالاً للشك الجدوى الكبرى للتعزيز الإيجابي والمثيرات الجسرية، مؤسساً تقنيات شكلت عماد التدريب الإنساني والحديث للكائنات في العالم أجمع.

والأهم من ذلك كله، تتجلى عظمة كيلر بريلاند في شجاعته النادرة للاعتراف بقصور النظرية السلوكية الراديكالية أمام تعقيدات التطور البيولوجي؛ حيث كشفت ملاحظاته الميدانية حول “الانجراف الغريزي” أن التعلم ليس عملية محايدة ومطلقة، بل هو منقوش بدقة على صفحات التاريخ التطوري الموروث لكل نوع. وبفضل ورقته الخالدة “سوء سلوك الكائنات الحية”، نجح بريلاند في تحطيم مبدأ تكافؤ الاحتمالات المتهافت، ممهداً الطريق لتكامل علم السلوك مع علم الإيثولوجيا والعلوم المعرفية الحديثة. إن إرث كيلر بريلاند سيظل باقياً كبرهان دائم على أن التطبيق العملي الصادق هو المحك الأخير لصدقية النظريات، وبأن الملاحظة الميدانية الحرة هي المحرك الأقوى لثورات التطور العلمي عبر التاريخ.

المراجع

  • Breland, K., & Breland, M. (1951). A field of applied animal psychology. American Psychologist, 6(6), 202–204. https://doi.org/10.1037/h0062402
  • Breland, K., & Breland, M. (1961). The misbehavior of organisms. American Psychologist, 16(11), 681–684. https://doi.org/10.1037/h0040097
  • Breland, K., & Breland, M. (1966). Animal behavior. Macmillan.
  • Bailey, R. E., & Gillaspy, J. A. (2005). Operant psychology goes to the fair: Marian and Keller Breland in the popular press, 1947–1966. The Behavior Analyst, 28(2), 143–159. https://doi.org/10.1007/BF03392110
  • Gillaspy, J. A., Brando, P. R., & Bailey, R. E. (2014). Keller and Marian Breland: Pioneers in applied animal psychology. In W. E. Pickren & D. A. Dewsbury (Eds.), Portraits of pioneers in psychology (Vol. 6, pp. 171–188). Psychology Press.
  • Skinner, B. F. (1938). The behavior of organisms: An experimental analysis. Appleton-Century.
  • Skinner, B. F. (1960). Pigeons in a pelican. American Psychologist, 15(1), 28–37. https://doi.org/10.1037/h0045337
  • Lorenz, K. (1950). The comparative method in studying innate behaviour patterns. Symposia of the Society for Experimental Biology, 4, 221–268.
  • Tinbergen, N. (1951). The study of instinct. Oxford University Press.
  • Seligman, M. E. (1970). On the generality of the laws of learning. Psychological Review, 77(5), 406–418. https://doi.org/10.1037/h0029790
  • Garcia, J., & Koelling, R. A. (1966). Relation of cue to consequence in avoidance learning. Psychonomic Science, 4(3), 123–124. https://doi.org/10.3758/BF03342209
  • Todd, J. T., & Morris, E. K. (1992). Case histories in the great power of steady misrepresentation: The case of B. F. Skinner and radical behaviorism. American Psychologist, 47(11), 1441–1453. https://doi.org/10.1037/0003-066X.47.11.1441
★

تقييم هذا المحتوى

5.0 / 5 • 7 تقييمات