ليزلي غرينبرغ – 1945 حتى الوقت الحاضر

ليزلي غرينبرغ (Leslie S. Greenberg)

  • 1945، جوهانسبرغ، جنوب إفريقيا – حتى الآن
  • كندي
  • العلاج المتمركز حول العاطفة (علم النفس الإنساني التجريبي)
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 14 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 14 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

أبرز الإسهامات

  • تأسيس العلاج المتمركز حول العاطفة (EFT)
  • ابتكار منهجية تحليل المهام الإكلينيكية
  • أبحاث مسار العملية العلاجية ولحظات التحول
  • تطوير تقنية حوار الكراسي ضمن إطار تعاطفي
  • صياغة مبدأ تغيير العاطفة بالعاطفة

السيرة

يمثل البروفيسور الكندي من أصل جنوب إفريقي ليزلي غرينبرغ (Leslie S. Greenberg) واحداً من أبرز علماء النفس الإكلينيكيين الذين أحدثوا ثورة مفاهيمية ومنهجية في مشهد العلاج النفسي المعاصر منذ الربع الأخير من القرن العشرين وحتى اللحظة الراهنة. ففي مرحلة كانت الساحة الإكلينيكية منقسمة بشكل حاد بين النزعة السلوكية المعرفية الصارمة التي تعتبر العاطفة مجرد نتاج ثانوي أو عرضي للأفكار والمعتقدات الخاطئة، وبين التحليل النفسي الكلاسيكي الذي يتعامل مع الانفعال بوصفه طاقة غريزية مكبوتة تحتاج إلى تأويل عقلاني وتفريغ رمزي، استطاع غرينبرغ، بفضل خلفيته الفريدة في الهندسة الميكانيكية وعلم النفس الإنساني، أن يبتكر نموذجاً علاجياً ثورياً يُعيد الاعتبار للعاطفة بصفتها جوهر الكينونة الإنسانية وقوة التغيير الأساسية؛ وهو ما عُرف لاحقاً بـ العلاج المتمركز حول العاطفة (Emotion-Focused Therapy – EFT).

تنبثق أهمية أطروحات غرينبرغ من كونه لم يكتفِ بإعادة تقديم الفينومينولوجيا الإنسانية والتجارب الجشطالتية بصياغات جديدة، بل أسس مشروعه على قواعد تجريبية ميكرو-تحليلية متناهية الدقة، مستعيناً بأبحاث مسار العملية العلاجية (Process Research) لدراسة لحظات التحول الإكلينيكي ثانية بثانية داخل الجلسة. ومن خلال هذا التوليف المنهجي العبقري بين العلوم المعرفية، وأبحاث الدماغ الوجدانية (Affective Neuroscience)، والتراث الإنساني المتمركز حول الشخص، أثبت غرينبرغ أن المشاعر ليست فوضى بيولوجية ينبغي ترويضها بالعقل المنطقي، بل هي نظام توجيه تكيفي بالغ الذكاء والتطور يحمل معلومات حاسمة حول احتياجات الذات وموقعها في البيئة، وأن الشفاء النفسي الحقيقي لا يتحقق عبر السيطرة العقلانية على العاطفة، بل عبر تغيير العاطفة بالعاطفة من خلال مبدئه الأيقوني الشهير: “لا يمكنك مغادرة مكان لم تدخله أولاً”.

يتناول هذا المقال الأكاديمي الموسع السيرة العلمية والفكرية المتكاملة للبروفيسور ليزلي غرينبرغ منذ ولادته في جوهانسبرغ عام 1945، مروراً بتحولاته المهنية الكبرى، وتأسيسه المنهجي للعلاج المتمركز حول العاطفة للأفراد والأزواج، وتحليله البنيوي للمخططات الوجدانية والتصنيفات التشخيصية للمشاعر، واستعراض أدواته التقنية الشهيرة كحوار الكراسي، وصولاً إلى أحدث إسهاماته وتكريماته العالمية في العقد الثالث من الألفية الثالثة، مقدماً قراءة تفصيلية معمقة تثري المكتبة النفسية والبحثية العربية.

1. النشأة والخلفية التكوينية المبكرة (1945 – التحول الأكاديمي)

1.1 الجذور والبدايات في جنوب إفريقيا

ولد ليزلي غرينبرغ في مدينة جوهانسبرغ بجنوب إفريقيا في عام 1945، في ظل مناخ سياسي واجتماعي يتسم بالاستقطاب الشديد والتوترات العرقية الحادة التي رافقت ترسيخ نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد). شكلت هذه البيئة المشحونة بالصراعات والاضطرابات خلفية وجودية بالغة التأثير في وعيه المبكر؛ حيث لامس عن قرب التناقضات الصارخة بين القمع المؤسسي والهشاشة النفسية الإنسانية، مما ولّد لديه حساسية فطرية مبكرة تجاه مشاعر الظلم، والقهر، والعزلة، والبحث المستمر عن العدالة والكرامة الإنسانية الأصيلة.

على الرغم من هذا الاهتمام الدفين بالسلوك الإنساني والتعقيدات المجتمعية، بدأ غرينبرغ مسيرته الأكاديمية الأولى في مسار تقني دقيق؛ حيث درس الهندسة الميكانيكية في جامعة ويتواترسراند (University of the Witwatersrand) المرموقة في جوهانسبرغ، وحصل منها على درجة البكالوريوس. لم تكن دراسة الهندسة مجرد محطة عابرة في حياته، بل أمدته بأداة معرفية بالغة الأهمية تمثلت في التفكير المنظومي (Systems Thinking)، والقدرة على تحليل النظم الديناميكية المعقدة، وتفكيك الآليات الهيكلية إلى عناصرها الوظيفية، وفهم آليات التغذية الراجعة (Feedback Loops). هذه العقلية الهندسية التحليلية الصارمة ستشكل لاحقاً السمة المميزة لمشروعه النفسي، إذ مكّنته من مقاربة الظواهر الوجدانية غير المرئية بذات الدقة التي يتعامل بها المهندس مع التدفقات الحركية والقوى الديناميكية.

مع بداية السبعينيات، بدأت العوامل الذاتية والمهنية تدفع غرينبرغ نحو مراجعة جذرية لخياراته الحياتية؛ إذ وجد أن العمل في حقل الهندسة الميكانيكية، رغم دقته المنطقية، يعزله عن اهتمامه الأعمق بالتجربة الحية للبشر وآلامهم الداخلية. شعر بوجود فجوة معرفية وروحية لا يمكن ردمها بتصميم الآلات وحساب القوى الفيزيائية، وأن استكشاف أعماق النفس الإنسانية وتقديم يد العون للمتألمين نفسياً هو النداء الحقيقي الذي يستحق تكريس طاقته الفكرية. هذا الوعي الداخلي المتنامي دفعه إلى اتخاذ قرار جريء ومحوري بإعادة توجيه مساره الأكاديمي والمهني بالكامل، تاركاً خلفه الهندسة الميكانيكية ليتفرغ لدراسة السلوك البشري وعلم النفس العيادي.

1.2 الهجرة والانتقال الأكاديمي إلى كندا

في مطلع سبعينيات القرن العشرين، وتحديداً في عام 1970، اتخذ ليزلي غرينبرغ قرار الهجرة من جنوب إفريقيا إلى كندا، مدفوعاً برغبته في الهروب من المناخ السياسي الخانق لنظام الفصل العنصري، والبحث عن آفاق علمية رحبة تتيح له التخصص في علم النفس الإكلينيكي. استقر غرينبرغ في مدينة تورنتو، والتحق بـ جامعة يورك (York University)، التي كانت تشهد في ذلك الوقت حراكاً أكاديمياً متقدماً وتعتبر مركزاً رائداً للدراسات العليا والأبحاث الإنسانية المبتكرة في كندا وأمريكا الشمالية.

في رحاب جامعة يورك، اندمج غرينبرغ بعمق في البيئة البحثية الكندية المتفتحة، حيث تفاعل مع نخبة من كبار أساتذة علم النفس الإكلينيكي والتجريبي. نجح غرينبرغ في تكوين شبكة واسعة من العلاقات الأكاديمية والمهنية المبكرة، وتأثر بالنقاشات العاصفة التي كانت تدور آنذاك حول مشروعية النماذج النفسية وفعالية العلاج النفسي كعلم قائم بذاته. لفت انتباه غرينبرغ الشاب وجود أزمة منهجية حادة في أبحاث العلاج النفسي؛ حيث كانت الأبحاث تركز على قياس النتائج العامة للعلاج (Outcome Research) عبر المقارنة بين ما قبل وما بعد الجلسات دون دراسة ما يحدث فعلياً داخل “الصندوق الأسود” للجلسة الإكلينيكية.

انطلاقاً من هذا التحدي، طوّر غرينبرغ شغفاً مبكراً بدراسة العملية العلاجية (Therapeutic Process) وآليات التغيير الإكلينيكي بشكل تجريبي متدرج. وكان تساؤله المحوري: ما هي الأحداث اللحظية الدقيقة والتفاعلات النفسية المحددة التي تجعل عميلاً يتغير ويتحسن بينما يظل عميل آخر في حالة جمود واكتئاب؟ هذا التساؤل الميداني قاده إلى التخصص في دراسة التفاعل بين المعالج والمسترشد بدقة ميكروسكوبية، محاولاً فك شفرة اللحظات التحولية (Moments of Change) التي تفتح آفاق الشفاء النفسي الداخلي.

1.3 أطروحة الدكتوراه والتأسيس لمنهجية تحليل المهام

توجت المسيرة الأكاديمية لليزلي غرينبرغ في جامعة يورك بحصوله على درجة الدكتوراه في علم النفس الإكلينيكي عام 1975، تحت إشراف نخبة من الرواد من بينهم الباحثة المؤثرة لورا نورث رايس (Laura North Rice). شكلت أطروحة الدكتوراه التي قدمها غرينبرغ نقطة انعطاف تاريخية ليس فقط في مساره العلمي الخاص، بل في منهجيات أبحاث العلاج النفسي العالمية، حيث ابتكر وصاغ فيها ما أصبح يُعرف بـ منهجية تحليل المهام الإكلينيكية (Task Analysis).

تمثل منهجية تحليل المهام نموذجاً استكشافياً وتجريبياً بالغ الدقة مستوحى من خلفيته الهندسية في تحليل العمليات؛ إذ تقوم على تجزئة العملية العلاجية الطويلة إلى “مهام إكلينيكية محددة” يواجه فيها العميل صعوبة نفسية واضحة تسمى “العلامة الإكلينيكية” (Marker)، وتتبع التدخلات الدقيقة التي يقدمها المعالج لحل هذه المهمة للوصول إلى “نهاية المهمة وحلها التكيفي” (Resolution). ومن خلال تفكيك كل لحظة من لحظات الجلسة، تمكن غرينبرغ من التجسير بين صرامة المنهج الهندسي التحليلي والتعقيد الوجداني والظاهراتي للخبرة الإنسانية، متجاوزاً الانطباعات الذاتية العامة التي كانت تهيمن على تقييم العلاجات النفسية الإنسانية والتحليلية.

قام غرينبرغ في هذا البحث التاريخي بتوثيق مئات الساعات من التسجيلات الصوتية والمرئية للجلسات العلاجية، وتفريغها نصياً وتحليل التفاعلات خطوة بخطوة لاستخراج القواعد الدقيقة والمعايير النوعية التي تقود إلى حل النزاعات الداخلية وإنهاء الصراعات النفسية العالقة. لم يعد العلاج النفسي في نظره مجرد فن غامض يعتمد على كاريزما المعالج وحدسه، بل عملية إجرائية دقيقة خاضعة للدراسة العلمية والقياس التجريبي والتكرار التدريبي، مما مهد الطريق لنشوء العلاج المتمركز حول العاطفة على أسس إمبيريقية راسخة لا تقبل الطعن.

2. الروافد النظرية التي شكلت فكر ليزلي غرينبرغ

2.1 العلاج المتمركز حول الشخص ونظرية كارل روجرز

يعد العلاج المتمركز حول الشخص (Person-Centered Therapy) الذي صاغه كارل روجرز (Carl Rogers) أحد أعمق الأعمدة الفكرية التي ارتكز عليها ليزلي غرينبرغ في بناء نظريته. استوعب غرينبرغ بعمق الفلسفة الروجرزية التي تنظر إلى الإنسان بوصفه كائناً يمتلك دافعاً أصيلاً وفطرياً نحو تحقيق الذات والنمو الإيجابي (Actualizing Tendency)، كما تشرب الشروط العلاجية الضرورية والكافية للتغيير كما حددها روجرز، والمتمثلة في التعاطف الدقيق (Empathy)، والأصالة أو التطابق الداخلي للمعالج (Congruence)، والقبول الإيجابي غير المشروط (Unconditional Positive Regard).

إلا أن غرينبرغ، برغم إيمانه العميق بمركزية التحالف العلاجي الإنساني، لم يقف عند حدود الموقف غير التوجيهي الصارم (Nondirective Stance) الذي تميزت به الأرثوذكسية الروجرزية؛ حيث وجد أن مجرد اتباع العميل وتقديم المرآة العاكسة لمشاعره قد يكون غير كافٍ للتعامل مع العقد العاطفية المتكلسة والمخططات الدفينة المحاصرة بالدفاعات. من هنا، أحدث غرينبرغ نقلة نوعية عبر الانتقال من “الموقف غير التوجيهي في المحتوى والعملية” إلى موقف “موجه للعملية ومستكشف للتجربة” (Process-Directive and Experiential)؛ حيث يمنح العميل حرية كاملة في تحديد محتوى معاناته، بينما يتولى المعالج توجيه الانتباه نحو كيفية معالجة المشاعر اللحظية في الجسد ومسار تدفقها النفسي.

تعززت هذه النقلة النوعية من خلال التعاون العلمي الخصب بين ليزلي غرينبرغ والباحثة الرائدة لورا نورث رايس في أواخر السبعينيات؛ حيث قاما معاً بإعادة قراءة التراث الإنساني في ضوء سيكولوجية المعالجة التجريبية للمشاعر. عملا على تطوير مفهوم “التعاطف المثير للاستكشاف” (Evocative Empathy)، والذي لا يكتفي بعكس ما قاله العميل، بل يستخدم لغة مجازية وحسية مكثفة لتحفيز المشاعر الغامضة الواقعة على حافة الوعي الإنساني ومساعدته على تلمسها وتسميتها بدقة متناهية.

2.2 العلاج الجشطالتي وتأثيرات فريتز بيرلز

شكل العلاج الجشطالتي (Gestalt Therapy)، الذي أسسه فريتز بيرلز (Fritz Perls) ولورا بيرلز، الرافد الإكلينيكي الحركي الأكثر حيوية في تكوين منهجية ليزلي غرينبرغ التقنية. أعجب غرينبرغ بقدرة المنهج الجشطالتي على إحياء الصراعات الداخلية المتجمدة وتجسيدها حركياً في مساحة الغرفة العلاجية بدلاً من مجرد الحديث النظري المجرد عنها؛ فالعميل في المنظور الجشطالتي لا يناقش مشكلته في الماضي أو المستقبل، بل يعيشها بكل زخمها الانفعالي والجسدي في “هنا والآن” (Here and Now).

تبنى غرينبرغ التقنيات الجشطالتية الشهيرة، وعلى رأسها تقنية الكرسيين (Two-Chair Technique) لحل الانقسامات والصراعات الذاتية، وتقنية الكرسي الخالي (Empty-Chair Technique) لمعالجة المسائل والنزاعات غير المنتهية مع الآخرين المؤثرين في حياة العميل. ركز غرينبرغ على تتبع التعبيرات غير اللفظية، كتغيرات نبرة الصوت، ولغة الجسد، ووضعيات التنفس، وانقباض العضلات، بوصفها بوابات مباشرة للدخول إلى الانفعالات الحقيقية الدفينة التي يعجز المنطق العقلي عن إدراكها أو الإفصاح عنها بالكلمات العادية.

ومع ذلك، قام غرينبرغ بعملية نقدية وفلترة علمية بالغة الأهمية للتراث الجشطالتي؛ إذ لاحظ أن ممارسات فريتز بيرلز كانت تنطوي في كثير من الأحيان على نزعة مسرحية ومواجهة حادة ومباشرة (Confrontational) قد تزعزع أمان العميل وتعرضه للتراجع الدفاعي أو الهشاشة العاطفية. لذلك، قام غرينبرغ بتجريد هذه التقنيات من شوائبها الفردية، وأعاد صياغتها داخل إطار تعاطفي روجرزي دافئ وآمن، وأخضعها للبحث التجريبي الممنهج عبر تحليل المهام، محولاً الحوار بالكرسيين من أداة استعراضية إلى بروتوكول إكلينيكي محكم قائم على الأدلة والبراهين التجريبية.

2.3 العلوم المعرفية ونظرية النظم الحيوية التطورية

لم يكن فكر ليزلي غرينبرغ ليكتمل لولا استيعابه المعمق للثورة المعرفية ونظريات معالجة المعلومات التي اجتاحت علم النفس في النصف الثاني من القرن العشرين، فضلاً عن انفتاحه المبكر على علوم الأعصاب الوجدانية (Affective Neuroscience) ونظرية النظم البيولوجية التطورية التي قادها علماء بارزون مثل أنطونيو داماسيو (Antonio Damasio)، وجوزيف ليدو (Joseph LeDoux)، وياك بانكسيب (Jaak Panksepp). أدرك غرينبرغ مبكراً أن النماذج الإنسانية الكلاسيكية تفتقر إلى لغة علمية معاصرة تفسر كيفية نشوء المخططات النفسية في الجهاز العصبي المركزي.

استند غرينبرغ إلى البيولوجيا التطورية لفهم العاطفة، مؤكداً أنها ليست مجرد ظاهرة ثانوية، بل هي نظام تقييم تكيفي بدائي وغريزي تطور عبر ملايين السنين لضمان بقاء النوع البشري وازدهاره. فالمشاعر تهيئ الكائن الحي للعمل السريع لمواجهة التهديدات أو اقتناص الفرص قبل أن يتمكن التفكير المعرفي البطيء من إدراك الموقف وتحليله. ومن خلال هذا المنظور، تجاوز غرينبرغ الفجوة التقليدية بين العقل والوجدان؛ إذ رأى أن العاطفة تحتوي في بنيتها الداخلية على إدراك ضمني ومعالجة فائقة للمعلومات المتعلقة بمدى ملاءمة الموقف لاحتياجات الذات الجوهرية.

صاغ غرينبرغ توليفة متميزة بين البنائية الفينومينولوجية (Phenomenological Constructivism) التي ترى أن الإنسان هو من يبني معناه الذاتي للعالم، وبين البيولوجيا العصبية؛ حيث اعتبر أن الهوية الذاتية تنبثق باستمرار من التكامل اللحظي بين الإشارات الفسيولوجية المنحدرة من الجسد والمعالجة المعرفية الفوقية التي تترجم هذه الإشارات إلى لغة وتصرفات، مؤكداً أن الذات لا تبنى بالأفكار وحدها، بل تتشكل عبر طبقات متراكمة من الخبرات العاطفية المتجسدة جسدياً ونفسياً.

3. ولادة العلاج المتمركز حول العاطفة (EFT): السياق والتطور التاريخي

3.1 المرحلة التأسيسية وصياغة النموذج التجريبي الإجرائي (الثمانينيات)

شهد عقد الثمانينيات من القرن العشرين المخاض الفعلي لولادة العلاج المتمركز حول العاطفة؛ فخلال تلك الحقبة، كانت الساحة الإكلينيكية تخضع لسيطرة شبه مطلقة من قبل العلاج السلوكي المعرفي (CBT) بنماذجه المعتمدة على تصحيح التشوهات المعرفية (Cognitive Distortions)، إلى جانب الهيمنة المتجذرة للتحليل النفسي الكلاسيكي والجديد. وفي هذا المناخ، بدأ ليزلي غرينبرغ، بالتعاون مع زملائه المقربين مثل روبرت إليوت (Robert Elliott) ولورا نورث رايس، بنشر الأبحاث والمؤلفات الأولى التي تحدت هذه الهيمنة وأرست ملامح نموذج علاجي رائد ومستقل.

في البداية، أُطلق على هذا التوجه اسم “العلاج الإجرائي التجريبي” (Process-Experiential Therapy)، وذلك لتأكيد ارتكازه على دراسة وتوجيه الإجراءات اللحظية المباشرة للمعالجة النفسية للتجربة المعاشة. ركزت المؤلفات المؤسسة، مثل كتاب “Facilitating Emotional Change” الصادر لاحقاً بالاشتراك بين رايس وإليوت، على وضع بروتوكولات تجريبية تفكك الاستجابات الإنسانية المعقدة وتصف كيفية قيادة العميل من حالة الإعاقة التعبيرية إلى الانفتاح الوجداني وتعديل منظومات التقييم التلقائية المشوهة.

أحدث نشر هذه الدراسات دوياً في الأوساط الأكاديمية؛ إذ قدم غرينبرغ ورفاقه نموذجاً علاجياً متماسكاً يجمع بين الدفء الإنساني العميق والدقة المنهجية التجريبية العالية. واستطاع النموذج أن يثبت أن العواطف ليست عوائق تعرقل سير العقلانية وينبغي كبحها أو إعادة تشكيلها بالأفكار المنطقية، بل هي المحرك الأساسي لأي تغيير معرفي حقيقي ومستدام؛ مما جعل هذا الطرح بديلاً علاجياً جاذباً للممارسين والباحثين الذين شعروا بجمود التقنيات المعرفية وعجزها عن الوصول إلى الجذور الوجدانية الحية لمعاناة المريض.

3.2 التبلور المؤسسي والبحثي في التسعينيات

مع حلول التسعينيات، قرر غرينبرغ إطلاق التسمية الرسمية الأكثر دقة وإشراقاً على نموذجه، وهي العلاج المتمركز حول العاطفة (Emotion-Focused Therapy – EFT)، ليعكس بجلاء أن العاطفة هي البوصلة والهدف والوسيلة الأساسية في العملية العلاجية برمتها. توازى هذا التحول المصطلحي مع خطوات مؤسسية وبحثية استثنائية نقلت النموذج من إطار التجارب المعملية المحدودة إلى واجهة الممارسة الإكلينيكية الدولية المدعومة بالبراهين العلمية القاطعة.

أسس ليزلي غرينبرغ عيادة أبحاث العلاج النفسي (Psychotherapy Research Clinic) في جامعة يورك بتورنتو، والتي سرعان ما تحولت إلى مركز عالمي يستقطب الباحثين والمعالجين من مختلف قارات العالم لدراسة العواطف سريرياً. قاد غرينبرغ في هذه العيادة أولى التجارب السريرية العشوائية المحكومة (Randomized Controlled Trials – RCTs) لمقارنة فعالية العلاج المتمركز حول العاطفة بالعلاجات القياسية الأخرى، وتحديداً في علاج الاكتئاب السريري التكراري (Major Depressive Disorder) وتداعيات الصدمات العلائقية وصعوبات التعبير الوجداني.

أثبتت نتائج هذه التجارب الموثقة في التسعينيات أن العلاج المتمركز حول العاطفة يتفوق في خفض معدلات الانتكاس بعد انتهاء العلاج مقارنة بالعديد من التدخلات المعرفية المجردة؛ حيث أظهرت القياسات التتبعية طويلة المدى أن التعديل البنيوي للمخططات العاطفية يمنح العملاء مناعة نفسية وقدرة ذاتية فائقة على تنظيم المشاعر ومواجهة ضغوط الحياة. وخلال هذه الفترة الذهبية، صاغ غرينبرغ بروتوكولات تدريب أكاديمية محكمة، تتضمن معايير دقيقة لكفاءة المعالج، وكتب أدلة تفصيلية لتشخيص العلامات الانفعالية، مما جعل EFT نموذجاً معترفاً به رسمياً في الأوساط الطبية والأكاديمية العالمية كعلاج تجريبي قائم على الأدلة (Empirically Supported Treatment).

3.3 الانتشار العالمي وتأسيس الجمعية الدولية (ISEFT)

مع مطلع الألفية الجديدة، تخطت حركة العلاج المتمركز حول العاطفة الحدود الكندية والأمريكية الشمالية لتتحول إلى حركة إكلينيكية وبحثية عالمية واسعة النطاق. واستجابة للطلب المتزايد على التدريب والاعتماد الرسمي وتوحيد المعايير العلمية بين مختلف الممارسين في القارات المختلفة، قاد ليزلي غرينبرغ جهود تأسيس الجمعية الدولية للعلاج المتمركز حول العاطفة (International Society for Emotion Focused Therapy – ISEFT)، وتولى قيادتها وتوجيه لجانها التدريبية والعلمية لسنوات طويلة.

شهدت هذه المرحلة انتشاراً ملحمياً لمعاهد ومراكز تدريب EFT المعتمدة في أوروبا (مثل بريطانيا، وألمانيا، وسويسرا، والبرتغال، وهولندا)، وآسيا (بما في ذلك الصين، واليابان، وسنغافورة)، وأستراليا، وأمريكا اللاتينية. لم يعد النموذج مقتصراً على علاج الأفراد فقط، بل شهد تطوراً هائلاً شمل مسارات متعددة ومتخصصة؛ حيث تفرع النموذج إلى:

  • العلاج المتمركز حول العاطفة للأفراد (EFT-I) لمواجهة الاكتئاب، والقلق، والصدمات النفسية.
  • العلاج المتمركز حول العاطفة للأزواج (EFT-C) لمعالجة التباعد العاطفي واستعادة الأمان العلائقي وحل الخيانات.
  • العلاج المتمركز حول العاطفة للأسرة (EFFT) لإصلاح الروابط الوالدية وبناء مساحات الرعاية الداعمة.
  • تطبيقات حديثة متخصصة للتعامل مع اضطرابات الأكل المعقدة، وحالات كرب ما بعد الصدمة المزمنة، واضطراب الشخصية الحدية.

استمرت الجمعية الدولية تحت إشراف غرينبرغ في الحفاظ على النقاء المنهجي للنموذج من خلال فرض برامج تدريب سريري وإشراف حي صارم يعتمد على مراجعة تسجيلات الفيديو للجلسات، مما منح EFT مصداقية أكاديمية ومهنية عززت مكانته كأحد أسرع المدارس العلاجية انتشاراً وتأثيراً في القرن الحادي والعشرين.

4. الأسس المعرفية والبيولوجية للعاطفة في نظرية غرينبرغ

4.1 العاطفة كنظام توجيه تكيفي أساسي

في نظرية ليزلي غرينبرغ، لا يُنظر إلى العاطفة على أنها مجرد شعور عابر، بل تُعرّف على أنها “استعداد فسيولوجي وسلوكي ومعرفي فوري للعمل والتكيف” (Readiness for Action). فالإنسان عندما يختبر عاطفة ما، فإن جهازه العصبي والغددي والجسدي يُعاد تنظيمه في أجزاء من الثانية لإنتاج استجابة حركية بيئية تضمن تلبية احتياجاته التكيفية الأساسية. فالعاطفة في المقام الأول هي لغة الجسد التطورية التي تقيّم الأحداث الخارجية والداخلية وفقاً لمدى تأثيرها الإيجابي أو السلبي على نماء الفرد وأمانه الوجودي.

تؤدي المشاعر دور نظام الإنذار والإرشاد المبكر الذي يبلغ الكائن الحي باحتياجاته الجوهرية قبل أن يبدأ التفكير العقلاني في معالجة الحدث. فالغضب الصحي التكيفي، على سبيل المثال، هو استجابة فطرية مبرمجة لحماية الحدود الشخصية عند التعرض للانتهاك أو التعدي، مما يولد طاقة جسدية تدفع الفرد للدفاع عن نفسه ورفض الظلم. أما الحزن التكيفي فهو استجابة بيولوجية لفقدان شخص أو قيمة غالية، تدفع الكائن للتباطؤ، وإعلان الحاجة إلى الدعم والمواساة، والتخلي عن الارتباط بالأشياء التي لم تعد موجودة. في حين أن الخوف التكيفي يمثل استجابة لحماية البقاء من خطر داهم عبر تفعيل استجابات الهروب أو الاحتماء.

وفقاً لغرينبرغ، فإن المشكلات النفسية المعقدة لا تنشأ من وجود هذه العواطف، بل من محاولة قمعها، أو إنكارها، أو كبتها، أو إساءة فهمها وتشويه مسارها الطبيعي. عندما يتم عزل الفرد عن استجاباته التكيفية الفطرية، فإنه يفقد بوصلته الداخلية التي توجه تصرفاته في الحياة، مما يجعله عاجزاً عن معرفة ما يريده حقاً، أو حماية مساحته الشخصية، أو الاتصال بالآخرين بصورة حميمة وصحية؛ ومن هنا تصبح إعادة الاتصال بهذه العواطف التكيفية الفطرية جوهر عملية الشفاء النفسي.

4.2 مفهوم المخططات الوجدانية (Emotion Schemes)

يعد مفهوم المخططات الوجدانية (Emotion Schemes) حجر الزاوية في نظرية ليزلي غرينبرغ لبناء وتفسير الشخصية والاضطراب النفسي. لا يمثل المخطط الوجداني مجرد فكرة ذهنية أو عاطفة بسيطة، بل هو بنية عصبية ومعرفية وفسيولوجية معقدة وشبكية تختزن في الذاكرة الضمنية غير الواعية، وتنتج التجارب الذاتية اللحظية والاستجابات الانفعالية السريعة عندما يتم استثارتها عبر مثيرات بيئية أو تذكرات داخلية محددة.

تتكون المخططات الوجدانية، بحسب توصيف غرينبرغ الدقيق، من أربعة مكونات بنيوية ديناميكية تتفاعل بشكل لحظي ومستمر:

  1. الإحساس الجسدي والتفاعل الفسيولوجي (Bodily-Physiological Response): ويشمل النبض، ووتيرة التنفس، والشد العضلي، والانقباضات الحشوية (Visceral Sensations) التي تنطلق لحظة تفجر العاطفة.
  2. الاستجابة الحركية والتعبيرية (Motor-Expressive Action): وتتمثل في ملامح الوجه، ونبرة الصوت، ووضعيات الجسد، والنزعة السلوكية الفورية للفعل (مثل الاندفاع للأمام أو الانكماش للوراء).
  3. التقييم المفاهيمي والمعرفي الضمني (Conceptual/Cognitive Appraisal): وهو المعنى التلقائي والسريع الذي يسبغه الدماغ على الموقف (مثل تقييم الموقف بأنه: “أنا مهمل”، “هذا خطير”، “أنا غير محبوب”).
  4. الدافع التكيفي والحاجة الجوهرية (Motivational-Adaptive Need): وهو الدافع الحيوي الكامن في قلب التجربة (مثل الحاجة إلى الأمان، أو الحاجة إلى الانتماء، أو الحاجة إلى التقدير وتوكيد الذات).

تتشكل هذه المخططات عبر تراكم الخبرات العلائقية المبكرة والصدمات النفسية في مراحل الطفولة؛ فعندما ينمو الطفل في بيئة مهملة أو مسيئة، فإن جهازه العصبي ينظم مخططات عاطفية مختلة ومشوهة، بحيث تصبح مثيرات تافهة في الحاضر قادرة على إشعال ذاكرة العار أو الرعب القديمة المخزونة في المخطط الوجداني، مما يجعله يستجيب في الحاضر بمشاعر متفجرة لا تتناسب إطلاقاً مع الواقع الموضوعي.

4.3 التكامل بين المعالجة الانفعالية والمعالجة المعرفية

رفض ليزلي غرينبرغ بشكل قاطع الفلسفة الديكارتية الثنائية التي تقسم الإنسان إلى عقل مفكر ومنفصل عن عاطفة مضطربة ينبغي إخضاعها. وقد استعان في طرحه بأبحاث عالم الأعصاب المعاصر أنطونيو داماسيو مؤلف كتاب Descartes’ Error، مؤكداً أن المعرفة والتفكير لا يمكن أن يعملا بفاعلية أو يقودا إلى قرارات حكيمة دون التغذية المستمرة المستمدة من الإشارات الوجدانية والجسدية (Somatic Markers). فالإدراك السليم، بحسب غرينبرغ، هو “إدراك معتمد على الوجدان” (Affect-Informed Cognition).

تتجلى العملية العلاجية في EFT كمسار ديناميكي لصياغة المعنى الرمزي للخبرة العاطفية وتسمية المشاعر لفظياً (Symbolization and Naming of Emotion). فالمشاعر الغامضة المشحونة جسدياً تبدأ كإحساس داخلي غير متبلور (Felt Sense، بتعبير يوجين جيندلين)، ومهمة العميل بمساعدة المعالج هي نقل هذا الإحساس الجسدي الدفين إلى مستوى الوعي اللفظي والتفكير الانعكاسي (Reflective Awareness). وعندما يتم العثور على الكلمات والرموز الدقيقة التي تصف الشعور الحقيقي بدقة متناهية، يحدث تحول عصبي فوري يشعر فيه العميل بالارتياح والوضوح الذهني العميق.

يتيح هذا الوعي الانعكاسي للفرد إعادة تقييم الرسائل العاطفية وتفكيك الافتراضات السلبية التلقائية؛ فالإنسان لا يجب أن ينجرف وراء كل عاطفة بشكل أعمى، كما لا يجب عليه خنقها. وبدلاً من ذلك، يتعلم العميل كيف “يستمع” إلى الرسالة التكيفية الذكية التي تحملها العاطفة، ثم يستخدم قدراته المعرفية العليا لاختيار السلوك الأكثر نضجاً وملاءمة للواقع. وبهذا يتحقق التكامل العضوي بين العقل والوجدان؛ حيث تصبح العاطفة هي المزود بالمعنى والدافع، بينما يتولى العقل وظيفة التخطيط والتنفيذ الخارجي.

5. تصنيف الاستجابات العاطفية: النموذج التشخيصي لغرينبرغ

5.1 المشاعر الأولية التكيفية (Primary Adaptive Emotions)

يقدم ليزلي غرينبرغ خريطة تشخيصية بالغة العبقرية لتصنيف الاستجابات الانفعالية في العيادة النفسية، معتبراً أن أول واجبات المعالج الماهر هو التمييز الدقيق بين أنواع العواطف لتحديد نوع التدخل المناسب لكل منها. أول هذه الفئات وأهمها هي المشاعر الأولية التكيفية (Primary Adaptive Emotions)، وهي الاستجابات الفطرية البيولوجية المباشرة والأصيلة التي تظهر بشكل تلقائي ومتطابق كرد فعل فوري لموقف موضوعي حالي في البيئة.

تتسم هذه المشاعر بأنها تزول بمجرد زوال الموقف أو بمجرد إدراك الرسالة الكامنة فيها وتلبية الحاجة المرتبطة بها؛ ومن أبرز أمثلتها الإكلينيكية:

  • الحزن الأولي التكيفي الناتج عن فقدان شريك حياة أو صديق عزيز، وهو حزن طبيعي ومطهر يسمح بمعالجة الألم وإعادة التأقلم مع الواقع.
  • الغضب الأولي الحامي الذي يثور في وجه الإساءة والظلم، والذي يمنح الفرد القوة لفرض حدوده والانسحاب من العلاقات السامة.
  • الخوف الأولي الصحي عند الوقوع في مأزق مهدد للحياة، والذي يدفع الفرد لإنقاذ نفسه.
  • الفرح الأولي والاتصال العميق عند تحقيق نجاح أو الالتقاء ببيئة داعمة ومحبة.

في الغرفة العلاجية، لا يسعى المعالج إلى تغيير هذه المشاعر أو تعديلها بأي حال من الأحوال؛ بل على العكس تماماً، يعمل المعالج على مساعدة العميل للوصول إليها (Accessing)، وتذوقها، والبقاء معها في الحاضر، واستخراج الدافع التكيفي والحكمة العميقة الكامنة فيها. يرى غرينبرغ أن هذه المشاعر الأولية التكيفية تمثل أعظم مورد داخلي يمتلكه الإنسان لتحقيق الشفاء والتحول الذاتي والنمو النفسي المستدام.

5.2 المشاعر الأولية غير التكيفية (Primary Maladaptive Emotions)

الفئة التشخيصية الثانية في نموذج غرينبرغ هي “المشاعر الأولية غير التكيفية” (Primary Maladaptive Emotions). وهي استجابات انفعالية مباشرة وأصيلة أيضاً، لكنها ليست مبنية على الموقف الحالي، بل هي نتاج “مخططات وجدانية قديمة وعالقة” تشكلت جراء الصدمات النفسية المتكررة في الطفولة، أو تجارب التعلق السيئة، أو الإساءات الجسدية والمعنوية المزمنة. تتميز هذه المشاعر بأنها تتفجر كرد فعل أولي وتلقائي للمواقف الحالية، لكنها لا تخدم أي وظيفة تكيفية على الإطلاق، بل تعيد إنتاج الألم والعجز والعزلة.

من الأمثلة السريرية الأكثر انتشاراً وخطورة لهذه الفئة:

  • العار الجوهري السام (Core Toxic Shame): وهو الشعور الداخلي العميق والمزمن بأن “أنا شخص معيب، فاسد، وغير جدير بالحب”، والذي يتفجر لمجرد تعرض الشخص لنقد بسيط أو نظرة عابرة.
  • الخوف غير التكيفي من الهجر (Fear of Abandonment): وهو الذعر المرعب من الوحدة الناتج عن إهمال الوالدين في الطفولة، والذي يجعله يتمسك بعلاقات مهينة أو ينفجر هستيرياً عند تأخر شريكه في الرد على مكالمة هاتفية.
  • الشعور بالعجز واللاجدوى المكتسب: الإحساس التلقائي بالشلل والانهيار عند مواجهة أي تحدٍ في الحياة.

تكمن المعضلة الإكلينيكية في أن هذه المشاعر لا يمكن التخلص منها بمجرد الهروب منها أو تقديم النصائح المعرفية الإيجابية. ولذلك وضع غرينبرغ قاعدته الإكلينيكية الذهبية: يجب تنشيط المشاعر الأولية غير التكيفية واستحضارها داخل الجلسة أولاً حتى يتمكن الجهاز العصبي من معايشتها، ثم تفكيكها وإعادة هيكلتها واستبدالها بمشاعر تكيفية أخرى بديلة.

5.3 المشاعر الثانوية التفاعلية والمشاعر الوسيلية

يقسم غرينبرغ المشاعر المتبقية إلى فئتين مضللتين غالباً ما تحتلان المشهد الخارجي للعميل وتخفيان خلفهما الحقيقة العاطفية الأعمق؛ الفئة الأولى هي “المشاعر الثانوية التفاعلية” (Secondary Reactive Emotions). وهي مشاعر تظهر كرد فعل دفاعي أو استجابة انفعالية لمشاعر أولية لم يستطع العميل احتمالها أو التعبير عنها، وغالباً ما تكون محكومة بالقواعد الثقافية أو الأسرية المقيدة.

أبرز مثال سريري على المشاعر الثانوية هو استخدام الغضب المفرط والعدوانية للتغطية على مشاعر الخوف والضعف والألم والعار الأولي؛ حيث يجد بعض الرجال، في ظل القوالب الاجتماعية الجندرية، أن إظهار الغضب أسهل بكثير من الاعتراف بالحزن أو الخوف من الانكسار. وعلى العكس من ذلك، قد تستخدم بعض النساء نوبات البكاء المستمر والاكتئاب السلبي (مشاعر ثانوية) للتغطية على غضب أولي دفين ومحرم اجتماعياً التعبير عنه. هذه المشاعر الثانوية لا تؤدي إلا إلى تعقيد الموقف ودخول العميل في حلقة مفرغة من المشاعر الدائرية التي تستنزف طاقته دون أن توفر أي حل حقيقي.

أما الفئة الرابعة فهي “المشاعر الوسيلية أو الذرائعية” (Instrumental Emotions)، وهي انفعالات واعية أو غير واعية يمارسها العميل بهدف التأثير على الآخرين، أو التلاعب بمواقفهم، أو انتزاع مكاسب ثانوية محددة. ومن أمثلتها الشهيرة استخدام “دموع التماسيح” لابتزاز الطرف الآخر عاطفياً ودفعهم للشعور بالذنب، أو إظهار العجز المفتعل لإجبار الآخرين على تحمل المسؤولية عنه، أو إظهار غضب استعراضي لترهيب الخصوم. مهمة المعالج هنا هي تفكيك هذه المناورات بحذر ولطف، وتجاوز الدفاعات الثانوية والمشاعر الوسيلية لمساعدة العميل على الغوص عميقاً للوصول إلى النواة الشعورية الأولية الحقيقية.

6. آليات التغيير الإكلينيكي: تغيير العاطفة بالعاطفة

6.1 المبدأ الجوهري: ‘لا يمكن مغادرة مكان لم تدخله أولاً’

يمثل المبدأ الأيقوني الذي صاغه ليزلي غرينبرغ: “لا يمكنك مغادرة مكان لم تدخله أولاً” (You cannot leave a place until you get there)، الفلسفة الجوهرية والمدخل العملي الأبرز لكامل مشروع العلاج المتمركز حول العاطفة. يحمل هذا المبدأ تحذيراً إكلينيكياً صارماً من مخاطر المعالجة الفكرية السطحية (Intellectualization) والتنظير المجرد لمشاكل الحياة؛ فالكثير من العملاء يأتون إلى الجلسات العلاجية وهم قادرون على سرد تاريخهم الصادم ببرود معرفي تام، محاولين إقناع المعالج بأنهم يفهمون كل مشكلاتهم منطقياً، لكنهم يظلون يعانون من نفس الأعراض المرضية لعقود.

يرى غرينبرغ أن الفهم المعرفي المجرد لا يمتلك في حد ذاته القوة العصبية الكافية لفك ارتباطات الدماغ القديمة بالمشاعر السلبية؛ ولكي يتغير المخطط الوجداني المريض، لا بد من “إعادة تنشيطه حياً” في الجسد والمشاعر داخل اللحظة الحالية للجلسة. يعني ذلك أن العميل الذي يعاني من العار السام أو الخوف من النبذ لا بد أن يُشجَّع بلطف وأمان على استحضار مشاعر الخزي أو الألم الحارقة، ولمس تلك البقعة النفسية المؤلمة بدلاً من الهروب منها أو تخديرها بالتفكير المنطقي؛ إذ إن الدخول الشجاع في المعاناة العاطفية الأولية هو الشرط العصبي والبيولوجي الإجباري الوحيد لتفكيكها وتجاوزها.

ومع ذلك، يؤكد غرينبرغ على أهمية التحكم الدقيق في درجات الاستثارة العاطفية وتنظيمها (Arousal Regulation)؛ فالدخول إلى التجربة لا يعني أبداً تعريض العميل للغرق الانفعالي (Flooding) أو إعادة الصدمة (Retraumatization) بحيث يفقد قدرته على التماسك المعرفي. كما لا يعني تركه في حالة من التبلد والانفصال الشعوري (Dissociation). إن المعالج الماهر يضبط “نافذة التحمل العاطفي” للعميل بدقة، بحيث تكون التجربة ساخنة بما يكفي لتفعيل المخطط الوجداني، وآمنة بما يكفي لمعالجته وتعديله بطريقة تكيفية جديدة.

6.2 إلغاء وتعديل المشاعر غير التكيفية بمشاعر تكيفية بديلة

يقدم ليزلي غرينبرغ نظريته الثورية التي تميزه عن كافة النماذج السلوكية والمعرفية والتحليلية: “لا يمكن التغلب على عاطفة إلا بواسطة عاطفة أخرى” (Transforming Emotion with Emotion). فالأفكار المعرفية المنطقية لا تستطيع محو العاطفة العميقة المشحونة بالصدمات؛ فالعار السام والعميق لا يزول بمجرد إقناع الشخص لنفسه بأنه يمتلك مهارات جيدة، والشعور المزمن بالذنب لا يتلاشى بالأدلة المنطقية العقلية؛ العاطفة وحدها هي الكيان النفسي والبيولوجي القادر على محو وإلغاء وتعديل مسار عاطفة أخرى مناقضة لها في النظام العصبي.

يتحقق هذا التحول الإكلينيكي عبر إشعال واستدعاء مشاعر أولية تكيفية جديدة لمواجهة المشاعر الأولية غير التكيفية العالقة:

  • مواجهة العار بالغضب التكيفي المؤكد للذات: عندما يغوص العميل في عاره السام الذي جعله يعتقد أنه مستحق للإهانة من والديه المسيئين، يساعده المعالج على اكتشاف غضبه التكيفي الحامي لحدوده، ليعلن بصوت حازم: “أنا لم أكن أستحق تلك المعاملة! ما فعلتموه بي كان ظلماً وجريمة!”. هذا الغضب التكيفي يمحو العار السام في التو واللحظة، ويعيد بناء الكرامة الشخصية من رماد الانهيار.
  • مواجهة الخوف واليأس بالتعاطف الذاتي والحزن التكيفي: يتم تفكيك مشاعر اليأس المزمن والانهيار الداخلي عبر تفعيل مشاعر التعاطف الذاتي العميق (Self-Compassion)، وتفجير الحزن الصحي على الطفولة الضائعة والحاجات التي لم تُلبَّ، مما يغسل النفس بالدموع التطهيرية وينهي دورة الإنكار والجمود.

تجد هذه الآلية العلاجية سنداً تجريبياً حاسماً في أحدث اكتشافات العلوم العصبية المتعلقة بظاهرة إعادة توطيد الذاكرة (Memory Reconsolidation)؛ حيث ثبت أن استحضار الذكريات الصادمة وتنشيطها يجعلها في حالة رخوة وقابلة للتعديل لفترة وجيزة، وإذا تم في هذه النافذة الزمنية إدخال تجربة عاطفية جديدة مناقضة للتجربة القديمة، فإن الدماغ يقوم بإعادة حفظ الذاكرة الصادمة في قوالبها الجديدة بعد محو شحنتها الانفعالية السلبية المدمرة.

6.3 التنظيم الذاتي للعواطف وإعادة بناء السردية الشخصية

لا تتوقف العملية العلاجية في العلاج المتمركز حول العاطفة عند حدود تفكيك المشاعر السلبية القديمة وتوليد المشاعر البديلة، بل تمتد لتشمل تمكين العميل من امتلاك مهارات “التنظيم الذاتي للعواطف” (Emotion Self-Regulation)، وتوسيع نافذة تحمله النفسي والجسدي للاستثارات المستقبلية. يتعلم العميل كيف يتنفس بعمق وسط عواصف القلق، وكيف يهدئ نظامه العصبي المستثار ذاتياً (Self-Soothing)، وكيف يبتعد خطوة إلى الوراء ليتأمل مشاعره دون رعب أو اندفاع عدواني.

تتكامل هذه المهارات التنظيمية مع عملية محورية أخرى تتمثل في “إعادة بناء السردية الشخصية” (Narrative Reconstruction) وصياغة معنى جديد للحياة والذات. فالإنسان، كما يصفه غرينبرغ، كائن يروي القصص عن نفسه ويستمد هويته من تلك الحكايات التي ينسجها في خياله؛ وغالباً ما يدخل العميل العيادة وهو يحمل سردية انهزامية مظلمة مفادها: “أنا فاشل، كل علاقاتي محكوم عليها بالخراب، وأنا عاجز عن حماية نفسي”.

من خلال التجارب العاطفية الحية المكتشفة داخل الجلسات، تبدأ هذه السردية المشوهة بالتفكك لتحل محلها قصة جديدة كلياً تعتمد على الحقائق والاحتياجات التكيفية التي تحررت؛ فيصبح السرد الجديد: “لقد تعرضت لأذى وظلم شديدين في طفولتي، وعانيت طويلاً لحماية نفسي، لكنني اليوم إنسان ناضج وشجاع، أمتلك صوتاً، وأستطيع أن أضع حدوداً، وأستحق أن أُحَب وأُحترم”. هذا التحول السردي المدعوم بالطاقة الانفعالية الحقيقية ليس مجرد تفاؤل سطحي، بل هو ترسيخ لهوية جديدة متماسكة تترجم فوراً في علاقات وسلوكيات وقرارات واقعية متزنة في العالم الخارجي.

7. العلامات الإكلينيكية والمهام العلاجية (Markers and Tasks)

7.1 حوار الكرسيين وعلاج الانقسام الداخلي (Conflict Splits)

تمثل تقنية حوار الكرسيين (Two-Chair Dialogue) إحدى أكثر المهام الإكلينيكية شهرة وصرامة في منهجية ليزلي غرينبرغ، وهي مخصصة لمعالجة ما يسميه بـ “علامة الانقسام الداخلي أو انقسام الصراع” (Conflict Split Marker). تظهر هذه العلامة عندما يعبر العميل عن انشطار وجداني بين جزأين من ذاته، كأن يقول بمرارة: “جزء مني يريد بشدة المضي قدماً وبدء مشروع جديد، لكن جزءاً آخر بداخلي يسخر مني وينعتني بالفاشل ويجعلني مشلولاً من الخوف”.

عند ظهور هذه العلامة، لا يلجأ المعالج إلى المناقشة المنطقية، بل يوجه العميل فوراً إلى تقسيم هذين الجزأين المتصارعين وتجسيدهما على كرسيين متقابلين في الغرفة العلاجية وفق خطوات تحليل المهمة الإجرائية:

  1. تجسيد الجزء الناقد (Top-Dog/Critic): يجلس العميل على الكرسي الأول ليمثل ذلك الصوت القاسي الذي يوجه اللوم والتحقير لنفسه، ويتحدث بصيغة المخاطب إلى الكرسي المقابل: “أنت غبي وكسول ولن تحقق أي شيء!”.
  2. تجسيد الذات الخاضعة المتلقية للنقد (Experiencing Self): ينتقل العميل إلى الكرسي الثاني ليشعر بالضربات العاطفية الناتجة عن هذا النقد القاسي، ويصف جسدياً كيف يجعله ذلك الصوت يشعر بالانكماش، والعار، والانهيار التام.
  3. استدعاء الغضب التكيفي والاعتزاز بالذات: في هذه اللحظة الحاسمة، يساعد المعالج العميل في الكرسي المتلقي للنقد على الخروج من الاستسلام، والوقوف في وجه الناقد بقوة: “لن أسمح لك بإهانتي بعد اليوم! لقد فعلت أفضل ما لدي، وصوتك هذا لا يفعل شيئاً سوى تدميري!”.
  4. تليين الموقف الناقد (Softening of the Critic): ينتقل العميل مجدداً لكرسي الناقد، وفي هذه المرحلة يحدث “التليين”، حيث يتخلى الصوت القاسي عن عدوانيته، ويكشف عن خوفه الكامن: “أنا لم أكن أريد تدميرك، كنت مرعوباً فقط من أن تفشل ويسخر منك الناس كما حدث لنا في الصغر”.
  5. التكامل والاندماج الداخلي (Integration): ينتهي الحوار بجلوس العميل في وضعية متصالحة تدمج بين حماية الذات وتوكيدها دون الحاجة إلى اللوم والتدمير الذاتي.

7.2 حوار الكرسي الخالي لإنهاء المسائل العالقة (Unfinished Business)

تعتبر مهمة حوار الكرسي الخالي (Empty-Chair Dialogue) التدخل الجوهري لمعالجة “علامة المسائل غير المنتهية” (Unfinished Business Marker). تظهر هذه العلامة عندما يبدي العميل ضغينة دفينة، أو حزناً غائراً، أو استياءً مزمناً تجاه شخصية محورية أثرت في حياته بشكل مؤلم؛ كأب مسيء، أو أم نرجسية مهملة، أو شريك حياة سابق خائن، بحيث يستمر هذا الألم القديم في تلويث علاقاته الحاضرة وإعاقته عن التمتع بحياته.

يقوم المعالج بدعوة العميل لتخيل وجود هذا الشخص المعني جالساً أمامه على الكرسي الخالي، ويبدأ بتوجيه العميل للتحدث مباشرة إليه في الحاضر بدلاً من مجرد الحديث “عنه” بصيغة الغائب. تتطور مهمة الكرسي الخالي عبر مراحل إجرائية عميقة تشمل التعبير عن الغضب المكبوت والاحتجاج الحازم على الأذى الذي تعرض له العميل، ثم الانتقال إلى الكشف عن الاحتياجات الجوهرية غير الملباة التي كان الطفل أو الشخص يحتاجها من ذلك الطرف (مثل: “كنت أحتاج فقط إلى أن تراني، أن تشعر بي، أن تحتضنني بدلاً من أن تسحقني بكلماتك”).

في ذروة المعالجة، يمر العميل بمرحلة تفكيك المشاعر السلبية عبر استدعاء الحزن التطهيري على ما فات ولم يتحقق، مما يقوده إما إلى “المسامحة الأصيلة” (Forgiveness) المبنية على فهم إنسانية الطرف الآخر وهشاشته دون تبرير خطئه، أو الوصول إلى “الفصل والتمايز الصحي” (Letting Go and Healthy Detachment)؛ حيث يدرك العميل أنه لا يستطيع تغيير الماضي ولا يستطيع تغيير ذلك الشخص، لكنه يعلن تحرره الكامل من سلطته الروحية وسحب استثماره العاطفي فيه للمضي قدماً في حياته الحرة المستقلة.

7.3 التدخلات الموجهة لتنظيم المشاعر والصدمات العاطفية

بالإضافة إلى حوارات الكراسي، طور ليزلي غرينبرغ مجموعة واسعة من المهام والتدخلات الإكلينيكية الموجهة بدقة للتعامل مع علامات الضعف، والصدمات النفسية، والإغراق الوجداني، وعقد الذنب المعقدة؛ ومن أبرز هذه المهام:

  • التركيز الداخلي للشعور المحسوس (Focusing on Felt Sense): عند ظهور علامة “المشاعر الغامضة وغير الواضحة”، حيث يشعر العميل بانقباض في صدره أو بطنه دون معرفة سببه، يقود المعالج تدخلاً مستوحى من منهج يوجين جيندلين، لمساعدة العميل على البقاء صامتاً مع الإحساس الجسدي وتلمس حدوده اللفظية حتى يتكشف المعنى الدفين وراءه.
  • التدخلات التهدئية للضعف والإغراق (Soothing and Vulnerability Interventions): عند ظهور علامة “الإغراق العاطفي” أو الشعور بالهشاشة الرخوة والانهيار، يتخلى المعالج عن أي تقنيات حركية، ويتحول إلى تقديم حضور دافئ، وتنظيم تنفس العميل، واستخدام لغة تلطيفية عميقة توفر “احتواءً أمومياً/أبوياً تعويضياً” يساعد الجهاز العصبي على استعادة توازنه.
  • حل عقدة الذنب الوجودي وإصلاح الجراح العلائقية: تدخلات مخصصة لمساعدة الناجين من الصدمات والخيانات على التمييز بين المسؤولية الحقيقية والشعور الزائف بالذنب الناتج عن استبطان لوم المعتدين، وتطهير الذات من إرث المعاناة عبر البكاء التشاركي وإعادة ترسيخ الحدود النفسية الآمنة.

8. التحالف العلاجي والحضور الوجداني عند ليزلي غرينبرغ

8.1 الحضور العلاجي (Therapeutic Presence)

يرى ليزلي غرينبرغ، بالاشتراك مع الباحثة شاري غيلر (Shari Geller)، أن التقنيات الإكلينيكية الأكثر براعة، كحوارات الكراسي وتحليل المخططات، تفقد كل فاعليتها وتتحول إلى مجرد مناورات شكلية جوفاء إذا لم تكن مغلفة بما يسمى الحضور العلاجي (Therapeutic Presence). يُعرّف الحضور العلاجي بأنه حالة من الوعي والاستغراق الشامل بكل الكيان (الجسد، والقلب، والعقل) يكون فيها المعالج متاحاً بالكامل للعميل في “هنا والآن”، متجرداً من شواغله الذاتية ونظرياته المسبقة وتوقعاته الشخصية.

يتطلب هذا الحضور صفاءً ذهنياً فائقاً واستقراراً انفعالياً لدى المعالج، يمكنه من احتواء التجارب الصادمة والآلام الحارقة التي يفرغها العميل في الغرفة العلاجية دون أن يصاب المعالج بالذعر، أو يندفع لتقديم نصائح سريعة واهية للهروب من التوتر، أو يلجأ إلى التفسيرات الفوقية لحماية نفسه من الألم التشاركي. الحضور العلاجي يعني أن يكون المعالج “مرتكزاً في جسده، منفتحاً في مشاعره، متيقظاً بوعيه”، مما يخلق بيئة أمان نفسي بالغة العمق يجرؤ فيها العميل لأول مرة على إسقاط أقنعته الدفاعية ومواجهة أشد مخاوفه خفاءً.

يؤكد غرينبرغ أن حضور المعالج بهذه الطريقة يرسل إشارات بيولوجية عصبية مهدئة إلى الجهاز العصبي للمسترشد، وهي آلية يفسرها الباحث ستيفن بوجيز في النظرية العصبية المتعددة المبهمة (Polyvagal Theory)؛ حيث إن النظرة الدافئة، ونبرة الصوت المطمئنة، والهدوء الفسيولوجي للمعالج تستحث العصب المبهم البطني لدى العميل، مما يخرجه من حالة الدفاع التطورية (القتال أو الهروب) إلى حالة الأمان والاتصال الاجتماعي، وهي البيئة الوحيدة التي يمكن فيها إعادة تشكيل الدوائر العاطفية في المخ.

8.2 الرنين الوجداني والتوافق الدقيق (Affective Attunement)

يتجاوز التحالف العلاجي في منظور غرينبرغ مجرد الاستماع المهذب أو إظهار الود العام، ليرتقي إلى مستوى “الرنين الوجداني والتوافق الدقيق” (Affective Attunement and Resonance). في هذه الحالة، يتناغم المعالج حسياً ولفظياً وبصرياً مع الإيقاع الداخلي للعميل؛ فيتنفس معه، ويتطابق مع نبرة صوته وسرعة تدفق كلماته، ويلتقط التذبذبات الميكروسكوبية في ملامح وجهه وحركات عينيه وتوتر شفتيه.

يستخدم المعالج في هذا السياق “الاستجابات التعاطفية المركبة” (Empathic Responding)، والتي تتدرج من الانعكاس البسيط إلى “التعاطف الاستكشافي والتأكيدي”؛ حيث يقدم المعالج تخمينات لطيفة ومعمقة تصف المشاعر التي يوشك العميل على لمسها ولكنه يعجز عن التعبير عنها؛ كأن يقول المعالج بصوت دافئ وخافت: “أسمع أنك تقول أن الأمر عادي، لكنني أرى شفتيك ترتجفان، وأشعر وكأن وراء هذا الهدوء طفلاً صغيراً مرعوباً يصرخ من أجل المساعدة.. هل هذا ما يحدث بداخلك الآن؟”.

كما يعطي غرينبرغ أهمية قصوى لعملية “إصلاح التصدعات الحتمية في التحالف العلاجي” (Alliance Rupture and Repair)؛ فمن الطبيعي أن يُساء فهم العميل في لحظة ما، أو أن يقدم المعالج تدخلاً لا يتطابق مع رغبة المسترشد. لا يعتبر غرينبرغ هذا التصدع فشلاً علاجياً، بل يراه كنزاً إكلينيكياً وفرصة نادرة للتعلم؛ حيث يتم استكشاف ما حدث في التو واللحظة، والاعتراف به بشجاعة، واحتواء غضب العميل أو خيبة أمله؛ مما يقدم للعميل تجربة علائقية تصحيحية مدهشة تثبت له أن الصراع مع الآخرين لا يعني بالضرورة نهاية العلاقة أو التدمير المتبادل.

8.3 العميل كخبير بتجربته والمعالج كخبير بالعملية

ترتكز الفلسفة الإنسانية للعلاج المتمركز حول العاطفة على مبدأ التكافؤ الوجودي التام والابتعاد الجذري عن الموقف الطبي الفوقي الأبوي (Authoritarian Medical Stance)؛ فالمعالج في نظر غرينبرغ لا يشغل منصب الحكيم العليم الذي يمتلك التشخيصات والتأويلات الجاهزة ليسقطها على عقل المريض ويفسر له سلوكه من برج عاجي. بل يتم تحديد الأدوار في الجلسة وفق صيغة تشاركية متوازنة:

  • العميل هو الخبير المطلق بتجربته المعاشة: فهو الوحيد الذي يعلم كيف يشعر، وما هو التاريخ الحقيقي لمعاناته، وما هي المشاعر التي تطابق واقعه الداخلي، وهو صاحب السيادة الكاملة على سرعة وعمق كشف المشاعر.
  • المعالج هو الخبير بمسار العملية الإجرائية (Process Expert): مهمته ليست إملاء ما يجب أن يشعر به العميل، بل توفير الهيكل الإجرائي، ومراقبة العلامات، واقتراح المهام، وإرشاد بوصلة الاستكشاف الداخلي.

يتجلى هذا المبدأ في الصياغات الإكلينيكية الحذرة التي يستخدمها ممارسو EFT؛ حيث يطلب المعالج الإذن دائماً قبل البدء بأي تدخل تجريبي: “أرى أن هناك صراعاً كبيراً يدور بداخلك الآن، هل يناسبك أن نجرب تمثيل هذا الصراع على هذين الكرسيين لنرى ما يحدث؟ ولك كامل الحق في التوقف إذا شعرت أن الأمر يفوق طاقتك”. هذا الاحترام لسيادة العميل يعيد بناء قدرته على التحكم الذاتي واستعادة الثقة في قراراته ومشاعره بعد أن سلبته الصدمات والاضطرابات السابقة تلك الثقة.

9. تطبيقات العلاج المتمركز حول العاطفة على الاضطرابات النفسية الفردية

9.1 بروتوكول علاج الاكتئاب السريري وفق EFT

قدم ليزلي غرينبرغ مساهمة استثنائية في فهم وعلاج الاكتئاب السريري (Clinical Depression)، مجرداً إياه من النظرة الاختزالية التي تراه مجرد خلل كيميائي أو مجرد تشوه معرفي في التفكير السلبي. يرى غرينبرغ في الاكتئاب “حالة انهيار وتنظيم دفاعي فاشل ناتج عن قمع وإسكات المشاعر الأولية التكيفية لزمن طويل، تحت وطأة سيطرة مفرطة ومدمرة من الناقد الداخلي المستبطن”. فالشخص المكتئب هو شخص استسلم في نهاية المطاف للصوت القاسي الذي يخبره بأنه فاشل ولا جدوى من محاولاته، فانسحب انفعالياً وتجمد جهازه العصبي لتجنب المزيد من الألم.

يرتكز بروتوكول EFT لعلاج الاكتئاب على الخطوات المتتالية التالية:

  1. تحديد النقد الذاتي القاسي واللوم التلقائي عبر رصد علامات الانقسام الداخلي وتجسيدها عبر حوار الكرسيين.
  2. تفكيك حالة العجز والتبلد السلبي بالوصول إلى “العار والضعف الأولي” الكامن تحت ذلك النقد.
  3. استدعاء “الغضب الوقائي التكيفي” ضد الصوت الناقد المكتسب غالباً من الوالدين أو المجتمع، لكسر شوكة اللوم الذاتي.
  4. تحويل مشاعر العجز إلى “حزن تكيفي فاعل” على الخسارات المتراكمة، وهو ما يسمح بتدفق المشاعر وتذويب الجمود البيولوجي.
  5. تسهيل التعاطف مع الذات وإعادة بناء سردية قائمة على التقدير الشخصي والحيوية الحركية.

أثبتت الدراسات المقارنة العديدة التي قادها غرينبرغ في جامعة يورك تفوق نموذج EFT على العلاج السلوكي المعرفي التقليدي في استدامة التحسن بعد انتهاء الجلسات؛ حيث سجل عملاء EFT انخفاضاً ملحوظاً في معدلات الانتكاس الاكتئابي مقارنة بنظرائهم في CBT، لأن EFT لا يعلم المريض كيف يتجادل منطقياً مع فكرته السلبية فحسب، بل يغير التربة الوجدانية والمخطط العصبي الذي يغذي تلك الأفكار من جذورها.

9.2 التعامل مع اضطرابات القلق ونوبات الهلع

في مقاربة ليزلي غرينبرغ لاضطرابات القلق المتعمم (GAD)، ونوبات الهلع، والقلق الاجتماعي، يُنظر إلى القلق في الغالب على أنه “عاطفة ثانوية تفاعلية مفرطة” تخفي وراءها خوفاً أولياً غير معالج من الضعف، أو الهجر، أو التدمير الوجودي، أو رعباً مكبوتاً من مشاعر أخرى محرمة كالغضب أو العار. فالشخص القلق يقضي حياته في حالة توجس دائم واجترار معرفي (Worrying and Rumination) كمحاولة يائسة من العقل لتوقع الكوارث وتجنب اختبار الشعور بالرعب والانهيار الفعلي المخزون في الذاكرة الجسدية.

يهدف التدخل الإكلينيكي في EFT إلى مساعدة العميل على إيقاف محاولات الهرب وتجنب المشاعر؛ فبدلاً من التركيز على تمارين الاسترخاء العضلية السطحية للهروب من القلق، يُشجع العميل على البقاء الحاضر والواعي مع أحاسيس القلق في الجسد (تسارع النبض، جفاف الحلق، ضيق التنفس). ومن خلال هذا الاحتواء الآمن، يتم سبر أغوار القلق للوصول إلى السؤال المحوري: “ما هو الشيء المروع حقاً الذي تخاف منه لو توقفت عن القلق الآن؟”.

يقود هذا الاستكشاف العميل إلى كشف الخوف الأولي الكامن، وغالباً ما يكون إحساساً عميقاً بالهشاشة وانعدام الأمان في هذا العالم الواسع. وهنا يتدخل المعالج بتفعيل “موارد الأمان الداخلي والتهدئة الذاتية”، ومساعدة العميل على مواجهة هذا الخوف عبر استحضار تجارب القوة، أو الدعم العلائقي، أو الغضب التكيفي الذي يرفض العيش في سجن الترقب؛ مما يخمد النشاط المفرط للجهاز العصبي الودي، ويعيد التوازن للنظام الوجداني دون حاجة لآليات التجنب القهرية.

9.3 علاج الصدمات النفسية المعقدة واضطرابات الشخصية

حقق العلاج المتمركز حول العاطفة نجاحات مشهودة في التعامل مع اضطراب كرب ما بعد الصدمة المعقد (C-PTSD) والناجين من الإساءات والاعتداءات الجنسية والجسدية في الطفولة، إلى جانب علاج اضطراب الشخصية الحدية (Borderline Personality Disorder). ينطلق غرينبرغ في هذا المضمار من حساسية فائقة لمخاطر استثارة الصدمة، ولذلك يعتمد على بروتوكول الوصول المتدرج والآمن للمشاعر (Gradual Exposure and Titration).

يركز العمل الإكلينيكي على معالجة “العار السام الصدمي” الذي زرعه الجناة في وجدان الضحية، حيث يشعر الناجي بأنه شخص ملوث ومدنس ويستحق ما حدث له. يعمل EFT على تحرير الضحية من هذا العار المدمر عبر استحضار حوار الكرسي الخالي لمواجهة الجاني الحقيقي، وتفريغ طاقة الغضب الأولي التكيفي المحروم تاريخياً من الانطلاق، وتحميل الجاني المسؤولية الأخلاقية والجنائية الكاملة للانتهاك، مما ينزع العار عن كاهل الضحية ويعيد بناء إحساس طاهر ومتماسك بالذات والهوية.

أما في حالات الشخصية الحدية التي تعاني من تقلبات انفعالية حادة وتناوب بين الغضب والانهيار، يتم تكييف تدخلات EFT لتركز في المقام الأول على “التنظيم العاطفي والبناء الآمن” قبل تفعيل أي تقنيات استكشافية متقدمة؛ حيث يتعلم المريض تسمية حالاته الانفعالية بدقة، والتعرف على المثيرات اللحظية التي تفجر ذعر الهجر لديه، واستبدال الاستجابات الاندفاعية المؤذية للجسد بمهارات تهدئة واحتواء ذاتي مستمدة من التحالف العلاجي المتين.

10. إسهامات غرينبرغ في العلاج الزواجي: العلاج المتمركز حول العاطفة للأزواج (EFT-C)

10.1 التعاون التأسيسي مع سوزان جونسون (Sue Johnson)

في أوائل ثمانينيات القرن العشرين، وضع ليزلي غرينبرغ الأساس لثورة موازية في حقل علاج العلاقات، حين أشرف في جامعة كولومبيا البريطانية (UBC) على أطروحة الدكتوراه لطالبته المتميزة آنذاك سوزان جونسون (Sue Johnson). انطلق هذا التعاون التاريخي من رغبة مشتركة في إنقاذ العلاج الزواجي من مستنقع التدخلات السلوكية الضيقة؛ حيث كان السائد وقتها هو تعليم الأزواج مهارات التفاوض وحل النزاعات كأنهم يديرون صفقة تجارية، وهو ما كان يفشل فشلاً ذريعاً عندما تشتعل العواطف الحارقة للخصام.

صاغ غرينبرغ وجونسون معاً النموذج الأولي لـ “العلاج المتمركز حول العاطفة للأزواج” (Emotionally Focused Couples Therapy)، من خلال دمج النظرية الإنسانية التجريبية ونظرية النظم الأسرية مع الأفكار الرائدة لنظرية التعلق البشري (Attachment Theory) التي وضعها جون بولبي (John Bowlby). رأى الباحثان أن الخلافات الزوجية المحتدمة ليست خلافات حول الأموال أو الأعمال المنزلية، بل هي “صرخات رعب وتعلق يائسة” تنبع من انعدام الأمان العاطفي والخوف من فقدان الاتصال بالشريك.

توج هذا التعاون التأسيسي بنشر كتابهما المرجعي الكلاسيكي في عام 1988 بعنوان: “The Emotionally Focused Approach to Couples Therapy”. حقق الكتاب صدى علمياً هائلاً وغير وجه العلاج الأسري والزواجي في العالم؛ حيث قدم للعياديين خريطة طريق متماسكة ترشدهم إلى كيفية تحويل الجلسة الزوجية من حلبة ملاكمة وتبادل للاتهامات إلى مساحة آمنة يتحدث فيها الطرفان بلغة الاحتياجات الوجدانية والتعلقية غير المرئية.

10.2 الفروق النظرية والسريرية بين نموذجي غرينبرغ وجونسون للأزواج

على الرغم من الانطلاقة المشتركة للنموذج، إلا أن المسارات الأكاديمية والسريرية لليزلي غرينبرغ وسوزان جونسون بدأت بالتمايز تدريجياً في التسعينيات؛ مما أدى إلى ظهور مدرستين متميزتين ضمن إطار EFT لعلاج الأزواج:

وجه المقارنة نموذج سوزان جونسون (EFCT) نموذج ليزلي غرينبرغ (EFT-C)
المرجعية النظرية المهيمنة التركيز الحصري تقريباً على نظرية التعلق (Attachment Theory) وحاجة الكائن إلى ملاذ آمن. الجمع المتكافئ بين نظرية التعلق ونظرية الهوية الذاتية والتمايز والعدالة الوجدانية.
المحرك الأساسي للنزاع الذعر من فقدان القرب، وتفعيل استجابات الاحتجاج أو الانسحاب لحماية الرابطة. النزاع ينبع إما من جروح التعلق، أو انتهاك الهوية الفردية والكرامة، أو غياب التوازن العاطفي.
الأدوات التقنية المفضلة استخدام الرقصة التفاعلية والحوار المباشر المستمر بين الشريكين (Enactments). دمج تقنيات حوار الكراسي الفردية داخل الجلسة الزوجية لمعالجة الصدمات الذاتية المستقلة.
التعامل مع الجروح العاطفية بروتوكول إصلاح جرح التعلق (Attachment Injury Resolution Model). مسار متقدم لمعالجة الخيانات يركز على طلب الصفح، والعدالة العاطفية، والمسامحة الواعية.

يرى غرينبرغ في نموذجه المتمايز للأزواج أن الإنسان لا يحتاج فقط إلى “القرب والتعلق الآمن”، بل يحتاج أيضاً وبنفس القدر إلى “التمايز وتوكيد الهوية الذاتية” (Identity and Differentiation)؛ ولذلك يرفض غرينبرغ إرجاع كل مشكلات الأزواج إلى ذعر الهجر، مؤكداً أن الحفاظ على احترام الذات وحدود الكيان الشخصي داخل العلاقة هو شرط لا غنى عنه لبناء علاقة حب صحية ومستقيمة، وأن الحب الحقيقي لا يزدهر بالاندماج الذاتي المطلق، بل بلقاء شخصين متميزين ومستقلين يختاران القرب عن وعي وحرية.

10.3 مراحل وخطوات التغيير في علاج الأزواج الموجه بالعاطفة

يتشكل مسار العلاج الزواجي المتمركز حول العاطفة عبر ثلاث مراحل علاجية رئيسية تتضمن خطوات إجرائية محكمة تضمن قيادة الزوجين من أتون الصراع المشتعل إلى شاطئ الأمان والوفاق:

  • المرحلة الأولى: خفض التصعيد وتفكيك الدورات التفاعلية السلبية (De-escalation): يعمل المعالج في هذه المرحلة ككاشف للأنماط؛ حيث يرصد “الدورة التفاعلية السامة” التي يقع فيها الزوجان (مثل دورة: المطاردة والانسحاب – Pursue/Withdraw). يتم إخراج المشاعر الثانوية (الصراخ والانتقاد، أو الصمت والهروب) وإظهار المشاعر الأولية الكامنة تحتها (الخوف من النبذ، أو الشعور بالعجز والرفض). ويصبح الهدف هو تحويل تلك “الدورة السلبية” لتكون هي العدو المشترك الذي يحاربانه معاً بدلاً من محاربة بعضهما البعض.
  • المرحلة الثانية: إعادة هيكلة التفاعل وتعميق الروابط (Restructuring Interactions): في هذه المرحلة الدقيقة، يتم تيسير إفصاح كل شريك عن احتياجاته الوجدانية والتعلقية العميقة والضعيفة لشريكه مباشرة: “أنا أحتاج أن أعلم أنني مهم بالنسبة لك، وأخاف جداً من أن أكون عبئاً عليك”. ويتم تدريب الشريك الآخر على الاستجابة الحنونة والاحتواء المتفهم؛ مما يخلق تجارب ترابطية تصحيحية جديدة تغير بنية العلاقة بالكامل.
  • المرحلة الثالثة: دمج الحلول وتثبيت الأنماط الإيجابية (Consolidation and Integration): يتم في هذه المرحلة الأخيرة ترسيخ المكتسبات التي تحققت، ومساعدة الزوجين على صياغة قصة تعافيهما الجديدة، ووضع استراتيجيات عملية لحل النزاعات اليومية حول المسؤوليات الحياتية في ضوء لغة الأمان العاطفي المكتسبة، مما يضمن استقرار العلاقة ومناعتها ضد العواصف المستقبلية.

11. المنهجية البحثية التجريبية لغرينبرغ: دراسة مسار العملية العلاجية

11.1 تطوير مقاييس التقييم الإكلينيكي المعتمدة

تميز مشروع ليزلي غرينبرغ التاريخي بأنه لم يبنَ على الافتراضات النظرية المجردة، بل اقترن بتطوير ترسانة من المقاييس والأدوات الإكلينيكية المعتمدة التي قاست الظواهر الوجدانية بدقة متناهية. يأتي في مقدمة هذه الأدوات تطبيقه وتطويره لـ مقياس تقييم التجربة العاطفية (Experiencing Scale)، وهو مقياس متدرج من 7 درجات يقيس عمق المعالجة النفسية للتجربة المعاشة داخل الجلسة.

يتدرج هذا المقياس من أدنى درجاته (المستوى 1: حيث يتحدث العميل ببرود عن أحداث خارجية دون أي إشارة لمشاعره)، وصولاً إلى ذروته (المستوى 7: حيث يغوص العميل في المشاعر المتجسدة حياً، ويفكك الرموز الداخلية، ويصل إلى صياغة معانٍ جديدة وحلول ذاتية تنبثق تلقائياً من داخله). أثبت غرينبرغ في أبحاثه الإحصائية أن وصول العميل إلى المستويات العليا من هذا المقياس خلال الجلسات هو المنبئ الأقوى والأكثر حساسية بتحقيق الشفاء المستدام بعد انتهاء العلاج، بغض النظر عن نوع الاضطراب أو شخصية المعالج.

كما ابتكر غرينبرغ وزملاؤه مقاييس مجهرية متخصصة أخرى مثل: “مقياس حل الصراعات عبر الكراسي” (Resolution Scale)، والذي يوثق المراحل الانتقالية الدقيقة لتليين الصوت الناقد واندماج أجزاء الذات، إضافة إلى توظيفه لتقنيات التحليل الصوتي الصارم (Acoustic and Voice Quality Analysis)؛ حيث قام بقياس التغيرات الفيزيائية في التردد الصوتي، ودرجة الشد، ورنين الأحبال الصوتية للمسترشد، للتمييز إمبيريقياً بين البكاء العاطفي التحويلي الحقيقي (Emotional Processing) وبين البكاء السطحي النابع من الشفقة على الذات والانهيار الدفاعي العقيم.

11.2 أبحاث العمليات الميكرو-تحليلية (Micro-Process Research)

يعتبر ليزلي غرينبرغ الأب الروحي لما يسمى بـ أبحاث العمليات الميكرو-تحليلية (Micro-Process Research) في حقل العلاج النفسي. تمرد غرينبرغ على الأبحاث الإحصائية السطحية التي كانت تكتفي بإجراء مقارنات رقمية عامة بين مجموعات من المرضى، مؤكداً أن تلك الدراسات الكلية لا تفيد الممارس في العيادة بشيء؛ لأن المعالج لا يتعامل مع متوسطات إحصائية مجردة، بل يتعامل مع مريض ينفجر بالبكاء أو يصمت بجمود في هذه اللحظة بالذات.

من هنا، ركز غرينبرغ أبحاثه على دراسة “الثواني والدقائق الحاسمة” داخل الجلسة الواحدة؛ حيث قام فريقه البحثي بتقطيع أشرطة الفيديو ومطابقتها بالتسجيلات الفسيولوجية (مثل ضربات القلب والموصلية الجلدية)، وتفريغ النصوص كلمة بكلمة لدراسة تفاعلات محددة جداً تستغرق أحياناً ثلاث دقائق فقط؛ مثل لحظة تحول نبرة صوت العميل من الخوف إلى توكيد الذات، أو تدخل المعالج بتعليق تعاطفي معين وتأثيره المباشر على وتيرة تنفس العميل.

قدمت هذه الأبحاث الميكروسكوبية الصارمة أدلة قاطعة لا تقبل الشك برهنت على أن التدخلات المعرفية المجردة تفشل في إحداث أي تغيير عصبي ما لم تصاحبها استثارة وجدانية حية، وأظهرت أن العلاج النفسي يمتلك “قوانين إجرائية داخلية” قابلة للاكتشاف والتعميم، مما جعل مساهمات غرينبرغ البحثية مرجعاً أساسياً في علوم التغيير السريري وطرق تصميم التدخلات العلاجية الموجهة في مختلف المدارس الإكلينيكية المعاصرة.

11.3 المساهمة في جمعية أبحاث العلاج النفسي (SPR)

احتلت جمعية أبحاث العلاج النفسي الدولية (Society for Psychotherapy Research – SPR) مكانة محورية في المسيرة المهنية لليزلي غرينبرغ؛ إذ شغل منصب رئيس هذه الجمعية الدولية المرموقة، وكرس عقوداً من حياته لخدمة أهدافها العلمية. قاد غرينبرغ من خلال موقعه القيادي معركة شجاعة من أجل كسر القطيعة التاريخية ورأب الصدع المصطنع بين عالمين طالما ساد بينهما الشك المتبادل:

  • عالم الممارسين الإكلينيكيين في العيادات الخاصة، الذين كانوا يرون الأكاديميين علماء متفلسفين في أبراج عاجية لا يفهمون معاناة الواقع.
  • عالم الباحثين في المختبرات والجامعات، الذين كانوا ينظرون إلى المعالجين الممارسين على أنهم ممارسو فنون غامضة يفتقرون للانضباط العلمي والمنهجي.

دعا غرينبرغ إلى نموذج “المعالج-الباحث التكاملي” (Practitioner-Researcher)، وأرسى معايير منهجية نوعية وتجريبية جديدة مكنت الدراسات الإنسانية والوجدانية من حجز مكانتها الرفيعة في المجلات العلمية المحكمة ذات معامل التأثير العالي. وبفضل قيادته الحكيمة وصرامته البحثية، تمكن من تحويل الجمعية إلى منصة عالمية تجمع بين الفينومينولوجيا المعمقة والقياسات الإحصائية المتقدمة، تاركاً بصمة علمية لا تُمحى في توجيه بوصلة البحث الإكلينيكي في القرنين العشرين والحادي والعشرين.

12. المكانة الأكاديمية، التكريمات، والآفاق المعاصرة (1945 – الحاضر)

12.1 الجوائز والتقديرات العلمية المرموقة

حظي البروفيسور ليزلي غرينبرغ عبر مسيرته العلمية الممتدة باعتراف دولي واسع وتكريمات علمية رفيعة المستوى من كبرى المؤسسات النفسية في العالم. ويأتي على رأس هذه التكريمات نيله جائزة الإسهام العلمي المتميز في العلاج النفسي (Distinguished Research Career Award) من الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA – Division 29)، وهي أرفع جائزة تمنحها الجمعية تكريماً للعلماء الذين أسهمت أبحاثهم في إحداث تحولات نوعية جذرية في فهم وممارسة العلاج النفسي عبر العالم.

كما منحته جمعية أبحاث العلاج النفسي الدولية (SPR) “جائزة الإنجاز مدى الحياة” (Lifetime Achievement Award)، تقديراً لريادته التاريخية في صياغة منهجيات تحليل المهام، وإثرائه المعرفي لأبحاث مسار العملية العلاجية على مدى أكثر من أربعة عقود. وتوجت جامعة يورك العريقة في كندا هذه الإنجازات بتعيين غرينبرغ في رتبة “أستاذ باحث متميز فخري” (Distinguished Research Professor Emeritus)، وهو اللقب الأكاديمي الأسمى الذي يُمنح فقط للعلماء الذين تركت مؤلفاتهم وأبحاثهم علامة فارقة في تاريخ الجامعة العلمي وساهمت في تغيير مسار التخصص على الصعيد العالمي.

توالت عليه أيضاً التكريمات من الجمعيات الكندية والأوروبية، ونال عضويات شرفية في كبرى كليات الطب وأقسام علم النفس الدولية، وظل صوته حاضراً في اللجان العلمية المحكمة لأرقى الدوريات النفسية العالمية، تأكيداً على مكانته كواحد من أعظم المنظرين والممارسين الإكلينيكيين في تاريخ علم النفس الإنساني والوجداني المعاصر.

12.2 المؤلفات المرجعية الأساسية وأثرها التربوي

أثرى ليزلي غرينبرغ المكتبة السريرية والنفسية العالمية بعشرات الكتب والمراجع التأسيسية التي غدت كتباً قياسية (Gold Standard Textbooks) تُدرس في برامج الماجستير والدكتوراه وتدريب الأطباء النفسيين في شتى بقاع الأرض. ويأتي في صدارة هذه المؤلفات كتابه الكلاسيكي الصادر عن الجمعية الأمريكية لعلم النفس:

  • “Emotion-Focused Therapy: Coaching Clients to Work Through Their Feelings”، والذي يعتبر البيان التأسيسي والمرجع الإكلينيكي الأكمل لكل ما يتصل بمفاهيم وتقنيات العلاج المتمركز حول العاطفة.
  • “Facilitating Emotional Change: The Moment-by-Moment Process” (بالاشتراك مع رايس وإليوت)، والذي وثق فيه بدقة مجهرية مسار اللحظات التحولية والتدخلات السريرية الموجهة.
  • سلسلة الكتب المرجعية المتخصصة في التعامل مع الحزن والفقدان، ومسامحة الخيانات والجروح العاطفية العميقة: “Emotion-Focused Therapy for Depression” و “Forgiveness and Letting Go in Emotion-Focused Therapy”.
  • أعماله المتأخرة التي تناولت تنظيم المشاعر في العلاج الفردي والزواجي مثل: “Emotion-Focused Couples Therapy: The Dynamics of Emotion, Love, and Power” (2015).

تُرجمت كتب ومؤلفات ليزلي غرينبرغ إلى عشرات اللغات العالمية الحية؛ بما فيها الإسبانية، والفرنسية، والألمانية، والإيطالية، والبرتغالية، واليابانية، والصينية، والكورية، لتشكل أساساً لبرامج تدريب الكوادر الطبية والنفسية في مئات الجامعات والمستشفيات التخصصية، ولتحدث تغييراً دائماً في طريقة تفكير المعالجين حول المشاعر والتعامل معها كقوة محركة للشفاء الإنساني.

12.3 النشاط الحالي والمستقبل المستمر للعلاج المتمركز حول العاطفة

حتى مع بلوغه مشارف العقد التاسع من عمره المديد (1945 – حتى الوقت الحاضر)، لا يزال البروفيسور ليزلي غرينبرغ يتمتع بحيوية ذهنية وشغف علمي منقطع النظير؛ إذ يواصل نشاطه الإكلينيكي والتربوي عبر إلقاء المحاضرات الافتتاحية في المؤتمرات الدولية الكبرى، وقيادة ورش العمل والتدريبات الإكلينيكية المتقدمة، وتقديم جلسات الإشراف الحي المباشر لآلاف المعالجين في أمريكا الشمالية، وأوروبا، وأمريكا اللاتينية، وآسيا، وأستراليا.

يشهد العلاج المتمركز حول العاطفة في الوقت الراهن آفاقاً مستقبلية واعدة ومثيرة، تتمثل في تطوير تطبيقات متخصصة تلائم تحديات القرن الحادي والعشرين؛ ومنها إدماج أحدث كشوفات علم الأعصاب الإدراكي والوجداني لفهم تأثير تقنيات EFT على “اللدونة العصبية” (Neuroplasticity) وإعادة تشكيل مسارات اللوزة الدماغية (Amygdala) وقشرة الفص الجبهي (Prefrontal Cortex) بعد التعافي من الصدمات المزمنة.

كما تمتد الأبحاث المعاصرة التي يشرف عليها غرينبرغ وتلاميذه لتشمل تكييف نموذج EFT ليتناسب مع العلاج عبر الإنترنت والمنصات الرقمية (Digital Mental Health)، والتوسع في بروتوكولات علاج اضطراب كرب ما بعد الصدمة المعقد (C-PTSD)، وعلاج اضطرابات الأكل الصعبة كفقدان الشهية العصبي (Anorexia) والشره المرضي (Bulimia)، إلى جانب دراسة الفروق الثقافية في التعبير الانفعالي لضمان ملائمة النموذج للمجتمعات الشرقية والنامية؛ مما يؤكد أن الإرث العلمي لليزلي غرينبرغ هو مشروع حي متجدد ومستمر في التطور ليظل في طليعة العلوم النفسية المعاصرة لأجيال قادمة.

خاتمة: الإرث المعرفي لليزلي غرينبرغ ومستقبل العلاج النفسي الوجداني

يمثل المشروع الفكري والسريري للبروفيسور ليزلي غرينبرغ إحدى أعظم النقلات المعرفية في تاريخ علم النفس الإكلينيكي والعلاج النفسي منذ بدايات سيغموند فرويد وكارل روجرز. فبفضل بصيرته الإنسانية النافذة وانضباطه المنهجي المستمد من خلفيته الهندسية الصارمة، انتشل غرينبرغ العاطفة من براثن التهميش المعرفي والتأويل التحليلي الغامض، ليعيد تنصيبها في مكانتها المستحقة بصفتها جوهر الوجود البشري، والموجه الذكي للتكيف الحيوي، والأداة الأولى والوحيدة القادرة على تحقيق الشفاء النفسي الحقيقي.

لقد علمنا ليزلي غرينبرغ أن الإنسان لا يتغير عندما يقتنع عقلياً بأن أفكاره خاطئة فحسب، بل يتغير عندما “يشعر” شعوراً جديداً؛ فالمعرفة العقلية الباردة تظل عاجزة في مواجهة المخططات الصادمة المتكلسة في الجسد، ولا يمكن محو العار السام إلا بغضب تكيفي مؤكد للذات، ولا يمكن التغلب على الفقدان واليأس إلا بدموع حزن تكيفي أصيل يغسل الروح بالتعاطف والأمان. ومن خلال منهجيته المبتكرة في تحليل المهام وتطويره لتقنيات الكراسي وتأصيله للتحالف والتحول العاطفي، منح غرينبرغ المعالجين في كل بقاع الأرض بوصلة إكلينيكية محكمة تجمع بين دفء التعاطف الإنساني وصرامة القياس العلمي القائم على البراهين.

إن الإرث المستمر لليزلي غرينبرغ حتى يومنا هذا هو دعوة مفتوحة للتصالح مع ذواتنا ومع عواطفنا؛ دعوة لعدم الخوف من الضعف والألم، وتأكيد على أن كل عاطفة أولية، مهما بدت مخيفة، تحمل في طياتها بذرة تكيفية ذكية تسعى لإنقاذنا وتوجيهنا نحو النمو والحرية. سيبقى اسم ليزلي غرينبرغ محفوراً بحروف من نور في سجل الخالدين من علماء النفس، وستظل أطروحاته منارة تلهم الباحثين والمعالجين الساعين إلى فهم أعماق الإنسان ومساعدته على استعادة حريته الوجدانية والعيش بأصالة وكرامة.

المراجع

فيما يلي قائمة بالمصادر والمراجع الأكاديمية المعتمدة وفقاً لمعايير الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA Style – 7th Edition):

  • Elliott, R., Watson, J. C., Goldman, R. N., & Greenberg, L. S. (2004). Learning emotion-focused therapy: The process-experiential approach to change. American Psychological Association. https://doi.org/10.1037/10725-000
  • Geller, S. M., & Greenberg, L. S. (2012). Therapeutic presence: A mindful approach to effective therapy. American Psychological Association. https://doi.org/10.1037/13485-000
  • Greenberg, L. S. (1984). A task analysis of intrapersonal conflict resolution. In L. N. Rice & L. S. Greenberg (Eds.), Patterns of change: Intensive analysis of psychotherapy process (pp. 67–123). Guilford Press.
  • Greenberg, L. S. (2002). Emotion-focused therapy: Coaching clients to work through their feelings. American Psychological Association. https://doi.org/10.1037/10447-000
  • Greenberg, L. S. (2010). Emotion-focused therapy: Theory and practice. American Psychological Association. https://doi.org/10.1037/12075-000
  • Greenberg, L. S. (2015). Emotion-focused therapy: Coaching clients to work through their feelings (2nd ed.). American Psychological Association. https://doi.org/10.1037/14692-000
  • Greenberg, L. S., & Goldman, R. N. (2008). Emotion-focused couples therapy: The dynamics of emotion, love, and power. American Psychological Association. https://doi.org/10.1037/11750-000
  • Greenberg, L. S., & Johnson, S. M. (1988). Emotionally focused therapy for couples. Guilford Press.
  • Greenberg, L. S., & Pascual-Leone, A. (2006). Emotion in psychotherapy: A practice-friendly review. Journal of Clinical Psychology, 62(5), 611–630. https://doi.org/10.1002/jclp.20252
  • Greenberg, L. S., Rice, L. N., & Elliott, R. (1993). Facilitating emotional change: The moment-by-moment process. Guilford Press.
  • Greenberg, L. S., & Watson, J. C. (2006). Emotion-focused therapy for depression. American Psychological Association. https://doi.org/10.1037/11286-000
  • Johnson, S. M., & Greenberg, L. S. (1985). Differential effects of experiential and problem-solving interventions in resolving marital conflict. Journal of Consulting and Clinical Psychology, 53(2), 175–184. https://doi.org/10.1037/0022-006X.53.2.175
  • Pascual-Leone, A., & Greenberg, L. S. (2007). Emotional processing in experiential therapy: Why “the only way out is through.” Journal of Consulting and Clinical Psychology, 75(6), 875–887. https://doi.org/10.1037/0022-006X.75.6.875
★

تقييم هذا المحتوى

5.0 / 5 • 7 تقييمات