ليزا فيلدمان باريت – 1963 حتى الوقت الحاضر

ليزا فيلدمان باريت (Lisa Feldman Barrett)

  • 1963، تورونتو، كندا – حتى الآن
  • كندية-أمريكية
  • الإنشائية النفسية
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 14 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 14 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

أبرز الإسهامات

  • نظرية العاطفة المبنية
  • نقد النموذج الكلاسيكي للعواطف والجوهرية النفسية
  • مفهوم التأثير الأساسي (Core Affect)
  • نموذج المعالجة التنبؤية في الدماغ

السيرة

تمثّل عالمة النفس والأعصاب الكندية-الأمريكية ليزا فيلدمان باريت (Lisa Feldman Barrett) إحدى أكثر الشخصيات الفكرية تأثيراً وإثارةً للجدل في العلوم الإدراكية المعاصرة؛ إذ قادت منذ أواخر القرن العشرين ثورة إبستمولوجية وتجريبية استهدفت تفكيك النظرة الجوهرية الكلاسيكية للمشاعر الإنسانية، تلك النظرة التي هيمنت على الفكر الغربي منذ عهد أرسطو ومروراً بتشارلز داروين وصولاً إلى علماء النفس المعاصرين في النصف الثاني من القرن العشرين. استطاعت باريت عبر مسيرة علمية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود أن تعيد موضعة العاطفة لا بوصفها دارات عصبية فطرية متوارثة تنطلق تلقائياً كردود أفعال آلية، بل بوصفها بنى عقلية معقدة يصنعها الدماغ لحظة بلحظة عبر تفاعل معقد بين الإشارات الجسدية الحشوية والعمليات التنبؤية والمخزون المفاهيمي المكتسب ثقافياً ولغوياً.

تجاوزت إسهامات باريت الحدود الضيقة لعلم النفس التجريبي لتشمل علم الأعصاب الإدراكي، والتشريح العصبي المقارن، وفلسفة الذهن، والذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى تطبيقات القانون الجنائي والرعاية النفسية السريرية. ومن خلال تأسيسها لـ «نظرية العاطفة المبنية» (Theory of Constructed Emotion)، قدّمت باريت نموذجاً متكاملاً يتحدى الفهم الشائع عن وظيفة الدماغ البشري؛ إذ ترفض الرؤية الاستجابية الكلاسيكية للدماغ كمتلقٍ سلبي للمثيرات، وتتبنى بدلاً من ذلك نموذج المعالجة التنبؤية (Predictive Processing)، معتبرةً أن الوظيفة التطورية الأسمى للجهاز العصبي ليست التفكير المجرد، بل الحفاظ على ميزانية الطاقة البيولوجية وتأمين بقاء الكائن الحي في بيئات متغيرة وغير يقينية.

يقدم هذا العمل دراسة موسعة وموثقة لمسيرة ليزا فيلدمان باريت الفكرية والتجريبية منذ ولادتها في تورونتو عام 1963 وحتى الوقت الحاضر؛ مستعرضاً أسسها الإبستمولوجية، وأبحاثها المخبرية، ومؤلفاتها الكبرى، ومناظراتها الشرسة مع مدارس علم النفس التطوري، فضلاً عن الآثار الممتدة لنظريتها في فهم الطبيعة البشرية، وتركيب الذات، وآليات إدراك العالم المحيط.

1. النشأة والخلفية الأكاديمية والمسار العلمي المبكر

1.1 السنوات التكوينية والنشأة والتعليم الجامعي الأول

ولدت ليزا فيلدمان في عام 1963 في مدينة تورونتو بكندا، ونشأت ضمن أسرة كادحة من الطبقة العاملة لم تتلق تعليماً جامعياً، إلا أنها أحاطت ابنتها ببيئة تشجع على الفضول المعرفي والتحصيل الدراسي المستمر. اتسمت طفولة باريت بنزعة استكشافية حادة ونهم قرائي واسع، مما مكنها من أن تصبح أول فرد في عائلتها يلتحق بالتعليم الجامعي المتقدم. وقد شكّل هذا التحول الاجتماعي والاقتصادي دافعاً ذاتياً عميقاً نحو تبني نهج نقدي صارم، لا يأخذ المسلّمات العلمية أو الاجتماعية كحقائق مطلقة مسبقة الدفع.

التحقت باريت بـ جامعة تورونتو لدراسة العلوم، حيث انصب تركيزها الأكاديمي المزدوج في البداية على البيولوجيا الجزيئية وعلم النفس الإدراكي. منحها هذا التزاوج المعرفي المنهجي أساساً متيناً في المنهج التجريبي الصارم للعلوم الطبيعية، إلى جانب فهم عميق للنظريات السلوكية والإدراكية التي كانت تحاول تفسير الظواهر العقلية. وخلال عملها في المختبرات الجامعية الأولى، بدأت تتلمس معضلة القياس النفسي؛ حيث لاحظت وجود فجوة منهجية سحيقة بين الدقة الرياضية والفيزيائية المتبعة في قياس المعطيات البيولوجية، وبين الاعتماد المفرط على تقارير الأفراد الذاتية في قياس الحالات الوجدانية، وهي الفجوة التي ستشغل تفكيرها لسنوات طويلة قادمة وتوجه بوصلتها البحثية نحو إعادة بناء منهجيات القياس الإكلينيكي والعصبي.

1.2 الدراسات العليا والتدريب الإكلينيكي في جامعة واترلو

انتقلت ليزا فيلدمان باريت لإتمام دراساتها العليا في جامعة واترلو الكندية العريقة، وهي معقل بارز لعلم النفس الإكلينيكي والتجريبي. تحت إشراف نخبة من كبار الباحثين في علم النفس الإكلينيكي والقياس النفسي، نالت باريت درجة الماجستير ثم الدكتوراه في علم النفس الإكلينيكي، مع التركيز على اضطرابات المزاج والقلق، وسيكولوجية الذات، وتقدير الذات المرتبط بالتجارب العاطفية. تضمن تدريبها مئات الساعات من الملاحظة الإكلينيكية المباشرة والمقابلات السريرية مع مرضى يعانون من الاكتئاب السريري، ونوبات الهلع، والاضطرابات الوجدانية المتباينة، وهو ما شكل نقطة تحول مفصلية في مسارها الأكاديمي.

خلال جلسات التدريب العلاجي، استوقفت باريت ظاهرة إكلينيكية متكررة ومحيرة منهجياً: عجز المرضى المطبق، وأحياناً المعالجين أنفسهم، عن رسم خط فاصل موضوعي بين شعور «القلق» وشعور «الاكتئاب»؛ إذ كان الأفراد يستخدمون الألفاظ الانفعالية بمرونة مفرطة، واصفين حالات التململ البدني أو الإجهاد النفسي العام تارة بالخوف والهلع، وتارة أخرى بالحزن واليأس. قادها هذا التناقض السريري إلى الشك في صلاحية منظومة الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM)، التي تفترض وجود فئات مرضية عاطفية متمايزة ونقية بيولوجياً. كان هذا الإدراك الميداني بمثابة الشرارة التي أخرجت باريت من حدود الممارسة العلاجية التقليدية، لتدفعها نحو البحث التجريبي التأسيسي رغبةً في فهم الأصول البيولوجية والإدراكية الكامنة خلف بناء هذه الحالات الذاتية المشوشة.

1.3 الزمالات البحثية والتطور المؤسسي وصولاً إلى جامعة نورث إيسترن

عقب إتمام الدكتوراه، انخرطت باريت في زمالات بحثية لما بعد الدكتوراه سعت من خلالها إلى سد النقص المعرفي لديها في مجالات الفسيولوجيا العصبية وطرق القياس الفسيولوجي المتقدم، مدفوعةً بالرغبة في العثور على القياسات الموضوعية التي استعصت عليها في العيادة. بدأت مسيرتها التدريسية والأكاديمية كأستاذة مساعدة في جامعة ولاية بنسلفانيا، حيث شرعت في تأسيس برامج تجريبية تفحص الفسيولوجيا الطرفية للمشاعر، ثم انتقلت بعد ذلك إلى كلية بوسطن (Boston College)، لتقضي هناك سنوات تأسيسية طورت خلالها النواة الأولى لنظريتها الإنشائية ووسعت أبحاثها لتشمل التصوير العصبي الوظيفي وتخطيط الدماغ الكهربائي.

في عام 2010، حققت باريت انتقالاً استراتيجياً نوعياً بالانضمام إلى جامعة نورث إيسترن في بوسطن كأستاذة متميزة في علم النفس (University Distinguished Professor)، وأسست هناك مختبر العلوم العاطفية متعدد التخصصات (Interdisciplinary Affective Science Laboratory – IASLab). وسرعان ما وسعت نفوذها الأكاديمي عبر نيل تعيين بحثي مشترك في قسم الطب النفسي في كلية الطب بـ جامعة هارفارد ومستشفى ماساتشوستس العام. أتاح لها هذا التحالف المؤسسي المتين الوصول إلى أحدث تقنيات الرنين المغناطيسي الوظيفي المتقدم (fMRI)، وقواعد بيانات التصوير العصبي الشاملة، والعمل المشترك مع رواد علم الأعصاب والبيولوجيا الحيوية والطب النفسي في واحدة من أرقى البيئات البحثية على مستوى العالم.

2. التحول الإبستمولوجي: نقد النظرة الكلاسيكية للعواطف

2.1 النموذج الكلاسيكي للمشاعر: من داروين إلى بول إيكمان

سيطرت على دراسات العاطفة لعقود طويلة منظومة فكرية تُعرف بالنموذج الكلاسيكي للمشاعر (The Classical View of Emotion)، وهي مقاربة تمتد جذورها الفلسفية إلى المنظور الجوهري الأفلاطوني، وتم تأطيرها بيولوجياً عبر قراءة داروين التطورية في كتابه الصادر عام 1872 «التعبير عن الانفعالات عند الإنسان والحيوان»، قبل أن تتبلور تجريبياً في النصف الثاني من القرن العشرين على يد علماء مثل بول إيكمان (Paul Ekman) وكارول إيزارد (Carroll Izard). ينطلق هذا النموذج من فرضية قطعية مفادها أن العواطف البشرية تنقسم إلى عدد محدود من «العواطف الأساسية» (Basic Emotions) — كالخوف، والغضب، والحزن، والفرح، والاشمئزاز، والمفاجأة — والتي يُعتقد أنها آليات حيوية فطرية ومشفرة جينياً عبر الانتخاب الطبيعي لتأدية وظائف تكيفية محددة ترتبط بالبقاء.

وفقاً للنموذج الكلاسيكي، تمتلك كل عاطفة أساسية «بصمة حيوية» (Biomarker/Fingerprint) ثابتة لا تتغير بتغير الأفراد أو البيئات؛ تتألف هذه البصمة من تعبير وجهي نمطي مميز ومفردات فسيولوجية محددة تنطلق من الجهاز العصبي المستقل، بالإضافة إلى تنشيط دارة عصبية متخصصة ومكرسة داخل الجهاز العصبي المركزي (كتنشيط اللوزة الدماغية في حالة الخوف). افترض إيكمان وتلاميذه أن هذه التعبيرات عالمية عابرة للثقافات، بحيث يمكن لأي إنسان في أي بقعة من الأرض التعرف على غضب أو خوف إنسان آخر بمجرد النظر إلى انقباضات عضلات وجهه، وهو ما قاد إلى تصوير الإنسان ككائن يحمل داخله «أزراراً» عاطفية تضغطها منبهات البيئة لتطلق استجابات موحدة ومبرمجة سلفاً.

2.2 المأزق التجريبي والشك المنهجي في مختبر باريت

عندما شرعت ليزا فيلدمان باريت في مطلع مسيرتها في تصميم تجارب مخبرية للتحقق من هذه البصمات وتوثيق التغيرات الفسيولوجية المصاحبة لكل عاطفة — مثل معدل ضربات القلب، والموصلية الجلدية، وتوترات عضلات الوجه عبر تخطيط كهربائية العضل الوجهية (Facial EMG) — اصطدمت بحائط تجريبي مسدود. فعلى عكس ما تنبأ به النموذج الكلاسيكي، لم تجد باريت أي ثبات فسيولوجي أو حركي يُعتد به؛ فالغضب لم يترافق دائماً مع ارتفاع ضغط الدم أو تقطيب الجبين، بل أظهر الأفراد في أحيان كثيرة انخفاضاً في النبض، أو ابتسامة هادئة، أو سكوناً جسدياً تاماً، تبعاً للموقف والسياق المحيط.

دفع هذا الإخفاق المتكرر في إعادة الإنتاج المخبري باريت إلى تبني شك منهجي جذري؛ فبدلاً من اعتبار هذا التباين الفسيولوجي والسلوكي الهائل «خطأً في القياس» (Measurement Error) كما كان يفعل أسلافها لتبرير فشل تجاربهم، قررت باريت أن تتعامل مع هذا التباين باعتباره الحقيقة البيولوجية الجوهرية والظاهرة الطبيعية التي تتطلب التفسير. توجت باريت هذا التوجه بإجراء دراسات تحليل بعدي (Meta-analyses) ضخمة فحصت مئات الدراسات المنشورة على مدار عقود حول الفسيولوجيا العصبية والطرفية للعواطف؛ وجاءت النتيجة القاطعة لتؤكد عدم وجود أي بصمة بيولوجية متسقة تميز عاطفة عن أخرى، مما أعلن إفلاس الفرضية الكلاسيكية ودشن قطيعة معرفية شاملة مع النموذج الدارويني النيو-كلاسيكي داخل مختبرها.

2.3 التنازع بين الجوهرية والإنشائية في فلسفة علم النفس

وضعت باريت نقدها العلمي للنموذج الكلاسيكي في سياق فلسفي وإبستمولوجي أوسع، مفككة ما أسمته بـ «الجوهرية النفسية» (Psychological Essentialism). والجوهرية هي النزعة المعرفية الإنسانية التلقائية لافتراض وجود كينونة داخلية خفية ومستقلة، أو «جوهر» مادي، يمنح الأشياء هويتها ويجعلها ما هي عليه؛ حيث افترض علم النفس الكلاسيكي بطريقة وهمية أن وراء كل كلمة لغوية مثل «الحزن» أو «الخوف» يوجد شيء بيولوجي مادي موحد ومستقل يسكن الدماغ أو الجسد وينتظر الاستثارة، وهو ما اعتبرته باريت خطأً مقولياً فاضحاً يخلط بين التسمية الاصطلاحية والواقع الأنطولوجي للظواهر.

في مقابل هذا المأزق الجوهري، أعادت باريت إحياء وتطوير النموذج الإنشائي النفسي (Psychological Constructionism)، مستندةً إلى إرث فكري يعود إلى الفيلسوف وعالم النفس الأمريكي ويليام جيمس (William James)، وعالم النفس الروسي ليف فيغوتسكي. ينص النموذج الإنشائي على أن العواطف ليست كيانات طبيعية جاهزة وموجودة مسبقاً في الطبيعة (Natural Kinds)، بل هي ظواهر عقلية ناشئة وظرفية تتشكل عبر تضافر عمليات بيولوجية ونفسية ولغوية عامة غير مخصصة للعاطفة بحد ذاتها؛ فالعاطفة ليست «جوهرية» يولد بها المرء مكتملة، بل هي «مركب إدراكي» يصنعه الجهاز العصبي ليضفي به معنى على مدخلاته الحسية وتفاعلاته البيئية.

3. نظرية العاطفة المبنية: البنية المفاهيمية والمبادئ الأساسية

3.1 أركان نظرية العاطفة المبنية (Theory of Constructed Emotion)

تقوم نظرية العاطفة المبنية (Theory of Constructed Emotion – TCE)، التي أطلقتها باريت وحلت محل مسمّاها الأسبق «نموذج الإنشائية المفاهيمية»، على فرضية مركزية ثورية: العواطف ليست ردود أفعال غريزية تنطلق تلقائياً رغماً عنا، بل هي خبرات واعية وأفعال يصنعها الدماغ البشري بنشاط استباقي في اللحظة الراهنة. تتشكل هذه الحالات الذهنية من خلال دمج متزامن ومنسق بين الإشارات الحسية القادمة من داخل الجسد، والإشارات المنبثقة من البيئة الخارجية المحيطة، والمخزون التراكمي للمفاهيم المكتسبة التي يوفرها الدماغ من واقع تجاربه السابقة وثقافته اللغوية السائدة.

تؤسس النظرية لمفهوم «التنوع البنيوي» باعتباره القاعدة البيولوجية الحاكمة للحياة الانفعالية؛ فالغضب ليس نمطاً عصبياً متطابقاً في كل مرة، بل يمكن أن يبنيه الدماغ كصراخ هجومي، أو كابتسامة جليدية باردة تخفي مكيدة، أو حتى كشعور بالصمت المطبق، وكل نمط من هذه الأنماط يمثل حالة فيزيولوجية حقيقية تماماً ومبنية بعناية لتناسب السياق الموقفي الراهن وتضمن تكيف الكائن الحي معه. علاوة على ذلك، تلغي النظرية الفصل الأرسطي والديكارتي الوهمي بين «المعرفة» (Cognition) و«العاطفة» (Affect)؛ إذ تثبت باريت أن الدماغ يستخدم نفس العمليات والشبكات العصبية لمعالجة المعرفة التجريدية وصناعة التجربة الشعورية، مما يجعل كل فكرة عقلانية محملة بشحنة وجدانية، وكل تجربة عاطفية نمطاً من أنماط الإدراك المعرفي المعقد.

3.2 التأثير الأساسي والشعور الخام (Core Affect)

لتوضيح اللبنات الأولى لبناء المشاعر، طوّرت باريت بالتعاون مع جيمس راسل مفهوم «التأثير الأساسي» أو «الشعور الخام» (Core Affect). يُعرّف التأثير الأساسي بأنه حالة بيولوجية ومزاجية عصبية مستمرة وغير منقطعة تمثل المقياس البارومتري الداخلي لجسم الكائن الحي. لا يتطلب التأثير الأساسي وعياً تأملياً ولا يستلزم مفاهيم لغوية، بل هو انعكاس عصبي مباشر لما يجري داخل الأحشاء والأجهزة الفسيولوجية، ويتقلب باستمرار عبر فضاء ثنائي الأبعاد يتألف من محورين رئيسيين:

  • محور التكافؤ (Valence): ويمتد من المتعة والارتياح القصوى إلى عدم الارتياح والانزعاج الشديد.
  • محور الاستثارة أو التيقظ (Arousal): ويمتد من الهدوء والسكون التام وصولاً إلى النشاط الحركي والفسيولوجي العالي.

يعد التأثير الأساسي ظاهرة بيولوجية عامة وعالمية توجد لدى كافة البشر وحتى لدى الحيوانات، وتتغير مع خفقان القلب، وعمليات الهضم، والتقلبات الهرمونية؛ إلا أن باريت تشدد على التمييز الصارم بين «التأثير الأساسي الخام» و«العاطفة المكتملة» (Full-blown Emotion). فالشعور بالضيق أو الخمول أو التوتر هو مجرد تأثير أساسي غير مفسر؛ ولا يتحول هذا الإحساس الخام إلى عاطفة محددة كالحزن أو الذنب أو الإحباط إلا عندما يقوم الدماغ بتصنيفه وتأطيره من خلال إسقاط مفهوم عاطفي مستمد من المعرفة الثقافية واللغوية على تلك التبدلات الحشوية، وهو ما يفسر كيف تترجم المجتمعات المختلفة نفس التبدلات الفسيولوجية الأساسية إلى تصنيفات عاطفية متباينة تماماً.

3.3 الواقعية العاطفية وإدراك العالم الخارجي

تتمثل إحدى أهم النتائج الإدراكية لنظرية باريت في ظاهرة تطلق عليها مصطلح «الواقعية العاطفية» (Affective Realism). تشير هذه الظاهرة إلى الحقيقة الفسيولوجية العصبية التي بموجبها لا نرى العالم الخارجي كما هو بحيادية مجردة، بل نختبره مصبوغاً ومعدلاً وفقاً للحالة الوجدانية والتأثير الأساسي لأجسادنا في تلك اللحظة بالذات؛ حيث تؤثر الإشارات الحشوية الداخلية بشكل مباشر على القشرة البصرية والحسية وتحدد ما نراه وما نتجاهله قبل أن يصل المثير إلى مستوى الإدراك الواعي.

بموجب الواقعية العاطفية، إذا كان الدماغ يعاني من نقص في الطاقة أو إجهاد حشوي داخلي يترجم إلى تأثير أساسي غير مريح، فإنه يميل آلياً إلى تفسير الوجوه المحايدة على أنها وجوه عدائية أو غير جديرة بالثقة، ورؤية المنبهات البيئية العادية كتهديدات محدقة، أو إدراك تلة جبلية على أنها أكثر انحداراً وصعوبة في التسلق. توضح باريت أننا نتصرف في حياتنا اليومية تحت وهم شائع بأن حواسنا تنقل لنا واقعاً موضوعياً صلباً، بينما الحقيقة العصبية هي أن العالم المادي الذي نختبره هو نتاج تواطؤ مستمر بين كيمياء الجسد الداخلية، والتمثيلات التنبؤية للدماغ، والمدخلات الحسية الخارجية.

4. الحس الداخلي وموازنة طاقة الجسد (Allostasis)

4.1 مفهوم موازنة الحمل الحشوي والبدني (Allostasis)

تقيم باريت بنيتها العصبية على مفهوم بيولوجي تأسيسي هو «الاستقرار الديناميكي التنبؤي» أو «موازنة الحمل الحيوي» (Allostasis)، والذي يختلف جوهرياً عن المفهوم الطبي التقليدي لـ «الاستقرار الداخلي الثابت» (Homeostasis). فبينما يفترض الأخير أن الجسم يستجيب للتغيرات بعد وقوعها ليعيد المعايير البيولوجية (مثل حرارة الجسم ومستوى السكر) إلى نقطة توازن ثابتة عبر التغذية الراجعة، يفترض مفهوم «Allostasis» أن الدماغ يدير الجسد بطريقة استباقية وتنبؤية؛ حيث يتوقع الاحتياجات الفسيولوجية مسبقاً قبل حدوثها ويوجه الموارد الأيضية بكفاءة لتلبية تلك المتطلبات قبل أن تؤدي إلى خلل عضوي.

تشبّه باريت الدماغ في هذا السياق بـ «المحاسب المالي الحذر» الذي يدير بلا انقطاع ما تسميه «ميزانية الجسد» (Body Budget). في كل ثانية، يخصص الدماغ كميات محسوبة من الجلوكوز والأكسجين والماء والأملاح لمختلف الأجهزة الحيوية بناءً على توقعاته للمهام البيئية القادمة؛ فإذا توقع الدماغ حدوث مواجهة جسدية أو إلقاء خطاب عام، فإنه يضخ الموارد مقدماً إلى العضلات والقلب. وتوضح باريت أن الاضطرابات النفسية والجسدية المزمنة — كالاكتئاب، والألم المزمن، ومتلازمة الإرهاق — ليست في جوهرها سوى نتاج خلل مستمر وعجز متراكم في إدارة هذه الميزانية؛ حيث يواصل الدماغ الإنفاق المسرف للموارد الأيضية في مواجهة تهديدات متخيلة، أو يعجز عن «إيداع» طاقة جديدة، مما يدفع النظام الحيوي بأكمله إلى حافة الإفلاس الفيزيولوجي.

4.2 شبكة الحس الداخلي وتكامل الإشارات الفسيولوجية (Interoception)

يطلق مصطلح «الحس الداخلي» أو «الإدراك الحشوي» (Interoception) على المنظومة العصبية الحيوية المسؤولة عن مراقبة وتمثيل وتفسير جميع الإشارات الفسيولوجية الصادرة من داخل الجسم، بما يشمل نبضات القلب، وحركة الأمعاء، وتمدد الأوعية الدموية، ومستويات الهرمونات والسيتوكينات الالتهابية. توضح باريت أن الدماغ يمتلك «شبكة حس داخلي» واسعة النطاق تتمركز في مناطق جبهية وحشوية متخصصة؛ أبرزها القشرة الجزيرية (Insular Cortex)، والقشرة الحزامية الأمامية (Anterior Cingulate Cortex)، واللوزة الدماغية، والقشرة الجبهية الحجاجية (Orbitofrontal Cortex).

تقوم هذه الشبكة العصبية بتحويل السيل المتدفق من الإشارات الكيميائية والكهربائية الصامتة الصادرة من الأحشاء إلى خرائط عصبية عليا ومستمرة داخل الدماغ، وهي الخرائط التي تشكل الأساس البيولوجي للتأثير الأساسي الخام الذي يختبره الفرد. وتؤكد باريت أن الأفراد يتفاوتون بشكل حاد في درجة «الحساسية الحشوية» والدقة في ترجمة هذه الإشارات الداخلية؛ فالأفراد القادرون على قراءة إشارات أجسادهم بدقة دون خلطها بالمثيرات الخارجية يتمتعون بمرونة تكيفية أعلى، بينما يؤدي عجز الدماغ عن فك شفرة هذه الإشارات الحشوية إلى تشوهات إدراكية حادة تجعل القرارات الاجتماعية والمعرفية رهينة اضطرابات بدنية غير مفهومة للوعي الواعي.

5. الدماغ كآلة تنبؤية في أطروحات ليزا فيلدمان باريت

5.1 نموذج المعالجة التنبؤية والترميز التنبؤي (Predictive Processing)

تبنت ليزا فيلدمان باريت بقوة التحول الإبستمولوجي الكبير في علوم الأعصاب الحديثة المتمثل في نموذج المعالجة التنبؤية (Predictive Processing) ونظرية الترميز التنبؤي، المتأثرة بأطروحات الفيزيائي هيرمان فون هلمهولتز والمعاد صياغتها رياضياً عبر أعمال كارل فريستون (Karl Friston) وآندي كلارك (Andy Clark). بموجب هذا النموذج، يرفض علم الأعصاب الحديث الفرضية التجريبية القديمة القائلة بأن الدماغ عضو استجابي يقبع في سكون بانتظار تلقي الإشارات الحسية من العينين والأذنين والجلد ليعالجها ويصدر رد فعل حركي تجاهها.

على العكس تماماً، تؤكد باريت أن الدماغ محبوس داخل صندوق عظمي مظلم وصامت (الجمجمة)، ولا يمتلك وصولاً مباشراً إلى العالم الخارجي أو حتى إلى الأحشاء الداخلية؛ إذ تصله فقط تأثيرات غير مباشرة مشفرة على شكل موجات كهروكيميائية غامضة ومبهمة فيزيائياً. ولحل هذه المشكلة الإبستمولوجية، يعمل الدماغ كـ «آلة تنبؤية استباقية» (Predictive Engine) تقوم بتوليد نماذج وفرضيات مستمرة حول ما يحدث خارج الجمجمة وداخل الجسد استناداً إلى مخزون الذكريات والخبرات السابقة. يرسل الدماغ هذه التنبؤات هبوطياً (Top-down) إلى المناطق الحسية الأولية، ليقارنها بالبيانات الحسية الفعلية الصاعدة (Bottom-up)؛ فإذا تطابقت الفرضية مع المدخلات الحسية، أدرك الإنسان الواقع، وإذا حدث تباين، وُلِد ما يُعرف بـ «خطأ التنبؤ» (Prediction Error)، الذي يتوجب على الدماغ إما معالجته عبر تصحيح نموذجه الذهني الداخلي، أو التخلص منه عبر توجيه سلوك حركي يعدل المدخلات لتطابق التنبؤ.

5.2 بناء العاطفة كافتراض تنبؤي نشط

تطبق باريت نموذج المعالجة التنبؤية بصورة مباشرة على الظاهرة الانفعالية؛ فالعاطفة ليست سوى فرضية تنبؤية نشطة يصيغها الدماغ لمنح معنى لمجموعة من الإشارات الحسية المبهمة القادمة من الداخل والخارج في آن واحد. عندما يواجه الإنسان موقفاً بيئياً معيناً — كرؤية حيوان مفترس، أو سماع صوت مديره في العمل — فإن الدماغ لا ينتظر حتى تكتمل المعالجة الحسية ليرتعد خوفاً؛ بل يقوم فوراً، واستباقاً للحدث بجزء من الثانية، باستدعاء خبراته الماضية ذات الصلة، وإطلاق تنبؤات حسية وحركية تغير من ضربات القلب وتفرز الكورتيزول، معتبراً أن النمط الفسيولوجي الحالي في هذا السياق المحدد يمثل حالة «خوف» أو «تحدٍ».

تفسر هذه الآلية التنبؤية السرعة الخارقة للاستجابات العاطفية، والتي طالما فسرها علماء النفس الكلاسيكيون خطأً بأنها ردود أفعال آلية فطرية غير واعية؛ فالعاطفة سريعة لأنها استباقية تنبؤية وليست رد فعل متأخر. علاوة على ذلك، ينسجم هذا الطرح تماماً مع «مبدأ الطاقة الحرة» (Free Energy Principle)، حيث يجهد الدماغ دوماً لتقليل الشك والاضطراب المعلوماتي عبر مطابقة نماذجه التنبؤية مع الواقع الحسي بأقل كلفة أيضية ممكنة. وتكشف باريت هنا عن وهم الإدراك اليومي القاتل: إننا لا نختبر العالم الخارجي عبر حواسنا بنقاء موضوعي، بل نختبر إسقاطات تنبؤات أدمغتنا الخاصة، وما المشاعر سوى فرضيات عقلية تهدف إلى توجيه الجسد نحو الفعل الأكثر تكيفاً للبقاء.

6. نقد علم الأعصاب الكلاسيكي والبصمات العصبية

6.1 تفكيك أسطورة الدماغ الثلاثي للوك ماكلين

شنت باريت هجوماً نقدياً لاذعاً على إحدى أكثر الخرافات رسوخاً في الثقافة العامة وعلم النفس التقليدي: فرضية «الدماغ الثلاثي» (Triune Brain) التي صاغها عالم التشريح العصبي بول ماكلين (Paul MacLean) في ستينيات القرن العشرين. قسمت هذه الفرضية القديمة الدماغ البشري إلى ثلاث طبقات تطورية متراكمة فوق بعضها البعض عبر الزمن: الدماغ الزاحفي السفلي (جذع الدماغ) المسؤول عن الغرائز الأساسية، يعلوه الدماغ القديم للثدييات أو الجهاز الحوفي (Limbic System) المسؤول عن العواطف والانفعالات الحيوانية، ثم القشرة المخية الحديثة (Neocortex) المسؤولة حصراً عن التفكير العقلاني الإنساني الفريد وكبح جماح النزوات العاطفية السفلية.

تستشهد باريت بعقود من أبحاث البيولوجيا العصبية التطورية والتشريح المقارن (مثل أعمال جورج ستريدتر وتلميذه هارفارد باربارا فينلي) لتؤكد أن فرضية الدماغ الثلاثي خرافة علمية باطلة تماماً تشريحياً وتطورياً. تثبت المعطيات الجينية الحديثة أن أدمغة جميع الثدييات والفقاريات تنمو وتتطور وفقاً لنفس المخطط البنيوي العام، وأن القشرة المخية ليست حكراً على الإنسان بل تشترك في تكوينها كافة الثدييات؛ كما ترفض باريت مفهوم «الجهاز الحوفي» ذاته باعتباره وهماً تشريحياً لم يصمد أمام معايير البيولوجيا الجزيئية الحديثة. وبناءً على ذلك، تسقط باريت الفكرة الفلسفية القديمة عن وجود صراع بيولوجي محتوم بين «العقلانية العليا» و«العواطف الحيوانية السفلى»، مؤكدةً أن الدماغ البشري يعمل كوحدة وظيفية وشبكية متكاملة لا تنفصل فيها المعالجة العاطفية عن القرار العقلاني على الإطلاق.

6.2 إعادة فحص وظيفة اللوزة الدماغية (Amygdala)

يعد اختزال وظيفة اللوزة الدماغية (Amygdala) بوصفها «مركز الخوف» الفطري في الدماغ البشري أحد الركائز المنهجية التي دأب النموذج الكلاسيكي على ترويجها بالاستناد إلى تجارب تكييف الخوف على القوارض. تصدت ليزا فيلدمان باريت لهذا الاختزال عبر استعراض الأدلة الإكلينيكية المضادة، وفي مقدمتها دراسات الحالات العصبية النادرة لأشخاص يعانون من متلازمة أورباخ-فيته (Urbach-Wiethe disease)، وتحديداً المريضة الشهيرة عالمياً باسم (S.M.)، والتي تعرضت لتلف ثنائي وتكلس كامل في اللوزة الدماغية منذ طفولتها.

بينما أظهرت الدراسات الأولية عجز المريضة (S.M.) عن التعرف على تعابير الخوف في وجوه الآخرين، أثبتت باريت وزملاؤها في تجارب لاحقة أن هذا العجز لم يكن ناتجاً عن غياب ملكة الخوف بحد ذاتها، بل عن فشل المريضة في توجيه بصرها تلقائياً نحو عيون الشخص المقابل لاستخلاص المعلومات؛ وعندما طُلب منها صراحة النظر إلى الأعين، استطاعت التعرف على الخوف فوراً وبدقة تامة. والأدهى من ذلك، أظهرت التجارب أن استنشاق المريضة لغاز ثاني أكسيد الكربون بتركيز مرتفع أدخلها في نوبة هلع وخوف شديدين تفوق استجابة الأفراد الأصحاء، مما يسقط تماماً الزعم القائل بأن اللوزة هي المولد الحصري لشعور الخوف. وتخلص باريت إلى إعادة تعريف اللوزة الدماغية تشريحياً ووظيفياً لا كمركز للعاطفة، بل كنواة لكشف «الجدّة والغموض والأهمية الحيوية» (Salience and Novelty Detection)؛ حيث تقتصر وظيفتها على تنبيه الدماغ إلى وجود مثير بيئي أو جسدي غير متوقع يتطلب توجيه الموارد المعرفية لموازنته، بصرف النظر عما إذا كان هذا المثير مرعباً، أو مشتهى، أو مجرد حدث جديد غامض.

6.3 التعددية العصبية وانعدام التماثل (Degeneracy)

أدخلت باريت مفهوماً بيولوجياً بنيوياً بالغ الأهمية من علم الأحياء التطوري إلى علم الأعصاب النفسي لتفسير كيفية توليد الدماغ للمشاعر دون الحاجة إلى بصمات موضعية، وهو مفهوم «التعددية التكافؤية» أو «التنكس العصبي الإيجابي» (Degeneracy). يشير هذا المبدأ البيولوجي إلى قدرة عناصر وأجهزة بنيوية متباينة تشريحياً وجينياً على إنتاج نفس المخرجات الوظيفية والسلوكية المتطابقة تحت ظروف سياقية مختلفة؛ وهو المبدأ الذي يفسر كيف يمكن للنظام البيولوجي أن يحافظ على متانته واستمراريته في بيئات غير مستقرة.

عند تطبيق هذا المبدأ على علم الأعصاب الإدراكي، تؤكد باريت أنه لا توجد شبكة عصبية واحدة ثابتة ولا دارة مفردة مسؤولة حصرياً عن توليد عاطفة معينة كالحزن أو الغضب؛ بل يمكن للدماغ إنتاج نفس الشعور بالخوف اليوم عبر تنشيط توليفة معينة من الأنماط العصبية الموزعة في الفصين الجبهي والصدغي، وتوليد نفس التجربة الشعورية غداً عبر مسارات عصبية وشبكات خلوية مغايرة تماماً، وذلك تبعاً للحالة الأيضية والسياق الموقفي الحاضر. وبذلك، تدحض باريت افتراض التماثل الموضعي البسيط (Isomorphism) الذي افترض وجود تطابق هندسي فردي بين حالة نفسية محددة ودارة عصبية صلبة، فاتحةً الباب أمام نموذج عصبي ديناميكي مرن يتجاوز التموضع التشريحي الجامد نحو دراسة التفاعلات الشبكية واسعة النطاق.

7. دور اللغة والمفاهيم والتنشئة الاجتماعية في تشكيل المشاعر

7.1 المفاهيم العاطفية كنظم تصنيفية حاسمة لبناء التجربة

تحتل «المفاهيم» (Concepts) موقع الصدارة في نظرية العاطفة المبنية؛ إذ تفترض باريت أن الدماغ لا يمكنه إنتاج تجربة عاطفية مكتملة أو فهم مشاعر الآخرين دون امتلاك واستدعاء منظومة من المفاهيم العاطفية المجردة. المفهوم في أطروحة باريت ليس مجرد فكرة ذهنية أو تعريف معجمي بارد، بل هو شبكة معرفية متكاملة تتألف من تجسيدات حسية-حركية مجمعة عبر سنوات التنشئة والخبرة، تُستخدم لتصنيف الإشارات الحشوية الغامضة والمدخلات البيئية العشوائية وجعلها قابلة للفهم والاستجابة المنظمة.

تؤكد باريت أن امتلاك المفهوم العاطفي واستدعاءه هو ما يحول التغيرات الفسيولوجية من «مجرد خفقان في الصدر وتشنج في عضلات المعدة» إلى تجربة ذات معنى تُسمى «خوفاً»، مما يملي على الكائن الحي الهروب، أو إلى تجربة تُسمى «شغفاً وحماساً»، مما يملي عليه الإقدام والتواصل. وفي حال غياب المفهوم اللغوي والثقافي المحدد للحالة، يظل الإنسان عاجزاً عن بناء التجربة العاطفية بتفاصيلها الدقيقة؛ حيث يبقى حبيس التأثير الأساسي الخام المتمثل في انزعاج عام ومبهم دون القدرة على توجيه سلوكه التكيفي بفاعلية. فاللغة ليست وسيلة للتعبير عن مشاعر مسبقة الصنع والوجود، بل هي الأداة المعرفية الحاسمة التي يستخدمها الدماغ البشري لصناعة وتخليق تلك المشاعر في المقام الأول.

7.2 الدقة العاطفية (Emotional Granularity) والصحة النفسية

قاد التركيز على الأبعاد المفاهيمية واللغوية باريت إلى صياغة مفهوم تجريبي بارز أحدث صدى واسعاً في علم النفس الإكلينيكي والعلاجي، وهو «الدقة العاطفية» (Emotional Granularity). تشير الدقة العاطفية إلى قدرة الفرد على بناء وتجربة وتمييز حالاته الوجدانية بمستويات عالية من التفصيل والتحديد اللفظي والفكري؛ حيث ينقسم البشر إلى طيف واسع يمتد بين نمطين من الدقة:

  • أفراد ذوو دقة عاطفية منخفضة (Low Granularity): وهم الذين يصفون تجاربهم الداخلية بعبارات فضفاضة وعامة للغاية؛ مثل «أشعر بالسوء»، أو «أنا منزعج»، مستخدمين كلمات مثل الغضب والحزن والخوف والذنب كمرادفات متطابقة لحالة واحدة من الضيق البدني.
  • أفراد ذوو دقة عاطفية مرتفعة (High Granularity): وهم القادرون على التمييز الصارم بين حالات دقيقة ومتباينة؛ فيفرقون بين «الخيبة»، و«الإحباط»، و«الإنهاك»، و«الذنب»، و«الحنق»، بناءً على تحليل عميق للسياق والإشارات الجسدية.

أثبتت أبحاث باريت التجريبية أن ارتفاع مستوى الدقة العاطفية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بسلامة الصحة النفسية والجسدية وطول العمر؛ فالأفراد ذوو الدقة المرتفعة يحتاجون لزيارات أقل للأطباء، وتتعافى أجسادهم بشكل أسرع من الضغوط الفسيولوجية، ويُظهرون معدلات أقل بكثير في الانتكاس الإدماني، ونوبات الاكتئاب السريري، ونوبات الغضب المتهور. والسبب العصبي وراء ذلك يكمن في أن التمييز الدقيق بين الحالات الانفعالية يمنح الدماغ «أدوات تنبؤية بالغة الدقة» لتحديد خطة الفعل السلوكي المثلى وتوجيه موارد ميزانية الجسد بإنفاق محسوب، بدلاً من إعلان حالة طوارئ فسيولوجية عامة تستنزف طاقة البدن بلا طائل.

7.3 النسبية الثقافية وتنوع الأنطولوجيا العاطفية

في إطار نقدها الصارم للزعم القائل بعالمية التعبيرات العاطفية، قادت باريت وفريقها الميداني بعثات أنثروبولوجية وسيكولوجية رائدة إلى مجتمعات وثقافات نائية ومعزولة جغرافياً وإعلامياً، شملت قبائل «الهيمبا» (Himba) في صحراء شمال ناميبيا، وقبائل «الهادزا» (Hadza) في تنزانيا، وسكان جزر ميلانيزيا. عندما عُرضت على أفراد هذه المجتمعات صور تعبيرات الوجوه الكلاسيكية (التي طورها إيكمان) وطُلب منهم فرزها وتصنيفها دون تقديم مفردات عاطفية غربية جاهزة لفرضها عليهم، جاءت النتائج مدوية وصادمة للنموذج التقليدي؛ حيث قام أفراد تلك القبائل بتصنيف الوجوه بناءً على «الحركة الجسدية المباشرة» (كالضحك أو الصراخ) أو «الأفعال السياقية» وليس على أساس فئات عاطفية نفسية كالغضب أو الحزن.

توثق باريت أن المشاعر ليست مشتركة بيولوجياً بين جميع الثقافات، بل إن كل ثقافة تبني أنطولوجيتها العاطفية الخاصة وفقاً لحاجاتها التكيفية ومنظوماتها اللغوية؛ فالشعور الذي يبدو للغربيين فطرياً وتلقائياً قد يكون معدوماً تماماً في ثقافة أخرى لا تملك مفهوماً لغوياً له. تستعرض باريت مفاهيم عاطفية حقيقية تختبرها شعوب معينة وتغيب عن المعاجم الغربية؛ مثل مفهوم «ليغيت» (Liget) لدى قبائل الإيلونغوت في الفلبين (وهو مزيج معقد من الطاقة الحركية والشغف التنافسي والحنق الموجه لقطع الرؤوس)، أو المفهوم الألماني الشهير «شادنفرويده» (Schadenfreude – الفرح بمصائب الآخرين). وتخلص باريت إلى أن «العولمة العاطفية» التي فرضت النموذج النفسي الغربي على العالم تمثل شكلاً من أشكال الإمبريالية المعرفية التي تشوه التنوع البشري الهائل، مؤكدةً أن التربية الاجتماعية والتلقين الثقافي هما المحركان الأساسيان لغرس المفاهيم التي تشكل عقولنا وتملي علينا ما نشعر به.

8. المنهجية العلمية والتقنيات العصبية في مختبر باريت

8.1 تطوير أدوات القياس الفسيولوجي والنفسي متطورة الدقة

لتجاوز عيوب الدراسات الكلاسيكية التي كانت تعتمد على استبيانات ورقية ومقاييس سطحية، أسست ليزا فيلدمان باريت في مختبرها منظومة قياس فسيولوجي شديدة التعقيد والتكامل. اعتمدت على الجمع المتزامن بين تقنية تخطيط كهربائية العضل الوجهية (Facial Electromyography – EMG) عالية الدقة — القادرة على رصد أدق الانقباضات الميكروية في العضلات الوجنية (Zygomatic) والجبينية المقطبة (Corrugator) التي لا يمكن للعين المجردة رؤيتها — وقياسات تقلب معدل ضربات القلب (HRV)، وموصلية الجلد الكهربائية (EDA)، وتدفق الدم المحيطي عبر مخطط التحجم الضوئي.

علاوة على ذلك، كانت باريت من رواد إدخال تقنية «التقييم اللحظي البيئي» (Ecological Momentary Assessment – EMA) في أبحاث العلوم العاطفية عبر استخدام الحواسيب الكفية ثم تطبيقات الهواتف الذكية؛ حيث كان يتم استدعاء الأفراد عشوائياً في سياقات حياتهم الطبيعية اليومية بمعدل عشرات المرات في اليوم لتوثيق حالاتهم الحشوية وخبراتهم الشعورية في لحظة حدوثها الواقعية. ساهم هذا المنهج الميداني الدقيق في استبعاد «تحيزات الذاكرة الاسترجاعية» (Recall Bias)، وتجريد الباحثين من القدرة على توجيه المبحوثين نحو فئات عاطفية مسبقة، مما كشف عن الفجوة العميقة بين ما يختبره الناس بيولوجياً في بيئاتهم الحية وبين ما يزعمون أنهم يشعرون به عندما يُسألون في غرف المختبر المصطنعة.

8.2 التصوير العصبي الوظيفي (fMRI) وتحليلات الشبكات العصبية واسعة النطاق

على صعيد دراسات الدماغ، أحدثت باريت نقلة نوعية في كيفية استخدام وتفسير بيانات الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)؛ حيث أعلنت رفضها الصارم لمنهج «التنشيط الموضعي السطحي» (Blobology) الذي كان يكتفي بالبحث عن بقعة مضيئة داخل الدماغ ليعلن اكتشاف مقر العاطفة الفلانية. بدلاً من ذلك، تبنت باريت منهجية «ديناميكيات الشبكات العصبية واسعة النطاق» (Large-Scale Brain Networks)، مستفيدة من التطور الهائل في تحليل أنماط التنشيط متعددة المتغيرات (Multi-Voxel Pattern Analysis – MVPA) وعلوم البيانات الضخمة (Big Data).

أثبتت أبحاث باريت أن معالجة وبناء العواطف لا تتم داخل أجزاء معزولة، بل تنبثق من التفاعل التزامني المعقد بين شبكات رئيسية تمتد عبر الدماغ بأكمله، وأهمها:

  • شبكة الوضع الافتراضي (Default Mode Network – DMN): وتلعب الدور المركزي في استدعاء الذاكرة الدلالية، وبناء المفاهيم العاطفية، والمحاكاة التنبؤية، وإدراك الذات العقلية والاجتماعية.
  • شبكة الأهمية والبروز الحشوي (Salience Network): وتتولى مراقبة وتعديل وتوجيه إشارات الحس الداخلي القادمة من ميزانية الجسد وربطها بالمثيرات الخارجية الطارئة.
  • شبكة التحكم التنفيذي (Executive Control Network): وتعمل على تركيز الانتباه وتعديل خطأ التنبؤ الحسي في المواقف التكيفية المعقدة.

من خلال رسم خرائط طوبولوجية متقدمة لهذه الشبكات التنبؤية، أظهرت باريت أن نفس الشبكات التي تبني المشاعر هي ذاتها التي تصنع القرارات العقلانية، والذكريات الشخصية، والإدراك البصري التجريدي، مما وضع نهاية علمية حاسمة لعقود من محاولات تقطيع الدماغ إلى جزر وظيفية مغلقة.

9. التطبيقات الإكلينيكية والطب النفسي في ضوء الأبحاث الحديثة

9.1 إعادة صياغة الأمراض النفسية من منظور ميزانية الجسد

أحدثت أطروحات ليزا فيلدمان باريت زلزالاً مفاهيمياً في الطب النفسي البيولوجي والإكلينيكي؛ إذ دعت إلى إعادة النظر جذرياً في تصنيف الاضطرابات النفسية الذي كرسّه الطب الكلاسيكي بوصفها اختلالات كيميائية غير مفهومة أو أمراضاً منعزلة تصيب العقل الواعي دون الجسد. فمن منظور نظرية العاطفة المبنية، يُعاد تفسير الاكتئاب السريري الحاد (Major Depressive Disorder) بوصفه حالة مزمنة وقاتلة من «إفلاس ميزانية طاقة الجسد»؛ حيث يقع الدماغ في مأزق تنبؤي قاهر يجعله يتوقع باستمرار وجود عجز أيضي هائل، فيتوقف عن الاستثمار في الحركة والتفاعل الاجتماعي، ويغلق منافذ استهلاك الطاقة محاصراً المريض في سكون بدني تام وشعور دائم بالبؤس والعدمية.

وبالمثل، يعاد تفسير اضطرابات القلق ونوبات الهلع كخلل مستمر في قدرة الدماغ على معالجة «خطأ التنبؤ»؛ حيث يكون الدماغ مقفلاً على نموذج تنبؤي كارثي يرى التهديد والخطر في كل إشارة حسية عادية، مع عجز القشرة الدماغية عن تعديل هذه الفرضية بالاستناد إلى واقع الأمان الفعلي المحيط. كما تقدم النظرية تفسيراً عصبياً أنيقاً لظاهرة «الجسدنة» والاضطرابات الجسدية غير المبررة طبياً (Somatization)؛ كمتلازمة القولون العصبي أو الفيبروميالغيا، حيث يفشل الدماغ في فك شفرة إشارات الحس الداخلي ويترجم الإجهاد الأيضي العام إلى آلام بدنية موضعية مزمنة. وتشدد باريت على أن التدخلات الطبية الأساسية يجب أن تركز أولاً على إصلاح الركائز المادية لميزانية الجسد: النوم المنتظم العميق، والتغذية السليمة، والرياضة البدنية، وتخفيف الالتهاب العضوي؛ إذ لا يمكن تعديل عقل يعاني دماغه الحابس له من شح أيضي مزمن.

9.2 تطوير استراتيجيات جديدة للعلاج النفسي والتدخل السلوكي

امتدت ثورة باريت النظرية إلى غرف العلاج النفسي والتحليل المعرفي السلوكي (CBT)؛ حيث كشفت عن قصور الطرق العلاجية التقليدية التي كانت تكتفي بمحاولة دحض الأفكار المشوهة أو السيطرة على الانفعالات عبر القمع العقلاني. بدلاً من ذلك، يوجه النموذج البنائي المعالجين نحو العمل على «إعادة صياغة المفاهيم الحسية» وتوسيع المخزون الدلالي للمريض لتمكينه من تعديل التنبؤات الاستباقية لدماغه قبل أن تتبلور في هيئة عواطف مدمرة.

يتضمن التدخل العلاجي المستند إلى أبحاث باريت تدريب المرضى المكثف على «زيادة الدقة العاطفية» كأداة سريرية تنظيمية؛ فبدلاً من أن يستجيب المريض لاضطراب دقات قلبه السريعة بتسميتها التلقائية كـ «نوبة ذعر» تتطلب استنفاراً طبياً، يتعلم تصنيفها كـ «استعداد بدني طبيعي لنشاط أيضي» أو «أثر لكوب قهوة إضافي»، وهو ما يغير فوراً المسار الفسيولوجي للاستجابة بأكملها. كما تُرسي النظرية مبدأ «الشك الإدراكي»، حيث يتدرب المريض على فصل إحساسه البدني غير المريح عن حكمه العقلي على الواقع؛ فإذا شعرت بالانقباض والضيق أثناء اجتماع عمل، فليس بالضرورة أن زملاءك يتآمرون ضدك، بل قد يكون دماغك يمر بوعكة استقلابية تتطلب تناول وجبة خفيفة وموازنة ميزانيتك الجسدية فوراً. هذا الدمج بين الإدراك الحشوي والعلاج المعرفي يُخرج المريض من سجن مشاعره المتخيلة إلى فضاء التحكم البيولوجي الواعي.

10. التداعيات القانونية والأخلاقية والاجتماعية والذكاء الاصطناعي

10.1 القانون الجنائي ومسألة المسؤولية الأخلاقية عن الانفعالات

تفتح أطروحات ليزا فيلدمان باريت جبهة قانونية وفلسفية غير مسبوقة تزلزل الأسس التقليدية للقانون الجنائي وفلسفة العقاب في العالم المعاصر. يقوم الفقه الجنائي الغربي التاريخي على التمييز الصارم بين أفعال القصد والترصد المتعمدة من جهة، وبين الأفعال المرتكبة تحت وطأة «ثورة الغضب المؤقت» أو «الجريمة العاطفية» (Crime of Passion) التي تُعامل كظرف مخفف، استناداً إلى الزعم الكلاسيكي بأن العواطف هي قوى حيوانية خارجة عن السيطرة «تختطف» العقل الرشيد بصورة قهرية لا إرادية.

تدحض باريت هذا المنطق القانوني من جذوره؛ فإذا كانت العواطف لا تختطف الدماغ، بل هي فرضيات تنبؤية يبنيها الدماغ بنشاط استناداً إلى مفاهيمه المكتسبة وتجاربه السابقة، فإن الإنسان يتحمل مسؤولية أخلاقية وقانونية مباشرة ليس فقط عن أفعاله الحركية، بل وعن المفاهيم التي يغذي بها عقله، والمحيط الذي يضع نفسه فيه، وطريقة إدارته لميزانية جسده التي تؤهله لتلك الاستجابات. وعلاوة على ذلك، وجهت باريت نقداً مدمراً لشهادات الخبراء في المحاكم التي تستند إلى أجهزة كشف الكذب (Polygraphs) أو تحليلات تعابير الوجوه للمتهمين لتقرير مدى ندمهم أو إدانتهم، مؤكدة أنها ممارسات علمية زائفة لا أساس بيولوجي لها وتؤدي إلى أحكام قضائية جائرة وظالمة نتيجة استسلام القضاة وهيئات المحلفين لـ «الواقعية العاطفية» الخاصة بهم أثناء تقييم سلوك المتهمين.

10.2 نقد أنظمة الذكاء الاصطناعي المخصصة للتعرف على المشاعر (Emotion AI)

قادت ليزا فيلدمان باريت في السنوات الأخيرة حملة علمية وأخلاقية شرسة ضد شركات التقنية العالمية وصناعة «الذكاء الاصطناعي العاطفي» (Emotion AI)، وهي سوق تجارية تقدر بمليارات الدولارات تطور خوارزميات تزعم قدرتها على قراءة مشاعر البشر، وصدقهم، وكفاءتهم النفسية من خلال تحليل كاميرات الفيديو لحركات عضلات الوجه وارتجافات الصوت. شنت باريت هجومها عبر مقالات علمية بارزة في كبرى المجلات مثل (Nature) وشهادات رسمية أمام الهيئات التشريعية والتنظيمية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مؤكدة أن هذه البرمجيات تبيع وهماً تجارياً خطيراً مؤسساً على «علم كلاسيكي زائف وعفا عليه الزمن».

توضح باريت أن ما تقيسه الكاميرات والذكاء الاصطناعي هو مجرد «حركات عضلية سطحية» (Facial Movements)، في حين أن «التعبير العاطفي» (Facial Expression) ظاهرة معقدة مرتبطة بسياق اجتماعي وثقافي وبيئي يتعامى عنه الحاسوب؛ فالعبوس قد يعني الغضب، وقد يعني التركيز العميق، وقد يعني عسر الهضم. ونبهت باريت إلى المخاطر التمييزية الكارثية لتطبيق هذه الأنظمة الخرقاء في المقابلات الوظيفية، وتقييم الطلاب في المدارس، والمراقبة الأمنية في المطارات ونقاط التفتيش؛ حيث تفرض هذه التقنيات قالباً غربياً أحادياً للتعبيرات وتعتبر أي تباين ثقافي أو حركي دليلاً على الكذب أو العدوانية، داعية إلى حظر استخدام هذه الخوارزميات قانونياً ما لم يتم تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي تفهم السياق المركب وتتخلى عن فكرة البصمة البيولوجية الثابتة.

11. المناظرات الأكاديمية والنقاشات النقدية المضادة

11.1 السجالات مع علماء النفس التطوري والمدافعين عن العواطف الأساسية

فجّرت أطروحات ليزا فيلدمان باريت سجالات أكاديمية عاصفة تُعد من بين الأكثر سخونة وشراسة في تاريخ علم النفس المعاصر، واضعة إياها في مواجهة مباشرة مع عمالقة المدرسة الكلاسيكية، وفي مقدمتهم بول إيكمان (Paul Ekman)، وداشر كيلتنر (Dacher Keltner)، وجاك بانكسيب (Jaak Panksepp) رائد علم الأعصاب العاطفي الحيواني. دافع هؤلاء العلماء بشراسة عن أطروحاتهم، مؤكدين أن عقوداً من الدراسات المقارنة وتجارب التحفيز الكهربائي العميق على الثدييات (كالقطط والجرذان) أثبتت وجود دارات عصبية تحت قشرية مخصصة للنجاة تطلق استجابات موحدة كالهلع والغضب والرعاية واللعب.

ردت باريت على هذه الانتقادات عبر صياغة تفريق إبستمولوجي حاسم بين «دوائر النجاة السلوكية» (Behavioral Survival Circuits) — كالتجمد، أو الهرب، أو العض، وهي بالفعل آليات فيزيولوجية تطورية مشتركة بين الثدييات تشرف عليها مناطق عميقة كالمادة الرمادية المحيطة بالمسال (PAG) — وبين «التجربة العاطفية الذاتية والواعية» (Subjective Emotional Experience)؛ فالجرذ قد يتجمد رعباً بفعل رد فعل حركي دفاعي، لكن هذا لا يعني أن لديه مفهوماً ذاتياً واعياً عن «الخوف» بالمفهوم النفسي البشري. كما تصدت باريت للاتهام الموجه لنظريتها بعدم «قابليتها للتكذيب» (Falsifiability) بمفهوم كارل بوبر، مقدمةً مئات التنبؤات العصبية والفسيولوجية الدقيقة التي يمكن اختبارها وتكذيبها تجريبياً في المختبرات، ومؤكدة أن المدرسة الكلاسيكية هي التي تمارس التحصين الدائري لفرضياتها عبر استبعاد أي تباين بيولوجي من حساباتها العلمية.

11.2 حدود النموذج البنائي ومواطن الضعف المحتملة

على الرغم من النجاح الساحق الذي حققته نظرية باريت، فقد وُجهت إليها انتقادات علمية رصينة من قبل فلاسفة الذهن وعلماء الأعصاب الإدراكيين؛ حيث تركزت الانتقادات حول ما اعتبره البعض «مغالاة بنيوية ولغوية» تجعل العواطف مرهونة كلياً بالثقافة واللغة على حساب المعطيات البيولوجية الفطرية الثابتة. تساءل النقاد: إذا كانت المفاهيم اللغوية هي التي تصنع العواطف، فكيف يعبر الرضع والمواليد وحديثو الولادة — الذين لم يكتسبوا بعد أي حصيلة لغوية أو مفاهيمية — عن مشاعر واضحة كالحزن والغضب، وكيف يختبر المصابون بالحبسة الكلامية الشديدة (Aphasia) مشاعر عميقة رغم تدمير مراكز اللغة لديهم؟

أجابت باريت عن هذه المعضلات بتوضيح أن الأطفال الرضع لا يولدون بمشاعر مكتملة، بل يولدون بأجهزة حس داخلي فعالة تختبر التأثير الأساسي الخام (الارتياح والضيق الحشوي)، وهم يبدؤون منذ لحظة الولادة الأولى — عبر آليات التعلم الإحصائي السريع (Statistical Learning) والتنبؤ الإدراكي — في استخلاص الأنماط من بيئتهم وتكوين مفاهيم حسية مبكرة جداً تسبق النطق اللغوي، بتوجيه ورعاية من أدمغة الوالدين التي تعمل كـ «منظم خارجي» لميزانية جسد الرضيع. ومع ذلك، يقر العديد من الباحثين بأن الجدل الإبستمولوجي لا يزال مفتوحاً حول ما إذا كانت هناك حالات إدراكية أولية «غير مفاهيمية» (Non-conceptual Content) تمتلك صفة العاطفة وتتجاوز النطاق الذي حددته باريت في نظريتها الإنشائية الصارمة.

12. المؤلفات الفكرية الكبرى، الإرث العلمي، والمستقبل

12.1 التحليل النقدي لكتاب «كيف تُصنع العواطف: الحياة السرية للدماغ» (2017)

شكّل صدور كتاب باريت المرجعي الأول الموجه للأكاديميين والجمهور العام في آن واحد، «كيف تُصنع العواطف: الحياة السرية للدماغ» (How Emotions Are Made: The Secret Life of the Brain) في عام 2017، علامة فارقة في المشهد الثقافي والعلمي العالمي. قدم الكتاب الأطروحة الإنشائية الكاملة بأسلوب نثري يجمع بين الصرامة البيولوجية العصبية والبيان السردي الممتع، محطماً الجدار التقليدي العازل بين الأبحاث المخبرية المغلقة وبين الوعي الجمعي للإنسان العادي.

تُرجم الكتاب إلى أكثر من ثلاثين لغة أجنبية، وأحدث هزة كبرى في الخطاب النفسي والإعلامي؛ حيث صُنّف ضمن أفضل الكتب العلمية الصادرة في ذلك العام من قبل منصات دولية كـ (Wall Street Journal) و(Smithsonian). وفي حين حظي الكتاب باحتفاء هائل من أوساط علم الأعصاب الإدراكي والفلسفة المعاصرة بوصفه مانيستو الثورة البنائية، استقبله المدافعون عن المدرسة الداروينية الكلاسيكية بتحفظ شديد وهجمات مضادة في الصحافة العلمية. إلا أن الأثر الدائم للكتاب استقر في قدرته على تغيير الكيفية التي يفكر بها ملايين البشر حول العالم في مشاعرهم؛ محولاً العاطفة من قدر غريزي محتوم إلى مسؤولية واعية ومساحة لبناء الذات وتجديدها.

12.2 كتاب «سبعة دروس ونصف عن الدماغ» (2020) وتبسيط علم الأعصاب

في عام 2020، عززت باريت مكانتها كأبرز مفكرة في علوم الأعصاب الحديثة عبر إصدارها كتاباً مكثفاً وموجزاً بعنوان «سبعة دروس ونصف عن الدماغ» (Seven and a Half Lessons About the Brain). جاء الكتاب في مقالات فلسفية وعلمية قصيرة تستهدف تفكيك الخرافات الشعبية المستقرة حول تطور الدماغ وقدراته العقلية بأسلوب رشيق متاح للقارئ غير المتخصص، دون التفريط بالدقة العلمية الصلبة.

أعادت باريت في هذا العمل صياغة الغاية الحيوية للجهاز العصبي بكثافة مبهرة، مؤكدة درساً جوهرياً: «دماغك ليس مخصصاً للتفكير؛ بل إن التفكير هو وسيلة ثانوية لغايته البيولوجية الأسمى وهي تنظيم وتنسيق ميزانية طاقة الجسد للبقاء والتكاثر». ومن خلال تفكيك خرافات الدماغ الثلاثي والندرة العصبية، يختتم الكتاب بدعوة إنسانية وفلسفية عميقة تؤسس لـ «إنسانية عصبية جديدة» ترتكز على الترابط البيولوجي الوثيق بين البشر؛ فنحن كائنات تؤثر أفعالنا وكلماتنا ومفاهيمنا بصورة مباشرة ومادية على ميزانيات أجساد الآخرين وأجهزتهم العصبية، مما يجعل كل إنسان مسؤولاً بيولوجياً عن شقيقه الإنسان في المجتمع.

12.3 الجوائز والتقدير الأكاديمي وآفاق علم النفس العصبي المستقبلي

تُوجت المسيرة الأكاديمية الاستثنائية لـ ليزا فيلدمان باريت بحصد أرفع الأوسمة والجوائز العلمية العالمية تقديراً لإسهاماتها الثورية في تغيير خريطة العلوم الإنسانية. نالت باريت زمالة غوغنهايم المرموقة (Guggenheim Fellowship) في علم الأعصاب، وانتُخبت عضواً دائماً في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم (American Academy of Arts and Sciences)، والجمعية الملكية الكندية (Royal Society of Canada). كما منحها المعهد الوطني للصحة في الولايات المتحدة جائزة «رائد المعاهد الوطنية للصحة» (NIH Director’s Pioneer Award)، وهي منحة تُمنح فقط للعلماء ذوي الرؤى الاستثنائية القادرة على إحداث تحولات جذرية في العلوم الطبية الحيوية، وشغلت منصب رئيسة جمعية العلوم النفسية (APS).

أعادت أفكار باريت صياغة مناهج التدريب الأكاديمي لأطباء الأعصاب والمعالجين النفسيين في كبرى الجامعات العالمية. وتتجه مشاريعها البحثية الحالية في مختبرها المشترك بين جامعة نورث إيسترن وكلية الطب بهارفارد نحو استكشاف آفاق جديدة لعلم الأعصاب؛ مثل دراسة تأثير الشيخوخة ومرض ألزهايمر على مرونة شبكات الحس الداخلي وميزانية البدن، وكيفية إعادة برمجة التنبؤات العصبية لعلاج الاضطرابات المناعية الذاتية المرتبطة بالإجهاد العصبي. تقف ليزا فيلدمان باريت اليوم في مصاف أهم وأجرأ العقول العلمية في تاريخ العلوم النفسية المعاصرة، تاركةً بصمة فكرية وتجريبية لا تُمحى أعادت للإنسان سيادته ومسؤوليته المعرفية عن تشكيل واقعه الداخلي ووعيه بالعالم المحيط.

خاتمة: إعادة تعريف الطبيعة البشرية

تجاوزت ليزا فيلدمان باريت خلال مسيرتها العلمية الممتدة من تورونتو عام 1963 حتى الوقت الحاضر مجرد تصحيح نظريات سيكولوجية سابقة لتصل إلى إعادة صياغة جذرية لمفهوم الطبيعة البشرية برمته. لقد انتشلت باريت العواطف الإنسانية من عالم الغرائز الحيوانية السلبية الثابتة المشفرة مسبقاً، لتضعها في قلب الفاعلية الإدراكية الخلاقة للدماغ البشري بوصفه مهندساً نشطاً يبني واقعه الشعوري لحظة بلحظة.

إن إرث باريت الفكري يكمن في ذلك الجسر المتين الذي شيدته بين مادية الجسد العضوية — المتمثلة في نبضات القلب وإفرازات الأحشاء وموازنة الحمل الحيوي — وبين سمو الإدراك الإنساني المعتمد على المفاهيم واللغة والثقافة. فالعاطفة ليست سجناً بيولوجياً يولد به الإنسان، بل هي مهارة واعية يمكن تعلمها وتطويرها وتفكيكها؛ ومن خلال فهمنا لكيفية بناء أدمغتنا لهذه المشاعر عبر آليات التنبؤ والحس الداخلي والدقة اللفظية، نسترد حريتنا وقدرتنا على توجيه مساراتنا النفسية، وإعادة صياغة مؤسساتنا القانونية والطبية، وبناء مجتمع يعي جيداً عمق مسؤوليته البيولوجية المتبادلة عن تشكيل عقول وأجساد أفراده.

المراجع

  • Barrett, L. F. (2006). Solving the emotion paradox: Categorization and the experience of emotion. Personality and Social Psychology Review, 10(1), 20–46. https://doi.org/10.1207/s15327957pspr1001_2
  • Barrett, L. F. (2017). How emotions are made: The secret life of the brain. Houghton Mifflin Harcourt.
  • Barrett, L. F. (2017). The theory of constructed emotion: An active inference account of interoception and categorization. Social Cognitive and Affective Neuroscience, 12(1), 1–23. https://doi.org/10.1093/scan/nsw154
  • Barrett, L. F. (2020). Seven and a half lessons about the brain. Houghton Mifflin Harcourt.
  • Barrett, L. F., Adolphs, R., Marsella, S., Martinez, A. M., & Pollak, S. D. (2019). Emotional expressions reconsidered: Challenges to inferring emotion from human facial movements. Psychological Science in the Public Interest, 20(1), 1–68. https://doi.org/10.1177/1529100619832930
  • Barrett, L. F., & Satpute, A. B. (2013). Large-scale brain networks in affective and social neuroscience: Towards an integrative functional architecture of the brain. Current Opinion in Neurobiology, 23(3), 361–372. https://doi.org/10.1016/j.conb.2012.12.012
  • Barrett, L. F., & Simmons, W. K. (2015). Interoceptive predictions in the brain. Nature Reviews Neuroscience, 16(7), 419–429. https://doi.org/10.1038/nrn3950
  • Clark, A. (2013). Whatever next? Predictive brains, situated agents, and the future of cognitive science. Behavioral and Brain Sciences, 36(3), 181–204. https://doi.org/10.1017/S0140525X12000477
  • Darwin, C. (1872). The expression of the emotions in man and animals. John Murray.
  • Edelman, G. M., & Gally, J. A. (2001). Degeneracy and complexity in biological systems. Proceedings of the National Academy of Sciences, 98(24), 13763–13768. https://doi.org/10.1073/pnas.231499798
  • Ekman, P. (1992). An argument for basic emotions. Cognition & Emotion, 6(3–4), 169–200. https://doi.org/10.1080/02699939208411068
  • Feinstein, J. S., Adolphs, R., Damasio, A., & Tranel, D. (2011). The human amygdala and the induction and experience of fear. Current Biology, 21(1), 34–38. https://doi.org/10.1016/j.cub.2010.11.042
  • Friston, K. (2010). The free-energy principle: A unified brain theory? Nature Reviews Neuroscience, 11(2), 127–138. https://doi.org/10.1038/nrn2787
  • Gendron, M., Roberson, D., van der Vyver, J. M., & Barrett, L. F. (2014). Perceptions of emotion from facial expressions are not culturally universal: Evidence from a remote culture. Emotion, 14(2), 251–262. https://doi.org/10.1037/a0036052
  • James, W. (1884). What is an emotion? Mind, 9(34), 188–205. https://doi.org/10.1093/mind/os-IX.34.188
  • Kashdan, T. B., Barrett, L. F., & McKnight, P. E. (2015). Unpacking emotion differentiation: Transforming unpleasant experience by naming it with specificity. Current Directions in Psychological Science, 24(1), 10–16. https://doi.org/10.1177/0963721415599026
  • MacLean, P. D. (1990). The triune brain in evolution: Role in paleocerebral functions. Springer Science & Business Media.
  • Panksepp, J. (1998). Affective neuroscience: The foundations of human and animal emotions. Oxford University Press.
  • Russell, J. A., & Barrett, L. F. (1999). Core affect, prototypical emotional episodes, and other things called emotion: Dissecting the elephant. Journal of Personality and Social Psychology, 76(5), 805–819. https://doi.org/10.1037/0022-3514.76.5.805
  • Sterling, P. (2012). Allostasis: A predictive regulation of energy. Physiology & Behavior, 106(1), 5–15. https://doi.org/10.1016/j.physbeh.2011.06.004
★

تقييم هذا المحتوى

5.0 / 5 • 7 تقييمات