إم. بروستر سميث – 1919 2012

مهلون بروستر سميث (M. Brewster Smith)

  • 21 مايو 1919، كورفاليس، أوريغون – 2012
  • أمريكي
  • علم النفس الإنساني
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 14 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 14 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

أبرز الإسهامات

  • مفهوم الكفاءة الإنسانية
  • المساهمة في تفكيك الفصل العنصري عبر قضية براون ضد مجلس التعليم
  • دراسة العلاقة الوظيفية بين الآراء وتكوين الشخصية
  • توظيف علم النفس لخدمة قضايا السلام ونزع السلاح النووي والعدالة الاجتماعية

السيرة

يقف تاريخ علم النفس في القرن العشرين شاهدًا على تحولات معرفية وأخلاقية عميقة، أعادت صياغة فهم الإنسان لذاته ولفاعليته داخل المجتمع؛ وفي قلب هذا التحول التاريخي، يبرز اسم المفكر والعالم الأمريكي مهلون بروستر سميث (M. Brewster Smith: 1919–2012) بوصفه واحدًا من الرواد الاستثنائيين الذين جسدوا ما يمكن تسميته بـ «الضمير الأخلاقي والمعرفي» للعلوم السلوكية. لم تكن مسيرة سميث مجرد مسار أكاديمي تقليدي يتدرج في الرتب الجامعية، بل كانت مشروعًا فكريًا متكاملاً سعى إلى تفكيك القيود الوضعية والاختزالية التي كبلت علم النفس لعقود، وبناء نسق إنساني يرى في الفرد فاعلاً أخلاقيًا واجتماعيًا يمتلك إرادة حرة وقدرة على خلق المعنى في عالم مشحون بالصراعات والتحولات الجذرية.

تزامن نضج سميث الفكري مع محطات مفصلية من التاريخ الإنساني المعاصر؛ من ويلات الكساد الكبير وصعود الفاشية، مرورًا بالحرب العالمية الثانية وما تلاها من رعب نووي خلال الحرب الباردة، وصولاً إلى ثورات الحقوق المدنية والتحولات الطلابية في ستينيات القرن العشرين. وفي كل تلك المنعطفات، رفض بروستر سميث الانكفاء داخل «برج عاجي» تجريبي يدعي الحياد الزائف؛ بل آمن بأن المعرفة السيكولوجية تفقد مبرر وجودها إن لم توظف بشكل مباشر في خدمة العدالة الاجتماعية، ونبذ التمييز العنصري، والدفاع عن كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية، وهو ما تبلور بصورة جلية في مساهمته التاريخية في تفكيك الفصل العنصري في المدارس الأمريكية من خلال قضية براون ضد مجلس التعليم.

يمثل هذا المقال الموسوعي دراسة استقصائية شاملة ومعمقة لمسيرة إم. بروستر سميث، تتبع جذوره الفكرية، وتكوينه الأكاديمي الرائد في جامعة هارفارد بين عمالقة الفكر السوسيولوجي والسيكولوجي، وتحلل أطروحاته التأسيسية حول طبيعة الآراء والشخصية، ومفهومه الثوري عن «الكفاءة الإنسانية»، وتمرده الواعي داخل جمعية علم النفس الأمريكية ليجعل منها منبرًا للسلام ونزع السلاح النووي. إن استعادة إرث سميث اليوم ليست ترفًا تاريخيًا، بل هي ضرورة ملحة لإعادة بناء علم نفس معاصر يمتلك الجرأة على مساءلة واقعه ومواجهة الأزمات الوجودية التي تعصف بالحضارة الإنسانية الحديثة.

1. النشأة والخلفية التكوينية المبكرة (1919–1945)

1.1 الجذور الأسرية والبيئة الفكرية الأولى

ولد مهلون بروستر سميث في مدينة كورفاليس بولاية أوريغون في الحادي والعشرين من مايو عام 1919، في بيئة جغرافية وثقافية تركت بصمة لا تمحى على تكوينه الذهني والنفسي. كانت منطقة الشمال الغربي الأمريكي في تلك الآونة تمتاز بطابع متمازج من روح الاستكشاف والتضامن المجتمعي العفوي، بعيدًا عن التكلف الأرستقراطي الذي طبع مراكز الساحل الشرقي. نشأ سميث في كنف أسرة أكاديمية؛ إذ كان والده أستاذًا لعلم الحشرات في جامعة ولاية أوريغون، مما غرس في نفس الطفل منذ سنواته الأولى شغفًا مبكرًا بالمنهجية العلمية والملاحظة الدقيقة للظواهر الحية. إلا أن هذا التكوين العلمي الطبيعي واجه مبكرًا صدمة الواقع المجتمعي القاسي مع اندلاع الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن العشرين، حيث شاهد سميث بأم عينيه تداعيات الانهيار الاقتصادي على الفلاحين والعمال والطبقة المتوسطة، الأمر الذي شكل لديه يقظة سياسية واجتماعية نقدية باكرة جعلته يدرك أن مشكلات الإنسان لا يمكن فهمها بمعزل عن الشروط الاقتصادية والمؤسسية الحاكمة.

قاده هذا الوعي الاجتماعي المتنامي إلى الالتحاق بـ كلية ريد (Reed College) في بورتلاند بولاية أوريغون، وهي مؤسسة تعليمية اشتهرت بصرامتها الأكاديمية ونزعتها الراديكالية والاستقلالية الفكرية. في أروقة كلية ريد، وجد سميث نفسه وسط بيئة تتحدى المسلمات الفكرية، حيث صقل مهاراته الفلسفية وتعرف بعمق على أفكار الفلسفة البراغماتية الأمريكية، لاسيما عبر قراءاته لجون ديوي وتشارلز ساندرز بيرس، إلى جانب استيعابه لأحدث التيارات في العلوم السلوكية. تميزت دراسته الجامعية الأولى بتطوير توجه فلسفي نقدي فريد يرفض الانصياع الساذج للنزعة التجريبية الصارمة التي كانت تجرد الإنسان من إنسانيته لتحوله إلى مجرد كائن يستجيب للمثيرات البيئية، وفي الوقت نفسه يرفض النزعات التأملية الغائمة التي تفتقر إلى الأساس الإمبريقي الرصين. لقد سعى سميث في أبحاثه الطلابية الأولى إلى إرساء جسر متين يربط بين المنهجية التجريبية الملتزمة بالحقائق الواقعية وبين النزعة الإنسانية العميقة التي تضع كرامة الإنسان وإرادته الواعية في صميم البحث العلمي.

تخرج سميث من كلية ريد عام 1939 حاملاً درجة البكالوريوس في علم النفس، مع وعي حاد بضرورة مراجعة المفاهيم السائدة في السيكولوجيا الكلاسيكية. انتقل بعدها إلى دراسة الماجستير في نفس الكلية مكرسًا وقته لاستيعاب أدوات القياس النفسي والتقييم السلوكي، دون أن يفقد نظرته النقدية تجاه هذه الأدوات. كان يرى في القياس وسيلة للفهم والتحرير وليس أداة للتصنيف المجحف والضبط الاجتماعي. هذا التأسيس المزدوج—الذي جمع بين النزاهة العلمية الصلبة والانفتاح الفلسفي الواسع—كان بمثابة حجر الزاوية الذي شيد عليه سميث كل مشروعه اللاحق، وهو ما مكنه من مقارعة التيارات السلوكية والتحليلية السائدة في عصره دون أن يفقد احترامه للأدلة والوقائع المادية الملموسة.

1.2 الخدمة العسكرية وتجارب الحرب العالمية الثانية

مع دخول الولايات المتحدة معترك الحرب العالمية الثانية عقب الهجوم على بيرل هاربر عام 1941، وجد إم. بروستر سميث نفسه، كغيره من جيل كامل من المفكرين والعلماء، مدفوعًا إلى الانخراط في المجهود الحربي. التحق بالجيش الأمريكي مجندًا كأخصائي قياس نفسي وعلم نفس اجتماعي في فرقة الأبحاث التابعة لقسم المعلومات والتعليم بوزارة الحرب، وهي الفرقة الشهيرة التي قادها كبار علماء الاجتماع والنفس في ذلك العصر، وفي مقدمتهم صامويل ستوفر (Samuel Stouffer). كان هذا الانخراط بمثابة مختبر ميداني هائل وضخم لم يكن لأي باحث أن يحلم بدراسته في الظروف الأكاديمية الاعتيادية، حيث انخرط سميث مباشرة في إجراء مسوحات واسعة النطاق حول التكيف النفسي للجنود، وديناميات الروح المعنوية، وردود الفعل تجاه المخاطر الميدانية، وتأثير القيادة العسكرية على التماسك الجماعي في أتون القتال.

ألقت تلك التجربة الميدانية بظلال كثيفة على فكر سميث؛ إذ عاين عن قرب الآثار التدميرية للصدمة النفسية وفظائع النزاع المسلح على البنية الشخصية للمقاتلين. رأى كيف تؤدي الضغوط الميدانية العاتية إلى تفكك الهوية، وكيف يمكن للمؤسسة العسكرية أن تخلق آليات امتثال قهرية تتناقض مع جوهر الحرية الإنسانية. كما مكنته المشاركة في تأليف ودراسة أجزاء من العمل الموسوعي الضخم «الجندي الأمريكي» (The American Soldier) من استيعاب آليات التفاعل المعقدة بين الاتجاهات النفسية الفردية والبنية المؤسسية الشاملة. أدرك سميث حينها أن الفرد ليس جزيرة منعزلة تدرس دوافعها عبر مقاييس معزولة في المختبرات، بل هو كائن يتشكل في خضم الصراعات السياسية والاجتماعية التي تفرضها اللحظة التاريخية.

قادت هذه المعايشة القاسية للنزاع المسلح إلى تحول راديكالي في بوصلة اهتمامات بروستر سميث؛ فبدلاً من تكريس أدوات علم النفس لتحسين الكفاءة القتالية أو تعزيز الضبط العسكري، بدأت تتشكل لديه رؤية نقدية جذرية تحذر من خطورة توظيف المعرفة السيكولوجية كأداة للهيمنة والتطويع المؤسسي. بدأ سميث يطرح أسئلة أخلاقية جوهرية: لمن تخدم هذه المعرفة السلوكية؟ وكيف يمكن تحويل علم النفس من سلاح لشن الحروب والسيطرة إلى أداة لتحقيق السلام المستدام، وتفكيك النزاعات، وتعزيز العدالة الاجتماعية؟ شكلت هذه الأسئلة الهاجس الوجودي الذي وجه مساره بعد تسريحه من الخدمة عام 1945، ودفعته نحو أروقة جامعة هارفارد لإعادة تأسيس العلوم السلوكية على قواعد تخدم التحرر البشري وتنبذ منطق العنف المنظم.

2. التكوين الأكاديمي في هارفارد وتأثير الرواد

2.1 بيئة قسم العلاقات الاجتماعية في جامعة هارفارد

في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية، شهدت جامعة هارفارد ثورة أكاديمية فريدة تجسدت في تأسيس «قسم العلاقات الاجتماعية» (Department of Social Relations) عام 1946، وهو القسم الذي صمم ليكسر الحواجز المصطنعة بين العلوم الإنسانية من خلال دمج علم النفس الاجتماعي، وعلم الاجتماع العام، والأنثروبولوجيا الثقافية، وعلم النفس الإكلينيكي في بوتقة واحدة. انضم إم. بروستر سميث إلى هذا الصرح الأكاديمي الرائد كطالب دراسات عليا وباحث متميز، ووجد فيه الفضاء الفكري الذي كان ينشده طوال سنوات دراسته الأولى وخبرته العسكرية. كانت هذه البيئة تعج بنخبة من أعظم العقول التي أعادت تشكيل العلوم الاجتماعية المعاصرة، وكان من بين أساتذته وموجهيه المباشرين عالم الاجتماع البارز تالكوت بارسونز، ورائد نظرية السمات غوردون ألبورت، وعالم الأنثروبولوجيا الثقافية كلايد كلوكهون.

تأثر سميث بعمق بنموذج بارسونز التكاملي النسقي، الذي يسعى إلى تفسير الفعل الإنساني من خلال شبكة معقدة تتداخل فيها الشخصية الفردية مع النظام الاجتماعي والنسق الثقافي. وفي الوقت ذاته، وفر له كلوكهون وعيًا أنثروبولوجيًا عميقًا بنسبية القيم وأهمية الثقافة في تشكيل الإدراك، مما حماه مبكرًا من الوقوع في فخ التعميمات الإمبريالية للثقافة الغربية التي سقط فيها كثير من علماء النفس الأمريكيين. في هذا السياق المتعدد التخصصات، أنجز سميث أطروحة الدكتوراه الخاصة به، التي عالجت ديناميات تشكل المواقف الاجتماعية وطبيعتها الوظيفية لدى الأفراد، مما رسخ معالم مشروعه الفكري المتجاوز للسلوكية الميكانيكية الرائجة التي كانت تعامل العقل البشري بوصفه «صندوقًا أسود» عصيًا على الفهم، أو التحليل النفسي الفرويدي الذي كان يختزل السلوك في نزوات بيولوجية لاشعورية.

كانت مساهمة قسم العلاقات الاجتماعية في تشكيل هوية سميث الأكاديمية لا تقتصر على النظريات المجردة، بل امتدت لتشمل المنهجية البحثية المتكاملة التي تزاوج بين المقابلات الإكلينيكية المعمقة، وأساليب الإسقاط النفسي، والمسوحات الإحصائية الواسعة، والتحليل المضموني الدقيق. علمته هارفارد ألا يفصل أبدًا بين البنية النفسية الداخلية للذات وبين النظام الثقافي والاجتماعي الذي تتحرك فيه، مما جعل مشروعه الفكري محصنًا ضد النزعات الفردانية المبتذلة، ومكنه من رؤية الظاهرة الإنسانية في كليتها المعقدة كنسيج حي تتشابك فيه العواطف والأفكار والأدوار الاجتماعية في حركة دائمة لا تهدأ.

2.2 أثر غوردون ألبورت وكورت ليفين في توجهاته النظرية

من بين جميع الشخصيات التي أثرت في مسار بروستر سميث الأكاديمي، كان لـ غوردون ألبورت مكانة خاصة واستثنائية. غرس ألبورت في تلميذه احترامًا عميقًا لفرادة الشخصية الإنسانية ورفض النزعات التبسيطية التي تسعى لاختزال التجربة الفردية إلى متوسطات إحصائية جافة. تبنى سميث أطروحة ألبورت المركزية حول أهمية «الدوافع الواعية» و«الحكم الذاتي الوظيفي» للدوافع، حيث رأى أن السلوك البشري الراشد لا تدفعه فقط صدمات الطفولة المبكرة أو ردود الفعل المنعكسة الشرطية، بل توجهه الغايات المستقبلية، والقيم الأخلاقية، والمشاريع الوجودية التي يختارها الفرد بوعي وإرادة حرة. لقد منح هذا المنظور الألبورتي سميث أساسًا متينًا للدفاع عن الفاعلية الإنسانية ضد كل أشكال الحتميات التي كانت تنزع عن الإنسان صفته كفاعل تاريخي ومسؤول.

إلى جانب ألبورت، شكلت نظرية المجال (Field Theory) التي صاغها رائد علم النفس الاجتماعي كورت ليفين الضلع الثاني في الرؤية النظرية لسميث. تأثر سميث بمفهوم ليفين حول «فضاء الحياة» (Life Space)، الذي يؤكد أن السلوك هو نتاج دائم ومستمر للتفاعل الدينامي بين الشخص والبيئة النفسية المدركة: B = f(P, E). مكنت هذه المقاربة سميث من بناء جسر مفهومي يربط بين البنية الداخلية للشخصية والسياق الموقفي المحيط بها، رافضًا الانقسام المفتعل بين ما هو نفسي داخلي وما هو اجتماعي خارجي. لقد وفرت له ليفينية التفكير القدرة على تحليل التوترات الاجتماعية، والصراعات الجماعية، وصنع القرار بوصفها قوى متدافعة داخل حقل نفسي واجتماعي مركب يجب دراسته بأدوات دينامية مرنة تأخذ بعين الاعتبار البنية الكلية للحقل.

انطلاقًا من هذا المزيج النظري الخصب بين ألبورت وليفين، شن بروستر سميث هجومًا منهجيًا وفلسفيًا حادًا على النزعات السلوكية الآلية (Mechanistic Behaviorism) التي بلغت ذروتها مع بي إف سكينر، والتي كانت تنكر وجود العقل الواعي وتختزل الإنسان في مجرد آلة استجابة للمثيرات البيئية والتثبيط والتعزيز. وفي الوقت نفسه، انتقد سميث النزعة الاختزالية البيولوجية للتحليل النفسي الكلاسيكي، مؤكدًا أن تصوير الإنسان ككائن تسيره غرائز بدائية عمياء يتجاهل قدرته الفذة على التعقل الأخلاقي، والتحول الإيجابي، وبناء مؤسسات تسعى نحو العدالة. لقد صاغ سميث مفهومه للفاعلية الشخصية بوصفه قدرة الفرد على تجاوز محدداته البيولوجية والبيئية عبر الوعي الذاتي، والمشاركة الديمقراطية، والتفاوض الرمزي المستمر مع واقعه الاجتماعي المعاش.

3. دراسة الآراء والشخصية: الإسهام المنهجي والنظري الرائد

3.1 تحليل كتاب ‘الآراء والشخصية’ (Opinions and Personality – 1956)

في عام 1956، شهدت الساحة الأكاديمية صدور أحد أهم الكلاسيكيات في تاريخ علم النفس السياسي والاجتماعي، وهو كتاب الآراء والشخصية (Opinions and Personality)، الذي ألفه بروستر سميث بالاشتراك مع عالم النفس المعرفي الكبير جيروم برونر (Jerome Bruner) والأخصائي الإكلينيكي روبرت وايت (Robert W. White). جاء هذا العمل في ذروة الحرب الباردة وظهور الحقبة المكارثية في الولايات المتحدة، وهي فترة اتسمت بالهوس الأيديولوجي، والاستقطاب السياسي الحاد، وتصاعد مشاعر الخوف والريبة تجاه الاتحاد السوفيتي والشيوعية. سعى الكتاب إلى الإجابة عن سؤال جوهري ومحوري: كيف يشكل الأفراد العاديون مواقفهم وآراءهم تجاه قضايا سياسية كبرى ومعقدة؟ ولماذا يتبنى شخص ما موقفًا متشددًا بينما ينحو آخر نحو التسامح والتفهم؟

تميز هذا العمل الملحمي بفرادة منهجيته الإكلينيكية المعمقة التي شكلت قطيعة مع المسوحات السطحية واستطلاعات الرأي الجماهيرية السائدة آنذاك، والتي كانت تكتفي بقياس النسب المئوية للموافقين والمعارضين دون النفاذ إلى العمق النفسي للمبحوثين. اختار الباحثون عشرة رجال بالغين من خلفيات مهنية واجتماعية متنوعة، وأخضعوا كل فرد منهم لما يقرب من ثمانية وعشرين إجراءً بحثيًا تفصيليًا استمرت لساعات طويلة على مدار عدة أشهر. شملت هذه الإجراءات مقابلات سيرة ذاتية مفتوحة، واختبارات إسقاطية مثل اختبار رورشاخ وتفهم الموضوع (TAT)، واختبارات قياس الذكاء والقدرات المعرفية، بالإضافة إلى مقاييس مواقف سياسية متعددة مصممة خصيصًا لدراسة اتجاهاتهم الدقيقة تجاه روسيا والسياسة الخارجية الأمريكية.

كشف هذا التحليل السيكودينامي المكثف عن أن الرأي السياسي ليس مجرد رد فعل عقلاني مجرد على معلومات موضوعية يتلقاها الفرد، ولا هو مجرد بصمة أيديولوجية تفرضها الطبقة الاجتماعية؛ بل هو تعبير معقد يتشابك فيه التاريخ الشخصي للفرد، وصراعاته النفسية الداخلية، ومساعيه لتحقيق التوازن الذاتي والتوافق مع بيئته المحيطة. أظهر الكتاب ببراعة لا نظير لها كيف تخدم المواقف السياسية وظائف نفسية متعددة ومتباينة باختلاف بنية الشخصية، وكيف يمكن لموقفين متطابقين في المظهر الخارجي أن ينبعا من دوافع نفسية شديدة التناقض لدى فردين مختلفين. لقد كان هذا الكتاب بمثابة نقلة نوعية دشنت حقبة جديدة في سيكولوجيا الاتجاهات والعلوم السياسية السلوكية.

3.2 الوظائف النفسية الثلاث للمواقف والاتجاهات

قدم سميث وزملاؤه في هذا العمل الرائد نموذجًا نظريًا ثلاثيًا مبتكرًا يشرح الوظائف النفسية التي تؤديها الآراء والمواقف بالنسبة للأنا (Ego)، وهو النموذج الذي بات مرجعًا إلزاميًا لكل من درس نظريات الاتجاهات النفسية وتغيير السلوك. تتلخص هذه الوظائف في الآتي:

  • وظيفة اختبار الواقع وتثمين الموضوع (Object Appraisal): تمثل هذه الوظيفة الجانب المعرفي العقلاني والبراغماتي في تشكيل الموقف؛ حيث تتيح الآراء للفرد تصنيف وتبويب المعلومات الهائلة المتدفقة من البيئة المحيطة، وتمييز ما هو نافع ومفيد لما يسعى لتحقيقه من أهداف وما هو ضار أو مهدد لمصالحه الحيوية. إن الرأي هنا يعمل كمصفاة معرفية تختصر الجهد الذهني وتمنح العالم قدرًا من القابلية للتنبؤ والاستقرار الإدراكي.
  • وظيفة التكيف الاجتماعي (Social Adjustment): تبرز هذه الوظيفة كيف توظف الآراء كوسيلة لتيسير وتوثيق الروابط الاجتماعية؛ فالأفراد يتبنون مواقف معينة تماشي الجماعات المرجعية التي ينتمون إليها أو يطمحون للانتماء إليها، بهدف كسب القبول والدعم وتجنب النبذ والعزلة الاجتماعية. تصبح الآراء في هذا السياق شفرات ورموزًا تثبت ولاء الفرد لمجتمعه الصغير وثقافته المحلية، حتى وإن تعارضت جزئيًا مع بعض قناعاته المنطقية المجردة.
  • وظيفة التعبير عن الذات والخارجنة (Externalization): وهي الوظيفة الأكثر تجذرًا في أعماق الديناميات اللاشعورية؛ حيث تُستخدم المواقف والآراء الخارجية كوسيلة لإسقاط الصراعات والدوافع والمخاوف الداخلية غير المحلولة على موضوعات العالم الخارجي. قد يتبنى الفرد مثلاً موقفًا عدائيًا مستعرًا تجاه الشيوعية ليس بناءً على تحليل عقلاني لسياساتها (تثمين الموضوع)، ولا لمجرد مجاراة أصدقائه (تكيف اجتماعي)، بل لأنه يبحث لا شعوريًا عن كبش فداء يفرغ فيه شحنات الغضب والعدوان والقلق التي تفشل آلياته الدفاعية الداخلية في احتوائها.

أحدثت هذه الصياغة الوظيفية الثلاثية ثورة معرفية في حقل علم النفس الاجتماعي؛ إذ أخرجت دراسة المواقف من إطار «المقاييس المسطرية» السطحية—مثل مقاييس ليكرت التقليدية—التي كانت تتعامل مع الاتجاه بوصفه كمية جامدة يشار إليها برقم على تدريج بياني. بين سميث أن تغيير الموقف لا يمكن أن يتم عبر تقديم معلومات مضادة ومقنعة فقط إذا كان ذلك الموقف يؤدي بالأساس وظيفة «خارجنة» دفاعية أو وظيفة «تكيف اجتماعي» حيوية لبقاء الفرد داخل جماعته؛ فمحاولة تفكيك التعصب دون مساس بالبنية الوظيفية التي تغذيه داخل الشخصية هي محاولة فاشلة سلفًا. لقد رسخ هذا الفهم المعمق ضرورة التعامل مع مواقف البشر بوصفها استجابات متكاملة تلبي احتياجات نفسية واجتماعية ملحة، وهو إنجاز نظري مهد لاحقًا لظهور نظريات التنافر المعرفي ونظريات المعالجة المزدوجة للمعلومات.

4. الدور المحوري في قضية ‘براون ضد مجلس التعليم’ والحقوق المدنية

4.1 الموجز الاجتماعي القانوني التاريخي (1954)

في مطلع خمسينيات القرن العشرين، دخلت حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة منعطفًا حاسمًا عبر المعركة القضائية التاريخية التي قادتها الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين (NAACP) لإسقاط مبدأ «منفصلون لكن متساوون» الذي شرعنه القضاء الأمريكي منذ أواخر القرن التاسع عشر في قضية بليسي ضد فيرجسون. في هذه اللحظة الاستثنائية، برز إم. بروستر سميث كأحد المفكرين والعلماء السلوكيين الذين استشعروا مسؤوليتهم الأخلاقية المباشرة، فكان عضوًا فاعلاً ومحوريًا في اللجنة العلمية التي تولت صياغة الوثيقة التاريخية المعروفة بـ «الموجز الاجتماعي القانوني لعلماء الاجتماع» (The Social Science Statement)، والتي تم تقديمها للمحكمة العليا الأمريكية كملحق استشاري حاسم في قضية براون ضد مجلس التعليم في توبيكا عام 1954.

عمل سميث بتعاون وثيق وتنسيق متواصل مع رائد علم النفس الأفرو-أمريكي كينيث كلارك (Kenneth Clark) وماميز فيبس كلارك، حيث تم تجميع خلاصة الأدلة التجريبية والعيادية المستقاة من دراسات الدمى الشهيرة وغيرها من الأبحاث السيكولوجية والاجتماعية لإثبات الفرضية المركزية: أن الفصل العنصري القانوني المفروض على الأطفال في المدارس العامة يلحق أضرارًا نفسية ونمائية مدمرة ودائمة بذواتهم وشخصياتهم. تولى سميث تدقيق الصياغات النظرية والمنهجية للوثيقة لضمان صمودها أمام الهجمات الشرسة التي كان يشنها المحامون المدافعون عن الفصل العنصري، مؤكدًا أن عزل الأطفال السود يولد لديهم شعورًا راسخًا بالنقص والدونية يشوه احترامهم لذواتهم، ويعيق دافعيتهم للتعلم، ويكرس مشاعر العداء والكراهية لدى الأطفال البيض على حد سواء.

شكل قبول المحكمة العليا لهذا الموجز واستشهاد رئيس المحكمة إيرل وارن به في حيثيات الحكم التاريخي سابقة قضائية ودستورية غير مسبوقة في تاريخ الولايات المتحدة والعالم؛ إذ كانت المرة الأولى التي تعتمد فيها أعلى هيئة قضائية بشكل صريح على أبحاث ونظريات العلوم السلوكية لإلغاء قوانين فصل تمييزية عتيدة. لم يكن هذا الانتصار القانوني مجرد حدث سياسي عابر بالنسبة لسميث، بل كان البرهان الحي والساطع على صحة أطروحته الفكرية: أن علم النفس لا يجوز أن يظل محبوسًا في المختبرات الأكاديمية المعقمة متجاهلاً قضايا الظلم والاضطهاد، بل يجب أن يقف بشجاعة في ساحات المحاكم والمجالس التشريعية مدافعًا عن كرامة الإنسان وموظفًا حقائقه التجريبية لتدمير البنى المؤسسية العنصرية.

4.2 الالتزام بقضايا العدالة والمساواة العرقية

لم تتوقف شجاعة بروستر سميث عند توقيع وثيقة قضائية أو تحرير تقرير علمي، بل تجسدت في التزام نضالي مستمر ومستدام بقضايا العدالة والمساواة العرقية على كافة الأصعدة الأكاديمية والمجتمعية. في حقبة الخمسينيات والستينيات، حين كانت المؤسسات الجامعية ومراكز الأبحاث تعاني هي ذاتها من التمييز المبطن والامتيازات البيضاء، جاهر سميث بنقده الصريح للممارسات الإقصائية المتبعة داخل الأقسام الأكاديمية، وناضل من أجل فتح أبواب الجامعات المرموقة أمام الطلاب والباحثين من الأقليات العرقية، معتبرًا أن غياب التنوع في البيئة العلمية يمثل عاهة معرفية وأخلاقية تفقد المعرفة السيكولوجية مصداقيتها الإنسانية الشاملة.

كرس سميث جزءًا كبيرًا من أبحاثه اللاحقة لتفكيك السيكولوجيا العميقة للتعصب (Prejudice) والأحكام المسبقة؛ حيث رفض بصرامة التعامل مع العنصرية بوصفها مجرد انحراف فردي أو «مرض عصابي» يقتصر على الشخصيات السلطوية المشوهة، بل شدد على أنها نتاج تفاعل نسقي خطير بين التنشئة الثقافية الخاطئة، والبنى الاقتصادية غير المتكافئة، وتواطؤ المؤسسات الرسمية. رأى أن مكافحة الأحكام المسبقة لا تتم فقط عبر تقديم برامج إرشاد نفسي فردية للمتعصبين، بل تتطلب بالضرورة تغيير الشروط الهيكلية والسياسات العامة التي تغذي هذا التعصب وتعيد إنتاجه يوميًا عبر وسائل الإعلام والمناهج التعليمية وتوزيع الثروات.

واصل سميث دوره كمدافع صلب عن الحقوق المدنية عبر المنابر العامة، والمنشورات العلمية، ومشاركته الفاعلة في المؤتمرات الوطنية والدولية؛ حيث وقف سدًا منيعًا ضد محاولات بعض التيارات البيولوجية التي حاولت في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين إحياء مقولات «الفروق الجينية في الذكاء بين الأعراق»، مفندًا تلك الادعاءات بأدلة منهجية دامغة كشفت تهافت تلك الدراسات وتحيزاتها الإمبريقية. بالنسبة لسميث، كانت معركة التحرر العرقي جزءًا لا يتجزأ من معركة تحرير الإنسان ككل؛ فالأمة التي تحرم جزءًا من مواطنيها من الكرامة والتكافؤ التعليمي تصيب نسيجها النفسي والأخلاقي بتمزق بنيوي يعيق نضجها الديمقراطي ويفرغ مبادئها الدستورية من أي مضمون حقيقي.

5. تطوير علم النفس الإنساني ونقد الاتجاهات الوضعية

5.1 موقعه المتميز داخل حركة القوة الثالثة

مع مطلع ستينيات القرن العشرين، شهد علم النفس انفجار حركة ما عُرف بـ «القوة الثالثة» (The Third Force) أو علم النفس الإنساني (Humanistic Psychology)، التي قادها علماء بارزون مثل أبراهام ماسلو وكارل روجرز ورولو ماي، كرد فعل ثوري ضد هيمنة السلوكية الصارمة من جهة، والحتمية البيولوجية للتحليل النفسي الكلاسيكي من جهة أخرى. وجد إم. بروستر سميث نفسه في قلب هذه الحركة الناشئة، لكنه اتخذ داخلها موقعًا فريدًا اتسم بالحصافة النقدية والعمق الفلسفي، رافضًا الانجراف وراء الميول الرومانسية الصوفية أو الهروب نحو النزعات الإنسانية السطحية التي كانت تفتقر إلى الانضباط المفاهيمي والإمبريقي.

تحالف سميث بحذر ووعي مع رواد هذه الحركة، مدافعًا بقوة عن المفاهيم الجوهرية التي تجاهلها علم النفس التجريبي طويلاً: مثل الوعي، والحرية الذاتية، والإرادة، والمسؤولية الأخلاقية، والبحث عن المعنى. كان يرى أن علم النفس ارتكب خطيئة كبرى حين حاول محاكاة الفيزياء النيوتونية في دراسته للبشر، محيلاً الذات الواعية إلى مجرد موضوع سلبي تتجاذبه المثيرات الخارجية والنبضات اللاشعورية. وفي الوقت ذاته، لم يتورع سميث عن توجيه نقد لاذع لبعض التيارات داخل حركة علم النفس الإنساني نفسها، خاصة تلك التي تحولت نحو «ممارسات العصر الجديد» والتركيز الأناني على «تحقيق الذات» المعزولة عن سياقها المجتمعي؛ حيث شدد دائمًا على أن أي علم نفس إنساني جدير بهذا الاسم يجب أن يكون صارمًا في منهجه، ملتزمًا بالحقائق والبحث التجريبي، ومتمسكًا بالمسؤولية الاجتماعية المشتركة كشرط لا غنى عنه لأي نمو فردي أصيل.

سعى سميث إلى تأسيس ما أسماه بـ «علم النفس الإنساني الطبيعي» (Naturalistic Humanistic Psychology)؛ وهو إطار فكري يؤكد أن الظواهر الإنسانية العليا كالحرية والأخلاق والإبداع هي نتاجات طبيعية للتطور البيولوجي والتاريخي والاجتماعي للإنسان، وليست قوى سحرية أو ميتافيزيقية مفصولة عن الواقع المادي. لقد استطاع سميث بفضل هذا الموقف الوسطي الرصين أن يمنح علم النفس الإنساني احترامًا أكاديميًا داخل المؤسسات الجامعية الكبرى، حاميًا إياه من الانحدار إلى مجرد حركات تنمية بشرية شعبية تفتقر إلى العمق والمسؤولية.

5.2 مفهوم ‘الذات كصانعة للمعنى’ والفاعلية الإنسانية

في صلب المشروع الفكري لبروستر سميث يتربع مفهومه المتطور حول الفاعلية الإنسانية (Human Agency) ورؤيته للذات بوصفها كائنًا صانعًا للمعنى (Meaning-Maker). في مواجهة الحتميات التي صورت الإنسان ككيان سلبي مستلب، جادل سميث بأن السمة الفريدة للبشر تكمن في قدرتهم على الانعكاس الذاتي (Self-Reflection)؛ أي قدرة الفرد على التفكير في أفكاره ومشاعره، وتقييم دوافعه الخاصة في ضوء منظومات قيمية يتبناها بحرية ووعي. إن الذات عند سميث ليست جوهرًا ميتافيزيقيًا ثابتًا يولد مع المرء، وليست مجرد ناتج ميكانيكي لمدخلات المجتمع، بل هي بناء نفسي واجتماعي دينامي يتطور ويتشكل باستمرار من خلال التفاعل الرمزي والتواصل اللغوي مع الآخرين داخل سياق ثقافي وتاريخي محدد.

أصر سميث على إعادة إدماج البعد الأخلاقي والوجودي في صلب النظرية السيكولوجية؛ فالإنسان لا يستجيب للواقع كما هو فيزيائيًا، بل يستجيب للمعنى الذي يسبغه هو على هذا الواقع. ولذلك، فإن دراسة السلوك دون فهم منظومة المعاني والقيم التي توجه الفرد هي دراسة جوفاء لا تلامس حقيقة الوجود البشري. انتقد سميث بشدة النزعة الفردانية المفرطة (Hyper-Individualism) التي سادت في الثقافة الغربية وتسربت إلى نظريات «تحقيق الذات» الرائجة؛ حيث أوضح أن البحث عن الذات من خلال الانكفاء الداخلي وتجاهل مصائر الآخرين هو وهم نفسي يؤدي إلى الاغتراب والهشاشة النفسية، مؤكدًا أن الذات لا تحقق فاعليتها ونضجها إلا من خلال الارتباط بالمشاريع العامة، والتضامن الإنساني، والالتزام الأخلاقي تجاه قضايا الجماعة والكون.

لقد أعاد سميث صياغة العلاقة بين الفرد والمجتمع من منظور تفاعلي جدلي؛ فالمجتمع يشكل الذات ويزودها بالأدوات الرمزية واللغوية، ولكن الذات بما تمتلكه من فاعلية نقدية قادرة على إعادة مساءلة تلك الأدوات، ومقاومة أشكال الهيمنة، وتعديل البنى الاجتماعية ذاتها. هذا المفهوم للفاعلية أخرج علم النفس من مستنقع التبرير السلبي للواقع القائم نحو أفق تحرري يعيد للإنسان ثقته في قدرته على صناعة تاريخه وتغيير عالمه نحو الأفضل.

6. المسؤولية الاجتماعية والأخلاقيات في الممارسة السيكولوجية

6.1 أخلاقيات البحث العلمي على البشر

شهدت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية تزايدًا هائلاً في الأبحاث النفسية والتجريبية التي تجاوز بعضها الحدود الأخلاقية لحماية كرامة الإنسان وسلامته، وتجلت هذه الأزمات في تجارب صدمت الضمير الأكاديمي مثل تجارب ستانلي ميلغرام حول الطاعة وتجربة سجن ستانفورد لفيليب زيمباردو. في هذا المناخ المحتدم، برز إم. بروستر سميث كصوت أخلاقي حاسم قاد الجهود التأسيسية لوضع وتطوير مواثيق الأخلاقيات الصارمة داخل جمعية علم النفس الأمريكية واللجان الوطنية لتنظيم البحوث على البشر.

شن سميث مراجعة نقدية عميقة للممارسات المنهجية التي استباحت «الخداع التجريبي» (Experimental Deception) واستخدام الضغوط النفسية الشديدة على المبحوثين تحت دعوى تحقيق «الموضوعية العلمية». جادل سميث بأن الغاية العلمية النبيلة لا تبرر بأي حال من الأحوال الوسائل اللاأخلاقية التي تعامل المشارك في البحث كـ «فأر تجارب» أو مجرد وسيلة لتحقيق غايات الباحث؛ فالإنسان كائن ذو كرامة متأصلة يجب أن تظل سلامته النفسية واحترامه لذاته فوق كل الاعتبارات الأكاديمية. ولهذا، أسهم سميث بفاعلية في بلورة وتأطير مبدأ الموافقة المستنيرة (Informed Consent)، الذي يفرض إحاطة المشارك بجميع أبعاد التجربة ومخاطرها المحتملة، ومنحه الحق المطلق في الانسحاب في أي وقت دون أي تبعات سلبية.

وسع سميث مفهوم المسؤولية الأخلاقية للأكاديمي والباحث السيكولوجي ليتجاوز مجرد الحفاظ على سلامة العينة في المختبر، ليصل إلى إدراك المآلات الاجتماعية والسياسية لنتائج البحوث ذاتها. أكد أن الباحث ليس معفيًا من المسؤولية الأخلاقية عما تجنيه نظرياته وتطبيقاتها في الفضاء العام؛ فإذا كانت نتائج الأبحاث ستستخدم لتعزيز التمييز، أو تبرير السياسات القمعية، أو تطوير أدوات التلاعب الدعائي بالجماهير، فإن الباحث يكون حينها شريكًا مباشرًا في الجريمة الأخلاقية. رسخ هذا التوجه تحولاً تاريخيًا في فلسفة العلم الحديث، حيث أطاح بالوهم القائل بأن المنهج العلمي ينفصل عن المنظومة القيمية للإنسان.

6.2 علم النفس كمحرك للتغيير والسياسات العامة

رفض بروستر سميث طوال مسيرته الأكاديمية ما أسماه بـ «أسطورة حيادية العلم» (The Myth of Value-Free Science)؛ معتبرًا أن الادعاء بأن علم النفس علم طبيعي بحت ينبغي أن يقف على الحياد إزاء قضايا الفقر، والتمييز، والحروب، والظلم الاجتماعي هو موقف زائف يخدم في حقيقته تكريس الوضع الراهن وإدامة الامتيازات الطبقية والعرقية السائدة. نادى سميث بشجاعة بضرورة انخراط علماء النفس في قلب القضايا العامة، وتحويل المعرفة السيكولوجية إلى قوة محركة لصناعة وتوجيه السياسات الاجتماعية والصحية والاقتصادية للدول.

دعا سميث إلى توظيف أدوات التحليل النفسي الاجتماعي لمناصرة الفئات المهمشة، والأقليات العرقية، والفقراء، والطبقات العاملة الذين يدفعون أثمان التغيرات المجتمعية دون أن يمتلكوا صوتًا مسموعًا في دوائر القرار. رأى أن على الأخصائي النفسي ألا يقتصر دوره على تقديم «الإسعافات الإكلينيكية الفردية» لضحايا الظلم الاجتماعي، بل يجب أن يتحول إلى خبير في التغيير المجتمعي النسقي؛ فالقلق والاكتئاب والاضطرابات النفسية غالبًا ما تكون أعراضًا لأمراض هيكلية في البنية السياسية والاقتصادية للمجتمع ككل، وعلاجها الجذري يتطلب سياسات عامة توفر العدالة، والتعليم الجيد، والرعاية الصحية المتكافئة، والسكن اللائق للجميع.

تجسدت هذه الرؤية في مشاركاته الفاعلة في صياغة برامج مكافحة الفقر الفيدرالية في الولايات المتحدة خلال الستينيات، ومساهمته في تقديم المشورة العلمية لصانعي القرار حول تطوير برامج التنمية المبكرة للأطفال في المناطق المحرومة. أسس سميث بذلك لنموذج رائد يجعل من عالم النفس مفكرًا عضويًا ينحاز للمصلحة العامة، ويسخر علومه التخصصية لخدمة التحرر الإنساني والرفاه الجمعي، محولاً السيكولوجيا من مجرد مهنة علاجية أو تخصص أكاديمي معزول إلى تيار تنويري يقود قاطرة التحول الديمقراطي والمجتمعي.

7. رئاسة جمعية علم النفس الأمريكية (APA) ومسار الإصلاح المؤسسي

7.1 الانتخاب لرئاسة الجمعية عام 1978 وأجندة التحول

في عام 1978، تم انتخاب إم. بروستر سميث رئيسًا لـ جمعية علم النفس الأمريكية (American Psychological Association – APA)، وهي أكبر وأعرق منظمة مهنية وأكاديمية تمثل علماء النفس في العالم. جاء هذا الانتخاب في سياق تاريخي وسياسي بالغ التعقيد والاضطراب؛ حيث كانت الولايات المتحدة تتعافى من صدمات حرب فيتنام وفضيحة ووترغيت، وسط تصاعد أزمات التضخم والركود الاقتصادي، إلى جانب تفجر صراعات داخلية حادة داخل الجمعية نفسها تمثلت في اتساع الهوة والانقسام بين الباحثين الأكاديميين الملتزمين بالبحث التجريبي الصرف وبين الممارسين الإكلينيكيين الذين كانوا يطالبون بالتركيز على الجوانب المهنية والخدمات العلاجية ومصالح النقابة.

قدم سميث في خطابه الرئاسي التاريخي، الذي عنونه بـ «علم النفس في المصلحة العامة»، رؤية تحولية جسورة سعت إلى توحيد شتات هذا التخصص وإعادة ربطه برسالته الأخلاقية الكبرى. رفض سميث الانحياز لأحد الفصيلين المتنازعين؛ بل أكد أن كلتا الممارستين—البحث العلمي والممارسة الإكلينيكية—تفقدان شرعيتهما إذا انغلقتا على المصالح الذاتية الضيقة للأكاديميين أو الممارسين، وتجاهلتا واجبهما الأسمى المتمثل في خدمة الصالح العام الإنساني. دعا إلى إعادة توجيه موارد الجمعية ونفوذها السياسي لخدمة القضايا الكبرى للأمة والعالم، وتوسيع آفاق علم النفس ليتجاوز النموذج الطبي الضيق نحو فهم شامل للمحددات الاجتماعية للصحة والرفاه الإنساني.

تضمن برنامج سميث الرئاسي ثورة إدارية وهيكلية داخل سياسات الجمعية؛ حيث عمل بجهد دؤوب على تعزيز تمثيل النساء والأقليات العرقية في اللجان القيادية ومجالس الإدارة وهيئات تحرير المجلات العلمية الصادرة عن الجمعية. فتح سميث الأبواب المغلقة أمام الأصوات النسوية والنقدية التي كانت تنادي بإعادة قراءة تاريخ وتطبيقات علم النفس، وواجه بصرامة الهيمنة الأبوية والبيضاء التي طبعت تاريخ المنظمة لعقود، مما حول فترة رئاسته إلى منصة لإطلاق سياسات التنوع والعدالة والشمولية المؤسسية داخل مجتمع علم النفس الدولي.

7.2 مبادرات الجمعية حول القضايا الدولية والبيئية

لم يقتصر الإصلاح المؤسسي الذي قاده بروستر سميث على التوازنات الداخلية للجمعية، بل امتد ليرسخ مكانتها كصوت علمي وأخلاقي رائد في الساحات الدولية وصناع القرار السياسي. بادر سميث خلال رئاسته وبعدها إلى تأسيس لجان متخصصة دائمة تعنى بالمسؤولية الاجتماعية، والتركيز على الروابط العميقة بين علم النفس وحقوق الإنسان العالمية. وتحت قيادته ورعايته، أطلقت الجمعية تحركات جريئة لمناهضة التعذيب والانتهاكات المؤسسية التي تمارسها الأنظمة القمعية حول العالم، محرمًا ومجرمًا أي مشاركة لعلماء النفس في برامج الاستجواب العنيفة أو تصميم غرف العزل والتطويع النفسي للمعتقلين.

كان سميث من أوائل القادة الأكاديميين الذين استشرفوا الخطر الوجودي لـ الأزمة البيئية العالمية وقضايا النمو السكاني غير المتوازن؛ حيث دفع الجمعية إلى تأسيس برامج تعنى بـ «علم النفس البيئي» (Environmental Psychology) ودراسة الأبعاد السلوكية لاستنزاف الموارد الطبيعية والتلوث وتغير المناخ. شدد سميث على أن تدمير البيئة ليس مجرد مشكلة تقنية أو كيميائية تحل بواسطة المهندسين، بل هو في جوهره معضلة نفسية وسلوكية ترتبط بأنماط الاستهلاك الجشع، والنزعة المادية قصيرة النظر، والإنكار الجماعي للأخطار المستقبلية؛ ومن ثم فإن لعلماء النفس دورًا حاسمًا في إعادة تشكيل الوعي الإنساني لبناء علاقة تكافلية مستدامة مع كوكب الأرض.

علاوة على ذلك، نجح سميث في ترسيخ مكانة الجمعية كقوة استشارية رائدة في المناقشات التشريعية والاستماع أمام لجان الكونغرس الأمريكي، حيث أصبحت تقارير الجمعية المستندة إلى الأدلة العلمية تؤثر بشكل مباشر في التشريعات المتعلقة برعاية الأطفال، والصحة النفسية المجتمعية، وحقوق الأقليات، وسياسات الرعاية الاجتماعية. لقد أثبت سميث أن المؤسسة العلمية تستطيع أن تكون قوة فاعلة في قيادة الضمير العام دون أن تفرط في التزامها بأعلى معايير الصرامة المعرفية والتجريبية.

8. علم النفس السياسي، أبحاث السلام، ونزع السلاح النووي

8.1 المساهمة في تأسيس علم النفس السياسي المعاصر

يُعد إم. بروستر سميث بحق أحد الآباء المؤسسين لحقل علم النفس السياسي (Political Psychology) كفرع معرفي مستقل ومتعدد التخصصات. كان من بين القادة الذين أدركوا مبكرًا أن فهم الظواهر السياسية الكبرى كالحروب، والثورات، والاستبداد، والانتخابات، يتطلب تفكيكًا سيكولوجيًا عميقًا للعمليات الإدراكية والدوافع العاطفية التي تحرك كلاً من القادة السياسيين والجماهير على حد سواء. ولهذا، لعب سميث دورًا محوريًا وتأسيسيًا في ولادة «الجمعية الدولية لعلم النفس السياسي» (ISPP) في أواخر سبعينيات القرن العشرين، وشغل فيها مواقع قيادية وتوجيهية ساهمت في رسم هويتها المعرفية والمنهجية.

تركزت إسهامات سميث في هذا المجال حول تحليل ديناميات الأيديولوجيا السياسية وكيفية تشكلها داخل الشخصية؛ حيث بين أن تبني أيديولوجيا معينة ليس مسألة منطقية عقلانية بحتة، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالبنية النفسية للفرد وحاجته إلى الأمن والانتماء وتقدير الذات. حلل سميث بعمق سيكولوجية اتخاذ القرار في الأزمات الدبلوماسية والسياسة الخارجية، كاشفًا عن الآليات الإدراكية المشوهة التي يقع فيها صناع القرار، مثل «تفكير الجماعة» (Groupthink)، والتنميط العدائي للخصوم، والتحيزات المعرفية التي تؤدي إلى التصعيد العسكري غير العقلاني.

كما اهتم سميث بدراسة الأنظمة السلطوية وسلوكيات الهيمنة الاجتماعية، مبيناً كيف تستغل الأنظمة الفاشية والمستبدة مشاعر الخوف واللايقين النفسي لدى الجماهير لتحويلها إلى طاعة عمياء وكراهية منظمة ضد الأقليات أو الأعداء الخارجيين. طور سميث أدوات نظرية ومنهجية بالغة الدقة لفهم تأثير وسائل الإعلام والدعاية السياسية (Propaganda) في تشكيل وتوجيه الرأي العام، مبرزًا أهمية التربية النقدية والتحصين النفسي للمواطنين كضمانة أساسية لحماية الممارسة الديمقراطية من الانزلاق نحو التضليل الشعبوي والفاشيات المقنعة.

8.2 مناهضة سباق التسلح والخطر النووي

في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، ومع تصاعد وتيرة الحرب الباردة واستعار سباق التسلح النووي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ووصول العالم إلى شفا حرب إبادة شاملة، سخر إم. بروستر سميث طاقاته الفكرية والأكاديمية لمواجهة هذا الخطر الوجودي الداهم. انخرط بصفته عالم نفس وباحثًا إنسانيًا في تفكيك الأسس النفسية لعقلية الحرب الباردة، وشن نقدًا سيكولوجيًا لاذعًا ضد «نظرية الردع العسكري» ومفهوم «التدمير المؤكد المتبادل» (MAD)، مؤكدًا أن المراهنة على «عقلانية» صناع القرار في مواقف التوتر القصوى هي وهم سيكولوجي خطير يتجاهل ما يسببه الإجهاد النفسي والخوف والتحيز من قرارات كارثية مدمرة.

قدم سميث بالتعاون مع مفكرين سيكولوجيين آخرين تحليلاً بديعًا لظاهرة الإنكار النفسي و«التخدير النفسي» (Psychic Numbing) التي أصابت المجتمعات الحديثة إزاء التهديد النووي؛ حيث بين أن هول الدمار النووي وفداحة عواقبه التي تفوق قدرة الخيال البشري على الاستيعاب قاد الجماهير إلى حالة من اللامبالاة الدفاعية والشعور بـ «العجز المكتسب»، متصرفين كأن هذا الخطر غير موجود لتجنب مواجهة القلق الوجودي الخانق. عمل سميث عبر المقالات والمحاضرات العامة على تفكيك هذه الآلية الدفاعية السلبية، ودعا إلى تحويل ذلك القلق الدفين إلى طاقة نضالية واعية تنادي بنزع السلاح وبناء السلام.

قاد سميث حركة واسعة داخل المجتمع السيكولوجي لتعبئة الباحثين والأطباء النفسيين لدعم معاهدات حظر الأسلحة النووية وخفض التصعيد العسكري، وكان له دور بارز في تنشيط «سيكولوجية السلام» (Peace Psychology) كفرع أكاديمي معترف به يدرس جذور النزاعات المسلحة وسبل حلها بطرق سلمية غير عنيفة. بالنسبة لسميث، لم يكن نزع السلاح مسألة فنية تخص المفاوضين العسكريين، بل كان يتطلب بالأساس «نزع سلاح العقول» وتفكيك عقلية الاستقطاب الثنائي «نحن ضدهم»، وبناء وعي إنساني كوكبي موحد يدرك أن مصير البشرية في العصر النووي إما أن يكون مشتركًا أو ألا يكون على الإطلاق.

9. نظرية الكفاءة والتنشئة الاجتماعية الإيجابية

9.1 نموذج الكفاءة الاجتماعية والفاعلية الفردية

في أواخر الستينيات وخلال سبعينيات القرن العشرين، قدم إم. بروستر سميث واحدًا من أهم إسهاماته النظرية في دراسة الشخصية والتنشئة الاجتماعية عبر تطويره لمفهوم الكفاءة (Competence). جاء هذا النموذج كبديل ثوري ونقدي لنماذج علم النفس الإكلينيكي التقليدية والطب النفسي، التي كانت غارقة في تصنيف الأعراض المرضية والانحرافات والعجز النفسي (Deficit Models). تساءل سميث: لماذا نركز فقط على مكامن الضعف والقصور في الإنسان ولا ندرس العوامل التي تجعل الأفراد قادرين على التكيف الإيجابي، والازدهار، ومواجهة تحديات الحياة بكفاءة واقتدار؟

عرف سميث الكفاءة بوصفها متلازمة نفسية معقدة ومترابطة من الخصائص الإيجابية التي تمكن الفرد من السيطرة الفعالة على بيئته وتوجيه مسار حياته بنجاح. حدد سميث أبعادًا جوهرية لبنية الكفاءة، يأتي في مقدمتها:

  • الفاعلية الذاتية والشعور بالتمكين: إيمان الفرد الراسخ بقدرته على التأثير في مجريات حياته وصناعة فرقه الخاص، في مقابل مشاعر الإذعان والاستسلام السلبي للحتميات الخارجية.
  • الأمل والتفاؤل المستقبلي: امتلاك أفق زمني إيجابي موجه نحو المستقبل، يدفع الفرد إلى وضع خطط طويلة الأجل والعمل على تحقيقها رغم الصعوبات والعقبات المادية.
  • استراتيجيات التكيف المرنة (Flexible Coping): القدرة على تقييم المواقف الضاغطة بعقلانية، واختيار أساليب حل المشكلات الملائمة دون الوقوع في الإنكار أو الانهيار العصبي.
  • الدافعية الداخلية للإنجاز: السعي وراء التميز وتحقيق الأهداف النابعة من قيم الفرد الحرة، وليس مجرد الاستجابة للضغوط والمكافآت الخارجية.

أكد سميث في نظريته أن «الكفاءة» ليست سمة فطرية وراثية موروثة في الجينات، وليست قدرة معزولة يكتسبها الفرد بمفرده؛ بل هي نتاج مباشر للتفاعل بين الذات والفرص البيئية والمؤسسية التي يوفرها المجتمع. شدد على أن المجتمعات غير العادلة التي تمنع الأقليات والفقراء من الوصول إلى التعليم المتكافئ والوظائف اللائقة وتفرض عليهم شروطًا قمعية تعمل بنيويًا على تدمير كفاءتهم النفسية وإشاعة «العجز المكتسب» بينهم؛ ومن ثم فإن تنمية الكفاءة تتطلب بالضرورة إصلاحًا بيئيًا ومؤسسيًا يمكن الأفراد ويوفر لهم شروط التمكين الذاتي والاجتماعي.

9.2 سيكولوجية الشباب والحراك الطلابي في الستينيات

شهدت الجامعات الأمريكية والعالمية في ستينيات القرن العشرين انفجارًا غير مسبوق في الحركات الطلابية والتمرد الشبابي، الذي تجسد في التظاهرات الحاشدة ضد حرب فيتنام، والحركات المطالبة بحرية التعبير، وتحدي الأعراف الاجتماعية المحافظة. في تلك الآونة، انحاز معظم علماء النفس التقليديين والإعلام المحافظ إلى وصم هذا الحراك الطلابي بـ «المرض النفسي»، واصفين المحتجين بأنهم شباب متمردون يعانون من «عقد نفسية غير محلولة تجاه آبائهم» أو يمرون بحالة من «الهستيريا الجماعية» واضطرابات التكيف.

وقف إم. بروستر سميث، الذي كان شاهدًا مباشرًا وأكاديميًا في جامعات بيركلي وشيكاغو، بحزم ضد هذه التفسيرات الإمراضية الرجعية. أجرى سميث دراسات ميدانية وتحليلات سيكولوجية عميقة لشخصيات الطلاب المنخرطين في الحراك الاحتجاجي، وأثبتت أبحاثه الرائدة أن هؤلاء الطلاب ليسوا مرضى ولا مشوهين نفسيًا؛ بل هم في الواقع من بين الطلاب الأكثر نضجًا وتفوقًا أكاديميًا، ويمتلكون مستويات رفيعة من الكفاءة الاجتماعية، والصلابة الأخلاقية، والقدرة على التفكير الأخلاقي المتقدم بموجب مقاييس النمو الأخلاقي لـ لورانس كولبرج.

بين سميث أن التمرد الطلابي كان تعبيرًا عن أزمة ثقة مشروعة وأخلاقية بين قيم الديمقراطية والعدالة والسلام التي تم تلقينها للشباب في المدارس وبين الممارسات الواقعية المخزية للمؤسسة الحاكمة المتورطة في حروب إمبريالية وسياسات فصل عنصري قمعية. رأى في الحراك الطلابي طاقة حيوية لتجديد المجتمع والتخلص من ركوده الأخلاقي؛ ومن ثم طالب الجامعات بفتح حوار ديمقراطي حقيقي مع الأجيال الجديدة، وإصلاح المناهج التعليمية، وصياغة برامج دعم مجتمعي تعزز المشاركة المدنية النشطة بدلاً من مواجهة الشباب بالقمع الأمني والتنكيل المؤسسي.

10. المسيرة الأكاديمية والقيادية في الجامعات الكبرى

10.1 فترات التدريس والبحث في فاسار، ونيويورك، وبيركلي

اتسمت المسيرة المهنية لإم. بروستر سميث بالتنقل والتأثير في مجموعة من أرفع الصروح الأكاديمية الأمريكية؛ إذ بدأ مسيرته التدريسية بعد هارفارد في كلية فاسار (Vassar College)، وهي مؤسسة نسائية عريقة ساهم فيها سميث بتطوير بيئة بحثية متقدمة في دراسة الشخصية والنمو السلوكي، قبل أن ينتقل إلى جامعة نيويورك (NYU) حيث ترأس برامج الدراسات العليا في علم النفس الاجتماعي، واضعًا بصمته في تكوين جيل كامل من الباحثين المشتبكين مع قضايا المجتمع المدني.

في عام 1959، انتقل سميث إلى جامعة كاليفورنيا في بيركلي (UC Berkeley)، وتولى إدارة «معهد التنمية البشرية» (Institute of Human Development)، وهو أحد أقدم وأعرق معاهد الأبحاث الطولية في العالم. أدار سميث في هذا الموقع دراسات طولية فارقة تتبعت مسارات نمو الأفراد عبر عقود من حياتهم، مكنته من جمع بيانات استثنائية حول كيفية تشكل التكيف النفسي، والإنتاجية، والصحة النفسية عبر مراحل العمر المختلفة، وعلاقتها بالبنى الاجتماعية والتحولات الاقتصادية الكبرى.

تزامنت سنوات عمله في بيركلي مع انفجار حركة حرية التعبير التاريخية (Free Speech Movement) عام 1964، وما تلاها من مواجهات واضطرابات طلابية عاصفة هزت أركان الجامعة. تميز سميث خلال هذه الأزمات بحنكته الإدارية وضميره الأكاديمي الصارم؛ إذ دافع باستماتة عن الحريات المدنية للطلاب وحقهم في التعبير السياسي داخل الحرم الجامعي، رافضًا الانصياع للضغوط الإدارية والأمنية التي حاولت قمع الحراك، ونجح في تحويل معهد التنمية البشرية إلى واحة آمنة للحوار العقلاني الرصين، مؤكدًا أن الجامعة لا تستحق اسمها إن لم تكن ملاذًا للحرية الفكرية والمساءلة النقدية الجريئة.

10.2 المرحلة الختامية في جامعة كاليفورنيا – سانتا كروز (UCSC)

في عام 1970، انتقل بروستر سميث إلى الحرم الجامعي الوليد والمبتكر لجامعة كاليفورنيا في سانتا كروز (UCSC)، وهي الجامعة التي صممت لتكون تجربة رائدة في كسر القوالب الأكاديمية التقليدية من خلال نظام الكليات السكنية والتركيز على التعليم التفاعلي المناهض للبنى البيروقراطية الصلبة. تولى سميث منصب عميد العلوم الاجتماعية ونائب المستشار الأكاديمي، مسخرًا خبرته الطويلة لبناء بيئة تعليمية فريدة تزاوج بين التميز الأكاديمي الصارم وبين الالتزام الديمقراطي والمجتمعي المباشر.

في سانتا كروز، وجد سميث الفضاء المثالي لتطبيق رؤيته حول تكامل العلوم الاجتماعية؛ حيث طور برامج دراسات عليا متعددة التخصصات تجمع بين التحليل النفسي النقدي، والدراسات الثقافية، وعلم الاجتماع السياسي. قاد سميث عمليات توظيف أكاديمية نوعية جلبت نخبة من الأساتذة والباحثين الملتزمين بنقد النماذج المركزية الغربية، وأسس تقاليد تعليمية تدفع الطلاب نحو الانخراط في البحث الميداني داخل مجتمعاتهم المحلية لحل مشكلات الفقر والتفكك البيئي والتهميش الثقافي.

حتى بعد تقاعده الرسمي عام 1988 وتوليه صفة أستاذ فخري (Professor Emeritus)، لم ينقطع سميث عن العطاء؛ بل واصل إنتاجه الفكري ونشاطه التحريري المتقد حتى مراحل متقدمة من شيخوخته. ظل مكتبه في سانتا كروز قبلة للباحثين والطلاب من مختلف أنحاء العالم الذين قصدوه للاستفادة من حكمته العميقة وذاكرته التاريخية الثرية. لقد مثل حضوره في تلك المرحلة الختامية تجسيدًا حيًا لنموذج «العالم الشيخ» الذي تتكامل فيه الرصانة العلمية مع التواضع الإنساني المفرط والالتزام الأخلاقي الذي لا يخبو أبدًا.

11. التقييم النقدي للإرث النظري والأكاديمي (1919–2012)

11.1 الجوائز والتقديرات والمكانة التاريخية

نال إم. بروستر سميث خلال مسيرته الحافلة أعلى التقديرات وأرفع الجوائز التي يمكن أن يحظى بها عالم سلوكي في الولايات المتحدة والعالم، تقديرًا لإسهاماته المعرفية الاستثنائية ودوره الأخلاقي الفريد. توجت جمعية علم النفس الأمريكية مساره بمنحه «جائزة الإسهامات المتميزة في المصلحة العامة» (Distinguished Contribution to the Public Interest Award)، وهي الجائزة التي تعكس جوهر مشروعه الفكري الساعي لتوظيف العلم في خدمة العدالة والرفاه البشري.

كما كرمته جمعية الدراسة النفسية للقضايا الاجتماعية (SPSSI)—وهي الفرع التاسع لجمعية علم النفس الأمريكية الذي يعد واحة علماء النفس التقدميين—بمنحه أرفع أوسمتها على الإطلاق: جائزة كورت ليفين التذكارية (Kurt Lewin Memorial Award). جاء هذا التكريم تتويجًا لجهوده في تحقيق معادلة ليفين الشهيرة حول ضرورة الجمع بين «البحث العلمي الدقيق والعمل الاجتماعي الفاعل»، وتقديرًا لمساهماته التاريخية في ملفات الحقوق المدنية ومناهضة السلاح النووي وإصلاح المنظومة الأخلاقية للبحث العلمي.

امتدت التكريمات لتشمل انتخابه زميلاً في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم وتكريمه من قبل جمعيات فلسفية وإنسانية دولية، ثمنت جميعها نزاهته الفكرية الصارمة وقدرته النادرة على الصمود ضد التيارات الأكاديمية السائدة حين كانت تنحرف عن مسارها الأخلاقي. رسخ تاريخ العلوم السلوكية اسم سميث بوصفه «الضمير الاجتماعي» لعلم النفس الأمريكي بلا منازع، والعلامة الفارقة التي ذكرت المجتمع السيكولوجي دائمًا بأن الإنسان ليس مجرد موضوع للدراسة المختبرية، بل هو غاية العلم وضميره الحي.

11.2 الانتقادات والجدل المعرفي حول أطروحاته

على الرغم من المكانة الرفيعة التي تبوأها سميث، فإن مشروعه الفكري ومنهجيته لم يسلما من الجدل المعرفي والانتقادات الحادة التي عكست الصراعات الإبستمولوجية التي طبعت علم النفس في النصف الثاني من القرن العشرين. جاء الهجوم الأبرز من قِبل غلاة النزعة التجريبية الصارمة (Strict Empiricists) والسلوكيين الراديكاليين، الذين رأوا في طروحات سميث حول «الفاعلية الإنسانية»، و«الوعي»، و«الذات كصانعة للمعنى»، عودة مستترة نحو الميتافيزيقا القديمة والمفاهيم الفلسفية الغائمة التي يصعب قياسها وإخضاعها للضبط المختبري الدقيق، معتبرين أن إدخال المتغيرات القيمية والأخلاقية في صلب البحث يهدد «موضوعية» علم النفس ويحوله إلى ضرب من الفلسفة الاجتماعية.

كما وجه بعض الباحثين الكميين انتقادات للمنهجية التي اعتمد عليها سميث في أعماله الكبرى—خاصة في دراسة «الآراء والشخصية»—معتبرين أن الاعتماد على عينات صغيرة وإجراء مقابلات إكلينيكية نوعية واستخدام الاختبارات الإسقاطية يفتقر إلى القدرة على التعميم الإحصائي الرصين، ويفتح الباب واسعًا أمام التحيزات التفسيرية للباحث نفسه. ورأى تيار آخر من منظري السلوك المعرفي الصارم أن أطروحاته حول «الكفاءة» و«المواقف الوظيفية» هي أطروحات وصفية عريضة بالغة التعقيد، مما يجعل من العسير تحويلها إلى نماذج رياضية وتنبؤية دقيقة يمكن تطبيقها بسهولة في هندسة السلوك وتعديل الاتجاهات الجماهيرية.

واجه سميث هذه الانتقادات بصلابة معرفية ودفاع فلسفي عميق لم يتراجع فيه قيد أنملة؛ إذ رد بأن تعقيد الظاهرة الإنسانية يرفض بطبيعته التبسيط الاختزالي المصطنع الذي يمارسه التجريبيون السلوكيون. أكد سميث أن النزعة التجريبية التي تطرد مفاهيم «الوعي والمعنى والفاعلية» من حقل الدراسة بحجة صعوبة قياسها هي نزعة ترتكب انتحارًا معرفيًا؛ لأنها تضحي بجوهر الموضوع الإنساني من أجل الحفاظ على طهارة المنهج الفيزيائي المستعار. وشدد على أن النماذج التنبؤية الصارمة، وإن نجحت في التنبؤ بسلوك الفئران في المتاهات، تظل عاجزة تمامًا عن تفسير لماذا يضحي إنسان بحياته من أجل فكرة، أو لماذا يتمرد شعب على جلاديه في لحظة تاريخية فارقة، مؤكدًا أن علم النفس يجب أن يطور أدواته لتلائم تعقيد الإنسان، لا أن يقزم الإنسان ليلائم أدواته القاصرة.

12. الراهنية الفكرية لإم. بروستر سميث في علم النفس المعاصر

12.1 استعادة رؤاه في مواجهة التحديات العالمية الراهنة

مع دخول البشرية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، يكتسب فكر إم. بروستر سميث راهنية مذهلة وأهمية استثنائية لم تكن لتخطر على بال معاصريه. نعيش اليوم في عصر يتسم بـ الاستقطاب السياسي الأيديولوجي الحاد، والانتشار السرطاني للأخبار المضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وصعود التيارات الشعبوية والفاشيات الجديدة في أعتى الديمقراطيات الغربية. في هذا السياق المتأزم، تبدو نظرية سميث الوظيفية حول الآراء بمثابة خريطة طريق لا غنى عنها؛ إذ تذكرنا بأن الاستقطاب الراهن لا يعالج بمجرد «تصحيح الحقائق» (Fact-Checking)، لأن المواقف المتطرفة تؤدي لدى معتنقيها وظائف نفسية حيوية تتعلق بالدفاع عن الهوية المتآكلة و«التكيف الاجتماعي» داخل قبائلهم الرقمية المعزولة.

كما تبرز أطروحات سميث بقوة في مواجهة الأزمة الوجودية الكبرى المتمثلة في التغير المناخي العالمي والتدهور الإيكولوجي؛ حيث تكشف تحليلاته المبكرة حول «الإنكار النفسي والتخدير الذهني» كيف تفشل المجتمعات الحديثة في الاستجابة الفعالة للتهديدات الوجودية البطيئة، مما يستدعي توظيف «سيكولوجيا الكفاءة» لتحويل مشاعر الهلع المناخي والعجز المكتسب لدى الأجيال الشابة إلى طاقات نضالية ومشاريع مقاومة سياسية ومؤسسية تنقذ الكوكب.

علاوة على ذلك، يمثل الإطار الأخلاقي لسميث مرجعًا تأسيسيًا لا غنى عنه في عصر الثورات الرقمية الكبرى، وتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، والهندسة الوراثية وتعديل السلوك عبر الخوارزميات؛ حيث تعيد هذه التكنولوجيات الحديثة إنتاج الخطيئة السلوكية القديمة من خلال محاولة «تسليع» الوعي البشري وتدجين الفاعلية الإنسانية وتحويل الإنسان إلى مجرد أرقام وبيانات مستهلكة. إن استدعاء سميث اليوم هو استدعاء لحتمية وجود «ضمير سيكولوجي نقدي» يصر على وضع القيم الإنسانية، والحرية، والعدالة الاجتماعية فوق منطق الربح التقني والهيمنة الرقمية للدول والشركات العابرة للقارات.

12.2 خلاصة المسار: العالم كشاهد وفاعل أخلاقي

في الرابع من أغسطس عام 2012، رحل إم. بروستر سميث عن عالمنا عن عمر يناهز الثالثة والتسعين عامًا، مخلفًا وراءه إرثًا فكريًا وإنسانيًا باذخًا يشهد على مسيرة حياة تم فيها نسج الرصانة العلمية مع الالتزام الأخلاقي الرفيع في لوحة تاريخية نادرة التكرار. لم يكن سميث مجرد مراقب بارد للظواهر الإنسانية، بل كان شاهدًا ملتزمًا وفاعلاً شجاعًا انحاز دومًا لكرامة المستضعفين، وأثبت عمليًا أن قوة العلم لا تكمن في انفصاله عن قيم مجتمعه، بل في قدرته على مساءلة تلك القيم وإنارة مسالك التحرر الإنساني.

إن الدرس الأسمى الذي يقدمه مسار بروستر سميث للأجيال القادمة من الباحثين وعلماء النفس يكمن في ضرورة تجاوز الانقسامات المصطنعة بين النظرية والتطبيق، وبين التجريب والإنسانية، وبين العقل والضمير. لقد علمنا سميث أن علم النفس حين يتخلى عن أسئلته الأخلاقية الكبرى يتحول إلى مجرد تقنية تافهة أو أداة خطيرة في يد قوى الهيمنة؛ وأن مهمة الباحث الحقيقي ليست التكيف السلبي مع الواقع المشوه، بل العمل الدؤوب على تغييره ليكون أكثر عدلاً ورحمة وإنسانية.

تتمثل التوصية المنهجية الخالدة لسميث لكل من يخوض غمار دراسة السلوك البشري اليوم في الآتي: أن ننظر إلى الإنسان في كليته المركبة، ككائن بيولوجي، ونفسي، وثقافي، وتاريخي؛ وأن نتعامل مع المبحوثين كشركاء في البحث عن المعنى وليس كأرقام في استمارة إحصائية؛ وأن يظل هدفنا النهائي دائمًا هو تسخير المعرفة لخدمة الحرية والسلام والكرامة المشتركة للبشرية جمعاء. لقد غاب جسد بروستر سميث، لكن ضميره الفكري سيظل شعلة متقدة تنير دروب السيكولوجيا الإنسانية لعقود طويلة قادمة.

خاتمة

ختامًا، تتجلى مسيرة إم. بروستر سميث (1919–2012) كملحمة فكرية وإنسانية فريدة أعادت صياغة بوصلة العلوم السلوكية في القرن العشرين. استطاع سميث ببراعته النظرية الفذة ونزاهته الأخلاقية الصارمة أن يبرهن على أن علم النفس يمكن أن يكون علمًا دقيقًا وصارمًا دون أن يفقد نبضه الإنساني أو يتخلى عن مسؤوليته التاريخية في مواجهة قضايا عصره الكبرى. من ميادين اختبارات الحرب العالمية، إلى قاعات هارفارد التأسيسية، ومن منصات المحكمة العليا الأمريكية دفاعًا عن الحقوق المدنية، إلى قيادة المنظمات السيكولوجية الدولية لمناهضة التهديد النووي، ظل سميث النموذج المضيء للمفكر العضوي الذي لا يساوم على كرامة الإنسان وحريته.

إن استعادة فكر بروستر سميث في زماننا الراهن ليست مجرد استذكار لسيرة عالم راحل، بل هي نداء ملح للعلوم الإنسانية برمتها لتستعيد ضميرها الاجتماعي والسياسي المفقود في مواجهة تحديات الاستقطاب والتكنولوجيا والتحولات المناخية. لقد وضع سميث لبنات مشروع علم نفس إنساني ونقدي مكتمل الأركان، وترك للأجيال اللاحقة مهمة إكماله وتطويره؛ مشروع يرى في الإنسان صانعًا للأمل والمعنى، وفي العلم وسيلة للعدالة والتحرر والسلام.

المراجع

★

تقييم هذا المحتوى

5.0 / 5 • 7 تقييمات