السيرة
تُمثّل دراسة تاريخ العلوم وتحولاتها المعرفية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين مدخلاً جوهرياً لفهم آليات تشكّل الحقول الأكاديمية الحديثة واستقلالها عن الجذور الفلسفية الأولى. وفي قلب هذا التحول التاريخي الحاسم، يبرز اسم العالمة الأمريكية مارغريت فلوي واشبورن (Margaret Floy Washburn: 1871–1939) بوصفها واحدة من أكثر الشخصيات تأثيراً وعمقاً في مسار تأسيس علم النفس التجريبي وتطوير مناهجه الميدانية والمعملية. لم تكن واشبورن مجرد باحثة تقليدية انخرطت في النشاط الأكاديمي المألوف، بل كانت رائدة كَسرت أعتى الحواجز المؤسسية والاجتماعية التي حاصرت النساء في الأوساط الأكاديمية الغربية، لتصبح أول امرأة تنال درجة الدكتوراه المعترف بها رسمياً في علم النفس عام 1894، مفتتحة بذلك عصراً جديداً لمشاركة المرأة في مجالات البحث العلمي الرصين.
تزامن بزوغ نجم واشبورن مع احتدام صراع فكري وفلسفي عارم حول طبيعة “الوعي” ومنهجية دراسته؛ حيث كان علم النفس يتأرجح بين النزعة البنيوية الكلاسيكية القائمة على الاستبطان الصارم كما بلورها فيلهلم فونت وتلميذه إدوارد برادفورد تيتشنر، وبين النزعة الوظيفية التي ألهمتها أفكار ويليام جيمس والتطورية الداروينية، تمهيداً لظهور النزعة السلوكية الراديكالية التي قادها جون واطسون بهدف اختزال الكائن الحي في معادلات ميكانيكية آلية. وفي خضم هذه التناقضات المنهجية الحادة، استطاعت واشبورن أن تبتكر مساراً نظرياً وتجريبياً متفرداً جمع بين الصرامة المختبرية والمحافظة على حقيقة التجربة الذاتية الباطنة، ممهدة بذلك الطريق لولادة علم النفس المقارن المعاصر ونظريات الإدراك المتجسد.
تستعرض هذه الدراسة المعمقة سيرة مارغريت فلوي واشبورن، راصدةً مفاصل تطورها الفكري منذ نشأتها الأولى وتكوينها الأكاديمي، وصولاً إلى مساهماتها الكبرى في سيكولوجيا الحيوان، ونظريتها الحركية الرائدة في الوعي، وأثرها التربوي المستمر في تخريج أجيال من الباحثات الرائدات. كما تسلط الضوء على المعارك المنهجية التي خاضتها دفاعاً عن تكاملية العلوم السلوكية والشعورية، مقدّمةً تحليلاً شاملاً لشخصية علمية تجاوزت أطر عصرها واستشرفت العديد من الفتوحات المعرفية التي تشهدها علوم الأعصاب والإدراك في الزمن المعاصر.
1. المدخل التمهيدي: السياق التاريخي ونشأة مارغريت فلوي واشبورن
1.1 البيئة الأسرية والثقافية المبكرة
ولدت مارغريت فلوي واشبورن في الخامس والعشرين من يوليو عام 1871 في مدينة نيويورك، في حقبة تاريخية شهدت فيها الولايات المتحدة تحولات صناعية واجتماعية وفكرية هائلة عقب انتهاء الحرب الأهلية. نشأت واشبورن كطفلة وحيدة لوالديها، وهو ظرف أسري منحها تركيزاً عاطفياً ورعاية تعليمية مكثفة من قبل والديها اللذين انحدرا من أصول أمريكية عريقة تمتد إلى المستوطنين الأوائل. كان والدها، القس فرانسيس واشبورن، رجل دين ينتمي إلى الكنيسة الأسقفية بعد أن كان قساً معمدانياً، وقد عُرف باهتماماته الفكرية العميقة وانشغاله بالتأليف الديني والفلسفي والشعري، مما جعل البيت بيئة غنية بالحوارات النقدية والروحانية المستنيرة. أما والدتها، إليزابيث فلوي ديفيس، فكانت تنتمي إلى عائلة مثقفة وميسورة وفرت للطفلة سنداً اجتماعياً وثقافياً متيناً غرس فيها بذور الثقة والاستقلالية المبكرة.
أدى والدها دوراً محورياً في صقل موهبتها اللغوية وتغذية نهمها المعرفي؛ إذ فتح أمامها أبواب مكتبته المنزلية الحافلة بأمهات الكتب الفلسفية والتاريخية والأدبية، وشجعها منذ سنوات طفولتها الأولى على ممارسة القراءة الناقدة والتأمل الفكري المجرد. لم تكن هذه البيئة الثقافية الأسرية مألوفة تماماً لتربية الفتيات في نهايات العصر الفيكتوري، حيث كان المجتمع يميل عموماً إلى توجيه اهتمامات الإناث نحو المهارات المنزلية أو الآداب الاجتماعية السطحية. إلا أن عائلة واشبورن، مدفوعة بوعي ديني وفكري تقدمي، رأت في ابنتها الوحيدة مشروعاً إنسانياً ومعرفياً استثنائياً، فقدمت لها دعماً غير مشروط لتنمية ملكاتها التحليلية وشغفها باللغات والآداب القديمة، مما ساعدها لاحقاً على خوض غمار السجال العلمي والفلسفي بأدوات فكرية راسخة ولغة أكاديمية بالغة الدقة والبيان.
1.2 التعليم الأولي والتفوق المعرفي المبكر
تلقّت واشبورن تعليمها الأولي متنقلة بين عدد من المدارس الخاصة والحكومية في نيويورك، وفقاً لتنقلات والدها الرعوية في منطقة وادي هدسون وخاصة في مدينتي كينغستون وبوكيبسي. وخلال هذه السنوات المدرسية الأولى، برزت علامات نبوغها الأكاديمي المبكر وتفوقها الاستثنائي على أقرانها في سرعة استيعاب المواد العلمية واللغوية المعقدة؛ إذ أظهرت قدرة فذة على حفظ النصوص الكلاسيكية وتحليلها، وبراعة لافتة في الرياضيات، فضلاً عن ولعها الخاص بدراسة الظواهر الطبيعية وملاحظة الكائنات الحية في محيطها البيئي المحيط بضفاف النهر الجميل الذي ترعرعت بجانبه.
تُوّج هذا المسار الدراسي المتسارع بتخرجها المبكر من المدرسة الثانوية في مدينة كينغستون عام 1886، ولم تكن قد تجاوزت آنذاك سن الخامسة عشرة. هذا التخرج المبكر وضع الفتاة الشابة أمام مفترق طرق معرفي؛ إذ كانت تمتلك نضجاً عقلياً يفوق سنوات عمرها بكثير، ولديها رغبة جارفة في استكشاف المسائل الوجودية الكبرى وقضايا العقل والإدراك التي قرأت عنها في مؤلفات الفلاسفة الكلاسيكيين. وفي هذا السن الغض، بدأ اهتمامها الفلسفي يتجه تدريجياً نحو التساؤل عن كيفية عمل الذهن البشري، وكيفية إدراكنا للعالم الخارجي عبر الحواس، وهو ما مثل البذرة الأولى لاهتماماتها التي ستتفتح لاحقاً وتستقر في رحاب علم النفس التجريبي والفسيولوجي.
1.3 الانتقال إلى كلية فاسار ومرحلة التكوين الفكري الأولى
في خريف عام 1887، وبعد أن أمضت عاماً منزلياً في القراءة الذاتية والاستعداد الأكاديمي، التحقت مارغريت واشبورن بـ كلية فاسار (Vassar College)، التي كانت تعد في ذلك الحين واحدة من أعرق مؤسسات التعليم العالي النسائية المرموقة ضمن رابطة كليات الأخوات السبع (Seven Sisters) في الولايات المتحدة. وفرت فاسار لواشبورن بيئة فكرية خصبة سمحت لها بتعميق دراساتها الأكاديمية تحت إشراف نخبة من الأساتذة المتميزين؛ فدرست بعمق الفلسفة والمنطق والبيولوجيا واللغات الكلاسيكية كاليونانية واللاتينية والفرنسية والألمانية، وهو ما منحها حصيلة معرفية متعددة التخصصات أسهمت في بناء شخصيتها العلمية الرصينة.
خلال سنوات دراستها في فاسار، تأثرت واشبورن بشدة بدروس الفلسفة التي كان يقدمها الأستاذ جيمس مونرو تايلور، غير أن اهتمامها الحقيقي بدأ ينحاز بصورة قاطعة نحو التقاطع الحيوي بين علم وظائف الأعضاء (الفسيولوجيا) والفلسفة؛ وتحديداً مع صدور التحفة العلمية الرائدة لوليام جيمس «مبادئ علم النفس» (Principles of Psychology) عام 1890. قرأت واشبورن مؤلف جيمس بذهن متقد، وأدركت أن “العقل” ليس مجرد مقولة ميتافيزيقية مجردة تبحثها الفلسفة التأملية، بل هو كيان ديناميكي ينبغي دراسته عبر مناهج الملاحظة والتجريب المعملي المنضبط. تخرجت واشبورن من فاسار عام 1891 بمرتبة الشرف وحازت عضوية جمعية “فاي بيتا كابا” الأكاديمية الرفيعة، محملة بقرار حاسم لا رجعة فيه: تكريس حياتها لدراسة هذا العلم الجديد الناشئ الذي يمزج بين دقة المعمل وحيوية الروح الإنسانية.
2. المسيرة الأكاديمية المبكرة والتحديات المؤسسية لتعليم المرأة
2.1 تجربة جامعة كولومبيا والعمل كطالبة مستمعة
عقب تخرجها من فاسار، اتجهت طموحات واشبورن نحو الحصول على دراسات عليا متقدمة في علم النفس، وهو طموح كان يصطدم في ذلك الوقت بجدار سميك من التقاليد الأكاديمية الصارمة والتمييز المنهجي القائم على النوع الاجتماعي. رغبت واشبورن في الالتحاق بجامعة كولومبيا في نيويورك لدراسة علم النفس التجريبي في المختبر الذي أنشأه حديثاً العالم البارز جيمس ماكين كاتيل (James McKeen Cattell)، العائد لتوه من ألمانيا حاملاً معه المناهج السيكوفيزيقية لفونت. غير أن لوائح جامعة كولومبيا حينها كانت تحظر تماماً قبول النساء كطالبات نظاميات في برامج الدراسات العليا لنيل الدرجات الجامعية.
أمام إصرارها المعرفي اللافت ورسائل التوصية القوية التي حملتها، وافق كاتيل على قبولها في مختبره بصفة غير رسمية بوصفها “طالبة مستمعة” (Auditor) فقط، دون أن يُسمح لها بالتسجيل الأكاديمي لنيل شهادة. دخلت واشبورن المختبر كأول امرأة تقتحم ذلك الفضاء العلمي الذكوري في كولومبيا، وأظهرت مهارة فائقة في استخدام الأجهزة المعملية، وتصميم أدوات القياس السيكوفيزيقي، وإجراء التجارب المعقدة حول الإدراك البصري واللمسي. أدرك كاتيل سريعاً عبقرية تلميذته الاستثنائية، ورفض أن تضيع جهودها دون اعتراف أكاديمي رسمي مستحق في ظل تصلب إدارة كولومبيا؛ فنصحها بالانتقال إلى جامعة كورنيل، التي كانت تتبع سياسات قبول أكثر تقدماً وانفتاحاً على منح الدرجات الأكاديمية العليا للنساء.
2.2 الانتقال إلى جامعة كورنيل وتلمذتها على يد تيتشنر
في عام 1892، غادرت واشبورن كولومبيا لتلتحق بمدرسة الفلسفة في جامعة كورنيل بمدينة إيثاكا، بعد أن حصلت على منحة دراسية مرموقة مكّنتها من مواصلة أبحاثها. تزامن وصولها إلى كورنيل مع وصول عالم النفس الإنجليزي الشاب والمستقطب حديثاً من مختبر لايبزغ، إدوارد برادفورد تيتشنر (Edward Bradford Titchener). أصبحت واشبورن التلميذة الأولى لتيتشنر، وأول باحثة تُقبل لإجراء أبحاث الدكتوراه تحت إشرافه المباشر في مختبره الذي شيده وفقاً للنموذج البنيوي الصارم.
خضعت واشبورن لتدريب منهجي قاسٍ على يد تيتشنر في ممارسة “الاستبطان التجريبي” (Experimental Introspection)، وهو المنهج الذي كان يسعى إلى تفكيك الخبرة الشعورية الإنسانية إلى عناصرها الأولية من إحساسات وصور ذهنية ومشاعر، من خلال استجابات واعية لمثيرات مقاسة ومعايرة مختبرياً بدقة متناهية. ورغم أن هذا التدريب رسخ لديها احتراماً عميقاً للدقة التحليلية وضبط المتغيرات، إلا أن العلاقة الفكرية بين الأستاذ وتلميذته اتسمت بضرب من الجدل الداخلي؛ فقد استوعبت واشبورن المنهج البنيوي باقتدار منقطع النظير، لكنها بدأت في الوقت ذاته تدرك حدوده وقصوره عن استيعاب الحركة الوظيفية للوعي، مما مهد لتمايز نظري دقيق سيتبدى جلياً في إنتاجها الفكري اللاحق.
2.3 نيل درجة الدكتوراه كأول امرأة في تاريخ علم النفس (1894)
كرست واشبورن أبحاث الدكتوراه لدراسة معضلة سيكوفيزيقية دقيقة: “تأثير الإشارات البصرية على الإدراك الحسي اللمسي للمسافات”؛ حيث أجرت سلسلة واسعة من التجارب المعملية لفحص الكيفية التي يمكن من خلالها للصور البصرية الذهنية أن تؤثر في أحكام الأفراد حول المسافة المكانية بين نقطتين يتم تطبيقهما على الجلد. أظهرت النتائج أن الإدراك المكاني اللمسي ليس عملية ميكانيكية معزولة، بل يتداخل بشكل معقد مع التمثيلات البصرية المتخيلة والخبرة الحركية السابقة، مما شكل إضافة علمية نوعية لأبحاث الإدراك الحسي المتعدد في تلك الحقبة المبكرة.
وفي يونيو من عام 1894، دافعت واشبورن بنجاح باهر عن أطروحتها، لتمنحها جامعة كورنيل درجة الدكتوراه في علم النفس رسمياً، وتسجل اسمها في تاريخ العلوم بوصفها أول امرأة تنال الدكتوراه في هذا التخصص على مستوى العالم. ولم يقتصر الاعتراف الأكاديمي على الجامعة وحدها، بل حرص تيتشنر على إرسال الأطروحة إلى أستاذه فيلهلم فونت في ألمانيا، والذي أبدى إعجابه الكبير بالصرامة المنهجية للبحث، وقام بنشره مترجماً إلى اللغة الألمانية في مجلته الفلسفية والتجريبية المرموقة Philosophische Studien عام 1895. كان هذا الحدث بمثابة اختراق تاريخي مدوٍّ أثبت بالأدلة العلمية القاطعة كفاءة المرأة في قيادة البحوث التجريبية الصعبة، وفتح الأبواب الموصدة أمام الأجيال اللاحقة من الباحثات السيكولوجيات.
3. الأطروحات النظرية المبكرة والعلاقة مع المدرسة البنيوية
3.1 استيعاب وممارسة الاستبطان التجريبي
شكّل منهج “الاستبطان التجريبي المنظم” (Systematic Experimental Introspection) حجر الزاوية في التكوين المعملي الأولي لمارغريت واشبورن داخل مختبر كورنيل. لم يكن الاستبطان بحسب المفهوم البنيوي الذي تشربته مجرد تأمل ذاتي عشوائي أو انطباعات شخصية عابرة كما هو مألوف في الكتابات الفلسفية الكلاسيكية، بل كان بروتوكولاً علمياً صارماً يتطلب من المفحوص، بعد خضوعه لتدريب مكثف، أن يصف حالاته الشعورية المباشرة بدقة سيكولوجية خالصة، مع تجرد تام من تسميات الأشياء الخارجية لتفادي ما كان يُعرف بـ “خطأ المثير” (Stimulus Error).
مارست واشبورن هذا المنهج باحترافية استثنائية في دراسة الإحساسات اللمسية والبصرية؛ حيث صممت مقاييس استبطانية متناهية الدقة لرصد زمن الرجع وتفكيك الصور الذهنية إلى شظاياها الحسية الأولية. غير أن هذه الممارسة المستمرة والمكثفة لم تجعلها تقع في فخ التقديس الدوغمائي للمنهج؛ بل مكنتها من الكشف المبكر عن مواطن ضعفه البنيوية، وفي مقدمتها: الذاتية المفرطة التي تصعب من تكرار النتائج عبر مفحوصين مختلفين، واستحالة تطبيق الاستبطان اللفظي على دراسة الفئات التي لا تمتلك لغة منطوقة كالرضع والكائنات الحية غير البشرية، وهو الإدراك المنهجي الذي دفعها نحو توسيع آفاق البحث النفسي.
3.2 الأبحاث السيكوفيزيقية حول التكافؤ الحسي واللمسي
تميزت أبحاث واشبورن في مرحلة ما بعد الدكتوراه بتركيزها على القياس السيكوفيزيقي الدقيق للعتبات الحسية (Sensory Thresholds) والتكافؤ بين الحواس المتنوعة. ركزت تجاربها على استقصاء الكيفية التي يتفاعل بها حسا اللمس والبصر في تقدير المسافات والأبعاد الهندسية، واستخدمت أجهزة الفرجار السيكوفيزيقي ومقاييس الضغط الميكانيكية الموضعية لإجراء اختبارات مقارنة بين مناطق الجسم المختلفة لمعرفة الفروق في حساسية التمييز المكاني بنقطتين (Two-Point Discrimination).
أفضت هذه الأبحاث إلى صياغة براهين تجريبية متماسكة تثبت أن الإدراك المكاني ليس بنية معزولة داخل كل حاسة على حدة، بل هو نتاج تكامل حسي ديناميكي تتداخل فيه الذاكرة البصرية مع التوترات العضلية الموضعية. نشرت واشبورن سلسلة من المقالات العلمية المحكمة التي بينت فيها أن إحساس اللمس لا يقدم معطيات سكونية بحتة، بل إن الاستجابة الحركية الكامنة للأنسجة تتدخل فوراً في تأويل طبيعة المثير المكاني، وهي الفكرة التي أضاءت الطريق لاحقاً أمام نظريتها الكبرى في الأفعال الحركية وعلاقتها المباشرة بالتشكيل الإدراكي الكلي.
3.3 بوادر الانفصال المنهجي عن بنيوية تيتشنر
على الرغم من التقدير الأكاديمي العميق الذي احتفظت به واشبورن لأستاذها تيتشنر طوال حياتها، إلا أن مسيرتها الفكرية شهدت تمرداً تدريجياً وصامتاً على الأطر الضيقة للمدرسة البنيوية. رفضت واشبورن الافتراض البنيوي القائل بأن علم النفس يجب أن يقتصر فقط على “تشريح” العقل البشري البالغ الطبيعي إلى مكوناته الساكنة دون البحث في وظيفته التكيفية أو دراسة السلوك الحيواني المتطور. رأت واشبورن أن اختزال الوعي في مجرد عناصر إحساس وصور ومشاعر هو محاولة ميتة لتجميد نهر التجربة الشعورية الدفاق والمتحرك دوماً كما وصفه ويليام جيمس.
تجلت بوادر هذا الانفصال في ميلها المتزايد نحو الربط بين الإدراك الحسي والاستجابة الحركية الفيزيولوجية؛ فالوعي في نظرها لم يكن لوحة جامدة تُفحص أجزاؤها بالمجهر الاستبطاني، بل هو أداة توجيه عملية تهدف إلى قيادة السلوك التكيفي للكائن الحي في بيئته الطبيعية. مهد هذا التحول الجذري في بوصلتها الفكرية لانتقالها الواثق نحو المباحث التطورية والوظيفية، لتضع أسس مشروع علمي تكاملي يتجاوز القيود المغلقة لمختبر كورنيل، وينفتح على عالم الأحياء الرحب من خلال تدشين علم النفس المقارن على أسس علمية متينة.
4. تأسيس علم النفس المقارن وكتاب العقل الحيواني (1908)
4.1 الدوافع الفكرية والسياق المرجعي لتأليف الكتاب
في مطلع القرن العشرين، كان حقل دراسة السلوك والذكاء الحيواني يعاني من فوضى منهجية عارمة؛ إذ كان منقسماً بين اتجاهين متطرفين: الأول اتجاه رومانسي غير منضبط يعتمد على جمع الحكايات الشعبية والنوادر الطريفة وإسقاط المشاعر والدوافع الإنسانية المعقدة على تصرفات الحيوانات فيما يعرف بظاهرة “التشبيه بالإنسان” أو الأنسنة (Anthropomorphism) كما تجلت في كتابات جورج رومانيس؛ والثاني اتجاه ميكانيكي صارم وسلوكي ناشئ يسعى إلى إنكار أي وجود للحياة النفسية أو الوعي لدى الكائنات الحية واعتبارها مجرد استجابات فسيولوجية انعكاسية محضة لآلية التنبيه، كالآلات المعقدة التي تحركها الغرائز الصماء دون أدنى إدراك باطن.
أمام هذا الفراغ المنهجي المقلق، أدركت واشبورن الحاجة الماسة إلى تأسيس مرجع علمي شامل يضع دراسة السلوك الحيواني على أسس تجريبية منضبطة تنبذ التفسيرات الخرافية وتعتمد التحليل المختبري الدقيق، وفي الوقت عينه تعترف بإمكانية وجود خبرات شعورية وواعية لدى الحيوان تتناسب مع درجة تعقيد جهازه العصبي. ومن هذا المنطلق المعرفي الاستثنائي، أنجزت واشبورن مؤلفها التاريخي الضخم: «العقل الحيواني: كتاب مرجعي في علم النفس المقارن» (The Animal Mind: A Text-Book of Comparative Psychology)، والذي صدر في طبعته الأولى عام 1908 عن دار نشر ماكميلان في نيويورك. قامت واشبورن في هذا المؤلف بمسح نقدي وتحليلي استقصائي لما يزيد عن 450 تجربة ودراسة منشورة تناولت شتى أصناف الكائنات، من وحيدات الخلية (الأميبا والبراميسيوم) ومروراً بالديدان والحشرات والرخويات، وصولاً إلى الفقاريات المتقدمة كالقردة العليا والثدييات، في عمل موسوعي غير مسبوق في دقته وشموليته.
4.2 المنهجية المزدوجة: التجريب السلوكي والاستدلال الاستبطاني
ابتكرت واشبورن في كتابها منهجية رائدة أطلقت عليها اسم “المنهجية المزدوجة” في دراسة سيكولوجيا الحيوان؛ وتقوم هذه المنهجية على الجمع المحكم بين الملاحظة السلوكية الصارمة القابلة للقياس الكمي في المختبر، وبين الاستدلال الفكري العقلاني المنضبط للوصول إلى الحالة الشعورية الداخلية للكائن الحي. ونظراً لأن الحيوانات عاجزة عن تقديم تقارير استبطانية لفظية عن مشاعرها وأفكارها، فقد شددت واشبورن على أن الاستدلال على وجود الوعي الحيواني يجب أن يتم حصراً من خلال مبدأ المماثلة التشريحية والوظيفية (Analogy): فبما أن السلوك التكيفي للحيوان يتشابه مع سلوك الإنسان في مواقف معينة، وبما أن الحيوان يمتلك بنية عصبية تشابه تشريحياً البنية البشرية بنسب متفاوتة، فإنه يحق للباحث استنتاج وجود خبرة واعية مصاحبة لهذا السلوك.
ولكي تحمي منهجيتها من الانزلاق إلى مستنقع الأنسنة المضلل، تبنت واشبورن وطبقت بصرامة معيار “قانون الإيجاز” الذي وضعه عالم الأحياء البريطاني سي. لويد مورغان (Lloyd Morgan’s Canon)؛ والذي ينص على أنه:
«لا يجوز بأي حال من الأحوال تفسير أي فعل وسلوكي للحيوان على أنه نتاج ممارسة قدرة نفسية عقلية عليا، إذا كان بالإمكان تفسيره بدقة بوصفه ناتجاً عن ممارسة قدرة تقف في مرتبة أدنى على السلم النفسي التطوري.»
صممت واشبورن معايير مختبرية صارمة لتقييم الذكاء الحيواني شملت: قدرة الكائن على تعديل سلوكه بناءً على الخبرة السابقة، سرعة حل المشكلات، تشكيل العادات الإدراكية، وتجاوز العقبات في المتاهات الميدانية، مما نقل علم النفس المقارن من طور الوصف الأدبي إلى طور القياس العلمي المقنن.
4.3 نقد السلوكية الاختزالية والتأكيد على الشعور الحيواني
شكل كتاب «العقل الحيواني» سداً منيعاً وحصناً فكرياً متقدماً ضد موجة السلوكية الاختزالية التي قادها لاحقاً جون واطسون والتي سعت إلى تجريد البحث النفسي من أي حديث عن الوعي أو التجربة الذاتية للحيوان. رفضت واشبورن بشدة فكرة أن الحيوان مجرد “صندوق أسود” لا يمكن ولا ينبغي معرفة ما يدور بداخله؛ ورأت أن إسقاط مفهوم الوعي عن دراسة الحيوانات هو انحراف منهجي خطير يتناقض مع منطق النظرية التطورية لداروين. فإذا كان التطور الفسيولوجي والتشريحي سلسلة مستمرة ومتصلة الحلقات تربط بين الكائنات البسيطة والإنسان، فإن التطور النفسي والشعوري يجب بالضرورة أن يكون بدوره متصلاً، ولا يمكن أن ينبثق الوعي فجأة في الإنسان من فراغ مطلق دون أن تكون له أصول تطورية متدرجة في الكائنات الأدنى.
دافعت واشبورن عن الفكرة القائلة بأن التعلم القائم على التمييز الحسي وحل المتاهات لا يمكن تفسيره بمجرد منعكسات شرطية عمياء؛ بل يتضمن درجات متفاوتة من التمييز والانتباه والشعور باللذة والألم. حقق كتابها نجاحاً أكاديمياً كاسحاً، حيث توالت طبعاته المنقحة في أعوام 1917 و1926 و1936، مظلاً المرجع التدريسي والجامعي الأول والمعتمد لأكثر من ثلاثة عقود في الجامعات الأمريكية والأوروبية، ومؤسساً لواحدة من أهم القواعد المعرفية التي قام عليها علم السلوك الحيواني المقارن والبيولوجيا السلوكية في القرن العشرين.
5. النظرية الحركية للوعي (The Motor Theory of Consciousness)
5.1 المنطلقات المفاهيمية للنظرية وكتاب الحركة والصورة الذهنية (1916)
في عام 1916، توجت مارغريت واشبورن جهودها النظرية والتجريبية بإصدار أهم كتبها الفلسفية والسيكولوجية على الإطلاق: «الحركة والصورة الذهنية: الخطوط العريضة لنظرية في العمليات المعقدة ترتكز على الاستجابة الحركية» (Movement and Mental Imagery: Outlines of a Motor Theory of the Complexer Mental Processes). سعى هذا العمل الطموح إلى معالجة واحدة من أزلية المعضلات الفلسفية: مشكلة العلاقة بين العقل والجسد (Mind-Body Problem)، وذلك من خلال تأسيس إطار فيزيولوجي ونفسي متكامل يفسر كيفية تحول العمليات العصبية الحسية والحركية إلى خبرات واعية وصور ذهنية مجردة.
انطلقت واشبورن من فرضية علمية محورية تنص على أن: كل حالة وعي أو عملية تفكير باطنية أو صورة ذهنية ترتبط ارتباطاً وثيقاً وضرورياً بنشاط حركي فيسيولوجي مستبطن. لم يكن العقل في منظورها متلقياً سلبياً للإثارات الواردة من البيئة الخارجية عبر الحواس، بل هو جهاز استجابة حركية فعال لا يكتمل الإدراك فيه إلا ببدء حدوث استجابة عضلية موازية. وبذلك أعادت واشبورن صياغة دراسة الإدراك العقلي لا بوصفه ظاهرة معزولة تسبح في الفراغ الروحي، بل بوصفه وظيفة بيولوجية حية تنشأ في صلب الأفعال الحركية ونظم التغذية الراجعة بين العضلات والجهاز العصبي المركزي.
5.2 الحركات العضلية غير المرئية (Incipient Motor Movements)
لعل أعمق وأدق المفاهيم التي صاغتها واشبورن في نظريتها الحركية هو مفهوم «الحركات العضلية البادئة أو غير المرئية» (Incipient Motor Movements). افترضت واشبورن أنه عندما نفكر في شيء ما، أو نستحضر صورة ذهنية لذكرى قديمة، أو نقوم بحل معادلة رياضية في أذهاننا، فإن أجسامنا لا تكون في حالة سكون مطبق، بل تنخرط مجموعاتنا العضلية – وخاصة عضلات الحنجرة واللسان وأوتار العين والأطراف – في انقباضات دقيقة ومجهرية للغاية لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة، تمثل بدايات غير مكتملة للأفعال الحركية الحقيقية.
تتمثل الوظيفة الحيوية لهذه الحركات المصغرة في تقديم تغذية راجعة حسية-حركية مستمرة إلى المراكز القشرية في الدماغ، مما يسمح بتوليد “الصورة الذهنية” واستمرار تدفق الوعي. ووفقاً لتحليلها الفسيولوجي المذهل، فإن “التفكير الصامت” ليس سوى حديث حركي غير منطوق تحركه التوترات العضلية الدقيقة لجهاز النطق، كما أن استحضار صورة شكل مكاني هندسي يتطلب بالضرورة تنشيطاً دقيقاً لعضلات العين التي ترسم خطوط هذا الشكل في الفضاء الافتراضي. بل إن واشبورن مضت إلى أبعد من ذلك حين فسرت الانتباه الانتقائي وظهور الوعي المكثف بوصفهما ناتجين عن تثبيط الحركة المتنافسة (Inhibition of Motor Antagonism)؛ فعندما تنشأ في الجهاز العصبي دافعان حركيان متضادان في اللحظة عينها، يحدث تأخير حركي وتثبيط متبادل للأفعال الخارجية، وهذا التثبيط العضلي الداخلي بالذات هو الذي يشعل شرارة الوعي المكثف ويفسح المجال للتأمل الذهني العميق.
5.3 الجسر التوفيقي بين البنيوية والسلوكية والوظيفية
مثلت النظرية الحركية لواشبورن محاولة تاريخية فريدة لبناء جسر معرفي توفيقي ينهي الصراع الاستقطابي العنيف الذي مزق علم النفس الأمريكي في الربع الأول من القرن العشرين؛ وهو النزاع المحتدم بين:
- النزعة البنيوية التي تشبثت بأهمية فحص عناصر الوعي والاستبطان الداخلي مع إهمال السلوك الخارجي.
- النزعة السلوكية التي دعت إلى شطب مفهوم الوعي والخبرة الذاتية بالكامل والاكتفاء بملاحظة الاستجابات السلوكية الخارجية فقط.
- النزعة الوظيفية التي ركزت على المنفعة التكيفية للعمليات العقلية دون الغوص عميقاً في ميكانيزماتها العضلية الدقيقة.
استطاعت واشبورن أن تدمج أطراف هذا المثلث الفكري ببراعة فائقة؛ حيث حافظت على مشروعية ومحورية “الوعي” و”الخبرة الباطنة” التي دافع عنها البنيويون والوظيفيون، لكنها في الوقت نفسه شرحت هذا الوعي وفسرت نشأته عبر آليات فسيولوجية وحركية قابلة للملاحظة والقياس التجريبي كما يطالب السلوكيون. وبفضل هذه الصياغة المتقدمة، يُنظر إلى عمل واشبورن اليوم بوصفه إرهاصاً مبكراً ومباشراً لنظرية الإدراك المتجسد (Embodied Cognition) الحديثة، التي تثبت أن العمليات المعرفية العليا متجذرة بعمق في التفاعلات الحركية والجسدية للكائن الحي مع بيئته المادية.
6. المساهمات المعملية والأبحاث التجريبية المتنوعة
6.1 دراسات الرؤية وإدراك الألوان والتباين البصري
إلى جانب مؤلفاتها النظرية الكبرى، قادت مارغريت واشبورن نشاطاً تجريبياً غزيراً في مختبرها شمل دراسة فيزيولوجيا الرؤية وأوهام البصر ونظريات إدراك الألوان. أجرت أبحاثاً رائدة ومعقدة حول ظاهرة “الصور البعدية” (Afterimages) وكيفية تأثرها بالإجهاد البصري ومستويات الإضاءة المتغيرة، ساعية للتحقق من الفرضيات السيكوفيزيقية التي طرحها كل من هيرنغ وهيلمهولتز حول مستقبلات الشبكية الشبكية المتخصصة.
استخدمت واشبورن أجهزة قياس فوتومترية متطورة لفحص التباين اللوني المتزامن والمتتالي، وتتبعت التفضيلات اللونية الإنسانية وعلاقتها بالاستجابات الانفعالية الفطرية والمتعلمة. كما ركزت أبحاثها المعملية على دراسة “التكيف البصري” في ظروف الظلام والضوء الساطع، ووثقت التغيرات التي تطرأ على دقة الإدراك البصري التابع تحت تأثير الإعياء الذهني والبدني الممتد، مقدمة بيانات معملية معيارية دقيقة استعانت بها المراجع الطبية والنفسية لعقود متتالية.
6.2 أبحاث الحواس الأخرى: السمع، اللمس، والإحساس العميق
امتدت اهتمامات واشبورن التجريبية لتغطي الطيف الحسي البشري بأكمله، حيث صممت تجارب نوعية لدراسة دقة تحديد مواقع الأصوات في الفضاء الفيزيقي ثلاثي الأبعاد (Auditory Localization). فحصت كيف يتسنى للدماغ البشري، عبر الفروق الزمنية الدقيقة في وصول الموجات الصوتية إلى كلتا الأذنين والفروق في الشدة الصوتية، أن يرسم خريطة مكانية دقيقة للمصدر الصوتي، مبرهنة على أن حركات الرأس والتوترات العضلية في الرقبة تلعب دوراً غير مدرك لكنه جوهري في توجيه التموضع السمعي.
وفي مجال حاسة اللمس والإحساس العضلي العميق أو ما يُعرف بـ الحس العميق (Proprioception)، أجرت دراسات مستفيضة حول الإشارات العصبية الواردة من المستقبلات الحسية في المفاصل والأوتار العضلية أثناء الحركة. أثبتت تجاربها المعملية أن هذه الإشارات العميقة لا تسهم فقط في الحفاظ على التوازن الجسدي، بل تشكل حجر الأساس الذي يُبنى عليه إدراكنا للمكان، والاتجاه، والمقاومة المادية للموجودات الخارجية، مما عزز من صحة أطروحتها العامة حول المحركات الفسيولوجية لليقظة الشعورية.
6.3 دراسة الذاكرة وتداعي الأفكار والتنظيم المعرفي
في أبحاث الذاكرة والمعرفة، صممت واشبورن بروتوكولات تجريبية متطورة لقياس سرعة وقوة استدعاء الكلمات والمفردات اللغوية وارتباطها بالحالات المزاجية للمفحوصين. طورت أدوات تجريبية متباينة لدراسة التداعي المقيد والتداعي الحر للأفكار تحت شروط ضبط معملي متناهية الصرامة، متأثرة في ذلك بأعمال إبنجهاوس الرائدة في دراسة منحنيات الحفظ والنسيان.
كشفت نتائج أبحاثها عن الكيفية التي يمكن بها للأفكار المتداعية أن تُثار أو تُثبط وفقاً لدرجة التوتر العضلي المصاحب لاستقبال المثير اللفظي، موضحة أن الكلمات المشحونة بالانفعال تحفز نشاطاً حركياً خفياً في تعابير الوجه والأطراف ينعكس في تسريع أو عرقلة زمن الرجع أثناء استرجاع الذاكرة. وتعد هذه الدراسات من أولى المحاولات التجريبية التي رصدت التفاعل المعقد بين الوجدان الذاتي، والحالة الفسيولوجية للجسم، وكفاءة العمليات المعرفية التخزينية في الذاكرة العرضية والدلالية.
7. المسيرة التربوية في كلية فاسار وتدريب أجيال الباحثات
7.1 تأسيس مختبر علم النفس وتحديث البنية التحتية البحثية
عادت مارغريت واشبورن إلى رحاب كليتها الأم، كلية فاسار، عام 1903 لتتولى منصب أستاذة مساعدة في الفلسفة ومديرة مشاركة لبرامج علم النفس، قبل أن يتم تعيينها أستاذة كاملة لعلم النفس عام 1908 وتتولى الإدارة الكاملة للقسم المستقل حديثاً حتى عام 1937. فور توليها هذه المسؤولية، شنت واشبورن حملة أكاديمية وإدارية واسعة لتحديث البنية التحتية العلمية للكلية؛ حيث أنشأت وأدارت مختبراً متطوراً لعلم النفس التجريبي جهزته بأحدث المعدات والأجهزة السيكوفيزيقية المتقدمة كأجهزة الميرونوميتر، وأسطوانات كيموغراف (Kymographs)، وأجهزة التاكيستوسكوب (Tachistoscopes) المصممة لقياس سرعة الإدراك البصري اللحظي.
نجحت واشبورن في تأمين الدعم المالي والمنح البحثية المتواصلة للقسم، مما جعل مختبر فاسار يضاهي أرقى المختبرات السيكولوجية في الجامعات الأمريكية الكبرى المخصصة للرجال كجامعات هارفارد وكولومبيا وبنسلفانيا. حولت واشبورن فاسار من مجرد كلية تعليمية تقليدية للفتيات إلى مركز ثقل بحثي وإنتاجي رائد في الولايات المتحدة يقصده الباحثون للاطلاع على التجارب النوعية المنفذة في مجالات الإدراك الحسي وسيكولوجيا الحيوان المقارن.
7.2 منهجية التعليم التشاركي والإنتاج العلمي المشترك
ابتكرت واشبورن أسلوباً بيداغوجياً وتربوياً ثورياً في تدريس العلوم السيكولوجية عُرف بـ “التعليم التشاركي المعملي”؛ إذ لم تكن تنظر إلى طالباتها الجامعيات كمتلقيات سلبيات للمحاضرات النظرية الجافة، بل كانت تدمجهن مباشرة ومنذ مراحل دراستهن الأولى كباحثات مساعدات وشريكات كاملات في تصميم وتنفيذ البحوث التجريبية ونشر نتائجها في الدوريات المرموقة.
أثمر هذا النهج التربوي الفريد عن إطلاق سلسلة علمية شهيرة حملت اسم «دراسات فاسار في علم النفس التجريبي» (Studies from the Psychological Laboratory of Vassar College)، والتي استمرت لعدة عقود متتالية. ومن المثير للإعجاب في السيرة الأكاديمية لواشبورن أنها نشرت ما يقرب من 70 ورقة بحثية محكمة في كبريات الدوريات النفسية العالمية حملت أسماء طالباتها كمؤلفات مشاركات إلى جانب اسمها، وهو رقم قياسي غير مسبوق في تاريخ الجامعات النسائية في ذلك العصر، عكس تفانيها النادر في دعم طالباتها وإكسابهن الصرامة المنهجية والموضوعية التحليلية المطلوبة لإنتاج المعرفة العلمية الرصينة.
7.3 التأثير طويل الأمد على ريادة المرأة في العلوم
كان للأثر التربوي العميق الذي أرسته واشبورن في فاسار ارتدادات بعيدة المدى على مسار تمكين المرأة واقتحامها لمجالات العلوم الدقيقة؛ حيث تخرجت من تحت يديها أجيال متتابعة من الباحثات والمتخصصات اللاتي تقلدن لاحقاً مناصب أكاديمية وبحثية مرموقة في جامعات ومراكز بحوث وطنية، وأسسْنَ بدورهن مختبرات متخصصة في علم النفس والعلوم السلوكية في شتى أرجاء العالم.
شيدت واشبورن، عبر سنوات عملها الدؤوب، شبكة دعم نسوية غير رسمية لكنها غاية في القوة والفاعلية في مواجهة التهميش المؤسسي الذي فرضته البيئة الأكاديمية الذكورية السائدة؛ فكانت تقدم لطالباتها النصح المهني، والوساطة العلمية النزيهة للحصول على المنح الدراسية في الجامعات الكبرى، وتغرس في نفوسهن روح التحدي الفكري والإيمان المطلق بقدرة المرأة على مقارعة أعتى المباحث الرياضية والتجريبية. كرست واشبورن في سلوكها اليومي نموذج القدوة الصامتة التي تدافع عن حقوق المرأة ليس بالخطب الأيديولوجية الرنانة، بل بالإنتاج العلمي الغزير ذي المستوى العالمي الرفيع والتدريس المنهجي الباهر.
8. القيادة المهنية والاعتراف المؤسسي في مجتمع علم النفس
8.1 رئاسة جمعية علم النفس الأمريكية (APA) عام 1921
تُوّج المسار العلمي الاستثنائي لمارغريت فلوي واشبورن بانتخابها عام 1921 رئيسة لـ جمعية علم النفس الأمريكية (American Psychological Association)، وهي أعلى وأرقى هيئة مهنية وأكاديمية تمثل علماء النفس في الولايات المتحدة والعالم. ويحمل هذا الانتخاب دلالة تاريخية فائقة؛ إذ أصبحت واشبورن ثاني امرأة تتولى هذا المنصب الرفيع في تاريخ الجمعية بعد ماري ويتون كالكينز (التي انتخبت عام 1905)، غير أن واشبورن تميزت بكونها أول امرأة ترأس الجمعية وهي تحمل درجة دكتوراه رسمية ومعترفاً بها في علم النفس (نظراً لأن جامعة هارفارد كانت قد رفضت منح كالكينز الدكتوراه رسمياً بسبب جنسها رغم استيفائها لكافة المتطلبات الأكاديمية).
ألقت واشبورن في اجتماع الجمعية السنوي خطابها الرئاسي التاريخي بعنوان «المنهج التوفيقي في علم النفس»، حيث قدمت مرافعة فلسفية وعلمية بالغة النضج دعت فيها مجتمع الباحثين إلى نبذ التعصب المنهجي والتحزب الأعمى لمدارس أحادية الجانب كالبنيوية المتشددة أو السلوكية المغالية. وطالبت بضرورة دمج المناهج الاستبطانية والملاحظات الفسيولوجية الحركية في إطار نسقي رحب يخدم الحقيقة الموضوعية. كما استثمرت موقعها القيادي لترسيخ المعايير الأخلاقية للممارسات التجريبية وضمان تمثيل الاتجاهات البحثية المستقلة في اللجان العلمية المحكمة للمنظمة.
8.2 عضوية الأكاديمية الوطنية للعلوم (NAS) عام 1931
في عام 1931، حفرت واشبورن اسمها بأحرف من نور في السجل العلمي للولايات المتحدة بانتخابها عضواً في الأكاديمية الوطنية للعلوم (National Academy of Sciences)، لتكون ثاني امرأة في التاريخ الأمريكي تنال هذه العضوية الشرفية الرفيعة بعد عالمة التشريح الشهيرة فلورنس رينا سابين (Florence Rena Sabin) التي انتخبت عام 1925.
كان انتخاب واشبورن لعضوية الأكاديمية دليلاً قاطعاً على اعتراف المجتمع العلمي الطبيعي الأوسع – الذي كان يضم علماء الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا – بأبحاثها بوصفها إسهامات أصيلة تنتمي إلى العلوم البيولوجية والفسيولوجية الصلبة، وليس مجرد تنظيرات فلسفية سيكولوجية رخوة. وفي العام ذاته، تلقت واشبورن تكريماً مالياً وجائزة بحثية كبرى من مؤتمر علم النفس الدولي في كوبنهاغن، مما رسخ مكانتها الدولية كأيقونة علمية ومحطة مرجعية عالمية في بحوث الإدراك والسلوك الحيواني المقارن.
8.3 الإسهام التحريري في كبرى المجلات السيكولوجية الدولية
لعبت واشبورن دوراً تأسيسياً وتوجيهياً محورياً في رسم ملامح النشر العلمي السيكولوجي من خلال عضويتها الفاعلة في هيئات تحرير كبريات المجلات والدوريات المتخصصة؛ حيث عملت كمحررة مشاركة ومحكمة علمية في «المجلة الأمريكية لعلم النفس» (American Journal of Psychology) من عام 1903 حتى وفاتها عام 1939، بتكليف وثيق من تيتشنر ثم بإشراف مستقل لاحقاً.
كما ساهمت في هيئات تحرير دوريات مركزية أخرى مثل:
- Journal of Animal Behavior (مجلة سلوك الحيوان)
- Psychological Bulletin (النشرة السيكولوجية)
- Journal of Comparative Psychology (مجلة علم النفس المقارن)
اتسمت منهجيتها التحريرية بالصرامة المنطقية الصادقة والحرص على مطابقة النتائج للمقدمات الإمبيريقية، مما ساهم في رفع معايير النشر الأكاديمي، وتنقية الأبحاث المنشورة من التفسيرات التأملية غير المبررة، وتدريب الباحثين الجدد على أساليب الكتابة العلمية الدقيقة والمنضبطة لغوياً ومنهجياً.
9. السجالات الفكرية والمواقف النقدية تجاه التيارات المعاصرة
9.1 موقفها النقدي من السلوكية الراديكالية لواطسون
مع صعود نجم المدرسة السلوكية الراديكالية في العقد الثاني من القرن العشرين بقيادة جون برودوس واطسون، والتي نادت بإقصاء الوعي والعقل والخبرة الذاتية بالكامل من قاموس علم النفس، وقفت مارغريت واشبورن في صدارة العلماء الذين تصدوا لهذا التوجه الاختزالي بحزم فكري ومنهجي نادر. وصفت واشبورن السلوكية الواطسونية بأنها “علم نفس بلا عقل”، ورأت أن نموذج (المثير – الاستجابة: S-R) الآلي يعاني من سذاجة مفرطة تجعله عاجزاً عن تفسير الأبعاد المعقدة للسلوك البشري والحيواني على حد سواء.
خاضت واشبورن مساجلات علمية ساخنة مع واطسون في صفحات المجلات المتخصصة؛ فبينما كان واطسون يدعي أن التفكير مجرد حركة عضلية في الحنجرة تفرز لغة صامتة دون حاجة لافتراض وعي باطن، أوضحت واشبورن في نظريتها الحركية أن الحركة العضلية ليست بديلاً عن الوعي بل هي الأساس المولد له والداعم لوجوده. وجادلت بأن استبعاد التقرير الذاتي والاستبطان من دائرة البحث العلمي هو بمثابة إغلاق إرادي للعين أمام نصف الحقيقة الإنسانية، مؤكدة أن السلوك الخارجي يظل أعمى وبلا دلالة حقيقية ما لم يُفهم في ضوء التوترات الحركية والخبرات الشعورية المصاحبة له في العالم الباطني للكائن الحي.
9.2 التعاطي مع ظهور علم نفس الجيشتالت (Gestalt Psychology)
عندما بدأت أفكار مدرسة الجيشتالت (Gestalt Psychology) التي أسسها ماكس فيرتهايمر وفولفغانغ كوهلر وكورت كوفكا في الانتشار داخل الأوساط الأمريكية في عشرينيات القرن العشرين، تعاطت معها واشبورن بذهن منفتح ووعي نقدي حصيف. رحبت واشبورن بقوة بنقد الجيشتالت للبنيوية التيتشنرية ورفضها لتفتيت الإدراك إلى عناصر حسية ذرية معزولة، وأيدت مبدأهم الأساسي القائل بأن “الكل أكبر من مجموع أجزائه” وأن التنظيم البنيوي الكلي هو الملمح الحقيقي للظواهر العقلية.
ومع ذلك، لم تتردد واشبورن في توجيه نقد جوهري لبعض التفسيرات الفسيولوجية المباشرة التي تبناها الجيشتالتيون، ولا سيما مفهوم “التماثل البنيوي الفيزيائي” (Isomorphism) في الدماغ. ورأت أنهم بالغوا في التركيز على القوانين البصرية الفطرية الساكنة للإدراك وأهملوا الدور الحاسم الذي تلعبه الحركات العضلية والتعلم الحركي السابق في تكوين الصورة الكلية. وسعت في كتاباتها اللاحقة إلى إعادة تفسير قوانين التنظيم الإدراكي الجيشتالتية (كالتقارب والإغلاق والاستمرارية) من خلال نظريتها الحركية، موضحة أن هذه الأشكال الكلية تنتظم في أذهاننا لأنها تستدعي منظومات متكاملة من الاستجابات الحركية المتسقة في أجسادنا.
9.3 الموقف من التحليل النفسي واللاوعي الفرويدي
اتسم موقف مارغريت واشبورن من مدرسة التحليل النفسي ونظريات سيغموند فرويد بالتحفظ الشديد والارتياب المنهجي العميق. ورغم اعترافها بأن فرويد لفت الانتباه بذكاء إلى أهمية الدوافع غير المرئية وتأثير الخبرات المبكرة في توجيه الشخصية، إلا أنها اعتبرت المنهج التحليلي القائم على التداعي السريري الحر وتأويل الرموز ومنهج دراسة الحالة الفردية مفتقراً تماماً إلى أبسط شروط الضبط التجريبي وقواعد القياس العلمي الموضوعي.
انتقدت واشبورن بشدة النزعة الفضفاضة في التفسيرات الفرويدية للرغبات المكبوتة واللاوعي الغيبي ومحتوى الأحلام، واصفة الكثير منها بالتأملات الأدبية التي يصعب إخضاعها لبروتوكولات التفنيد والتحقق المعملي في المختبر. وطالبت بضرورة إخضاع المفاهيم النفسية الديناميكية كالكبت والنزاع الداخلي للملاحظة الإمبيريقية والسلوكية المقارنة عبر فحص التوترات العضلية المرافقة للانفعالات وتأثيرها على الأداء المعرفي، بدلاً من الاكتفاء بالبناءات التأملية المغلقة التي لا يمكن اختبار صحتها مختبرياً.
10. أبحاث الانفعالات والجماليات وعلم النفس الاجتماعي
10.1 سيكولوجيا التذوق الجمالي والموسيقي
كرست واشبورن جزءاً معتبراً من تجاربها المعملية المتقدمة لاستكشاف الظواهر الوجدانية المعقدة، وفي مقدمتها سيكولوجيا التذوق الجمالي (Aesthetic Psychology). أجرت برفقة طالباتها سلسلة طويلة من الدراسات حول الاستجابات الانفعالية للمقامات الموسيقية المختلفة، وفحصت تجريبياً كيف تؤثر التوافقات والتنافرات الصوتية النغمية (Consonance and Dissonance) في استثارة حالات مزاجية محددة كالحزن والبهجة والسكينة.
قامت واشبورن بربط هذه الاستجابات الجمالية بالمتغيرات الفسيولوجية المقاسة؛ كنبض القلب ومعدل التنفس ومستويات التوتر العضلي الطفيف في أطراف الأصابع والوجه. كما درست التفضيل الجمالي للأشكال الهندسية المتناظرة والألوان المتناسقة في الأعمال الفنية التشكيلية، وخلصت إلى أن الإحساس بالجمال ليس فكرة عقلانية مجردة، بل هو تجربة جسدية متكاملة تتناغم فيها الحركات العضلية التكيفية للأعضاء الحسية مع النبض الحيوي للجهاز العصبي السمبثاوي.
10.2 التقييم التجريبي للفروق الفردية في الوجدان والمزاج
كانت واشبورن من أوائل العلماء الذين حاولوا إخراج دراسة “المزاج” و”الشخصية” من حيز الأوصاف الأدبية العامة إلى نطاق القياس السيكومتري والتجريبي المقنن؛ فصممت استبيانات معملية دقيقة واختبارات سلوكية لتقييم الفروق الفردية في سرعة الاستثارة الانفعالية، وقوة الثبات الانفعالي، والنزوع نحو التفاؤل والتشاؤم.
أخضعت هذه السمات المزاجية للفحص عبر مواقف معملية افتراضية اختبرت فيها قدرة المفحوصين على كبح استجاباتهم الحركية التلقائية في مواجهة مثيرات مفاجئة أو غير سارة كالأصوات المزعجة والروائح المنفرة. ودرست بعمق كيفية ترابط حركات الوجه التعبيرية الدقيقة مع شدة المشاعر الداخلية، مؤكدة أن الفروق الفردية في الاستجابات المزاجية ترجع إلى تباينات أصيلة في التوازنات العصبية الحركية وتاريخ الخبرات التعليمية التكيفية التي مر بها الفرد.
10.3 الاهتمامات المبكرة بسلوك الجماعات والتفاعل الاجتماعي
في وقت كان فيه علم النفس الاجتماعي لا يزال حقلاً ناشئاً يفتقر إلى المناهج المختبرية، قادت واشبورن تجارب مبكرة ومبتكرة لدراسة أثر الوجود الاجتماعي والتفاعل البشري المتبادل على دقة الأداء الإدراكي والمهام المعرفية. فحصت في تجاربها كيف يختلف تركيز الأفراد ودقتهم في استرجاع الذاكرة والتمييز الحسي عندما يؤدون المهام بمفردهم مقارنة بأدائهم لها في حضور مجموعة متنافسة من الأقران.
وثقت هذه الدراسات المختبرية ما يُعرف اليوم بظواهر “التسهيل الاجتماعي” (Social Facilitation) والامتثال الجماعي، وأظهرت أن الحضور الإنساني المحيط يولد توترات حركية خفية في الجهاز العصبي للمفحوص تؤثر تأثيراً مباشراً في كفاءة التفكير وسرعة اتخاذ القرارات. مهدت هذه الجهود لاستخدام المعامل التجريبية الرصينة في معالجة القضايا والظواهر التي كانت تعد حتى ذلك الحين حكراً على علم الاجتماع النظري والتأملات الفلسفية المجردة.
11. السنوات الأخيرة والمرض والرحيل (1928-1939)
11.1 النشاط العلمي المتأخر واستمرار التدريس
مع دخولها العقد السادس من عمرها في أواخر عشرينيات القرن العشرين، واصلت مارغريت واشبورن نشاطها الأكاديمي والتدريسي بطاقة معرفية نادرة لا تعرف الكلل. ظلت تشرف بنفسها على مختبر كلية فاسار، وتلقي المحاضرات اليومية على الطالبات، وتقود مشاريعهن البحثية الميدانية في علم النفس التجريبي والفسيولوجي. وفي هذه المرحلة المتأخرة، عكفت على تحديث موسوعتها الكبرى «العقل الحيواني»؛ فأصدرت طبعتها الثالثة عام 1926 وطبعتها الرابعة الموسعة عام 1936، حيث أضافت مئات المراجع الجديدة التي عكست التطورات الهائلة في بحوث المنعكسات الشرطية والتعلم الإدراكي لدى الرئيسيات.
شاركت واشبورن بنشاط لافت في المؤتمرات السيكولوجية الدولية ممثلة للولايات المتحدة في المحافل العلمية العالمية، وحظيت باحترام استثنائي من أقرانها ومنافسيها على حد سواء، الذين وجدوا فيها عقلية متزنة تجيد تفكيك المشكلات المعرفية المعقدة بنزاهة علمية فائقة وتواضع إنساني جم يجمع بين الحزم الأكاديمي واللطف الرعوي في معاملة طلابها وزملائها.
11.2 الإصابة بالسكتة الدماغية والتقاعد القسري
في عام 1937، وبينما كانت واشبورن في ذروة عطائها الفكري وخططها البحثية المستقبلية، تعرضت لانتكاسة صحية بالغة القسوة؛ حيث أُصيبت بسكتة دماغية شديدة أدت إلى شلل جزئي أثر على قدرتها على الحركة، وترك مضاعفات جسدية منهكة حدت من قدرتها على الكلام والتواصل المعملي اليومي المعتاد. كان هذا العارض الصحي الأليم بمثابة ضربة قاصمة لروتينها الحياتي الذي تماهى لعقود طويلة مع العمل الأكاديمي المختبري الدؤوب.
أجبرها المرض على التقاعد الرسمي القسري من منصبها في كلية فاسار في صيف عام 1937، لتعلن إدارة الكلية تسميتها فوراً “أستاذة فخرية لعلم النفس” (Professor Emeritus) تقديراً لمسيرتها التاريخية التي غيرت وجه المؤسسة لأكثر من ثلاثة عقود. ورغم العجز البدني والآلام الجسدية التي رافقت شهور مرضها الأخيرة في منزلها ببوكيبسي، احتفظت واشبورن بصفاء ذهني وضاء، وظلت تتابع المستجدات العلمية في المجلات التي ترسل إليها، وتستقبل زيارات طالباتها المقربات وزملائها الذين أحاطوها بكل آيات الوفاء والمحبة الصادقة.
11.3 وفاتها عام 1939 والتكريم التأبيني
في التاسع والعشرين من أكتوبر عام 1939، أسلمت مارغريت فلوي واشبورن الروح في منزلها القريب من كلية فاسار في بوكيبسي بنيويورك، عن عمر يناهز الثامنة والستين عاماً، مسدلة الستار على حياة حافلة بالفتوحات العلمية الرائدة والنضال المعرفي الملهم. شيعت جنازتها في موكب مهيب جمع قادة الفكر وأعضاء المجتمع الأكاديمي وأجيالاً من خريجات فاسار اللاتي بكين فيها المعلمة الاستثنائية والقدوة التي أنارت لهن دروب العلم.
أعقبت وفاتها موجة عارمة من بيانات النعي والتأبين المؤثرة التي تصدرت أعداد كبريات الدوريات والمجلات السيكولوجية العالمية كالـ American Journal of Psychology وScience وPsychological Review. وقد كتب المؤرخ السيكولوجي الشهير روبرت وودورث وكارل داشيل وأقرانها في الأكاديمية الوطنية للعلوم مقالات تأبينية مكثفة أجمعت على أن واشبورن لم تكن فقط أول سيدة تبلغ قمة الهرم الأكاديمي في علم النفس، بل كانت مفكرة موسوعية أثرت العقل البشري بمنهجية علمية فريدة ستظل نبراساً مضيئاً على مدار التاريخ الأكاديمي الحديث.
12. المكانة المعرفية والإرث التاريخي في علم النفس الحديث
12.1 إعادة قراءة إرثها في ضوء علوم الأعصاب والإدراك المتجسد
مع تسارع الثورة المعرفية وتطور علوم الأعصاب (Neurosciences) وتقنيات التصوير الدماغي الوظيفي في أواخر القرن العشرين ومطالع القرن الحادي والعشرين، شهدت الأوساط الفلسفية والسيكولوجية حركة واسعة النطاق لإعادة قراءة وتقدير الأطروحات الفكرية لمارغريت فلوي واشبورن. فقد تبين لعلماء الإدراك المعاصرين أن نظريتها الحركية للوعي، التي صيغت عام 1916، استشرفت بصورة مدهشة العديد من الاكتشافات العصبية التي لم تتأكد تجريبياً إلا بعد عقود طويلة بواسطة التقنيات الطبية المتقدمة.
ومن أبرز هذه التوافقات المذهلة: اكتشاف منظومة الخلايا العصبية المرآتية (Mirror Neurons)؛ حيث ثبت أن مجرد مراقبة فعل حركي يؤديه شخص آخر أو حتى التفكير المجرد فيه، يحفز داخل قشرة الدماغ الحركية للإنسان شحنات عصبية تطابق تماماً تلك التي تعمل عند أداء الفعل ذاته فيزيقياً، وهو ما يجسد بدقة بالغة ما أطلقت عليه واشبورن قبل قرن من الزمان اسم “الحركات العضلية غير المرئية أو البادئة”. كما تعتمد نظريات “الإدراك المتجسد” و”العقل الفعال” (Enactive Mind) الحديثة اليوم على المبادئ ذاتها التي وضعتها واشبورن لتبيان أن العمليات العقلية المعقدة لا تحدث داخل معالج مركزي مغلق بمعزل عن الجسد، بل تنبثق وتتشكل من خلال التفاعلات الحركية والتوترات العضلية للأعضاء الحية في مجابهة بيئتها الخارجية.
12.2 الأثر الدائم في مسار علم النفس المقارن والمعرفي
يحتفظ كتاب واشبورن «العقل الحيواني» بمكانة تأسيسية راسخة في الأرشيف العلمي الدولي لعلم النفس المقارن وعلم السلوك الحيواني الحديث والمعروف بـ الإيثولوجيا (Ethology)؛ إذ ينسب إليها الفضل التاريخي الأول في إنقاذ دراسة سلوك الحيوانات من منزلقين كادا يقضيان على علميتها: التفسير الأنثروبومورفي الساذج المبني على الخرافات والنوادر، والنزعة السلوكية الميكانيكية العمياء التي أنكرت وجود أي حياة باطنة لدى الكائنات غير البشرية.
أرست واشبورن دعائم المعايير البحثية التي لا يزال علماء السلوك يتبعونها حتى اليوم في تقييم الإدراك لدى الرئيسيات والدلافين والطيور؛ حيث أظهرت كيف يمكن الجمع بين قياس المؤشرات الفسيولوجية والسلوكية بموضوعية تجريبية كاملة، والاستدلال العلمي الصارم على وجود قدرات حل المشكلات والتخطيط الذهني والخبرات الشعورية البدائية. وبذلك قدمت للمجتمع العلمي نموذجاً منهجياً متكاملاً دمج بين الصرامة البيولوجية والعمق السيكولوجي، وظل مصدر إلهام لا ينضب لمؤسسي علم السلوك الحديث من أمثال كونراد لورنتس ونيكولاس تينبرغن ووصولاً إلى أبحاث فرانس دي فال في العصر الحاضر.
12.3 نموذج الريادة النسائية وتحدي الحواجز الأكاديمية
تتجاوز القيمة التاريخية لمارغريت فلوي واشبورن حدود نظرياتها المعملية ومؤلفاتها المرجعية لتجسد أيقونة إنسانية ومعرفية ملهمة في مسار النضال النسائي من أجل المساواة الأكاديمية والعدالة المؤسسية. لقد دخلت واشبورن الساحة العلمية في زمن كانت فيه الأبواب توصد بقسوة أمام النساء، وكانت المعامل المرموقة حكراً خالصاً على الرجال، فاستطاعت بموهبتها الفذة، وإصرارها الهادئ، وتفانيها المنقطع النظير، أن تنتزع حقوقها الأكاديمية انتزاعاً علمياً قائماً على الجدارة المطلقة.
تخليداً لإرثها الرائد وإسهاماتها الجليلة، قامت المؤسسات الأكاديمية الأمريكية بتخصيص العديد من المنح والجوائز العلمية الرفيعة التي تحمل اسمها؛ ومن أبرزها «زمالة مارغريت فلوي واشبورن البحثية» في كلية فاسار، والجوائز التقديرية التي تقدمها جمعية علم النفس الأمريكية للباحثات المتميزات في مجال علم النفس التجريبي والمقارن. إن قصة حياة واشبورن تظل ملحمة فكرية حية تعلمنا أن الصمود المعرفي، والنزاهة المنهجية، والتمسك بالبحث التكاملي القائم على الحقيقة الإمبيريقية هو السبيل الأوحد لتحطيم القوالب الاجتماعية الجائرة وتشييد صروح معرفية خالدة تتحدى تقلبات العصور والأزمان.
خاتمة
في ختام هذه القراءة الاستقصائية المتعمقة لمسيرة العالمة الاستثنائية مارغريت فلوي واشبورن (1871–1939)، يتضح بجلاء أنها لم تكن مجرد رائدة حصلت على أول درجة دكتوراه تمنح لامرأة في علم النفس، بل كانت عقلية تأسيسية متفردة أحدثت تحولات نوعية في بنية التفكير السيكولوجي برمته. استطاعت واشبورن ببراعة نادرة أن تقف شامخة فوق الصراعات المدرسية الحادة التي استنزفت معاصريها، فرفضت التموضع الأحادي في خندق البنيوية الساكنة أو السلوكية الميكانيكية الراديكالية، وصاغت بدلاً من ذلك أفقاً توفيقياً ناضجاً رأى في العقل والجسد كلاً عضوياً متلاحماً يتفاعل من خلال الأفعال الحركية والاستجابات الفسيولوجية العميقة.
لقد صاغت واشبورن عبر كتابها التأسيسي «العقل الحيواني» ونظريتها الحركية للوعي ملامح النموذج المعرفي الحديث الذي يتأكد صوابه اليوم في أرقى مختبرات علوم الأعصاب والإدراك المتجسد، وأثبتت طوال مسيرتها في كلية فاسار أن المعلم الحقيقي هو الذي يبني أجيالاً قادرة على الإنتاج المستقل ومقارعة الصعاب. إن الإرث العلمي والأخلاقي الذي خلفته واشبورن يظل معلماً تاريخياً وشاهداً حياً على قوة الإرادة الإنسانية والنزاهة الأكاديمية؛ ملحمة تلهم العلماء والباحثين، وتؤكد أن البحث العلمي الحقيقي هو ذلك الذي يجمع بين التواضع أمام أسرار الطبيعة، والصرامة في ملاحقة الحقيقة التجريبية أينما قادتنا الأدلة والبراهين.
المراجع
- American Psychological Association. (2020). Margaret Floy Washburn: First woman to receive a PhD in psychology. APA Historical Profiles. https://www.apa.org/about/governance/president/margaret-washburn
- Boring, E. G. (1940). Margaret Floy Washburn: 1871–1939. The American Journal of Psychology, 53(1), 1–5. https://www.jstor.org/stable/1417070
- Dallenbach, K. M. (1940). Margaret Floy Washburn: 1871–1939. Psychological Bulletin, 37(1), 1–4. https://doi.org/10.1037/h0063255
- Furumoto, L., & Scarborough, E. (1986). Placing women in the history of psychology: The first American women psychologists. American Psychologist, 41(1), 35–42. https://doi.org/10.1037/0003-066X.41.1.35
- Goodman, E. S. (1980). Margaret F. Washburn (1871–1939): First woman Ph.D. in psychology. Psychology of Women Quarterly, 5(1), 69–80. https://doi.org/10.1111/j.1471-6402.1980.tb01034.x
- O’Connell, A. N., & Russo, N. F. (Eds.). (1990). Women in psychology: A bio-bibliographic sourcebook. Greenwood Press.
- Pillsbury, W. B. (1940). Biographical memoir of Margaret Floy Washburn: 1871–1939. National Academy of Sciences Biographical Memoirs, 21, 69–82. http://www.nasonline.org/publications/biographical-memoirs/memoir-pdfs/washburn-margaret.pdf
- Scarborough, E., & Furumoto, L. (1987). Untold lives: The first generation of American women psychologists. Columbia University Press.
- Titchener, E. B. (1895). The type-theory of the simple reaction. Mind, 4(13), 74–81. https://doi.org/10.1093/mind/IV.13.74
- Washburn, M. F. (1895). Über den Einfluß von Gesichtsassociationen auf die Raumwahrnehmungen der Haut. Philosophische Studien, 11, 190–225.
- Washburn, M. F. (1908). The animal mind: A text-book of comparative psychology. The Macmillan Company. https://doi.org/10.1037/10864-000
- Washburn, M. F. (1916). Movement and mental imagery: Outlines of a motor theory of the complexer mental processes. Houghton Mifflin Company. https://doi.org/10.1037/11075-000
- Washburn, M. F. (1922). Introspection as an objective method. Psychological Review, 29(2), 89–112. https://doi.org/10.1037/h0070505
- Woodworth, R. S. (1948). Contemporary schools of psychology (Rev. ed.). Ronald Press.