السيرة
يمثل البروفيسور مارك غريفيث (Mark D. Griffiths) ظاهرة علمية استثنائية في المشهد السيكولوجي المعاصر؛ إذ يُعد رائد تفكيك الظواهر الإدمانية غير المرتبطة بالمواد الكيميائية، والمؤسس الأبرز لحقل الإدمان السلوكي بمفهومه الأكاديمي والعيادي الحديث. منذ ولادته في عام 1966 وانخراطه المبكر في دراسة التفاعل الإنساني مع التقنية ووسائط الترفيه، استطاع غريفيث أن يُحدث ثورة إبستمولوجية حقيقية نقلت علم النفس من حصر مفهوم الاعتمادية في النطاق الدوائي والبيولوجي البحت إلى آفاق أوسع تستوعب السلوك الإنساني القهري بأبعاده البيولوجية والنفسية والاجتماعية المعقدة والمتشابكة.
تكمن فرادة المشروع العلمي لغريفيث في قدرته الفائقة على استشراف التحديات النفسية التي فرضتها الثورة الرقمية وتطور صناعة الترفيه والاتصالات؛ حيث تنبأ في أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات ببروز اضطرابات نفسية وسلوكية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالآلات التفاعلية، والشاشات، ومنصات القمار الرقمية، وألعاب الفيديو، قبل أن تصبح هذه الموضوعات محاور مركزية في النقاشات الطبية العالمية. ومن خلال ترسانة ضخمة تجاوزت ألف ومئتي ورقة بحثية محكمة، صاغ أطراً نظرية رصينة وأدوات سيكومترية معيارية معتمدة عالمياً، وضعت أسس التشخيص الحديث للاضطرابات السلوكية المعاصرة.
يقدم هذا العمل الموسوعي قراءة نقدية وتوثيقية شاملة لمسيرة مارك غريفيث منذ ولادته وحتى الوقت الحاضر؛ مستعرضاً تطوره الأكاديمي، ونموذجه المكوناتي المرجعي، وأبحاثه الرائدة في المقامرة والإدمان التكنولوجي والهواتف الذكية ومنصات التواصل، وسبر أغوار المنهجيات التشخيصية التي طورها، وصولاً إلى أثر إسهاماته في التشريعات الدولية والسياسات الصحية العامة، والتحديات الإبستمولوجية التي لا تزال تواكب الثورة التكنولوجية المتسارعة كالذكاء الاصطناعي والميتافيرس.
1. النشأة والخلفية التأسيسية لمارك غريفيث ومساره الأكاديمي
1.1 المراحل الأولى والتكوين المعرفي (1966 فصاعداً)
ولد مارك غريفيث في المملكة المتحدة عام 1966، في مرحلة تاريخية اتسمت بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الكبرى التي مهدت لصعود التكنولوجيا الاستهلاكية وتوسع فضاءات الترفيه الجماهيري. نشأ غريفيث في بيئة مجتمعية بريطانية بدأت تشهد انتشاراً ملحوظاً لصالات التسلية وأجهزة اللعب الإلكترونية البدائية ومتاجر المراهنات الحضرية. هذا الاحتكاك المبكر بالمشهد الحياتي اليومي ولّد لديه فضولاً استثنائياً حول دوافع الأفراد للانغماس في أنشطة لا تقدم مكاسب مادية حتمية، بل تستنزف مواردهم المالية والنفسية دون وجود مركب كيميائي خارجي يدخل أجسامهم.
خلال دراسته الجامعية الأولى للحصول على درجة البكالوريوس في علم النفس، انخرط غريفيث بعمق في دراسة النظريات السلوكية لرواد مثل سكينر، وتفحص أطر التعزيز الإيجابي والسلبي ومفاهيم الإشراط الفعال. غير أنه سرعان ما أدرك قصور النموذج السلوكي الراديكالي عن تفسير التعقيدات المعرفية الكامنة وراء الاستمرار في الممارسات ذات العواقب السلبية. هذا الإدراك دفعه إلى المزاوجة بين الرؤى المعرفية والنماذج السلوكية لدراسة الظواهر الحية على أرض الواقع. لفتت انتباهه في حقبة الثمانينيات الشعبية الكاسحة لآلات القمار والترفيه الميكانيكية والإلكترونية، وبدأ يرصد تحولات خطيرة في سلوكيات المراهقين والشباب البريطانيين الذين يقضون ساعات طوالاً أمام هذه الآلات في المقاهي والنوادي والمطارات، وهو ما فتح أمامه أفقاً علمياً بكراً لم يسبقه إليه أحد بصورة منهجية متماسكة.
1.2 الدراسات العليا والانتقال نحو التخصص في الإدمان
قرر غريفيث تركيز دراساته العليا على دراسة الظاهرة التي أسرت انتباهه، فانطلق في إعداد أطروحته لنيل درجة الدكتوراه في سيكولوجية استخدام آلات القمار والمراهنات (Fruit Machines). وقد كانت هذه الخطوة بمثابة مجازفة أكاديمية كبرى في ذلك الحين، نظراً لأن المؤسسات الطبية والسايكولوجية التقليدية كانت تحصر مفهوم “الإدمان” بشكل صارم في إطار الاعتماد البدني على المواد الكيميائية مثل الكحول، والأفيونيات، والنيكوتين. واجه غريفيث تشكيكاً منهجياً من الأوساط المحافظة التي اعتبرت المقامرة مجرد نزوة، أو سوء تقدير مالي، أو عيب أخلاقي يفتقر للركائز العصبية والفسيولوجية التي تبرر تصنيفه كاضطراب إدماني حقيقي.
لم تثبط تلك التحديات عزيمته، بل حفزته على انتهاج مسار تجريبي رصين. قام بتنفيذ دراسات ميدانية مبتكرة، مراقباً ومحللاً الأنماط السلوكية والعمليات المعرفية المصاحبة لتشغيل هذه الآلات لدى فئات عمرية مختلفة، مع التركيز على المراهقين. أظهرت نتائج أطروحته أن أنماط التعزيز الفوري غير المتوقع والمحفزات السمعية والبصرية للآلات تنتج حالات فسيولوجية ونفسية تماثل تماماً ما تحدثه المواد المسببة للإدمان. هذا العمل الأكاديمي الاستثنائي لم يمنحه درجة الدكتوراه فحسب، بل وضع اللبنة الأولى لمسار حياة مهني مكرس لشرعنة وتأصيل “الإدمان السلوكي” (Behavioral Addiction) كحقل مستقل قائم بذاته داخل منظومة الجمعية البريطانية لعلم النفس والمجتمع الأكاديمي الدولي.
1.3 المحطات المهنية وتأسيس وحدة أبحاث الألعاب في جامعة نوتنغهام ترنت
بعد إتمام دراساته العليا وحصوله على درجات الزمالة العلمية، التحق غريفيث بعدة مؤسسات أكاديمية بريطانية بارزة، قبل أن يحط الرحال في جامعة نوتنغهام ترنت (Nottingham Trent University) في مطلع الألفية الجديدة، لتبدأ المرحلة الأكثر توهجاً وتأثيراً في مسيرته. وبفضل إنتاجه العلمي الغزير وأبحاثه الرائدة، تدرج سريعاً في المراتب الأكاديمية حتى نال درجة الأستاذية المميزة (Distinguished Professor) في الإدمان السلوكي، ليصبح واحداً من أصغر وأبرز العلماء الذين تقلدوا هذا المنصب في تخصصهم.
في جامعة نوتنغهام ترنت، أقدم غريفيث على تأسيس خطوة استراتيجية غيرت معالم الحقل الأكاديمي عالمياً، تمثلت في إنشاء “وحدة أبحاث الألعاب الدولية” (International Gaming Research Unit – IGRU). تحولت هذه الوحدة تحت قيادته المباشرة إلى مركز أبحاث عالمي متقدم ومرجع دولي رئيسي لكل من الباحثين، وصناع القرار، والمؤسسات الصحية الساعية لفهم التداخل بين ألعاب الفيديو، والمقامرة، والسلوكيات الرقمية المستجدة. استطاع غريفيث من خلال هذه المنصة الأكاديمية نسج شراكات عابرة للقارات، وتدريب أجيال متعاقبة من طلبة الدراسات العليا والباحثين الزائرين، مما جعل من جامعة نوتنغهام ترنت عاصمة عالمية لا منازع لها لأبحاث الإدمان السلوكي والتفاعل الإنساني التقني.
2. النموذج المكوناتي للإدمان السلوكي: الإطار النظري المرجعي لغريفيث
2.1 تأصيل نظرية المكونات الستة للإدمان (Components Model of Addiction)
في إطار مساعيه الحثيثة لتقديم تعريف منضبط وموحد للإدمان لا يعتمد بالضرورة على إدخال مواد دوائية إلى الجسد، صاغ غريفيث في منتصف التسعينيات، ونقّح لاحقاً في دراسته المرجعية لعام 2005، نظريته الشهيرة المعروفة بـ “النموذج المكوناتي للإدمان” (Components Model of Addiction). تفترض هذه النظرية أن أي سلوك إنساني، أياً كانت طبيعته، لا يمكن تصنيفه عملياً وإكلينيكياً كإدمان إلا إذا استوفى ستة معايير محددة ومتزامنة تعكس تحول النشاط من ممارسة طبيعية أو ترفيهية إلى اضطراب نفسي قهري وشامل.
المكون الأول في هذا النموذج هو البروز والأهمية المطلقة (Salience)؛ ويحدث عندما يصبح السلوك المعين النشاط الأهم على الإطلاق في حياة الفرد، بحيث يهيمن كلياً على بنيته التفكيرية (الانشغال المستمر والتفكير الاستباقي بالسلوك حتى أثناء أداء مهام أخرى)، وعلى وجدانه (مشاعر الاشتياق واللهفة الشديدة)، وعلى أنماطه السلوكية (تدهور الأنشطة الاجتماعية والوظيفية لحساب هذا السلوك). المكون الثاني هو تعديل المزاج (Mood Modification)؛ ويشير إلى الآلية النفسية الذاتية التي يختبرها الفرد نتيجة الانخراط في السلوك، والتي تُوظف عمداً أو لا شعورياً كاستراتيجية تكيفية للهروب من المشاعر السلبية أو التوتر أو الاكتئاب، أو للحصول على دفعة من النشوة والمهدئ الحسي المؤقت (Arousal or Numbing). أما المكون الثالث فهو التحمل (Tolerance)؛ وهو المفهوم المستعار من الإدمان الدوائي، ويعني حاجة الفرد الملحة لمضاعفة كمية السلوك، أو زيادة مدة ممارسته، أو تعقيد مستوياته الزمنية والنفسية لتحقيق نفس المستوى العاطفي والنشوة التي كان يحصل عليها سابقاً بجرعات أقل.
2.2 أبعاد التراجع والانتكاس والصراع في النموذج
يمثل المكون الرابع للنموذج بعداً حيوياً يتجسد في أعراض الانسحاب (Withdrawal Symptoms)؛ حيث يعاني الفرد من تأثيرات فسيولوجية ونفسية غير سارة وشديدة الاضطراب عند منعه قسرياً أو محاولته الذاتية التوقف عن ممارسة السلوك. تشمل هذه الأعراض تقلبات مزاجية حادة، وشعوراً بالغضب والتململ، والقلق المفرط، وأحياناً اضطرابات عضوية كالصداع والرجفة والتعرق والأرق. وهذا البعد يدحض الفكرة القائلة بأن الانسحاب مقتصر على المواد الكيميائية كالكحول أو الهيروين، مبرهناً أن توقف التحفيز السلوكي للدماغ يولد استجابة بيولوجية نفسية ملموسة.
المكون الخامس هو الصراع (Conflict)؛ وهو انقسام مزدوج يعيشه المدمن. من جهة، يبرز الصراع البينشخصي (Interpersonal Conflict) بين الفرد والبيئة المحيطة به، مثل الخلافات الأسرية والزوجية الحادة، وتدهور العلاقات الاجتماعية، والإخفاق الأكاديمي والوظيفي نتيجة طغيان السلوك على واجباته. ومن جهة أخرى، يختبر الفرد صراعاً داخل النفس (Intrapsychic Conflict) يتمثل في إدراكه للآثار المدمرة لسلوكه وشعوره بالذنب والعجز عن السيطرة، ورغم ذلك يواصل الممارسة. أما المكون السادس والأخير فهو الانتكاس (Relapse)؛ وهو الميل المتكرر للعودة الفورية إلى الأنماط السلوكية الإدمانية المفرطة بعد فترات من الانقطاع الإرادي أو العلاجي، بحيث يستعيد الفرد دورة الإدمان القصوى في غضون فترات وجيزة جداً من إعادة ممارسة السلوك ولو لمرة واحدة عابرة.
2.3 الأهمية الإبستمولوجية للنموذج المكوناتي في تصنيف الاضطرابات
تكمن الأهمية المعرفية والإبستمولوجية الكبرى لنموذج غريفيث المكوناتي في تأسيسه لخط فصل منهجي وحاسم بين الإدمان الإكلينيكي الحقيقي وبين ما يطلق عليه “الإفراط الحماسي العابر” (Excessive Engagement or Passionate Involvement). لقد وفر هذا النموذج أداة وقائية للأوساط السيكولوجية والطبية لمنع الانزلاق نحو “إضفاء الطابع المرضي” (Pathologization) غير المبرر على الهوايات البشرية؛ فالشخص الذي يقضي عشر ساعات يومياً في ممارسة البرمجة أو العزف على آلة موسيقية ليس مدمناً بالضرورة طالما أن هذا النشاط يعزز بناء الذات ولا يترافق مع أعراض الصراع الحاد، أو التدهور الوظيفي، أو الرغبة القهرية المدمرة للتكيف الانفعالي السلبي.
علاوة على ذلك، أحدث النموذج المكوناتي تأثيراً مباشراً في الهياكل التصنيفية العالمية للاضطرابات النفسية. فقد استندت لجان المراجعة التابعة لـ الجمعية الأمريكية للطب النفسي (APA) عند صياغة الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس (DSM-5)، ولجان منظمة الصحة العالمية في التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11)، إلى هذه المكونات لتأطير معايير “اضطراب الألعاب الإلكترونية” (Gaming Disorder) والاعتراف بـ “اضطراب المقامرة” (Gambling Disorder) كإدمان سلوكي غير مرتبط بالمواد للمرة الأولى في التاريخ الطبي، مما يمثل شهادة تاريخية على قوة البناء المفاهيمي الذي شيده مارك غريفيث.
3. أبحاث إدمان القمار: الريادة المنهجية والتأصيل الإمبيريقي
3.1 سيكولوجية المقامرة وآلات القمار منخفضة التكلفة (Fruit Machines)
افتتح مارك غريفيث أبحاثه الميدانية الرائدة في نهاية الثمانينيات بدراسة معمقة للآليات السيكولوجية والتشغيلية المتحكمة في آلات القمار البريطانية منخفضة التكلفة المعروفة باسم “Fruit Machines”. لاحظ غريفيث أن هذه الآلات لا تعتمد على الصدفة المحضة في جذب اللاعبين، بل صممت بذكاء هندسي وسيكولوجي دقيق يستغل التحيزات المعرفية البشرية ويثير الدوافع الدوبامينية بطرق بالغة الخطورة، لا سيما لدى المراهقين الذين يمتلكون جهازاً عصبياً لم يكتمل نضج قشرته الجبهية الأمامية بعد المسؤولة عن ضبط الاندفاعات.
من خلال توظيف منهجيات مبتكرة تجمع بين القياس التجريبي للنبض الفسيولوجي وتحليل “التفكير بصوت عالٍ” (Thinking-Aloud Method) أثناء اللعب، كشف غريفيث عن بنية معقدة من الأوهام الإدراكية، وعلى رأسها “وهم السيطرة” (Illusion of Control). ووجد أن إدراج ميزات برمجية مثل أزرار “التثبيت” (Holds) و”التعديل” (Nudges) يدفع المقامر إلى الاعتقاد الخاطئ بأن النتيجة تخضع لمهارته الشخصية وليست عشوائية مولدة خوارزمياً. كما وثّق ظاهرة “الخسارة التي تشبه الفوز تقريباً” (Near-Miss Effect)، حيث تُظهر الآلة رمزين متطابقين ورمزاً ثالثاً مجاوراً لخط الربح مباشرة، مما يخدع الدماغ البشري ويفسر الواقعة كإشارة على اقتراب النجاح، فيتولد تحفيز كيميائي مماثل للربح، يدفع اللاعب للرهان مجدداً تحت تأثير جدول تعزيز متقطع وسريع لا يتيح فرصة للمحاكمة العقلانية.
3.2 الانتقال إلى دراسة القمار عبر الإنترنت (Online Gambling)
مع بزوغ فجر شبكة الإنترنت العالمية في تسعينيات القرن العشرين، كان غريفيث من أوائل علماء النفس الذين تنبأوا بالتحول الجذري في بيئة المقامرة وخطورة هجرتها من الصالات الفيزيائية إلى الفضاء الافتراضي. قام برصد وتحليل الخصائص الهيكلية الفريدة لمنصات القمار الإلكتروني مطلع الألفية، مصنفاً إياها تحت ما أسماه بالبيئة الرقمية فائقة التحفيز. هذه البيئة تستند إلى ثالوث خطير: الإتاحة المطلقة على مدار الساعة (24/7 Accessibility)، والسرية والغموض الفردي (Anonymity) اللذان يزيلان الرقابة والوصمة المجتمعية، واستخدام النقود الرقمية والافتراضية (Cashless Transactions) التي تجرد المال من قيمته المادية الملموسة وتقلل الألم النفسي المرتبط بالإنفاق والخسارة.
قاد غريفيث مشاريع بحثية تجريبية ومسحية موسعة لتحليل أنماط سلوك المقامرين عبر الإنترنت، مستخدماً قواعد بيانات تتبعية حية ومجهولة الهوية بالتعاون مع مشغلي الألعاب الرقمية. ومكنته هذه البيانات من ابتكار مقاييس دقيقة لتصنيف سلوكيات المخاطرة وتتبع المؤشرات السلوكية الدقيقة، مثل سرعة تكرار الرهان، وزيادة وتيرة الإيداع الليلي، ومحاولات “مطاردة الخسائر” (Chasing Losses). ساهمت هذه الأبحاث في تحديد الفئات الأكثر هشاشة وعرضة للانهيار المالي والاضطراب النفسي، وقدمت للأدبيات السريرية فهماً عميقاً لكيفية تحول الشاشات إلى بوابات مفتوحة نحو الإدمان السلوكي الشديد.
3.3 مفاهيم اللعب المسؤول والحد من الأضرار
لم يكتفِ غريفيث بتشخيص علل المقامرة والتحذير من أخطارها، بل كرس جهوداً هائلة لتطوير أطر تطبيقية لمفهوم “اللعب المسؤول” (Responsible Gambling) واستراتيجيات “الحد من الأضرار” (Harm Reduction). كان غريفيث من الرواد الذين طالبوا بضرورة استبدال نماذج التدخل التقليدية التي تنتظر وقوع المقامر في الإفلاس، بنماذج تدخل وقائية استباقية مبنية على خوارزميات الذكاء الاصطناعي والتحليل اللحظي لبيانات اللاعبين لرصد المؤشرات المبكرة للاضطراب السلوكي وإيقافها في مهدها.
أجرى غريفيث دراسات تقييمية بالغة الصرامة لآليات “الاستبعاد الذاتي” (Self-Exclusion) وخيارات الإلزام المسبق للحدود المالية والزمنية للرهان (Pre-commitment Limits)، مبيناً الشروط النفسية والتصميمية الواجب توافرها لجعل هذه الأدوات فعالة وليست مجرد إجراءات شكلية. وبفضل مصداقيته العلمية الراسخة، عمل مستشاراً وخبيراً مع العديد من الهيئات التنظيمية والحكومات والبرلمانات، مثل لجنة المقامرة البريطانية (UK Gambling Commission) وهيئات تنظيم الألعاب في الاتحاد الأوروبي، مساهماً في صياغة تشريعات ملزمة تلزم الشركات بدمج رسائل التوعية الديناميكية وإجراءات الإيقاف الإجباري لحماية المستهلكين الأكثر عرضة للخطر.
4. الإدمان التكنولوجي: التأسيس المفاهيمي وتطبيقات ألعاب الفيديو
4.1 صياغة مصطلح ‘الإدمان التكنولوجي’ (Technological Addiction)
في عام 1995، نشر مارك غريفيث ورقة بحثية تأسيسية وتاريخية أدخل من خلالها مصطلح “الإدمان التكنولوجي” (Technological Addiction) إلى القاموس السيكولوجي، معرفاً إياه بأنه اضطراب سلوكي غير كيميائي يتضمن تفاعلاً إنسانياً-آلياً سلبياً، يشتمل على عناصر الإدمان الجوهرية كالبروز، وتعديل المزاج، والتحمل، والانسحاب، والصراع، والانتكاس. كان هذا المفهوم في وقته نقلة راديكالية؛ إذ أشار إلى أن التكنولوجيا ليست مجرد أداة محايدة، بل هي بيئة تحفيزية تفاعلية قادرة على إعادة تشكيل الاستجابات العصبية والنفسية للإنسان.
أرسى غريفيث تفريقاً إبستمولوجياً محورياً بين نوعين من الإدمان التكنولوجي: الإدمان المرتكز على الوسيلة أو الناقل التقني بحد ذاته (Passive or Media Addiction) كالتلفاز أو الأجهزة المادية، والإدمان المرتكز على المحتوى التفاعلي النشط (Active/Content Addiction) الذي يتم عبر التكنولوجيا، كاستخدام الشاشات لممارسة ألعاب معينة أو غرف المحادثة. فتح هذا التأصيل النظري الباب واسعاً أمام سيل من الأبحاث اللاحقة التي أثبتت أن التفاعل البشري مع الحواسيب قادر على إحداث تغيرات فسيولوجية وعصبية حقيقية، تتعلق بتدفق النواقل العصبية تماماً كالمحفزات الكيميائية التقليدية.
4.2 إدمان ألعاب الفيديو والإنترنت (Gaming Disorder)
مع تطور صناعة الألعاب الإلكترونية وظهور الألعاب الجماعية واسعة النطاق عبر الإنترنت (MMORPGs) مثل لعبة World of Warcraft في مطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ركز غريفيث أبحاثه على تفكيك الخصائص الهيكلية لهذه العوالم الافتراضية. وأوضح أن هذه الألعاب لا تنتهي، وتستمر عوالمها بالعمل والتغير حتى عند تسجيل اللاعب خروجه، مما يولد قلقاً مستمراً ورغبة قهرية في الاتصال الدائم لحماية مكانة الشخصية الافتراضية وعدم خذلان الفريق الرقمي (Guild).
أظهرت دراسات غريفيث المتعددة أن عوامل الجذب الإدمانية في الألعاب الجماعية تستند إلى تلبية حاجات نفسية أساسية يعجز الفرد عن تحقيقها في واقعه الملموس، ومنها: بناء الهوية البديلة، والشعور بالسيطرة والكفاءة، وتلقي المكافآت الاجتماعية التنافسية الفورية. وقد ساهمت أوراقه البحثية المتوالية في توجيه النقاشات الطبية العالمية داخل أروقة الجمعية الأمريكية للطب النفسي لتضمين “اضطراب ألعاب الإنترنت” (Internet Gaming Disorder) كحالة تتطلب مزيداً من الدراسة السريرية في الملحق الثالث للدليل التشخيصي (DSM-5)، وصولاً إلى الاعتراف الرسمي الكامل بـ “اضطراب الألعاب” (Gaming Disorder) في التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11) التابع لمنظمة الصحة العالمية كاضطراب نفسي معترف به إكلينيكياً.
4.3 صناديق الغنائم (Loot Boxes) وتلاشي الحدود بين الألعاب والقمار
في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، كان مارك غريفيث وفريقه البحثي في طليعة العلماء الذين دقوا ناقوس الخطر إزاء ظاهرة “صناديق الغنائم” (Loot Boxes) والآليات المصغرة المدفوعة (Microtransactions) داخل ألعاب الفيديو التجارية الحديثة. تصدى غريفيث لدراسة التشابه الهيكلي والنفسي بين هذه الصناديق الافتراضية وبين آلات القمار الكلاسيكية؛ إذ يقوم اللاعب بدفع أموال حقيقية للحصول على صندوق رقمي محتواه مجهول، يعتمد على خوارزمية احتمالية عشوائية لمكافأة اللاعب بعناصر نادرة أو متواضعة القيمة.
أثبتت دراسات غريفيث الإمبيريقية المشتركة أن شراء صناديق الغنائم يرتبط ارتباطاً وثيقاً ومباشراً بمؤشرات المقامرة الإشكالية؛ حيث تستثمر شركات الألعاب نفس التقنيات النفسية المعززة للقمار كالتعزيز المتقطع وتأثيرات الإثارة السمعية والبصرية لخلق حلقة اعتماد نفسي ومالي لدى اللاعبين، ولا سيما فئة الأطفال واليافعين. وقد أدلى غريفيث بشهادات بحثية وخبرات علمية أمام لجان مجلس العموم البريطاني والبرلمان الأوروبي، مطالباً بضرورة وضع تشريعات تنظيمية صارمة وإعادة تصنيف ألعاب الفيديو المحتوية على آليات مراهنة عشوائية كشكل من أشكال القمار قانونياً لحماية القاصرين من الاستغلال التجاري.
5. إدمان الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية
5.1 تطور دراسات إدمان الإنترنت (Internet Addiction)
تزامن صعود غريفيث الأكاديمي مع التحول الملحمي نحو المجتمعات الشبكية وظهور الجدل حول ما يسمى بـ “إدمان الإنترنت”. اتخذ غريفيث منذ البداية موقفاً نقدياً منهجياً متقدماً تجاوز الطروحات التبسيطية الأولى؛ حيث رفض التعامل مع الإنترنت ككتلة صماء واحدة يمكن إدمانها كمركب متجانس، وصاغ تمييزه الشهير عالمياً بين “الإدمان على الإنترنت” (Addiction to the Internet) و“الإدمان عبر الإنترنت” (Addiction on the Internet).
أوضح غريفيث أن الغالبية الساحقة ممن يوصفون بمدمّني الإنترنت هم في الواقع مدمنون لأنشطة وسلوكيات تقليدية أو مستحدثة تستخدم الإنترنت كوسيط لنقلها وتسهيلها فقط؛ مثل المقامرة الإلكترونية، أو التجارة القهرية، أو مشاهدة المواد الإباحية، أو ألعاب الشبكة. بينما يمثل الإدمان على الإنترنت بحد ذاته فئة نادرة جداً ترتبط بالانغماس غير الهادف في التصفح الشبكي المفرط والبحث القهري عن البيانات والتنقل العشوائي عبر الروابط (Hyperlink Surfing) كنشاط مستقل. ساعد هذا التمييز الأكاديمي البالغ في تصويب مسار الأدبيات السيكولوجية والطبية، وتجنيب الباحثين الوقوع في فخ التعميمات المضللة التي شابت الدراسات المسحية المبكرة في أواخر التسعينيات.
5.2 إدمان وسائل التواصل الاجتماعي وتطوير مقياس بيرغن
مع الهيمنة المطلقة لمنصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وإنستغرام وتويتر وغيرها على الحياة اليومية للمليارات، وجّه غريفيث طاقاته البحثية نحو سبر أغوار الدوافع النفسية للاتصال الافتراضي الدائم. وبالتعاون مع الدكتورة سيسيلي أندرياسن وفريق البحث في جامعة بيرغن النرويجية، كان لغريفيث دور محوري واستراتيجي في تطوير “مقياس بيرغن لإدمان فيسبوك” (BFAS)، والذي تم تعميمه لاحقاً ليصبح “مقياس بيرغن لإدمان وسائل التواصل الاجتماعي” (BSMAS)، أحد أكثر المقاييس السيكومترية اعتماداً ومصداقية على الصعيد الإكلينيكي في العالم.
قام المقياس على التطبيق المباشر لنموذج المكونات الستة لغريفيث لتقييم مدى توغل وسائل التواصل في وجدان المستخدم؛ كاشفاً النقاب عن الارتباطات الوثيقة بين الاستخدام القهري للشبكات وبين تدهور تقدير الذات (Self-Esteem)، وظاهرة “الخوف من الفقدان أو تفويت الأحداث” (Fear of Missing Out – FOMO)، وتنامي مشاعر العزلة الاجتماعية والاكتئاب الناجمة عن المقارنة الاجتماعية التصاعدية (Upward Social Comparison) المستمرة بالصور النمطية الزائفة المنشورة عبر الحسابات الرقمية.
5.3 الاستخدام الإشكالي للهواتف الذكية (Problematic Smartphone Use)
شكّل التحول إلى عصر الهواتف الذكية حلقة مفصلية في مسيرة غريفيث، حيث أصبحت الوسائط الرقمية ملازمة لجسد الإنسان طوال ساعات يقظته ونومه. تناول غريفيث هذه الظاهرة تحت مسمى “الاستخدام الإشكالي للهواتف الذكية” (Problematic Smartphone Use)، متوخياً الدقة العلمية الصارمة قبل وصم السلوك بـ “الإدمان” المطلق ما لم تستوفَ الشروط السريرية القصوى للاضطراب.
أخضع غريفيث تقنيات الهاتف الذكي للفحص المعرفي والعصبي؛ محللاً التنبيهات الحسية اللحظية (Push Notifications) ودورها كإشارات شرطية تولد استجابات دوبامينية لا إرادية تدفع المستخدم لتفقد هاتفه عشرات المرات دون حاجة وظيفية. كما شارك في أبحاث عميقة حول ظاهرة “النوموفوبيا” (Nomophobia)؛ وهي قلق الانفصال أو الخوف المرضي غير العقلاني من التواجد دون الهاتف المحمول أو انقطاع الاتصال بالشبكة، وتأثيرات ذلك السلبية المدمرة على جودة النوم، والتشتت الإدراكي المستمر (Continuous Partial Attention)، وتراجع الأداء والإنتاجية الذهنية لدى طلبة المدارس والجامعات والعاملين.
6. الإدمانات السلوكية غير التقليدية في مشروع غريفيث العلمي
6.1 إدمان العمل (Workaholism): النماذج التشخيصية
لم تنحصر أبحاث مارك غريفيث في التكنولوجيا والترفيه، بل امتدت لتشمل سلوكيات يومية ذات قبول واستحسان مجتمعي واسع، وفي مقدمتها ظاهرة “إدمان العمل” (Workaholism). أدرك غريفيث المفارقة الكامنة في هذا السلوك؛ فالإفراط في العمل غالباً ما يُكافأ مالياً ومعنوياً في المجتمعات الرأسمالية والشركات الحديثة، مما يجعله إدماناً مستتراً ومقنعاً تحت رداء الإنتاجية والتفاني الوظيفي.
شارك غريفيث بفاعلية في تطوير “مقياس بيرغن لإدمان العمل” (Bergen Work Addiction Scale – BWAS) المستند إلى نموذجه المكوناتي، مفرقاً بصورة دقيقة بين الموظف “الشغوف والملتزم مهنياً” (Engaged Worker) وبين “المدمن على العمل” (Workaholic). بيّن غريفيث أن الفارق الجوهري يكمن في الدوافع النفسية والآثار المترتبة؛ فالشخص الشغوف يستمتع بوظيفته وتمنحه طاقة إيجابية دون أن تدمر حياته الخاصة، بينما يعمل المدمن بدافع قهري عصابي لتجنب الشعور بالذنب والقلق والفراغ العاطفي، مما يقوده حتماً إلى الاحتراق النفسي (Burnout)، والانهيار الجسدي، وتفكك العلاقات الأسرية والشخصية.
6.2 إدمان التمارين الرياضية (Exercise Addiction)
من المجالات السلوكية المعقدة التي خضعت لتحليلات غريفيث النقدية يبرز سلوك ممارسة الرياضة، حيث درس تحول هذا النشاط الصحي الحميد إلى اضطراب تدميري تحت مسمى “إدمان التمارين الرياضية” (Exercise Addiction). وضع غريفيث أدوات سيكومترية متخصصة مثل “مقياس فحص إدمان التمارين” (Exercise Addiction Inventory – EAI)، الذي بات المعيار الدولي الأكثر استخداماً لتقييم هذه الحالة.
أصل غريفيث التمييز السريري الهام بين الإدمان الأولي على الرياضة (Primary Exercise Addiction)، حيث تكون الممارسة البدنية والنشوة المصاحبة لإفراز الإندورفين والدوبامين هي الغاية بذاتها والنشاط المهيمن، وبين الإدمان الثانوي (Secondary Exercise Addiction)، الذي يظهر كعرض جانبي لاضطرابات الأكل (Eating Disorders) كالقهم العصابي (Anorexia) والنهام (Bulimia) أو اضطراب تشوه صورة الجسد (Muscle Dysmorphia)، حيث تستخدم التمارين لحرق السعرات الحرارية بشكل قهري. ورصدت دراساته الحالات المأساوية للرياضيين الذين يواصلون التدريب العنيف رغم إصاباتهم العظمية والتمزقات العضلية الخطيرة، مفضلين تدمير صحتهم الجسدية على الامتناع المؤقت عن التمرين، وهو الدليل القاطع على تحقق آليات الإدمان السلوكي الهدامة.
6.3 الإدمان الجنسي والتسوق القهري عبر الوسائط الرقمية
امتد مشروع غريفيث الإبستمولوجي ليشمل دراسة السلوكيات الاندفاعية الأخرى التي تحولت جذرياً بفعل الثورة الرقمية، وأبرزها “الإدمان الجنسي السيبراني” (Cybersex Addiction) والاستهلاك القهري للمواد الإباحية عبر الإنترنت، بالإضافة إلى “التسوق القهري الرقمي” (Compulsive Online Buying). طبق غريفيث نموذجه المكوناتي لإثبات أن هذه السلوكيات تتشارك نفس الآليات العصابية الكامنة خلف الإدمانات الأخرى.
أوضح غريفيث أن سهولة الوصول الفوري للمحتوى الإباحي اللامحدود والشراء بنقرة واحدة عبر منصات التجارة الإلكترونية قد سحقت كل فترات التأخير الزمني (Delay of Gratification) التي كانت تتيح للفرد سابقاً مراجعة قراراته العقلانية. حلل غريفيث كيف يتحول الشراء عبر الإنترنت أو استهلاك المحتوى الجنسي إلى وسيلة قهرية للهروب من الضغوط الحياتية وتنظيم الانفعالات المؤلمة بصورة مؤقتة، تاركاً الفرد غارقاً في دوامات من الخزي، والشعور بالذنب، والديون المالية الطائلة، وتدمير العلاقات العاطفية والواقعية، مما يبرهن على المرونة النظرية الفائقة لنموذجه في استيعاب ومواكبة شتى أشكال الانحراف السلوكي الإنساني المستجد.
7. المنهجية العلمية والأدوات السيكومترية التي طورها غريفيث
7.1 الجمع بين المناهج الكمية والنوعية (Mixed Methods)
تتميز المسيرة البحثية لمارك غريفيث بصرامة منهجية وتنوع أدواتي فريد؛ حيث رفض الانغلاق داخل إطار منهجي أحادي، وتبنى منهجية “الطرائق المختلطة” (Mixed-Methods Approach) التي تجمع بين عمق التحليل الكيفي والنوعي وبين دقة القياس الكمي الإحصائي. في بداياته البحثية داخل صالات القمار وأروقة ألعاب التسلية، استخدم غريفيث الملاحظة بالمشاركة (Participant Observation) والمقابلات المتعمقة غير المقيدة، وهو ما منحه رؤى أنثروبولوجية وسيكولوجية غنية حول المعاش الداخلي للاعبين ولغتهم الاصطلاحية وتفاعلاتهم الرمزية.
في المقابل، زاوج غريفيث هذه الرؤى الوصفية النوعية بتصميم تجارب مختبرية منضبطة تقيس المتغيرات الفسيولوجية؛ مثل معدل ضربات القلب، والموصلية الجلدية (Skin Conductance)، وتتبع حركة العين، أثناء الانخراط في اللعب. وطبق هذا المزيج المنهجي على دراسات مسحية وميدانية واسعة النطاق شملت عينات عشوائية وطبقية بلغت عشرات الآلاف من المشاركين عبر بلدان متعددة، معتمداً على أحدث أساليب التحليل الإحصائي المتقدم كمعادلات النمذجة البنائية (SEM) والتحليل العاملي التوكيدي (CFA) للتأكد من الموثوقية والثبات العلمي لنتائجه.
7.2 ترسانة المقاييس التشخيصية والسيكومترية
تُعد الترسانة السيكومترية التي طورها وشارك في بنائها مارك غريفيث واحدة من أضخم الإسهامات في علم النفس القياسي الحديث. ابتكر غريفيث أدوات تشخيصية عابرة للثقافات تتميز بالكفاءة العالية وسهولة التطبيق السريري والبحثي، وتستند جميعها بصرامة إلى المعايير المعتمدة في الأدلة الدولية (DSM-5 و ICD-11). ومن أبرز هذه الأدوات مقياس اضطراب ألعاب الإنترنت المكون من 20 عنصراً (Internet Gaming Disorder Scale – IGD-20) ونسخته المختصرة المكونة من تسعة عناصر (IGDS9-SF)، التي ترجمت إلى أكثر من ثلاثين لغة وباتت المرجع القياسي الأول لدراسة إدمان الألعاب حول العالم.
تضم الترسانة القياسية لغريفيث أيضاً مقاييس متخصصة مثل: مقياس إدمان وسائل التواصل (BSMAS)، ومقياس إدمان التمارين (EAI)، ومقاييس فحص استخدام الهواتف الذكية ومشاكل المقامرة المتعددة. حرص غريفيث دائماً على توحيد معايير التسجيل ونقاط القطع الإكلينيكية (Clinical Cut-off Scores) بدقة متناهية؛ بهدف تلافي الخطأ الشائع المتمثل في المبالغة في تقدير نسب الانتشار الوبائي (False Positives)، مؤكداً دوماً أن القياس النفسي السليم يجب أن يلتقط فقط الحالات المرضية الحقيقية المترافقة مع عجز وظيفي واضح في حياة المفحوص.
7.3 أخلاقيات البحث في دراسات السلوكيات الإدمانية
لطالما احتل البعد الأخلاقي مكانة الصدارة في منهجية غريفيث العلمية، نظراً لحساسية الحقول التي يبحث فيها وتداخلها مع مصالح اقتصادية وتجارية لشركات عملاقة، لا سيما في قطاعات المقامرة وصناعة ألعاب الفيديو وتطبيقات التكنولوجيا. وضع غريفيث بروتوكولات أخلاقية صارمة تحكم دراسة السلوكيات الإدمانية؛ مؤكداً على أولوية حماية الفئات المستضعفة والمهمشة، وتحديداً الأطفال والمراهقين الذين يمثلون الفئة الأكثر استهدافاً من البرمجيات الإدمانية.
شدد غريفيث في منشوراته على ضرورة الالتزام بأقصى درجات الشفافية فيما يتعلق بالإفصاح عن مصادر التمويل وتضارب المصالح المحتمل، مؤكداً أن التعاون مع قطاعات الصناعة لجمع البيانات التشغيلية الحقيقية للاعبين يجب ألا يمس بأي شكل من الأشكال استقلالية النتائج الأكاديمية أو حرية نشرها دون أي شروط مسبقة. كما واجه بحزم محاولات شركات الترفيه استخدام البحوث النفسية لتطوير تقنيات تصميمية خبيثة تهدف إلى استلاب إرادة المستخدمين وزيادة التصاقهم القهري بالمنصات الرقمية، مدافعاً عن مبدأ تسخير المعرفة السيكولوجية لحماية رفاهية الإنسان وصحته النفسية أولاً وأخيراً.
8. النموذج البيولوجي النفسي الاجتماعي في تفسير غريفيث للاضطرابات
8.1 المحددات البيولوجية والفسيولوجية العصبية
يتبنى مارك غريفيث رؤية تكاملية عميقة لتفسير نشوء وتطور الإدمان السلوكي، تتجسد في النموذج البيولوجي النفسي الاجتماعي (Biopsychosocial Model). على الصعيد البيولوجي والفسيولوجي العصبي، يرفض غريفيث النظرة الساذجة التي ترى السلوكيات الإدمانية كأمور عابرة تفتقر للأساس المادي العضوي؛ إذ تؤكد أبحاثه توافق النتائج العصبية للإدمان السلوكي مع ما تسجله فحوصات الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) لمدمني المخدرات.
يرى غريفيث أن ممارسة القمار، أو الفوز في ألعاب الفيديو، أو تلقي إشعارات الإعجاب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تُحدث تحفيزاً حاداً في مسارات المكافأة الدماغية بالمخ (Mesolimbic Dopaminergic Pathway)، وتحديداً في النواة المتكئة (Nucleus Accumbens). هذا التدفق الدوباميني يثبت السلوكيات القهرية من خلال آليات الإشراط العصبي. كما يبرز غريفيث دور العوامل الجينية والاستعداد الوراثي، المتمثل في نقص مستقبلات الدوبامين (D2) وضعف كفاءة القشرة الجبهية الحجاجية (Orbitofrontal Cortex)، مما يقوض قدرة الدماغ التنفيذية على كبح الاندفاعات وتأخير الإشباع، جاعلاً بعض الأفراد أكثر هشاشة واستعداداً بيولوجياً لتطوير الإدمان السلوكي بمجرد تعرضهم للمحفزات البيئية المناسبة.
8.2 العوامل النفسية والشخصية المحفزة
في الشق النفسي، يربط غريفيث بين القابلية للإصابة بالإدمان السلوكي ومجموعة من سمات الشخصية الجوهرية والاضطرابات المصاحبة (Comorbidities). بينت أبحاثه المكثفة أن سمات مثل: العصابية العالية (High Neuroticism)، وتدني الضمير والانضباط الذاتي (Low Conscientiousness)، والبحث الحثيث عن الإثارة (Sensation Seeking)، والاندفاعية غير المنضبطة (Impulsivity)، تمثل عوامل خطورة نفسية أساسية تؤهل صاحبها للانزلاق نحو السلوكيات القهرية.
كما يشدد غريفيث على الترابط المرضي المتكرر بين الإدمان السلوكي واضطرابات المزاج والقلق، والاكتئاب، والرهاب الاجتماعي، واضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD). وتعتبر نظرية “الهروب المعرفي” (Cognitive Escape Theory) مفهوماً مركزياً في تحليلات غريفيث النفسية؛ فالأفراد لا يدمنون ألعاب الفيديو أو المقامرة أو الهواتف بحثاً عن المتعة الحسية المجردة في كثير من الأحيان، بل يستخدمون هذه الوسائط الرقمية كاستراتيجية تكيفية مشوهة للهروب من واقع حياتي مؤلم، أو للتغطية على صدمات نفسية غير معالجة، أو لتسكين مشاعر الفراغ الوجودي، مما يجعل السلوك الإدماني محاولة ذاتية فاشلة للتطبيب النفسي الذاتي (Self-Medication).
8.3 السياقات الاجتماعية والبيئية الضاغطة
يكتمل النموذج التفسيري لغريفيث بدمج الأبعاد الاجتماعية والبيئية الكلية والجزئية المحيطة بالفرد. يؤكد غريفيث أن الإدمان لا ينمو في فراغ، بل هو نتاج تفاعل حتمي بين شخصية هشة، ومحفز سلوكي مغرٍ، وبيئة اجتماعية حاضنة أو ضاغطة. تشمل هذه العوامل دور شبكات الأقران (Peer Pressure) في تطبيع وتشجيع سلوكيات معينة؛ كممارسة ألعاب معينة أو المراهنات الرياضية كشرط للانتماء الاجتماعي والقبول الرمزي بين الجماعة.
كما يوجه غريفيث نقداً لاذعاً للبنى الثقافية والاقتصادية النيوليبرالية التي تعلي من شأن الاستهلاك الفوري والانفصال الفردي، مشيراً إلى الدور المدمر لحملات التسويق المكثفة لشركات التكنولوجيا والمقامرة التي تحاصر الأفراد في الفضاءات العامة والافتراضية. يضاف إلى ذلك تراجع الفضاءات الترفيهية الواقعية وتفكك الروابط المجتمعية التقليدية والضغوط الاقتصادية المتزايدة، وهي عوامل بيئية مجتمعة تدفع الفرد المعاصر نحو التقوقع داخل العوالم الرقمية كبديل متاح وأقل كلفة للبحث عن التعويض النفسي والتفاعل الاجتماعي البديل.
9. الجدل الأكاديمي والنقاشات النقدية حول أطروحات غريفيث
9.1 قضية ‘إضفاء الطابع المرضي على الحياة اليومية’ (Pathologizing Everyday Life)
على الرغم من المكانة الدولية المرموقة التي حققها مارك غريفيث، لم تخلُ مسيرته العلمية من مواجهة انتقادات حادة ونقاشات ساخنة من قبل تيارات أكاديمية وسيكولوجية مناوئة. كان النقد الأبرز الموجه لمشروعه العلمي هو الاتهام بـ “إضفاء الطابع المرضي على الحياة اليومية” (Pathologizing Everyday Life) والمساهمة في تحويل سلوكيات وهوايات بشرية شائعة وطبيعية، مثل الرقص، والتسوق، وممارسة الجنس، والعمل، واللعب، إلى أمراض نفسية واضطرابات عقلية تحتاج إلى علاج طبي وتدخل إكلينيكي.
رد غريفيث على هذه الانتقادات عبر سلسلة من المقالات النظرية الصارمة؛ مؤكداً أن نظريته لا تعتبر الإفراط في أي سلوك إدماناً على الإطلاق. وأوضح مراراً أن هناك بوناً شاسعاً بين السلوك الممارس بشغف وحماس (High Engagement) وبين السلوك الإدماني المرضي (Addiction). وشدد على أن نموذجه المكوناتي يضع حواجز تشخيصية قاسية تمنع إطلاق وصف “المرض” إلا في الحالات النادرة التي يتحقق فيها العجز الوظيفي الشامل والمعاناة النفسية الصريحة المقترنة بتوفر المعايير الستة كاملة، محذراً في الوقت ذاته من أن تجاهل معاناة المدمنين السلوكيين الحقيقيين تحت ذريعة الخوف من الوصم الطبي هو خطأ علمي وأخلاقي يترك المصابين دون رعاية متخصصة.
9.2 الخلافات النظرية مع منظمة الصحة العالمية والجمعية الأمريكية للطب النفسي
شهدت مسيرة غريفيث تفاعلات معقدة وسجالات فكرية مع اللجان العلمية المكلفة بإصدار التصنيفات التشخيصية الدولية كـ DSM والـ ICD. ورغم ترحيبه بالاعتراف التدريجي بالإدمانات السلوكية، فقد دخل في نقاشات نقدية عميقة حول بطء هذه المؤسسات وتحفظها البيروقراطي في مواكبة المعطيات الإمبيريقية الميدانية المتدفقة.
انتقد غريفيث التردد المبدئي للجمعية الأمريكية للطب النفسي حين وضعت “اضطراب ألعاب الإنترنت” في ملحق الأبحاث بدلاً من اعتماده كتشخيص رسمي نهائي في DSM-5، ورأى أن الأدلة الإكلينيكية المتاحة كانت كافية تماماً لتأكيد وجود الاضطراب. وفي المقابل، أشاد غريفيث بجرأة منظمة الصحة العالمية في تضمين “اضطراب الألعاب” رسمياً في ICD-11، وخاض معارك معرفية للدفاع عن هذا القرار ضد تحالفات معارضة قادها بعض علماء النفس بالتعاون غير المباشر مع جماعات الضغط (Lobbies) لصناعة ألعاب الفيديو التي سعت لإجهاض الاعتراف الرسمي بالمرض لغايات تجارية بحتة.
9.3 معارك تمويل الأبحاث والحياد العلمي
من أكثر الجوانب إثارة للجدل في مسيرة غريفيث المهنية كانت قضية تمويل بعض مشاريعه البحثية المتعلقة بالمقامرة المسؤولة من جهات ومؤسسات تتلقى أموالها كلياً أو جزئياً من قطاعات صناعة الترفيه والقمار (Industry Funding). أثار هذا الأمر انتقادات من باحثين آخرين شككوا في استقلالية النتائج وإمكانية تعرضها للانحياز التمويلي غير المعلن لحماية مصالح هذه الشركات.
تصدى غريفيث بشجاعة وشراسة لهذه الشكوك المنهجية، مبيناً أنه وضع منذ اليوم الأول بروتوكولات تعاقدية حديدية وغير قابلة للتفاوض تضمن الاستقلالية التامة للباحث. وشملت هذه الشروط عدم امتلاك الجهات الممولة أي حق في مراجعة النتائج أو التدخل في المنهجية أو منع نشر أي تقرير أكاديمي مهما كانت عواقبه سلبية على الصناعة، مع الإفصاح المالي الشفاف الكامل في صدارة كل ورقة منشورة. ودافع غريفيث عن أهمية الوصول إلى البيانات التقنية الدقيقة وسجلات اللاعبين المشفرة التي تحتكرها تلك الشركات، معتبراً أن دراسة البيانات الحقيقية من داخل الأنظمة هي السبيل العلمي الوحيد لتطوير خوارزميات رصد إدمانية واقعية تسهم في إنقاذ الأفراد وتطوير أدوات الحماية المجتمعية.
10. التطبيقات الإكلينيكية، الوقاية، والسياسات العامة
10.1 استراتيجيات التدخل والعلاج النفسي للإدمان السلوكي
تجاوزت إسهامات مارك غريفيث التنظير والتشخيص لتصل إلى الممارسة الإكلينيكية وتصميم بروتوكولات التدخل العلاجي المتخصصة. ويُعد غريفيث من أبرز الداعين إلى مواءمة العلاج المعرفي السلوكي (Cognitive Behavioral Therapy – CBT) ليتناسب مع الطبيعة الفريدة للإدمانات غير المرتبطة بالمواد، حيث يركز التدخل على تحديد وتفكيك التحيزات والتشوهات الإدراكية المصاحبة لكل سلوك بعينه؛ مثل تفنيد وهم السيطرة لدى المقامر، أو تصحيح المعتقدات غير العقلانية حول الذات والهوية البديلة لدى مدمني الألعاب الإلكترونية.
يدمج غريفيث في برامجه العلاجية تقنيات المقابلات الدافعية (Motivational Interviewing) لمساعدة المدمن على تجاوز مرحلة الإنكار الحادة وتعزيز الدافعية الذاتية للتغيير الإيجابي. كما يُدخل تطبيقات العلاج القائم على اليقظة الذهنية (Mindfulness) وتقنيات التعريض ومنع الاستجابة (Exposure and Response Prevention) لمساعدة المرضى على تحمل نوبات اللهفة السلوكية والانسحاب العاطفي دون الانزلاق في النشاط القهري. ويؤكد غريفيث دائماً أن الهدف العلاجي في معظم الإدمانات السلوكية التكنولوجية لا يمكن أن يكون “الامتناع المطلق مدى الحياة” (Abstinence) كما في علاج الإدمان الدوائي، نظراً لاستحالة عزل الفرد عن التقنية في العصر الحديث، بل يكمن الهدف في إعادة توجيه الاستخدام نحو “الاستهلاك المنضبط والصحي والتكيفي” (Controlled and Adaptive Use).
10.2 برامج الوقاية المدرسية والمجتمعية
يؤمن مارك غريفيث بأن العلاج الإكلينيكي وحده غير كافٍ لمواجهة وباء السلوكيات الإدمانية الناشئة، ما لم يقترن باستراتيجيات وقائية استباقية تستهدف البيئات الحاضنة للأجيال الناشئة. قاد غريفيث وشارك في تصميم العديد من البرامج الوقائية المدرسية والمجتمعية التي استهدفت تثقيف الطلاب واليافعين بمفاهيم “التربية الرقمية والإعلامية” (Digital Literacy)، وتزويدهم بالمعرفة النفسية لكيفية تحصين أنفسهم ضد آليات الاستدراج الخوارزمية في ألعاب الفيديو والإنترنت.
أولى غريفيث اهتماماً خاصاً لإرشاد وتدريب أولياء الأمور والمعلمين، وتزويدهم بالأدلة التوعوية لرصد المؤشرات المبكرة للتحول السلوكي الخطر لدى الأطفال قبل استفحاله؛ مثل التدهور المفاجئ في التحصيل الدراسي، أو التغيرات الانفعالية الحادة عند سحب الأجهزة، أو اضطرابات النوم والتغذية. كما أسس حملات وطنية ودولية للتوعية بمخاطر الرهان المبكر وآلات القمار بين المراهقين والرياضيين الشباب، داعياً إلى إدراج الصحة النفسية الرقمية كعنصر جوهري وثابت في المناهج التعليمية الحديثة.
10.3 التأثير في التشريعات والتنظيم الحكومي الدولي
تُعد بصمة غريفيث في صياغة السياسات العامة والتشريعات الحكومية نموذجاً ناصعاً للأثر الأكاديمي الحقيقي في خدمة المجتمع الإنساني. ساهمت تقاريره الاستشارية ومداخلاته البرلمانية المستمرة في حث الحكومات على فرض لوائح تنظيمية صارمة على قطاعات الألعاب والمقامرة لحماية الصحة العامة وحقوق المستهلكين والمستهلكات الرقميين.
أثمرت جهوده البحثية عن تبني العديد من الدول لتشريعات تلزم شركات القمار الإلكتروني بوضع سقوف مالية إجبارية للإيداع والرهان، ومنع استخدام بطاقات الائتمان في المقامرة الرقمية لتقليص حجم الديون الكارثية. كما كان لأبحاثه الأثر الحاسم في إقرار القيود التشريعية الصارمة ضد صناديق الغنائم في ألعاب الفيديو في دول أوروبية رائدة مثل بلجيكا وهولندا التي حظرت هذه الآليات باعتبارها قماراً غير قانوني مقنعاً، فضلاً عن مساهماته التأسيسية في صياغة معايير التصميم الأخلاقي للبرمجيات ومنع استخدام “الأنماط المظلمة” (Dark Patterns) الهادفة للتلاعب النفسي بسلوك المستخدمين في الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة.
11. الإنتاجية الأكاديمية والجوائز والمسار المؤسسي
11.1 غزارة الإنتاج العلمي والمؤشرات الببليومترية
يُعد مارك غريفيث واحداً من أكثر علماء النفس إنتاجية وتأثيراً في تاريخ العلوم الإنسانية على مستوى العالم بأسره. يمتلك سجلاً ببليومترياً مذهلاً يصعب تكراره؛ إذ تجاوزت منشوراته العلمية المحكمة 1200 ورقة بحثية في كبريات الدوريات السيكولوجية والطبية العالمية، إضافة إلى تأليفه وتحريره لأكثر من عشرين كتاباً مرجعياً ومئات الفصول الأكاديمية المتخصصة في ظواهر الإدمان والمقامرة والتكنولوجيا.
ينعكس هذا الزخم البحثي الكاسح في مؤشرات الاستشهاد العلمي العالمية؛ حيث يمتلك غريفيث معامل هيرش (h-index) يتجاوز 150 مع أكثر من مئة ألف استشهاد بأبحاثه، مما يضعه دوماً ضمن قائمة أعلى 1% من العلماء والباحثين الأكثر استشهاداً وتأثيراً في حقل الطب النفسي وعلم النفس وسلوكيات الإدمان عالمياً وفق تصنيف جامعة ستانفورد ومنصة Clarivate. لم تقتصر إنتاجيته على الكتابة فقط، بل أسهم في حراسة البنية المعرفية للحقل من خلال رئاسة تحرير وعضوية الهيئات التحريرية لأبرز الدوريات المحكمة عالمياً، ومنها تأسيسه وإدارته لمجلات مثل Journal of Gambling Studies ودوريات الإدمان السلوكي الدولية.
11.2 الجوائز والتكريمات الدولية والوطنية
تُوجت مسيرة غريفيث الأكاديمية الاستثنائية بفيض من الجوائز والتكريمات العالمية الكبرى التي عكست التقدير العميق لإسهاماته في النهوض بالصحة النفسية وحماية المجتمعات. نال غريفيث “جائزة الإنجاز مدى الحياة” (Lifetime Achievement Award) المرموقة من المجلس الوطني الأمريكي لمشكلات القمار (NCPG)، ليكون واحداً من قلائل الباحثين غير الأمريكيين الذين يحصدون هذا التكريم الأعلى في الحقل.
كما حاز مراراً جوائز التميز البحثي والريادة العلمية من الجمعية البريطانية لعلم النفس (BPS)، والعديد من الأوسمة الأكاديمية من جامعات ومؤسسات بحثية في أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية. وإلى جانب التكريم البحثي التخصصي، نال غريفيث اعترافاً رسمياً وجوائز مرموقة لدوره المجتمعي البارز في تبسيط العلوم النفسية للرأي العام وتفكيك المفاهيم المعقدة عبر وسائل الإعلام العالمية، متفانياً في نقل المعرفة من المجلات الأكاديمية المغلقة إلى الفضاءات المجتمعية الحية والمؤثرة.
11.3 الإشراف الأكاديمي وبناء أجيال الباحثين
لم يكن مارك غريفيث باحثاً فردياً منعزلاً، بل كان وما يزال “مؤسسة أكاديمية قائمة بذاتها” ومربياً علمياً استثنائياً نجح في تخريج أجيال متعاقبة من خيرة العلماء والباحثين المتخصصين في الإدمان السلوكي حول العالم. أشرف غريفيث بصورة مباشرة على العشرات من أطروحات الدكتوراه ورسائل ما بعد الدكتوراه، متيحاً لطلابه بيئة بحثية محفزة تتسم بالصرامة العلمية، والحرية الفكرية، والاستجابة السريعة للمستجدات التقنية.
يشغل خريجو وتلامذة مدرسة غريفيث الفكرية اليوم مقاعد الأستاذية والريادة في أعرق الجامعات والمراكز البحثية والمنظمات الصحية العالمية عبر القارات الخمس، مواصلين تطوير نماذجه وتطبيقها في بيئاتهم المحلية. وبفضل هذه القيادة الأكاديمية الملهمة، تحولت “وحدة أبحاث الألعاب الدولية” في جامعة نوتنغهام ترنت إلى شبكة علمية دولية دائمة التوسع، رسخت مدرسة بحثية بريطانية رائدة تتميز بالمرونة المنهجية، والاستقامة الأخلاقية، والالتزام المطلق بخدمة قضايا الإنسان في العصر الرقمي.
12. الإرث العلمي والآفاق المستقبلية لأبحاث مارك غريفيث
12.1 إعادة تشكيل خريطة علم النفس السلوكي المعاصر
إن الإرث المعرفي الخالد لمارك غريفيث يتمثل بلا ريب في نجاحه التاريخي في إعادة رسم وتوسيع خارطة علم النفس السلوكي والطب النفسي المعاصر برمته. استطاع غريفيث تحطيم “الدوغما” التقليدية التي كانت تعزل الإدمان في النطاق الضيق للمواد السامة والكيميائية، مثبتاً بالأدلة الإمبيريقية القاطعة أن الأنماط السلوكية والتفاعلات التقنية قادرة بذاتها على استعباد الدماغ وتشويه المسار النفسي والاجتماعي للفرد إذا ما توفرت البيئة والهشاشة المناسبة.
لقد قادت أطروحات غريفيث إلى تغيير جذري في النظرة المجتمعية والطبية تجاه المتضررين من التكنولوجيا الحديثة والمقامرة الرقمية؛ فنقلتهم من موقع الوصمة الاجتماعية والتجريم الأخلاقي إلى فضاء الفهم الإكلينيكي والاستحقاق العلاجي الإنساني. هذا التحول الإبستمولوجي مكّن الأنظمة الصحية العالمية من فتح عيادات متخصصة، وتطوير مسارات رعاية إكلينيكية رسمية كانت غائبة كلياً قبل مشروعه التأسيسي، مما يجعله واحداً من الآباء المؤسسين الكبار لطب النفس الحديث في مطلع القرن الحادي والعشرين.
12.2 مواكبة الظواهر الناشئة: الميتافيرس والذكاء الاصطناعي
رغم عقوده الطويلة في البحث الأكاديمي، يواصل مارك غريفيث في الوقت الحاضر الحفاظ على شغفه المعرفي وريادته في تفكيك الظواهر التكنولوجية الأشد حداثة وتعقيداً. تركز أبحاثه المعاصرة على التحديات النفسية والإدمانية المتولدة عن بيئات “الميتافيرس” (Metaverse) وتقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز (VR/AR) فائقة الانغماس، محذراً من أن الذوبان الحسي في هذه العوالم ثلاثية الأبعاد قد يرفع احتمالات الانفصال عن الواقع وتعميق الإدمان السلوكي إلى مستويات غير مسبوقة في التاريخ البشري.
كما انخرط غريفيث وفريقه في دراسة الأبعاد السيكولوجية العميقة للتفاعل الإنساني مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) وروبوتات الدردشة العاطفية والتفاعلية (AI Chatbots). يحلل غريفيث كيف يمكن أن تنشأ أشكال جديدة ومقلقة من “الإدمان العلائقي الافتراضي” والتعلق العاطفي القهري بكيانات اصطناعية غير بشرية تعوض المستخدمين زائفاً عن العلاقات الإنسانية الواقعية، مؤكداً أن المبادئ الجوهرية لنموذجه المكوناتي تظل الإطار النظري الأمتن لاستيعاب وتفسير هذه التحولات التقنية الثورية والتنبؤ بتداعياتها على البنية النفسية للأجيال القادمة.
12.3 الرؤية المستمرة: توازن الإنسان مع التكنولوجيا (1966 – حتى الحاضر)
تتكامل مسيرة مارك غريفيث الممتدة منذ عام 1966 وحتى اللحظة الراهنة في فلسفة علمية وأخلاقية رصينة تدعو إلى تحقيق “التوازن والتكامل الإيجابي بين الإنسان والتكنولوجيا”، بعيداً عن طرفي النقيض: الرفض التكنولوجي المذعور والشيطنة العمياء من جهة، والاحتضان الاستهلاكي الساذج وغير الواعي من جهة أخرى. لم يكن غريفيث يوماً معادياً للتطور التقني أو داعياً لمنع ألعاب الفيديو والتطبيقات الرقمية، بل ظل مدافعاً عن تسخير الابتكار لخدمة رفاهية الإنسان مع وعي صارم بأعراضه الجانبية وطاقاته الإدمانية الكامنة.
يصر غريفيث في أحدث محاضراته وأبحاثه على ضرورة التمسك الدائم بالمعايير الإكلينيكية المشددة، محذراً المجتمع الأكاديمي من التهاون في إطلاق مسميات الإدمان على كل نزوة سلوكية شائعة، لصون مصداقية العلم وحماية المفاهيم الطبية من الابتذال. إن المسيرة العلمية الحية لغريفيث تكرسه اليوم كشخصية تاريخية استثنائية وبوصلة أخلاقية وعلمية لا غنى عنها؛ مرجعاً مؤسساً لا يكتفي برصد الواقع بل يستشرف المستقبل، مؤكداً أن دراسة السلوك الإدماني هي في جوهرها رحلة بحث معمقة داخل مكامن النفس البشرية، وصراعها الأزلي المستمر بين الرغبة في التحرر والانزلاق نحو الاستلاب والتبعية.
خاتمة: آفاق متجددة في سيكولوجيا السلوك الإنساني
يقف مارك غريفيث اليوم كعلامة فارقة في تاريخ علم النفس التطبيقي والإكلينيكي؛ إذ لم يكن مجرد باحث غزير الإنتاج، بل كان مهندس التحول المعرفي الذي أعاد تعريف العلاقة الإشكالية بين الكائن البشري وأدواته السلوكية والتقنية. استطاع من خلال مسيرة ملهمة تمتد لأكثر من أربعة عقود أن ينقل الإدمان السلوكي من هوامش السايكولوجيا وظلال التشكيك المنهجي إلى بؤرة الاهتمام العلمي والتنظيمي العالمي، واضعاً أسساً نظرية ومقاييس سيكومترية ستظل تهدي خطى الباحثين والسريريين لعقود طويلة قادمة.
إن الدرس الأعمق الذي نستخلصه من تجربة غريفيث العلمية الثرية هو أن فهم السلوك الإنساني في عصر الرقمنة الفائقة يتطلب يقظة منهجية لا تهدأ، وشجاعة أكاديمية قادرة على اقتحام الظواهر الناشئة دون خوف أو تحيز، والتزاماً إنسانياً وأخلاقياً لا يلين في الدفاع عن صحة الأفراد وكرامتهم في مواجهة آليات التسليع والخوارزميات الإدمانية. إن مسيرة مارك غريفيث المستمرة حتى يومنا هذا تظل منارة ساطعة تؤكد أن علم النفس الحقيقي هو ذلك الذي ينزل إلى الميدان، يفكك الألم الإنساني الصامت، ويعيد صياغة العالم من أجل حماية الإنسان وإعادة الاعتبار لإرادته الحرة.
المراجع
- American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.). American Psychiatric Publishing. https://doi.org/10.1176/appi.books.9780890425596
- Andreassen, C. S., Torsheim, T., Brunborg, G. S., & Pallesen, S. (2012). Development of a Facebook addiction scale. Psychological Reports, 110(2), 501–517. https://doi.org/10.2466/01.07.18.PR0.110.2.501-517
- Griffiths, M. D. (1995). Technological addictions. Clinical Psychology Forum, 76, 14–19.
- Griffiths, M. D. (1996). Nicotine, tobacco and addiction: A response to Robinson and Pritchard. Psychobiology, 24(1), 81–82.
- Griffiths, M. D. (2005). A ‘components’ model of addiction within a biopsychosocial framework. Journal of Substance Use, 10(4), 191–197. https://doi.org/10.1080/14659890500114359
- Griffiths, M. D., & Wood, R. T. (2000). Risk factors in adolescence: The case of gambling, videogame playing, and the internet. Journal of Gambling Studies, 16(2-3), 199–225. https://doi.org/10.1023/A:1009433014881
- Griffiths, M. D., Kuss, D. J., & Demetrovics, Z. (2014). Social networking addiction: An overview of preliminary findings. In K. P. Rosenberg & L. C. Feder (Eds.), Behavioral Addictions: Criteria, Evidence, and Treatment (pp. 119–141). Academic Press. https://doi.org/10.1016/B978-0-12-407724-9.00006-9
- Kuss, D. J., & Griffiths, M. D. (2012). Internet gaming addiction: A systematic review of empirical research. International Journal of Mental Health and Addiction, 10(2), 278–296. https://doi.org/10.1007/s11469-011-9318-5
- Pontes, H. M., & Griffiths, M. D. (2015). Measuring DSM-5 internet gaming disorder: Development and validation of a short psychometric tool. Computers in Human Behavior, 45, 137–143. https://doi.org/10.1016/j.chb.2014.12.006
- Pontes, H. M., Király, O., Demetrovics, Z., & Griffiths, M. D. (2014). The conceptualisation and measurement of DSM-5 Internet Gaming Disorder: The development of the IGD-20 Test. PLOS ONE, 9(10), e110137. https://doi.org/10.1371/journal.pone.0110137
- World Health Organization. (2019). International statistical classification of diseases and related health problems (11th ed.). World Health Organization. https://icd.who.int
- Zendle, D., & Cairns, P. (2018). Video game loot boxes are linked to problem gambling: Results of a large-scale survey. PLOS ONE, 13(11), e0206767. https://doi.org/10.1371/journal.pone.0206767