السيرة
يمثل الدكتور مارك سوندبرغ (Mark L. Sundberg) أحد أبرز الأعمدة العلمية المعاصرة في ميدان تحليل السلوك التطبيقي (ABA)، والشخصية الأهم على الإطلاق في إعادة إحياء وتحويل نظرية عالم النفس الشهير ب. ف. سكينر (B.F. Skinner) حول “السلوك اللفظي” من مجرد إطار فلسفي ونظري مجرد إلى منظومة إكلينيكية وتطبيقية متكاملة أحدثت ثورة في تعليم الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد وغيرهم من ذوي الإعاقات النمائية والتأخر اللغوي عبر مختلف أرجاء العالم. لم يقتصر دور سوندبرغ على كونه باحثاً أكاديمياً متخصصاً أو ممارساً عيادياً متمرساً، بل تجاوز ذلك ليكون المؤسس الحقيقي للجسر المنهجي الذي ربط بين علم السلوك التجريبي والاحتياجات التواصلية الواقعية لآلاف الأطفال والممارسين في مجالات التربية الخاصة وعلاج اضطرابات النطق واللغة والتحليل السلوكي.
تكمن فرادة المشروع العلمي لسوندبرغ، الممتد منذ مطلع سبعينيات القرن العشرين وحتى الوقت الحاضر، في قدرته الفائقة على استيعاب الرؤية السلوكية الراديكالية لظاهرة اللغة، وتفكيكها إلى مهارات وعمليات إجرائية قابلة للملاحظة الدقيقة، والقياس المتكرر، والتدخل المباشر القائم على البراهين. ففي الوقت الذي سيطرت فيه النماذج اللغوية البنيوية والمعرفية المستندة إلى أطروحات اللغوي الأمريكي نعوم تشومسكي (Noam Chomsky) على الأوساط الأكاديمية لعقود، مؤكدة على الفطرية والتراكيب الصورية المجردة للغة، أصرّ سوندبرغ، متتلمذاً على يد نخبة من رواد الفكر السلوكي وفي مقدمتهم جاك مايكل (Jack Michael)، على أن اللغة سلوك إنساني تحكمه وتصوغه المتغيرات البيئية ذاتها التي تتحكم في سائر أنماط السلوك الإجرائي، وأن خلاص الأطفال غير الناطقين يكمن في فحص “وظيفة” ما يقولونه لا مجرد “شكله”.
ومن خلال هذا المسار الطويل المكلل بإنشاء مجلة تحليل السلوك اللفظي (The Analysis of Verbal Behavior)، وتطويره للأداة التقييمية الأكثر انتشاراً في العالم؛ مقياس تقييم معالم السلوك اللفظي وبرنامج التنسيب (VB-MAPP)، وضع سوندبرغ بصمة أبدية في تاريخ العلوم السلوكية. يستعرض هذا المقال الموسوعي الشامل سيرة هذا العالم الاستثنائي، محللاً أصوله الأكاديمية، وركائزه النظرية، وتصنيفاته الإجرائية، وأدواته العيادية، وإسهاماته المنهجية التي لا تزال حتى اللحظة الراهنة تشكل الإطار المرجعي الأول لكل من يتصدى لدراسة السلوك اللفظي أو تقديم الخدمات العلاجية للأفراد ذوي التحديات التواصلية والنمائية في مختلف أنحاء المعمورة.
1. النشأة والمسار الأكاديمي المبكر لمارك سوندبرغ (1950 – الحاضر)
1.1 الميلاد والبيئة التكوينية الأولى
ولد مارك سوندبرغ في عام 1950 في الولايات المتحدة الأمريكية، في مرحلة تاريخية اتسمت بزخم علمي وتكنولوجي استثنائي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وهي الفترة ذاتها التي بدأت فيها العلوم النفسية تشهد تحولات جذرية نحو التمحيص الإمبريقي وتأسيس المختبرات السلوكية. نشأ سوندبرغ في بيئة عائلية واجتماعية شجعت الفضول الفكري وملاحظة العالم الواقعي بصرامة وموضوعية، الأمر الذي غرس في وجدانه المبكر ميلاً واضحاً نحو فهم الأسباب المادية المفسرة للظواهر الحياتية بدلاً من الاكتفاء بالافتراضات التخمينية أو النماذج الميتافيزيقية الشائعة آنذاك في تفسير النفس الإنسانية.
خلال سنوات دراسته الأولى وتكوينه الابتدائي والثانوي في منتصف القرن العشرين، بدأ اهتمام سوندبرغ يتبلور تدريجياً نحو كيفية تعلم البشر للأنماط السلوكية المختلفة، ولماذا ينجح بعض الأفراد في التكيف والتفاعل بيسر بينما يعاني آخرون من عزلة أو عجز بيّن في التعبير عن ذواتهم. وقد تزامنت هذه الملاحظات الأولية مع بدايات نضوج وعيه النقدي بدور التواصل اللغوي كأداة مركزية لا غنى عنها في تحديد مصير الفرد، وتوجيه مسارات تطوره الأكاديمي والاجتماعي، وهو ما شكل اللبنة الأولى لاهتمامه المتخصص بالاضطرابات التي تعيق اكتساب هذا السلوك الحيوي وتأثيرها السلبي على جودة الحياة الفردية والأسرية.
اتسمت تلك المرحلة بتنامي حركات الإصلاح الاجتماعي والنفسي في الولايات المتحدة، ما جعله شديد الحساسية لمعاناة الأفراد ذوي التحديات النمائية الذين كانوا يُعزلون في كثير من الأحيان في مؤسسات رعاية إيوائية تفتقر إلى البرامج التعليمية القائمة على أسس علمية رصينة. هذا الإدراك الإنساني المبكر والمقترن بعقلية متسائلة وباحثة عن الحلول الإجرائية، دفع سوندبرغ إلى توجيه بوصلته المستقبلية نحو دراسة العلوم السلوكية التجريبية، باحثاً عن منهجية توفر أدوات حقيقية للتدخل والتغيير الإيجابي لا مجرد أوصاف تصنيفية استاتيكية تعيد تدوير العجز وتكرس القصور.
1.2 التعليم الجامعي والدراسات العليا في جامعة ويسترن ميشيغان
شكل التحاق مارك سوندبرغ بـ جامعة ويسترن ميشيغان (Western Michigan University) المنعطف الأبرز في مسيرته الفكرية والمهنية قاطبة. كانت هذه الجامعة في مطلع سبعينيات القرن العشرين تمثل القلعة الحصينة والمركز الأكاديمي الأكثر إشعاعاً في تدريس وتطوير أبحاث تحليل السلوك، بفضل استقطابها لصفوة من علماء النفس السلوكي الذين آمنوا بضرورة تطبيق مبادئ المختبر التجريبي على المشكلات السلوكية الواقعية المعقدة في المدارس، والمستشفيات، والمؤسسات التأهيلية على حد سواء.
هناك حظي سوندبرغ بفرصة استثنائية تمثلت في التتلمذ المباشر على يد البروفيسور الأسطوري جاك مايكل، الذي كان يُعد المفكر النظري والمنهجي الأبرز في السلوكية الراديكالية ومحلل السلوك الأكثر تعمقاً في كتابات ب. ف. سكينر. وجد سوندبرغ في جاك مايكل معلماً ملهماً وصارماً منهجياً، غرس فيه دقة استخدام المصطلحات السلوكية، والتخلي التام عن التفسيرات الدائرية للظواهر النفسية، وأطلعه بعمق على الكنوز الدفينة في الأطروحة اللغوية لسكينر. امتدت هذه العلاقة الأكاديمية لتتحول إلى شراكة فكرية وثيقة امتدت لعقود من البحث المشترك وتأليف الأوراق العلمية المؤسسة.
أتم سوندبرغ دراسته العليا في جامعة ويسترن ميشيغان حاصلاً على درجتي الماجستير ثم الدكتوراه في تحليل السلوك التطبيقي (Applied Behavior Analysis)، مكرساً أطروحاته البحثية لدراسة آليات اكتساب اللغة ونقل التحكم المثيري لدى الأفراد ذوي التأخر النمائي الحاد. تميزت أبحاثه التجريبية المبكرة بتصميمات الحالة الواحدة الصارمة، حيث أجرى تجارب رائدة درست بدقة متناهية التفاعل المعقد بين الاستجابات اللفظية ومعدلات التعزيز، وتأثير المتغيرات السابقة على تشكيل البنى اللفظية الأولية، مما أهله ليصبح صوتاً علمياً بارزاً وهو لا يزال في مقتبل مسيرته الأكاديمية والمهنية الواعدة.
1.3 التأثر بالمدرسة السلوكية الراديكالية ومبادئ الإشراط الإجرائي
انبثقت الرؤية العلمية لمارك سوندبرغ من صلب السلوكية الراديكالية (Radical Behaviorism) كما صاغها ب. ف. سكينر، وهي الفلسفة التي تؤكد على أن السلوك الإنساني—سواء كان ظاهراً يمكن للأعين رصده أو باطناً يحدث تحت الجلد مثل التفكير والمشاعر—يخضع لنفس القوانين الطبيعية المادية التي تحكم الظواهر البيولوجية والفيزيائية. تشرب سوندبرغ مفاهيم الإشراط الإجرائي (Operant Conditioning)، حيث يُفهم السلوك كنتيجة مباشرة للتفاعل الديناميكي المستمر بين الكائن الحي وبيئته، محكوماً بما يسبقه من مثيرات تمييزية وظروف دافعية، ومحدداً بما يعقبه من آثار تعزيزية أو عقابية.
هذا الأساس الفلسفي الصارم مكن سوندبرغ من تطوير رؤية نقدية جذرية تجاه النماذج اللغوية المعرفية التقليدية والنظريات السيكولوجية الشائعة التي تعاملت مع اللغة باعتبارها نتاجاً لـ “عمليات عقلية داخلية” غامضة، أو “أجهزة دماغية فطرية لاكتساب اللغة” تفلت من طائلة الملاحظة والقياس. رأى سوندبرغ أن هذه المقاربات العقلية (Mentalism) تخلق وهماً بالتفسير دون أن تقدم حلاً عملياً للمربين والمعالجين؛ إذ إن عزو عجز الطفل عن الكلام إلى “ضعف في الإدراك” أو “خلل في معالجة المعلومات الداخلية” لا يمنحنا أي مؤشر إجرائي عن كيفية بناء التدخل التدريبي الناجع لتصحيح هذا العجز.
بدلاً من ذلك، تبنى سوندبرغ المنهج الوظيفي (Functional Approach) الخالص، الذي ينظر إلى المهارات اللغوية—التعبيرية والاستقبالية على حد سواء—بوصفها سلوكيات تكتسب وتستمر وتتعدل بفعل نتائجها البيئية. كانت هذه الرؤية بمثابة النبراس الذي وجّه كامل مشروعه العلمي، إذ قرر تكريس جهوده لإثبات أن التعامل مع اللغة كسلوك إجرائي وظيفي هو السبيل الوحيد القادر على فك مغاليق التأخر اللغوي، وتطوير استراتيجيات تعليمية قادرة على تعليم التواصل حتى للأفراد الذين صُنفت حالاتهم تاريخياً على أنها مستعصية على التعلم.
2. الجذور النظرية: تبني فكر ب. ف. سكينر في السلوك اللفظي
2.1 أطروحة كتاب السلوك اللفظي (1957) كمنطلق تحليلي
في عام 1957، أصدر بوروس فريدريك سكينر كتابه التاريخي الشهير “السلوك اللفظي” (Verbal Behavior)، والذي اعتبره سكينر نفسه أعظم إنجازاته الفكرية على الإطلاق. ومع ذلك، واجه هذا المصنف إهمالاً أكاديمياً غير مسبوق وتجاهلاً متعمداً استمر لقرابة ربع قرن، بفعل الهجوم العنيف الذي شنه اللغوي نعوم تشومسكي عليه عام 1959 في مراجعته النقدية الشهيرة، والتي أسست لصعود الثورة المعرفية وتراجع الاهتمام الأكاديمي بالسلوكية في دراسة اللغة. هنا برز دور مارك سوندبرغ التاريخي كأحد القلائل الذين أدركوا العبقرية الكامنة في كتاب سكينر وخطورة التخلي عن طروحاته الثورية.
شرع سوندبرغ في مطلع سبعينيات القرن العشرين في إعادة قراءة وتفكيك نصوص كتاب سكينر، متجاوزاً الإهمال السائد. وأدرك سوندبرغ أن سكينر لم يكن يكتب كتاباً في علم اللسانيات التقليدي ليصف التراكيب اللغوية وأشكال الكلمات، بل كان يقدم تحليلاً سلوكياً أصيلاً لكيفية حدوث الفعل اللفظي وتأثيره على البيئة الاجتماعية. قام سوندبرغ بإعادة صياغة المفهوم اللغوي الكلاسيكي: فاللغة ليست ملكة عقلية غامضة ولا وسيطاً لنقل “المعاني” الذهنية من رأس المتحدث إلى رأس السامع، بل هي “سلوك لفظي” يُعرَّف بأنه السلوك الذي يتعزز من خلال وساطة شخص آخر، شريطة أن يكون هذا الوسيط قد دُرِّب خصيصاً لتقديم هذا التعزيز.
ركز سوندبرغ على الوحدة التحليلية للسلوك اللفظي التي اقترحها سكينر، وهي “العملية اللفظية” (Verbal Operant)، بدلاً من الوحدات اللغوية الكلاسيكية مثل الكلمة، أو الجملة، أو الفونيم والمورفيم. وأثبت سوندبرغ أن نفس الكلمة من حيث شكلها الصوتي الطبوغرافي (مثل كلمة “ماء”) قد تمثل سلوكيات وظيفية شديدة التباين والاختلاف وفقاً للظروف السابقة والنتائج المعززة التي تتحكم في صدورها، وهو الاكتشاف الذي فتح الباب واسعاً أمام إعادة تصنيف العجز اللغوي وعلاجه بصورة جذرية مغايرة لما كان متبعاً في السابق.
2.2 التمييز بين التحليل البنيوي اللغوي والتحليل الوظيفي السلوكي
وضع سوندبرغ في مقدمة كتاباته وأبحاثه تمييزاً فاصلاً بين المقاربة البنيوية الصورية (Structural/Formal Approach) للغة، والمقاربة الوظيفية السلوكية (Functional Approach). ركزت المقاربات البنيوية—التي تزعمها تشومسكي وسادت في برامج علم أمراض النطق واللغة التقليدية—على شكل اللغة وبنيتها السطحية: مثل عدد الكلمات المنطوقة، وصحة القواعد النحوية، وطول الجملة، وتصنيف المفردات إلى أسماء وأفعال وحروف جر. وافترضت هذه المقاربات أن الطفل يمتلك معرفة قواعدية باطنية فطرية تؤهله لتوليد جمل لا حصر لها متى ما نضج جهازه العصبي.
أوضح سوندبرغ أن هذا النموذج البنيوي يواجه عجزاً فاضحاً عند التعامل مع اضطرابات النمو الشديدة مثل التوحد؛ فالطفل قد يحفظ مئات الأسماء عن طريق الترديد أو الإشارة إليها في الصور (الجانب البنيوي الصوري)، لكنه يعجز تماماً عن استخدام كلمة واحدة منها لطلب الطعام عندما يجوع، أو للتعبير عن رغبته في التوقف عن نشاط مؤلم (الجانب الوظيفي). إن معرفة “شكل” الكلمة لا يضمن مطلقاً استخدامها “الوظيفي” في السياق الحياتي الطبيعي، لأن كل وظيفة لغوية تخضع لنظام تحكم مثيري وبيئي مستقل تماماً عن الوظائف الأخرى.
وبينما يهتم المحلل البنيوي بما “يقوله” الطفل من حيث الشكل الصوتي والمفردات، فإن سوندبرغ ركز بصورة مطلقة على فحص: “لماذا قال الطفل هذا السلوك اللفظي في هذه اللحظة بالذات؟ وما هي الظروف التي سبقت نطقه، وما هي النتيجة المحددة التي حافظت على بقاء هذا السلوك؟”. هذا التحول من المنهج البنيوي إلى المنهج الوظيفي نزع عن علم اللغة هالة التجريد المعرفي، وجعل اكتساب المهارات التعبيرية مسألة هندسة بيئية وتعديل للمتغيرات المحيطة بالمتعلم، وهو ما شكل الأساس المتين لتطور تحليل السلوك اللفظي كعلم تطبيقي حاسم.
2.3 سد الفجوة بين النظرية المجردة والتطبيق الميداني
على الرغم من براعة سكينر النظرية الفائقة في كتابه “السلوك اللفظي”، إلا أن عمله ظل كتاباً في الفلسفة السلوكية والتحليل المفاهيمي، ولم يتضمن بيانات تجريبية مستخلصة من تجارب عيادية، ولم يقدم دليلاً تدريبياً واضحاً للمعلمين والأخصائيين يشرح لهم خطوة بخطوة كيفية تدريب طفل غير ناطق على الكلام. هذا النقص في الترجمة الميدانية هو ما ترك النظرية عرضة للتهميش لسنوات طويلة، وهي الفجوة الهائلة التي انبرى مارك سوندبرغ لسدها ببراعة منقطعة النظير.
كرس سوندبرغ حياته المهنية لتحويل مفاهيم سكينر المجردة—مثل العمليات اللفظية الأولية، والتحكم التماثلي، والأوتوكليت—إلى أدوات قياس دقيقة وبروتوكولات تدخل علاجية عملية قابلة للاختبار والتكرار والتطبيق في البيئات الصفية والمنازل والمراكز المتخصصة. أجرى سوندبرغ مئات التجارب الإكلينيكية لاختبار الفرضيات السلوكية، وطور تقنيات لنقل التحكم المثيري، وإجراءات محددة لتعليم مهارات الطلب والتسمية، وبرامج تدريبية لتشكيل الاستجابات الصوتية تدريجياً عبر الاعتماد على التعزيز الممنهج والتلاشي المنظم للمساعدات.
بفضل هذه الجهود الدؤوبة، استطاع سوندبرغ أن يؤسس لما بات يُعرف اليوم في الأدبيات العالمية بـ “تحليل السلوك اللفظي التطبيقي” (Applied Verbal Behavior – AVB). لم يعد السلوك اللفظي مجرد فصل نظري في مراجع علم النفس التجريبي، بل تحول بفضل سوندبرغ إلى حركة إكلينيكية وتربوية عالمية كبرى، تضم آلاف المحللين المعتمدين، والمراكز العلاجية الممتدة عبر القارات، التي تقدم أملاً حقيقياً وبرامج مثبتة علمياً لتغيير حياة الأطفال ذوي الإعاقات المعقدة وأسرهم إلى الأفضل.
3. تصنيف العمليات اللفظية الأولية وفق رؤية سوندبرغ
3.1 سلوك الطلب (Mand) كحجر زاوية في التواصل الإنساني
يعد سلوك الطلب (Mand)—وهو مصطلح اشتقه سكينر من الكلمات الإنجليزية (Demand, Command, Countermand)—العملية اللفظية الأولى والوحيدة التي تخدم مصلحة المتحدث بصورة مباشرة وفورية. تتميز استجابة الطلب بكونها تقع تحت التحكم المباشر لـ العمليات الدافعية (Motivating Operations – MO) القائمة في اللحظة الراهنة، وتتعزز بالحصول على المعزز النوعي المحدد المرتبط بهذه الدافعية (Specific Reinforcer). فعندما يشعر الفرد بالعطش (دافعية الحرمان من الماء)، فإن استجابة “ماء” تؤدي مباشرة إلى إعطائه الماء ليرتوي.
أدرك سوندبرغ، بتوجيه من أستاذه جاك مايكل، أن تدريب الطلب يمثل “حجر الزاوية” المطلق وأعلى الأولويات الإكلينيكية التي يجب أن تبدأ بها أي خطة تدخل مبكر، خاصة للأطفال المشخصين بالتوحد. السبب في ذلك يعود إلى أن الطلب هو الأسلوب الطبيعي الذي يتعلم به الطفل أن التواصل اللفظي ذو جدوى وقوة تغييرية في العالم المادي؛ فالكلمة المنطوقة تصبح وسيلة للتحكم في البيئة وإشباع الاحتياجات البيولوجية والنفسية، ما يجعل المتحدث الآخر مصدراً للأشياء المحببة ومُعززاً مشروطاً بدلاً من أن يكون مصدراً للضغط والتوتر والطلبات المزعجة.
أثبت سوندبرغ في دراساته العيادية أن تعليم الطلب الوظيفي الملائم يعد الترياق الأكثر فعالية للقضاء على السلوكيات التحدّية الحادة، مثل نوبات الغضب، وإيذاء النفس، والعدوان على الآخرين. فمعظم هذه السلوكيات غير المرغوبة تنشأ ببساطة كوسائل تواصلية بدائية وغير مناسبة يمارسها الطفل للوصول إلى مرغوباته أو للهروب من المهام الشاقة؛ ومتى ما تدرّب الطفل على استبدال تلك السلوكيات بطلب لفظي صريح ومفهوم (سواء كان صوتاً، أو إشارة، أو تبادل صورة)، تنخفض المشكلات السلوكية تلقائياً وبصورة دراماتيكية ومستدامة.
كما حرص سوندبرغ على وضع تفريق إكلينيكي دقيق بين ما أسماه “الطلب الخالص” (Pure Mand) و”الطلب المقيد” (Contaminated Mand)؛ فالطلب الخالص هو الذي يحدث بالكامل وبشكل مستقل تحت دافعية الطفل الصرفة ودون وجود مثيرات بصرية أمامه ودون توجيه أسئلة مسبقة مثل “ماذا تريد؟”. أما إذا قال الطفل “بسكويت” فقط عند رؤيته لعلبة البسكويت أو عند سؤاله عما يشتهي، فإن هذا السلوك ليس طلباً خالصاً بل سلوك مشوه تتقاسمه عمليات لفظية متعددة، وهو ما يتطلب تدخلاً تعليمياً لنقل التحكم بالكامل إلى العمليات الدافعية الداخلية للطفل.
3.2 سلوك التسمية (Tact) والارتباط بالمثيرات البيئية غير اللفظية
يُعرف سلوك التسمية (Tact)—وهو مصطلح اشتقه سكينر من فكرة إحداث “اتصال” (Contact) مع البيئة الواقعية—بأنه السلوك اللفظي الذي يقع تحت التحكم المباشر لمثير تمييزي غير لفظي (Non-verbal Discriminative Stimulus)، مثل رؤية جسم مادي، أو سماع صوت عابر، أو شم رائحة معينة، أو الشعور بملامس الأشياء ودرجات حرارتها، أو الإحساس بالألم الجسدي، ويتعزز هذا السلوك من خلال التعزيز المعمم المشروط (Generalized Conditioned Reinforcement)، مثل المديح الاجتماعي (أحسنت، ممتاز، صحيح) أو الانتباه البصري والابتسام.
يختلف سلوك التسمية اختلافاً جذرياً عن سلوك الطلب في بعدين جوهريين: فهو أولاً لا يرتبط بالحالة الدافعية اللحظية للمتحدث؛ فالطفل الذي يرى طائرة تحلق في السماء ويقول “طائرة!” لا يريد بالضرورة امتلاك الطائرة أو ركوبها، بل هو ببساطة يصف ويشارك ما رآه في بيئته المحيطة. وثانياً، لا يحصل الطفل في استجابة التسمية على الشيء الذي نطق باسمه، بل يتلقى تقديراً وتفاعلاً اجتماعياً عاماً يثبت السلوك ويحافظ على تكراره المستقبلي كأداة للمشاركة الاجتماعية المعرفية.
أكد سوندبرغ في برامجه التدريبية على أن بناء حصيلة ثرية من سلوكيات التسمية يعد شرطاً أساسياً لتطور القدرات المعرفية والأكاديمية لدى الطفل. فالطفل الذي يتقن التسمية يتعلم كيفية تصنيف وتفكيك وتسمية عالمه الخارجي. وقد وضع سوندبرغ مسارات تدريبية ترتقي بهذا السلوك من التسميات البسيطة للأشياء المألوفة المحيطة (مثل: كرة، سيارة، سرير)، وصولاً إلى تسمية الأفعال الحركية (مثل: يركض، ينام، يقفز)، ثم التسمية المعقدة لسمات الأشياء ووظائفها وتصنيفاتها البيئية (مثل: أحمر، كبير، دائري، يؤكل، يطير في الهواء).
علاوة على ذلك، حذر سوندبرغ من الخلط الشائع في برامج التربية الخاصة التقليدية بين التسمية والاستجابات الميكانيكية التكرارية. فكثير من البرامج تفشل في تحويل التسمية إلى سلوك اجتماعي تلقائي، حيث يظل الطفل عاجزاً عن التسمية ما لم يُسأل مسبقاً وبصورة دائمة “ما هذا؟”. يكمن التحدي الإكلينيكي الحقيقي وفق منهجية سوندبرغ في نقل التحكم المثيري ليكون المنظر غير اللفظي للشيء ذاته هو الدافع الوحيد والكافي لإصدار استجابة التسمية بشكل تلقائي وطبيعي يماثل تماماً ما يفعله الأطفال النامون نمواً نموذجياً.
3.3 السلوك الترديدي (Echoic) والتقليد الحركي المصاحب
يمثل السلوك الترديدي (Echoic) تلك العملية اللفظية التي تقع تحت التحكم المباشر لمثير لفظي سمعي سابق يصدر عن شخص آخر، وتتميز بوجود “تماثل شكلي” (Formal Similarity) تام وتوافق كامل من نقطة إلى نقطة (Point-to-Point Correspondence) بين المثير السمعي والاستجابة اللفظية الصادرة عن المتعلم، وتتعزز عادة من خلال التعزيز الاجتماعي المعمم المشروط. على سبيل المثال، عندما يقول المعلم “قطة” ويردد الطفل الصغير بعده فوراً الكلمة ذاتها “قطة”، فإن هذا السلوك يصنف بوصفه استجابة ترديدية دقيقة.
شدد سوندبرغ على أن السلوك الترديدي يمتلك أهمية استثنائية بوصفه “دعامة استجابة” (Response Prompt) أولى وأساسية لبناء وتدريس كافة العمليات اللفظية الأخرى الأكثر تعقيداً. فالطفل الذي يفتقر تماماً إلى القدرة على الترديد السمعي يجد صعوبة بالغة في تعلم الكلمات الجديدة؛ ولذلك فإن أول خطوة في تعليم الطفل نطق كلمة “ماء” كطلب أو كتسمية غالباً ما تبدأ بمساعدته أولاً على ترديد الصوت “ماء” بصورة دقيقة ومتقنة، ليتم بعد ذلك نقل التحكم المثيري تدريجياً وبمنهجية دقيقة من الصوت المقلَّد إلى المثير البصري أو العملية الدافعية القائمة.
وفي السياق ذاته، قام سوندبرغ بدراسة الرابطة الوظيفية العميقة بين السلوك الترديدي السمعي الصوتي والتقليد الحركي الإيمائي (Motor Imitation). فبالنسبة للأطفال غير القادرين على إصدار الأصوات الكلامية بسبب تعذر الأداء الحركي النطقي (Apraxia) أو لقصور بنيوي بيولوجي، يحل التقليد الحركي محل السلوك الترديدي بصورة كاملة. حيث يصبح التقليد الحركي الدقيق هو الآلية المركزية التي يتم الاعتماد عليها لتعليم الطفل التواصل عبر لغة الإشارة، إذ يقلد الطفل إشارة اليدين بنفس الطريقة التماثلية التي يقلد بها الطفل الناطق النغمات والأصوات الشفهية.
وقد طور سوندبرغ بروتوكولات تفصيلية لتقييم المهارات الترديدية وتدريبها، مؤكداً على ضرورة تجاوز الترديد الآلي للأصوات المفردة نحو تطوير مهارات ترديد المقاطع المتعددة، والكلمات المتباينة، وتراكيب الجمل، والتحكم في طبقات الصوت، والنبرات، والتنغيم اللغوي، والسرعة الكلامية. إن بناء مخزون ترديدي متين ومرن يُمكّن الطفل من التقاط التراكيب الصوتية من بيئته الاجتماعية الطبيعية بشكل تلقائي، مما يسرع عملية التطبيع اللغوي والاندماج الصفي على المدى الطويل.
3.4 السلوك اللفظي الداخلي التفاعلي (Intraverbal) وتعقيداته التخاطبية
يُعد السلوك اللفظي الداخلي التفاعلي (Intraverbal) واحداً من أكثر العمليات اللفظية تعقيداً وأهمية في التواصل البشري الراقي، وهو العملية التي تحظى بالنصيب الأكبر من المحادثات اليومية والحوارات الإنسانية والتفاعلات الصفية والاجتماعية. يُعرَّف هذا السلوك بأنه الاستجابة اللفظية التي تقع تحت التحكم المباشر لمثير لفظي سابق يصدر عن شخص آخر (أو عن الفرد نفسه)، ولكن دون وجود تماثل شكلي ودون وجود تطابق نقطة بنقطة بين المثير اللفظي والاستجابة اللفظية، ويتعزز بالتعزيز المعمم المشروط.
تتدرج استجابات السلوك التفاعلي في البساطة والتعقيد بصورة هائلة: فمن أشكالها الأولية إكمال الأناشيد الشائعة أو العبارات المألوفة (كأن يقول المعلم: “واحد، اثنان…” فيكمل الطفل: “ثلاثة”)، أو الإجابة عن أسئلة الحقائق البسيطة (مثل: “الكلب ينبح، والقطة…” فيجيب: “تموء”، أو “ما اسمك؟” فيجيب: “أحمد”). وتصل هذه الاستجابات إلى ذروة تعقيدها في الحوارات الفلسفية المفتوحة، والمناقشات الأكاديمية العميقة، وحل المسائل الرياضية التجريدية المعقدة، والردود المتسلسلة في المحادثات الاجتماعية اليومية المستمرة.
أوضح سوندبرغ في أبحاثه الرائدة أن الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد يواجهون عائقاً مزمناً وخللاً جذرياً في اكتساب وتطوير السلوك اللفظي التفاعلي. فالكثير من هؤلاء الأطفال قد يمتلكون مهارات تسمية (Tact) ممتازة، ومهارات ترديد (Echoic) دقيقة، إلا أنهم يعجزون تماماً عن الإجابة عن سؤال بسيط مثل “ماذا فعلت في المدرسة اليوم؟” أو “أين تذهب عندما تمرض؟”. يعود هذا الفشل إلى أن المثير اللفظي في السلوك التفاعلي يتطلب من المتعلم الاستجابة لسلاسل كلامية متغيرة تتطلب تحكماً مثيرياً متعدداً وشديد التعقيد، والتحرر من الوجود المادي للأشياء في البيئة البصرية اللحظية.
لذلك، ابتكر سوندبرغ برامج تعليمية تدريجية تبدأ بنقل التحكم من سلوكيات التسمية البصرية إلى السلوك التفاعلي المجرد عبر استخدام أساليب التلاشي المنهجي للمثيرات العينية، وتدريب الطفل على الاستجابة للمثيرات اللفظية متعددة الخصائص والمشروطة؛ مثل التمييز بين الأسئلة التي تشترك في بعض المفردات ولكن تختلف في الوظيفة الدقيقة (مثل التمييز الفوري بين: “ماذا تأكل في الصباح؟” و”أين تأكل في الصباح؟”). يعد هذا الإنجاز التأسيسي من سوندبرغ حجر الأساس الذي نقل برامج تعليم التوحد من الترديد الميكانيكي إلى المحادثة الإنسانية الواعية والتفاعلية.
4. تطوير مقياس تقييم معالم السلوك اللفظي وبرنامج التنسيب (VB-MAPP)
4.1 دوافع ابتكار المقياس وخلفيته التاريخية
في مطلع سنوات الألفية الجديدة، توج مارك سوندبرغ مسيرته البحثية والميدانية الممتدة لأكثر من ثلاثة عقود بابتكار أداة غيرت وجه التربية الخاصة وعلم تحليل السلوك التطبيقي إلى الأبد، وهي مقياس تقييم معالم السلوك اللفظي وبرنامج التنسيب (VB-MAPP: Verbal Behavior Milestones Assessment and Placement Program)، الصادر رسمياً في عام 2008. جاء ابتكار هذا المقياس استجابة لقصور منهجي وعيادي حاد كان يعتري أدوات التقييم النفسي واللغوي التقليدية المعتمدة في المدارس والمراكز العلاجية.
كانت الاختبارات اللغوية المعيارية السائدة تركز على تقييم الأعمار اللغوية للأطفال وحساب نسب الذكاء وتحديد الحصيلة المعجمية من زاوية بنيوية بحتة، دون أن تفحص “الوظائف السلوكية” للغة. كما كانت تفشل في تحديد نقاط التوقف الدقيقة في المسار النمائي الطبيعي، ولا تقدم دليلاً عملياً للمعالج يمكن ترجمته مباشرة إلى أهداف سلوكية ضمن الخطة التربوية الفردية (IEP). وفضلاً عن ذلك، كانت أدوات القياس السابقة تغفل العمليات الدافعية وتهمل تقييم العوائق السلوكية المعقدة التي تحول دون التعلم الفعال.
انطلق سوندبرغ في بناء الـ VB-MAPP من فرضية جوهرية مفادها: لكي نتمكن من تعليم الأطفال الذين يعانون من تأخر لغوي حاد بكفاءة، يجب أولاً أن نقارن مهاراتهم السلوكية واللفظية بالمسار التطوري الطبيعي والنموذجي الذي يمر به الطفل السليم نمواً منذ الولادة وحتى سن الرابعة من العمر. أمضى سوندبرغ سنوات طويلة في دراسة وتوثيق معالم السلوك اللفظي وغير اللفظي لدى مئات الأطفال العاديين، محولاً تلك المعالم النمائية الطبيعية إلى بنود تقييمية سلوكية دقيقة ومحكمة، شكلت النواة الصلبة لهذا المقياس العالمي الفريد.
4.2 بنية مقياس VB-MAPP والمستويات النمائية الثلاثة
يتألف مقياس تقييم المعالم في VB-MAPP من 170 معلماً نمائياً وسلوكياً تغطي 16 نطاقاً ومهارة أساسية، ويتم تقسيم هذه المعالم بصورة دقيقة ومبرمجة إلى ثلاثة مستويات تطورية محددة تحاكي مراحل نمو الطفل الطبيعي:
- المستوى الأول (0 – 18 شهراً): يركز هذا المستوى على وضع اللبنات التأسيسية للتواصل الإنساني والمهارات الأولية للتعلم. يشمل تقييم مهارات الطلب الأولية المبنية على الدافعية، وسلوك الترديد السمعي ومخارج الأصوات، وبدايات التسمية للأشياء المألوفة، والاستجابة البسيطة كمستمع لنداء الاسم والتعليمات الحركية الأولية، بالإضافة إلى المهارات البصرية والإدراكية كالمطابقة الأولية، ومهارات اللعب المستقل، والتفاعل الاجتماعي الأولي الخالي من الكلمات المعقدة.
- المستوى الثاني (18 – 30 شهراً): يشهد هذا المستوى نقلة نوعية في التطور اللفظي للطفل. يتوسع في تقييم مهارات التسمية المعقدة (أفعال، أشكال، ألوان)، واستجابات المستمع وفق الوظيفة والسمة والفئة (LRFFC)، وتطور السلوك اللفظي التفاعلي الأولي، وتوسيع بنك سلوكيات الطلب لتشمل طلب الانتباه والإجراءات وطلب إزالة الأشياء المزعجة. كما يقيم التمييز البصري المتقدم، واللعب التخيلي، والتفاعل مع الأقران، والتقليد الحركي الدقيق المصحوب بالأدوات، والقدرة على اتباع التعليمات الصفية في مجموعات صغيرة.
- المستوى الثالث (30 – 48 شهراً): يقترب الطفل في هذا المستوى من الأداء اللغوي الشامل الذي يتيح له الاندماج الأكاديمي والاجتماعي. يغطي المهارات اللغوية المتقدمة والمعقدة كالسلوك التفاعلي الممتد، والإجابة عن الأسئلة الحوارية، وتراكيب الجمل والقواعد اللغوية السليمة (الأوتوكليت)، ومهارات الطلب التجريدي للمعلومات (“لماذا؟”، “كيف؟”، “أين؟”)، والاستجابات اللغوية المركبة، إضافة إلى تقييم المهارات الأكاديمية المبكرة كالقراءة والكتابة والمفاهيم الحسابية والرياضية الأولية، والسلوك الجماعي المستقل داخل البيئات التعليمية.
4.3 تقييم العوائق والحواجز السلوكية (Barriers Assessment)
يعد اختبار العوائق والحواجز السلوكية (Barriers Assessment) في أداة VB-MAPP إحدى الإضافات الإكلينيكية الأكثر إشراقاً وعبقرية التي قدمها مارك سوندبرغ للميدان. أدرك سوندبرغ أن قياس المعالم اللغوية الإيجابية لا يكفي وحده لرسم صورة حقيقية عن المتعلم؛ إذ إن هناك العديد من السلوكيات التخريبية والعقبات المعرفية والبيئية التي قد تعطل امتصاص الطفل للتعليم الطبيعي، وتمنع انتقال مهاراته إلى السياقات الحياتية، حتى وإن كان يمتلك حصيلة مقبولة من المهارات الأولية.
حدد سوندبرغ 24 عائقاً سلوكياً نمطياً يؤثر سلباً على مسار تعلم الأطفال ذوي التوحد والتأخر النمائي، وصمم لكل عائق مقياساً تدريجياً يتراوح من (0) إلى (4) درجات لتحديد حدة المشكلة وخطورتها. تشمل هذه العوائق: مشكلات السلوك التخريبي (السلوكيات النمطية، العدوان، إيذاء الذات)، ضعف السيطرة التعليمية ومقاومة المهام، الاعتمادية الشديدة على المساعدات (Prompt Dependency)، ضعف مهارات الترديد، عجز الاستجابة للمستمع، عدم القدرة على مطابقة العينات، ضعف العمليات الدافعية ونفور الطفل من التعزيز الاجتماعي، والتخمين العشوائي في الاستجابات.
تكمن القيمة التطبيقية لتقييم العوائق في أنه يمنح فريق التدخل العلاجي والتربوي القدرة على تحديد “النقاط الحرجة” التي يجب التصدي لها فوراً قبل محاولة تعليم مهارات أكاديمية أو لغوية متقدمة. فإذا أظهر التقييم أن الطفل يعاني من عائق حاد في “الاعتماد على المساعدات البصرية” بدرجة (4)، فإن الهدف العلاجي الأول يصبح تفكيك هذا الاعتماد وتدريب الاستقلالية ونقل التحكم المثيري، لأن الاستمرار في تلقين الطفل مفردات جديدة دون علاج هذا العائق سيؤدي بالضرورة إلى تكريس عجز دائم في المبادأة اللغوية التلقائية.
4.4 مصفوفة الانتقال وبروتوكول التنسيب التعليمي الفردي
لم يكتف سوندبرغ بتصميم أداة تقييمية تشخيصية للمعالم والعوائق، بل زود مقياس VB-MAPP بنظام إجرائي متقدم يُعرف بـ “مصفوفة تقييم الانتقال” (Transition Assessment). صُممت هذه المصفوفة للإجابة عن السؤال المصيري الذي يؤرق الأسر والمدارس: “ما هي البيئة التعليمية الأنسب لهذا الطفل في الوقت الراهن؟ وهل هو جاهز للانتقال من التدخل الفردي المكثف (جلسات واحد لواحد) إلى الدمج في الفصول الدراسية العادية أو الفصول الجماعية الأقل تقييداً؟”.
تتضمن مصفوفة الانتقال 18 مؤشراً نوعياً يقيس قدرة الطفل على التعلم في بيئات جماعية، ومدى قدرته على اكتساب المهارات الجديدة دون الحاجة إلى تعزيز اصطناعي مكثف، ومستوى استجابته للمعلمين المتعددين، والقدرة على التعامل مع التغيرات في الروتين المدرسي، والتفاعل التلقائي مع الأقران، ومدى استقلاليته في مهارات الرعاية الذاتية. توفر المصفوفة درجات كمية دقيقة تدعم القرارات الإدارية والتربوية المتعلقة بالتنسيب الأكاديمي، وتحمي الطفل من الإحباط الذي قد يواجهه إذا وُضع في بيئة لا تتناسب مع إمكانياته السلوكية الحالية.
تتكامل هذه المكونات جميعاً لتتحول إلى “بروتوكول التنسيب والخطط التربوية الفردية” (Placement and IEP Guide)، الذي يرسم خارطة طريق علاجية وتربوية واضحة ومباشرة. يتيح هذا الدليل للأخصائي ترجمة كل ثغرة ظهرت في المعالم وكل درجة مرتفعة في العوائق إلى أهداف سلوكية مصوغة بدقة متناهية، محددة بمعايير الإتقان، وآليات التتبع، والخطوات التدريبية، والبيئات المستهدفة، مما يضمن انسجام الفريق العلاجي وتتبع النمو التطوري للطفل بصورة متكررة كل بضعة أشهر عبر رصد شبكي بصري ملون ومحفز للجميع.
5. السلوك المستجيب والمستمع: تحليل دور المتلقي في التواصل
5.1 دور المستمع وتمايزه عن المتحدث في التحليل السلوكي
في الأطر اللغوية الكلاسيكية، يُشار دائماً إلى ما يُعرف بـ “اللغة الاستقبالية” (Receptive Language) كوعاء ذهني يفترض أن الشخص “يفهم” من خلاله ما يُقال له قبل أن يقوم بـ “إنتاج” اللغة التعبيرية. لكن مارك سوندبرغ، التزاماً بالمنهجية السلوكية الراديكالية لسكينر، فكك هذا المفهوم المعرفي المبهم تماماً، واستبدله بمفهوم سلوكي إجرائي قابل للملاحظة الدقيقة والقياس، وهو “سلوك المستمع” (Listener Responding).
أوضح سوندبرغ أن المستمع في التفاعل اللغوي ليس كائناً سلبياً يستقبل الرسائل في صندوق عقلي مغلق، بل هو كائن حي يقوم بإصدار “استجابات إجرائية ملموسة” تقع تحت التحكم المباشر لمثيرات لفظية سابقة صادرة عن المتحدث. وتتمثل هذه الاستجابات في اتباع الأوامر الحركية (مثل: “اجلس”، “قف”، “صفق”)، أو التمييز البصري بين المثيرات البيئية استجابة للتوجيه اللفظي (مثل: الإشارة إلى صورة الكلب أو التقاط الكرة عندما يقول المتحدث “أين الكرة؟”).
أكد سوندبرغ على ضرورة الفصل التام بين تدريب سلوك المتحدث (الطلب، التسمية، الترديد) وتدريب سلوك المستمع. فالطفل قد يتعلم الإشارة بدقة إلى صورة الحصان عندما يُطلب منه “أرني الحصان” (سلوك مستمع متميز)، لكنه قد يعجز عجزاً تاماً عن نطق كلمة “حصان” عندما يرى الصورة ذاتها بمفرده (سلوك التسمية – Tact)، أو عندما يكون راغباً في اللعب بالحصان المجسم (سلوك الطلب – Mand). إن كل ذخيرة سلوكية منها تتطلب تاريخاً تعزيزياً خاصاً بها وتدريباً مستقلاً لنقل المهارة بين وظائف المستمع ووظائف المتحدث.
وفضلاً عن إصدار الاستجابات الحركية والتمييزية، يلعب المستمع دوراً حيوياً آخر حلله سوندبرغ بعمق، وهو كونه “مصدراً للتعزيز” (Audience Function). فالمستمع بتعبيرات وجهه، وإيماءات رأسه، وابتساماته، والتعزيزات اللفظية التي يمنحها، يشكل المثير التمييزي الذي يحدد للمتحدث ما إذا كان سيستمر في الحديث، أو يغير نبرته، أو يتوقف تماماً عن الكلام. هذا التحليل التفاعلي الثنائي المتزامن يوضح الطبيعة التبادلية المعقدة لعملية التواصل البشري كما صاغها سوندبرغ.
5.2 استجابات المستمع وفق الوظيفة والسمة والفئة (LRFFC)
يمثل تدريب استجابات المستمع وفق الوظيفة والسمة والفئة—والمعروف في الميدان السلوكي اختصاراً بـ LRFFC: Listener Responding by Function, Feature, and Class—واحداً من ألمع الابتكارات المنهجية التي وثقها سوندبرغ لتعليم الأطفال مهارات الفهم المجرد وتصنيف العالم الخارجي دون الاعتماد الحصري على التسمية البصرية المباشرة للأجسام بأسمائها الصريحة.
في سلوك المستمع البسيط، يطلب المدرب من الطفل الإشارة إلى الشيء باسمه الصريح (مثال: “المس الموز”). أما في منهجية LRFFC، فإن التعقيد المثيري يرتقي بصورة نوعية؛ حيث يطلب المدرب من الطفل الاستجابة للمثير استناداً إلى أبعاد مفاهيمية وظيفية أو هيكلية أو تصنيفية محددة ترتبط به دون التصريح باسمه قط:
- الوظيفة (Function): الاستجابة للمثير بناءً على ما يُستخدم فيه؛ مثل القول للطفل: “أرني شيئاً نأكله”، أو “المس ما نقص به الأوراق”.
- السمة (Feature): الاستجابة للمثير بناءً على خصائصه الفيزيائية ومكوناته؛ مثل: “أين الشيء الذي يمتلك عجلات؟”، أو “المس الحيوان ذا الرقبة الطويلة”، أو “أرني ما لونه أصفر”.
- الفئة (Class): الاستجابة للمثير بناءً على المجموعة التصنيفية التي ينتمي إليها مجرداً؛ مثل: “المس الحيوان”، أو “أرني وسيلة من وسائل المواصلات”، أو “أين الملابس؟”.
أكد سوندبرغ أن إتقان مهارات LRFFC يعد مرحلة انتقالية حاسمة تكسر الجمود البصري والنمطي لدى الأطفال ذوي التوحد، حيث يتعلم الطفل الربط الشبكي بين المفاهيم المختلفة، ويطور مرونة لغوية تمكنه من الاستجابة لأشكال متنوعة من التوجيهات اللفظية اليومية. كما شدد على أن هذه المهارة تمثل الجسر التطوري التأسيسي الذي يسبق تدريب السلوك اللفظي الداخلي التفاعلي (Intraverbal)؛ فالطفل الذي يستطيع أن يلمس صورة القلم عندما نقول له “أرني ما نكتب به” يصبح مؤهلاً بقدر أكبر للإجابة الشفهية لاحقاً عن السؤال: “بماذا نكتب؟” عندما نغيب الصور تماماً من أمامه.
5.3 التفاعل الديناميكي بين المستمع والمتحدث في السياقات الطبيعية
في دراساته المعمقة حول ديناميكية التواصل الإنساني، تناول سوندبرغ بالتحليل الدقيق الكيفية التي يتناوب بها الأفراد الأدوار اللفظية بين “متحدث” (Speaker) و”مستمع” (Listener) في غضون أجزاء من الثانية أثناء المحادثات الحقيقية في البيئات الطبيعية. هذا التناوب ليس عملية عفوية، بل هو سلسلة إجرائية متواصلة ومعقدة للغاية من السلوكيات المتشابكة التي يغذي فيها سلوك أحد الطرفين الاستجابة التالية للطرف الآخر.
عندما يطرح المتحدث الأول سؤالاً (سلوك طلب للمعلومة)، فإنه يضع فوراً مثيراً تمييزياً لفظياً أمام الشخص الثاني؛ يتحول الشخص الثاني في هذه اللحظة إلى مستمع يعالج المثير اللفظي، ثم يتبدل دوره آنياً ليصبح متحدثاً يصدر إجابة تفاعلية (Intraverbal). وبمجرد صدور هذه الإجابة، يعود الشخص الأول ليصبح مستمعاً يتلقى المعلومة ويعززها بابتسامة أو تعليق إضافي (“حسناً، فهمت!”)، ليعيد إطلاق سلسلة لفظية جديدة تدفع المحادثة قدماً إلى الأمام.
ركز سوندبرغ على أهمية تدريب مهارات التواصل غير اللفظي المصاحبة لدور المستمع؛ مثل التواصل البصري المستمر، واستخدام لغة الجسد التكيفية، وإيماءات الموافقة، وحركات الاستغراب، والتي تعمل جميعها كمثيرات تمييزية ومعدلات أوتوكليتية غير مباشرة تؤثر على مسار المتحدث اللفظي. وقد حذر سوندبرغ من حصر برامج التدخل في إتقان المهارات في بيئة المختبر المعزولة، مصراً على أن التدريب على مهارات الاستماع الفعال وتبادل الأدوار يجب أن يُعمم في الغرف الصفية، وساحات اللعب، وخلال الأنشطة العائلية الطبيعية لتحقيق الاستقلال التواصلي الكامل والاندماج الاجتماعي الحقيقي.
6. السلوكيات اللفظية المتقدمة: التحوير الأوتوكليتي والتحليل المعقد
6.1 مفهوم السلوك الأوتوكليتي (Autoclitic) ووظيفته التعديلية
يُعد مفهوم “السلوك الأوتوكليتي” (Autoclitic Behavior) قمة التحليل المفاهيمي واللغوي الذي وضعه ب. ف. سكينر، وهو الجانب الذي اهتم سوندبرغ بشرحه وتطبيقه إكلينيكياً لرفع جودة وكفاءة التعبير اللغوي لدى الأفراد المتأخرين نمائياً. اشتُق المصطلح من جذور يونانية تعني “الميل نحو الذات” أو “الاتكاء على الذات”؛ ويُعرَّف الأوتوكليت بأنه سلوك لفظي ثانوي أو تالٍ يعتمد كلياً على سلوك لفظي أولي آخر يصدره المتحدث نفسه، وتتمثل وظيفته الأساسية في تعديل أو توضيح أو تحديد أثر السلوك اللفظي الأولي على المستمع.
لتوضيح هذا المفهوم المعقد، قدم سوندبرغ أمثلة عيادية ملموسة: إذا رأى طفل كلباً يقترب وقال ببساطة: “كلب”، فهذا سلوك تسمية أولي (Tact). أما إذا قال: “أعتقد أنه كلب”، أو “أنا متأكد أنه كلب”، أو “أنظر، هذا كلب ضخم”، فإن العبارات المضافة (“أعتقد”، “أنا متأكد”، “أنظر”، “ضخم”) تمثل سلوكيات أوتوكليتية تعديلية، لا تصدر بمعزل عن الكلمة الأساسية بل تهدف إلى إبلاغ المستمع بدرجة يقين المتحدث، أو توجيه انتباهه البصري، أو تضخيم الأثر الانفعالي للموقف ليتصرف المستمع على نحو أكثر ملاءمة ودقة.
قسم سوندبرغ الأوتوكليت إلى فئات وظيفية رئيسية؛ من أبرزها “الأوتوكليت التوصيفي” (Descriptive Autoclitic) الذي يصف الحالة الداخلية للمتحدث أو السياق الذي يصدر فيه كلامه (مثل: “أنا سعيد برؤيتك”، أو “أنا متردد ولكن أظن ذلك”)، و”الأوتوكليت العلائقي والتنفيذي” (Relational and Manipulative Autoclitic) الذي ينظم العلاقات النحوية، والترتيب المكاني والزماني للمفردات، واستخدام علامات النفي والتأكيد وأدوات الربط اللغوي لتنسيق الجمل وتجنب اللبس وسوء الفهم لدى المتلقي.
6.2 التراكيب النحوية واللغوية من منظور وظيفي إجرائي
في مقابل الاتجاهات اللغوية السائدة التي تعتبر القواعد النحوية (Grammar and Syntax) بنى فطرية تجريدية تتولد تلقائياً من العقل، فسر سوندبرغ النحو والصرف من منظور سلوكي وظيفي خالص. يرى هذا المنظور أن القواعد النحوية ليست سوى عادات لفظية تم تشكيلها وترتيب استجاباتها على مدى عقود طويلة بواسطة مجتمع لفظي معين، يُمارس تعزيزاً انتقائياً صارماً على تتابع الكلمات المنطوقة، ويعاقب الأخطاء اللغوية بعدم الفهم أو بالتصحيح الاجتماعي المباشر.
أوضح سوندبرغ أن الطفل لا يتعلم قاعدة “الفاعل يسبق المفعول به” كقانون عقلي مجرد، بل يتعلم إصدار سلاسل لفظية مرتبة لأن هذا الترتيب هو النمط الوحيد الذي يفهمه المحيطون به ويقدمون له التعزيز بناءً عليه. فإذا قال الطفل الجائع للمستمع “أريد ماء بارداً”، يتعزز طلبه فوراً؛ أما إذا قال “بارداً ماء أريد”، فقد يتأخر المستمع في الاستجابة أو يطلب منه الإيضاح. ومن هنا، فإن السلوك الأوتوكليتي العلائقي هو المسؤول السلوكي المباشر عن تنظيم مواضع الكلمات، وتصريف الأفعال، واستخدام الضمائر، وأدوات الجر بصورة صحيحة ومتسقة.
في الممارسة العيادية، رفض سوندبرغ إجبار الأطفال على دراسة القواعد النحوية كقوانين نظرية منفصلة. وبدلاً من ذلك، طور آليات تدخل عملية تعتمد على “التشكيل المتدرج” (Shaping) و”التلاشي المنظم” (Fading) لزيادة طول الجملة (Mean Length of Utterance – MLU) وتعديل التراكيب النحوية؛ حيث يبدأ المعالج بتعزيز الكلمة الواحدة المعبرة عن الطلب، ثم يشكل تدريجياً إضافة الضمائر والصفات وأحرف الجر عبر تقديم المساعدات اللفظية والتعزيز المستمر، حتى تصبح الجملة المركبة والموزونة نحوياً سلوكاً طبيعياً وسلساً في الحديث اليومي للطفل.
6.3 التفكير وحل المشكلات بوصفهما سلوكاً لفظياً خفياً
تناول مارك سوندبرغ إحدى أعمق القضايا الفلسفية والنفسية، وهي طبيعة “التفكير” (Thinking) و”حل المشكلات” (Problem Solving)، معيداً إدراجهما بالكامل تحت مظلة السلوك اللفظي الخفي (Covert Verbal Behavior). فالتفكير في التحليل السلوكي ليس عملية روحانية أو نشاطاً لكيان عقلي باطن مستقل، بل هو ببساطة عبارة عن “حديث الفرد مع نفسه” بمستويات شدة صوتية منخفضة جداً تقع تحت عتبة السمع الخارجي للمحيطين به، ولكنه يخضع لنفس القوانين والضوابط التي تحكم السلوك اللفظي المنطوق والظاهر (Overt).
عندما يواجه الفرد مسألة معقدة—مثل البحث عن مفتاح مفقود أو حساب فاتورة مشتريات—فإنه يبدأ بسلسلة من السلوكيات اللفظية التفاعلية الذاتية الخفية: يسأل نفسه “أين كنت في آخر مرة استخدمت فيها المفتاح؟”، ويجيب ذاتياً “كنت في المطبخ أحمل الأكياس”، ثم يصدر تعليقاً أوتوكليتياً داخلياً “إذن ربما يكون على الطاولة”، فيذهب ويجده. هذه السلسلة السلوكية الداخلية هي ما نطلق عليه مجازاً “الاستدلال والتذكر وحل المشكلات”، وهي عبارة عن مثيرات لفظية واستجابات وسيطة ينتجها المتحدث لنفسه، وتعمل على توجيه سلوكه الحركي النهائي نحو الحل الناجح.
استثمر سوندبرغ هذا التحليل الوظيفي في ابتكار استراتيجيات تدريبية استثنائية لتعليم الأطفال ذوي صعوبات التعلم والتوحد مهارات التفكير المنطقي وحل المشكلات اليومية. ويتم ذلك من خلال منهجية “التدريب على التفكير بصوت عالٍ” (Overt Thinking Strategy)؛ حيث يتم في البداية تدريب الطفل علانية وبشكل ظاهر على طرح الأسئلة التحليلية لنفسه، وتكرار الاستجابات التفاعلية وتسمية العقبات في الموقف، وبعد أن يتقن هذه السلاسل السلوكية بصوت مرتفع وواضح، يتم تدريجياً خفض نبرة الصوت وتلاشي الدعم اللفظي الخارجي لتتحول هذه السلاسل السلوكية إلى تفكير ذاتي باطن، مما يمنحه الاستقلالية الذهنية ومهارات التكيف مع المواقف غير المتوقعة.
7. التطبيقات الإكلينيكية لاضطراب طيف التوحد والاضطرابات النمائية
7.1 التدخل المبكر القائم على السلوك اللفظي (AVB)
أحدث دمج مبادئ مارك سوندبرغ في برامج التدخل المبكر ثورة حقيقية فيما يُعرف اليوم بـ “التدخل القائم على السلوك اللفظي” (Applied Verbal Behavior – AVB)، وهو فرع متخصص من تحليل السلوك التطبيقي أعاد كتابة قواعد تعليم الأطفال المشخصين بـ اضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder). كان التدخل السلوكي التقليدي يركز على التدريب الصارم داخل غرف مغلقة على الامتثال وتنفيذ الأوامر المجردة، بينما حول سوندبرغ التركيز بالكامل نحو بناء “الحصيلة اللفظية الوظيفية” الحيوية التي تخدم وتلبي احتياجات الطفل في حياته اليومية الملموسة.
تقوم فلسفة AVB التي أرساها سوندبرغ على محاربة التلقين الجاف ورفض الاعتماد على الإرغام أو التكرار الآلي الخالي من المعنى والدافع. فبدلاً من إجبار الطفل على الجلوس لساعات لترديد أسماء كروت مصورة جامدة لا يرغب فيها، يتمحور التدخل القائم على السلوك اللفظي حول توظيف اهتمامات الطفل الطبيعية واقتناص لحظات الدافعية التلقائية. يصبح الهدف الأساسي للجلسات التدريبية الأولى هو “إقران المعالج بالمعززات” (Conditioning and Pairing)، ليتحول المدرب من شخص يفرض الأوامر إلى شريك ممتع ومصدر لجميع الأشياء المرغوبة، مما يخلق لدى الطفل رغبة داخلية جامحة في التواصل اللفظي التلقائي والاقتراب المستمر من بيئة التعلم.
كما يعتمد نموذج AVB على التعليم متعدد المسارات لضمان عدم حدوث تشويه أو اختلال وظيفي في اكتساب المفاهيم؛ فالمفهوم الواحد يُعلَّم بصورة متزامنة ومرنة عبر مختلف العمليات اللفظية. فالطفل يتعلم طلب الشيء (Mand)، وتسميته عند رؤيته (Tact)، والتعرف عليه كاستجابة للمستمع (Listener Responding)، ومطابقته بصرياً مع نماذج شبيهة (MTS)، والتحدث عنه في غيابه (Intraverbal). هذه المقاربة الشاملة تضمن أن تكون اللغة لدى الطفل أداة ديناميكية متكاملة ومرنة تحاكي تماماً التطور اللغوي الطبيعي للأقران العاديين.
7.2 استراتيجيات علاج النكوص اللغوي وتأخر اكتساب الكلام
تعد ظاهرة “النكوص اللغوي” (Verbal Regression)—حيث يكتسب الطفل عدداً من الكلمات في عامه الأول أو الثاني ثم يفقدها بصورة مفاجئة وغامضة مع بداية ظهور أعراض التوحد—واحدة من أكثر الظواهر المؤلمة والمحيرة للأسر والمتخصصين على حد سواء. قدم مارك سوندبرغ في كتاباته الإكلينيكية تحليلاً سلوكياً رصيداً لهذه المشكلة، واضعاً بروتوكولات تدخل فورية تهدف إلى كسر هذا الصمت واستعادة الكلمات المفقودة قبل أن يترسخ الانتكاس وتتلاشى مسارات التواصل نهائياً.
أوضح سوندبرغ أن فقدان الكلمات لا يعني بالضرورة تدميراً كاملاً للخلايا العصبية المسؤولة عن اللغة، بل قد ينجم عن اختلال حاد في منظومة التحكم المثيري وفقدان الارتباط بين العمليات الدافعية والاستجابات الصوتية، مصحوباً بظهور استجابات تجنبية ونمطية تعوق التواصل الاجتماعي. وتعتمد استراتيجية سوندبرغ في إعادة التأهيل على تفكيك المتطلبات اللفظية إلى أجزاء دقيقة، وإعادة ربط الصوت المتبقي لدى الطفل بأقوى المعززات الحسية والبيولوجية المتاحة، والبدء بسلاسل مكثفة وسريعة من التدريب التعزيزي اللحظي لكسر حاجز الخرس الاختياري والصمت المكتسب.
كما ركز سوندبرغ على استخدام تقنية “التشكيل الصوتي التلقائي” (Vocal Shaping) ونقل التحكم من السلوكيات الحركية الترديدية البسيطة لإنقاذ الأطفال الذين يعانون من ضعف المبادأة؛ حيث يتم استثمار الأصوات العشوائية التي يطلقها الطفل خلال اللعب وتعزيزها فورياً بربطها بالأشياء التي يحدق فيها، مما يعيد تشكيل مسار الطلب لديه خطوة بخطوة. ومن خلال توفير بيئات علاجية شديدة الأمان وخالية من المثيرات المنفرة، استطاعت برامج سوندبرغ إعادة تشغيل منظومات السلوك اللفظي المفقودة لمئات الأطفال، معيدة بناء الجسور اللغوية المنهارة بينهم وبين أسرهم ومجتمعاتهم.
7.3 اختيار نمط التواصل البديل والمعزز (AAC) وإشارات الصم
عندما يواجه الطفل عجزاً حركياً نطاقياً حاداً يمنعه من إصدار الأصوات الكلامية الصريحة، يبرز السؤال الميداني الحاسم: “ما هو أفضل نظام تواصل بديل ومعزز (AAC) يجب اختياره لتمكين الطفل من التواصل؟”. أجرى مارك سوندبرغ دراسة مقارنة تاريخية شهيرة، حسمت الكثير من الجدل الأكاديمي الدائر حول المقارنة الإجرائية بين استخدام لغة الإشارة (Sign Language) ونظام تبادل الصور المعزز (PECS: Picture Exchange Communication System).
أكد سوندبرغ أن لغة الإشارة تمثل خياراً سلوكياً وظيفياً متفوقاً من عدة نواحٍ جوهرية على أنظمة تبادل الصور، وأطلق على ذلك ميزة “الاستجابة الحركية الطبوغرافية المستقلة” (Topographically Different Responses). ففي لغة الإشارة، يرتبط كل مفهوم أو طلب بحركة عضلية فريدة وخاصة في اليدين (مثل إشارة “تفاحة” التي تختلف شكلياً وحركياً تماماً عن إشارة “كرة” أو “حليب”)، وهو ما يحاكي تماماً طبيعة الكلام المنطوق الصادر عن الحبال الصوتية. هذا الاختلاف الحركي يسرع الارتباط العصبي والسلوكي المباشر بين الدافعية والاستجابة اللفظية دون الحاجة إلى وساطة مثيرات بصرية مساعدة.
وعلى النقيض من ذلك، فإن نظام تبادل الصور (PECS) يعتمد على استجابة واحدة متطابقة من الناحية الطبوغرافية عبر كافة المفردات (Selection-Based Responding)؛ فالطفل يقوم بنفس الفعل الحركي دائماً: وهو مد اليد، نزع البطاقة الورقية، وإعطاؤها للمدرب، سواء كان المطلوب ماءً، أو طعاماً، أو لعبة. وفضلاً عن ذلك، فإن لغة الإشارة تتميز بأنها “متاحة دائماً” ومحمولة في جسد الفرد ولا يمكن نسيانها أو ضياعها كما يحدث مع الكتب وبطاقات الصور اللوحية، وتسمح بالحديث السريع وتعديل الأوتوكليت وإتقان القواعد اللغوية بسرعة تفوق الصور بكثير.
ومع ذلك، وضع سوندبرغ معايير إكلينيكية مرنة وعادلة؛ فإذا كان الطفل يعاني من مشكلات حركية دقيقة بالغة الصعوبة في أصابع اليدين، أو كانت البيئة الأسرية والمدرسية تفتقر تماماً للقدرة على تعلم لغة الإشارة وفهمها، فإن سوندبرغ ينصح حينها باللجوء المنظم للأنظمة القائمة على الاختيار البصري أو أجهزة توليد الكلام الرقمية (Speech-Generating Devices)، مؤكداً على أن المحلل السلوكي الحكيم هو من يكيف الأداة لتناسب الإمكانيات البيولوجية والبيئية الخاصة بكل متعلم بدلاً من التشبث بنمط واحد جامد.
8. الأبحاث التجريبية والمؤلفات الأكاديمية للدكتور سوندبرغ
8.1 دراساته في التدريس ونقل التحكم في المثيرات
تميزت المسيرة البحثية لمارك سوندبرغ بغزارة الإنتاج العلمي والصرامة التجريبية الفائقة، حيث تركزت جل أبحاثه المنشورة في المجلات العلمية المحكمة على استكشاف الظاهرة السلوكية المعروفة بـ “نقل التحكم في المثيرات” (Stimulus Control Transfer Procedures). كان سوندبرغ مسكوناً بسؤال إجرائي محدد: كيف يمكننا نقل استجابة الطفل اللفظية من موقف تكون فيه خاضعة للمساعدة الترديدية إلى موقف تكون فيه خاضعة حصرياً للمثير التمييزي البصري أو للمتغير الدافعي المجرد دون أي مساعدة خارجية؟
أجرى سوندبرغ سلسلة من التجارب الدقيقة باستخدام تصميمات البحث أحادية الحالة (Single-Subject Experimental Designs)، مثل تصميم الخطوط القاعدية المتعددة (Multiple Baseline Design). وفي هذه الأبحاث، وثق منهجيات مثبتة رياضياً لنقل التحكم؛ مثل إعطاء المساعدات السمعية المؤقتة وإخفائها تدريجياً عبر تقنيات “تأخير الوقت المستمر والمتقدم” (Constant and Progressive Time Delay)، و”التلاشي التنازلي للمساعدات” (Most-to-Least Prompting). أثبتت هذه الدراسات أن إزالة المساعدات بصورة منهجية تمنع نشوء الاتكالية السلوكية، وتجعل الاستجابات مستقرة ودائمة ومقاومة للانطفاء.
كما شملت تجاربه الرائدة فحص الكيفية التي يمكن بها استخدام مهارات التسمية المتطورة لدعم نشوء السلوك اللفظي التفاعلي؛ حيث صمم بروتوكولات تجريبية أظهرت أن تعريض المتعلم لمصفوفة تجمع بين المثيرات اللفظية والمثيرات البصرية المتزامنة، يتيح له دمج الخصائص ونقل التحكم المثيري تدريجياً ليصبح قادراً على تذكر المعلومات والإجابة عن الأسئلة المعقدة بمجرد سماع السؤال اللفظي وبغياب تام للصور والأجسام العينية، وهو ما وفر الأساس المنهجي المعتمد عالمياً في تدريب مهارات التخاطب اليوم.
8.2 الكتب المرجعية المشتركة مع جيمس بارتينغتون ورواد المجال
شهدت تسعينيات القرن العشرين تعاوناً أكاديمياً واستثنائياً بين مارك سوندبرغ وزميله الدكتور جيمس بارتينغتون (James W. Partington)، وهو التعاون الذي تمخض عنه إصدار الكتاب والمرجع التدريبي الأشهر عالمياً في عام 1998: “تقييم مهارات اللغة والتعلم الأساسية” (ABLLS: The Assessment of Basic Language and Learning Skills)، مترافقاً مع كتاب الدليل التدريبي الرائد: “تعليم السلوك اللفظي للأطفال ذوي التوحد أو الاضطرابات النمائية الأخرى” (Teaching Verbal Behavior: An Operant Model of Language Assessment and Intervention).
كان هذا المنجز المشترك بمثابة القنبلة المدوية التي فجرت الاهتمام العالمي بنموذج السلوك اللفظي لسكينر؛ إذ وفر للمعلمين وأولياء الأمور والمحللين السلوكيين أول دليل تطبيقي مكتوب بلغة واضحة وخطوات إجرائية مصورة تفكك المهارات اللفظية خطوة بخطوة. بيّن الكتاب بالتفصيل كيفية تنظيم الجلسات المنزلية والمدرسية، وكيفية حساب معدلات التعزيز، والتقنيات العملية لتدريس الطلب والتسمية والترديد، مما جعل المرجع الأكثر مبيعاً والأسرع انتشاراً في مكتبات ومراكز التربية الخاصة في كافة أرجاء الأرض.
على الرغم من افتراق المسارين المهنيين لاحقاً لسوندبرغ وبارتينغتون—حيث واصل بارتينغتون تحسين مقياسه وتطويره إلى (ABLLS-R)، بينما انطلق سوندبرغ في تطوير مشروعه الأكثر شمولاً وتطوراً المتمثل في مقياس (VB-MAPP)—إلا أن أعمالهما المشتركة التأسيسية تظل حتى اليوم المرجع التاريخي الذي ألهم جيلين متتاليين من الباحثين، وأحدث قطيعة نهائية مع أساليب التدريب السلوكي الجافة والرتيبة، واضعاً الممارسة الإكلينيكية على مسار احترام كرامة الطفل واستثمار دوافعه الذاتية.
8.3 الدراسات التتبعية لتقييم كفاءة التدخلات السلوكية اللفظية
حرص سوندبرغ طوال مسيرته الأكاديمية على ألا تكون أدواته مجرد مصنفات تنظيرية، بل أتبعها بدراسات تتبعية طولية (Longitudinal Studies) واختبارات إمبريقية صارمة هدفت إلى تقييم كفاءة وموثوقية مقياس VB-MAPP وبرامج السلوك اللفظي المشتقة منه. نشر سوندبرغ وفريقه البحثي بيانات تفصيلية تناولت تطور مئات الأطفال الذين خضعوا للتدخل القائم على السلوك اللفظي لفترات امتدت من سنتين إلى خمس سنوات متواصلة.
أظهرت نتائج هذه الدراسات التتبعية انخفاضاً حاداً وذا دلالة إحصائية في الفجوة النمائية بين الأطفال ذوي التوحد وأقرانهم العاديين، ووثقت انتقال أعداد كبيرة من الأطفال من المستوى الأول في مقياس المعالم إلى المستوى الثالث، مما مكنهم من دخول المدارس والدمج في الصفوف العادية دون الحاجة إلى معلمين مساندين بدوام كامل. كما وثقت الأبحاث قدرة المقياس على التنبؤ بمعدلات التقدم المستقبلية، ورصد التغيرات الدقيقة في الحصيلة التواصلية بمرونة تتفوق بمراحل على أدوات التقييم الذكائي والنمائي العامة.
فضلاً عن ذلك، أخضع سوندبرغ أدواته لاختبارات الصدق والثبات الإحصائي (Psychometric Validity and Reliability)؛ حيث أثبتت الدراسات تمتع مقياس VB-MAPP بدرجات عالية جداً من ثبات الاتفاق بين الملاحظين (Inter-observer Agreement)، وصدق المحتوى، والصدق التلازمي مع اختبارات عالمية معتمدة مثل مقياس فاينلاند للسلوك التكيفي (Vineland Adaptive Behavior Scales). رسخت هذه التقييمات العلمية الرصينة مكانة سوندبرغ كمفكر سلوكي يجمع بين عمق الرؤية الفلسفية ودقة المحلل الإمبريقي الذي لا يعتمد سوى على البيانات الرقمية الصريحة.
9. تأسيس وتطوير مجلة تحليل السلوك اللفظي (The Analysis of Verbal Behavior)
9.1 السياق التاريخي لتأسيس المجلة في مطلع الثمانينيات
مع حلول مطلع ثمانينيات القرن العشرين، واجه الباحثون المتخصصون في السلوك اللفظي تحدياً أكاديمياً بالغ القسوة؛ تمثل في صعوبة نشر أبحاثهم وتجاربهم الإكلينيكية في المجلات السيكولوجية واللغوية العامة التي هيمنت عليها الرؤى المعرفية والبنيوية المناهضة للسلوكية. وحتى داخل المجلات السلوكية القائمة—مثل مجلة تحليل السلوك التطبيقي (JABA)—كانت المساحات المخصصة للأبحاث المفاهيمية والتجريبية المعمقة في تفاصيل أطروحة سكينر اللفظية محدودة للغاية ولا تتسع للزخم البحثي المتنامي.
انطلاقاً من هذا الواقع، وبحماس منقطع النظير وإيمان عميق بنظرية سكينر، بادر مارك سوندبرغ في عام 1982 إلى تأسيس دورية أكاديمية متخصصة حملت في بداياتها اسم (Verbal Behavior News)، قبل أن تتحول سريعاً إلى الدورية العالمية المرموقة مجلة تحليل السلوك اللفظي (The Analysis of Verbal Behavior – TAVB). تولى سوندبرغ منصب رئيس التحرير المؤسس للدورية لسنوات عديدة، متحاملاً على نفقته الخاصة وجهوده الذاتية لإصدار أعداد المجلة وتوزيعها على المشتركين، بهدف تأمين منبر حر ومخصص لمناقشة وتطوير وتوثيق هذا العلم الوليد.
واجه سوندبرغ في البدايات تشكيكاً واسعاً من الأوساط العلمية التقليدية التي اعتبرت المجلة محاولة يائسة لإحياء كتاب وُلد ميتاً كما زعم خصوم سكينر. لكن إصرار سوندبرغ وتفانيه حولا المجلة إلى منارة علمية جاذبة، تستقطب كبار الباحثين السلوكيين ممن رأوا في TAVB المساحة الحرة الوحيدة في العالم القادرة على فك شفرات السلوك اللغوي، واختبار العمليات اللفظية تجريبياً، وتوثيق التدخلات العيادية بدقة لا تتوفر في أي وسيلة نشر أخرى آنذاك.
9.2 تحفيز البحث الأكاديمي الرصين في مجالات السلوك اللغوي
لعبت مجلة تحليل السلوك اللفظي تحت قيادة سوندبرغ وإشرافه العلمي دور المحرك الاستراتيجي للبحث الإمبريقي والمفاهيمي في هذا الميدان، حيث وضعت معايير تحكيم غاية في الصرامة العلمية أسهمت في رفع سوية الأبحاث المنشورة. شجع سوندبرغ الباحثين الشباب وطلاب الدراسات العليا على تفكيك المشكلات المعقدة التي طالما واجهت النظرية السلوكية؛ مثل قضايا القواعد النحوية، والرمزية، والتواصل متعدد اللغات، والاستعارات والمجازات اللفظية، وحل المشكلات التجريدية.
أصبحت صفحات الدورية بمثابة المختبر الفكري الذي تبلورت فيه أهم المفاهيم التطبيقية؛ ففيها نُشرت الأوراق التأسيسية لجاك مايكل حول العمليات الدافعية وتأثيرها على السلوك الطلبي (Mand)، وفيها نُشرت الأبحاث المبكرة حول التمايز بين أنظمة التواصل المعزز والبديل، وأبحاث نقل التحكم المثيري، والتحليلات التجريبية للأوتوكليت. تحول هذا التراكم العلمي عبر العقود إلى مكتبة مرجعية شاملة تضم آلاف الأوراق المحكمة التي لا غنى عنها لأي باحث يتصدى لدراسة التواصل الإنساني من منظور وظيفي إجرائي.
فضلاً عن ذلك، حرصت المجلة على فتح باب السجال الفكري والنقدي الرصين مع المدارس اللغوية والنفسية الأخرى، مما أخرج السلوكية من عزلتها التاريخية المفترضة؛ حيث ناقشت الأوراق المنشورة أحدث ما توصلت إليه علوم الأعصاب وعلوم اللسانيات الحاسوبية، محاولة فهم وتفسير تلك الاكتشافات في ضوء قوانين الإشراط الإجرائي، ومؤكدة باستمرار على أن المنهج السلوكي ليس بديلاً فقيراً عن فهم العقل، بل هو التفسير العلمي الأكثر صلابة ومادية للظواهر التواصلية الحية.
9.3 انتقال المجلة إلى مظلة جمعية تحليل السلوك الدولية (ABAI)
تتويجاً لعقود من النجاح والانتشار والتأثير الأكاديمي، وبفضل القاعدة العلمية الصلبة التي بناها مارك سوندبرغ، تم اعتماد مجلة تحليل السلوك اللفظي رسمياً كدورية علمية محكمة تابعة للمنظمة السلوكية الأكبر عالمياً: جمعية تحليل السلوك الدولية (ABAI: Association for Behavior Analysis International). شكل هذا الاعتماد الرسمي اعترافاً دولياً حاسماً بالمكانة الرفيعة التي وصل إليها هذا الحقل المعرفي المتخصص.
فتح هذا الانتقال المؤسسي آفاقاً جديدة للمجلة، حيث أصبحت تصدر وتنشر عالمياً عبر دار النشر الدولية العريقة سبرنجر (Springer)، مما أتاح أعدادها إلكترونياً لملايين الباحثين والمكتبات الجامعية والمستشفيات في كافة قارات العالم، وأدرجها ضمن كبريات قواعد البيانات المفهرسة والمصنفة دولياً مثل (PubMed Central) و(Scopus). أدى ذلك إلى قفزة نوعية في معاملات التأثير والاقتباسات العلمية لأبحاث السلوك اللفظي على النطاق الكوني.
وعلى الرغم من تسليم سوندبرغ راية رئاسة التحرير لرواد وباحثين لاحقين تتلمذوا على يديه، إلا أن بصمته الفكرية وتوجيهاته المنهجية لا تزال حاضرة بقوة في السياسات التحريرية والتطلعات الاستراتيجية للدورية. وتستمر المجلة حتى اليوم كمنصة رائدة تواصل البناء على الإرث النظري والعملي الذي خطه سوندبرغ في مطلع الثمانينيات، حاملة لواء البحث الوظيفي للسلوك البشري إلى آفاق المستقبل المعرفي والتكنولوجي المتسارع.
10. المنهجيات التعليمية وتصميم البيئات التدريبية الفعالة
10.1 التدريب في البيئة الطبيعية (NET) مقابل تدريب المحاولات المنفصلة (DTT)
قدم مارك سوندبرغ إسهاماً منهجياً فارقاً في ضبط وتطوير الاستراتيجيات التعليمية المستخدمة في تحليل السلوك التطبيقي، من خلال صياغة توازن إجرائي مبهر بين منهجين تعليميين رئيسيين: تدريب المحاولات المنفصلة (DTT: Discrete Trial Training) والتدريب في البيئة الطبيعية (NET: Natural Environment Teaching). عانت البرامج السلوكية التقليدية لعقود من الإفراط في استخدام أسلوب المحاولات المنفصلة بطريقة جامدة ورتيبة، حيث يجلس الطفل على طاولة لساعات يكرر الاستجابات بصورة ميكانيكية، مما يؤدي إلى نفوره السلوكي وفشله في تعميم المهارات في حياته الواقعية.
أعاد سوندبرغ الاعتبار لمنهجية التدريب في البيئة الطبيعية (NET)، جاعلاً إياها الركيزة الأهم في تعليم السلوك اللفظي. وتقوم هذه المنهجية على استثمار اهتمامات الطفل ورغباته اللحظية في غرف الألعاب، والحدائق، والأنشطة الأسرية اليومية؛ فإذا كان الطفل متحمساً لركوب الأرجوحة، لا يُطلب منه الجلوس لتسمية بطاقات، بل تُستغل لحظة رغبته الشديدة لتدريبه على طلب “أرجوحة” (Mand)، وتسمية أجزائها (Tact)، والاستجابة للتوجيهات المرحة للمعلم، مما يجعل التعلم متداخلاً بسلاسة لا تنفصل عن اللعب والمرح الطبيعي.
ومع ذلك، لم يرفض سوندبرغ تدريب المحاولات المنفصلة (DTT)، بل حدد وظيفته بدقة؛ فالـ DTT مفيد للغاية لبناء مهارات التمييز المعقدة والمكثفة والترديد الدقيق التي تحتاج إلى عدد كبير من المحاولات السريعة والمضبوطة في بيئة قليلة المشتتات. وضع سوندبرغ نموذجاً علاجياً هجيناً ومرناً؛ يجمع بين كثافة وتكرار المحاولات في DTT لاكتساب المهارة الأولية، وبين نقل المهارة فورياً وتعميمها عبر NET في مواقف حية ومتغيرة. كما طور أسلوب “المحاولات السريعة والمختلطة” (Mixed and Varied Fast-Paced Trials)، الذي يمزج بين المهام السهلة والمتقنة سلفاً والمهام الجديدة المستهدفة لمنع الإحباط والملل السلوكي، مما يضمن بقاء الطفل متيقظاً ومستمتعاً بالعملية التعليمية طوال الوقت.
10.2 تدريس المهارات غير اللفظية الداعمة لاكتساب اللغة
أدرك مارك سوندبرغ بعبقريته الإكلينيكية أن السلوك اللفظي لا ينمو في فراغ، بل يستند على بنية تحتية متينة من المهارات غير اللفظية (Non-verbal Prerequisite Skills) التي تمهد السبيل أمام اكتساب اللغة وتطورها السليم. ولذلك، خصص سوندبرغ في مقياس VB-MAPP وبرامجه التعليمية مساحات واسعة لتقييم وتدريس هذه المهارات المساندة التي بدونها يتعثر أي تدخل تخاطبي.
تأتي مهارات المطابقة مع العينة (Match-to-Sample – MTS) والمهارات البصرية الأدائية في مقدمة هذه الأسس الداعمة؛ حيث يتعلم الطفل مطابقة الأشياء المتماثلة أولاً، ثم مطابقة الأشياء غير المتطابقة بصرياً ولكنها تشترك في السمات المفاهيمية (مثل مطابقة سيارة حقيقية بصورة سيارة مرسومة)، مما يبني القدرة الإدراكية على التمييز البصري الحاسم الذي يُبنى عليه لاحقاً سلوك التسمية (Tact) وسلوك المستمع (Listener Responding).
كما ركز سوندبرغ على مهارات التقليد الحركي (Motor Imitation) بشقيها: الحركات الكبرى (مثل التصفيق والقفز)، والحركات الدقيقة (مثل الإشارة بالأصابع وتحريك الشفاه واللسان)، بوصفها الأساس الضروري للتهيئة للنطق السليم أو لتعلم لغة الإشارة كنمط بديل للتواصل. وإضافة إلى ذلك، أولى سوندبرغ أهمية قصوى لمهارات الانتباه المشترك (Joint Attention) والتآزر الحركي البصري، مؤكداً على أن الطفل الذي لا يستطيع متابعة نظرات المعلم أو النظر إلى ما يشير إليه بيده، لن يتمكن من ربط الكلمات المنطوقة بالمثيرات البيئية، مما يجعل تدريب هذه السلوكيات غير اللفظية شرطاً إلزامياً وأولوية لا تقبل المساومة في أي خطة تدخل ناجحة.
10.3 إدارة وضبط العمليات الدافعية (MO) في الجلسات الفردية
تعد مساهمات مارك سوندبرغ في نقل مفهوم “العمليات الدافعية” (Motivating Operations) من الإطار النظري لجاك مايكل إلى التطبيق الإجرائي العملي في الجلسات الفردية، إحدى أعظم مآثره العلمية. انتقد سوندبرغ بشدة الممارسات التدريبية القديمة التي كانت تفترض أن التعزيز مسألة ثابتة واستاتيكية (مثل تقديم قطعة حلوى بعد كل استجابة صحيحة)، موضحاً أن قيمة أي معزز في الكون تتغير وتتذبذب لحظة بلحظة وفقاً للحالة الدافعية للمتعلم.
درب سوندبرغ المعالجين على التمييز الدقيق بين حالتي: “الحرمان” (Deprivation)، حيث تزداد قيمة المعزز ويزداد معه معدل السلوكيات التي تؤدي إلى تحصيله؛ و”الإشباع” (Satiation)، حيث تنخفض قيمة المعزز إلى الصفر ويفقد قدرته على توجيه السلوك. كما أرسى استراتيجيات استثنائية لاستحداث ما يُعرف بـ العمليات الدافعية المشروطة (Conditioned Motivating Operations – CMOs)، وخاصة العمليات الدافعية الانتقالية (CMO-T)، والتي تعتمد على خلق بيئات ومواقف يحتاج فيها الطفل إلى أداة معينة لإكمال نشاط محبب يمارسه بالفعل (مثال: إعطاء الطفل علبة عصير مغلقة بإحكام دون مصاصة، مما يخلق فوراً دافعية مشروطة حارقة لطلب “المصاصة”).
أكد سوندبرغ على أن المعالج المحترف لا ينتظر ظهور الدافعية بمحض الصدفة، بل يقوم بهندستها وتوليدها بذكاء داخل الجلسة عبر ما أسماه “التقاط وتصنيع لحظات الدافعية” (Capturing and Contriving MOs). من خلال تغيير الأنشطة، وإدخال عناصر تشويق غير متوقعة، والتحكم المنظم في بيئة المعززات، يستطيع المعالج تحويل الجلسة العلاجية إلى سلسلة مستمرة من فرص التدريب الحية التي تنطلق من رغبة الطفل الحقيقية لا من الأوامر القسرية، وهو ما يضمن استمرارية الاستجابة وتثبيت السلوك اللفظي كفعل طوعي وسعيد لدى الطفل.
11. مقارنة إسهامات سوندبرغ مع المدارس اللغوية والنفسية المعاصرة
11.1 سوندبرغ والنموذج المعرفي الفطري: السلوك اللفظي مقابل النحو التوليدي
خاض مارك سوندبرغ سجالاً علمياً وفكرياً ممتداً لعقود دفاعاً عن الرؤية السلوكية في مواجهة هيمنة النموذج المعرفي الفطري الذي أرسى دعائمه اللغوي الشهير نعوم تشومسكي (Noam Chomsky). استند نقد تشومسكي لكتاب سكينر عام 1959 على فكرة مركزية مفادها أن مبادئ التعزيز والإشراط عاجزة بطبيعتها عن تفسير ما أسماه “إبداعية اللغة” (Linguistic Creativity)؛ أي قدرة الطفل على إنتاج وفهم جمل جديدة تماماً لم يسبق له سماعها أو تعزيزها في بيئته، مما دفع تشومسكي لافتراض وجود جهاز دماغي بيولوجي فطري أطلق عليه “جهاز اكتساب اللغة” (Language Acquisition Device – LAD).
تصدى سوندبرغ لهذه الحجة بعشرات الأبحاث التجريبية والأدلة العيادية الدامغة، مبيناً أن النماذج الفطرية لم تقدم دليلاً تشريحياً أو عضوياً واحداً يثبت وجود هذا الجهاز المزعوم، بل قدمت اسماً بديلاً للعجز عن تفسير الظاهرة. وأوضح سوندبرغ أن “الإبداعية اللغوية” تُفسر ببراعة من خلال آليات السلوك الإجرائي ذاتها؛ مثل السلوك الأوتوكليتي، وتعدد التحكم المثيري (Multiple Stimulus Control)، والاشتقاق والتعميم الوظيفي. فالطفل يجمع بين استجابات لفظية مختلفة بناءً على عناصر تمييزية بيئية متزامنة، مما يولد سلاسل وتراكيب جديدة لم تُدرب مباشرة ولكنها نتاج تفاعل عناصر بيئية تم تعزيزها مسبقاً.
أكد سوندبرغ أن افتراض وجود ملكة فطرية للغة كان مسؤولاً تاريخياً عن حرمان آلاف الأطفال ذوي الإعاقات الشديدة من التعليم الفعال؛ حيث كان يُنظر إلى عجزهم عن الكلام كدليل على “تلف أو غياب هذا الجهاز الفطري”، مما يبرر الاستسلام واليأس العلاجي. في المقابل، قدم نموذج سوندبرغ السلوكي رؤية متفائلة وقائمة على الأدلة تثبت أن كل مكونات اللغة قابلة للتعليم والتشكيل إذا ما وفرنا البيئة التدريبية المناسبة ونظمنا التعزيز بصورة صحيحة، مما أحدث قطيعة معرفية مع الفطرية العاجزة ونقل زمام المبادرة للميدان الإكلينيكي المؤثر.
11.2 العلاقة مع نظرية إطار العلاقات (RFT) وتطبيقاتها الحديثة
مع صعود ما يُعرف بالموجة الثالثة في تحليل السلوك وبروز نظرية إطار العلاقات (RFT: Relational Frame Theory) التي طورها ستيفن هايز وديرموت بارنز-هولمز في أواخر تسعينيات القرن العشرين، دخل المجتمع السلوكي في نقاش عميق حول كيفية تفسير اللغة المعقدة والإدراك المتقدم. تفترض RFT أن جوهر اللغة البشرية يكمن في القدرة الفريدة على “الربط العلائقي المشتق عشوائياً” (Arbitrarily Applicable Relational Responding – AARR) دون الحاجة لتدريب مباشر لكل علاقة على حدة.
اتخذ مارك سوندبرغ موقفاً نقدياً رصيناً ومتوازناً تجاه هذه الطروحات الحديثة؛ فعلى الرغم من إقراره بالقيمة النظرية لأبحاث الاستجابة العلائقية المشتقة، إلا أنه أصر على أن نموذج سكينر في “السلوك اللفظي” يظل الإطار الإكلينيكي الأكثر فاعلية وصلابة وأماناً، خاصة عند التعامل مع المراحل النمائية الأولى وتأهيل الأطفال ذوي الإعاقات الشديدة. رأى سوندبرغ أن العمليات اللفظية الأولية (Mand, Tact, Echoic, Intraverbal) توفر وحدات تحليلية واضحة ومباشرة يمكن للمعلمين والأمهات تطبيقها فورياً، بينما تتسم مفاهيم RFT بالتجريد الفلسفي العالي وصعوبة ترجمتها إلى بروتوكولات تدخل يومية بسيطة للأطفال الذين لا يمتلكون حتى مهارات الترديد الأولي.
وفي السنوات الأخيرة، حدث نوع من التقارب والتكامل العملي في الميدان بين مقياس VB-MAPP الذي صممه سوندبرغ والأدوات التقييمية الحديثة المعتمدة على نظرية إطار العلاقات؛ مثل مقياس (PEAK: Promoting the Emergence of Advanced Knowledge) الذي طوره مارك ديكسون. حيث بات العديد من الممارسين والعيادات الدولية يعتمدون على VB-MAPP لتأسيس المهارات اللفظية واللبنات التطورية الأولى (من عمر 0 إلى 4 سنوات نمائية)، ثم الانتقال بسلاسة إلى أدوات RFT لتدريب التفكير العلائقي المجرد وحل المشكلات الاستدلالية المتقدمة، محققين بذلك تكاملاً وظيفياً ثرياً يخدم المصلحة الفضلى للمتعلم.
11.3 التقييم النقدي والمراجعات الأكاديمية لمخرجات سوندبرغ
على الرغم من المكانة الأيقونية التي يتمتع بها مارك سوندبرغ ومقياسه VB-MAPP عالمياً، إلا أن أعماله لم تسلم من المراجعات الأكاديمية والنقاشات التقييمية الصارمة من قبل كبار الباحثين في حقل التربية الخاصة وتحليل السلوك. تركزت أبرز الانتقادات الموجهة لمقياس VB-MAPP حول ثبات بعض البنود عبر الثقافات المختلفة، وجمود بعض المعايير الزمنية التي وضعت استناداً إلى عينات نمائية من البيئة الأمريكية الناطقة باللغة الإنجليزية حصراً، مما يفرض تحديات منهجية عند ترجمة المقياس وتطبيقه في بيئات لغوية مغايرة مثل البيئات العربية أو الآسيوية أو المجتمعات ثنائية اللغة.
كما أشار بعض النقاد إلى أن المقياس يتوقف عند المعالم النمائية المكافئة لعمر 48 شهراً (4 سنوات)، مما يترك فجوة تقييمية للمهارات الأكاديمية والاجتماعية المعقدة التي يحتاجها الأطفال الأكبر سناً، فضلاً عن حاجة بعض بنود تقييم العوائق والحواجز (Barriers) إلى مزيد من التقنين الإحصائي لتقليل التباين الناتج عن التقديرات الشخصية للملاحظين غير المتمرسين. كما يجادل باحثو RFT بأن المقياس يولي اهتماماً زائداً بالتحكم المثيري المباشر ويهمل قياس الاستجابات العلائقية المشتقة التي تبدأ بالظهور التلقائي لدى الأطفال في السنة الثالثة والرابعة من العمر.
واجه سوندبرغ وفريقه هذه المراجعات النقدية بانفتاح علمي ومسؤولية إمبريقية عالية؛ حيث واصل نشر التحديثات والتوضيحات الإرشادية لبروتوكولات التقييم، مشجعاً الباحثين في شتى أنحاء العالم على إجراء دراسات التعريب والتقنين الميداني بما يلائم خصوصيات لغاتهم وثقافاتهم المحلية. وأكد سوندبرغ دائماً على أن الـ VB-MAPP ليس نصاً مقدساً ولا غاية في حد ذاته، بل هو أداة إكلينيكية حية وخارطة طريق استرشادية صُممت لتقبل التطوير والتطويع المستمر، شريطة الالتزام بالمبادئ السلوكية الراديكالية الصارمة التي تكفل بقاء التدخلات مستندة إلى الأدلة والبراهين القوية لا الأهواء والتخمينات.
12. إرث مارك سوندبرغ المستمر وآفاق مستقبل تحليل السلوك اللفظي
12.1 تدريب وتأهيل محللي السلوك المعتمدين (BCBA) دولياً
يمثل الاستثمار في تأهيل وتدريب الكوادر البشرية ونقل الخبرة العلمية للأجيال الصاعدة واحداً من أعظم الإنجازات المستدامة لمارك سوندبرغ. فعلى مدار نصف قرن تقريباً، لم ينعزل سوندبرغ في برجه العاجي كباحث مختبري، بل طاف كافة قارات العالم لتقديم ورش العمل التدريبية والمحاضرات الأكاديمية الماراثونية، مساهماً في صياغة وتطوير مناهج التدريب المعتمدة التي يقدمها مجلس اعتماد محللي السلوك (BACB: Behavior Analyst Certification Board).
أصبح تدريس أطروحة سكينر في السلوك اللفظي—وفق القراءة والمنهجية التحليلية التي وضعها سوندبرغ—شرطاً متطلباً وإلزامياً في كافة برامج الماجستير والدبلومات العليا المعتمدة لتحليل السلوك التطبيقي عالمياً. ولا يمكن اليوم لأي متدرب أن ينال شهادة محلل سلوك معتمد (BCBA) أو مساعد محلل سلوك (BCaBA) دون أن يُظهر استيعاباً كاملاً للعمليات اللفظية الأولية، وآليات تقييم السلوك اللفظي، وتصميم خطط التدخل القائمة على إدارة العمليات الدافعية التي كرس سوندبرغ حياته لتدوينها وتبسيطها.
تخرج من تحت مظلة سوندبرغ الفكرية والعيادية أجيال متعاقبة من كبار الباحثين والممارسين الذين يقودون اليوم أقسام علم النفس ومراكز التدخل المبكر في كبريات الجامعات والمؤسسات العلاجية حول العالم. هؤلاء التلاميذ والمحبون يواصلون نشر تعاليم سوندبرغ الإكلينيكية، محافظين على الشغف المعرفي والصرامة المنهجية التي غرسها فيهم، ومؤكدين على أن الإرث الحقيقي للعالم لا يُقاس بعدد أوراقه المنشورة فحسب، بل بعدد العقول التي أنارها والأيادي التي دربها على تخفيف معاناة البشر.
12.2 التحول الرقمي وأتمتة تقييمات ومناهج VB-MAPP
مع تسارع وتيرة الثورة التكنولوجية في العقدين الأخيرين، أدرك مارك سوندبرغ وفريقه المعاون ضرورة مواكبة العصر ونقل أدواته السلوكية إلى الفضاء الرقمي، لتسهيل وصولها إلى المعلمين والأخصائيين وأولياء الأمور في كل مكان. نتج عن هذه الرؤية المستقبلية تطوير المنصات والتطبيقات الرقمية الرسمية لمقياس VB-MAPP (مثل منصة VB-MAPP App السحابية)، والتي أحدثت نقلة نوعية في أتمتة عمليات التقييم ورصد النتائج.
أتاحت هذه الحلول البرمجية الذكية للممارسين تسجيل بيانات الملاحظة وتوثيق المعالم والعوائق لحظياً عبر الأجهزة اللوحية والهواتف الذكية أثناء جلسات التقييم الميداني، مع توليد رسوم بيانية ملونة ومصفوفات رقمية فورية ودقيقة ترسم منحنيات النمو التطوري للطفل دون الحاجة للأوراق والسجلات اليدوية المعرضة للتلف والخطأ البشري. وفضلاً عن ذلك، وفرت المنصات الرقمية ميزة الربط الخوارزمي المباشر بين نتائج التقييم والأهداف التربوية الفردية المقترحة، مما اختصر مئات الساعات من الجهد الإداري والكتابي الذي كان يستنزف طاقات المعالجين، ليتفرغوا بالكامل للتدخل الإكلينيكي المباشر مع الطفل.
كما ساهم التحول الرقمي في كسر الحدود الجغرافية، حيث أتاح ترجمة بنود المقياس ومواده التدريبية إلى عشرات اللغات العالمية، ومكن فرق العمل الدولية من مشاركة البيانات ومناقشة الحالات المستعصية عن بعد بدقة فائقة. فتح هذا التطور آفاقاً جديدة لأولياء الأمور في المجتمعات النامية والنائية، ممن أصبح بمقدورهم، بإشراف استشاري رقمي عن بُعد، متابعة المسار النمائي لأطفالهم خطوة بخطوة، مما عمم الفائدة الإنسانية لهذه الأداة العبقرية لتصل إلى كل بيت يحتاجها حول العالم.
12.3 الآفاق المستقبلية: السلوك اللفظي في عصر الذكاء الاصطناعي وعلوم الأعصاب
يقف علم السلوك اللفظي اليوم على مشارف مرحلة تاريخية جديدة وتحديات معرفية بالغة الإثارة والتعقيد، بفعل الثورة العاصفة في مجالات الذكاء الاصطناعي (AI)، ونماذج اللغات الكبيرة (LLMs)، وأبحاث معالجة اللغات الطبيعية (NLP)، والتطور الهائل في تقنيات التصوير الدماغي وعلوم الأعصاب الوظيفية (Functional Neuroscience). في هذا المشهد العلمي المتشابك، تبرز النظريات والتصنيفات التي صاغها سوندبرغ كإطار تفسيري ومفاهيمي يمتلك راهنية وقوة غير مسبوقة.
يشهد الحقل العلمي اليوم تقاطعاً مذهلاً بين النماذج اللفظية السلوكية والذكاء الاصطناعي؛ فالطريقة التي تُدرب بها نماذج اللغات الكبيرة عبر “التعلم المعزز بالتغذية الراجعة البشرية” (RLHF: Reinforcement Learning from Human Feedback) ليست في جوهرها سوى محاكاة تقنية مادية لما أسماه سكينر وسوندبرغ بالتحكم الإجرائي وتشكيل الاستجابات اللفظية بفعل التعزيز المجتمعي. بدأت أبحاث سلوكية رائدة تفحص استجابات روبوتات المحادثة الذكية وتصنفها وفق وحدات الطلب والتسمية والسلوك التفاعلي، مستفيدة من صرامة سوندبرغ المنهجية لفهم كيفية تفاعل الآلات الذكية مع البشر.
وعلى صعيد علوم الأعصاب، توفر دراسات الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) دعماً ملموساً لأطروحات سوندبرغ حول استقلال العمليات اللفظية؛ حيث أظهرت الصور العصبية نشاطاً في مسارات دماغية متمايزة عند صدور استجابات الطلب (المرتبطة بمناطق الرغبة والدافعية اللوزية وقشرة الفص الجبهي) مقارنة باستجابات التسمية (المرتبطة بالقشور الحسية والبصرية الصدغية). يؤكد هذا التوافق الإمبريقي العصبي المستجد على أن البصيرة السلوكية لمارك سوندبرغ لم تكن مجرد حيل تدريبية عيادية، بل كانت كشفاً علمياً دقيقاً للقوانين الطبيعية التي تحكم التواصل البشري في أبعاده البيولوجية والسلوكية والاجتماعية المتضافرة، ليظل اسمه علامة مضيئة تشرق في سماء العلوم الإنسانية لأجيال وقرون قادمة.
خاتمة
يمثل المسار الاستثنائي للدكتور مارك سوندبرغ (1950 – الحاضر) ملحمة علمية وإنسانية فريدة؛ قوامها الإخلاص المطلق للحقيقة الإمبريقية، والشغف الدائم بتحسين حياة الفئات الأكثر هشاشة وتحدياً في المجتمع البشري. استطاع سوندبرغ، عبر عقود من العمل الصبور في المختبرات والعيادات، أن ينتشل أطروحة سكينر في السلوك اللفظي من ظلمات التجاهل الأكاديمي، محولاً إياها إلى تيار إكلينيكي وتربوي جارف غيّر المفاهيم العالمية حول طبيعة التواصل واكتساب اللغة لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد والاضطرابات النمائية الشديدة.
من خلال ابتكاره لمقياس VB-MAPP، وتأسيسه لمجلة تحليل السلوك اللفظي، ووضعه لمناهج التدريب في البيئة الطبيعية وضبط العمليات الدافعية، أسس سوندبرغ مدرسة تطبيقية متكاملة الأركان نزعت عن اللغة هالة الميتافيزيقيا والتعقيد المعرفي المبهم، وأعادتها إلى أصلها الطبيعي كسلوك إجرائي حيوي يزدهر ويتطور بالحب والتعزيز والتفاعل البيئي المتناغم. إن أعظم تكريم يحظى به هذا العالم الجليل اليوم ليس فقط في الجوائز الأكاديمية والشهادات التقديرية التي تملأ جدران مكتبه، بل في ملايين الكلمات الصادقة، ونظرات الأمل، والطلبات التلقائية الأولى التي ينطق بها أطفال التوحد في كافة أرجاء الأرض، كاسرين بها جدران الصمت ليشاركوا العالم أفراحهم وآلامهم وأحلامهم الإنسانية النبيلة.
المراجع
- Chomsky, N. (1959). A review of B. F. Skinner’s Verbal Behavior. Language, 35(1), 26–58. https://doi.org/10.2307/411334
- Cooper, J. O., Heron, T. E., & Heward, W. L. (2020). Applied Behavior Analysis (3rd ed.). Pearson.
- Michael, J. (1988). Establishing operations. The Behavior Analyst, 11(1), 3–14. https://doi.org/10.1007/BF03392457
- Michael, J. (1993). Concepts and principles of verbal behavior. The Analysis of Verbal Behavior, 11(1), 9–17. https://doi.org/10.1007/BF03392881
- Skinner, B. F. (1957). Verbal Behavior. Appleton-Century-Crofts.
- Sundberg, M. L. (1983). A program for educating verbal behavior to non-verbal persons. The Analysis of Verbal Behavior, 1(1), 1–6.
- Sundberg, M. L. (2008). Verbal Behavior Milestones Assessment and Placement Program: The VB-MAPP. AVB Press.
- Sundberg, M. L. (2013). Thirty-four years of teaching verbal behavior. The Behavior Analyst, 36(2), 255–269. https://doi.org/10.1007/BF03392314
- Sundberg, M. L., & Michael, J. (2001). The benefits of Skinner’s analysis of verbal behavior for children with autism. Behavior Modification, 25(5), 698–724. https://doi.org/10.1177/0145445501255003
- Sundberg, M. L., & Partington, J. W. (1998). Teaching Verbal Behavior: An operant model of language assessment and intervention. Behavior Analysts, Inc.