السيرة
يمثل مسار تطور علم النفس الاجتماعي في القرن العشرين رحلة شاقة لتحرير الظاهرة الإنسانية من قبضة التفسيرات الميكانيكية السلوكية السطحية، والارتقاء بها إلى مصاف التحليل المعرفي والقيمي المركب. وفي خضم هذه المسيرة العلمية التحولية، برز اسم العالم الأمريكي ذي الأصول البولندية ميلتون روكيتش (Milton Rokeach) بوصفه أحد المعماريين الرواد لإعادة تأسيس سيكولوجيا المعتقدات والقيم الإنسانية. لم يكن روكيتش مجرد باحث تجريبي يجمع البيانات الإحصائية في المختبر، بل كان منظّراً فذاً وفيلسوفاً أخلاقياً استطاع أن يفكك شفرات السلوك البشري عبر النظر إلى ما هو أعمق من الاتجاهات الظاهرة؛ متغلغلاً إلى النواة الصلبة للبناء النفسي الإنساني المتمثلة في منظومة القيم المركزية والمعتقدات الوجودية.
تأتي أهمية أطروحات روكيتش في سياق تاريخي اتسم بالاستقطاب الأيديولوجي الحاد، والحروب العالمية، وصعود الأنظمة الشمولية، وظهور أزمات الهوية المعاصرة. ومن خلال مؤلفاته التأسيسية مثل “العقل المنفتح والعقل المنغلق” (The Open and Closed Mind) عام 1960، و”طبيعة القيم الإنسانية” (The Nature of Human Values) عام 1973، قدم روكيتش نماذج علمية غير مسبوقة مكنت الباحثين من قياس أعمق الموجهات السلوكية للإنسان بدقة سيكومترية بالغة. لقد صاغ أدوات قياس تجريبية، وفي مقدمتها “مقياس روكيتش للقيم” (RVS)، مكنت الأوساط الأكاديمية من فهم كيفية تفاعل الضمير الفردي مع الضغوط الاجتماعية والسياسية، وكيف تتغير قناعات البشر ومواقفهم الأخلاقية تحت وطأة التناقض المعرفي والمواجهة الذاتية.
يقدم هذا المرجع الأكاديمي الشامل استقصاءً نقدياً ومعرفياً معمقاً لحياة ميلتون روكيتش ومسيرته العلمية والفكرية الحافلة، متتبعاً أصول نظرياته في بنية المعتقدات وتدرجها الهرمي، وشارحاً بدقة تفاصيل دراساته الميدانية الشهيرة وتجاربه الإكلينيكية والاجتماعية الفريدة—ولا سيما دراسته المثيرة للجدل حول “مسحاء يبسيلانتي الثلاثة”. كما يناقش المقال تطبيقات نماذجه في فهم الأيديولوجيات السياسية، والتعصب العرقي، والتسويق المعاصر، والتربية، فضلاً عن مقارنة أطروحاته بنظريات القيم الحديثة مثل أعمال شالوم شوارتز وخيرت هوفستيد، وصولاً إلى استشراف راهنية أفكاره في معالجة إشكاليات الاستقطاب الرقمي في عصرنا الراهن.
1. النشأة والسياق التاريخي لميلتون روكيتش (1918 – 1988)
1.1 الجذور المبكرة والتحول الأكاديمي
ولد ميلتون روكيتش في السابع والعشرين من ديسمبر عام 1918 في بلدة هروبيشوف (Hrubieszów) البولندية، لأسرة يهودية متواضعة كانت تعيش في خضم تحولات جيوسياسية عاصفة أعقبت الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطوريات الأوروبية الكبرى. وفي سن السابعة، وتحديداً في عام 1925، هاجرت عائلته إلى الولايات المتحدة الأمريكية بحثاً عن ملاذ آمن واستقرار اقتصادي، واستقرت في حي بروكلين بمدينة نيويورك، وهو الحي الذي كان في ذلك الوقت بوتقة لانصهار موجات المهاجرين الأوروبيين الحاملين لثقافات ولغات وهويات متباينة ومتصارعة أحياناً.
كان لهذه الهجرة المبكرة والانغماس في بيئة بروكلين متعددة الثقافات أثر بالغ في تشكيل الوعي المبكر للطفل ميلتون. لقد اختبر بشكل شخصي ومباشر صدمة التغير الثقافي، والازدواج اللغوي، والضغوط النفسية الناتجة عن محاولة الاندماج في المجتمع الأمريكي مع الحفاظ على الجذور الأصلية. ولدت هذه البيئة الغنية بالتناقضات لديه حساسية فكرية استثنائية تجاه قضايا الهوية، والتسامح، والتعصب الاجتماعي، والمعنى الكامن وراء التباين في النظرة إلى العالم بين الجماعات البشرية المختلفة.
التحق روكيتش بـ كلية بروكلين (Brooklyn College)، التي كانت في ثلاثينيات القرن العشرين مركزاً مشتعلاً للحوارات الفكرية والسياسية بين الطلاب من مختلف المشارب الفكرية والاشتراكية والليبرالية. وهناك، انخرط روكيتش في دراسة علم النفس وعلم الاجتماع، حيث اكتشف شغفه الحقيقي بعلم النفس الاجتماعي بوصفه الجسر المعرفي القادر على تفسير كيف يترجم الأفراد أفكارهم وقيمهم المجردة إلى سلوكيات وتفاعلات اجتماعية واقعية. حصل على درجة البكالوريوس بمرتبة الشرف، مما مهد طريقه لمتابعة دراساته العليا في واحدة من أكثر الفترات التاريخية حراجة.
انتقل روكيتش إلى الساحل الغربي ليلتحق بـ جامعة كاليفورنيا في بيركلي (UC Berkeley)، وهي المؤسسة التي كانت تحتضن حينها ثورة فكرية حقيقية في علم النفس. وفي بيركلي، حظي بفرصة استثنائية للتعلم والبحث تحت إشراف قامات علمية بارزة مثل إدوارد تولمان (Edward C. Tolman)، الذي كان يدمج السلوكية بالمعرفية، وإيجون برونسويك (Egon Brunswik)، ونيفيت سانفورد (Nevitt Sanford). وخلال تلك الفترة، كانت بيركلي مسرحاً لأبحاث رائدة حول الشخصية الفاشية والتعصب، وهو المشروع الضخم الذي قاده تيودور أدورنو ومساعدوه وأنتج كتاب “الشخصية السلطوية” (The Authoritarian Personality).
حصل روكيتش على درجة الدكتوراه عام 1947، وكانت أطروحته تعالج بنية الفكر التصلبي وعلاقته بالتعصب العرقي والسياسي. تأثرت اهتماماته البحثية تأثراً عميقاً بالسياق الجيوسياسي لما بعد الحرب العالمية الثانية، ومأساة الهولوكوست، وصعود الحرب الباردة، مما جعله يدرك أن دراسة الدوغماتية، والجمود العقلي، والتعصب، ليست مجرد ترف أكاديمي، بل ضرورة إنسانية ملحة لفهم سيكولوجيا التطرف وتجنب الكوارث المجتمعية في المستقبل.
1.2 المسيرة المهنية والمناصب الأكاديمية
عقب نيله درجة الدكتوراه، بدأ ميلتون روكيتش مسيرته المهنية الحافلة، فالتحق في عام 1947 بهيئة التدريس في جامعة ولاية ميشيغان (Michigan State University)، حيث ترقى في الرتب الأكاديمية حتى نال درجة الأستاذية الكاملة في علم النفس. أمضى روكيتش أكثر من عقدين في ميشيغان، محولاً قسم علم النفس فيها إلى خلية نحل بحثية، حيث أسس مختبرات متطورة لدراسة الاتجاهات والقيم، وأجرى فيها أبرز تجاربه الرائدة حول الجمود الفكري، والتنافر المعرفي، والأنساق العقائدية.
شهدت مرحلة جامعة ولاية ميشيغان ذروة إنتاجه العلمي التأسيسي؛ ففيها ألف كتابه المفصلي “العقل المنفتح والعقل المنغلق” (1960)، الذي بسط فيه نظريته عن الدوغماتية. كما قاد خلال هذه الفترة تجاربه الإكلينيكية الشهيرة وغير المسبوقة في مستشفى يبسيلانتي الحكومي للأمراض العقلية، والتي تمخض عنها كتابه الذائع الصيت “مسحاء يبسيلانتي الثلاثة” (The Three Christs of Ypsilanti) عام 1964. كانت هذه الأبحاث تتميز بالجرأة المنهجية والمحاولة الدؤوبة لربط النظريات السيكولوجية التجريدية بالظواهر السلوكية العيادية والميدانية المباشرة.
في عام 1970، انتقل روكيتش إلى جامعة ولاية واشنطن (Washington State University)، حيث شغل منصب أستاذ كرسي في علم النفس والاتصال الجماهيري. فتح هذا الانتقال أفقاً بحثياً جديداً في مسيرته؛ حيث ركز بشكل مكثف على التطبيقات الواسعة لمنظومات القيم في سياق المجتمع الأمريكي، واستكشف دور وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري في تغيير التوجهات القيمية والسلوكية للأفراد، وهو ما تجلى بوضوح في كتابه العمدة “طبيعة القيم الإنسانية” الصادر عام 1973، والذي وضع المعايير الحديثة لقياس القيم عبر استبيان روكيتش الشهير.
خلال مسيرته الممتدة، نال روكيتش اعترافاً أكاديمياً واسع النطاق، وحصل على العديد من الجوائز المرموقة، من بينها زمالة مركز الدراسات المتقدمة في العلوم السلوكية في جامعة ستانفورد (Center for Advanced Study in the Behavioral Sciences)، وتكريمات بارزة من جمعية علم النفس الأمريكية (APA)، وخاصة الجمعية لدراسة القضايا الاجتماعية النفسية (SPSSI)، التي منحته جائزة كورت ليفين التذكارية (Kurt Lewin Memorial Award) تقديراً لمساهماته الرائدة في توظيف البحث النفسي لحل المشكلات الاجتماعية الملحة.
تميزت علاقاته الفكرية بالانفتاح والتلاقح مع كبار علماء عصره؛ فقد حاور وناقش أفكار رواد علم النفس الاجتماعي والمعرفي مثل ليون فستنجر (Leon Festinger)، وكورت ليفين (Kurt Lewin)، وغوردون ألبورت (Gordon Allport). وعلى الرغم من ارتباطه بمدرسة علم النفس المعرفي الاجتماعي الصاعدة، إلا أنه ظل محتفظاً برؤية متكاملة تدمج بين التفسير المعرفي العقلاني والدوافع الدينامية العميقة المتجذرة في نظريات التحليل النفسي الكلاسيكية، مما جعل مشروعه الفكري نسيجاً فريداً من نوعه حتى رحيله عام 1988.
2. الإطار المفاهيمي العام لنظرية المعتقدات والقيم عند روكيتش
2.1 البنية الهرمية للمنظومة الإدراكية
صاغ ميلتون روكيتش نموذجاً نظرياً متقدماً لتفسير البناء الداخلي للإدراك الإنساني، معتبراً أن العقل البشري ليس ركاماً عشوائياً من الآراء والمواقف، بل هو منظومة معرفية ذات بنية هرمية محكمة، تتدرج فيها العناصر من السطحي المؤقت إلى العميق المستقر. وفي هذا الإطار الهرمي، تتوزع المنظومة الإدراكية عبر ثلاثة مستويات متمايزة وظيفياً ومفاهيمياً: المعتقدات (Beliefs)، الاتجاهات (Attitudes)، والقيم (Values).
تحتل المعتقدات قاعدة هذا الهرم؛ وهي تمثل أصغر وأبسط الوحدات المعرفية التي يعتنقها الفرد حول حقيقة العالم والذات والآخرين. يعرف روكيتش المعتقد بأنه أي افتراض معرفي بسيط، واعٍ أو غير واعٍ، يصدره الفرد حول ما هو كائن، أو ما هو صواب، أو ما هو مرغوب فيه. تتميز المعتقدات بكثرتها العددية وتنوعها الشديد وقابليتها للتبدل السريع مقارنة بالمستويات الأعلى؛ إذ إن الإنسان قد يمتلك عشرات الآلاف من المعتقدات المتراكمة عبر خبراته اليومية، مثل اعتقاده بأن “التدخين ضار بالصحة” أو “الطقس ماطر اليوم”.
في المستوى الوسيط من الهرم المعرفي، تتموضع الاتجاهات النفسية. لا يعتبر روكيتش الاتجاه مفهوماً مستقلاً بذاته، بل يراه تنظيماً مركباً يضم مجموعة من المعتقدات المترابطة التي تتبلور وتتمركز حول موضوع أو موقف أو كائن اجتماعي محدد (كالنزعة الدينية، أو الاتجاه نحو سياسة حكومية معينة). الاتجاه النفسي يتسم بنوع من الديمومة النسبية ويوجه الفرد للاستجابة بشكل إيجابي أو سلبي وتفضيلي، لكنه يظل مشروطاً بالموضوع الخارجي ومقيداً بسياقه الخاص، ويمتلك الفرد مئات الاتجاهات في حياته.
أما قمة الهرم الإدراكي، فتحتلها القيم الإنسانية؛ وهي أندر العناصر المعرفية عدداً وأعمقها استقراراً، إذ يقدر روكيتش أن الإنسان الراشد يمتلك بضع عشرات من القيم المركزية فقط. تمثل القيم معايير فوقية ومبادئ توجيهية شاملة وعابرة للمواقف والموضوعات الخاصة؛ فهي تتجاوز السياقات الآنية لترسم غايات الوجود الإنساني وأنماط السلوك الفضلى. تعمل القيم كمعايير حاكمة لتوليد الاتجاهات وتنظيم المعتقدات القاعدية، وتشكل النواة الصلبة للهوية الذاتية للإنسان.
وتتسم هذه المنظومة الهرمية بآلية تفاعلية دينامية ودائرية؛ فالتغيير في قاعدة المعتقدات البسيطة نادراً ما يهز البناء النفسي ككل، لكن أي تصدع أو تعديل يطرأ على قيمة مركزية في قمة الهرم يرسل موجات صدمية وتغذية راجعة حتمية تعيد هيكلة الاتجاهات المرتبطة بها وتعدل آلاف المعتقدات المتفرعة عنها. وبالمثل، فإن تراكم التناقضات المعرفية الحادة في مستوى المعتقدات والاتجاهات قد يفرض ضغطاً تكيفياً تصاعدياً يجبر الفرد في نهاية المطاف على إعادة تقييم أولوياته وقيمه المركزية العليا لاستعادة الاتساق النفسي.
2.2 طبيعة القيم الإنسانية وخصائصها البنيوية
قدم ميلتون روكيتش تعريفاً كلاسيكياً صارماً للقيمة، ما زال يمثل حجر الزاوية في علم النفس الاجتماعي المعاصر؛ حيث يعرف القيمة بأنها:
“معتقد دائم بأن نمطاً محدداً من السلوك أو غاية نهائية من غايات الوجود هو أفضل شخصياً أو اجتماعياً من نمط سلوك مقابل أو غاية نهائية مضادة.”
ينطوي هذا التعريف الإجرائي والدقيق على خصائص بنيوية جوهرية تميز نظرية روكيتش عن غيرها من النظريات النفسية والسوسيولوجية. أولى هذه الخصائص هي الاستقرار النسبي والقابلية للتعديل. فالقيم لا تتغير بسهولة أو تحت وطأة المزاج اليومي المتقلب؛ إنها تتمتع بثبات زمني ملموس يوفر للشخصية الإنسانية اتساقها واستمراريتها التاريخية عبر الزمن. ومع ذلك، فإن هذا الاستقرار ليس جموداً أبدياً؛ فالقيم تظل قابلة للتعديل والتحول تحت تأثير الصدمات الحياتية الكبرى، والتحولات الاجتماعية الجذرية، والخبرات التعليمية العميقة، وحالات التنافر المعرفي الحاد التي تدفع الفرد لمراجعة حساباته الوجودية.
تؤدي المنظومة القيمية بحسب روكيتش ثلاث وظائف نفسية أساسية لا غنى عنها لتكيف الكائن البشري واستقراره الداخلي:
- وظيفة الدفاع عن الأنا (Ego-Defensive Function): حيث تتيح القيم للفرد الحفاظ على احترامه لذاته، وتبرير أفعاله وتطلعاته، وحماية نفسه من مشاعر الذنب والقلق الوجودي عبر عقلنة السلوكيات في إطار منظومة أخلاقية معترف بها ومبررة داخلياً.
- وظيفة التوجيه الذاتي (Self-Directive Function): حيث تعمل القيم كبوصلة إدراكية حيوية توجه عملية اتخاذ القرارات، وتحدد مسارات الأهداف طويلة المدى، وتعين الفرد على المفاضلة بين البدائل المعقدة في المواقف الحياتية المتأزمة.
- وظيفة التكيف والاندماج الاجتماعي (Social Integration Function): إذ تسمح القيم للفرد بمواءمة ذاته مع المعايير الأخلاقية للجماعة، وتسهيل التواصل الإنساني، والحكم على أفعال الآخرين وسلوكياتهم، مما يضمن التماسك والضبط الاجتماعي المشترك.
ويشدد روكيتش على التمايز الحاسم بين مفهوم “القيمة” ومفهوم “الحاجة الغريزية” أو “الدافع البيولوجي”. فالدافع البيولوجي كالجوع أو العطش هو استجابة فسيولوجية غريزية ملحة ومشتركة بين الإنسان والحيوان لا تتطلب بالضرورة وسائط فكرية أو أخلاقية. أما القيمة، فهي نتاج للتمثيل المعرفي والاجتماعي الراقي لتلك الحاجات؛ إنها تحويل الحاجات والدوافع الخام إلى معايير أخلاقية ومطالب معرفية واعية مقبولة اجتماعياً وذاتياً. فالإنسان قد يضحي بحاجته الفسيولوجية للبقاء (كالإضراب عن الطعام أو التضحية في الحرب) التزاماً بقيمة عليا كالعدالة أو الشرف أو الحرية، وهو ما يبرهن على أن القيم ليست مجرد انعكاسات ميكانيكية للبيولوجيا، بل هي بنى معرفية متسامية تمارس سلطتها على الغرائز نفسها.
3. مقياس روكيتش للقيم (Rokeach Value Survey – RVS)
3.1 تصنيف القيم: القيم الغائية (Terminal Values)
انطلاقاً من تعريفه البنيوي للقيم، ابتكر روكيتش أداة سيكومترية ثورية عرفت باسم مقياس روكيتش للقيم (Rokeach Value Survey – RVS). وقد قام هذا المقياس على تقسيم ثنائي جوهري للقيم الإنسانية إلى فئتين مستقلتين ومتكاملتين: القيم الغائية والقيم الوسيلية. تشير القيم الغائية (Terminal Values) إلى تلك الغايات الوجودية الكبرى، والأهداف النهائية المشتهدة التي يسعى الإنسان لتحقيقها في رحلة حياته بوصفها غايات في حد ذاتها وليست وسائل لتحقيق شيء آخر.
تضم قائمة القيم الغائية 18 قيمة مركزية صاغها روكيتش بعد دراسات مسحية واستقرائية مكثفة للثقافة الغربية والأدبيات الفلسفية والدينية وعلم النفس، وتشمل هذه القائمة الحصرية:
- عالم يسوده السلام (A world at peace) – خالٍ من الحروب والصراعات.
- الأمن القومي (National security) – حماية الوطن من أي عدوان خارجي.
- الحرية (Freedom) – الاستقلال وحرية الاختيار.
- المساواة (Equality) – تكافؤ الفرص والعدالة للجميع.
- احترام الذات (Self-respect) – الشعور بالفخر والرضا عن النفس.
- السعادة (Happiness) – الرضا النفسي وراحة البال.
- الحكمة (Wisdom) – الفهم العميق والناضج للحياة.
- الخلاص الروحي (Salvation) – نجاة الروح والحياة الأبدية المطمئنة.
- الحب الناضج (Mature love) – التقارب الروحي والجسدي العميق.
- الأمن العائلي (Family security) – العناية بالأحباء وتأمين سلامتهم.
- حياة مثيرة وممتعة (An exciting life) – حياة مليئة بالنشاط والحيوية والتجارب.
- الشعور بالإنجاز (A sense of accomplishment) – تقديم إسهام دائم ذي قيمة.
- عالم من الجمال (A world of beauty) – تذوق جمال الطبيعة والفنون.
- السلام الداخلي (Inner harmony) – التحرر من الصراعات والاضطرابات الباطنية.
- الاعتراف الاجتماعي (Social recognition) – حيازة الاحترام والتقدير من الآخرين.
- الصداقة الحقيقية (True friendship) – الرفقة الوثيقة والمخلصة.
- المتعة (Pleasure) – حياة ممتعة ومريحة وخالية من الألم.
- حياة مريحة (A comfortable life) – الوفرة المادية والرفاه الاقتصادي.
يميز روكيتش داخل هذه المنظومة الغائية بين نوعين من الغايات: الغايات الفردية أو الذاتية (Personal Values)، مثل السلام الداخلي، والسعادة، واحترام الذات، والتي تركز على الرفاه النفسي والروحي للشخص نفسه؛ والغايات الجمعية أو الاجتماعية (Social Values)، مثل السلام العالمي، والمساواة، والأمن القومي، التي توجه اهتمام الفرد نحو رفاهية الجماعة والمجتمع بأسره. وتعتبر الطريقة التي يوازن بها الأفراد بين هذين القطبين الغائيين انعكاساً دقيقاً لتركيبتهم النفسية وتوجهاتهم الأيديولوجية؛ فالأفراد الذين يقدمون الغايات الاجتماعية يميلون في الغالب إلى الإيثار والنشاط المدني، بينما يعكس تفضيل الغايات الفردية نزوعاً نحو التركيز على تحقيق التوازن الروحي والنجاح الشخصي المستقل.
تتم عملية قياس القيم الغائية في المقياس ليس عبر تقييم كل قيمة على حدة، بل عبر إلزام المفحوص بترتيب هذه القيم الـ 18 وفقاً لأهميتها النسبية بالنسبة له بوصفها مبادئ موجهة لحياته، من الأكثر أهمية (المرتبة 1) إلى الأقل أهمية (المرتبة 18). هذا الإلزام بالترتيب الرتبي يعكس الافتراض النظري الأساسي لروكيتش بأن السلوك الإنساني محكوم بـ تراتبية الأولويات (Value Priorities)؛ فالأزمة النفسية والأخلاقية لا تنشأ من غياب القيمة، بل من صراع الأولويات حين تتصادم قيمتان إيجابيتان كالحرية والمساواة في موقف سلوكي حرج.
3.2 تصنيف القيم: القيم الوسيلية (Instrumental Values)
تمثل الفئة الثانية في مقياس روكيتش القيم الوسيلية (Instrumental Values)، وهي تدل على الأنماط السلوكية التفضيلية، أو الوسائل الإجرائية والوسائط الأخلاقية التي يتبناها الفرد ويعتمدها في ممارساته اليومية كوسيلة لتحقيق الغايات النهائية والوجودية التي يطمح إليها. فالقيمة الوسيلية هي معيار للسلوك الفعلي القويم الذي يجب أن يتحلى به الفرد في مواجهة تحديات الواقع.
وضع روكيتش في هذا القسم أيضاً 18 قيمة وسيلية تتطابق وتتوازن مع قائمة القيم الغائية، وهي كالتالي:
- الطموح (Ambitious) – العمل الدؤوب والدافعية العالية للنجاح.
- سعة الأفق (Broadminded) – الانفتاح العقلي وتقبل الآراء المتباينة.
- الكفاءة (Capable) – الفاعلية والمهارة والإتقان في الأداء.
- المرح والبهجة (Cheerful) – التفاؤل وخفة الظل وإسعاد الآخرين.
- النظافة (Clean) – الترتيب والنقاء والمظهر المهندم.
- الشجاعة (Courageous) – الثبات والوقوف بحزم للدفاع عن المعتقدات.
- المغفرة والتسامح (Forgiving) – الصفح عن الآخرين والاستعداد لتجاوز الإساءة.
- المساعدة والعون (Helpful) – العمل على تعزيز رفاهية الآخرين والإيثار.
- الأمانة والصدق (Honest) – النزاهة والإخلاص وقول الحقيقة.
- الخيال والابتكار (Imaginative) – الجرأة الإبداعية والقدرة على التفكير الابتكاري.
- الاستقلالية (Independent) – الاعتماد على النفس والثقة في الاختيارات الذاتية.
- الفكر والذكاء (Intellectual) – التفكير التأملي والنزوع نحو المعرفة والتعلم.
- المنطقية (Logical) – الاحتكام إلى العقل والبرهان الموضوعي والاتساق.
- المودة والعاطفة (Loving) – الرقة والتعاطف والتعبير الصادق عن الدفء الإنساني.
- الطاعة والامتثال (Obedient) – احترام الواجب والامتثال للقواعد والمسؤولين.
- التهذيب واللباقة (Polite) – اللياقة وحسن المعاشرة ومراعاة مشاعر الغير.
- المسؤولية (Responsible) – الالتزام بالأمانة والوفاء بالتعهدات بثقة.
- ضبط الذات (Self-controlled) – ممارسة الانضباط ومقاومة الاندفاعات والشهوات.
قام روكيتش بتشريح بنيوي إضافي للقيم الوسيلية، فقسمها إلى نمطين فرعيين هامين: القيم الأخلاقية (Moral Values) وقيم الكفاءة أو القدرة الذاتية (Competence Values). القيم الأخلاقية تشمل سمات سلوكية ذات بعد بين-شخصي يرتبط بالآخرين مباشرة وبمفاهيم الضمير، مثل الصدق، والمغفرة، والمساعدة؛ حيث يولد انتهاك هذه القيم مشاعر وخز الضمير والذنب الأخلاقي. في المقابل، تركز قيم الكفاءة على الخصائص الفردية الذاتية التي تمكن الشخص من الإنجاز والتميز الشخصي، مثل المنطقية، والكفاءة، والخيال، والطموح؛ وانتهاك هذه القيم يولد مشاعر الخجل، أو تدني احترام الذات، أو العجز الشخصي بدلاً من الذنب الأخلاقي.
يتجلى التفاعل الديناميكي المثير بين القيم الوسيلية والغايات النهائية في أوقات الأزمات الكبرى وصنع القرارات المصيرية. إن الغايات الغائية هي التي تمنح المعنى والاتجاه للسلوك، ولكن القيم الوسيلية هي التي تحدد وتلجم الكيفية التي سيصل بها الفرد إلى أهدافه؛ إذ تكشف الأبحاث أن الأفراد ذوي التوجه الأخلاقي الصارم قد يرفضون تحقيق غاية نبيلة (كالخلاص أو النجاح) إذا كانت الوسيلة المتبعة تنتهك قيماً وسيلية جوهرية كالأمانة والنزاهة، في حين أن الشخصية النفعية أو المكيافيلية قد تضحي بالقيم الوسيلية للوصول إلى الغايات المنشودة بأي ثمن.
3.3 الخصائص السيكومترية والموثوقية المنهجية للمقياس
أثار تصميم مقياس روكيتش للقيم (RVS) نقاشات سيكومترية واسعة وعميقة في أروقة القياس النفسي. اعتمد روكيتش عمداً طريقة الترتيب الرتبي الإجباري (Rank-ordering methodology)، رافضاً استخدام مقاييس التدريج المألوفة مثل مقياس ليكرت (Likert-type rating scales). واستند في تبريره المنهجي لهذا الخيار إلى أن مقاييس التقييم المستقل (كأن يعطي المفحوص درجة من 1 إلى 5 لكل قيمة) تعاني من ظاهرة التضخم المصطنع لدرجات الأهمية، حيث يميل معظم البشر، تحت تأثير الرغبة في الظهور بمظهر أخلاقي ونبيل، إلى تقييم كل القيم الإيجابية بأنها “مهمة جداً”، مما يلغي التباين الداخلي. ورأى روكيتش أن الطبيعة الحقيقية للحياة الأخلاقية تكمن في “المفاضلة والتنازلات” (Trade-offs)، وهو ما يفرضه الترتيب الرتبي بدقة فائقة.
خضع المقياس لاختبارات تجريبية صارمة لتقييم معاملات الصدق والثبات وإعادة الاختبار (Test-retest reliability). وأظهرت الدراسات التتبعية التي أجراها روكيتش وباحثون لاحقون استقراراً وثباتاً عالياً للترتيب القيمي عبر فترات زمنية متباعدة تراوحت من عدة أسابيع إلى شهور وسنوات، حيث تراوحت معاملات الارتباط للقيم الغائية عادة بين 0.70 و 0.80، في حين كانت القيم الوسيلية أقل ثباتاً بقليل (بين 0.60 و 0.72)، وهي نتيجة منطقية نظراً لأن الوسائل السلوكية أكثر تأثراً بالسياقات البيئية والمواقف الحياتية مقارنة بالغايات الوجودية الكبرى المستقرة في عمق الشخصية.
على الرغم من النجاح الواسع للمقياس واستخدامه في مئات الدراسات عبر مختلف القارات والثقافات، إلا أنه واجه بعض التحديات التقنية والإحصائية الحادة. وأبرز هذه الإشكاليات هو أن البيانات الناتجة عن الترتيب الرتبي هي بيانات تراتبية قسرية متلازمة (Ipsative data)، وليست بيانات معيارية حرة (Normative data)؛ فإعطاء قيمة ما المرتبة الأولى يعني بالضرورة إزاحة قيمة أخرى نحو مرتبة أدنى، مما يولد ارتباطاً داخلياً سلبياً زائفاً بين المتغيرات يمنع الباحثين من تطبيق بعض الأساليب الإحصائية البارامترية المتقدمة مثل التحليل العاملي الكلاسيكي (Factor Analysis) دون تعديلات وتحويلات رياضية معقدة للغاية.
دفعت هذه المعضلات التقنية الأجيال اللاحقة من علماء القياس النفسي إلى تطوير نسخ معدلة من مقياس روكيتش. فقد قام بعض الباحثين بتحويله إلى صيغ تقييمية تدمج بين التقدير الكمي والترتيب الرتبي، أو تقليص عدد القيم في نسخ مختصرة لتلائم الأطفال والمراهقين والأقليات الثقافية. ومع ذلك، لا يزال المقياس الأصلي لروكيتش يُدرس ويُطبق في العلوم الإنسانية كأحد أذكى وأبسط النماذج التي نجحت في تكميم ما هو غير مادي وأخلاقي في النفس الإنسانية دون تفريغه من معناه الفلسفي العميق.
4. نظرية العقل المنفتح والعقل المنغلق (The Open and Closed Mind)
4.1 مفهوم الدوغماتية والجمود العقلي
قبل أن يتبلور مشروعه الكامل حول القيم، أرسى ميلتون روكيتش مجداً علمياً باذخاً في عام 1960 من خلال نشر كتابه المرجعي “العقل المنفتح والعقل المنغلق” (The Open and Closed Mind). كان هذا العمل بمثابة ثورة تصحيحية في دراسة الاستبداد والتعصب العقلي؛ حيث جاء روكيتش ليتجاوز القصور الجوهري الذي شاب دراسات “الشخصية السلطوية” الشهيرة لتيودور أدورنو وزملائه. كان أدورنو وفريقه قد طوروا مقياس “F” (California F-scale) لقياس النزعة الفاشية والسلطوية، لكن هذا المقياس ربط التعصب ارتباطاً عضوياً بأيديولوجيات اليمين السياسي المتطرف دون سواه، مهملاً إمكانية وجود تعصب مماثل لدى التيارات اليسارية الراديكالية أو حتى في الميادين الفلسفية والدينية غير السياسية.
رفض روكيتش هذا الخلط وقدم تعريفه الرائد لـ الدوغماتية (Dogmatism) بوصفها: نمطاً تنظيمياً معرفياً كلياً مغلقاً للمعتقدات، يعمل كبنية دفاعية ضد القلق الوجودي والتهديدات النفسية. والنقطة الجوهرية في نظرية روكيتش هي الفصل المنهجي الصارم بين “محتوى الأيديولوجيا” و”بنيتها الإدراكية المعرفية”. فالدوغماتية لا تتعلق بماذا يعتقد الفرد (سواء كان شيوعياً، رأسمالياً، أصولياً دينياً، أو ملحداً)، بل تتعلق بـ كيف يفكر الفرد وكيف ينظم معتقداته ومعلوماته، وكيف يتعامل مع الرأي المخالف.
تقوم البنية المعرفية للعقل المنغلق على الانفصال القطعي بين منظومتين داخليتين:
- منظومة المعتقدات المقبولة (Belief System): وهي مجموع الأفكار والمقولات والنصوص التي يتبناها الفرد ويعتبرها الحقيقة المطلقة والنقية التي لا يأتيها الباطل.
- منظومة المعتقدات المرفوضة (Disbelief System): وتضم كافة النظم الفكرية المعارضة، والتي ينظر إليها الفرد نظرة احتقار وتبخيس كلي دون أدنى تفكيك تحليلي.
وفي الشخصية الدوغماتية، تكون المسافة الإدراكية بين هاتين المنظومتين هائلة ومطلقة؛ حيث يسود عجز بنيوي عن إيجاد أية نقاط تلاقٍ، وتُرفض الأفكار المغايرة جملة وتفصيلاً ككتلة صماء، كآلية لحماية البنية النفسية الهشة للفرد المنغلق من التشتت والاضطراب.
لتجسيد هذا الطرح النظري إمبريقياً، طور روكيتش مقياس الدوغماتية (Dogmatism Scale – Form E). صُمم هذا المقياس بعبارات حيادية أيديولوجياً وخالية من المصطلحات السياسية الفجة لكي يتمكن من قياس النزوع نحو الاستبداد الفكري والجمود الذهني سواء وُجد لدى اليمين أو اليسار أو في الجماعات الدينية والعلمية. ركز المقياس على قياس مدى تقديس السلطة، وتصلب الإدراك، والاستقطاب الثنائي، والعجز عن تقبل التسامح، مقدماً بديلاً علمياً رصيناً ومتحرراً أيديولوجياً لمقياس F الفاشي الكلاسيكي.
4.2 سمات المنظومة الذهنية المغلقة
حدد روكيتش ملامح المنظومة الإدراكية المغلقة بسلسلة متكاملة من الخصائص السيكولوجية والمعرفية المترابطة التي تشكل ما يمكن تسميته “بالبروفايل السيكولوجي” للإنسان الدوغماتي. في مقدمة هذه السمات تأتي التبعية المفرطة للسلطة الخارجية المطلقة (Subservience to Authority)؛ فالعقل المنغلق لا يقبل الأفكار بناءً على اتساقها الذاتي أو برهانها المنطقي الداخلي، بل بناءً على مكانة ومرجعية الشخص أو المؤسسة التي أطلقتها، سواء كان هذا المصدر زعيماً سياسياً كاريزماتياً، أو نصاً مقدساً مؤولاً بصورة قطعية، أو حزباً شمولياً. تصبح سلطة المصدر معياراً أوحد للحقيقة، وأي نقد يوجه إلى المصدر يختبره الفرد كتهديد مباشر لأمنه النفسي ووجوده الشخصي.
السمة البنيوية الثانية هي الإدراك الثنائي التبسيطي الصارم (Black-and-White Thinking)؛ إذ يفتقر العقل الدوغماتي إلى ما يسميه علماء النفس “التعقيد المعرفي” (Cognitive Complexity). يرى هذا العقل العالم مقسماً تقسيماً مانوياً قاطعاً لا يحتمل التدرج: حق مطلق في مواجهة باطل مطلق، خير نقي ضد شر مستطير، “نحن” الأخيار في مجابهة “هم” الأعداء. تختفي في هذه البنية المناطق الرمادية، وتلغى الفروق الفردية الدقيقة، مما يؤدي إلى صياغة أحكام تعميمية نمطية جافة على كل من يخرج عن دائرة المعتقد المعتمد.
ويرتبط بذلك تشوه إدراكي خطير يتمثل في الربط الاعتباطي بين حجية الفكرة ومكانة مصدرها؛ فالشخص الدوغماتي يعجز عجزاً بنيوياً عن تقييم المعلومة بمعزل عن مصدرها. فإذا جاءت الفكرة العقلانية الصحيحة من خارج جماعته المرجعية، أو من شخص ينتمي لمنظومة المعتقدات المرفوضة، يتم إبطالها ورفضها فوراً دون فحص. وعلى العكس من ذلك، إذا صدرت فكرة ركيكة ومتناقضة من زعيمه أو سلطته المعظمة، تُقبل بحماس وتُختلق لها التبريرات المنطقية المتكلفة دون تردد.
أما السمة الرابعة والأكثر خطورة وظيفياً، فهي العجز عن استيعاب المعلومات المتناقضة ورفض التغذية الراجعة التصحيحية (Feedback Rejection). يتميز العقل المنغلق بجدران نفاذية سميكة تحميه من البيانات الدامغة التي تخالف قناعاته المسبقة؛ فعندما يواجه دليلاً تجريبياً قاطعاً ينقض سرديته، يلجأ إلى استراتيجيات التشويه المعرفي (Cognitive Distortion)، كاتهام الأدلة بالتزوير، أو اختلاق نظريات المؤامرة، أو إسقاط الدوافع الشريرة على ناقلي المعلومة. إن الهدف النهائي لهذه الآليات العصابية ليس البحث عن الحقيقة، بل حماية “الأنا” المحاصرة من التفكك تحت ضغط القلق الوجودي والشعور الكامن بالهشاشة واللاأمن.
4.3 سمات المنظومة الذهنية المنفتحة
في الطرف المقابل من المتصل المعرفي، حلل روكيتش خصائص المنظومة الذهنية المنفتحة؛ وهي السمة التي تميز العقل المرن والمتحرر فكرياً. تتجلى السمة الأولى للعقل المنفتح في القدرة الفائقة على معالجة المعلومات بموضوعية واستقلالية كاملة عن مصدر البث. يستطيع الإنسان المنفتح فكرياً أن يفصل بين الفكرة وحاملها، وأن يزن الحجج والبراهين بناءً على قيمتها الإبستيمولوجية والمنطقية الذاتية، بصرف النظر عما إذا كان قائلها صديقاً أم خصماً، سلطة موثوقة أم مصدراً مجهولاً. فالسلطة لدى العقل المنفتح هي سلطة الدليل والبرهان وليست سلطة الشخص أو الكاريزما المسبقة.
تتمثل السمة الثانية في المرونة المعرفية (Cognitive Flexibility) والاستعداد الدائم للتعديل والتحديث الذاتي. يمتلك العقل المنفتح منظومة معتقدات تتسم بالنفاذية الإدراكية المنظمة، حيث تُعتبر المعتقدات فرضيات عمل قابلة للاختبار والمراجعة، وليست عقائد جامدة منقوشة في حجر. وعندما تطرأ معلومات جديدة تتناقض مع البنى المعرفية القائمة، يمتلك الفرد الشجاعة النفسية لتقبلها ودمجها بمرونة، مما يدفع إلى إعادة هيكلة النماذج الذهنية التفسيرية بصورة ترتقي بفهم الواقع وتجعله أكثر مطابقة وتكيفاً.
ينبع هذا الانفتاح المعرفي، كما يحلل روكيتش دينامياً، من انخفاض ملموس في مستوى القلق الوجودي والشعور بالأمن النفسي والذاتي العميق. فالإنسان المنفتح لا يرى في الاختلاف والغموض تهديداً يتربص بذاته، بل يرى فيه فرصة للإثراء والتطور الإنساني. هذا الشعور بالأمن الداخلي يمكنه من التعايش مع التناقضات السطحية، والتعامل مع ظواهر العالم المركبة دون حاجة ماسة للارتكان إلى الثنائيات التبسيطية القاطعة، مما يحرر طاقاته الفكرية نحو الإبداع والاستكشاف الحر.
وأخيراً، يظهر العقل المنفتح تمايزاً أخلاقياً وسلوكياً رفيعاً يتمثل في الفصل القاطع بين المعتقد المرفوض والشخص حامل هذا المعتقد. فالمنفتح قد يرفض أيديولوجيا معينة رفضاً فكرياً حاسماً، لكنه يظل قادراً على التعاطف مع معتنقيها بوصفهم بشراً يمتلكون كرامة إنسانية، وله القدرة على فهم الأسباب والدوافع النفسية التي قادتهم لتبني هذه الرؤى دون شيطنتهم أو نزع الإنسانية عنهم. هذا التمايز الإنساني هو الحصن المنيع الذي يحمي المجتمعات الديمقراطية من الانزلاق إلى الصراعات الإلغائية والتعصب التدميري.
5. دراسة “مسحاء يبسيلانتي الثلاثة”: تحليل سيكولوجي للتجربة الميدانية
5.1 الخلفية الميدانية ومنهجية التدخل الإكلينيكي
في صيف عام 1959، شرع ميلتون روكيتش في واحدة من أكثر التجارب الميدانية غرابة وإثارة للجدل في تاريخ الطب النفسي وعلم النفس الاجتماعي، وهي التجربة التي احتضنها مستشفى ولاية يبسيلانتي للأمراض النفسية (Ypsilanti State Hospital) في ولاية ميشيغان، ووثق تفاصيلها لاحقاً في كتابه الشهير “مسحاء يبسيلانتي الثلاثة” (The Three Christs of Ypsilanti) عام 1964. كانت المصحات النفسية في تلك الحقبة لا تزال تحتفظ بطابع المؤسسات المغلقة، وكانت تعج بمرضى الفصام المزمن الذين عانوا من انقطاع طويل الأمد عن الواقع الاجتماعي المحيط.
اختار روكيتش بعناية بالغة ثلاثة مرضى مصابين بفصام بارانويدي مزمن، كان القاسم المشترك الصادم بينهم هو أن كلاً منهم يدعي ادعاءً راسخاً لا يتزعزع بأنه يسوع المسيح نفسه، وهم: كلايد بينسون (Clyde Benson) وهو رجل مسن في السبعينيات من عمره، وجوزيف كاسل (Joseph Cassel) وهو مريض في أواخر الخمسينيات، وليون جابور (Leon Gabor) وهو أصغرهم سناً في الثلاثينيات. كانت أوهام كل واحد منهم حول هويته الإلهية هي الركيزة الوجودية الوحيدة التي يستند إليها لحماية كرامته وإيجاد معنى لوجوده البائس بعد سنوات من الانهيار النفسي والعزلة التامة.
انبثقت هذه التجربة من فرضية نظرية جريئة صاغها روكيتش حول حدود الهوية وتأثير التنافر المعرفي الجذري (Extreme Cognitive Dissonance). تساءل روكيتش: إذا كانت هوية الفرد تبنى من خلال الإجماع والاعتراف الاجتماعي، وإذا كانت معتقدات الأوهام غير قابلة للنقاش العقلاني المجرد، فماذا سيحدث حين نضع ثلاثة أفراد، يزعم كل منهم أنه نفس الكينونة الإلهية الفريدة والمطلقة، في مواجهة وجهاً لوجه وبصورة مستمرة؟ افترض روكيتش أن هذا التناقض الصارخ الذي لا يمكن الهروب منه سيخلق تنافراً معرفياً لا يُحتمل في بنية الوهم؛ تنافر قد يجبر المرضى على التشكيك في أوهامهم الفصامية، وربما يقود في النهاية إلى تفكيك الهوية المتوهمة وإعادة الاتصال بالواقع الحقيقي.
كانت المنهجية التي اتبعها روكيتش بالغة الصرامة والتدخل؛ حيث قام بنقل المرضى الثلاثة ليعيشوا معاً في جناح واحد، مع إلزامهم بتناول الطعام على طاولة واحدة، والنوم في غرف متجاورة، والعمل جنباً إلى جنب في ورش التأهيل. وفوق ذلك، نظم روكيتش جلسات علاجية ومواجهة جماعية يومية تحت إشرافه المباشر، استمرت لأكثر من عامين كاملين، حيث كان يتعمد توجيه الأسئلة الاستفزازية حول من هو المسيح الحقيقي بينهم، مسجلاً بدقة متناهية كل تفاعل لفظي، وكل حركة جسدية، وكل دفاع نفسي يظهر في الأفق السلوكي للمرضى.
5.2 ديناميات المواجهة والآليات الدفاعية النفسية
شهدت الجلسات اليومية صراعاً نفسياً دراماتيكياً محموماً؛ فعندما وجد المرضى الثلاثة أنفسهم وجهاً لوجه أمام ادعاءات متطابقة لا تقبل التعدد، لم ينهار الوهم كما تنبأت الفرضية المبسطة للتنافر المعرفي، بل دخلت الأنا الفصامية في حالة طوارئ قصوى واستنفرت ترسانة معقدة من الآليات الدفاعية النفسية الرامية إلى إنكار الواقع وحماية المركز الأسطوري للذات. كانت الاستجابة الفورية الأولى هي تفجر مشاعر الغضب العارم والشجار اللفظي العنيف، حيث اتهم كل واحد منهم الآخرين بالجنون التام والتجديف الديني.
ومع استمرار المعايشة الإلزامية التي فرضت خفض التوتر تجنباً للإنهاك، لجأ المرضى إلى آليات التبرير والعقلنة المعرفية (Rationalization) بطرق بارعة ومذهلة للالتفاف على التناقض الصارخ دون المساس بجوهر الوهم الذاتي. بدأ المرضى في صياغة تفسيرات دفاعية مبتكرة تنزع صفة الوجود الحقيقي عن المنافسين؛ فقد ادعى جوزيف كاسل أن الاثنين الآخرين هما في الواقع “جثتان ميتتان” يتحكم بهما مشغلو الراديو في المستشفى لإزعاجه. في حين طور ليون جابور تفسيراً آلياً بارداً، زاعماً أن زميليه هما مجرد “أجهزة روبوتية مبرمجة” صممتها السلطات لتكرار كلامه واختبار إيمانه وصبره الإلهي.
لاحظ روكيتش تغيرات طفيفة وهامشية في الهويات السطحية لبعض المرضى كرد فعل للضغط النفسي المستمر؛ فالمريض ليون جابور، لتجنب الصدام المباشر حول اسم “يسوع المسيح”، بدأ في تغيير اسمه تدريجياً، معلناً في إحدى الفترات أنه “دكتور الصالح الإلهي” (Dr. Righteous Idealed Dung)، أو زوج “سيدة الفضيلة المتوجة”، متراجعاً خطوة رمزية إلى الوراء في التسمية لكنه ظل محتفظاً بالجوهر القدسي الفصامي لمركزيته الكونية. أما المريض كلايد بينسون، فكان يهرب إلى النوم المديد والشرود الذهني التام، منسحباً من الجلسات عبر الصمم الانتقائي المتعمد.
قادت هذه الديناميات روكيتش إلى استنتاج سيكولوجي شديد العمق والأهمية حول حدود التنافر المعرفي؛ لقد أدرك أن نظرية التنافر المعرفي، التي تفترض أن الإنسان يسعى دائماً لعقلنة قناعاته وتعديلها لتتوافق مع المدخلات المنطقية، تقف عاجزة حين تصطدم بـ البنى المركزية للهوية الدفاعية (Core Defensive Identity). فالوهم لدى المريض النفسي ليس مجرد خطأ معرفي سطحي في معالجة المعلومات يمكن تصحيحه بالمواجهة، بل هو قلعة وجودية مشيدة لحماية الذات المنهارة من السقوط في هاوية العدم واللاجدوى؛ وبالتالي، فإن التناقض لا يؤدي إلى الشفاء، بل يدفع العقل إلى خلق أوهام فرعية تلتهم التناقض وتهضمه لضمان بقاء الوهم الأصلي حياً ومستقراً.
5.3 الأبعاد الأخلاقية والدروس المستفادة من التجربة
تحولت دراسة “مسحاء يبسيلانتي الثلاثة” بمرور العقود إلى حالة كلاسيكية تُدرس في كليات علم النفس وأخلاقيات البحث العلمي، ليس فقط لنتائجها السيكولوجية الرائدة، بل للمآزق الأخلاقية الجسيمة التي أحاطت بمنهجيتها. فقد تعرض روكيتش لنقد لاذع من قبل زملائه والمؤرخين، لاسيما فيما يتعلق بتلاعبه النفسي العميق بمرضى يعانون من هشاشة عقلية شديدة وعاجزين قانونياً وأخلاقياً عن منح “الموافقة المستنيرة” (Informed Consent).
بلغ التورط المنهجي لروكيتش ذروته حين بدأ يتدخل تدخلاً سرياً ومصطنعاً في تشكيل عالم المرضى؛ إذ قام بفبركة رسائل وهمية أرسلها إلى المريض ليون جابور مدعياً أنها صادرة من امرأة وهمية تدعى “مدام روكيز” تتغزل به، ثم تلاها بإرسال رسائل أخرى زعم أنها من “رئيسة المشرفين” تأمره فيها بتغيير سلوكياته وتناول دوائه. كان هذا التلاعب المصطنع بهويات المرضى ونسج سيناريوهات وهمية من قبل باحث يتمتع بسلطة مطلقة يمثل خرقاً صريحاً للحياد العلمي، وتحولاً من الملاحظة الإكلينيكية إلى التضليل النفسي الموجه الذي فاقم من ارتباك المرضى ومعاناتهم الباطنية.
ومما يحسب لميلتون روكيتش نزاهته وشجاعته الفكرية النادرة؛ ففي خاتمة الطبعة الجديدة من الكتاب، التي نُشرت عام 1984، كتب روكيتش مراجعة نقدية واعترافاً متأخراً بالندم الأخلاقي، معلناً بمرارة وإنسانية بالغة:
“لقد نجحت في أمر واحد لم أكن أخطط له: لقد قمت بشفاء نفسي من أوهامي الإلهية. لم يكن من حقي، حتى باسم العلم، أن ألعب دور الإله في حياة هؤلاء الرجال الثلاثة في محاولة يائسة لإعادة تشكيلهم وفق رؤيتي الخاصة.”
تمثلت الدروس المعرفية المستفادة من هذه التجربة القاسية في تقديم فهم أعمق لصلابة الأوهام بوصفها استجابات تكيفية أخيرة ضد الانهيار الكامل لتقدير الذات، وتثبيت حقيقة أن المعتقدات المرتبطة بنواة “الأنا” محصنة ضد التعديل المنطقي الخارجي. دخل كتاب روكيتش تاريخ الأدبيات النفسية كعمل كلاسيكي مذهل يجمع بين التراجيديا الإنسانية والعبقرية التجريبية، شاهداً على الحدود الخطرة التي يمكن أن يصل إليها الباحث حين تسبق الحماسة العلمية الوعي الأخلاقي الصارم بحقوق المرضى النفسيين.
6. ديناميات التنافر المعرفي وتغيير القيم والاتجاهات
6.1 استراتيجية الوعي الذاتي بالتناقض (Self-Confrontation Technique)
انطلاقاً من إدراكه العميق لآليات الدفاع النفسي التي عاينها في تجاربه الإكلينيكية، كرس روكيتش جهوده لصياغة منهجية تجريبية قادرة على إحداث تغيير حقيقي ومستدام في قيم الأفراد الأسوياء دون اللجوء إلى التضليل أو القسر. تبلور هذا المسعى في ابتكار ما عرف بـ تقنية المواجهة الذاتية للوعي بالتناقض (Self-Confrontation Technique)؛ وهي استراتيجية بيداغوجية ونفسية تعتمد على الاستفادة الإيجابية من نظرية التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance) لليون فستنجر، ولكن بنقلها من مستوى التناقض بين سلوك واتجاه عابر، إلى مستوى التناقض الأخلاقي بين “الذات الواقعية” و”الذات المثالية المستهدفة”.
تقوم هذه التقنية على إشراك الأفراد في استبيان القيم (RVS)، ثم تعريضهم لبيانات مرجعية موضوعية وموثقة تكشف الفجوة الفاضحة بين القيم العليا التي يزعمون الإيمان بها وسلوكياتهم واتجاهاتهم الواقعية. وفي واحدة من أشهر تجارب روكيتش التي أجراها في جامعة ولاية ميشيغان في أواخر الستينيات، قدم للطلاب نتائج استطلاع أظهر أن غالبية الطلاب يضعون قيمة “الحرية” في مرتبة عالية جداً (ضمن القيم الثلاث الأولى)، بينما يضعون قيمة “المساواة” في مرتبة متأخرة جداً (المرتبة الحادية عشرة أو أقل).
عند هذه النقطة، كان روكيتش يطرح التدخل التجريبي الحاسم؛ حيث يواجه المفحوصين بالتفسير السيكولوجي لهذه الفجوة بصراحة تامة، قائلاً لهم:
“إن البيانات تشير إلى أن الطلاب يهتمون جداً بحريتهم الشخصية، لكنهم غير مبالين بحرية ومساواة الآخرين، وخاصة الأقليات العرقية؛ أي أنهم يقدسون الحرية الفردية الأنانية ويتجاهلون العدالة الاجتماعية.”
تولد هذه المواجهة المباشرة صدمة معرفية وأخلاقية عميقة للمفحوص، تسمى حالة عدم الرضا الذاتي (Self-Dissatisfaction). يكتشف الفرد فجأة أن الصورة التي يمتلكها عن نفسه بوصفه شخصاً عادلاً، ومتسامحاً، وأخلاقياً، تتعارض جذرياً مع تراتبيته الحقيقية للقيم. هذا التناقض لا يحدث بين معلومة وأخرى، بل يمس احترامه لذاته وسلامة ضميره الأخلاقي. وبما أن الفرد لا يستطيع تغيير بيانات الواقع الموضوعية أو إنكار حقيقة اختياراته المسجلة، فإن المخرج الوحيد لاستعادة الاتساق النفسي واحترام الذات يكمن في إطلاق عملية داخلية لإعادة تقييم وترتيب أولوياته القيمية، ورفع مكانة “المساواة” لتتوافق مع مفهومه الإيجابي عن ذاته الأخلاقية.
أثبتت الدراسات التتبعية التي صممها روكيتش فاعلية استثنائية وطويلة المدى لتقنية المواجهة الذاتية؛ إذ لم يقتصر التغيير على اللحظة الآنية للتجربة، بل أظهرت الاختبارات البعدية التي أجريت بعد شهور—وبعضها بعد عامين كاملين—أن الأفراد الذين خضعوا لجلسة مواجهة ذاتية واحدة حافظوا على الارتفاع المستمر في قيمة “المساواة” داخل سلمهم القيمي، مما برهن على أن إيقاظ الضمير عبر التنافر القيمي المركز يُحدث تغييراً بنيوياً ثابتاً وليس مجرد استجابة سطحية عابرة ترضي الباحث.
6.2 التفاعل بين القيم الفردية والتغير السلوكي الحقيقي
لم يتوقف طموح روكيتش العلمي عند إثبات تغير الترتيب الورقي للقيم داخل استمارات الاستبيان، بل واصل اختباره التجريبي للإجابة عن السؤال الأكثر إلحاحاً وتشكيكاً في علم النفس: هل يؤدي تغيير منظومة القيم التجريدية إلى تعديل حقيقي وقابل للقياس في السلوك الاجتماعي الواقعي للإنسان؟ كانت النظرية السلوكية تشكك دائماً في قدرة المفاهيم المعرفية الباطنية على توجيه الأفعال الخارجية، ورأى روكيتش في ذلك تحدياً لإثبات القوة السببية للقيم.
لتأكيد هذه الفرضية، ربط روكيتش تجاربه حول المواجهة الذاتية بسلوكيات واقعية ذات دلالة سياسية واجتماعية بالغة في المجتمع الأمريكي خلال حقبة حركة الحقوق المدنية. فبعد أن خضع طلاب الجامعة لتجربة إعادة تقييم قيمتي الحرية والمساواة، قام بمراقبة سلوكياتهم الحقيقية دون أن يدركوا أن ذلك جزء مكمل للتجربة. وفي إحدى الدراسات، تم إرسال خطابات رسمية إلى منازل الطلاب بعد أشهر من انتهاء الفصل الدراسي، من قبل الرابطة الوطنية لتقدم المواطنين الملونين (NAACP)، تطلب منهم الانضمام إلى الجمعية ودفع اشتراك مالي والتطوع في أنشطة مناهضة للتمييز العنصري.
جاءت النتائج الإمبريقية لتشكل نصراً مبيناً لنظرية روكيتش؛ حيث أظهرت الإحصائيات أن الطلاب الذين اختبروا التنافر القيمي ورفعوا مرتبة “المساواة” في المنظومة الذاتية استجابوا لدعوة الانخراط في الجمعية، وتبرعوا مالياً، وسجلوا في مساقات دراسية جديدة تعنى بالحضارات الإفريقية-الأمريكية بنسب فاقت أضعافاً مضاعفة أقرانهم في المجموعة الضابطة (Control Group) الذين لم يتعرضوا للمواجهة الذاتية التناقضية. لقد برهن روكيتش عملياً على أن تعديل الترتيب القيمي في قمة الهرم الإدراكي يسري عبر القنوات السلوكية ليعيد توجيه الخيارات الحياتية اليومية للأفراد.
وفي تحليله النظري لهذه النتائج، شدد روكيتش على التمييز السيكولوجي الدقيق بين التغير المعرفي السطحي (Compliance) القائم على مسايرة الضغوط الاجتماعية الخارجية، والاستيعاب القيمي الداخلي العميق (Internalization). في الحالة الأولى، يتغير السلوك لمجرد الخوف من العقاب أو الرغبة في المكافأة ويزول بزوالها؛ أما في حالة الاستيعاب القيمي، فإن السلوك الجديد يصبح جزءاً لا يتجزأ من منظومة الصدق مع النفس. يغذي هذا التحول مشاعر الذنب المعرفي (Cognitive Guilt) والرغبة في الحفاظ على التكامل الأخلاقي للأنا؛ فالإنسان حين يغير قيمه، يغير في الواقع ميثاقه الأخلاقي مع نفسه، مما يجعل السلوك البديل واجباً نفسياً وذاتياً ملزماً يحميه من الوقوع مجدداً في تناقض الذات.
7. إسهامات روكيتش في دراسة التمركز العرقي والتعصب السياسي
7.1 التحليل ثنائي الأبعاد للأيديولوجيات السياسية
قدم ميلتون روكيتش نموذجاً تحليلياً عبقرياً يعد من أكثر إسهاماته توهجاً في حقل العلوم السياسية وعلم النفس السياسي؛ وهو النموذج ثنائي الأبعاد للأيديولوجيات السياسية (Two-Value Model of Political Ideology). لاحظ روكيتش أن التوصيفات التقليدية للسياسة القائمة على خط أحادي بسيط يمتد من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين تعاني من عجز منهجي فادح؛ فهي تفشل في إبراز الفروق الدقيقة بين الفاشية والشيوعية، أو بين الرأسمالية الليبرالية والاشتراكية الديمقراطية.
افترض روكيتش أن الأيديولوجيات السياسية الكبرى في العالم الحديث يمكن تشريحها واختزال مبادئها التأسيسية عبر التفاعل بين قيمتين غائيتين جوهريتين فقط هما: الحرية (Freedom) والمساواة (Equality). وبناءً على التقييم النسبي لهاتين القيمتين (إيجابي أو سلبي، مرتفع أو منخفض)، رسم روكيتش خريطة مصفوفية رباعية فريدة تفسر التموضع الفكري للأنظمة والأحزاب:
- الاشتراكية الديمقراطية (Democratic Socialism): تتميز بإعطاء أولوية قصوى وعالية جداً لكل من الحرية والمساواة على حد سواء؛ حيث تؤمن هذه الأيديولوجيا بأن العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص لا يمكن أن يتحققا إلا في ظل صيانة الحريات الفردية والديمقراطية السياسية الكاملة.
- الشيوعية / الماركسية اللينينية (Communism): تتميز بأولوية عالية جداً لقيمة المساواة، مقترنة بأولوية منخفضة للغاية لقيمة الحرية؛ حيث يُنظر إلى الحريات الفردية والليبرالية بوصفها ترفاً برجوازياً يجب التضحية به وقمع مصالحه لصالح تأسيس مجتمع البروليتاريا والمساواة الاقتصادية الصارمة.
- الرأسمالية الليبرالية الفردية (Capitalism): تتميز بأولوية عالية جداً لقيمة الحرية، يقابلها تقييم منخفض جداً لقيمة المساواة؛ حيث يوضع الحق في التملك والمبادرة الحرة والمنافسة الفردية فوق أي اعتبار لإعادة توزيع الثروة أو فرض العدالة الاجتماعية القسرية التي يُنظر إليها كتهديد للحرية الذاتية.
- الفاشية والنازية (Fascism): تتموضع في قاع النموذج المعرفي؛ حيث تمنح أولوية منخفضة للغاية لكل من الحرية والمساواة؛ إذ تنكر الفاشية حرية الفرد وتصهره في كينونة الدولة الشمولية العرقية، وترفض مبدأ المساواة من أساسه مروجة للتراتبية البيولوجية وقانون الغاب القائم على سيادة القوي وسيادة العرق المختار.
ولم يكتف روكيتش بالتنظير الفلسفي التجريدي لهذا النموذج، بل أخضعه لاختبار تجريبي وتوثيقي بالغ الدقة؛ حيث أجرى دراسات تحليل محتوى كمية ضخمة لآلاف الصفحات من الخطب والنصوص والبيانات التاريخية التأسيسية التي كتبها قادة يمثلون هذه التيارات في القرن العشرين: خطابات فلاديمير لينين (للشيوعية)، وكتابات أدولف هتلر في “كفاحي” (للفاشية)، ومؤلفات جون لوك وآدم سميث وتوماس جيفرسون (للرأسمالية)، ومقالات المنظرين الاشتراكيين الديمقراطيين كـ نورمان توماس. كشف تحليل التكرار والتردد اللغوي للكلمات والمفاهيم المرتبطة بالحرية والمساواة عن تطابق إحصائي باهر مع نموذجه النظري؛ مما أكد أن المنظومات الأيديولوجية ليست سوى تعبيرات مؤسسية مهيكلة تترجم التراتبية القيمية لكتابها وزعمائها.
7.2 سيكولوجيا التعصب العرقي والطبقي
في مجال دراسات التمييز العنصري والصراع الاجتماعي، صاغ روكيتش أطروحة صادمة في وقتها قلبت كثيراً من المسلمات السائدة؛ وعرفت بـ فرضية التوافق في المعتقدات (Belief Congruence Hypothesis). كان التيار التقليدي السائد في علم النفس الاجتماعي—بما في ذلك أطروحات غوردون ألبورت—يفترض أن التعصب العرقي هو في الأساس رفض بيولوجي للآخر المختلف في لون البشرة، أو الملامح، أو الأصل الإثني (Racial prejudice).
تحدى روكيتش هذا الطرح مؤكداً أن جوهر التعصب الاجتماعي والطبقي لا يرتكز على الخصائص العرقية الظاهرة في حد ذاتها، بل على إدراك التباين المعرفي والقيمي؛ أي أن الإنسان يرفض الأفراد من الأعراق أو الطبقات الأخرى ليس بسبب عرقهم، بل لأنه يفترض مسبقاً أنهم يمتلكون منظومة معتقدات وقيم وأساليب حياة تتعارض تعارضاً كلياً مع منظومته الخاصة. وبعبارة أخرى، فإن الفرد يتعصب ضد من يعتقد أنهم لا يفكرون مثله ولا يشاركونه نفس النظرة إلى العالم والأخلاق.
دعم روكيتش فرضيته بسلسلة متميزة من التجارب الاجتماعية الحساسة والمتقاطعة؛ حيث كان يطلب من مشاركين بيض تقييم مدى رغبتهم في قبول شخص ما كصديق، أو جار، أو زميل عمل، من خلال تعريضهم لأربعة نماذج من الأشخاص:
- شخص أبيض يشاركه معتقداته وقيمه السياسية والاجتماعية.
- شخص أبيض يخالفه تماماً في المعتقدات والقيم.
- شخص أسود يشاركه نفس المعتقدات والقيم بحذافيرها.
- شخص أسود يخالفه في المعتقدات والقيم.
أظهرت النتائج بوضوح قاطع أنه عندما تتضح المعتقدات والقيم بصورة صريحة، فإن الأفراد يفضلون الشخص الأسود الذي يتفق معهم في المبادئ والقيم على الشخص الأبيض الذي يختلف معهم فيها. بينت هذه التجربة أن التباين الفكري هو المحرك الأقوى للرفض النفسي، وأن التفرقة العنصرية البيولوجية غالباً ما تعمل كـ “بديل معرفي سطحي” يتم اللجوء إليه لتبرير العداء عندما يجهل الشخص المعتقدات الحقيقية للآخر، فيسقط عليه تلقائياً صورة نمطية مفادها أنه كائن مغاير في القيم والأخلاق.
خلص روكيتش من هذه الدراسات إلى أن الصراعات الاجتماعية والطبقية والنزاعات حول الأقليات ليست مجرد صراعات على الموارد المادية أو توترات عرقية عمياء، بل هي في عمقها صراعات حول تراتبية القيم ومفاهيم العدالة. وقد وظف استطلاعات القيم بنجاح باهر للتنبؤ بمواقف الناخبين في الاستفتاءات المتعلقة بالحقوق المدنية وقوانين الإسكان المشترك؛ حيث برهن على أن سبر أغوار السلم القيمي للأفراد يمنح الباحث قدرة تنبؤية فائقة بالسلوك العنصري والسياسي تفوق بكثير المقاييس السوسيولوجية الديموغرافية التقليدية كالدخل والمستوى التعليمي والعمر.
8. المنهجية البحثية والأدوات الإمبريقية لميلتون روكيتش
8.1 التصميم التجريبي والملاحظة الإكلينيكية
تميز ميلتون روكيتش بفرادة منهجية جعلت منه نموذجاً نادراً للباحث القادر على هدم الحواجز المصطنعة بين المدارس السيكولوجية المتنافرة؛ إذ نجح في التوفيق الخلاق بين صرامة المنهج التجريبي الإمبريقي القائم على المختبر وضبط المتغيرات، وعمق الملاحظة الإكلينيكية والميدانية الطولية المباشرة. في عصر كان فيه علم النفس السلوكي يغرق في التجارب الجزئية قصيرة المدى على الفئران والمتطوعين في المختبرات المعزولة، أصر روكيتش على أن الظاهرة الإنسانية المعقدة تتطلب دراسات طولية (Longitudinal studies) تمتد لسنوات وتراقب تغير السلوك في البيئات الطبيعية الحية.
تجلت هذه العبقرية المنهجية في ابتكاره لتقنيات تحليل المحتوى الوثائقي الكمي والكيفي (Content Analysis)؛ حيث كان يرفض الاكتفاء بالاستبيانات الذاتية التي قد يتلاعب بها المفحوصون، فلجأ إلى تفكيك الخطب السياسية التاريخية، والافتتاحيات الصحفية، والوثائق المؤسسية، محولاً المفردات اللغوية والمضامين البلاغية إلى بيانات إحصائية كمية تخضع لقوانين التوزيع الاحتمالي. كما وثق تجربته الميدانية مع مرضى الفصام عبر تسجيلات إثنوغرافية دقيقة للجلسات اليومية دامت شهوراً، مستخدماً غرف الملاحظة المجهزة والمزودة بمرايا أحادية الاتجاه لتدوين التفاعلات غير اللفظية بدقة مجهرية.
وعلاوة على ذلك، أظهر روكيتش براعة فائقة في معالجة الإشكاليات الإحصائية الصعبة؛ فعندما واجه التحديات الرياضية الناتجة عن مصفوفات الترتيب الرتبي (Rank-order matrices) لقيمه الـ 36، عمل على توظيف وتطوير أساليب إحصائية لا بارامترية (Non-parametric statistics) متقدمة، مثل اختبار فيلكوكسون للرتب الموقعة (Wilcoxon signed-rank test)، ومعامل كندال للتوافق (Kendall’s W)، واختبار فريدمان؛ مما مكنه من رصد وتتبع أي تغير ضئيل يطرأ على موضع أي قيمة داخل المنظومة الإدراكية للأفراد عبر الفترات الزمنية الممتدة بدرجة عالية جداً من اليقين الإحصائي والتحوط الرياضي.
8.2 معالجة التحديات المنهجية في دراسات القياس النفسي
واجه مشروع روكيتش المنهجي جملة من العقبات الإبستيمولوجية والتقنية الكلاسيكية التي تهدد أبحاث القياس النفسي، وتصدى لها بإجراءات وقائية مبتكرة. كانت أولى هذه العقبات وأخطرها هي معضلة المرغوبية الاجتماعية (Social Desirability Bias)، أي ميل المفحوصين الفطري لاختيار الإجابات التي تظهرهم بمظهر الأشخاص الفضلاء والمتسامحين والأسوياء في نظر المجتمع والباحثين. تجاوز روكيتش هذا الفخ عبر أسلوب “المقارنة القسرية”؛ فجميع القيم الـ 36 المدرجة في مقياسه هي قيم إيجابية بلا استثناء ويقر الجميع بحسنها، ولا توجد قيمة واحدة سلبية (كالجبن أو الخيانة) ليرفضها المفحوص تلقائياً. وبذلك، تحول المقياس من اختبار يكشف ما إذا كان الفرد فاضلاً أم لا، إلى اختبار دقيق يكشف كيف يزن الفرد المفاضلة الأخلاقية الداخلية بين فضائل تتنافس فيما بينها على القمة.
وفيما يتعلق بـ التحيز الثقافي (Cultural Bias) وصعوبة تعميم المقاييس عبر الثقافات والحضارات غير الغربية، أجرى روكيتش ومساعدوه مراجعات ترجمية وسياقية معقدة استعانت بتقنيات الترجمة العكسية (Back-translation) لضمان أن المفاهيم القيمية—مثل “الخلاص الروحي” (Salvation) أو “الحكمة” (Wisdom) أو “الاستقلالية” (Independence)—لا تفقد حمولتها الدلالية الأصلية حين تُنقل إلى لغات وثقافات أخرى، معترِفاً بمرونة بإمكانية تباين التأويل المعرفي للفظ الواحد تبعاً للمرجعيات الدينية والحضارية للمجتمعات المدروسة.
كذلك رد روكيتش بحزم علمي على النقد الذي وجه له بشأن حصر القيم الإنسانية في 36 قيمة فقط (18 غائية و18 وسيلية)، وما إذا كان هذا العدد يختزل الغنى اللانهائي للروح البشرية. أوضح روكيتش أن هدفه لم يكن جمع قاموس شامل لكل السلوكيات المحمودة، بل استخلاص “العناصر الكيميائية الأساسية” (The fundamental building blocks) للمنظومة الإدراكية. واستند إلى مسوح معجمية شملت آلاف المصطلحات السلوكية في اللغة الإنجليزية، واختزلها عبر لجان تحكيمية متخصصة ومقاييس تحليلية دقيقة لتصفية المترادفات والزوائد اللفظية حتى وصل إلى هذه النواة الصلبة التي تمثل القواسم المشتركة العابرة للثقافات.
وأخيراً، نجح روكيتش في تحقيق تكامل بديع بين القياس الكمي الصارم والتحليل الكيفي التفسيري؛ إذ كان يتبع تطبيق الاستبيانات بمقابلات استرجاعية متعمقة يسأل فيها المفحوصين عن الأسباب الذاتية والذكريات الحياتية الصادمة أو التجارب التي دفعتهم لترتيب قيمة ما قبل غيرها. مكنه هذا المزج المنهجي من فهم الخلفيات الدينامية الدافعة وراء الاختيارات الرقمية، مانحاً أبحاثه نبضاً إنسانياً وتفسيرياً قلما تجده في الدراسات الإمبريقية الجافة.
9. مقارنة نقدية بين نظرية روكيتش ونظريات القيم المعاصرة
9.1 روكيتش وشالوم شوارتز: الامتداد والتطوير الدائري
يعد عالم النفس الإسرائيلي شالوم شوارتز (Shalom H. Schwartz) الوريث المعرفي المباشر لمشروع ميلتون روكيتش؛ حيث انطلقت نظريته الذائعة الصيت حول “القيم الإنسانية الأساسية” من نفس التساؤلات الإبستيمولوجية التي صاغها روكيتش، وبنت فوق ركامها النظري مع إجراء تعديلات بنيوية ثورية. اعترف شوارتز صراحة بفضل روكيتش في وضعه لحجر الأساس الإمبريقي لدراسة القيم وتخليصها من براثن الميتافيزيقا الفلسفية، واعتمد في بداياته البحثية على قائمة قيم روكيتش (RVS) كمادة خام أساسية صاغ منها استبياناته الأولى.
غير أن شوارتز سرعان ما انتقد نقطة الضعف المركزية في نموذج روكيتش، والمتمثلة في اعتماده على الترتيب الرتبي الخطي البسيط؛ حيث رأى أن هذا الترتيب يفشل في تصوير العلاقات الدينامية المعقدة والمتزامنة بين القيم. وبدلاً من القائمتين المنفصلتين (غائية ووسيلية)، اقترح شوارتز النموذج البنيوي الدائري متعدد الأبعاد (Circumplex Model of Human Values)؛ وهو نموذج يدمج القيم الإنسانية في دائرة متصلة تتوزع فيها عشرة دوافع قيمية كبرى عبر بعدين متعامدين:
- بعد “الانفتاح على التغيير” في مواجهة “المحافظة”.
- بعد “تجاوز الذات” في مواجهة “تعزيز الذات”.
في نموذج شوارتز، لم تعد القيم معزولة في قائمة عمودية؛ بل أصبحت القيم المتجاورة في الدائرة تتسم بالاتساق والتوافق الداخلي (مثل التوافق بين القوة والإنجاز)، في حين أن القيم المتقابلة قطرياً تتسم بالتنافر والصراع الحتمي (مثل الصراع بين الإيثار وتجاوز الذات في مقابل تعزيز الذات النرجسي). هذا الترتيب الطوبولوجي الدائري أتاح للباحثين استخدام أساليب الإحصاء الرياضي الحديث مثل التحليل متري متعدد الأبعاد (Multidimensional Scaling – MDS)، متجاوزاً بذلك المشاكل الإحصائية العويصة لبيانات روكيتش الرتبية القسرية.
كما يظهر التمايز في أدوات القياس؛ فبينما يعتمد مقياس روكيتش (RVS) على الترتيب الرتبي المباشر للمفاهيم المجردة، طور شوارتز أدوات مثل استبيان قيم الأفراد (Portrait Values Questionnaire – PVQ)، الذي يعرض على المفحوصين “أوصافاً لشخصيات مصغرة” (Portraits) وسلوكيات ملموسة، ويسألهم عن مدى تشابه هذا الشخص الموصوف معهم. ساهم هذا الابتكار في تجنيب المفحوص مشقة إدراك المفاهيم الفلسفية المجردة المعقدة، ووسع دائرة البحث لتشمل شرائح أوسع من السكان عبر أكثر من 80 دولة، محولاً شعلة البحث القيمي التي أوقدها روكيتش إلى معيار سيكولوجي عالمي متكامل.
9.2 روكيتش وجيرت هوفستيد: تباين المنظور الفردي والجمعي
يمثل التباين بين ميلتون روكيتش وعالم الاجتماع الهولندي جيرت هوفستيد (Geert Hofstede) واحداً من أثرى الحوارات المعرفية بين علم النفس الاجتماعي المعرفي وعلم الاجتماع الثقافي والمؤسسي. يكمن الفارق الجوهري بين العالمين في مستوى التحليل (Level of Analysis)؛ إذ ركز روكيتش نظره المجهري على المستوى السيكولوجي الفردي (Individual/Psychological Level)، معتبراً أن القيمة معتقد راسخ في ذهن الإنسان الفرد، وأن قيم المجتمع ليست سوى التجميع الإحصائي لقيم أفراده المكونين له.
في المقابل، تموضع هوفستيد في المستوى السوسيولوجي الكلي (Culture/Societal Level)، رافضاً اختزال ثقافة المجتمع في نفوس الأفراد المستقلين. اعتبر هوفستيد أن الثقافة هي “البرمجة العقلية الجمعية” (Collective Programming of the Mind) التي تميز جماعة بشرية عن أخرى، وطور نموذجه الشهير المكون من أبعاد ثقافية وطنية كبرى، مثل:
- مسافة السلطة (Power Distance).
- الفردانية في مقابل الجمعية (Individualism vs. Collectivism).
- تجنب اليقين (Uncertainty Avoidance).
- الذكورة في مقابل الأنوثة (Masculinity vs. Femininity).
- التوجه طويل المدى في مقابل التوجه قصير المدى.
تتجلى المقاربة المنهجية بين النموذجين في كيفية تفسير السلوك الإنساني في المنظمات وحوار الحضارات. يمكن فهم أبعاد هوفستيد الثقافية بوصفها البيئة الحاضنة التي تشكل وترتب القيم الغائية والوسيلية عند روكيتش؛ ففي الثقافات التي يصفها هوفستيد بأنها “فردانية وذات مسافة سلطة منخفضة”، يميل الأفراد في استبيان روكيتش إلى تصعيد قيم مثل “الحرية”، و”الاستقلالية”، و”احترام الذات” إلى قمة الترتيب. بينما في الثقافات “الجمعية ذات مسافة السلطة العالية”، تتصدر قيم مثل “الأمن العائلي”، و”الأمن القومي”، و”الطاعة والامتثال” سلم الأولويات السلوكية.
وعلى الرغم من هذا الاختلاف المنهجي الصريح، فإن النموذجين يلتقيان في تطبيقات الإدارة الدولية والتواصل بين الثقافات؛ إذ يوفر هوفستيد للخبير الإداري الخريطة الجغرافية والكلية لفهم البيئة الثقافية العامة، بينما يمنحه مقياس روكيتش المجهر الدقيق لفهم الديناميات النفسية للأفراد داخل تلك البيئة، ولإدراك كيف يتفاعل الضمير الفردي للموظف أو القائد مع الضغوط والمعايير المؤسسية المحيطة به.
10. الانتقادات الموجهة لأعمال روكيتش والجدل الأكاديمي
10.1 الانتقادات المفاهيمية والمنهجية للمقاييس
على الرغم من المكانة الرفيعة التي حظيت بها أعمال ميلتون روكيتش، إلا أنها لم تنجُ من سهام النقد الأكاديمي الصارم الذي وجهته أجيال متتابعة من الباحثين في القياس النفسي والنظرية الاجتماعية. في طليعة هذه الانتقادات يبرز افتراض وعي الأفراد الكامل والدائم بمنظومتهم القيمية. يفترض مقياس روكيتش أن كل مفحوص يمتلك بصيرة استبطانية شفافة تمكنه من مسح عقله الباطن بدقة، والمفاضلة الواعية بين 18 مفهوماً غائياً مجرداً وترتيبها ترتيباً رقمياً دقيقاً. ويرى نقاد المدرسة المعرفية الحديثة أن جزءاً كبيراً من المعالجة القيمية يتم عبر عمليات عقلية لاواعية وضمنية (Implicit cognitive processes)، وأن هذا الترتيب القسري قد يدفع المفحوص إلى “فبركة” أولويات مصطنعة على الورق لا وجود حقيقي لها في حياته الواقعية لمجرد إنهاء الاختبار المطلوب.
يتعلق النقد المنهجي الثاني بـ المعضلات الإحصائية للترتيب الرتبي الإجباري (Ipsative Scale Constraints)؛ فبسبب الطبيعة التلازمية للبيانات، تصبح الدرجة المعطاة لقيمة معينة مرتبطة جبرياً بالدرجات المعطاة لبقية القيم، مما يولد خللاً في استقلالية المتغيرات (Independence of variables). يحرم هذا الوضع الإحصائي الباحثين من إجراء مقارنات مباشرة وموثوقة لشدة القيمة بين فردين مختلفين؛ فإذا وضع شخصان قيمة “الحرية” في المرتبة الأولى، فإن هذا لا يعني إطلاقاً أنهما يقدران الحرية بنفس المقدار المطلق من الحماسة النفسية، بل يعني فقط أن الحرية هي الأهم مقارنة ببقية القيم الـ 17 الأخرى لدى كل منهما على حدة، مما يجعل المقارنات بين الأفراد والجماعات محفوفة بالحذر الرياضي الشديد.
كما واجه المقياس تحدي سيولة المفاهيم وتغير الدلالات اللغوية والسياقية عبر الزمن (Semantic drift). إن كلمات مثل “الخلاص الروحي” (Salvation)، التي كانت تحمل دلالة مركزية مسيحية راسخة في الستينيات، باتت تثير ارتباكاً دلالياً لدى الأجيال العلمانية المعاصرة في الغرب، أو تفسر بصورة متباينة كلياً لدى المفحوصين في بيئات شرقية بوذية أو إسلامية. وعلاوة على ذلك، وجه علماء النفس الموقفي (Situational psychologists) نقداً حاداً لروكيتش لـ إهماله النسبي للعوامل السياقية والموقفية المباشرة؛ إذ أظهرت تجارب عديدة (مثل تجربة السامري الصالح لدارلي وباتسون) أن السلوك الأخلاقي للإنسان قد يخضع لضغوط الموقف الطارئ—كالاستعجال أو وجود شهود—بصورة تفوق بكثير تأثير القيمة المجردة المستقرة في قمة الهرم، مما يضع قيوداً على التنبؤ بالسلوك الفعلي بناءً على القيم وحدها دون فحص الموقف البيئي الضاغط.
10.2 الجدل الأخلاقي حول التجارب الميدانية والتغيير الإكراهي
احتل الجدل الأخلاقي المحيط بأبحاث ميلتون روكيتش مساحة واسعة في المداولات الأكاديمية، ولا سيما عند تقييم إرثه في ضوء المعايير الأخلاقية الدولية الصارمة مثل ميثاق نورمبرغ (Nuremberg Code) وإعلان هلسنكي لأخلاقيات البحث الطبي والنفسي. وجه النقاد اتهامات صريحة لروكيتش باستغلال النفوذ المؤسسي في تجربة مستشفى يبسيلانتي على مرضى الفصام الثلاثة؛ حيث تم انتهاك كرامتهم الشخصية، والتلاعب بمشاعرهم وهوياتهم الهشة، وحرمانهم من بيئة علاجية داعمة لتحويلهم إلى مادة لتجربة فكرية شبه قسرية لم تقدم لهم أي نفع إكلينيكي حقيقي ملموس، بل ربما عمقت آلامهم وعزلتهم الوجودية.
ولم يتوقف النقد الأخلاقي عند حدود التجربة الإكلينيكية، بل امتد ليطال تقنية المواجهة الذاتية للوعي بالتناقض (Self-Confrontation) ذاتها؛ حيث رأى بعض المفكرين وعلماء النفس أن هذه التقنية تفتح باباً خلفياً لما يسمى بـ “الهندسة الاجتماعية القسرية” (Social Engineering) والتلاعب السلوكي الموجه. فإذا كان الباحث قادراً في جلسة واحدة مدتها ساعة على إعادة تشكيل السلم القيمي للأفراد وتوجيه سلوكهم التصويتي والمدني لأشهر طويلة عبر إثارة مشاعر الذنب وعدم الرضا الذاتي، فإن هذا الإجراء يثير مخاوف جسيمة من إمكانية استغلال نفس الأسلوب من قبل أنظمة شمولية أو مؤسسات دعائية فاشية لغسيل أدمغة الجماهير وإعادة برمجتها وفق غايات سلطوية خبيثة تحت ستار التنوير المعرفي.
تصدى روكيتش لهذه الهجمات بدفاع منهجي وأخلاقي مستميت؛ حيث جادل بأن البحث العلمي يمتلك التزاماً أخلاقياً أعلى بالسعي وراء الحقيقة وتفكيك البنى المعقدة للمرض والتعصب التي تهدد سلامة البشرية. وأكد أن تقنية المواجهة الذاتية تختلف جذرياً عن التضليل أو غسيل الأدمغة الاستبدادي؛ لأنها لا تزرع قيماً غريبة أو قسرية في عقل الفرد من الخارج، بل تكشف له فقط التناقض القائم بالفعل داخل منظومته الخاصة، وتترك له كامل الحرية الذاتية في حسم هذا التناقض بالطريقة التي يراها متسقة مع ضميره الأخلاقي. وقد توج هذا الدفاع باعترافاته الذاتية الصريحة لاحقاً بحدود التدخل المسموح به، وهي المراجعات التي ساهمت لاحقاً في تطوير لجان الأخلاقيات البحثية (IRB) في الجامعات الأمريكية الحديثة.
11. التطبيقات العملية لنظريات روكيتش في العلوم المعاصرة
11.1 التطبيقات في علم النفس الإرشادي والتربوي
حققت أطر روكيتش النظرية وأدواته السيكومترية اختراقات تطبيقية واسعة في ميادين علم النفس الإرشادي، والإرشاد المهني، والفلسفة التربوية. ففي مجال التوجيه المهني والأكاديمي للمراهقين والبالغين، أصبح مقياس القيم (RVS) ركيزة أساسية لمساعدة الأفراد على فهم ذواتهم ومواءمة اختياراتهم الحياتية مع منظومتهم القيمية العميقة. فالشخص الذي يضع قيمة “الاستقلالية” و”الخيال والإبداع” في صدارة قيمه الوسيلية نادراً ما يحقق الرضا في وظائف روتينية بيروقراطية صارمة، بينما الفرد الذي تتصدر لديه قيم “الأمن العائلي” و”الراحة المادية” يميل نحو الوظائف المستقرة والآمنة، مما قلل من حالات الاحتراق النفسي والاغتراب المهني.
وفي الساحة التربوية، شكلت نظرية العقل المنفتح والمنغلق أساساً لتطوير برامج التربية القيمية والتفكير النقدي (Values Education and Critical Thinking) في المدارس والمعاهد التعليمية الحديثة. تخلت المناهج التربوية المستنيرة عن أسلوب التلقين الأخلاقي المباشر القائم على الوعظ والامتثال، وتبنت استراتيجيات روكيتش في كشف التناقض المعرفي وتعزيز سعة الأفق (Broadmindedness) لدى الطلاب؛ حيث يدرب الطلاب على تقييم الأفكار بحيادية وفصلها عن مكانة المتحدثين بها، وتفكيك التعصب العرقي والطبقي عبر تنمية مهارات الحوار والتفكير المنطقي المنفتح.
أما في ميدان العلاج النفسي المعرفي-السلوكي (CBT) وعلاج القبول والالتزام (ACT)، فقد وظفت أطروحات روكيتش في تقنية تسمى “توضيح القيم” (Values Clarification). يساعد المعالج النفسي العميل على رسم خريطة هرمية لقيمه الوجودية، واستخدامها كموجهات لإعادة بناء المعنى وتجاوز نوبات الاكتئاب والقلق؛ فالكثير من الاضطرابات النفسية تنشأ من صراع قيمي غير محلول بين الغايات الفردية والمطالب الاجتماعية الضاغطة. ويمتد هذا التطبيق بنجاح باهر إلى ميدان الإرشاد الأسري وحل النزاعات الزوجية؛ إذ تكشف الجلسات الإرشادية أن معظم الصدامات الحادة بين الشركاء لا تنجم عن كراهية شخصية، بل عن صدام خفي في تراتبية القيم؛ كأن يقدم أحد الزوجين قيمة “الحرية والطموح” بينما يقدم الآخر قيمة “الأمن والاستقرار والطاعة”، ويتيح المقياس للطرفين تفكيك هذا النزاع وعقلنته والوصول إلى تسويات قيمية مشتركة.
11.2 التطبيقات في التسويق وسلوك المستهلك والتواصل الجماهيري
أحدثت أفكار روكيتش زلزالاً معرفياً في دراسات سلوك المستهلك (Consumer Behavior) وأبحاث التسويق الاستراتيجي. قبل انتشار أطروحاته، كانت الحملات التسويقية تصنف الجماهير تصنيفاً ديموغرافياً جافاً وتقليدياً يقتصر على معايير العمر، والجنس، والدخل، والمنطقة الجغرافية. مكنت نظرية روكيتش المسوقين من الانتقال إلى التقسيم السيكولوجي القيمي (Psychographic Segmentation)؛ حيث تكتشف الشركات أن الأفراد الذين ينتمون إلى نفس الشريحة العمرية والدخل المالي قد يتخذون قرارات استهلاكية متباينة جذرياً بسبب اختلاف منظومتهم القيمية الباطنية.
تبنت وكالات الإعلان الدولية استراتيجيات متطورة لصياغة حملات ترويجية لا تبيع مجرد خصائص وظيفية للمنتج، بل تخاطب القيم الغائية العليا للمستهلك. فعند تسويق سيارة فاخرة، لم يعد التركيز ينصب على قوة المحرك أو سرعة المكابح، بل على ربط امتلاك هذه السيارة بقيم غائية مركزية مثل “الاعتراف الاجتماعي” و”احترام الذات”. وفي تسويق منتجات التأمين والخدمات الصحية، يتم استدعاء قيم “الأمن العائلي” و”السلام الداخلي”. وبالمثل، تستهدف المنتجات السياحية والمغامرات فئة المستهلكين الذين تتصدر لديهم قيمة “حياة مثيرة ومليئة بالتجارب”.
وفي مجال التواصل الاستراتيجي وإدارة الأزمات المؤسسية والعلاقات العامة، وظفت الشركات نماذج روكيتش لضمان “المواءمة القيمية” (Value Congruence) مع المجتمع المحيط؛ فالشركات الكبرى أصبحت تدرك أن بقاءها واستمراريتها يتطلبان تبني مبادئ المسؤولية المجتمعية والبيئية لتتوافق مع صعود قيم “عالم من الجمال” و”المساواة” لدى الأجيال الاستهلاكية الجديدة. ويتيح هذا الفهم التفسير الدقيق لحركات المقاطعة الاستهلاكية الأخلاقية (Ethical Consumerism)؛ حيث يقاطع المستهلكون المعاصرون منتجات شركات تدعم أنظمة عنصرية أو تلوث البيئة، وهو سلوك لا تفسره المنفعة الاقتصادية المادية، بل يفسره التزام المستهلك بالدفاع عن سلامة قيمه الغائية والوسيلية ومنع التنافر المعرفي بين سلوكه الشرائي ومبادئه الأخلاقية المعلنة.
12. الإرث العلمي ومكانة ميلتون روكيتش في تاريخ علم النفس
12.1 الأثر التراكمي في علم النفس الاجتماعي المعرفي
يقف ميلتون روكيتش في سجل تاريخ العلوم الإنسانية كأحد عمالقة الجيل الذي أعاد بناء علم النفس الاجتماعي على أسس معرفية وإنسانية راسخة. تمثل إسهاماته الجليلة نقطة تحول كبرى تمكنت من إعادة الاعتبار العلمي والأكاديمي لدراسة القيم والمعتقدات الإنسانية، بعد عقود طويلة من التجاهل والتهميش فرضتها هيمنة السلوكية الراديكالية لـ ب. ف. سكينر (B. F. Skinner)، التي اعتبرت العقل والنوايا والضمير “صندوقاً أسود” غير قابل للدراسة العلمية الموضوعية. أثبت روكيتش بصرامته الإمبريقية أن ما يجري داخل هذا الصندوق الأسود من صراعات قيمية يمكن تكميمه، وقياسه، وإخضاعه لأدق القوانين الإحصائية الرياضية دون فقدان جوهره الإنساني الفريد.
نجح روكيتش في تأسيس جسر منهجي وإبستيمولوجي متين يربط بين النظرية الفلسفية الأخلاقية القديمة والبحث الإمبريقي الحديث؛ إذ نقل الفضائل الأخلاقية التي ناقشها أفلاطون وأرسطو وكانط وهيغل من سياق التأمل الميتافيزيقي المجرد، وزرعها في قلب المختبر السيكولوجي، مبيناً كيف تشكل هذه الفضائل المعمار الحقيقي الذي يوجه اتخاذ القرار، ويصنع التحيزات، ويشعل الحروب أو يصنع السلام بين الشعوب. أثرت كتبه وأبحاثه في تكوين أجيال متعاقبة من كبار الباحثين في العلوم السلوكية، ولا تزال أفكاره تشكل معيناً لا ينضب لعلماء الاجتماع والاتصال والعلوم السياسية.
وفي المشهد المعاصر المتسم بالثورة الرقمية وصعود منصات التواصل الاجتماعي، تكتسب نظريات روكيتش راهنية مذهلة وغير مسبوقة؛ إذ يعود علماء النفس اليوم إلى نصوصه حول “العقل المنغلق” لتفسير ظواهر الاستقطاب السياسي الحاد، والتعصب الحزبي الأعمى، والحروب الثقافية المشتعلة. فآليات الدفاع المعرفي التي رصدها روكيتش في الستينيات تتكرر اليوم بحذافيرها في السلوك الرقمي للمستخدمين، مما يؤكد أن ما طرحه لم يكن مجرد توصيف لظرف تاريخي مضى، بل كان تشريحاً عبقرياً ودائماً للطبيعة البشرية في مواجهة تحديات الوجود والأمن النفسي.
12.2 آفاق وتحديات دراسة القيم الإنسانية في المستقبل
تواجه دراسة المنظومات القيمية والمعتقدات في القرن الحادي والعشرين آفاقاً واعدة وتحديات بنيوية بالغة التعقيد تنطلق كلها من الأساس الذي تركه ميلتون روكيتش. في مقدمة هذه الآفاق يبرز تأثير الخوارزميات الرقمية وغرف الصدى (Echo Chambers) على تكريس العقل المنغلق الحديث. إن منصات التواصل الاجتماعي صممت خوارزمياتها لتعزيز التحيز التأكيدي للمستخدمين؛ حيث تحاصر الفرد فقط بالمعلومات والآراء المتوافقة مع معتقداته المسبقة، وتحجب عنه الرأي المخالف، مما يولد بيئة رقمية مثالية لإعادة إنتاج “الدوغماتية المعاصرة” التي حذر منها روكيتش، ويجعل من تطوير مقاييس جديدة مستوحاة من مقياس الدوغماتية لفهم تطرف الإنترنت أولوية قصوى لعلماء النفس المعاصرين.
ويتمثل التحدي الثاني في تأثيرات العولمة الكاسحة وتدفق الثقافات السريع على تراتبية القيم للأجيال الشابة؛ إذ تكشف المسوح المعاصرة عن تغيرات جذرية في ترتيب القيم الغائية للأجيال الرقمية (جيل Z وما بعده)، حيث تتراجع بعض القيم التقليدية القديمة لتحل محلها قيم مرتبطة بالعدالة البيئية، والسيولة الهوياتية، والاستقلال الفردي الصارم. يفرض هذا التحول إعادة مراجعة مستمرة لقوائم القيم لضمان مواكبتها لتحولات العصر دون إسقاط القواسم الوجودية المشتركة للإنسان.
وعلى الصعيد المنهجي، تفتح أدوات الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغات الطبيعية (NLP) آفاقاً مذهلة لتطوير أسلوب تحليل المحتوى الوثائقي الذي ابتدعه روكيتش؛ حيث بات بإمكان نماذج التعلم الآلي المعاصرة تحليل مليارات التغريدات والمنشورات الرقمية والخطابات واستخراج الخرائط القيمية التفصيلية للشعوب والمجتمعات في اللحظة الفعلية، كاشفة عن بؤر التنافر المعرفي ومؤشرات الصراع الاجتماعي بدقة متناهية كانت تفوق الخيال في زمن روكيتش التجريبي الأولي.
في الختام، يظل ميلتون روكيتش منارة ساطعة وراسخة في سماء المعرفة النفسية الإنسانية؛ لقد علمنا أن فهم الإنسان لا يتأتى عبر اختزاله في ردود أفعال عصبية أو دوافع حيوانية عمياء، بل عبر الإنصات العميق لصوت ضميره الأخلاقي وقيمه العليا. إن منظومة القيم ليست قناعاً خادعاً يتجمل به الإنسان، بل هي البوصلة الكبرى والشعلة المعرفية الهادية التي توجه خطى البشرية عبر دروب التاريخ الوعرة، وستظل أفكاره تلهم كل باحث يسعى إلى بناء عالم أكثر انفتاحاً، وتسامحاً، وإنسانية.
خاتمة
تتكامل مسيرة ميلتون روكيتش (1918 – 1988) كملحمة أكاديمية نادرة اجتمع فيها العمق الفلسفي، والنزاهة الأخلاقية، والبراعة المنهجية الإمبريقية. لقد استطاع هذا العالم البولندي-الأمريكي الفذ أن يعيد ترسيم حدود علم النفس الاجتماعي، واضعاً دراسة القيم الإنسانية وبنى المعتقدات في مركز الصدارة العلمية بعد عقود من الإقصاء. من خلال هرميته المعرفية المبتكرة، صاغ روكيتش فهماً جديداً يربط المعتقدات المتغيرة بالاتجاهات الوسيطة، ويرفعهما معاً إلى قمة القيم المركزية المستقرة؛ تلك النواة الصلبة التي تمنح الوجود البشري اتساقه وتماسكه الأخلاقي.
لم تكن أدواته السيكومترية—وفي مقدمتها مقياس روكيتش للقيم (RVS) ومقياس الدوغماتية—مجرد أوراق مسحية جافة، بل كانت مجاهر دقيقة كشفت ديناميات التنافر المعرفي، وحدود التعصب السياسي، وأوهام الأيديولوجيا، بل وحتى حدود الهوية الفردية في أقصى تجلياتها التراجيدية والعيادية في تجربة يبسيلانتي. ورغم الانتقادات المنهجية والأخلاقية التي واجهتها بعض تجاربه ومقاييسه، إلا أن شجاعته في مراجعة ذاته، وتأسيسه العلمي الرصين، فتحا الأبواب لولادة نظريات معاصرة كبرى كنظرية شالوم شوارتز، وقدمت حلولاً واقعية للإرشاد النفسي، والتربية، والتسويق، وحوار الثقافات.
إن راهنية ميلتون روكيتش في قرننا الحادي والعشرين تبدو أشد سطوعاً وإلحاحاً من أي وقت مضى؛ ففي عالم يموج بالاستقطاب الرقمي، وتيارات التشدد، والحروب الثقافية، تذكرنا نظرياته بأن الانغلاق الفكري ليس قدراً محتوماً، وأن العقل البشري يمتلك دوماً القدرة على استعادة انفتاحه، ومرونته، وكرامته الأخلاقية حين يمتلك الشجاعة لمواجهة تناقضاته الذاتية بعين الحقيقة والإنصاف.
المراجع
- Adorno, T. W., Frenkel-Brunswik, E., Levinson, D. J., & Sanford, R. N. (1950). The Authoritarian Personality. Harper & Row. https://psycnet.apa.org/record/1951-02941-000
- Allport, G. W. (1954). The Nature of Prejudice. Addison-Wesley. https://psycnet.apa.org/record/1954-07973-000
- Festinger, L. (1957). A Theory of Cognitive Dissonance. Stanford University Press. https://www.sup.org/books/title/?id=3850
- Hofstede, G. (1980). Culture’s Consequences: International Differences in Work-Related Values. SAGE Publications. https://us.sagepub.com/en-us/nam/cultures-consequences/book971
- Rokeach, M. (1954). The nature and meaning of dogmatism. Psychological Review, 61(3), 194–204. https://doi.org/10.1037/h0055817
- Rokeach, M. (1960). The Open and Closed Mind: Investigations into the Nature of Belief Systems and Personality Systems. Basic Books. https://psycnet.apa.org/record/1961-02685-000
- Rokeach, M. (1964). The Three Christs of Ypsilanti: A Psychological Study. Alfred A. Knopf. https://www.nyrb.com/products/the-three-christs-of-ypsilanti
- Rokeach, M. (1968). Beliefs, Attitudes, and Values: A Theory of Organization and Change. Jossey-Bass. https://psycnet.apa.org/record/1968-17551-000
- Rokeach, M. (1973). The Nature of Human Values. Free Press. https://psycnet.apa.org/record/1974-06833-000
- Rokeach, M. (1979). Understanding Human Values: Individual and Societal. Free Press. https://psycnet.apa.org/record/1980-50367-000
- Rokeach, M., & Ball-Rokeach, S. J. (1989). Stability and change in American value priorities, 1968-1981. American Psychologist, 44(5), 775–784. https://doi.org/10.1037/0003-066X.44.5.775
- Schwartz, S. H. (1992). Universals in the content and structure of values: Theoretical advances and empirical tests in 20 countries. Advances in Experimental Social Psychology, 25, 1–65. https://doi.org/10.1016/S0065-2601(08)60281-6
- Schwartz, S. H., & Bilsky, W. (1987). Toward a universal psychological structure of human values. Journal of Personality and Social Psychology, 53(3), 550–562. https://doi.org/10.1037/0022-3514.53.3.550