السيرة
يمثل المفكر والمحلل النفسي المصري العالمي مصطفى صفوان (1921-2020) علامة فارقة واستثنائية في تاريخ الفكر الفلسفي والتحليلي المعاصر؛ إذ يُعد أحد أبرز أركان مدرسة التحليل النفسي التأسيسية التي تشكلت حول الفيلسوف والمحلل الفرنسي الشهير جاك لاكان في باريس منتصف القرن العشرين. لم يكن صفوان مجرد تلميذ أو ناقل للأطروحات الفرويدية واللاكانية إلى اللسان العربي، بل كان منظراً إكلينيكياً أصيلاً ساهم بصرامة منهجية في تفكيك المفاهيم الكبرى لنظرية التحليل النفسي وإعادة تأسيسها إبستمولوجياً، انطلاقاً من فهم راديكالي لعلاقة الذات الإنسانية بالدال، واللغة، ومقتضيات القانون الرمزي.
تكمن فرادة مصطفى صفوان في قدرته النادرة على الجمع بين التكوين الفلسفي الصارم المشدود إلى أصول الفكر النقدي الغربي، والممارسة السريرية الطويلة والمعقدة في عيادات باريس والشرق الأوسط، إلى جانب انشغاله الوجودي والسياسي العميق بقضايا الثقافة العربية ومآزق التحديث فيها. ومن خلال اشتغاله الدقيق على أطروحة “اللاوعي مهيكل كاللغة”، قدم قراءات رائدة في تشريح العصاب، والذهان، والجنسانية، ومسألة السلطة والاستبداد السياسي، مما جعله جسراً معرفياً فذاً ربط ضفاف الفكر الباريسي بتموجات الواقع العربي، مؤسساً لنهج نقدي يتجاوز الخطابات الإيديولوجية السائدة ليخترق بنية اللاشعور الفردي والجمعي.
يقف القارئ لمتن مصطفى صفوان أمام مشروع فكري متماسك استمر في العطاء والنضج لما يقرب من قرن كامل؛ حيث استطاع أن يترجم كتاب سيغموند فرويد التأسيسي تأويل الأحلام إلى العربية بأمانة علمية وصياغة اصطلاحية غير مسبوقة، وخاض معارك نقدية وفلسفية حول ازدواجية اللغة في العالم العربي، ونبّه إلى أسباب تعثر الديمقراطية واستعصاء الحرية نتيجة لبنى بطريركية مستحكمة في الرمزية الثقافية. تقدم هذه الدراسة تحليلاً شاملاً وموسعاً لمسيرة هذا المفكر الكبير، متتبعة جذوره السكندرية، وتكوينه الفلسفي، وصولاً إلى أطروحاته الإكلينيكية، واللسانية، والسياسية، وتراثه الذي لا يزال يشكل بوصلة إبستمولوجية لكل باحث في أغوار النفس الإنسانية وميكانيزمات الخطاب والسلطة.
1. النشأة السكندرية والتكوين الفلسفي الأول (1921-1945)
1.1 البيئة الثقافية والسياسية في الإسكندرية
ولد مصطفى صفوان في مدينة الإسكندرية عام 1921، في حقبة تاريخية كانت فيها هذه الحاضرة المتوسطية تعيش أوج ازدهارها الكوزموبوليتاني. تميزت الإسكندرية حينها بتشابك لغوي وثقافي استثنائي؛ حيث تساكنت فيها جاليات يونانية، وإيطالية، وفرنسية، وأرمينية، ويهودية إلى جانب النسيج المصري المتنوع، مما شكل بيئة سمعية وبصرية فريدة انطبعت في وعي الفتى الباكر. لم تكن اللغات في تلك البيئة مجرد وسائل تواصل نفعية، بل كانت عوالم رمزية متجاورة تتيح للفكر معاينة كيف يُصاغ الواقع بصور متعددة عبر تنوع الأنساق اللغوية، وهو ما ولد لدى صفوان حساسية باكرة تجاه مركزية “الألسنية” والرمز في تشكيل الوعي الإنساني وموقع الذات من ثقافة عصرها.
تأثر صفوان تأثراً حاسماً بوالده الذي كان قيادياً بارزاً في الحزب الشيوعي المصري ومناضلاً نقابياً ومحامياً وطنياً مرموقاً. فتح هذا البيت المناضل مدارك الطفل على قضايا العدالة الاجتماعية، ومقاومة الاستعمار البريطاني، والتفكير المادي الجدلي؛ إذ لم يكن الفكر في منزل آل صفوان ترفاً نظرياً، بل ممارسة حية ترتبط بالدفاع عن العمال والمهمشين. هذا الامتزاج الخلاق بين الصرامة النضالية والوسط السكندري المنفتح، وفّر لصفوان مناعة فكرية مبكرة ضد النزعات الانغلاقية والدوغمائية، ورسخ لديه نزعة نقدية جعلته يتساءل دوماً عن المنطق الخفي الذي يحكم الروابط الاجتماعية والسياسية، ويوجه الفاعلين في التاريخ، وهو ما مهد لانعطافه لاحقاً نحو دراسة أعمق أغوار النفس البشرية.
تأرجح صفوان في مطلع حياته بين إتقان اللسان العربي بثرائه وبلاغته الكلاسيكية، وبين التعرض للغات الأوروبية الحية التي كانت لغات الثقافة والحداثة في مصر الملكية. هذا التعدد الألسني جعله يدرك مبكراً أن الفكر لا ينفصل عن آلته اللغوية، وأن الهوية ليست كتلة مصمتة وثابتة، بل هي نسق علاماتي يتشكل في مهب الخطاب. اكتشف صفوان أن بنية المجتمع المصري تعاني من انشطار طبقي ورمزي عميق ينعكس في استعمال اللغات، حيث شكل هذا الوعي البذرة الأولى التي نمت لتصبح لاحقاً مشروعه الرائد في نقد الازدواجية اللغوية وفحص البنى اللاشعورية للمتكلمين.
1.2 الدراسة الفلسفية بجامعة فؤاد الأول بالقاهرة
انتقل مصطفى صفوان إلى العاصمة المصرية ليلتحق بقسم الفلسفة في كلية الآداب بـجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حالياً)، والتي كانت تشهد في مطلع الأربعينيات عصراً ذهبياً على يد رعيل من كبار الرواد والمفكرين المستنيرين. تتلمذ صفوان على يد أساتذة تركوا بصمات لا تمحى في تاريخ النهضة الفكرية المصرية، مثل الشيخ مصطفى عبد الرازق، ومصطفى ناصف، ولاحقاً المفكر الوجودي عبد الرحمن بدوي الذي كان قد عاد لتوه من فرنسا حاملاً مشاعل الفلسفة الألمانية والفرنسية المعاصرة. اتسم الجو الجامعي آنذاك بجدل فكري صاخب وحرية أكاديمية رفيعة جعلت صفوان ينغمس في أمهات النصوص الفلسفية التأسيسية من الفكر اليوناني إلى العصر الحديث.
شهدت هذه المرحلة إقبالاً شغوفاً من صفوان على تفكيك الفلسفة الكانطية ونظريات المعرفة المعقدة في نقد العقل المحض، وتعمقاً في الفلسفة الهيغلية التي جذبت انتباهه بمنطقها الجدلي وفهمها لتاريخية الوعي واغتراب الروح. مكّنه هذا الاطلاع الفلسفي العميق من امتلاك أدوات التفكير المنطقي الصارم، والقدرة على مساءلة البديهيات، وعدم الركون إلى القراءات السطحية للمفاهيم الإنسانية. كان يرى في جدلية السيد والعبد الهيغلية، وفي مفهوم “الاعتراف”، مفتاحاً نظرياً بالغ الأهمية لفهم الكيفية التي تتأسس بها الذات عبر وساطة الآخر، وهو المفهوم الذي سيجد صداه البارز لاحقاً في صلب نظريات جاك لاكان حول رغبة الآخر.
إلى جانب دراسته الأكاديمية الصارمة للفلسفة المثالية، بدأ صفوان يكتشف، عبر مسارات قراءة شخصية ومجموعات نقاشية غير تقليدية، كتابات سيغموند فرويد الأولى ومفاهيم التحليل النفسي. لم يتعامل صفوان مع فرويد من مدخل سيكولوجي تبسيطي أو بيولوجي حتمي، بل قرأه كفيلسوف إبستمولوجي يُحدث قطيعة جذرية مع أوهام “الكوجيتو” الديكارتي وشفافية الوعي الذاتي. أثارت لديه مقولة اللاشعور تساؤلات حارقة حول حدود العقلانية الغربية، وجعلته يتيقن من أن الفلسفة، رغم عظمتها التجريدية، تقف عاجزة أمام فهم العصاب البشري وتكرار الإخفاق الوجودي للإنسان.
1.3 بواكير الاهتمام الإبستمولوجي بالتحليل النفسي
تولدت لدى صفوان خلال السنوات الأخيرة من دراسته الجامعية رغبة حاسمة في الانتقال من التجريد الفلسفي النظري، الذي يكتفي بتأمل العالم وتأويله في مقولات ميتافيزيقية عليا، إلى محاولة عيانية لفهم الميكانيزمات الواقعية التي تسير العقل البشري وتتحكم في تصرفاته المتناقضة. لاحظ صفوان أن أزمات الإنسان الحديث، بما فيها صدمات الحرب والتمزقات الاجتماعية في مصر الاستعمارية، لا يمكن حلها عبر المنطق الصوري وحده، بل تتطلب النفاذ إلى الرغبات المكبوتة، والدوافع الغريزية التي تقبع في صلب اللاشعور وتتنكر في صيغ أعراض مرضية وسلوكيات تدميرية.
بدأ صفوان يصوغ تساؤلاته الأولى المعنية بالعلاقة العميقة والغامضة بين اللاشعور والبناء اللغوي؛ متسائلاً: كيف يمكن للغة، التي يُفترض أنها وسيلة للتعبير الواعي والتفاهم، أن تكون في الوقت ذاته أداة للكبت ومسرحاً للزلات، وفلتات اللسان، والأحلام التي تنطق بما لا يريد المتكلم الإفصاح عنه؟ هذه التساؤلات وضعت صفوان في مسار فكري لم يكن مألوفاً في الأوساط الأكاديمية المصرية حينها، والتي كانت تنظر إلى التحليل النفسي إما كضرب من الطب النفسي العيادي المحض أو كنزعة تجريبية أنغلوساكسونية تهتم بقياس السلوك الخارجي وتكييفه.
أمام هذا الأفق المسدود للممارسة الفكرية الخالصة، حسم مصطفى صفوان أمره وقرر السفر إلى باريس عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية مباشرة في عام 1945. كان هدفه واضحاً ودقيقاً: تلقي التكوين الإكلينيكي المنهجي للتحليل النفسي من منابعه الأوروبية الأصيلة، واختبار فرضيات فرويد على سرير العيادة، والانخراط في المعترك السريري لاكتشاف سر الرغبة الإنسانية ومآلاتها، مدفوعاً بفضول إبستمولوجي ثائر لا يقبل التوفيقية أو الحلول الفكرية التلفيقية.
2. الارتحال إلى فرنسا والالتحاق بالحلقة اللاكانية الأولى
2.1 الوصول إلى باريس وبدء التحليل الإكلينيكي
وصل مصطفى صفوان إلى العاصمة الفرنسية باريس في خريف عام 1945، وهي المدينة الخارجة لتوها من ويلات الاحتلال النازي وأهوال الحرب العالمية الثانية. كانت باريس آنذاك تعيش فورة فكرية وإبداعية عارمة قادتها الوجودية السارترية وانتعاش الفينومينولوجيا بقيادة ميرلو بونتي وموريس غانديلاك. وجد الشاب السكندري نفسه وسط مدينة تعيد مساءلة مفاهيم الحرية، والمسؤولية، والذات الإنسانية من جذورها، وفي خضم حوارات عاصفة في مقاهي حي سان جيرمان دو بري والجامعات الكبرى حول مآلات الحضارة الغربية وقلق الإنسان المعاصر.
تطبيقاً للقواعد الصارمة لمهنة التحليل النفسي، كان لزاماً على صفوان، قبل أن يفكر في علاج الآخرين، أن يخوض بنفسه تجربة التحليل التعليمي الإكلينيكي (Psychanalyse didactique). وقد استقر اختياره على المحلل النفسي الفرنسي الرائد مارك شلومبرغر (Marc Schlumberger)، الذي كان أحد الأعمدة التاريخية للجمعية الباريسية للتحليل النفسي. امتدت هذه التجربة السريرية لسنوات، واستطاع صفوان من خلالها الغوص عميقاً في تاريخه الشخصي وذكريات طفولته المبكرة وصراعاته الباطنية، مجرباً على لحمه الحي سلطة الكلام وقوة التداعي الحر، ومكتشفاً كيف تتوارى الرغبة المكبوتة خلف حيل المقاومة ودفاعات الأنا.
أتاحت له هذه التجربة العيادية المعمقة الاحتكاك المباشر بالتحديات المهنية والمؤسساتية المعقدة التي كانت تمزق المجتمع التحليلي الفرنسي. اكتشف صفوان مبكراً التوترات الخفية بين النزعة الطبية المحافظة التي سعت إلى ابتلاع التحليل النفسي وتحويله إلى فرع ترويضي تابع للطب النفسي الإرشادي (وهو الاتجاه الذي رعته الجمعية العالمية للتحليل النفسي)، وبين النزعة الإنسانية والفلسفية الراديكالية التي ترفض تطبيع الذات وإخضاعها لمعايير التكيف المجتمعي والبورجوازي السائد.
2.2 اللقاء التاريخي مع جاك لاكان وتوثق الصلة الفكرية
في مطلع الخمسينيات، حدث التحول الأكثر حسماً وخطورة في مسار مصطفى صفوان الفكري والإكلينيكي، وذلك بالتقائه بالمحلل النفسي الاستثنائي والمثير للجدل جاك لاكان. كان لاكان قد بدأ لتوه إطلاق مشروعه الثوري المتمثل في “العودة إلى فرويد”، مطلقاً سميناره (حلقته الدراسية) الأسبوعي الأسطوري الذي سرعان ما تحول إلى بؤرة استقطاب لعلماء الفلسفة، والأدب، واللسانيات، والطب النفسي في فرنسا. التحق صفوان بهذه الحلقات التأسيسية منذ ساعاتها الأولى، حاملاً معه خلفيته الفلسفية التفكيكية وصرامته المنهجية التي ميزته فوراً عن سائر الحاضرين.
سرعان ما لفت الشاب المصري انتباه لاكان بحدة مداخلاته، ودقة ملاحظاته الإكلينيكية، وفهمه العميق لبنية النصوص الفرويدية الأصلية بلغتها الألمانية. تحولت العلاقة بين الرجلين سريعاً من علاقة أستاذ وتلميذ إلى صداقة فكرية وثيقة ورفقة درب حقيقية؛ حيث اعترف لاكان في مناسبات عدة بأن صفوان هو أحد ألمع قراء نصوصه، وأكثر المحللين استيعاباً للمفاهيم الطوبولوجية واللسانية التي كان لاكان يسعى لغرسها في تربة التحليل النفسي، واعتمد عليه كثيراً في تفكيك المفارقات العيادية الشائكة.
انخرط صفوان إلى جانب لاكان في مشروع إعادة قراءة المتن الفرويدي انطلاقاً من ثورة اللسانيات البنيوية التي دشنها فرديناند دي سوسير ومدرسة براغ بريادة رومان ياكوبسون. رأى صفوان بالدليل القاطع أن اكتشاف فرويد للاوعي ليس اكتشافاً لغرائز بيولوجية عمياء تسكن تحت قشرة الدماغ، بل هو اكتشاف لنظام علاماتي وشبكة من الدوال المترابطة؛ فاللاوعي لا يتحدث إلا من خلال علامات اللغة، وصوره ليست سوى استعارات وكنايات لغوية بامتياز، وهو ما فتح آفاقاً معرفية غير مسبوقة للتحليل النفسي المعاصر.
2.3 التكوين المزدوج بين الطب النفسي واللسانيات
لم يكتفِ مصطفى صفوان بالجانب النظري المجرد الذي كانت تطرحه الحلقات الدراسية، بل حرص على ملازمة الأقسام العيادية ومستشفيات الأمراض العقلية والنفسية الكبرى في فرنسا، وعلى رأسها مستشفى “سانت آن” التاريخي في باريس. هناك، انغمس صفوان لسنوات في مراقبة الحالات الإكلينيكية المستعصية من الذهانات الكبرى، والبارانويا، والفصام، والعصابات الشديدة. مكنته هذه الممارسة السريرية الميدانية من معاينة الانهيار المأساوي للرابطة اللغوية لدى المريض الذهاني، واختبار الفروق الجوهرية بين تفكك النظام الرمزي وعمليات الكبت العصابية العادية.
تزامن هذا التكوين الإكلينيكي الميداني مع نهضة الأنثروبولوجيا البنيوية بزعامة كلود ليفي شتراوس، الذي كان يلقي دروسه الرائدة في باريس حول البنى الأولية للقرابة. درس صفوان أعمال شتراوس بدقة بالغة وتأثر برؤيته لكيفية انبثاق الثقافة الإنسانية وقوانين منع زنا المحارم كنسق تبادلي رمزي محكوم بقواعد تماثل قواعد النحو اللغوي. وطبق صفوان هذه المفاهيم في فهم تموضع الطفل داخل شجرة العائلة وكيف تتشكل هوية الذات عبر موقعها من خطابات الوالدين وشبكة القرابة المحيطة بها.
أثمر هذا التزاوج الخلاق بين الممارسة الطبية الميدانية والفكر اللساني والأنثروبولوجي عن ولادة الهوية التحليلية الخاصة بمصطفى صفوان؛ فغدا ممارساً سريرياً حاد الإنصات ومنظراً أصيلاً يرفض الدخول في المعارك الأيديولوجية الزائفة، مؤكداً أن مهمة المحلل النفسي ليست إصلاح المجتمع ولا تقويم سلوك الفرد وفق أعراف الطبقة الحاكمة، بل تحرير رغبة الذات عبر استنطاق كلامها الخاص وتمكينها من الإمساك بزمام وجودها الرمزي والتاريخي.
3. صفوان والانشقاقات المؤسسية في تاريخ حركة التحليل النفسي
3.1 أزمة الجمعية العالمية للتحليل النفسي (IPA)
عاش مصطفى صفوان في قلب العواصف المؤسسية التي هزت حركة التحليل النفسي في فرنسا والعالم خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين. اندلعت الأزمة الكبرى حينما اصطدم جاك لاكان وتياره الصاعد بالبيروقراطية الصارمة لـالجمعية العالمية للتحليل النفسي (IPA)، وهي المؤسسة التي أنشأها فرويد وحافظت على تقاليد تنظيمية شديدة التحفظ والصرامة النمطية في لندن ونيويورك. تمحور جوهر الصراع الخارجي حول ما عُرف بتقنية “الجلسات التحليلية غير المحددة بزمن ثابت” (Séances à durée variable) أو الجلسات القصيرة التي كان يمارسها لاكان، والتي اعتبرتها الجمعية خروجاً صريحاً على التقاليد المعيارية التحليلية المقدرة بخمسين دقيقة ثابتة للجلسة.
وقف مصطفى صفوان بحزم وشجاعة فكرية في صف الأطروحة اللاكانية، مدافعاً عن الأساس النظري والإكلينيكي للجلسات القصيرة؛ حيث رأى أن توقيف الجلسة (La ponctuation) في لحظة نطق العميل بدالّ محوري ذي دلالة لاشعورية هو تدبير إكلينيكي حاسم يقطع استرسال “الكلام الفارغ” وثغثرة الأنا الدفاعية، ويدفع الخاضع للتحليل إلى الاصطدام برغبته المكبوتة والتفكير في زلاته. رفض صفوان تحويل مدة الجلسة إلى سلعة زمنية تُقاس بساعات المعصم وفق منطق العمل البورجوازي، معتبراً أن التحليل النفسي يرتبط بزمن اللاوعي المنفلت وليس بزمن الكرونومتر الفيزيائي.
أدى تعنت قيادة الجمعية العالمية للتحليل النفسي وتلويحها بطرد لاكان وتجريده من صفة “محلل تعليمي” إلى وقوع الانشقاق التاريخي الشهير عام 1953. شارك صفوان بفاعلية رفيعة مع لاكان ودولواز وفرانسواز دولتو في تأسيس “الجمعية الفرنسية للتحليل النفسي” (Société Française de Psychanalyse – SFP)، مسهماً في كتابة وثائقها النظرية، وخائضاً مفاوضات مضنية وممتدة للدفاع عن أصالة النهج الفرنسي الجديد ورفض الهيمنة الطبية والدوغمائية الأنجلوساكسونية التي أفرغت، برأيه، اكتشاف فرويد من شحنته التحررية والثورية الكبرى.
3.2 دوره داخل المدرسة الفرويدية بباريس (École Freudienne de Paris)
مع استمرار الضغوط الدولية لتقويض التجربة اللاكانية، شارك مصطفى صفوان عام 1964 في تأسيس الصرح التحليلي الأكثر راديكالية وتأثيراً في أوروبا: المدرسة الفرويدية بباريس (École Freudienne de Paris). كان تأسيس هذه المدرسة بمثابة إعلان استقلال فلسفي ومؤسسي كامل عن أشكال التحالف التحليلي التقليدي؛ إذ أعلن لاكان أن المدرسة مفتوحة لكل من يمارس التحليل أو يدرسه ويهتم بمفاهيمه دون اشتراط الحصول على شهادات في الطب البشري أو الخضوع لهياكل الترقية التقليدية المستوردة من الأكاديميات الكلاسيكية.
تولى صفوان في هذه المدرسة مواقع بالغة الحساسية والمركزية؛ حيث ساهم في صياغة النظام التعليمي والتدريبي للجيل الجديد من المحللين، ووضع الضوابط الإكلينيكية التي تضمن سلامة الممارسة التحليلية من الانجراف نحو الفوضى أو الإسفاف العيادي. تميز صفوان بقدرته النادرة على الشرح البيداغوجي المتبصر؛ فبينما كانت نصوص لاكان وسميناراته مشبعة بالغموض البلاغي، والتعقيدات الأسلوبية، والإحالات التوراتية والأدبية الصعبة، كان صفوان يمتلك قلماً شفافاً قاطعاً كالمبضع الفلسفي، يشرح به أعتى المفاهيم اللاكانية بصياغة دقيقة وصارمة نالت تقدير وإعجاب كبار المفكرين والباحثين من الرعيل الجديد.
لعب صفوان دوراً محورياً في مجلة المدرسة الرسمية الشهيرة (Scilicet) التي كانت شعارها اللاتيني الصارم: “أنت بوسعك أن تعرف”. تميزت هذه المجلة بنشر المقالات دون توقيع أسماء مؤلفيها في البداية ترسيخاً لفكرة أن “الدال هو ملك للحقل التحليلي الجمعي وليس ملكية فردية لأنا الكاتب”. قدّم صفوان في صفحاتها مقالات تأسيسية لا تزال تُقرأ ككلاسيكيات في نظرية الإخصاء الرمزي، وبنية الأوديب، ومفهوم المتعة، مما رسخ مكانته بصفته المرجع الإكلينيكي الرصين الذي يرجع إليه الجميع لفك مغاليق النظرية وضبط تطبيقاتها السريرية المعقدة.
3.3 حل المدرسة وموقف صفوان النقدي من مآلات اللاكانية
في عام 1980، اتخذ جاك لاكان، وهو في أواخر أيامه، قراره الصادم والمثير للجدل بحل “المدرسة الفرويدية بباريس”. جاء هذا القرار بعدما لاحظ لاكان انتشار النزعات التبجيلية والشخصانية بين مريديه، وتحول مدرسته تدريجياً إلى ما يشبه “الكنيسة الفكرية” أو العشيرة المغلقة التي تتردد فيها مصطلحاته بطريقة ميكانيكية استعراضية خاوية من الروح النقدية والإكلينيكية الحقيقية. وقد أحدث هذا القرار زلزالاً معرفياً وشخصياً عاصفاً في الأوساط الثقافية الفرنسية، وقسّم تلامذة لاكان إلى كتل وجماعات متناحرة تتصارع على وراثة شرعيته وتراثه المكتوب والشفهي.
اتخذ مصطفى صفوان من هذه الأزمة موقفاً استثنائياً اتسم بالنزاهة والابتعاد الراديكالي عن الصراعات التافهة على السلطة الرمزية والمادية التي اندلعت بين أقطاب التركة اللاكانية. أيد صفوان من حيث المبدأ تفكيك التكلس المؤسسي ورفض التحول الأرثوذكسي، لكنه في الوقت ذاته انتقد بشدة محاولات بعض المقربين احتكار تفسير لاكان أو فرض وصاية عائلية وإدارية على إرثه الفكري الضخم. أكد صفوان أن التحليل النفسي ليس ملكاً لاسم عَلَم مهما بلغ نبوغه، بل هو حقل علمي وإنساني مفتوح على المساءلة الدائمة ولا يمكن حصره في طائفة مغلقة تؤله زعيمها.
حافظ صفوان على استقلالية موقفه الفكري، مبتعداً عن التجمعات الجديدة التي نشأت على أنقاض المدرسة الفرويدية كـ”المدرسة التابعة للقضية الفرويدية”، مفضلاً التركيز على عيادته الخاصة، وكتابة مصنفاته الكبرى، والتدريس الحر المستقل في فرنسا وإنجلترا ومصر. ظل متمسكاً بالجوهر الحي للاكتشاف الفرويدي واللاكاني: التحرر الجذري من كل أشكال الخضوع للـ”أب المستبد” والـ”سيد المطلق”، مجسداً في سلوكه ومواقفه تلك المسافة النقدية الصارمة التي تفصل بين التفكير الحر والانجرار وراء عبادة الشخصية.
4. نظرية الكلام واللغة واللاوعي عند مصطفى صفوان
4.1 إعادة صياغة الأطروحة اللاكانية: اللاوعي مهيكل كاللغة
تُعد إعادة الصياغة الإبستمولوجية التي قدمها مصطفى صفوان لمقولة لاكان الأشهر: “اللاوعي مهيكل كاللغة” (L’inconscient est structuré comme un langage) من أدق المساهمات النظرية في تاريخ مدرسة باريس. حرص صفوان على تخليص هذه المقولة من التفسيرات الضحلة التي كانت تعتبرها مجرد استعارة شعرية أو تماثل بلاغي خارجي. أثبت صفوان من خلال العودة التحليلية الدقيقة إلى كتابات فرويد، لاسيما كتابيه “تأويل الأحلام” و”فلتات اللسان”، أن الآليات التي تحكم اللاشعور البشري في إنتاج الأعراض والرؤى والأوهام ليست في حقيقتها إلا القوانين البنيوية ذاتها التي تحكم اللسان البشري: الاستعارة (والتي تقابل آلية التكثيف الفرويدي Condensation) والكناية (والتي تقابل آلية الإزاحة الفرويدية Déplacement).
أبرز صفوان التمييز اللساني الصارم بين “اللغة” (La langue) كنظام اصطلاحي ومخزن مجرد من العلامات والقواعد القاموسية المحايدة، وبين “الكلام” (La parole) كفعل تلفظ وجودي ينخرط فيه فرد تاريخي محدد في مواجهة آخر. إن اللاوعي لا ينبثق في معجم الكلمات الميتة، بل يولد في صميم عملية “التلفظ” (Énonciation)؛ في الثغرات والوقفات، والزلات التي يفرزها الكلام المنطوق. فالإنسان لا يتكلم باللغة فقط، بل إن اللغة هي التي تتكلم في الإنسان ومن خلاله، متجاوزة إرادته الواعية وتخطيطه العقلي المسبق.
كشف صفوان عن سلطة “الدال” (Signifiant) وهيمنته التأسيسية على “المدلول” (Signifié)؛ فالذات الإنسانية ليست كائناً مكتفياً بذاته يختار كلماته ليعبر عن أفكار نقية تسبق الكلام، بل هي ذات مُمزقة ومستلبة حتماً داخل النظام الرمزي السابق على ولادتها. يدخل الطفل إلى عالم مليء بالدوال العائلية والاجتماعية التي تُطلق عليه اسماً، وتحدد له موقعاً، وترسم له رغبات قبل أن ينطق بكلمة واحدة. ومن هنا، فإن الذات ليست سيدة في بيتها الخاص، بل هي نتاج هذه الشبكة اللغوية الصارمة التي تحكم مصيرها وتقبض على أعمق دوافعها اللاشعورية.
4.2 الكلام التام والكلام الفارغ في الفضاء الإكلينيكي
في الممارسة السريرية، بلور مصطفى صفوان تمييزاً إكلينيكياً فاصلاً بين نمطين من التلفظ الإنساني: “الكلام الفارغ” (Parole vide) و”الكلام التام” (Parole pleine)، موضحاً دورهما المركزي في توجيه مسار العلاج التحليلي. عرّف صفوان “الكلام الفارغ” بأنه ذلك التدفق اللفظي المستمر والثرثرة اليومية الاستعراضية التي يمارسها الأنا (Moi) لبناء صورة وهمية عن ذاته المتماسكة والمتكاملة أمام المحلل. إن الكلام الفارغ هو كلام الاستلاب التخيلي؛ حيث يتحدث الخاضع للتحليل عن نفسه كأنه يتحدث عن شخص آخر، مستخدماً قوالب لغوية جاهزة ومقولات تبريرية مصممة خصيصاً لتفادي الاصطدام برغبته المكبوتة وبحقيقة نقصه وهشاشته العاطفية.
في المقابل، يمثل “الكلام التام” ذلك التلفظ الصادق والنادر الذي يحدث حين ينكسر قناع الأنا وتسقط دفاعاته التبريرية، فينطق الخاضع للتحليل بكلمات تعيد ربطه بتاريخه المنسي وتسمي رغبته المحرمة بأسمائها الحقيقية. إن الكلام التام هو لحظة استعادة الذات لقصتها وموقعها التراجيدي داخل شبكة العلاقات الأوديبية الأولى؛ إنه نطق بالدال الذي يغير موقع المتكلم من مرضه، محولاً العرض العصابي من شلل ومعاناة غامضة إلى معنى رمزي يمكن التعايش معه وتجاوزه. وفي هذه اللحظة بالذات، يتحول الكلام من مجرد ثرثرة حول المعاناة إلى فعل تأسيسي يحرر الرغبة من أسر التكرار القهري القاتل.
تتمثل الوظيفة الجوهرية للمحلل النفسي، بحسب صفوان، في الإنصات الموجه ضد استعراضات الكلام الفارغ، وعدم الانجرار وراء المعاني السطحية المغلقة التي ينسجها المريض. على المحلل أن يكون حارساً للشقوق، يتربص بالزلات، والوقفات المفاجئة، واللحظات التي يتعثر فيها اللسان أو تصاب الجملة بالخلل النحوي؛ ففي تلك العثرات بالذات ينبثق دال اللاوعي، كاشفاً عن حضور الرغبة الحقيقية التي كانت خافية ومكبوتة وراء طوفان الأوهام الواعية.
4.3 كتاب ‘الكلام أو الموت’: الأبعاد الوجودية واللسانية
يعد كتاب مصطفى صفوان البارز الكلام أو الموت (La parole ou la mort)، الصادر عن دار غاليليه بباريس، واحداً من أعمق المصنفات المعاصرة التي سبرت الأبعاد الفلسفية والأنثروبولوجية للشرط اللغوي الإنساني. يطرح صفوان في هذا النص أطروحة وجودية راديكالية: إن النطق الإنساني ليس ترفاً ولا مجرد خاصية إضافية للكائن الحي، بل هو الشرط الوجودي الأوحد لتفادي الفناء والموت؛ فالإنسان حين يمتنع عن الكلام أو حين يُحرم من إدراج جسده وغرائزه داخل النظام الرمزي للدال، فإنه يُدفع دفعاً إما نحو التدمير الذاتي الجسدي أو نحو التوحش والذهان والفناء النفسي التام.
يوضح صفوان في هذا المتن أن التسمية الرمزية (Symbolisation) هي الآلية الوحيدة التي تتيح للإنسان السيطرة على العدوانية الغريزية البدائية التي تسكن أعماقه. إن الكلمة هي بمثابة “موت الشيء” بحسب التعبير الهيغلي الشهير؛ أي أنها ترفع الشيء من كينونته المادية الغاشمة لتضعه في الفضاء الرمزي المجرد. فعندما يتمكن الطفل من قول “أنا غاضب” أو “أنا أريد”، فإنه يستبدل العنف الفيزيائي والقتل المادي بتبادل دلالي مفتوح مع الآخر، ومن ثم فإن اللغة هي السور الحامي الذي يحول دون انزلاق التجمعات البشرية إلى حرب الإبادة والدمار الشامل.
يعاين الكتاب بعين فاحصة كيف يتحول الحرمان اللغوي والاستلاب في علاقات القهر إلى عرض عصابي وانسداد وجودي كامل. يؤكد صفوان أن القمع الاستبدادي والمنع من التعبير، سواء داخل الأسرة البطريركية المغلقة أو في ظل الأنظمة السياسية الديكتاتورية الشمولية، يقود بالضرورة إلى انحلال الروابط الرمزية في المجتمع، وتصاعد موجات العنف الأعمى والجريمة، وتفشي الأمراض السيكوسوماتية (النفس-جسدية)؛ حيث يعجز الجسد عن نطق ألمه بالكلمات، فيضطر إلى الصراخ بالأعراض المرضية والتلف العضوي.
5. أوديب، الأب، والدال الاسمي: البنية العائلية وتكوين الذات
5.1 إعادة قراءة العقدة الأوديبية وفق المنظور الرمزي
قدّم مصطفى صفوان قراءة تجديدية وبنيوية حاسمة لـعقدة أوديب الفرويدية، متجاوزاً التفسيرات البيولوجية الساذجة التي حصرت الأوديب في رغبة جسدية مادية يبديها الطفل تجاه جسد أمه ورغبة في تصفية الأب البيولوجي وقتله. رأى صفوان أن أوديب ليس حدثاً واقعياً ولا دراما مسرحية منزلية، بل هو “بنية رمزية مثلثة” تفرض نفسها على الكائن البشري لانتشاله من الحالة الحيوانية والطبيعة البيولوجية وإدخاله قسراً إلى رحاب الثقافة الإنسانية وقوانين التبادل الاجتماعي القائمة على تحريم زنا المحارم.
شرح صفوان بدقة استثنائية مراحل المرور الأوديبي الثلاث كما صاغها لاكان وأعاد هو تأصيلها إكلينيكياً:
- المرحلة الأولى: مرحلة الاندماج التخيلي والالتحام النرجسي بين الرضيع وأمه؛ حيث يرى الطفل نفسه بوصفه “القضيب” (Phallus) المتخيل الذي يملأ كل نقص لدى الأم ويحقق لها كمالها، وهي علاقة ثنائية مغلقة تمثل خطراً قاتلاً لأنها تلغي المسافة الرمزية وتضع الطفل تحت رحمة رغبة الأم المطلقة والمبتلعة.
- المرحلة الثانية: تدخل الأب بوصفه القوة المانعة والمحرمة التي تكسر هذا الالتحام الثنائي عبر تطبيق القانون الرمزي، قائلاً للطفل: “لن تضطجع مع أمك”، وقائلاً للأم: “لن تبتلعي نتاج أحشائك”، وهي لحظة حاسمة يكتشف فيها الطفل أنه ليس كل شيء بالنسبة للأم، وأن رغبة الأم تتجه نحو شيء آخر خارج عنه.
- المرحلة الثالثة: استبطان القانون الأبوي والتعويض الرمزي؛ حيث يتخلى الطفل عن رغبته في أن يكون هو القضيب للأم، مقابل أن ينال وعداً رمزياً بامتلاك القدرة على الرغبة وتكوين أسرة خاصة به في المستقبل، وهو ما يسميه التحليل النفسي بـ”الإخصاء الرمزي” (Castration symbolique).
يؤكد صفوان في كافة تحليلاته أن الإخصاء الرمزي ليس عقاباً ولا نقصاناً في الكرامة، بل هو الهدية الكبرى والشرط الوجودي الحتمي لنيل الحرية الإنسانية. فالإنسان الذي لم يمر بالإخصاء يظل عبداً لأوهام الكمال النرجسي، عاجزاً عن تحمل النقص والاعتراف بالآخر المختلف، ومحكوماً عليه إما بالسقوط في العصاب التدميري أو في فخ التماهي الذهاني المطلق.
5.2 مفهوم ‘اسم الأب’ واستعارة الأبوة
انطلاقاً من التمييز بين الأب الواقعي البيولوجي ووظيفته في النسق الرمزي، بلور صفوان مفهوم “اسم الأب” (Nom-du-Père) بالتركيز على وظيفته كدال مؤسس للشرعية الثقافية. أوضح صفوان أن الأب الحقيقي في التحليل النفسي ليس هو الوالد المتعين جسدياً في البيت والذي يطعم ويكسو، بل هو دال في النظام الرمزي يعبر عن القانون، وسلطة الاسم العائلي، وحرمة زنا المحارم. يمكن للأب الفيزيائي أن يكون غائباً، أو ضعيفاً، أو حتى متوفياً، ولكن إذا كانت وظيفته الرمزية حاضرة ومحترمة في كلام الأم وخطابها اليومي، فإن ذلك يفي تماماً بتحقيق التوازن البنيوي للطفل وحمايته من أهوال الابتلاع النفسي.
حلل صفوان مفهوم “الاستعارة الأبوية” (Métaphore paternelle) معتبراً إياها العملية اللسانية التي يقوم فيها دال “اسم الأب” بالحلول محل دال “رغبة الأم” في لاوعي الطفل؛ فبدلاً من أن يظل معنى رغبة الأم لغزاً مهدداً يتساءل أمامه الطفل بقلق: “ماذا تريد مني هذه المرأة؟”، يأتي اسم الأب ليعطي اسماً لهذا الغموض، رابطاً رغبة الأم بالقانون والنظام الاجتماعي واللغوي الأوسع. وبذلك تتحول رغبة الأم من هاجس مرعب إلى رغبة مشرعنة ومقيدة تمنح الطفل حريته في بناء عوالمه النفسية الخاصة المستقلة.
في مقابل ذلك، عالج صفوان بصرامة إكلينيكية الكارثة النفسية المترتبة على سقوط أو إقصاء دال “اسم الأب” (Forclusion du Nom-du-Père). فعندما يفشل هذا الدال في التموضع داخل سجل الرمز، يظل النظام الدلالي للذات مهدداً بالانهيار الكامل. إن إقصاء اسم الأب هو الآلية المؤسسة لنشوء البنية الذهانية (Psychose)؛ حيث يظل المرء عاجزاً عن التوسط الرمزي للواقع، وحين يصطدم في مرحلة لاحقة من حياته بمطلب أبوي حاسم، ينهار بناؤه النفسي وتتفجر الهلاوس، والأوهام، والذهانات التدميرية كرد فعل على فراغ الدال الغائب.
5.3 دراسات صفوان الإكلينيكية حول العصاب والذهان
تميزت إسهامات مصطفى صفوان الإكلينيكية بقدرته الفذة على رسم حدود تشخيصية دقيقة وقاطعة بين الميكانيزمات النفسية الكبرى التي تدير الصراع اللاشعوري لدى الإنسان، وميز ببراعة بين ثلاثة مسارات رئيسية:
- الكبت (Refoulement): وهو الآلية النوعية المؤسسة لـ”العصاب”؛ حيث يُدفع التمثيل اللغوي للرغبة إلى اللاوعي مع بقاء شحنته الانفعالية نشطة، لتظهر لاحقاً عبر زلات اللسان، أو الأحلام، أو الأعراض المرضية التي تحتمل دائماً تأويلاً فكياً للرموز.
- الجحود أو الإنكار (Dénégation / Verleugnung): وهو الآلية المرتبطة بـ”الانحراف” أو “الفتشية”؛ حيث تدرك الذات حقيقة الإخصاء ونقص الآخر لكنها تجحد هذا الإدراك وتلتف عليه عبر تنصيب بديل موضوعي نرجسي تمنحه القداسة المطلقة.
- الإقصاء والنبذ (Forclusion / Verwerfung): وهو الآلية المسؤولة حصراً عن “الذهان”؛ حيث لا يدخل الدال الرمزي إلى اللاوعي أصلاً ليُكبت، بل يُطرد طرداً جذرياً خارج السجل الرمزي برمته، ليعود في صيغة هلاوس سمعية وبصرية تغزو الواقع العياني للمريض الذهاني.
حلل صفوان كيفية تشكل الأعراض في العصابين الأساسيين: الهستيريا وعصاب الوسواس القهري، كإنتاج مباشر لتعثر التموضع الأوديبي حيال الرغبة؛ ففي حين تضع الهستيرية نفسها في موقع “الموضوع المفقود” الذي يشعل رغبة الآخر لإبقاء الرغبة حية كـ”رغبة غير مشبعة”، يسعى المصاب بالوسواس القهري بكل حيله الطقوسية والعقلانية الدفاعية إلى تحييد الآخر وإلغاء رغبته، محولاً إياها إلى “رغبة مستحيلة” لتجنب مواجهة فناء رغبته وخوفه المرضي من الموت والإخصاء الرمزي.
أما بخصوص التعامل السريري مع الذهاني داخل فضاء العيادة، فقد حذر صفوان بشدة من تطبيق منهج التأويل الرمزي المعتاد المستخدم مع العصابي؛ لأن الذهاني لا يملك دالاً استعارياً، وتأويل كلامه يجعله يشعر بأن المحلل هو المتسلط والمضطهِد الذي يقتحم عالمه الداخلي، ناصحاً بأن يكون المحلل بمثابة “السكرتير الوفي” للذهاني؛ ينصت إلى هذيانه دون إدانة أو تصحيح، ويسانده في نسج شبكة من الأوهام المستقرة (كالهذيان المنظم) التي تحميه من التفكك الكامل وتعيد ربطه بالواقع الإنساني والعيش المشترك.
6. الرغبة الجنسية والأنوثة في المتن الصفواني
6.1 تفكيك مقولة ‘الجنسية الأنوثية’ في ضوء التحليل النفسي
احتل التفكير في الأنوثة والجنسانية الأنثوية موقع الصدارة في دراسات مصطفى صفوان المتقدمة، وتجلى ذلك في دراسته التأسيسية ذائعة الصيت التي نشرها في باريس بعنوان الجنسية الأنوثية في ضوء الفكر الفرويدي (La sexualité féminine selon la doctrine freudienne). انطلق صفوان من مراجعة نقدية شجاعة وعميقة لأطروحة سيغموند فرويد التاريخية حول “الحسد القضيبي” (Penisneid) عند المرأة وتصويره الكلاسيكي للمرأة كـ”رجل ناقص” يعاني من عقدة العجز نتيجة لغياب العضو المذكر الخارجي.
أعاد صفوان، بالاستناد إلى الترسانة النظرية البنيوية، قراءة هذا الحسد ليس كحسد لعضو بيولوجي ولحمي معزول، بل كحسد لـ”الدال القضائي” (Signifiant phallique) الذي منحه النظام الثقافي والبطريركي الذكوري امتياز تمثيل السلطة، والمعنى، وحق الكلام. بيّن صفوان أن معاناة المرأة ليست ناجمة عن حتمية تشريحية بيولوجية قدرية كما توهم فرويد في مقولته الشهيرة “التشريح هو القدر”، بل هي نتاج استلاب تاريخي ورمزي أملته بنى قرابية وثقافية حولت المرأة إلى موضوع للمبادلة بدلاً من أن تكون ذاتاً كاملة الأهلية في التلفظ والرغبة.
فحص صفوان المفارقة اللاكانية المعقدة: “المرأة لا توجد” (La femme n’existe pas)، مبيناً أنها تعني استحالة وجود جوهر أنثوي كلي ومطلق يمكن صياغته في دال لغوي واحد ومغلق كما هو الحال مع الرجل الذي يستند إلى القانون القضائي؛ فالنساء يدخلن إلى النظام الرمزي “واحدة فواحدة”، وكل امرأة تؤسس علاقتها الفريدة بذاتها ورغبتها دون نموذج كلي عام، وهو ما يجعل الأنوثة في صميم التحليل النفسي تمثل لغزاً استثنائياً يتحدى المنطق الذكوري الترويضي، ويشير إلى أفق لامتناهٍ من الرغبة ينفلت دائماً من قيود التنميط والأسر القاموسي.
6.2 جدلية الإشباع والحرمان: مفهوم الرغبة والمتعة (Jouissance)
حرص مصطفى صفوان في محاضراته وكتبه على صياغة تمييز مفاهيمي صارم بين ثلاثة مستويات تخلط بينها السيكولوجيا الكلاسيكية خلطاً فادحاً: “الحاجة” (Le besoin)، و”الطلب” (La demande)، و”الرغبة” (Le désir). يوضح صفوان هذا الثالوث عبر الآتي:
- الحاجة: هي توتر عضوي بيولوجي نقي ومحدد يهدف إلى موضوع طبيعي (كالجوع الذي يشبعه الطعام، أو العطش الذي يرويه الماء)، وهي قابلة للإشباع الكامل والانتهاء المؤقت بزوال التوتر.
- الطلب: يولد حين يُضطر الطفل إلى صياغة حاجته عبر اللسان وتوجيهها إلى الآخر (الأم)، فيتحول الطلب من رغبة في الطعام العضوي إلى “طلب غير مشروط للحب والاعتراف”، وهو طلب يستحيل إشباعه بالكامل لأن أي موضوع مادي يقدمه الآخر يظل عاجزاً عن التعبير عن الحب الكلي.
- الرغبة: هي الفارق الجوهري والهوة السحيقة التي تنفتح بين الحاجة البيولوجية والطلب اللغوي؛ فالرغبة لا تتعلق بموضوع مادي محدد، بل هي رغبة في النقص ذاته، رغبة متفلتة ومتحركة دائماً من دال إلى دال دون أن تجد استقراراً نهائياً.
إلى جانب مفهوم الرغبة، سبر صفوان أعماق المفهوم اللاكاني الأخطر: المتعة الفائضة (Jouissance). بيّن صفوان أن المتعة تختلف جذرياً عن “اللذة” المقيدة بمبدأ التوازن وتجنب الألم عند فرويد؛ فالمتعة الفائضة هي إشباع تدميري يتجاوز حدود مبدأ اللذة ليندفع نحو غريزة الموت والخراب النفسي والجسدي. إنها تلك اللذة الشديدة والمؤلمة التي يختبرها العميل في تكرار أعراضه المرضية ومعاناته اللاشعورية المستمرة، حيث ترتبط المتعة بالأنا الأعلى المتوحش الذي يطالب الذات بالاستمتاع المستحيل والتضحية بكينونتها على مذبح النزوة العمياء.
خلص صفوان إلى الأطروحة التراجيدية الكبرى في الفكر اللاكاني: “لا توجد علاقة جنسية” (Il n’y a pas de rapport sexuel)، والمقصود بها الاستحالة البنيوية للتطابق التام والاندماج الكامل بين الجنسين؛ فالرجل يلتقي دائماً بالمرأة عبر وساطة خيالاته ونرجسيته والدال القضائي، والمرأة تلتقي بالرجل من خلال علامات رغبتها اللامتناهية، وبالتالي يظل سوء التفاهم، والاغتراب، والوساطة الرمزية هي القدر الحتمي الذي يحكم الجنسانية البشرية خارج أوهام الأفلاطونية والحلول التوفيقية الرومانسية.
6.3 العلاقة بين الجنسانية والسلطة في المجتمع الحديث
لم يقصر صفوان تحليلاته للجنسانية على الجدران المغلقة لغرفة التحليل، بل ارتقى بها لتشريح آليات الهيمنة وتشكيل القهر في الفضاء السياسي والاجتماعي. فكك صفوان الطريقة التي تستثمر بها الأنظمة البطريركية والاستبدادية القمع الجنسي في ترسيخ خضوع الرعايا؛ حيث أظهر أن حظر المعرفة الجنسية، وشيطنة الجسد، وتوليد الشعور العارم بالذنب لدى الناشئة، كلها أدوات رمزية فعالة لشل التفكير النقدي وتطويع الأفراد لتقبل سلطة “الأب القائد” و”الزعيم المستبد” دون أدنى مساءلة أو مراجعة.
في الوقت ذاته، انتقد صفوان بحدة الخطاب الرأسمالي والاستهلاكي المعاصر الذي يدعي التحرر الجنسي المطلق ويوظف “المتعة الإلزامية” في خدمة ترويج السلع. رأى صفوان أن التحريض على الاستهلاك الجنسي المفرط والترويج لأوهام الأداء الجنسي الفائق هو في حقيقته قمع أشد مكراً من المنع التقليدي؛ لأنه يدمر شرط الرغبة الجوهري القائم على “المسافة والنقص”، محولاً الجسد إلى آلة استهلاكية مفرغة من المشاعر، ومساهماً في تفشي الكآبة المرضية والعجز النفسي لدى إنسان الحداثة المتأخرة.
قدّم صفوان مفهوماً تحليلياً متفرداً لـ”الحب” بوصفه الوسيط الوحيد الممكن والمفارق الذي يعيد ربط الذات بالآخر رغماً عن عجز الرغبة واستحالة المتعة الكاملة. فالحب في التحليل النفسي ليس تماهياً رومانسياً طفولياً بالآخر، بل هو “منح ما لا تملكه لشخص لا يريده”، أي الاعتراف المتبادل بالنقص الإنساني المشترك، وقبول هشاشة الشريك واختلافه الراديكالي، متجاوزاً منطق الاستملاك والأنانية نحو بناء فضاء مشترك يعيد صياغة التاريخ النفسي للمحبين على أرضية الحقيقة والحرية.
7. مشروع ترجمة ‘تأويل الأحلام’ وتأسيس المصطلح العربي
7.1 سياق الترجمة التأسيسية لكتاب فرويد العمدة
في أواخر الخمسينيات، شرع مصطفى صفوان في إنجاز عمل علمي جبار سيظل محفوراً في ذاكرة الثقافة العربية الحديثة: ترجمة كتاب سيغموند فرويد التأسيسي تأويل الأحلام (Die Traumdeutung) إلى اللغة العربية بمشاركة والده المناضل أحمد صفوان. كان هذا العمل يمثل تحدياً إبستمولوجياً ولغوياً من أعلى طراز؛ فالنص الأصلي لفرويد، الذي فجر به ثورة القرن العشرين في عام 1900، لم يكن مجرد كتاب في علم النفس السريري، بل كان عملاً أدبياً، وفلسفياً، ولغوياً محتشداً بالأمثلة الألمانية الدقيقة، والتحليلات الصوتية، والجناس، والتوريات اللغوية التي تشكل مادة الأحلام ذاتها.
عند مقارنة ترجمة مصطفى صفوان بالترجمات العربية الشائعة الأخرى في تلك الحقبة، تظهر فرادة منجزه بوضوح ساطع؛ فبينما كانت التراجم الأخرى تعتمد على النسخ الإنجليزية المبسطة أو تختزل مفاهيم فرويد لتلائم السيكولوجيا التربوية والنفسية السلوكية الرائجة، أصر صفوان على تقديم ترجمة نقدية دقيقة ومحكمة تعود مباشرة إلى صلب المفاهيم الأصلية، وتلتزم بحرفية النص وحركته التوليدية، مؤمناً بأن لغة التحليل النفسي لا يمكن فصلها عن بنيتها اللسانية الأصلية.
أعاد صفوان الاعتبار لمنهج فرويد الصارم في قراءة آليات “عمل الحلم” (Traumarbeit)؛ حيث بيّن عبر نصه المترجم أن الحلم ليس لغزاً صوفياً ولا رسالة تنبؤية خارقة، بل هو “نص مكتوب برموز بصرية” يتطلب قراءة حرفية تفكيكية لأجزائه. وعبر نقله الدقيق لآليتي التكثيف والإزاحة، وفّر للمكتبة العربية أول مدخل علمي رصين يمكّن القارئ والباحث من فهم كيف يصنع اللاشعور صوره ورموزه بعيداً عن التفاسير الغيبية والشعبية الساذجة التي طغت لعقود طويلة على التناول العربي لمسألة الأحلام.
7.2 صناعة المعجم والاصطلاح التحليلي في اللغة العربية
واجه مصطفى صفوان أثناء الترجمة معضلة كبرى تتمثل في فقر المعجم النفسي العربي الحديث وغياب المصطلحات الدقيقة القادرة على استيعاب المفاهيم الفرويدية المعقدة دون تشويه دلالي. خاض صفوان معركة لسانية ونحتية رائدة لصياغة المصطلح التحليلي العربي، ونجح باقتدار في تجذير مصطلحات أصبحت اليوم من بديهيات المعرفة الإنسانية في لغة الضاد؛ فثبت استخدام مصطلح “اللاوعي” أو “اللاشعور”، و”الكبت” بدلاً من “القمع”، و”النكوص” (Régression)، و”التحويل” (Transfert)، و”الإعلاء” أو “التسامي” (Sublimation).
استند صفوان في مغامرته الاصطلاحية إلى كنوز البلاغة العربية الكلاسيكية، لاسيما إسهامات كبار علماء البيان والنقد مثل عبد القاهر الجرجاني في “دلائل الإعجاز” و”أسرار البلاغة”. اكتشف صفوان تطابقاً عبقرياً بين مفاهيم البلاغة العربية الكلاسيكية وآليات عمل التحليل النفسي؛ فاستخدم مفهوم “المجاز” لمطابقة آلية “التكثيف” الفرويدية والـ”استعارة” اللاكانية، واستحضر مفهوم “الكناية” لمطابقة آلية “الإزاحة” والـ”كنايات اللسانية”، مما أضفى على ترجمته دقة فلسفية وشاعرية عميقة جعلت النص يبدو وكأنه نبت أصيل في عبقرية اللسان العربي وليس مجرد هجين منقول عن لغة أجنبية.
قاوم صفوان بحزم علمي إسقاط المعاني الأخلاقية والدينية المشوهة على مصطلحات التحليل النفسي؛ فرفض ترجمة مصطلح “Trieb” الألماني بـ”الغريزة” الحيوانية الثابتة، مفضلاً صياغات تشير إلى “النزوة” أو “الدافع” الإنساني المتشكل عبر التاريخ واللغة؛ ورفض ترجمة “Das Es” بـ”الهوى” لما يحمله من دلالات أخلاقية تحقيرية في التراث العربي، مؤثراً استخدام صيغ محايدة بنيوياً مثل “الهو”. حمى هذا التأسيس المعجمي الصارم حقل التحليل النفسي العربي من الانزلاق نحو الوعظ الأخلاقي أو التحوير الفلسفي المشوه لعقود طويلة.
7.3 الأثر المعرفي للترجمة على الفكر العربي المعاصر
أحدثت ترجمة صفوان لـ”تأويل الأحلام” هزة معرفية عميقة في المشهد الثقافي والفكري العربي فور صدورها؛ حيث فتحت آفاقاً جديدة وتثويرية أمام أجيال من المفكرين، والكتاب، والشعراء، والنقاد العرب لقراءة الذات، والتراث، والإبداع الفني خارج القوالب التقليدية والمثالية المغلقة. أدرك المثقف العربي مع صفوان أن الهوية الفردية والجماعية تحمل في طياتها لاوعياً تاريخياً ونفسياً يموج بالصراعات، وأن الإبداع الأدبي ليس مجرد إلهام عقلاني واعٍ، بل هو تصعيد إبداعي لتوترات ورغبات لاواعية متجذرة في التاريخ الحي للمبدع.
امتد هذا التأثير البارز إلى ميدان النقد الأدبي والجمالي العربي؛ حيث بدأت المجلات الأدبية الرائدة والأطروحات الجامعية في بيروت، والقاهرة، وبغداد، وتونس تستلهم مفاهيم الترجمة الصفوانية في مقاربة النصوص الروائية والشعرية الكبرى. وقد تجلى ذلك في أعمال نقاد استثنائيين فككوا نصوص التراث الشعري ونتاجات نجيب محفوظ، وبدر شاكر السياب، وخليل حاوي عبر أدوات “التكثيف”، و”الإزاحة”، وملاحقة “الدال المتسلط” الذي يدير المتخيل الإبداعي خلف واجهة السرد الظاهر.
حتى يومنا هذا، تظل ترجمة مصطفى صفوان لكتاب “تأويل الأحلام” المرجع الأكاديمي والعيادي القياسي الذي لا يمكن تجاوزه أو الاستغناء عنه في كليات الفلسفة وأقسام علم النفس بالجامعات العربية؛ إذ أثبتت الأيام صلابة الجهاز المفاهيمي الذي شيده صفوان وقدرته العالية على الصمود أمام تقلبات التيارات الفكرية، مشكلة نموذجاً ساطعاً لكيفية توطين المفاهيم العالمية المعقدة داخل اللسان العربي دون التضحية بذرة واحدة من صرامتها الإبستمولوجية الأصلية.
8. إشكالية اللغة المزدوجة: الفصحى والعامية وأثرهما في النفس العربية
8.1 الازدواجية اللغوية (Diglossia) كعقدة نفسية وسياسية
انفرد مصطفى صفوان في حقل الفكر العربي المعاصر بتشخيص إشكالية الازدواجية اللغوية (Diglossia) ليس كمجرد مسألة لسانية أكاديمية أو تباين لهجي عابر، بل بوصفها “عقدة نفسية وسياسية” مستحكمة تشل الفاعلية التاريخية للإنسان العربي. شخص صفوان الانفصام العميق الذي يعيشه الفرد العربي منذ طفولته المبكرة بين “لغة الأم” (العامية المحكية) التي يرضع بها عواطفه الأولى، ويبكي ويضحك بها، ويمارس عبرها علاقاته الحميمية وتداعياته اللاشعورية، وبين “لغة الدولة والمؤسسة والتعليم” (الفصحى المكتوبة) التي يتلقاها كقانون صارم مفروض من أعلى في قاعات الدرس والمحاكم ودور العبادة.
أوضح صفوان الأثر الكارثي لهذا الانفصام اللساني على تدفق التعبير التلقائي عن اللاوعي؛ فالمتكلم العربي يجد نفسه مرغماً، كلما أراد التعبير عن فكره الجاد أو الكتابة في الشأن العام، على إجراء عملية “ترجمة داخلية قسرية” من لسان المعايشة اليومية الحميم إلى لسان رسمي محنط تحرسه قواعد صارمة. هذا التمزق المستمر يولد شعوراً مزمناً بالاغتراب وعدم الأمان اللغوي؛ فالذات لا تسكن براحة في أي من اللسانين: العامية تُحقر وتُعتبر دونية وعاجزة عن حمل الفكر السامي، والفصحى تُقدس لكنها تظل بعيدة عن نبض الحياة المعاشة ورغبات الجسد المباشرة.
قدّم صفوان تحليلاً نفسياً بارعاً لعلاقة “الخوف والتقديس” المتبادلة بين المتحدث العربي ولغة الكتابة؛ حيث لاحظ أن تقديس الفصحى ورفعها إلى مصاف المطلق غير القابل للمساس هو في جوهره ميكانيزم دفاعي عصابي يُخفي تحته خوفاً عميقاً من المجهول ومن تفجر الرغبات المكبوتة. إن ربط اللغة بـ”المقدس الإلهي” المطلق يحولها من أداة تواصل إنسانية حية قابلة للتطور والتغيير والخطأ إلى “طوطم” محرم لا يجوز الاقتراب منه، مما يعيق تطور الفكر العقلاني الحر ويجعل كل محاولة لتحديث الفكر تبدو وكأنها اعتداء آثم على الهوية والوجود.
8.2 كتاب ‘لماذا لم تعش مصر عصر التنوير؟’
في كتابه الإشكالي الصادم لماذا لم تعش مصر عصر التنوير؟، فتح مصطفى صفوان جبهة نقدية عاصفة لتشريح أسباب إخفاق مشاريع النهضة المصرية والعربية منذ رفاعة الطهطاوي وحتى العصر الراهن، متكئاً على منظور تاريخي ولساني ومؤسسي فريد. طرح صفوان سؤالاً جوهرياً: لماذا نجحت أوروبا في تدشين عصر التنوير والثورة العلمية والصناعية الكبرى، بينما تعثرت النهضة المصرية رغم كل الإمكانات والبعثات والإنفاق المالي؟
أرجع صفوان هذا الإخفاق التاريخي إلى سبب بنيوي طالما أغفله المؤرخون والمفكرون السياسيون: وهو “هيمنة طبقة الكتّاب والمشايخ والأنتلجنسيا النخبوية” على احتكار المعرفة من خلال لغة الفصحى المعقدة، والامتناع المتعمد عن تحويل “العامية المحكية” إلى لغة رسمية للكتابة، والقراءة، والعلوم، والتفكير الفلسفي. أثبت صفوان أن التنوير الأوروبي لم ينطلق ويصل إلى الجماهير العريضة إلا حين تجرأ الفلاسفة على كسر طوق “اللغة اللاتينية” المقدسة التي كانت تحتكرها الكنيسة وطبقة الإكليروس؛ فكتب ديكارت “مقال عن المنهج” بالفرنسية الدارجة، وترجم مارتن لوثر الإنجيل إلى الألمانية الشعبية، وكتب شكسبير ودانتي بلغات بلادهم الحية المتداولة بين الناس في الأسواق.
أكد صفوان أن إبقاء الجماهير الواسعة في مصر والعالم العربي في حالة “أمية لسانية” تجاه لغة الحكم والدستور والمعرفة الرصينة هو السلاح الأمضى الذي استخدمته الأنظمة الاستبدادية والمؤسسات الدينية للحفاظ على التراتبية الطبقية وسحق أي إمكانية لولادة وعي شعبي ديمقراطي حقيقي. فالعلم الذي لا يُكتب بلغة المعايشة اليومية للناس يظل حكراً على نخبة متغربة أو كهنوتية، مما حال دون توطين العقلانية كوعي مجتمعي عام وقوة دافعة للتغيير الحضاري الشامل.
8.3 ترجمة ‘عطيل’ ومسرحيات شكسبير إلى العامية المصرية
لم يكتفِ مصطفى صفوان بالتنظير التجريدي لدور اللغة الحية، بل أقدم في أواخر حياته على خطوة تطبيقية ثورية أثارت عاصفة نقدية هوجاء في الأوساط الثقافية المصرية؛ حيث أقدم على ترجمة مسرحية شكسبير التراجيدية الخالدة عطيل (Othello)، إلى العامية المصرية المتداولة في شوارع القاهرة وحاراتها. أراد صفوان من هذا المشروع الجريء أن يقيم دليلاً عملياً قاطعاً على أن “لغة المعايشة اليومية” ليست لهجة مبتذلة تقتصر على النكتة والمونولوجات الفكاهية، بل هي لغة مكتملة الأركان قادرة على حمل أعقد المعاني التراجيدية، وأعمق المشاعر الإنسانية، وأدق التموجات الفلسفية للأدب العالمي الرفيع.
واجهت هذه الترجمة فور صدورها ردود فعل عنيفة وموجات من التخوين والاتهامات بالرغبة في هدم التراث وإضعاف الهوية القومية والعربية من قِبل نقاد محافظين وأكاديميين تقليديين. لم يتراجع صفوان أمام هذا الهجوم، بل خاض معركة سجالية راقية أكد فيها أن “التحرر من القهر اللغوي هو المدخل الأساسي للتحرر من القهر السياسي”؛ فاللغة التي لا يستطيع الفرد العادي أن يعبر بها عن خوفه، ورغبته، ومطالبه السياسية هي لغة تمارس الإقصاء ضد متحدثيها. وأوضح أن العامية المصرية تملك طاقة مجازية حيوية، وتطوراً دلالياً مرناً يجعلها أكثر كفاءة في مسرحة النفس وتجسيد الصراع الإنساني المعقد من الفصحى المقيدة بأغلال التقعيد القديم.
دافع صفوان عن مشروعه بوصفه تمهيداً ضرورياً لبناء فضاء عام ديمقراطي؛ حيث لا يمكن أن تقوم ديمقراطية حقيقية في بلد يتحدث مواطنوه بلغة ويكتب قادتهم ومفكروهم بلغة أخرى لا يفهمها أغلب الناس فهماً تلقائياً. إن ترجمة “عطيل” كانت بياناً تحريرياً يدعو الذات العربية إلى التصالح مع لسان أمها الواقعي، وإسقاط هالة التقديس الزائفة عن الأشكال اللغوية لصالح المضمون الإنساني الحي الذي يعيد الاعتبار للإنسان الفرد في واقعه التاريخي الملموس.
9. التحليل النفسي للسياسة والاستبداد: نقد العالم العربي
9.1 كتاب ‘لماذا العرب ليسوا أحراراً؟’
يعد كتاب مصطفى صفوان الصادر باللغة الإنجليزية في لندن ونيويورك بعنوان لماذا العرب ليسوا أحراراً؟ سياسة الكتابة (Why Are the Arabs Not Free?)، واحداً من أجرأ المحاولات الفكرية التي طبقت مباضع التحليل النفسي الإكلينيكي على بنية الاستبداد السياسي العربي المديد. رفض صفوان في هذا النص التفسيرات السياسوية السطحية التي تعزو غياب الديمقراطية إلى مجرد مؤامرات استعمارية خارجية أو قمع أمني مفروض بالقوة المجردة فقط، مؤكداً أن الاستبداد لا يمكن أن يستمر لعقود طويلة ما لم يستند إلى بنية نفسية ورمزية لاواعية تسكن نفوس المحكومين أنفسهم وتتواطأ مع قهرهم.
فكك صفوان العلاقة التبعية العصابية بين “الحاكم المستبد” و”الشعب المقهور”، كاشفاً أنها علاقة قائمة على “تماهي النقص”؛ فالشعوب التي تعاني من تمزقات الهوية، وتاريخ طويل من الهزائم والانكسارات، تبحث لاشعورياً عن “أب كلي القدرة” (Père tout-puissant) تمنحه توكيلاً مطلقاً لإدارة شؤونها والتفكير نيابة عنها. يقدم الحاكم نفسه بوصفه الضامن الأوحد لوحدة الأمة، والمخلص من الفوضى، فيتحول المحكومون من مواطنين أحرار ذوي حقوق إلى أطفال قاصرين عصابياً، يطلبون الحماية مقابل التنازل الكامل عن حريتهم ورغبتهم واستقلالهم الذاتي.
وجه صفوان نقداً جذرياً وجريئاً للموروث الثقافي والفقهي العربي الذي كرس على مدى قرون مقولة “الحاكم العادل” أو “المستبد العادل”، مبيناً أن هذه المقولة هي محض وهم عصابي خطر وخدعة لغوية خبيثة؛ فالعدالة والاستبداد نقيضان لا يجتمعان أبداً. وأكد أن الشرط الوحيد للحرية هو الانتقال من سلطة “شخص الحاكم” الفردية الاعتباطية إلى “سيادة المؤسسة والقانون المجرد”؛ أي إحلال القانون الرمزي المحايد والمكتوب الذي يخضع له الجميع بالتساوي محل الرغبة المزاجية للزعيم الفرد، وهو ما يمثل النظير السياسي للعبور الأوديبي من الخضوع للأب النرجسي إلى الخضوع للقانون المدني الحديث.
9.2 طبيعة السلطة في المخيال السياسي الجمعي
استدعى مصطفى صفوان بعبقرية تحليلات سيغموند فرويد الأنثروبولوجية في كتابه العمدة “طوطم وحرام” (Totem und Tabu) حول أسطورة “الأب البدائي المستبد” الذي يحتكر كل النساء، والخيرات، والسلطة لنفسه ويحرم أبناء القبيلة منها، وطبقها على تشريح طبيعة السلطة والزعامة السياسية في العالم العربي المعاصر. وجد صفوان أن المخيال السياسي الجمعي العربي لا يزال مسكوناً بنموذج هذا الأب البدائي الأسطوري؛ فالزعيم العربي غالباً ما يتصرف بوصفه مالكاً للأرض، وللثروات، ولأرواح الرعايا، ولا يرى في الدولة عقداً اجتماعياً، بل “غنيمة شخصية” وملكية عائلية خاصة.
بيّن صفوان كيف يتم تحويل “القانون” في الدول التوتاليتارية العربية من نص رمزي ثابت ومحايد وظيفته حماية المواطنين وحفظ التوازن الاجتماعي، إلى “إرادة اعتباطية” وأداة طيعة ومتقلبة في يد الحاكم وجهاز مخابراته؛ فالحاكم هو من يصنع القانون، وهو من يعلقه متى شاء تحت دعاوى “حالة الطوارئ” والتهديدات الخارجية الخيالية. هذا التعليق المستمر للقانون يجعل المجتمع يعيش في حالة قلق وتوجس دائمة؛ لأن المواطن يدرك في لاوعيه أنه محروم من الحماية الرمزية، وأن مصيره، وأمنه، ورزقه معلق برضا الزعيم أو غضبه المفاجئ، وهي الوضعية النفسية ذاتها التي يعيشها الطفل تحت رحمة والد متقلب وعنيف.
حلل صفوان كذلك التحالف العضوي والخطير بين الخطاب الاستبدادي والخطاب الديني السلفي المغلق؛ كاشفاً كيف يوظف المستبد نصوص التراث لإغلاق دائرة التساؤل والتشكيك، ولتكريس ثقافة السمع والطاعة، واحتكار الحقيقة المطلقة. فمن خلال تصوير معارضة الحاكم كـ”خروج على الجماعة” وكفر بالثوابت، يتم شل الطاقات الحية في المجتمع، وتُصادر حرية التفكير والتعبير، ويتحول الفضاء السياسي من فضاء للتفاوض والصراع المدني السلمي إلى ساحة تكفير وإقصاء دموي تدمر كل مقومات العيش المشترك.
9.3 الثورات العربية وقراءة التحليل النفسي للانتفاضات الشعبية
تابع مصطفى صفوان، وهو في عقده التاسع في باريس، انفجار ثورات الربيع العربي التي انطلقت من تونس ومصر مطلع عام 2011 بشغف فكري وتفاؤل نقدي عميق. قدّم صفوان تفسيراً إكلينيكياً ونفسياً استثنائياً لهذه الانتفاضات الشعبية الهادرة؛ حيث رأى أن اللحظة التأسيسية لتلك الثورات لم تكن مجرد تمرد على الغلاء والبطالة والفساد المالي فقط، بل كانت في جوهرها “كسراً تاريخياً لحاجز الخوف الرمزي” وانهياراً مدوياً لهيبة “الأب المستبد” في اللاشعور الجمعي العربي.
أكد صفوان أن نزول الملايين إلى الميادين وصرختهم المدوية “الشعب يريد إسقاط النظام” كان يمثل فعل تلفظ تاريخي (Énonciation politique) استعاد به الشعب صوته المسلوب وذاتيته المهدورة؛ فالمتظاهر الذي واجه الرصاص بصدور عارية أعلن بوضوح استعداده للموت الرمزي دفاعاً عن كرامته وكلامه، محطماً بذلك عقوداً من الاستلاب والتبعية والخنوع النفسي. كانت الميادين، بحسب صفوان، بمثابة فضاء علاجي جماعي تطهر فيه المجتمع من عقدة النقص والذنب، وولد فيه الأمل بإمكانية إعادة تأسيس الفضاء السياسي على أسس حديثة تضمن الحرية والمساواة.
غير أن صفوان، بصيرورته النقدية الصارمة وخبرته الإكلينيكية الطويلة، لم يقع في فخ الرومانسية الثورية الساذجة؛ بل حذر مبكراً من المخاطر النفسية والعيادية المحدقة بتلك الثورات، لاسيما خطر “عودة الاستبداد بصيغ أشد توحشاً وشراسة” في حال عجزت القوى الثورية عن صياغة مشروع بديل يمتلك أدوات القانون والمؤسسات؛ أو في حال سقوط المجتمع في الفخ الأصولي والديني المغلق. وشدد على أن إسقاط رأس النظام السياسي لا يعني تلقائياً إسقاط الاستبداد، ما لم يرافقه تفكيك بنيوي وثقافي شجاع للبنى الذهنية البطريركية المتغلغلة في الأسرة، والمدرسة، واللغة، والمؤسسة الدينية، كشرط حتمي ولازم لتحقيق أي تحول ديمقراطي مستدام في العالم العربي.
10. الممارسة الإكلينيكية وتقنيات التحويل في عيادة صفوان
10.1 فلسفة الإنصات والحياد التحليلي
ارتكزت الممارسة السريرية لمصطفى صفوان داخل عيادته في باريس ولندن على التزام صارم بفلسفة الإنصات والحياد التحليلي اللاكاني؛ حيث رفض رفضاً قاطعاً تحويل غرفة التحليل إلى منصة للإرشاد الأخلاقي، أو التعليم التربوي، أو تقديم النصائح الحياتية الجاهزة. كان صفوان يؤمن بأن كل تدخل توجيهي من قِبل المحلل يُفسد العملية التحليلية ويقوي دفاعات الأنا لدى المريض، مشدداً على أن عمل المحلل يقتصر كلياً على الإنصات الموجه للبنية اللغوية الصرفة لكلام الخاضع للتحليل وتتبع انزلاقات دال الرغبة المكبوتة.
فكك صفوان في كتاباته الإكلينيكية موقع المحلل بوصفه “الذات المفترض فيها المعرفة” (Sujet supposé savoir). أوضح أن العميل يأتي إلى التحليل وهو يتوهم أن المحلل يملك سر شفائه، ويعرف الحقيقة الخفية عن رغباته وأزماته النفسية، وهذا الوهم هو المحرك الأساسي لانطلاق العملية العلاجية. غير أن مهمة المحلل الحقيقية والأخلاقية، بحسب صفوان، تكمن في “التراجع المستمر عن هذا الموقع النرجسي”، ورفض تنصيب نفسه خبيراً بالحياة، ودفع الخاضع للتحليل تدريجياً إلى اكتشاف أن المعرفة الحقيقية تكمن في لاوعيه هو وفي شبكة دواله الخاصة، وأنه لا يوجد أي “آخر مطلق” يملك الإجابة النهائية عن معنى وجوده.
احتل “الصمت التحليلي” مكانة استراتيجية في عيادة صفوان؛ فالصمت ليس غياباً للكلام أو بروداً عاطفياً، بل هو فضاء رمزي شاغر ومقصود يُفتَح عمداً أمام العميل ليواجه فراغه الخاص ويسقط فيه أوهامه، واستعراضات كلامه الفارغ. عبر هذا الصمت المحسوب والمشحون بالانتباه، يجد المتكلم نفسه مضطراً لتجاوز الثرثرة السطحية والاصطدام برغبته العارية وبأسئلته الوجودية الحارقة حول الموت، والحب، ومعنى حياته المهدورة.
10.2 دينامية التحويل (Transference) والتحويل المقابل
تعامل مصطفى صفوان مع ظاهرة التحويل (Transference / Übertragung) بوصفها المحرك الدينامي الأكثر تعقيداً وخطورة في العلاج التحليلي. عرّف صفوان التحويل بأنه استعادة لاواعية وإسقاط عنيف للمشاعر، والنزوات، والصراعات التي عاشها العميل في طفولته المبكرة مع والديه، وإعادة توجيهها بالكامل نحو شخص المحلل النفسي. يمكن لهذا التحويل أن يتخذ طابعاً عشقياً مفرطاً يسعى لإغواء المحلل ونيل رضاه، أو طابعاً عدوانياً شكاكاً يسعى لتدميره وإفشال العلاج.
أكد صفوان أن التحويل هو قوة دافعة ومقاومة شرسة في آن واحد؛ فبينما يمنح التحويل الطاقة اللازمة للاستمرار في التحليل، فإنه يُستخدم أيضاً كحيلة دفاعية لإيقاف تذكر الصدمات عبر استبدال التذكر بإعادة الفعل والتمثيل الواقعي على مسرح العيادة. وتأتي مهارة المحلل في كيفية “إدارة التحويل” دون الانجرار وراء إغواءاته، واستثماره كأداة إكلينيكية لتفكيك العقد الماضية بدلاً من الاستسلام لطلبات الحب العصابية التي يوجهها العميل.
حذر صفوان بأعلى درجات الصرامة الأخلاقية من وقوع المحلل في فخ التحويل المقابل (Contre-transfert)؛ أي استجابة المحلل لمشاعر العميل انطلاقاً من عقده ونرجسيته الشخصية غير المحللة؛ فالمحلل الذي يسعى لأن يكون محبوباً من مرضاه، أو الذي يستمتع بممارسة السلطة الرمزية عليهم، يرتكب خيانة كبرى لأخلاقيات المهنة. وعالج صفوان مسألة “إنهاء التحليل” باقتدار، موضحاً أن التحليل ينتهي بنجاح حين يسقط وهم التحويل، ويسقط المحلل من مرتبة “المعبود العارف” ليتحول إلى مجرد “فضلات أو موضوع ساقط” (Objet a)، بينما تخرج الذات وقد تصالحت مع نقصها وتحررت من قيد الأوهام الأبوية الأولى.
10.3 مسألة إعداد وتأهيل المحللين النفسيين الجدد
انخرط مصطفى صفوان بكل ثقله النظري في النقاشات العاصفة التي دارت حول مسألة تدريب وإعداد الأجيال الجديدة من المحللين النفسيين داخل المدارس اللاكانية. دافع صفوان بشراسة عن إجراء المرور (La Passe)، وهو الابتكار المؤسسي الرائد الذي وضعه جاك لاكان عام 1967 لاختبار وتقييم أهلية المحلل النفسي الجديد للاعتراف به كمحلل في المدرسة، بعيداً عن تقاليد الامتحانات الجامعية التلقينية والبيروقراطية التراتبية السائدة في الجمعيات الطبية.
تقوم تجربة “المرور” على فكرة أن المحلل الذي أنهى تحليله الشخصي ويريد الانتقال إلى موقع ممارسة التحليل وعلاج الآخرين، يتقدم ليروي قصة تحليله الشخصي ونهاية رحلته الإكلينيكية لا أمام لجان الامتحان الأكاديمية العليا، بل أمام شاهدين شابين من أقرانه المبتدئين (Les passeurs) اللذين ينقلان بدورهما خلاصة شهادته بأمانة تامة إلى لجنة مصغرة تضم كبار المحللين. يرى صفوان في هذا الإجراء ضمانة ثورية لنزع هالة القداسة، والتأكد من أن المترشح قد تحرر فعلاً من أوهام الأنا والنرجسية، وأصبح قادراً على تحمل موقع الإنصات للرغبة دون إخضاعها للأحكام المسبقة.
ركز صفوان دوماً على أن “التجربة الذاتية على السرير التحليلي” هي المعيار الأوحد والشرط الحتمي لاكتساب الأهلية الإكلينيكية؛ فالشهادات الطبية والأكاديمية الفلسفية تظل عديمة الجدوى ما لم يعش المحلل بنفسه آلام التداعي الحر وعذاب مواجهة اللاوعي. إلى جانب ذلك، شدد على ضرورة “الإشراف السريري المستمر” (Supervision / Contrôle)؛ حيث يلتزم المحلل الشاب بمناقشة حالاته الإكلينيكية المستعصية بانتظام مع محلل أقدم وأكثر خبرة، لضمان حماية المرضى ومراقبة أي انحرافات قد يفرضها لاوعي المحلل على مسار العلاج.
11. المصنفات الفكرية الكبرى وقراءات نقدية في نصوصه
11.1 تحليل كتاب ‘في الفصام والبارانويا’
يعد كتاب مصطفى صفوان المعنون دراسات في الفصام والبارانويا من العلامات المضيئة في الأدبيات الإكلينيكية المعاصرة؛ حيث قدم فيه مساهمة رائدة في تفكيك بنية الذهانات الكبرى وأوهام الاضطهاد والهذيان المنظم التي تصيب الإنسان. انطلق صفوان من أرضية إكلينيكية صلبة ميزت بدقة متناهية بين عالم الفصامي الغارق في تمزق الجسد وتناثر الكلمات، وبين عالم البارانوي الذي يبني صرحاً فكرياً وهذائياً شديد التماسك والمنطقية للدفاع عن نفسه ضد مؤامرات متخيلة تحيكها قوى خارجية.
كشف صفوان في هذا المصنف عن الصلة البنيوية العميقة بين “تفكك البنية الدالة وتلاشي الواقع” لدى المريض الذهاني؛ فالواقع الإنساني ليس معطى موضوعياً جاهزاً، بل هو بناء يتم بواسطة اللغة والنظام الرمزي. وحين يتعرض هذا النظام للسقوط نتيجة إقصاء الدال الأساسي (اسم الأب)، يفقد الذهاني حلقة الوصل الرمزية التي تجمعه ببقية البشر؛ فتنهار حدود الأنا وتتلاشى مسافات الحماية النفسية، وتصبح اللغة ذاتها عدواً خارجياً يتجسد في أصوات تصرخ في رأسه وتملي عليه تصرفاته.
أوضح صفوان كيف يتدخل “الدال المتسلط” في صياغة المنظومة الهذائية المنغلقة لدى البارانوي؛ حيث يحاول المريض عبر الهذيان أن يعيد بناء علاقة معقولة مع العالم الخارجي بعد انهيار واقعه الرمزي. إن الهذيان، كما علمنا فرويد وأكده صفوان سريرياً، ليس هو المرض ذاته، بل هو “محاولة علاجية بائسة يقوم بها اللاوعي لاستعادة التوازن المفقود”، مؤكداً أن مهمة المحلل هي إسناد هذه المحاولة دون مواجهتها بعدائية وتوفير مرفأ دلالي يحمي الذات الذهانية من الغرق في جحيم التدمير والعنف الأعمى.
11.2 كتاب ‘البنيوية في التحليل النفسي’
يمثل كتاب مصطفى صفوان البنيوية في التحليل النفسي (Le structuralisme en psychanalyse) المرجع المنهجي الأبرز الذي وثّق وأصّل تاريخياً كيفية اندماج المنهج البنيوي مع الاكتشاف الفرويدي، مقدماً قراءة فلسفية بالغة الصرامة للمشروع اللاكاني برمته. شرح صفوان كيف استطاعت البنيوية أن تنقذ التحليل النفسي من خطر السقوط في النزعات التجريبية السلوكية والبيولوجية التي سعت لتحويل النفس إلى مجرد ميكانيزمات فسيولوجية عصبية قابلة للقياس الكمي والتحكم الدوائي.
أوضح صفوان الخيط الرفيع الذي يفصل بين التحليل النفسي والمناهج التجريبية الوضعية؛ فالتحليل النفسي لا يدرس موضوعاً خارجياً مفصولاً عن الذات كما تفعل العلوم الطبيعية، بل يدرس “الذات في علاقتها بالدال”. ومن ثم، فإن معيار الحقيقة في العيادة التحليلية ليس مطابقة الكلام للواقع الخارجي التجريبي، بل صدق الرغبة وتناسق التاريخ الرمزي للذات. هذا التمييز مكن التحليل النفسي من الحفاظ على هويته الثورية كفكر تحرري يقاوم كل محاولات الترويض والتدجين الاجتماعي.
تضمن الكتاب فصولاً لامعة خصصها صفوان لمراجعة نقدية وتفكيكية لأعتى أدوات جاك لاكان التجريدية؛ حيث شرح ببراعة رياضية نادرة الرسوم الطوبولوجية اللاكانية، و”عقدة بوروميو” (Nœud borroméen)، ومخططات السجل الثلاثي: “الواقعي، والرمزي، والخيالي” (RSI)، محللاً إياها كأدوات رياضية صارمة تهدف إلى تجنب الانزلاق التخيلي وحماية المفاهيم التحليلية من الابتذال النفسي السائد في المجتمعات الغربية المعاصرة.
11.3 الإنتاج الفكري باللغتين العربية والفرنسية: دراسة مقارنة
يكشف فحص الإنتاج الفكري الغزير لمصطفى صفوان باللغتين الفرنسية والعربية عن ازدواجية كتابية عبقرية وثراء أسلوبي استثنائي قل نظيره بين مفكري القرن العشرين. عند الكتابة باللغة الفرنسية، كان قلم صفوان يتميز بالصرامة الرياضية، والتقشف الأسلوبي، والدقة الإبستمولوجية القاطعة التي تناسب تقاليد الحوليات الأكاديمية والسريرية الباريسية الرصينة؛ حيث كانت نصوصه تخاطب نخبة المحللين والفلاسفة المتخصصين بأدوات المنطق اللساني الصارم ودون أدنى ميل للاستعراض الخطابي.
في المقابل، كانت نبرة صفوان الفكرية عند الكتابة باللغة العربية تشهد تحولاً بنيوياً لافتاً؛ حيث تتحول كتابته إلى طابع اشتباكي، ونضالي، وتنويري حار ينبض بالهم العام وقضايا الأمة ومصائرها التاريخية المأزومة. تتدفق عباراته العربية برصانة البلاغة الكلاسيكية مع شحنة نقدية تهاجم بديهيات التخلف، وفاشية الاستبداد، وأوهام الأصولية، جاعلاً من التحليل النفسي سلاحاً نقدياً حياً لتوعية الذات العربية بأغلالها الرمزية وسبل تحررها المعرفي والسياسي.
حظيت كتب صفوان وأبحاثه باستقبال نقدي واهتمام استثنائي في كبرى الدوائر الفكرية في باريس، ولندن، ونيويورك، والقاهرة؛ حيث اعتبرته الأوساط الفرنسية الممثل الأكثر وفاءً وعمقاً لإرث لاكان النظري، واحتفت به الدوائر الأنجلوساكسونية كمنظر ما بعد كولونيالي فذ يكشف التواطؤ الخفي بين اللغة والاستبداد السياسي، بينما شكلت نصوصه في القاهرة وبيروت مرجعاً أساسياً لكل محاولة تبتغي مساءلة الواقع العربي خارج الأطر الإيديولوجية المستهلكة لليمين واليسار التقليديين.
12. الرحيل والإرث الخالد: مكانة صفوان في المشهد النفسي العالمي (1921-2020)
12.1 وفاة مفكر استثنائي في باريس (2020)
في السابع من نوفمبر عام 2020، ودعت الأوساط الفكرية والتحليلية العالمية في باريس المفكر والبروفيسور مصطفى صفوان عن عمر يناهز 99 عاماً، بعد قرن كامل من الحياة الزاخرة بالبحث الإبستمولوجي والممارسة العيادية الرائدة. جاء رحيل صفوان في هدوء يشبه صمته التحليلي الصارم، تاركاً خلفه إرثاً علمياً وفلسفياً هائلاً ومدرسة فكرية تمتد عبر قارات العالم من أوروبا إلى أمريكا اللاتينية والعالم العربي.
أصدرت كبرى الجمعيات والمؤسسات التحليلية في فرنسا وبريطانيا بيانات نعي أكاديمية مؤثرة واستثنائية؛ حيث وصفته رابطة التحليل النفسي بباريس بأنه “آخر العمالقة التاريخيين للحلقة الفرويدية التأسيسية”، و”الحارس الأمين لروح التحليل النفسي ضد محاولات التسطيح والتسليع”. وتصدرت صورته وشهادات وداعه كبريات الصحف العالمية مثل لوموند (Le Monde) الفرنسية التي أفردت له مقالات موسعة تناولت مسيرته السكندرية الباريسية وعبقريته النادرة في الربط بين التحليل النفسي والسياسة واللسانيات.
توالت الشهادات الشخصية المؤثرة من كبار تلاميذه، وزملائه، ومجايليه في فرنسا والشرق الأوسط، والذين أجمعوا على استثنائية هذا الرجل؛ ليس فقط لعلمه الموسوعي وعمق تنظيراته الإكلينيكية، بل لنزاهته الأخلاقية المطلقة، وصرامته الإنسانية، وتواضعه الجم، وترفعه الدائم عن كل أشكال البروز الإعلامي السطحي أو الصراعات التافهة على المواقع، مجسداً في كل تفاصيل حياته شخصية الحكيم الفلسفي الذي يعيش أفكاره ويخلص للحقيقة حتى أنفاسه الأخيرة.
12.2 أثر صفوان على أجيال المحللين النفسيين العرب والأوروبيين
ترك مصطفى صفوان بصمات لا تمحى في تكوين أجيال متعاقبة من كبار المحللين النفسيين في فرنسا، وإنجلترا، وإسبانيا، ولبنان، ومصر. فقد أشرف لعقود طويلة على تدريب ومرافقة العشرات من الكوادر الإكلينيكية التي تتبوأ اليوم مواقع الصدارة في إدارة المراكز التحليلية ورئاسة أقسام الطب النفسي في أعرق الجامعات الأوروبية؛ حيث غرس فيهم احترام حرفية النص الفرويدي، والنزاهة العيادية الصارمة، ورفض المساومة على حرية رغبة المريض.
يُعد صفوان، بلا منازع، المؤسس الحقيقي للجسر المعرفي الرصين الوحيد الذي ربط بين الفكر اللاكاني الباريسي فائق التعقيد وبين الثقافة واللغة العربية؛ فبفضله لم تعد اللاكانية طلسماً مستغلقاً على الباحث العربي، بل تحولت إلى نسق مفاهيمي حي يمتلك مفرداته وأدواته السريرية الخاصة في لغة الضاد. ومكنت جهوده الرائدة العديد من الأطباء والباحثين العرب في القاهرة، وبيروت، وتونس من تأسيس جمعيات ومجلات إكلينيكية مستقلة تمارس التحليل النفسي وفق أعلى المعايير العالمية وتستلهم روحه النقدية الصارمة.
تجاوز أثر صفوان الحقل الإكلينيكي الضيق ليمتد إلى العلوم الإنسانية بأسرها؛ حيث أصبحت نصوصه وأطروحاته تدرس كنموذج فريد للتطبيق السياسي والثقافي للتحليل النفسي في كبرى أقسام العلوم السياسية، والفلسفة، والأنثروبولوجيا الأدبية في الجامعات الغربية؛ إذ بين للعالم كيف يمكن لأدوات العيادة أن تضيء أعقد الظواهر السياسية الجمعية كالفاشية، والظلامية، والاستبداد بوضوح إبستمولوجي يعجز عنه التحليل السوسيولوجي التقليدي.
12.3 آفاق قراءة مشروع مصطفى صفوان في المستقبل
مع تفاقم الأزمات الحضارية، والسياسية، والوجودية التي تعصف بالعالم المعاصر، وتصاعد موجات النكوص الهوياتي، والأصوليات المغلقة، والاستبداد في الشرق الأوسط والعالم، تكتسب أطروحات مصطفى صفوان حول اللغة، والرغبة، والاستبداد راهنية قصوى وإلحاحاً معرفياً غير مسبوق. إن العودة إلى مشروعه اليوم لم تعد مجرد ترف أكاديمي أو استذكار تاريخي لمفكر راحل، بل هي ضرورة وجودية ملحة لكل من يسعى لتشخيص أسباب الشلل التاريخي الذي يصيب العقل العربي وتلمس سبل الخلاص.
تفرض هذه الراهنية ضرورة العمل الجاد على إدماج فكر صفوان ونصوصه في صلب المناهج التعليمية لكليات الفلسفة، وأقسام علم النفس، والطب النفسي، والعلوم السياسية في العالم العربي. إن تدريس مشروعه للجيل الصاعد هو السبيل الأمثل لتحرير علم النفس العربي من براثن التوجيه الإرشادي التسطيحي والتبعية الأعمى لشركات الأدوية والمختبرات السلوكية، وإعادة الاعتبار للذات المتكلمة بصفتها صانعة المعنى ومالكة مصيرها التاريخي.
إن الدرس الأسمى الذي نخرج به من سيرة هذا المفكر الاستثنائي الممتدة لقرن من الزمان هو أن: “التحليل النفسي هو في جوهره أداة تحررية كبرى ضد كل أوهام الهوية المغلقة وضد كافة صيغ الاستبداد الرمزي والسياسي”. لقد علمنا مصطفى صفوان أن مواجهة الحقيقة، مهما كانت قاسية ومؤلمة، والاعتراف بالنقص الإنساني الأصيل، والنطق بالرغبة الحرة دون خوف من أب مستبد أو مجتمع قاهر، هو الباب الوحيد الذي يمكن للإنسان، فرداً كان أم أمة، أن يعبر منه نحو رحاب الحرية، والكرامة، والتحقق الوجودي الأصيل.
خاتمة
في ختام هذه الإحاطة الشاملة بمسيرة وفكر المحلل النفسي والمفكر الكبير مصطفى صفوان (1921-2020)، يتضح بجلاء أننا نقف أمام مشروع إبستمولوجي فريد لا نظير له في الفكر العربي الحديث والمعاصر. استطاع صفوان، عبر قرن كامل من الزمان، أن ينقل التحليل النفسي من حيز الممارسة العيادية النمطية أو التجريد الفلسفي المستورد إلى صلب المعركة الوجودية والسياسية للذات الإنسانية؛ مبيناً أن استلاب الإنسان يبدأ من الكلمة، وأن تحرره الحقيقي لا يمر إلا عبر امتلاك صوته، واستعادة تاريخه الرمزي من هيمنة الاستبداد والتقديس الزائف.
إن إرث مصطفى صفوان الممتد بين ترجمته التأسيسية لكتاب “تأويل الأحلام”، وتفكيكه للعقدة الأوديبية والأنوثة، وتشريحه الجريء لعقدة الازدواجية اللغوية والبنى النفسية للاستبداد السياسي في العالم العربي، يمثل اليوم ترسانة نقدية بالغة القوة والراهنية. يظل فكر صفوان منارة تهدي كل من يؤمن بأن تحرير العقل العربي والمجتمع من ربقة النكوص والاستبداد لا يمكن أن يتحقق بالشعارات الطوباوية الجاهزة، بل عبر مواجهة شجاعة وصارمة لأغوار اللاشعور، وتفكيك بنى القهر اللغوي والمؤسسي، وترسيخ سيادة القانون الرمزي المحايد الذي يحترم كرامة الذات وحريتها المطلقة في الرغبة والكلام.
المراجع
- صفوان، مصطفى. (1983). تأويل الأحلام (ترجمة لكتاب سيغموند فرويد بمشاركة أحمد صفوان). دار المعارف.
- صفوان، مصطفى. (2007). لماذا العرب ليسوا أحراراً؟ سياسة الكتابة (ترجمة مصطفى حجازي). دار الساقي.
- صفوان، مصطفى. (2009). الكلام أو الموت: الأبعاد اللغوية والنفسية للوجود الإنساني (ترجمة حنين معالي). دار التنوير.
- صفوان، مصطفى. (2012). عطيل (ترجمة عامية تراجيدية لمسرحية وليم شكسبير). الهيئة المصرية العامة للكتاب.
- صفوان، مصطفى. (2014). لماذا لم تعش مصر عصر التنوير؟. دار العين للنشر.
- Safouan, M. (1973). Études sur l’Œdipe: L’introduction du signifiant dans la psychanalyse. Éditions du Seuil.
- Safouan, M. (1976). La sexualité féminine selon la doctrine freudienne. Éditions du Seuil.
- Safouan, M. (1979). L’échec du principe de plaisir. Éditions du Seuil.
- Safouan, M. (1982). Jacques Lacan et la question de la formation des analystes. Payot.
- Safouan, M. (1993). La parole ou la mort: Comment une société humaine est-elle possible?. Éditions Galilée.
- Safouan, M. (2001). Dix conférences de psychanalyse: Sous la tente de l’analyste. Fayard.
- Safouan, M. (2004). Le structuralisme en psychanalyse. Éditions du Seuil.
- Safouan, M. (2007). Why Are the Arabs Not Free?: The Politics of Writing. Routledge. https://doi.org/10.4324/9780203934302
- Safouan, M. (2013). La psychanalyse: Son enseignement, ses buts. Flammarion.
- Safouan, M. (2015). Le regard blessé: Essai sur la schizophrénie et la paranoïa. Éditions Hermann.