السيرة
تُمثّل الفيلسوفة الكندية-الأمريكية باتريشيا تشيرشلاند (Patricia Smith Churchland) علامة فارقة في المشهد الفلسفي المعاصر؛ إذ قادت ثورة مفاهيمية أعادت رسم الحدود الفاصلة بين التأمل الفلسفي المجرد والبحث التجريبي الصارم. لعقود طويلة، ظلّت “فلسفة العقل” حبيسة التجريد اللغوي والتحليلات المنطقية الصورية التي تنظر إلى الذهن البشري ككيان مفارق يمكن فهمه بالاستبطان الداخلي أو عبر تحليل بنية العبارات اللغوية، بمعزل تام عن الكتلة البيولوجية الرطبة الكامنة داخل الجمجمة. في خضم هذه الهيمنة الأكاديمية التقليدية، دخلت تشيرشلاند المشهد الفلسفي متسلحة برؤية ثورية راديكالية ترى أنه يستحيل تفكيك معضلات المعرفة والوعي والإدراك والأخلاق دون النزول إلى المختبرات العصبية والغوص في ثنايا النسيج الدماغي، وتتبع مسارات التوصيلات المشبكية وإفرازات النواقل العصبية.
كرّست تشيرشلاند حياتها الفكرية لبناء جسر معرفي غير مسبوق بين الفلسفة التحليلية والعلوم العصبية الناشئة، مما أثمر عن ولادة حقل أكاديمي جديد تماماً بات يُعرف باسم فلسفة الأعصاب (Neurophilosophy). لم يكن هذا المشروع مجرد استعارة تقريبية للمصطلحات البيولوجية في الحوارات الفلسفية، بل كان محاولة منهجية لإسقاط الأطر الميتافيزيقية الموروثة منذ عهد أفلاطون ورينيه ديكارت، وإرساء “مادية إقصائية” ترى أن مفاهيمنا الساذجة الشائعة حول العقل كالإرادة المستقلة، والمعتقدات الثابتة، والرغبات المجردة، ما هي إلا بقايا لنظرية بدائية عفا عليها الزمن تُدعى “علم النفس الشعبي”. وقد أصرت على أن التقدم الحقيقي في فهم الطبيعة البشرية يقتضي بالضرورة استبدال هذه المصطلحات القديمة بنماذج حوسبية وبيولوجية دقيقة مستمدة من تشريح الدماغ ونشاط الشبكات العصبية الموزعة.
يتجاوز تأثير تشيرشلاند حدود نظرية المعرفة ونقاشات الوعي الفيزيائي ليمتد عميقاً إلى ميادين الأخلاق والتشريع وفلسفة القانون؛ إذ أعادت تعريف القيمة الأخلاقية والضمير الإنساني انطلاقاً من التاريخ التطوري للثدييات، مبرزة كيف تحولت آليات البقاء الجسدية الأساسية إلى دوائر عصبية معقدة تنظم الرعاية والإيثار والعدالة بفعل تأثير هرمونات مثل الأوكسيتوسين والفاسوبريسين. في هذا السياق الأكاديمي الموسوعي، نستعرض المسيرة الفكرية لباتريشيا تشيرشلاند منذ نشأتها الريفية وبواكير تشكل وعيها البيولوجي، مروراً بأطروحاتها المادية الراديكالية ومؤلفاتها المفصلية، وصولاً إلى موقعها القيادي في تشكيل المشهد المعرفي المعاصر، مجيبين عن السؤال الجوهري: كيف حوّل علم الدماغ الفلسفة من برجها العاجي التجريدي إلى علم طبيعي ملتصق ببيولوجيا الجسد البشري؟
1. النشأة والتكوين الأكاديمي والفكري لباتريشيا تشيرشلاند
1.1 الجذور الريفية وتأثير الطبيعة على التفكير العلمي
ولدت باتريشيا سميث في السادس عشر من يوليو عام 1943، في منطقة بحيرة أوليفير شبه الريفية التابعة لولاية كولومبيا البريطانية في كندا، حيث ترعرعت في مزرعة متواضعة وادعة محاطة بطبيعة بكر فرضت عليها نمط حياة واقعياً لا يقبل المراوغة الذهنية. إن العيش في بيئة زراعية قاسية نسبياً، تعتمد كلياً على دورات الحياة والموت الطبيعية، ومراقبة ولادة الحيوانات واعتلالها وتشريح جيفها أحياناً لفهم أسباب نفوقها، منح الطفلة باتريشيا نزعة تجريبية فطرية متجذرة في الحواس المباشرة. لم تكن الكائنات الحية في ناظريها مجرد استعارات شعرية أو تجليات لأفكار مثالية، بل كانت أنظمة حيوية معقدة تتحرك، وتتألم، وتتكيف، وتبحث عن الغذاء والنجاة في بيئة لا ترحم الضعف ولا تعبأ بالأوهام التجريدية.
كان لهذه النشأة الميدانية أثر حاسم في تقويض أي ميل مبكر نحو قبول المعتقدات الغيبية أو التفسيرات الميتافيزيقية المغلقة التي كانت شائعة في بيئتها الاجتماعية المحافظة. لاحظت تشيرشلاند في طفولتها كيف تتصرف الكلاب، والخيول، والماشية؛ حيث كانت ترى بوضوح علامات الخوف، والارتباط، والمكر، والغضب تتجلى في سلوكيات بيولوجية صريحة لا تحتاج إلى افتراض “أرواح غير مادية” لتفسيرها. زرعت هذه التجربة الريفية في وجدانها شكوكاً عميقة تجاه النظرة الدينية التقليدية التي تفصل الإنسان فصلاً مطلقاً عن سائر كائنات المملكة الحيوانية، مما جعلها تدرك في مرحلة مبكرة جداً أن البشر ليسوا استثناءً متعالياً، بل هم ثدييات معقدة تخضع لنفس القوانين العضوية والتطورية التي تحكم كل خلية تنبض بالحياة على هذا الكوكب.
من هذه الملاحظات اليومية الدقيقة، انبثق حس نقدي صارم يرفض التسليم بالمسلمات لمجرد تواترها الاجتماعي أو سلطتها المؤسسية. كان والدها رجلاً عملياً يثمن المعرفة التطبيقية والقدرة على حل المشكلات الفيزيائية المعقدة بالأيدي، وهو ما انعكس على عقلية باتريشيا التي أضحت تميل إلى الملاحظة والمحاكمة العقلية المستندة إلى الدليل العياني الملموس. لقد رأت كيف يؤثر الجرح الدماغي على تصرفات الحيوان وكيف تغير الأمراض كيمياء الجسد المزاجية، مما شكل أرضية معرفية خصبة جعلتها لاحقاً تشعر بنفور فطري من النزعات الفلسفية التجريدية التي تعزل الفكر عن شروطه المادية وعن السياق التطوري الذي صقله على مر ملايين السنين.
1.2 المسار الأكاديمي والتحصيل الجامعي في الفلسفة
التحقت تشيرشلاند بـ جامعة كولومبيا البريطانية (UBC) في فانكوفر، حيث وجدت نفسها منجذبة في بادئ الأمر إلى دراسة الفلسفة بوصفها المجال الذي يتيح التساؤل الجذري حول طبيعة الوجود وأصول المعرفة ومصادر القيم. في تلك الفترة، كانت الفلسفة التحليلية تعيش أوج ازدهارها في العالم الأنجلو-أمريكي، حيث كان التركيز منصباً بالكامل تقريباً على تحليل اللغة العادية وفحص التركيب المنطقي للعبارات. نالت باتريشيا شهادة البكالوريوس بمرتبة الشرف عام 1965، مظهرة شغفاً استثنائياً بالمنطق والأبستمولوجيا، لكنها بدأت في الوقت عينه تشعر بنوع من الإحباط الدفين تجاه ميل زملائها وأساتذتها إلى حصر المعضلات الكبرى في ألعاب لغوية صورية لا تمت بصلة للواقع الفيزيائي المحيط.
مدفوعة بالرغبة في تعميق فهمها لنظرية المعرفة، انتقلت تشيرشلاند إلى الولايات المتحدة لنيل درجة الماجستير في جامعة بيتسبرغ، التي كانت حينها -ولا تزال- واحدة من أهم معاقل فلسفة العلم وفلسفة العقل في العالم. تخرجت منها عام 1966 بعد أن اطلعت عن كثب على أطروحات أساتذة بارزين في النزعة الطبيعية المعرفية وتأثرت بالنقاشات المحتدمة حول طبيعة القوانين العلمية وعلاقة النظريات المستجدة بالنظريات القديمة. وفي بيتسبرغ أيضاً، التقت بشريك حياتها ومسارها الفكري اللاحق بول تشيرشلاند، حيث تشاركا الرؤى النقدية ذاتها حيال قصور الفلسفة الكلاسيكية وتطلعا معاً لصياغة فلسفة متوافقة بنيوياً مع معطيات العلم التجريبي الحديث.
توجت باتريشيا تحصيلها الأكاديمي العالي بالانتقال إلى بريطانيا عبر منحة دراسية في جامعة أكسفورد العريقة، لتحصل على درجة البكالوريوس في الفلسفة (B.Phil) عام 1969. في أكسفورد، عاصرت تشيرشلاند كبار منظري فلسفة اللغة والنزعة الظاهراتية اللغوية، واحتكت بعمالقة الفكر الأكسفوردي. غير أن هذه التجربة، بدلاً من أن تدمجها في التقليد السائد، عمقت خيبتها؛ فقد بدا لها جلياً أن الفلاسفة هناك يتعاملون مع الدماغ البشري كـ “صندوق أسود” لا يعنيهم ما بداخله، زاعمين أن تحليل دلالات الألفاظ كافٍ لحل ألغاز الإدراك. لقد أدركت أن هذا المنهج الانعزالي قد وصل إلى طريق مسدود، وأن الميتافيزيقا اللغوية تكرر نفسها في حلقة مفرغة، مما دفعها للتفكير جدياً في هجر الأسوار الأكاديمية التقليدية والبحث عن المعرفة في مظانها البيولوجية الحية.
1.3 التحول المعرفي نحو العلوم العصبية والبيولوجية
عقب عودتها إلى كندا وتعيينها أستاذة مساعدة للفلسفة في جامعة مانيتوبا في مطلع سبعينيات القرن العشرين، وجدت باتريشيا تشيرشلاند نفسها أمام أزمة إبستمولوجية حادة. كانت تُدرّس مساقات فلسفة العقل ونظرية المعرفة، وتطرح أسئلة من قبيل: كيف ندرك الألوان؟ كيف نتذكر؟ ما هو الإحساس بالألم؟ وكيف تتولد القرارات؟ لكنها سرعان ما شعرت بالحرج الأكاديمي والزيف المعرفي حين لاحظت أن الإجابات التي تقدمها الفلسفة تنتمي إلى العصور الوسطى أو الحقبة الحديثة المبكرة دون أي اعتبار لما يحدث في الدماغ الفعلي. هذا التناقض الصارخ جعلها تتساءل: كيف يمكن لفيلسوف يدعي دراسة العقل أن يجهل تماماً العضو الوحيد المسؤول عن إنتاج هذا العقل؟
قادتها هذه الشجاعة الفكرية إلى اتخاذ خطوة غير مسبوقة في الأوساط الفلسفية حينها؛ إذ تواصلت مع كلية الطب في جامعة مانيتوبا وطلبت الانضمام إلى قسم الأعصاب والتشريح العصبي كطالبة متدربة ومستمعة حرة. وبدعم وتشجيع من رئيس قسم الأعصاب هناك، الدكتور جوزيف شوارتز، انخرطت تشيرشلاند لسنوات عديدة في دراسة مساقات الطب البشري، وحضرت جولات الفحص السريري مع أطباء الأعصاب، وشاهدت العمليات الجراحية المفتوحة للمخ، وشاركت في تشريح الأدمغة البشرية وأدمغة الحيوانات في المختبرات التجريبية. كان هذا التحول الميداني بمثابة ولادة ثانية لوعيها الفلسفي، حيث تحولت التجريدات الغامضة فجأة إلى مسارات عصبية، ومستقبلات كيميائية، وتدفقات للأيونات عبر الأغشية الخلوية.
أتاح لها هذا الاحتكاك الطبي المباشر فهم الآليات الدقيقة لخلل الإدراك؛ فرأت كيف يمكن لتلف مجهري في منطقة محددة من الفص الصدغي أن يدمر قدرة المريض على التعرف على الوجوه المألوفة (عمه التعرف على الوجوه)، وكيف تؤدي صدمة في الفص الجبهي إلى تفكيك الشخصية الأخلاقية بالكامل، وكيف تعيد العقاقير النفسية تشكيل المزاج والوعي عبر التلاعب بمستويات النواقل العصبية. هذه الحقائق السريرية الصادمة رسخت قناعتها النهائية: إن محاولة فهم الذهن البشري بمعزل عن التشريح العصبي والفسيولوجيا الجزيئية تشبه محاولة فهم حركة الكواكب عبر قراءة الأبراج الفلكية. ومن هنا، تبلور قرارها المصيري بتخصيص مشروعها الفكري لردم الهوة السحيقة بين الفلسفة وبيولوجيا الأعصاب، مؤسسةً لمرحلة جديدة تماماً في الفكر الإنساني المعاصر.
2. ولادة فلسفة الأعصاب (Neurophilosophy): المفهوم والتأسيس
2.1 السياق الفلسفي السائد قبل كتاب فلسفة الأعصاب عام 1986
قبل الصدمة المعرفية التي أحدثتها تشيرشلاند في منتصف ثمانينيات القرن المنصرم، كانت الساحة الفلسفية خاضعة لهيمنة افتراضات صارمة تعود في أصولها إلى إيمانويل كانط وقبله رينيه ديكارت، مكرسة الفصل الحاد بين الذات العارفة والموضوع الفيزيائي الخارجي. وحتى مع تراجع الثنائية الديكارتية الصريحة وظهور المادية الفيزيائية، لجأ فلاسفة العقل إلى ابتكار نظريات ذكية للمحافظة على استقلال حقلهم الأكاديمي عن العلوم الطبيعية؛ وكان في طليعة هذه المحاولات مذهب الوظيفية (Functionalism) الحوسبية الذي روّجه هيلاري بوتنام وجيري فودور، والذي زعم أن الحالات العقلية تتحدد بوظيفتها وعلاقاتها السببية بالمدخلات والمخرجات، وليس بالبنية الفيزيائية التحتية التي تحققها.
بموجب هذا المنطق الوظيفي السائد، اعتبر الفلاسفة أن دراسة الدماغ البيولوجي مهمة هامشية يمكن تركها للأطباء والبيولوجيين، تماماً كما أن دراسة السيليكون والأسلاك النحاسية ليست ضرورية لمهندس البرمجيات الذي يكتب خوارزميات برمجية مجردة. سُميت هذه الفكرة بـ “استقلالية البرمجيات عن العتاد الصلب” (Hardware Independence)، واستُخدمت كذريعة ابستمولوجية تبرر لفلاسفة الأكسفورد وهارفارد الاستمرار في التأمل الجالس على الأرائك المريحة وممارسة “فلسفة كرسي التفكير” (Armchair Philosophy) دون تكبد عناء قراءة ورقة بحثية واحدة في علم الأحياء العصبي. كان هناك خوف دفين من أن الاقتراب المفرط من البيولوجيا قد يبتلع الفلسفة ويجردها من هويتها المعيارية والتأملية المستقلة.
تزامن هذا الجمود الفلسفي مع انفجار مذهل في تقنيات علم الأعصاب خلال السبعينيات والثمانينيات؛ حيث بدأت تظهر تقنيات التسجيل الميكروي أحادي الخلية، وتطورت وسائل التصوير الدماغي الإشعاعي، وبدأت تتشكل ملامح العلوم المعرفية الحوسبية. لكن الفلسفة التحليلية وقفت عاجزة عن هضم هذه المكتشفات الثورية، مكتفية باجترار أطروحات فيتجنشتاين حول ألعاب اللغة ومفارقات كوين حول ترجمة المعنى. كانت هناك فجوة معرفية هائلة تتسع يوماً بعد يوم بين مجتمع علمي يفكك أسرار الذاكرة والتعلم على المستوى المشبكي، ومجتمع فلسفي لا يزال يتجادل حول ما إذا كان الاعتقاد بأن “السماء زرقاء” حالة قصدية غير قابلة للاختزال المادي، وهو العجز البنيوي الذي استنهض تشيرشلاند لتوجيه ضربتها النقدية الكبرى.
2.2 تعريف فلسفة الأعصاب والمنهجية التكاملية المشتركة
صاغت باتريشيا تشيرشلاند مصطلح فلسفة الأعصاب (Neurophilosophy) ليعبر عن حقل هجين وثوري لا يكتفي بمجرد تطبيق المفاهيم الفلسفية على الأبحاث العصبية، بل يجعل من معطيات العلوم العصبية والتطورية محركاً أساسياً لإعادة كتابة الأسئلة الفلسفية وتصحيحها. إن فلسفة الأعصاب ليست مجرد فرع تطبيقي كأخلاقيات الطب الحيوي، بل هي “طريقة تفكير” جديدة ترى أن الفلسفة وعلم الأعصاب يمارسان نشاطاً مستمراً على نفس المتصل الإبستمولوجي؛ حيث تقدم الفلسفة الفرضيات الكبرى والتفكيك المفاهيمي الدقيق وتكشف التحيزات النظرية، بينما يقدم علم الأعصاب القيود التجريبية والنماذج البيولوجية التي تؤكد أو تدحض هذه الفرضيات.
قامت المنهجية التكاملية التي دعت إليها تشيرشلاند على مبدأ “التطور المشترك للنظريات” (Co-evolution of Theories)، حيث تتغذى العلوم النفسية، والعلوم الحوسبية، وعلم وظائف الأعصاب على بعضها البعض. رفضت بشدة النظرة الهرمية التقليدية التي تضع الفلسفة في القمة كقاضٍ يوزع المهام على العلوم الدنيا. وبدلاً من ذلك، نادت بنزعة طبيعية شاملة تلغي الحدود المصطنعة بين ما هو إمبريقي وما هو مفاهيمي. فالوعي، والذاكرة، واتخاذ القرار، والتمثيل المعرفي ليست كيانات سحرية تعيش في عالم الأفكار الأفلاطونية، بل هي عمليات فيزيائية تحدث في منظومات بيولوجية غير خطية شديدة التعقيد، ولا يمكن مقاربتها إلا من خلال تضافر جهود الرياضيين، وعلماء البيولوجيا الجزيئية، والفيزيائيين، والفلاسفة المتسلحين بالثقافة العلمية.
كذلك وظفت تشيرشلاند نماذج “الشبكات العصبية الاصطناعية” و”المعالجة الموزعة على التوازي” (Parallel Distributed Processing) كأداة منهجية وسيطة لردم الفجوة بين بنية الخلية العصبية المفردة والسلوك الإنساني الكلي. رأت أن التمثيل الذهني لا يتخذ شكل رموز لغوية تشبه الجمل المنطقية كما زعم أنصار الذكاء الاصطناعي الكلاسيكي والوظيفيون، بل هو عبارة عن “أنماط تنشيط موجهة في فضاءات متجهية متعددة الأبعاد” تحاكي النشاط المشبكي للأدمغة الحقيقية. هذه المنهجية أتاحت لأول مرة تفكيك العمليات العقلية العليا كالإدراك والتجريد في قوالب فيزيائية-حوسبية قابلة للاختبار المعملي والتطوير المستمر.
2.3 أثر كتاب فلسفة الأعصاب (Neurophilosophy: Toward a Unified Science of the Mind-Brain)
في عام 1986، أصدرت تشيرشلاند كتابها الرائد والتأسيسي Neurophilosophy: Toward a Unified Science of the Mind-Brain عبر مطبعة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT Press). جاء هذا السفر الضخم ليحدث زلزالاً معرفياً غير مسبوق في الفلسفة الغربية، إذ قسّمت باتريشيا كتابها بجرأة إلى شطرين متوازيين: خصصت الجزء الأول لشرح تفصيلي ومبسط لأساسيات علم الأعصاب الحديث؛ التشريح المجهري للمخ، والفسيولوجيا الكهربائية، والأنظمة الحسية، والآليات المشبكية، موجهة خطابها إلى الفلاسفة الذين لم يفتحوا كتاب تشريح في حياتهم؛ بينما كرست الجزء الثاني لنقد النظريات الفلسفية المهيمنة في فلسفة العقل ونظرية العلم، موضحة كيف أن هذه النظريات تنهار وتفقد مصداقيتها تماماً عند فحصها في ضوء معطيات الجزء الأول.
كانت الأطروحة المركزية للكتاب تدعو إلى تدشين “علم موحد للعقل والدماغ” (A Unified Science of Mind-Brain)، حيث لا مجال للحديث عن “عقل” مستقل يعمل بمفرده موازياً للدماغ. جادلت باتريشيا بأن تاريخ العلم يعلمنا أن العلوم تنضج وتتقدم حين تندمج وتلتحم اختزالياً؛ فالكيمياء اندمجت في فيزياء الكم، والحرارة تم تفسيرها بنظرية الحركة الجزيئية، وعلم الوراثة المندلي وجد قاعدته الفيزيائية الصلبة في اكتشاف بنية الدنا (DNA) في البيولوجيا الجزيئية. وبالمثل، فإن علم النفس لن يجد نضجه العلمي وخلاصه النظري إلا بالاندماج الكامل في علوم الدماغ. لم يعد السؤال الفلسفي: “ما هي طبيعة العقل؟” بل أصبح: “كيف تنتج الدوائر العصبية البيولوجية السلوك الذكي والخبرة الذاتية؟”.
أثار صدور الكتاب ردود فعل عنيفة ومتباينة هزت الأوساط الأكاديمية العالمية؛ فقد اتهمها العديد من كبار الفلاسفة التقليديين بـ “النزعة العلموية الفجة” (Crude Scientism) والتفريط في التراث الفلسفي الأصيل ومحاولة تسليم الفلسفة برمتها لعلماء الأحياء. في المقابل، استقبل علماء الأعصاب وعلماء النفس المعرفيون والباحثون الشباب الكتاب بحفاوة بالغة، واعتبروه صرخة تحرير علمية طال انتظارها؛ إذ منحهم أخيراً إطاراً نظرياً فلسفياً صلباً يضفي الشرعية على تجاربهم ويضع أبحاثهم في صلب النقاشات الوجودية الكبرى. غيّر هذا الكتاب مسار التفكير الفلسفي إلى الأبد، وفرض على أي فيلسوف يرغب في التحدث عن الإدراك مستقبلاً أن يمتلك حداً أدنى من الثقافة العصبية، مدشناً عصراً جديداً لا رجعة فيه.
3. المادية الإقصائية (Eliminative Materialism) وتفكيك علم النفس الشعبي
3.1 نقد مفهوم علم النفس الشعبي (Folk Psychology)
يُعد نقد علم النفس الشعبي (Folk Psychology) حجر الزاوية الذي شيدت عليه باتريشيا تشيرشلاند، بالتعاون مع زوجها بول تشيرشلاند، مشروعهما في المادية الإقصائية. يُعرَّف علم النفس الشعبي بأنه ذلك الإطار المفاهيمي الحدسي البديهي الذي يستخدمه عامة الناس في حياتهم اليومية لتفسير سلوكياتهم وسلوكيات الآخرين والتنبؤ بها، عبر الاستناد إلى مفردات مركزية مثل: “الاعتقادات”، “الرغبات”، “الآمال”، “المخاوف”، و”النوايا المبيتة”. فعلى سبيل المثال، نفسر ذهاب شخص إلى متجر البقالة بالقول إنه “يرغب” في شراء طعام، و”يعتقد” أن المتجر مفتوح، و”ينوي” دفع ثمن ما يختاره. يُنظر إلى هذه الحالات في التقليد الفلسفي الكلاسيكي على أنها حالات ذهنية قصدية حقيقية لا شك في وجودها.
تصدت تشيرشلاند لهذه الرؤية السائدة بحجة ثورية حاسمة: إن علم النفس الشعبي ليس حقيقة وجودية ثابتة ولا استبطاناً ذاتياً نقياً، بل هو في جوهره “نظرية علمية بدائية وشعبية” تطورت عبر العصور الحجرية لتمكين أسلافنا من التنبؤ التقريبي بسلوك رفاقهم لأغراض البقاء الاجتماعي. ولكونه نظرية تجريبية غير مصرح بها، فإنه يخضع لنفس معايير التقييم والنقد التي تخضع لها أي نظرية علمية أخرى في التاريخ. ومن هذا المنطلق، وجهت باتريشيا ضربة قاصمة لمصداقية هذه النظرية بإبراز سجل إخفاقاتها التفسيرية المروعة؛ فعلم النفس الشعبي يعجز تماماً عن تقديم أي تفسير علمي مقنع لظواهر عقلية واسعة الانتشار كالنوم، والأحلام، وتدهور الذاكرة، والتأهيل البصري، والاضطرابات العقلية الخطيرة كالفصام والاكتئاب والصرع.
تتساءل تشيرشلاند بنبرة تهكمية علمية: كيف يمكن لنظرية تدعي تفسير العقل أن تعجز كلياً عن شرح لماذا نقضي ثلث حياتنا نائمين وفاقدين للوعي؟ ولماذا تفشل لغة “الرغبات والاعتقادات” في مساعدة طبيب يتعامل مع مريض مصاب بنوبة هوس حادة أو تلف في الفص الجبهي يغير سلوكه الأخلاقي؟ إن عجز علم النفس الشعبي عن التطور منذ آلاف السنين، وجموده التام في مواجهة الاكتشافات البيولوجية، يثبت أنه ليس سوى إطار دوغمائي راكد ومليء بالثغرات، وأنه نظام تصنيفي مشوه يعكس جهل الإنسان القديم بآليات دماغه الحقيقية، مما يجعله غير صالح لتأسيس أي علم معرفي جاد ومعاصر.
3.2 أطروحة المادية الإقصائية: الاستبدال لا الاختزال
بناءً على تفكيك علم النفس الشعبي، صاغت تشيرشلاند أطروحتها الراديكالية المعروفة بـ المادية الإقصائية (Eliminative Materialism). ولكي نفهم عمق هذه الأطروحة، ميزت باتريشيا تمييزاً إبستمولوجياً بالغ الدقة بين مسارين تاريخيين في تطور العلم: مسار “الرد النظري الصالح” (Inter-theoretic Reduction)، ومسار “الإقصاء والاستبدال التام” (Theoretical Elimination). في مسار الرد الصالح، تظل مفردات النظرية القديمة صحيحة وقائمة، ولكن يتم إيجاد أساس فيزيائي أدق لها في النظرية الجديدة؛ كما حدث عندما فسرنا الضوء بأنه موجات كهرومغناطيسية، أو فسرنا درجة الحرارة بمتوسط الطاقة الحركية للجزيئات؛ هنا لم نلغِ مصطلح “الضوء” أو “الحرارة”، بل عمقنا فهمنا الفيزيائي لهما.
أما مسار الإقصاء، فيحدث عندما تتكشف النظرية القديمة عن خطأ جذري ومضلل في بنيتها الوجودية ذاتها، لدرجة يستحيل معها مطابقتها مع المكتشفات العلمية الجديدة؛ وبالتالي يتم شطب مفاهيمها وإقصاؤها كلياً من المعجم العلمي دون محاولة اختزالها. واستدعت تشيرشلاند أمثلة تاريخية كلاسيكية ناصعة: عندما تقدمت الكيمياء والفيزياء، لم يقم العلماء بـ “اختزال” مادة الفلوجستون (Phlogiston) (تلك المادة الخيالية التي كان يُعتقد أنها تخرج من المواد أثناء احتراقها) إلى الأكسجين، بل أعلنوا بجرأة أن الفلوجستون ببساطة غير موجود وأنه كان خرافة نظرية، فتم إقصاء المفهوم تماماً. وبالمثل، عندما تطورت الثرموديناميكا، لم نختزل “السيال الحراري” (Caloric Fluid) بل ألغيناه، وعندما صاغ أينشتاين نظريته النسبية، أقصى تماماً مفهوم “الأثير الضوئي” من الفيزياء الكونية.
تؤكد تشيرشلاند أن مصير مفاهيم علم النفس الشعبي لن يكون “الاختزال” (أي لن نجد في الدماغ شيئاً عصبياً يطابق “الاعتقاد” أو “الرغبة”)، بل سيكون مصيرها “الإقصاء والاستبدال التام”. تتنبأ باتريشيا بأنه مع تقدم العلوم العصبية وتطور لغة التوصيل المشبكي والديناميكا العصبية الحوسبية، ستختفي مفردات الرغبة والنية والاعتقاد من الأبحاث الجادة ومن لغة الحياة اليومية الراقية، لتحل محلها مفاهيم جديدة تعبر عن مصفوفات النشاط في الفضاءات المتجهية ومستويات الإثارة والتثبيط في الدوائر العصبية الموزعة، تماماً كما كف الناس اليوم عن الحديث عن غضب الآلهة لتفسير البرق والرعد لصالح التفريغ الكهربائي في الغلاف الجوي.
3.3 الموقف من الحالات الذهنية والخبرات الذاتية
يثير هذا الطرح الإقصائي الراديكالي اعتراضاً بديهياً يتبادر إلى ذهن كل قارئ: أليس شعورنا الذاتي بألم الأسنان، أو حزننا على فراق عزيز، أو اعتقادنا بأن غداً يوم جديد، حقائق لا تقبل الشك لأننا نختبرها مباشرة من الداخل عبر الاستبطان؟ ردت تشيرشلاند على هذا التحدي الظاهراتي بتفكيك “أسطورة الشفافية المعرفية للذات” (The Myth of Epistemic Transparency). جادلت بأن افتراض وجود وصول معرفي معصوم ومباشر للذات إلى أحوالها الداخلية ليس دليلاً على وجود حالات عقلية غير مادية، بل هو انعكاس لمحدودية جهازنا العصبي ونظامه الاستشعاري الذاتي الذي لا يمتلك مستشعرات تراقب الخلايا العصبية كخلايا مفردة.
أوضحت تشيرشلاند أن إحساسنا بالذات والخبرة الذاتية ليس سوى نتاج لأنماط تفريغ عصبي محددة ومعقدة داخل شبكات الدماغ؛ فالألم ليس جوهراً سحرياً يعيش في فضاء ميتافيزيقي، بل هو نمط محدد من التنشيط في ألياف (C) العصبية وتدفق الإشارات عبر المهاد (Thalamus) نحو القشرة الحسية الجسدية والقشرة الحزامية الأمامية. إن فشل الإنسان العادي في رؤية هذه التوصيلات العصبية حين يتألم لا ينفي وجودها المادي الحصري، تماماً كما أن عجز العين المجردة عن رؤية انحناء الزمكان لا ينفي صحة النسبية العامة. إننا حين ننظر إلى شاشة الحاسوب نرى صورة ملونة ولا نرى مليارات الترانزستورات وأكواد الصفر والواحد التي تصنعها؛ والقول بأن الصورة موجودة ككيان مستقل عن البنية التحتية للحاسوب هو مغالطة معرفية ساذجة.
وبالتالي، تتحدى تشيرشلاند النزعات الظاهراتية (الفينومينولوجية) التي تجعل من الخبرة الذاتية حكماً نهائياً على الحقيقة الفيزيائية. ترى أن الدماغ البشري يُكوّن تمثيلات ونماذج داخلية تقريبية ومبسطة جداً عن حالته الجسدية لتسهيل التكيف السريع، وهذه النماذج المبسطة هي التي نسميها مجازاً “مشاعر” و”حالات ذهنية”. إن الاستبطان الداخلي ليس مرآة سحرية تعكس حقيقة التركيب الداخلي، بل هو أداة تطورية فجة وعرضة للخطأ والوهم الإدراكي بامتياز. والاعتماد على الاستبطان لإثبات استقلال الروح أو العقل عن المادة يشبه الاعتماد على النظر بالعين المجردة للادعاء بأن الأرض مسطحة وأن الشمس هي التي تدور حولها لمجرد أننا “نراها” تتحرك في السماء كل صباح.
4. مشكلة العقل والجسد من منظور البيولوجيا العصبية المعاصرة
4.1 تفنيد الثنائية الديكارتية ونظريات الوظيفية الحوسبية
في معركتها الطويلة لحل معضلة العقل والجسد الكلاسيكية، شنت تشيرشلاند هجوماً مزدوجاً وضروساً على كل من الثنائية الديكارتية التراثية من جهة، والوظيفية الحوسبية الحديثة من جهة أخرى. ففيما يتعلق بالثنائية الديكارتية التي تفترض وجود جوهرين متمايزين: جوهر مادي ممتد في المكان (الجسد) وجوهر مفكر غير مادي ولا امتداد له (العقل أو الروح)، أظهرت تشيرشلاند أن هذا الطرح يسقط في هاوية عجز تفسيري مطلق أمام القوانين الأساسية للفيزياء. فالسؤال الديكارتي القديم: “كيف يمكن لجوهر غير مادي لا كتلة له ولا أبعاد أن يتفاعل فيزيائياً مع جسد مادي تحكمه قوانين الحفاظ على الطاقة والزخم؟” ظل وما يزال مستحيلاً منطقياً وعلمياً، مما يجعل الثنائية نظرية فارغة تفسر المجهول بما هو أكثر جهالة منه.
أما هجومها الأكثر شراسة ودقة، فكان موجهاً ضد الوظيفية الحوسبية (Functionalism) ومفهوم “إمكانية التحقق المتعدد” (Multiple Realizability) الذي كان يتزعمه فلاسفة بارزون كفودور وبوتنام. ادعى الوظيفيون أن العقل بالنسبة للدماغ يشبه البرنامج بالنسبة للعتاد الصلب في الحاسوب الرقمي، مما يعني أن طبيعة المادة الفيزيائية التي تؤدي الحسابات لا أهمية لها على الإطلاق؛ فيمكن للعقل أن يتحقق في دماغ بيولوجي، أو في حاسوب سيليكوني، أو حتى في شبكة من علب الصفيح المتصلة بخيوط إن هي نظمت وفق نفس العلاقات المنطقية. رفضت تشيرشلاند هذا الافتراض المجرد جملة وتفصيلاً، وأكدت أن “العتاد البيولوجي الرطب” (Biological Wetware) يحدد بالضرورة والعمق طبيعة الحوسبة التي يمكن للدماغ أن ينجزها.
أوضحت تشيرشلاند أن الدماغ البشري ليس معالجاً تسلسلياً كلاسيكياً شبيهاً بآلات تورينغ، بل هو جهاز ديناميكي شديد التوازي، تتداخل فيه العمليات البنيوية مع العمليات الوظيفية على المستوى الجزيئي والمشبكي؛ حيث تتغير البنية التشريحية ذاتها أثناء معالجة المعلومات بفعل اللدونة المشبكية (Synaptic Plasticity). إن الفصل التعسفي بين البرنامج والعتاد الصلب هو وهم استوردته الفلسفة من تكنولوجيا الحواسيب البدائية في منتصف القرن العشرين. ومن ثم، فإن إهمال التفاصيل الدقيقة للخلايا العصبية، والنواقل العصبية، والتنظيم الطبقي لقشرة المخ، والآليات التطورية يحكم على أي نظرية في فلسفة العقل بالعقم والموت السريري؛ فالمادة ليست وعاءً سلبياً للفكر، بل هي الفكر ذاته متجسداً في حركته الفيزيائية.
4.2 الوعي كظاهرة بيولوجية فيزيائية قابلة للحل العلمي
تحظى مسألة الوعي بمكانة محورية في كتابات تشيرشلاند، لا سيما في مواجهتها الصدامية مع الفيلسوف الأسترالي ديفيد تشالمرز وأطروحته الشهيرة حول ما يُعرف بـ “المشكلة الصعبة للوعي” (The Hard Problem of Consciousness). يزعم تشالمرز أن هناك مشاكل “سهلة” تتعلق بكيفية تمييز الدماغ للمحفزات ودمج المعلومات والتحكم في السلوك، وهي مشاكل يمكن لعلم الأعصاب حلها في نهاية المطاف؛ لكن المشكلة “الصعبة” تكمن في السؤال: لماذا يرافق هذا الأداء الفيزيائي كله تجربة ذاتية وشعور داخلي واعٍ؟ رافضةً هذا التقسيم، اعتبرت تشيرشلاند أن المشكلة الصعبة ليست سوى فخ سفسطائي ولدتْه المبالغات الفلسفية المعزولة عن التاريخ العلمي.
جادلت تشيرشلاند بأن تشالمرز ومن يوافقه يقعون في مغالطة كلاسيكية تُدعى حجة الجهل (Argument from Ignorance)؛ حيث يستنتجون من عجز العلم الحالي عن شرح الآلية الدقيقة للوعي استحالة تفسيره بيولوجياً في المستقبل، ليقفزوا إلى افتراضات باطلة كالروحية الشاملة (Panpsychism) أو الثنائية الطبيعية. استدعت باتريشيا هنا تاريخ علم الأحياء في القرن التاسع عشر، حينما ادعى أنصار “المذهب الحيوي” (Vitalism) أن خواص الكائنات الحية كالتكاثر والنمو والتمثيل الغذائي لا يمكن أبداً تفسيرها بفيزياء وكيمياء المادة الجامدة، مفترضين وجود “قوة حيوية خفية” (Élan Vital). ولكن مع اكتشاف البيولوجيا الجزيئية والدنا ودورات الطاقة داخل الخلية، تبخرت “المشكلة الصعبة للحياة” دون الحاجة لأي قوى خارقة. تؤكد تشيرشلاند أن مصير “المشكلة الصعبة للوعي” سيكون بالضبط كمصير القوة الحيوية: ستتلاشى وتذوب تدريجياً مع تراكم الاكتشافات العصبية التفصيلية.
وانطلاقاً من هذه الرؤية المتفائلة علمياً، دخلت تشيرشلاند في شراكات بحثية وحوارات فكرية متواصلة مع رواد علم الأعصاب المعاصر، وعلى رأسهم عالم الأحياء الجزيئية الحائز على نوبل فرانسيس كريك، وعالم الأعصاب كريستوف كوخ. تبنت تشيرشلاند ودعمت منهجهما التجريبي الصارم في البحث عن المترابطات العصبية للوعي (Neural Correlates of Consciousness – NCC). يركز هذا النهج العملي على تحديد أصغر الآليات والدوائر العصبية المشتركة الكافية لتوليد ومضة إدراكية واعية، عبر مقارنة نشاط الدماغ في حالات الإدراك الحسي الواعي بالإدراك اللاشعوري (مثل تجارب التنافس المجهري وإخفاء الصور). رأت تشيرشلاند أن هذا هو المسار العلمي الواقعي الوحيد لحل لغز الوعي؛ إذ لا يحل المشاكل المعقدة في تاريخ العلم إلا العمل المخبري التراكمي الشاق، وليس التأمل التجريدي في الكراسي الوثيرة.
4.3 مسألة الكواليا (Qualia) وأوهام الإحساس الذاتي
تشكل مسألة الكواليا (Qualia) -وهي الصفات النوعية الذاتية للخبرات الحسية، مثل “احمرار” اللون الأحمر الذي نراه، أو “مرارة” الطعم، أو “ألم” الحرق- التحدي المفضل الذي يشهره فلاسفة العقل المناهضون للمادية في وجه العلوم العصبية. ولعل أشهر تجربة فكرية في هذا الصدد هي حجة “غرفة ماري” التي صاغها الفيلسوف فرانك جاكسون عام 1982؛ ومفادها أن عالمة أعصاب عبقرية تدعى ماري تعيش في غرفة بيضاء وسوداء وتعرف كل حقيقة فيزيائية وعصبية ممكنة عن كيفية معالجة الدماغ للألوان، لكنها لم ترَ لوناً قط في حياتها؛ فهل إذا خرجت ماري من غرفتها ورأت تفاحة حمراء ستتعلم شيئاً جديداً؟ يقول الخصوم: نعم، ستتعلم “كيف يبدو” اللون الأحمر (الكواليا)، مما يثبت بزعمهم أن المعرفة الفيزيائية غير كاملة وأن الكواليا ليست فيزيائية.
تصدت تشيرشلاند ببراعة لهذه الحجة وفككت مفارقاتها المعرفية كاشفة عن التباس لغوي خطير في استخدام مفهوم “المعرفة”. أوضحت أن عبارة “معرفة كل الحقائق الفيزيائية” تُستخدم في سياقين مختلفين تماماً: الأول هو “المعرفة التقريرية اللسانية” (Propositional Knowledge) القائمة على قراءة المقالات وحفظ المعادلات النظرية؛ والثاني هو “المعرفة المباشرة عبر التفعيل العصبي الحسي” (Direct Sensory Activation Knowledge). عندما كانت ماري في غرفتها، كانت تمتلك المعرفة من النوع الأول فقط؛ لأن شبكاتها العصبية في القشرة البصرية (وتحديداً منطقة V4 المسؤولة عن معالجة الألوان) لم تكن قد تعرضت بعد لتحفيز الأطوال الموجية للضوء لتنشئ مسارات التوصيل المشبكي المطلوبة للتجربة البصرية الحية.
توضح تشيرشلاند أن خروج ماري ورؤيتها للون الأحمر لم يضف أي حقيقة ميتافيزيقية غير فيزيائية إلى العالم، بل جعل دماغها ينتقل إلى “حالة عصبية وظيفية جديدة” لم تكن ممكنة من خلال القراءة النظرية فحسب. إن القول بأن تجربة رؤية اللون تثبت وجود كواليا غير مادية يشبه القول بأن معرفة الميكانيكا النظرية لقيادة الدراجة تجعلك قادراً على ركوبها فوراً دون تدريب حركي؛ والخلط بين تفعيل الدوائر العصبية الحركية وتخزين المعلومات النظرية هو سذاجة مفاهيمية. وبالتالي، تؤكد تشيرشلاند أن الكواليا ليست سوى مصطلح مضلل ناتج عن عجز لغتنا العادية واستبطاننا المحدود عن وصف ملايين العمليات المشبكية الدقيقة التي تحدث في أدمغتنا عند التفاعل مع العالم، وأن فك شفرة المعالجة الحسية في الدماغ كفيل بتبديد هذا الوهم بالكامل.
5. الأخلاق العصبية وتطور السلوك الإنساني: من الدماغ إلى القيم
5.1 نقد الأخلاق المعيارية التجريدية والكانطية
امتد المشروع النقدي لباتريشيا تشيرشلاند بجرأة ليصل إلى أكثر الحقول الفلسفية تحصناً بالتجريد: حقل الفلسفة الأخلاقية. في هذا السياق، شنت هجوماً لاذعاً على المذاهب الأخلاقية المعيارية السائدة منذ عصر التنوير، وخاصة الأخلاق الكانطية (Deontology) التي تؤسس الواجب على العقل الخالص والقانون الأخلاقي الكلي المتعالي، وكذلك مذهب النفعية (Utilitarianism) لـ جيريمي بنثام وجون ستيوارت ميل الذي يحاول اختزال كل قرار أخلاقي في معادلة حسابية باردة لتعظيم اللذة وتقليل الألم للعدد الأكبر من البشر. رأت تشيرشلاند أن كلا النموذجين ينطلقان من صورة وهمية تماماً للطبيعة البشرية ولآلية اتخاذ القرار في الدماغ الفعلي.
أكدت تشيرشلاند أن محاولة كانط لعزل الأخلاق عن كل ميل عاطفي أو غريزة بيولوجية واعتبار الفعل الأخلاقي نابعاً فقط من “عقل محض” مفارق للجسد هو ضرب من الهذيان الفلسفي الذي يتجاهل بنيتنا ككائنات حية متطورة. فالبشر لا يتصرفون في مواقف الحياة اليومية كفلاسفة كانطيين يطبقون “الأمر المطلق”، ولا كحواسيب نفعية تحسب كسور اللذة والألم الحسابية قبل مد يد العون لطفل يغرق. إن هذه النظريات التجريدية عاجزة عن تفسير لماذا نهتم بأبنائنا وأصدقائنا أكثر من اهتمامنا بغرباء يبعدون عنا آلاف الأميال، وتفشل في إدراك أن المشاعر البيولوجية كالحب، والتعاطف، والولاء، والاشمئزاز، هي الوقود الحقيقي الذي يدفع السلوك الأخلاقي الإنساني ويمنحه معناه.
لذلك، دعت تشيرشلاند إلى التخلي عن هذه النماذج الفوقية الجافة، واستبدالها بنظرة واقعية تؤصل الأخلاق كـ “استجابات تكيفية تطورية” نشأت وتطورت عبر ملايين السنين لحل مشكلات عملية تتعلق بالبقاء والازدهار في بيئات اجتماعية معقدة. إن الأخلاق عند تشيرشلاند ليست قوانين منقوشة في سماء أفلاطونية أو مسلمات منطقية تمليها العقلانية الصورية، بل هي مهارات اجتماعية سلوكية مدمجة في دوائرنا العصبية، تطورت لتمكين الكائن البشري -الذي يولد عاجزاً ويستمر ضعيفاً بمفرده- من التعاون مع بني جنسه، وتجنب الهلاك، وإدارة صراعات الموارد الشحيحة بكفاءة تضمن استمرار نوعه.
5.2 الهرمونات والدوائر العصبية كأساس للترابط الأخلاقي
لتشييد صرح فلسفتها الأخلاقية على أرضية علمية صلبة، استندت تشيرشلاند إلى أحدث أبحاث علم الغدد الصم العصبية (Neuroendocrinology) والبيولوجيا التطورية، مركزة اهتمامها على الدور السحري الذي يلعبه هرمونا الأوكسيتوسين (Oxytocin) والفاسوبريسين (Vasopressin) في تشكيل السلوك الاجتماعي للثدييات. انطلقت باتريشيا من دراسات علمية رائدة قارنت بين نوعين متقاربين جينياً من قوارض الحقل: فئران البراري (Prairie Voles) التي تمتاز بوفاء زوجي مطلق، ورعاية مشتركة للأبناء، وروابط اجتماعية متينة؛ وفئران الجبال (Meadow Voles) التي تميل إلى العزلة والانعزال وتعدد الشركاء الجنسيين وإهمال الصغار فور ولادتهم.
بينت الأبحاث أن هذا الفارق السلوكي والأخلاقي الهائل لا يعود إلى اعتناق فئران البراري لمبادئ أخلاقية سامية أو التزامها بـ “واجب كانطي”، بل يرجع حصرياً إلى الكثافة العالية والتوزيع الفريد لمستقبلات هرموني الأوكسيتوسين والفاسوبريسين في مناطق المكافأة واللذة بالدماغ، وتحديداً في “النواة المتكئة” (Nucleus Accumbens) والمنطقة السقيفية البطنية (VTA). في فئران البراري، يرتبط إفراز الأوكسيتوسين أثناء التزاوج بإفراز الدوبامين، مما يجعل الدماغ يربط بين صورة الشريك وشعور عميق بالمكافأة والأمان، في حين تفتقر فئران الجبال إلى هذه المستقبلات في تلك المناطق الحيوية، مما يجعلها غير مبالية اجتماعياً. هذا الاكتشاف الحاسم قدم الدليل المادي القاطع على أن الرعاية والوفاء والترابط سلوكيات ترتكز مباشرة على كيمياء الدماغ وتركيبته الوراثية.
توضح تشيرشلاند كيف استثمر التطور البيولوجي هذه الآلية الهرمونية ذاتها في البشر لتوسيع رقعة الاهتمام العاطفي. فالأم تشهد أثناء الحمل والولادة والرضاعة تدفقاً هائلاً للأوكسيتوسين الذي يُخمد استجابات الخوف في اللوزة الدماغية (Amygdala) ويدفعها للدفاع المستميت عن وليدها وإيثاره على نفسها؛ وهنا تتسع دائرة “الاهتمام بالبقاء الفردي” لتتحول بيولوجياً إلى “اهتمام برفاهية كائن آخر”. ومن خلال هذا التحوير العصبي، ارتبطت مسارات المكافأة واللذة بأفعال الإحسان والرعاية، مما جعل مساعدة الآخرين تولد شعوراً داخلياً بالرضا بفضل الدوبامين، بينما يثير إهمالهم وخيانتهم مشاعر القلق والألم الفيزيائي في القشرة الحزامية، لتتشكل بذلك البنية التحتية الصلبة التي تنبثق منها كافة القيم الأخلاقية الإنسانية لاحقاً.
5.3 الأطروحة المركزية في كتاب Braintrust: كيف تطورت الأخلاق
في عام 2011، نشرت تشيرشلاند كتابها الفلسفي-العصبي الأبرز في ميدان الأخلاق بعنوان Braintrust: What Neuroscience Tells Us about Morality عن دار نشر جامعة برينستون. صاغت باتريشيا في هذا المؤلف أطروحة مركزية قلبت المفاهيم الأخلاقية التقليدية رأساً على عقب؛ حيث جادلت بأن “القيم الأخلاقية ليست سوى ترقيات وتعديلات بيولوجية تطورية على دوائر الحفاظ على الذات لدى الكائنات الحية”. فالكائن الحي البدائي يهتم فقط بغذائه وحرارته وبقائه الفردي؛ ولكن مع ظهور الثدييات وتطور القشرة المخية الحديثة، أصبح الصغار يولدون غير ناضجين وبحاجة ماسة لرعاية طويلة الأمد، مما فرض ضغطاً انتخابياً استدعى تعديل دوائر الحفاظ على الذات العصبية لتمتد وتشمل الصغار، ثم الشركاء، ثم الأقارب، وأخيراً أفراد المجموعة الاجتماعية والعشيرة ككل.
حددت تشيرشلاند أربعة أركان أساسية مترابطة بنيوياً تفسر نشأة الأخلاق انطلاقاً من بيولوجيا الدماغ:
- الرعاية (Caring): المتجذرة في الارتباط الفسيولوجي بالأبناء والأقارب والمدفوعة بالهرمونات العصبية.
- التعرف على الحالات الذهنية للآخرين (Recognition of Others’ States): المنبثق من قدرات قراءة النوايا والتعاطف لمحاكاة مشاعر الرفاق والتنبؤ بردود أفعالهم.
- حل المشكلات الاجتماعية في إطار المجموعة (Problem-Solving in a Social Context): القائم على توظيف المرونة المعرفية لابتكار حلول براغماتية لتقاسم الموارد وحل النزاعات.
- تعلم واستبطان الممارسات الاجتماعية (Learning Social Practices): عبر أنظمة المكافأة والعقاب العصبية والتثقيف البيئي لتشكيل عادات توافقية مستقرة.
تخلص تشيرشلاند في كتابها إلى أن الأخلاق ليست قائمة على نصوص ميتافيزيقية مسبقة أو حتميات منطقية كونية، بل هي “تقنية اجتماعية براغماتية ومرنة” ابتكرتها أدمغتنا لحل المعضلات البيئية والمجتمعية الملحة. فالقيم ليست قواعد مطلقة لا يمكن كسرها، بل هي أشبه بإرشادات ملاحية يتم تعديلها وإعادة صياغتها باستمرار بما يتلاءم مع متطلبات الاستقرار والتعايش السلمي. وبذلك، تعيد باتريشيا الأخلاق إلى بيتها الطبيعي الأصيل: كجزء لا يتجزأ من بيولوجيا البقاء الإنساني وسعينا الدائم نحو الازدهار المشترك والحد من المعاناة الحقيقية داخل عالم مادي متقلب.
6. التطور العصبي للضمير والمعايير المجتمعية
6.1 الدماغ الثديي وتوسع رقعة الرعاية البيولوجية
في إطار تعميق التحليل المقارن، تسلط تشيرشلاند الضوء على النقلة التطورية النوعية التي أحدثها ظهور الثدييات قبل أكثر من مائتي مليون سنة، مقارنة بأسلافها من الزواحف. يمتلك دماغ الزواحف بنية وظيفية بسيطة وفعالة تُعرف في علم الأعصاب بـ “الجذع الدماغي والعقد القاعدية” (Basal Ganglia)، وهو نظام مكرس بالكامل للبقاء الفردي اللحظي: الأكل، الهروب، القتال، والتكاثر. تضع أنثى الزواحف بيوضها وتتركها لمصيرها دون أن تلتفت خلفها، وإذا التقت بصغارها لاحقاً، فقد تأكلهم كوجبة سهلة دون أدنى تردد، لأن جهازها العصبي يفتقر تماماً إلى دوائر “الرعاية اللاحقة” و”الترابط العاطفي”.
أما مع انفجار شعبة الثدييات وتطور القشرة المخية الحديثة (Neocortex)، فقد تغير المشهد البيولوجي بصورة دراماتيكية. تميزت الثدييات بخاصية “ذوات الدم الحار” (Endothermy)، وهي ميزة منحتها القدرة على النشاط في مختلف الظروف المناخية ولكنها فرضت عليها ثمناً باهظاً: استهلاك كميات هائلة من الطاقة لحرق السعرات الحرارية والحفاظ على حرارة الجسم. ولهذا السبب، أصبحت أجنة الثدييات تولد في مراحل نمو مبكرة جداً وتتطلب رضاعة ورعاية مستمرة ومكثفة حتى تكتمل أدمغتها الكبيرة وتتعلم مهارات البقاء؛ وهذا العبء الطاقي والتطوري استلزم هندسة عصبية ثورية تجعل الأم تشعر بأن “ألم الصغير هو ألمها الشخصي”، وأن إطعامه وحمايته يماثل في ضرورته إطعام نفسها.
تؤكد تشيرشلاند أن هذا التوسع الراديكالي في رقعة الرعاية هو المنبع البيولوجي الأوحد لكل ما ندعوه لاحقاً بالضمير والغيرية والتعاطف. لقد دفع الدماغ الثديي ثمناً باهظاً من الطاقة الحيوية لبناء هذه القشرة المخية المعقدة، لكن العائد التطوري كان مذهلاً؛ فالقدرة على الترابط الاجتماعي أتاحت نشوء الصيد الجماعي، وتوزيع الحراسة، ومشاركة الغذاء، وحماية القطيع، مما جعل الثدييات -وعلى رأسها الرئيسيات والبشر- تهيمن على الكوكب. فالضمير البشري لم يهبط من فراغ، بل هو ابتكار ثديي متوارث كُتبت شفرته بحبر الانتخاب الطبيعي لضمان رعاية الضعفاء ودمج الأفراد في نسيج اجتماعي متكامل.
6.2 تشريح الضمير: آليات النمذجة والاستبطان القيمي
تفكك باتريشيا تشيرشلاند مفهوم “الضمير” (Conscience) وتجرده من الهالات الصوفية التي أحاطته لقرون، واصفة إياه بأنه “شبكة عصبية وظيفية معقدة لضبط وتعديل السلوك الذاتي وفقاً للمتطلبات والمعايير الاجتماعية المستدخلة”. يرتكز هذا الضمير العصبي على تفاعل ديناميكي وتكاملي بين مناطق دماغية محددة تشمل:
- القشرة الجبهية الحجاجية (Orbitofrontal Cortex – OFC): المسؤولة عن تقييم المخاطر والمكافآت المرتقبة للخيارات السلوكية وحساب التكلفة الاجتماعية للانحراف.
- القشرة الأمامية الجبهية البطنية الإنسية (vmPFC): التي تدمج الإشارات العاطفية والجسدية القادمة من الجهاز الحوفي لصياغة المشاعر الأخلاقية المباشرة كالندم والذنب.
- اللوزة الدماغية (Amygdala): المحرك الأساسي للاستجابة الانفعالية لمشاعر الخوف والاشمئزاز واستشعار الخطر المهدد للترابط الجماعي.
- نظام المكافأة الدوباميني في النواة المتكئة (Nucleus Accumbens): الذي يمنح شعوراً عميقاً بالنشوة والارتياح عند الامتثال لمعايير المجموعة وتحقيق القبول الاجتماعي.
توضح تشيرشلاند أن ما نختبره داخلياً كـ “وخز للضمير” ليس سوى إشارة إنذار عصبية كيميائية ناتجة عن صراع بين رغبة بيولوجية فورية (كالاستئثار بطعام أو الهروب من واجب) والخوف المكتسب من الإقصاء الاجتماعي والنبذ من العشيرة. فمنذ الطفولة المبكرة، يُخضع الوالدان والمجتمع دماغ الطفل لعمليات تكييف وتدريب مستمرة عبر الثواب والعقاب والنمذجة ومشاعر الاستحسان والاستهجان. هذه التجارب التربوية والاجتماعية لا تظل أفكاراً عائمة في الذهن، بل تُترجم كيميائياً فتنحت التوصيلات المشبكية للدماغ وتعيد توجيه مسارات الدوبامين والسيروتونين.
وعليه، فإن الضمير هو النتيجة الحتمية لغرس العادات والقيم الثقافية في النسيج العصبي اللدن للدماغ. فعندما نفكر في القيام بعمل يخالف معايير مجتمعنا، تستدعي القشرة الجبهية تلقائياً توقعات العقاب أو العار المجتمعي، وتطلق اللوزة الدماغية والقشرة الانعزالية (Insula) استجابة كيميائية تشبه الألم الفيزيائي الخفيف والضيق الحشوي؛ وهذا الانزعاج الحشوي العصبي الداخلي هو بالضبط ما نطلق عليه فلسفياً “صوت الضمير”. فالضمير ليس حاسة سحرية تستشعر الحق المطلق، بل هو حارس عصبي أمني طوره الدماغ لحماية الفرد من اقتراف أفعال تقوده إلى العزلة أو الانتقام الجمعي الذي كان يعني موتاً محققاً في بيئتنا التطورية القديمة.
6.3 الواقعية البيولوجية العصبية مقابل النسبية الأخلاقية
يضع هذا التفسير العصبي للأخلاق باتريشيا تشيرشلاند في مواجهة مباشرة مع المعضلة الفلسفية الشهيرة التي صاغها الفيلسوف الإسكتلندي ديفيد هيوم والمعروفة بـ مغالطة الانتقال من الوجود إلى الوجوب (Is-Ought Fallacy)؛ حيث يزعم المناطقة أنه يستحيل اشتقاق حكم قيمي (“ما يجب أن يكون”) من مجرد توصيف واقعي فيزيائي (“ما هو كائن”). وتبعاً لذلك، يتهم النقاد تشيرشلاند بأن محاولتها ربط الأخلاق بهرمونات ودماغ الثدييات تسقط في هذه المغالطة الطبيعية، وقد تفتح الباب على مصراعيه لنسبية أخلاقية فوضوية تُبرر أي سلوك بيولوجي بدعوى أنه طبيعي.
ترفض تشيرشلاند حجة هيوم واصفة إياها بالتعسف المنطقي المفرط، مؤكدة أن الفلسفة بالغت في تقديس هذه الفجوة المصطنعة. تستخدم باتريشيا هنا قياساً طبياً عبقرياً: إن “علم الصحة والطب” بأكمله يقوم على اشتقاق “ما يجب فعله” مما “هو كائن في البيولوجيا”؛ فنحن ندرس فسيولوجيا الجسد المريضة (ما هو كائن) لنستنتج منها بروتوكولات العلاج والوقاية (ما يجب فعله للحفاظ على الصحة). ولا يجرؤ أحد على اتهام الطبيب بمغالطة منطقية حين يقول: “بما أن البكتيريا تدمر الرئتين، فيجب عليك تناول هذا المضاد الحيوي”. فلماذا نقبل هذا الاشتقاق في صحة الجسد ونرفضه في صحة المجتمع؟
تؤسس تشيرشلاند بذلك لـ “واقعية بيولوجية عصبية” تتجاوز كلاً من الدوغمائية المطلقة والنسبية الأخلاقية العبثية. تجادل بأن هناك حقائق موضوعية تتعلق بالازدهار البيولوجي للبشر والمعاناة الحقيقية؛ فالأنظمة الأخلاقية التي تشجع على الصدق والتعاون ورعاية الصغار والعدالة التوزيعية تؤدي موضوعياً إلى خفض مستويات الكورتيزول والإجهاد المزمن في أدمغة المواطنين وتزيد من استقرار وتماسك المجتمع، في حين أن الأنظمة التي تكرس الغدر والقتل والاستبداد تؤدي حتماً إلى تدمير النسيج الحيوي والانهيار المجتمعي. إن اعترافها بتنوع التطبيقات الثقافية للأخلاق لا يعني مساواة كل الأنظمة؛ فالنجاح الأخلاقي يُقاس تجريبياً بقدرة المجتمع على تحقيق التوازن والرفاه البيولوجي والنفسي لأفراده، تماماً كما تُقاس كفاءة أي حمية غذائية بقدرتها على الحفاظ على حيوية الجسم وخلوه من الأمراض.
7. الإرادة الحرة والمسؤولية الأخلاقية في ضوء علوم الدماغ
7.1 تفكيك وهم الإرادة الحرة التحررية (Libertarian Free Will)
تُمثل قضية الإرادة الحرة (Free Will) إحدى أشد الجبهات اشتعالاً في مشروع تشيرشلاند الفكري، حيث تصدت بحزم للمفهوم الميتافيزيقي الكلاسيكي المعروف بـ “الإرادة الحرة التحررية” (Libertarian Free Will)؛ وهو ذلك الاعتقاد السائد بأن الإنسان يمتلك قدرة خارقة للطبيعة تجعله فاعلاً أولياً غير مسبوق بأسباب مادية، وأنه في لحظة اتخاذ أي قرار كان بإمكانه دوماً أن يختار مساراً مغايراً تماماً بمعزل عن التركيب الجيني، والحالة الكيميائية لدماغه، ومسار تاريخه التطوري، والمدخلات البيئية المحيطة به.
تؤكد تشيرشلاند أن هذا المفهوم التحرري ليس فقط مستحيلاً علمياً، بل هو غير متماسك منطقياً وميتافيزيقياً؛ فلكي تكون لدينا إرادة حرة بهذا المعنى، يجب أن نقبل بوجود “معجزة فيزيائية” تحدث في الدماغ عند كل قرار، حيث تتدخل روح لا مادية لتدفع الذرات وتغير مسار الإشارات العصبية دون سبب فيزيائي سابق. ويدعم هذا التفكيك النظري تراكم هائل من الأدلة التجريبية المستمدة من مختبرات العلوم العصبية، بدءاً من تجارب عالم وظائف الأعصاب الشهير بنجامين ليبت (Benjamin Libet) في ثمانينيات القرن الماضي، وصولاً إلى أبحاث جون ديلان هاينز الحديثة باستخدام الرنين المغناطيسي الوظيفي، والتي أثبتت أن الدماغ البشري يُنشئ “جهد الاستعداد العصبي” (Readiness Potential) ويبدأ في تنفيذ القرار الفيزيائي الحركي قبل عدة مئات من المللي ثوانٍ (وأحياناً بضع ثوانٍ) من إدراك الشخص الواعي بأنه “اتخذ القرار بمحض إرادته”.
توضح تشيرشلاند أن “الشعور بالحرية” الذي يرافق قراراتنا هو بناء إدراكي لاحق ومؤخر (Post-hoc Construction) يصنعه الدماغ لمنحنا الإحساس بالملكية والسيطرة على أفعالنا، لكنه ليس السبب المحرك الأول للقرار. إن كل خيار نتخذه هو بالضرورة نتاج حتمي وشديد التعقيد لمليارات التفاعلات الكهروكيميائية غير الخطية التي تحدث في شبكاتنا المشبكية المتأثرة بالجينات والبيئة وسوابق التعلم. إن الاعتراف بهذه الحتمية البيولوجية ليس استسلاماً للقدر، بل هو مصالحة شجاعة مع الواقع العلمي؛ فالإنسان ليس إلهاً صغيراً يقف خارج قوانين الفيزياء والكون، بل هو جزء أصيل منها تسري عليه كل نواميس السببية الطبيعية دون استثناء.
7.2 مفهوم التحكم وضبط الذات (Self-Control) كبديل عملي
هل يعني تفكيك وهم الإرادة الحرة التحررية أن البشر مجرد دمى آلية مسلوبة الإرادة تتحرك بعشوائية ولا يحق لنا لومها أو محاسبتها على أفعالها؟ تجيب باتريشيا تشيرشلاند بنفي قاطع؛ وتطرح حلاً إبستمولوجياً براغماتياً يستبدل الثنائية الميتافيزيقية السقيمة (حر / مجبر) بمفهوم بيولوجي متدرج وقابل للقياس العلمي وهو: التحكم العصبي وضبط الذات (Self-Control). تجادل بأن المشكلة الحقيقية التي تهمنا عملياً واجتماعياً ليست ما إذا كانت أفعالنا غير مسبوقة بأسباب (لأن السببية تحكم كل شيء)، بل هي: “هل كان الدماغ المرتكب للفعل يمتلك الآليات العصبية السليمة القادرة على التثبيط والتأجيل والتفكير في العواقب وضبط السلوك، أم لا؟”.
توضح تشيرشلاند أن القدرة على التحكم في الذات تتجسد بنيوياً في شبكات عصبية محددة تتمركز في “القشرة الأمامية الجبهية” (Prefrontal Cortex) ومسارات اتصالها بالعقد القاعدية والجهاز الحوفي. هذه الدوائر مسؤولة عما يُعرف في علم الأعصاب بـ “الوظائف التنفيذية” (Executive Functions)؛ وتحديداً قدرة الدماغ على تثبيط الاندفاعات الغريزية الفورية، ومقارنة البدائل، وتقدير النتائج طويلة المدى، وتأخير الإشباع الحسي. وهذا التحكم ليس حالة مطلقة نملكها كلياً أو نعدمها كلياً، بل هو طيف متدرج يخضع لتغيرات حيوية مستمرة؛ فنحن نمتلك تحكماً كبيراً عندما نكون في حالة يقظة وراحة وصحة جيدة، بينما يتضاءل هذا التحكم وينهار عند الإجهاد الشديد، أو التسمم بالكحول، أو الحرمان المزمن من النوم، أو الخوف المفرط.
تستعرض تشيرشلاند حالات إكلينيكية صادمة لتوضيح الفارق الحاسم بين وجود التحكم العصبي وغيابه؛ مثل حالة المريض الشهير المصاب بورم ضاغط على القشرة الجبهية الحجاجية أدى إلى تحوله المفاجئ لارتكاب سلوكيات جنسية شاذة وإجرامية، وبمجرد استئصال الورم جراحياً، عادت قدرته على ضبط الذات وتلاشت تلك الميول تماماً، لتعود مجدداً حين نما الورم مرة أخرى! وتتساءل تشيرشلاند: هل كان هذا المريض “حراً” بالمعنى التقليدي؟ بالطبع لا، لقد كان ضحية لخلل فيزيوكيميائي دمر شبكات التثبيط في دماغه. ومن ثم، فإن معيار التمييز بين السلوك السوي والسلوك الإجرامي لا يكمن في وجود “شبح الإرادة”، بل في سلامة وكفاءة دوائر التحكم والتثبيط العصبية التي تمنح الدماغ مرونة التكيف مع القوانين والأعراف المجتمعية.
7.3 إعادة هيكلة القانون والعدالة الجنائية من منظور عصبي
يقود الانتقال من مفهوم الإرادة الحرة الميتافيزيقية إلى مفهوم التحكم العصبي باتريشيا تشيرشلاند إلى المطالبة بإجراء مراجعة نقدية ثورية وجذرية لمنظومة الفلسفة القانونية والعدالة الجنائية. فالقانون الجنائي التقليدي في معظم دول العالم تأسس على عقيدة العدالة الانتقامية (Retributive Justice)، التي تفترض أن المجرم يستحق العقاب والألم لمجرد أنه مذنب بـ “إرادته الحرة المجردة”، ولأنه اختار الشر بمحض مشيئته دون أي جبر فيزيائي؛ وبالتالي يصبح الانتقام المؤسسي غاية بحد ذاته لتحقيق “توازن كوني مجرد” للعدالة.
ترفض تشيرشلاند هذا الأساس الانتقامي بشدة وتصفه بأنه شكل مقنع من أشكال التوحش القبلي القديم الذي يتناقض كلياً مع الفهم البيولوجي للطبيعة البشرية. وتدعو بدلاً من ذلك إلى تأسيس فلسفة قانونية إنسانية قائمة على مبدأين عصبيين نفعيين:
- الحماية المجتمعية والعزل الوقائي (Quarantine Model): فإذا كان شخص ما يمتلك دماغاً مختلاً عصبياً لا يستجيب لدوائر ضبط الذات ومصمماً على ارتكاب العنف والقتل، فيجب عزله تماماً عن المجتمع حماية للأبرياء، تماماً كما نعزل مريضاً يحمل فيروساً شديد العدوى والفتك؛ دون أن نحمل له حقداً ميتافيزيقياً أو نعذبه بدافع الانتقام.
- إعادة التأهيل العصبي والترميم الإدراكي: من خلال توظيف المكتشفات الطبية، والعلاج النفسي السلوكي، وتعديل البيئة المحيطة، وتنمية مهارات التثبيط العصبي لإصلاح الأدمغة القابلة للتصحيح وإعادتها كأعضاء فاعلين في المجتمع.
مع ذلك، تبدي تشيرشلاند حذراً منهجياً صارماً وأخلاقياً بالغ النضج تجاه الاستخدام المتسرع والساذج لأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) داخل قاعات المحاكم. تحذر من “فتنة الصور الملونة للدماغ” التي قد تُقنع القضاة وهيئات المحلفين بشكل مضلل، مؤكدة أن وجود نمط نشاط معين في صورة الدماغ لا يعني دائماً وبالضرورة أن المتهم كان عاجزاً عن التفكير أو التصرف وقت وقوع الجريمة. فالعلوم العصبية لا تزال في بداياتها فيما يتعلق برسم خرائط السلوك الإنساني بدقة مطلقة، ويجب توظيفها في القضاء كأداة استرشادية مكملة لتقييم درجات التحكم الذاتي والخطورة المستقبلية، وليس كبديل متسرع يلغي المسؤولية المدنية والاجتماعية التي لا غنى عنها لضبط استقرار المجتمعات البشرية.
8. نظرية المعرفة العصبية (Neuroepistemology) وطبيعة الإدراك
8.1 بناء الدماغ للتمثيلات والواقع الإدراكي
في قلب الإبستمولوجيا المعاصرة، تطرح تشيرشلاند ما يُعرف بـ “نظرية المعرفة العصبية” (Neuroepistemology)، وهي محاولة لتأسيس أصول المعرفة الإنسانية وحدودها انطلاقاً من الآليات التشريحية والوظيفية التي يبني بها الدماغ نماذجه عن العالم. تنتقد تشيرشلاند بشدة التصور الكلاسيكي الساذج الموروث عن جون لوك والتجريبيين الأوائل، والذي يفترض أن العقل عبارة عن “صفحة بيضاء” (Tabula Rasa) أو مرآة عاكسة تستقبل سلبياً البيانات الحسية القادمة من الخارج لترسم صورة فوتوغرافية مطابقة للواقع الفيزيائي الخام.
توضح تشيرشلاند، مستندة إلى نماذج الحوسبة العصبية ونظرية المعالجة التنبؤية (Predictive Processing)، أن الدماغ آلة تنبؤية فعالة واستباقية مغلقة داخل جمجمة مظلمة تماماً. فكل ما يصل إلى الدماغ من العالم الخارجي ليس صوراً ولا أصواتاً ولا روائح، بل هو مجرد قطارات من النبضات الكهروكيميائية العشوائية المتدفقة عبر المحاور العصبية الحسية. ومهمة الدماغ الجبارة لا تكمن في استقبال هذه الإشارات فحسب، بل في “تخمين أسبابها الخارجية” وبناء نماذج تمثيلية محاكاة تحاول توقع المدخلات القادمة وتحديث هذه النماذج باستمرار عبر إشارات “خطأ التنبؤ” (Prediction Error) المتدفقة عبر مسارات التغذية الراجعة بين طبقات القشرة المخية.
تؤكد تشيرشلاند أن الواقع الذي نختبره -بألوانه وأبعاده وأصواته- ليس انعكاساً حرفياً للكون الموضوعي كما هو في ذاته (Noumenon)، بل هو “لوحة تمثيلية مصطنعة” وواجهة استخدام حيوية (Biological User Interface) قام دماغنا بتشفيرها وتوليدها لتخدم أغراض البقاء. فالضوء فيزيائياً ليس لوناً، بل هو حزم من الموجات الكهرومغناطيسية المختلفة؛ والصوت ليس نغمة، بل هو تموجات لضغط جزيئات الهواء. إن تحويل هذه الظواهر الفيزيائية الصامتة إلى تجربة إدراكية حية وغنية هو من صنع شبكات الدماغ العصبية المتطورة، التي تم ضبط تردداتها وقنواتها عبر ملايين السنين لتركز حصرياً على شريحة ضيقة جداً من الطيف الفيزيائي؛ وهي الشريحة المفيدة بيولوجياً لتفادي المخاطر والحصول على الغذاء والتكاثر.
8.2 تفكيك وهم الواقعية الساذجة والإدراك المباشر
تقود نظرية المعرفة العصبية تشيرشلاند إلى تفكيك جذري لمذهب “الواقعية الساذجة” (Naïve Realism)؛ وهو ذلك الاعتقاد الفطري المشترك بين البشر بأن حواسنا تكشف لنا العالم الخارجي بأمانة وبشكل مباشر ودون وساطة أو تحريف. تبين باتريشيا أن هذا الاطمئنان الحسي الواهم ينهار كلياً أمام الفحص العلمي الدقيق؛ وتستشهد بكم هائل من الظواهر المخبرية كـ الأوهام البصرية المتكررة، وظاهرة “العمى الانتباهي” (Inattentional Blindness)، وعيوب النظام الحسي الذاتي كـ “البقعة العمياء” (Blind Spot) في شبكية العين البشرية، حيث تنعدم المستقبلات الضوئية تماماً عند نقطة خروج العصب البصري.
توضح تشيرشلاند كيف يقوم الدماغ في حالة البقعة العمياء بعملية “ملء وتلفيق حوسبي” (Neural Filling-In) مذهلة؛ حيث يستنتج ما يجب أن يكون موجوداً هناك بناءً على المساحات المحيطة ويخترع تفاصيل المشهد ليقدم لنا صورة بصرية مستمرة وسلسة دون أي ثقوب سوداء. هذا الدليل التشريحي البسيط يثبت بشكل قاطع أن ما نراه ليس ما هو موجود هناك بالفعل، بل هو “فرضية حوسبية ذكية” ينتجها الدماغ لاختصار الوقت والجهد الحسابي. كما تُظهر دراسات الأوهام الهندسية والألوان كيف يمكن لتغيير طفيف في الإضاءة الخلفية أو السياق المكاني أن يجعل الدماغ يدرك نفس الخطين المتساويين كخطين مختلفي الطول، أو يدرك نفس اللون الرمادي كأبيض أو أسود.
تجادل تشيرشلاند بأن هذه الأوهام ليست “أخطاء برمجية” في الدماغ، بل هي نوافذ معرفية لا تقدر بثمن تكشف لنا القواعد والمخططات والافتراضات المسبقة (Priors) التي تعتمد عليها شبكاتنا العصبية في بناء المشهد الإدراكي. إن حواسنا لم تتطور لتكون أدوات قياس فيزيائية دقيقة ومحايدة مثل أجهزة القياس الطيفي أو مقاييس التردد، بل تطورت كأجهزة سريعة ومقتصدة في استهلاك الطاقة، تعتمد على اختصارات عصبية واستدلالات تقريبية لتوليد أفعال حركية سريعة تنقذ حياة الكائن في أجزاء من الثانية. وبالتالي، فإن التسليم المطلق بموثوقية الحواس المجردة في الكشف عن البنية التحتية العميقة للكون هو قمة الجهل الأبستمولوجي الذي يقف عائقاً أمام الفهم العلمي الحقيقي.
8.3 الحقيقة، المعرفة، والتكيف التوافقي التطوري
أمام هذا الطرح البيولوجي الذي يثبت أن أدمغتنا مبنية لخدمة البقاء وليس لإدراك الحقائق الميتافيزيقية المجردة، تثور معضلة إبستمولوجية كبرى طالما أثارها الفلاسفة المشككون: إذا كان الدماغ نتاجاً لتكيف تطوري يبحث فقط عن الأمان والنجاة، فكيف يمكننا الوثوق بمعارفنا العلمية؟ وكيف نحدد مفهوم “الحقيقة” (Truth)؟ تتصدى باتريشيا تشيرشلاند لهذه المسألة الشائكة عبر إعادة تعريف الصدق المعرفي من “التطابق الميتافيزيقي المستحيل مع الأشياء في ذاتها” إلى مفهوم “الملاءمة التكيفية والتنبؤية الناجحة” (Adaptive Fitness and Predictive Success).
ترفض تشيرشلاند النزعة النسبية والشكاك العدمي، وتؤكد أن كون حواسنا المباشرة غير معصومة ومحدودة تطورياً لا يعني أننا عاجزون عن إدراك الحقائق؛ بل يعني أن “العلم هو الأداة التعويضية والتصحيحية العبقرية التي ابتكرها الدماغ البشري لتجاوز حدوده البيولوجية”. فالبشر، بفضل مرونة قشرتهم المخية وثقافتهم التراكمية، لم يستسلموا لقصور أعينهم، بل اخترعوا التلسكوبات والميكروسكوبات الإلكترونية وأجهزة الرنين المغناطيسي، وابتكروا المنهج الرياضي والتجريبي الصارم لإخضاع فرضيات الدماغ التخمينية للاختبار الدقيق والتفنيد المستمر، والتخلص التدريجي من الأوهام والتحيزات الإدراكية الفطرية.
تؤكد تشيرشلاند في نظرية معرفتها التطورية أن النظريات العلمية تكون “صحيحة” بالمعنى الإمبريقي العملي بقدر ما تسمح لنا بالتنبؤ الدقيق بحركات المادة، والسيطرة على بيئتنا، وعلاج أمراضنا، وتطوير تقنيات جديدة تعمل بنجاح في العالم الحقيقي؛ فهذا النجاح التقني والتجريبي الملموس يستحيل أن يكون مجرد صدفة أو وهماً حوسبياً. إن المعرفة الإنسانية ليست بناءً صوفياً مفارقاً، بل هي استمرار وتتويج للتكيف التطوري؛ حيث يمثل العلم أرقى أشكال هذا التكيف، مبرهناً على قدرة الدماغ الثديي البشري على استخدام ماديته العضوية ذاتها لاختراق حجب الطبيعة وفك شفرات الكون الذي انبثق منه.
9. التعاون الفكري المشترك بين باتريشيا وبول تشيرشلاند
9.1 الثنائي الفلسفي: تقاطع المسارات والشراكة الأكاديمية
يستحيل تتبع المسار الفكري لباتريشيا تشيرشلاند دون التوقف طويلاً عند واحدة من أكثر الشراكات الفكرية والزوجية فرادة وإلهاماً في تاريخ الفلسفة المعاصرة: شراكتها مع زوجها الفيلسوف الكندي المرموق بول تشيرشلاند (Paul Churchland). التقى الاثنان للمرة الأولى في رحاب جامعة بيتسبرغ خلال دراستهما العليا في منتصف الستينيات، حيث جمعهما شغف مشترك بنقد الفلسفة التحليلية السائدة وانجذاب جارف نحو النزعة الطبيعية التجريبية. ومنذ اقترانهما الأكاديمي والشخصي، شكّل الزوجان ما بات يُعرف في الأوساط الأكاديمية الأمريكية بـ “معسكر آل تشيرشلاند” (The Churchlands)، وهو تحالف فكري متين خاض لعقود أشرس المعارك الفلسفية جنباً إلى جنب.
عمل الزوجان معاً لسنوات طويلة كأستاذين في جامعة مانيتوبا الكندية، قبل أن ينتقلا في عام 1984 إلى قسم الفلسفة في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو (UCSD)، حيث ساهما معاً في تحويل هذا القسم إلى أهم مركز عالمي لدراسات فلسفة العقل والعلوم المعرفية. اتسمت علاقتهما بتناغم فكري مذهل، حتى صار يصعب في كثير من الأحيان على مؤرخي الفلسفة الفصل التام بين أفكار بول وأفكار باتريشيا في تأسيس “المادية الإقصائية”؛ فقد كانا يقرآن لبعضهما المسودات، ويتبادلان الأفكار على طاولة الإفطار، ويشتركان في إلقاء المحاضرات والمشاركة في المناظرات الكبرى، مشكلين جبهة موحدة لم تتزعزع أمام عواصف النقد والرفض التي ووجهت بها أطروحاتهما الراديكالية.
مع ذلك، لم تكن هذه الشراكة مجرد تطابق ميكانيكي مكرر، بل كانت تكاملاً نادراً يغذي فيه كل طرف الآخر بنقاط قوته. مثل الزوجان رمزاً لكسر الصورة النمطية للفيلسوف المنعزل في برجه العاجي؛ فقد عاشا فلسفتهما عملياً، وطبقا مفاهيم المادية حتى في لغة حوارهما اليومي داخل المنزل ومع أطفالهما. هذا التحالف الاستثنائي منح مشروعهما زخماً وقوة صمود نادرة جعلت الفلسفة المعاصرة تنظر إليهما ككيان فكري مؤسسي متماسك، أعاد تعريف مفهوم العمل البحثي المشترك في العلوم الإنسانية.
9.2 المساهمات المتكاملة في فلسفة العقل والشبكات العصبية
تجلت قوة هذا الثنائي الفلسفي في تقسيم أكاديمي غير معلن ولكنه شديد الذكاء والفعالية للمهام النظرية في بناء صرح فلسفة الأعصاب؛ فبينما كان تركيز باتريشيا منصباً بقوة نحو الأرض: أي نحو البيولوجيا العصبية التجريبية، والتشريح المجهري للمخ، والطب السريري العصبي، والتطور البيولوجي للثدييات، والأخلاق العصبية؛ كان بول تشيرشلاند يركز على السماء المنطقية والحوسبية: أي على فلسفة العلم، ونظرية المعرفة الصورية، ونماذج الذكاء الاصطناعي، والفيزياء النظرية.
قدم بول تشيرشلاند الإطار النظري الحوسبي المتقدم للمشروع عبر تطوير نماذج الشبكات العصبية المتصلة (Connectionist Neural Networks) وديناميكا “الفضاء المتجهي الحسابي” (State-Space Semantics). بين بول رياضياً كيف يمكن لشبكة من العقد الحوسبية المترابطة بأوزان مشبكية متغيرة أن تتعلم التعرف على الأنماط دون الحاجة إلى تطبيق قواعد منطقية مسبقة أو استخدام رموز لغوية تماثل جمل علم النفس الشعبي. في المقابل، أخذت باتريشيا هذه النماذج الحوسبية وطبقتها مباشرة على التوصيلات التشريحية الفعلية في دماغ الحيوان والإنسان، مبينة كيف تتحقق مصفوفات التنشيط هذه داخل القشرة المخية، والمهاد، والمخيخ، مما منح النماذج الحوسبية مصداقية بيولوجية واقعية انتزعتها من عالم التجريد السيليكوني.
أثمر هذا التعاون المشترك عن صياغة لغة فلسفية بديلة شديدة الدقة تستند كلياً إلى هندسة المسارات العصبية بدلاً من دلالات الألفاظ. كتب الزوجان أوراقاً بحثية مفصلية شارحة لكيفية انهيار نظريات المعرفة الكلاسيكية أمام معالجة الإشارات الموزعة، وقدما للعالم رؤية متكاملة تبدأ من حركة أيونات الكالسيوم عبر المشابك العصبية وصولاً إلى صياغة أعظم النظريات الفيزيائية، مما شكل ثورة معرفية قادها الاثنان ببراعة وتنسيق منقطع النظير.
9.3 التمايزات الدقيقة والتباينات المنهجية بين الطرحين
رغم التوافق الاستراتيجي الشامل بينهما، رصد الباحثون والمؤرخون تمايزات واختلافات منهجية دقيقة بين طرح باتريشيا وطرح بول؛ وهي اختلافات طبيعية تعكس الخلفية الفكرية والشخصية لكل منهما. فـ باتريشيا -بحكم نشأتها الريفية وتدريبها الطبي الطويل في كلية الطب بجامعة مانيتوبا وملازمتها للأطباء في غرف العمليات- كانت دائماً أكثر ميلاً للنزعة الإمبريقية البيولوجية الحذرة، وأشد حماساً لعلم الحيوان المقارن والطب العصبي التطبيقي، وأكثر انغماساً في الأسئلة الاجتماعية الحارقة كالأخلاق والمسؤولية الجنائية والترابط العاطفي.
في المقابل، كان بول أكثر ميلاً للتأملات المنطقية المجردة ولعبة النماذج الرياضية في فلسفة العلم وفضاءات المتجهات المتعددة الأبعاد؛ وكان في أطروحاته أكثر راديكالية وحدة في التنبؤ بـ “سرعة وزوال” لغة علم النفس الشعبي. تنبأ بول في كتاباته المبكرة بأن لغة المعتقدات والرغبات ستتلاشى تماماً حتى في الحياة اليومية في غضون بضعة أجيال، ليحل محلها حديث الناس العاديين عن أوزان مشابكهم وترددات أمواج ألفا وثيتا في أدمغتهم عندما يصفون مشاعرهم لبعضهم البعض على مائدة العشاء.
أما باتريشيا، فكانت ولا تزال أكثر براغماتية وواقعية حيال وتيرة وسرعة هذا التغيير اللغوي؛ إذ ترى أن علم النفس الشعبي -وإن كان خاطئاً تماماً كنظرية علمية عميقة- إلا أنه يظل أداة تواصل يومية مريحة وراسخة تطورياً يصعب استئصالها كلياً من الشارع والمؤسسات القانونية بين عشية وضحاها. كذلك ركزت باتريشيا في كتبها المتأخرة، مثل Touching a Nerve وBraintrust، على التواصل مع الجمهور العريض وتبسيط علوم الدماغ بروح إنسانية دافئة، بينما ظل بول أكثر تمسكاً بالصرامة الأكاديمية التخصصية والنقاشات المعرفية المعقدة في فلسفة الفيزياء والذكاء الاصطناعي.
10. الجدل الفكري والانتقادات الموجهة لأطروحات تشيرشلاند
10.1 مواجهات فلاسفة العقل واللغة: تشالمرز، سيرل، وناغل
أثارت أطروحات باتريشيا تشيرشلاند الراديكالية موجة عاتمة من السخط والجدل الفكري في أوساط كبار فلاسفة العقل واللغة التقليديين في العالم الأنجلو-أمريكي، مما أدى إلى مناظرات تاريخية تركت بصمتها على الأدبيات الفلسفية المعاصرة. وكان في طليعة هؤلاء الخصوم الفيلسوف الأمريكي جون سيرل (John Searle)، صاحب تجربة “الغرفة الصينية” الشهيرة. جادل سيرل بأن الحسابات العصبية والمادية -مهما بلغت درجة تعقيدها- تتعامل فقط مع “التركيب الصوري” (Syntax) وتفتقر بالضرورة إلى “الدلالة والمعنى” (Semantics) والتجربة الواعية الذاتية، متلخصاً مقولته الشهيرة: “إن محاكاة العقل ليست عقلاً، تماماً كما أن محاكاة العاصفة في الحاسوب لا تبلل الشاشة”. ردت عليه تشيرشلاند بأن حجته تنطوي على سوء فهم لمعنى المعالجة البيولوجية، وأن الدماغ لا يحاكي المعنى بل ينتجه فيزيائياً عبر التغذية الراجعة التفاعلية مع البيئة.
كذلك خاضت تشيرشلاند مواجهة مفصلية مع الفيلسوف توماس ناغل (Thomas Nagel) ومقاله الأيقوني المنشور عام 1974: “كيف يكون الأمر أن تكون خفاشاً؟” (What Is It Like to Be a Bat?). جادل ناغل بأن لكل تجربة واعية بعداً ذاتياً استبطانياً فريداً يستحيل الوصول إليه من منظور فيزيائي خارجي؛ فمهما عرفنا عن بيولوجيا الخفاش ونظامه الصوتي، فلن نعرف أبداً “كيف يشعر” الخفاش من الداخل. تصدت تشيرشلاند لهذا التحدي موضحة أن ناغل يخلط بين “معرفة الشيء من خلال الفهم العلمي لآلياته” و”أن تكون أنت ذلك الشيء نفسه”؛ فالعلم مهمته تفسير الظواهر وتفكيك شروطها الفيزيائية، وليس تقمص هوية الكائنات الأخرى، وعجزنا عن أن نتحول إلى خفافيش هو قيد بيولوجي على أجسادنا وليس عجزاً إبستمولوجياً في علم الأعصاب.
أما الصدام الأكثر اشتعالاً فكان مع ديفيد تشالمرز وفكرة “الزومبي الفلسفي” (Philosophical Zombie)؛ وهو كائن خيالي يفترضه تشالمرز يطابق الإنسان تشريحياً وفيزيائياً وسلوكياً بكل دقة، لكنه يفتقر تماماً لأي ومضة وعي أو شعور داخلي. يزعم تشالمرز أن مجرد “إمكانية تصور” وجود هذا الزومبي منطقياً تثبت أن الوعي شيء مستقل عن المادة الفيزيائية. هاجمت تشيرشلاند هذه التجربة الفكرية واصفة إياها بالسخف المنطقي الذي يستند إلى تصورات مسبقة باطلة، مؤكدة أن “إمكانية التصور الذهني” ليست دليلاً على “الإمكانية الواقعية الفيزيائية”. وجادلت بأن تصور كائن يمتلك كل الدوائر العصبية للإنسان دون أن يكون واعياً هو تناقض ذاتي يشبه تصور ماء فيزيائي لا يتكون من ذرات الهيدروجين والأكسجين؛ فبمجرد اكتمال البنية العصبية المناسبة، ينبثق الوعي حتماً كخاصية فيزيائية للمادة المنظمة.
10.2 اتهامات الاختزالية المفرطة والنزعة العلموية (Scientism)
لم تتوقف الانتقادات عند فلاسفة العقل التحليليين، بل امتدت لتشمل الفلاسفة القاريين ومفكري العلوم الإنسانية والاجتماعية، الذين وجهوا لتشيرشلاند اتهامات لاذعة بـ الاختزالية المفرطة (Greedy Reductionism) والترويج لـ “نزعة علموية فجة” (Scientism) تسعى إلى ابتلاع كل أبعاد الوجود الإنساني وتسطيحها في قوالب مخبرية ضيقة. حذر هؤلاء النقاد من أن محاولة تفسير كل قصيدة شعرية، وكل تضحية بطولية، وكل صراع سياسي وتاريخي عبر الحديث عن “كيمياء المشابك وتدفق الأوكسيتوسين” هو تجريد للإنسان من معناه الروحي، وتاريخه الثقافي، وأبعاده الوجودية العميقة، وتحويله إلى مجرد روبوت بيولوجي بلا روح ولا غاية.
كما أثار الفلاسفة المعرفيون “شبهة التناقض الذاتي” (Self-Refutation Paradox) في قلب أطروحة المادية الإقصائية؛ فالحجة تنص على الآتي: تدعي تشيرشلاند أن مفاهيم كـ “الاعتقاد” و”الصدق” و”المعنى” هي أوهام غير موجودة في الدماغ ويجب إقصاؤها؛ ولكن إذا كان الأمر كذلك، فهل “تعتقد” تشيرشلاند بصحة نظريتها؟ وإذا كانت نظريتها لا تنطوي على “اعتقادات”، فبأي معنى تدعي أنها نظرية “صادقة”؟ وكيف يمكننا خوض نقاش علمي عقلاني واقتناع متبادل بالحجج إذا كانت مقولات الإدراك والقصدية والنية برمتها خرافات لا وجود لها؟ يرى النقاد أن الإقصائية تدمر الأساس المنطقي والمعرفي الذي تقوم عليه هي نفسها، وتشبه شخصاً ينشر فرع الشجرة الذي يجلس عليه.
وانتقد علماء النفس الإكلينيكي والتحليلي هذا التبسيط البيولوجي، مشيرين إلى أن علاج الإنسان المضطرب نفسياً لا يمكن أن ينجح بمجرد إعطائه عقاقير تغير مسارات النواقل العصبية بمعزل عن الاستماع لروايته الشخصية، وفهم بيئته الأسرية، وتفكيك صدماته النفسية ومعانيه الذاتية عبر لغة “علم النفس الشعبي”. إن شطب هذه اللغة الاستبطانية الثرية لصالح لغة الخلايا العصبية الجافة يهدد -في نظر معارضيها- بتفكيك النسيج الأخلاقي والإنساني الذي بنته الحضارة البشرية عبر آلاف السنين، ويقود إلى نوع من الاغتراب الوجودي والبرود المادي المفرغ من كل تعاطف حقيقي.
10.3 ردود باتريشيا تشيرشلاند ودفاعاتها الفلسفية المستمرة
واجهت باتريشيا تشيرشلاند هذا السيل الجارف من الانتقادات بثبات معرفي وشجاعة فلسفية استثنائية، مفندة حجج خصومها نقطة تلو الأخرى عبر مقالات ومناظرات اتسمت بالحدة والوضوح المنطقي. في ردها على تهمة النزعة العلموية والاختزالية المفرطة، أوضحت أن “تفسير الشيء وتحديد آلياته المادية لا يعني أبداً تدميره أو التقليل من قيمته وروعته الوجودية”؛ فعندما اكتشف علماء الفيزياء الفلكية أن النجوم ليست مصابيح إلهية معلقة في السماء، بل هي كرات عملاقة من غاز الهيدروجين والهيليوم تحترق عبر الاندماج النووي، لم تفقد النجوم سحرها وجمالها في أعيننا، بل أصبحنا ننظر إليها برهبة وفهم أعمق وأصدق بكثير من أساطير القدماء.
وبالمثل، تؤكد تشيرشلاند أن فهم الأساس البيولوجي العصبي للحب، والوفاء، والضمير، والأمومة لا يحول هذه المشاعر إلى خداع أو ابتذال، بل يجعلنا ندرك كم هي نفيسة وهشة ومعجزة في تركيبها المادي الذي صقله التطور، ويمنحنا القدرة الواقعية على حمايتها وعلاجها عندما تعتل مساراتها العصبية بفعل المرض أو الصدمات. أما بخصوص شبهة التناقض الذاتي في إقصاء “الاعتقاد والصدق”، فردت بأن هذه الشبهة تنبع من قصر النظر التاريخي والاستماتة في الدفاع عن المعاجم القديمة؛ واستعادت مثلاً تاريخياً ناصعاً: عندما دحض أنصار الكيمياء الحديثة نظرية “الفلوجستون”، اتهمهم القدماء بأنهم يقولون إن النار لا تحرق! الرد كان: الحرق موجود والحرارة موجودة، لكن الآلية الكامنة ليست الفلوجستون بل الأكسدة. وبالمثل، فإن التفكير والمعرفة موجودان كأحداث فيزيائية، ولكن الآلية ليست “اعتقادات ورغبات شعبية”، بل هي “أوزان مشبكية ومصفوفات تنشيط في شبكات الدماغ”، وستتكفل العلوم الإدراكية المستقبلية بصياغة لغة متماسكة تصف هذه العمليات بدقة متناهية ودون أي تناقض.
واتهمت تشيرشلاند خصومها من الفلاسفة بالوقوع في أسر “الغرور الإنساني الاستعلائي” الموروث، والتشبث بامتيازات وهمية تجعل العقل البشري استثناءً خارقاً لقوانين الكون المادي. وأكدت أن تاريخ الفلسفة والعلوم يشهد بنمط متكرر وثابت: كلما هاجم العلم التجريبي حقلاً كان مخصصاً للميتافيزيقا (مثل خلق الحياة، طبيعة الكواكب، أصل الأجناس)، صرخ الفلاسفة واللاهوتيون بأن هذا المجال خط أحمر عصي على الفهم المادي؛ لكن العلم ينتصر في النهاية، ويتراجع الخصوم ليعيدوا التموضع في زوايا أضيق. وخلصت إلى أن فلسفة الأعصاب لا تسعى لإلغاء الإنسان، بل تسعى لإنقاذه من أوهامه الميتافيزيقية ومصالحته مع هويته البيولوجية الحقيقية؛ ككائن ثديي استثنائي، يحمل في رأسه أكثر التركيبات المادية تعقيداً في الكون المعروف.
11. الأثر العلمي والمعرفي لتشيرشلاند في الفلسفة وعلم النفس
11.1 إعادة توجيه بوصلة الفلسفة الأكاديمية نحو العلم التجريبي
يجمع مؤرخو الفكر المعاصر على أن باتريشيا تشيرشلاند لعبت دوراً محورياً في إحداث انقلاب بارادغمي حقيقي في مسار الفلسفة الأكاديمية خلال الربع الأخير من القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين. فقبل صدور كتابها الرائد عام 1986، كان الجمع بين الفلسفة التحليلية والعلوم العصبية يُعد ضرباً من الهرطقة أو عملاً هامشياً لا يلتفت إليه كبار المنظرين في الجامعات المرموقة. غير أن عملها الدؤوب وصمودها المفاهيمي نجح في كسر العزلة المصطنعة لأقسام الفلسفة، وأجبر المجتمع الأكاديمي على الاعتراف بأن التفكير الفلسفي في قضايا العقل دون الاطلاع على أبحاث الدماغ هو عمل عقيم يفتقر للمصداقية العلمية والنزاهة المعرفية.
أدى هذا التحول التاريخي إلى إعادة توجيه بوصلة “الفلسفة الطبيعية” (Naturalism) لتتحول من مجرد موقف نظري تجريدي دافع عنه كواين، إلى ممارسة بحثية ومعيارية سائدة في كبرى جامعات العالم. تأسست بفضل جهودها برامج دراسية هجينة تمنح درجات علمية مشتركة في “الفلسفة والعلوم المعرفية وعلم الأعصاب”، وفتحت أقسام الفلسفة أبوابها لأساتذة وباحثين يحملون شهادات في الطب وعلم الأحياء والرياضيات الحوسبية، وتغيرت لغة الدوريات الفلسفية الكبرى لتتزين بالرسوم التوضيحية للشبكات العصبية وخرائط التصوير الدماغي؛ مما أعاد للفلسفة مكانتها التفاعلية الحيوية في صلب قاطرة التقدم العلمي بعد أن كادت تتحول إلى متحف لتاريخ الأفكار المنقرضة.
علاوة على ذلك، نجحت تشيرشلاند في تخريج وتأهيل أجيال متعاقبة من الفلاسفة والباحثين الشباب الذين تبنوا منهجها التكاملي وطبقوه في مختلف فروع المعرفة؛ فظهرت فلسفة الأعصاب للغة، وفلسفة الأعصاب للموسيقى والفن، وفلسفة الأعصاب للقرارات الاقتصادية (Neuroeconomics). لم يعد الفيلسوف اليوم ذلك المنعزل الذي يتأمل دلالات الألفاظ في مكتبته المغلقة، بل أصبح باحثاً شريكاً يدخل المختبرات الطبية، ويصمم التجارب النفسية، ويشارك في كتابة الأوراق العلمية جنباً إلى جنب مع كبار علماء الأحياء والفيزياء، وهو تحول استراتيجي تدين به الفلسفة المعاصرة في المقام الأول للرؤية الرائدة لباتريشيا تشيرشلاند.
11.2 تأسيس حقول علم الأعصاب المعرفي وعلم الأعصاب الاجتماعي
لم يقتصر تأثير تشيرشلاند على حقل الفلسفة فحسب، بل امتد تأثيرها التأسيسي إلى العلوم الطبيعية والإنسانية ذاتها؛ حيث لعبت دور الموجه النظري والمهندس المفاهيمي لولادة حقلين علميين هائلين في العقود الأخيرة هما: علم الأعصاب المعرفي (Cognitive Neuroscience) وعلم الأعصاب الاجتماعي (Social Neuroscience). فعندما بدأ علماء الأعصاب في الثمانينيات بامتلاك أدوات تصوير الدماغ الحديثة، كانوا بحاجة ماسة لأطر نظرية دقيقة ترشدهم إلى ماذا يبحثون عنه وكيف يفسرون ملايين البيانات الرقمية المعقدة الناتجة عن نشاط مليارات الخلايا.
هنا تدخلت تشيرشلاند لتقدم للعلماء إطاراً إبستمولوجياً صنديداً ساعدهم على تفكيك المشاكل السلوكية الكبرى إلى فرضيات فيزيائية قابلة للاختبار المعملي. ساهمت أطروحاتها في تحفيز وتوجيه الأبحاث التجريبية العالمية حول الأساس العصبي للتعاطف، والارتباط الأسري، والعدالة، واتخاذ القرار في ظل عدم اليقين، ودراسة الآليات العصبية لردود الأفعال تجاه الجماعات الغريبة والأعراق المختلفة. لقد وفرت للعلماء “اللغة الفلسفية المتماسكة” التي حمتهم من السقوط في الاستنتاجات الثنائية الساذجة أو الوقوع في أسر الثقافة الشعبية عند تفسير نتائج مسوحات الدماغ المقطعية.
كما تركت بصماتها العميقة على “علم النفس العصبي الإكلينيكي” والطب النفسي الحديث؛ حيث قدمت أطروحاتها دعماً نظرياً حاسماً للتحول من مناهج التحليل النفسي الفرويدي التقليدية القائمة على الاستبطان والتأويل الرمزي، إلى مناهج العلاج الدوائي والسلوكي العصبي المتجذرة في تعديل المسارات الكيميائية وإعادة هيكلة الشبكات المشبكية في الدماغ. لقد مكنت مقاربتها الأطباء والعلماء من النظر إلى الاضطرابات العقلية والنفسية كاعتلالات بيولوجية فيزيائية بحتة تشبه اعتلالات الكبد والقلب، مما ساهم في تقليص وصمة العار الاجتماعية المرتبطة بالمرض النفسي ودفع جهود البحث نحو علاجات مستهدفة تعيد التوازن العصبي للمرضى.
11.3 دورها الأكاديمي القيادي في جامعة كاليفورنيا سان دييغو (UCSD)
ارتبط الاسم الأكاديمي لباتريشيا تشيرشلاند ارتباطاً وثيقاً بـ جامعة كاليفورنيا في سان دييغو (UCSD)، التي انضمت إليها كأستاذة للفلسفة عام 1984، وظلت تشغل فيها مقعد الأستاذية المرموقة، وتولت رئاسة قسم الفلسفة هناك لفترات متعددة، قبل أن تُمنح لقب “أستاذة متميزة فخرية” (Professor Emerita). من خلال موقعها القيادي في هذه الجامعة الفتية والديناميكية، ساهمت تشيرشلاند في تأسيس أول وأكبر “قسم للعلوم المعرفية” (Department of Cognitive Science) في العالم المستقل تماماً عن أقسام علم النفس التقليدية، جامعاً تحت مظلته نخبة من علماء الذكاء الاصطناعي، والأعصاب، واللسانيات، والأنثروبولوجيا، والفلسفة.
وبالتوازي مع عملها الجامعي، شغلت تشيرشلاند منصب باحثة مساعدة وزميلة في معهد سالك للدراسات البيولوجية (Salk Institute for Biological Studies) في لا جولا، وهو أحد أرقى المعاهد العلمية للبيولوجيا الجزيئية في العالم وموطن للعديد من الفائزين بجوائز نوبل. هناك، أقامت باتريشيا صلات بحثية ويومية مباشرة مع عمالقة علم الأعصاب، مما مكنها من أن تكون في بؤرة الحدث العلمي، تطلع على النتائج المخبرية فور ظهورها وتشارك في حلقات النقاش المجهرية قبل نشرها في الدوريات العالمية، محولة جامعة كاليفورنيا سان دييغو ومعهد سالك إلى قطب الجاذبية الأول على خريطة الفكر المادي العالمي.
تتويجاً لإسهاماتها الفكرية الاستثنائية وابتكاريتها النظرية الفريدة، نالت باتريشيا تشيرشلاند أرفع الجوائز والأوسمة الأكاديمية العالمية؛ وفي مقدمتها نيلها لـ زمالة ماك آرثر (MacArthur Fellowship) المرموقة عام 1991 (والمعروفة عالمياً بجائزة “العبقرية”)، لتكون أول فيلسوفة في التاريخ تحوز هذا التقدير الرفيع لكسرها الحواجز التقليدية بين الإنسانيات والعلوم. كما تقلدت عضوية الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم، وحصلت على درجات الدكتوراه الفخرية من جامعات دولية متعددة، وترأست الجمعية الأمريكية لفلسفة وعلم النفس (SPP)، مما كرس مكانتها كواحدة من أكثر الشخصيات الأكاديمية تأثيراً وريادة في الفكر الفلسفي والعلمي المعاصر.
12. إرث باتريشيا تشيرشلاند ومستقبل فلسفة الأعصاب
12.1 مكانتها كنموذج للمرأة الرائدة في الفلسفة التحليلية والعلوم
تحتل باتريشيا تشيرشلاند مكانة تاريخية ملهمة كواحدة من رائدات الفكر اللاتي اخترقن بجسارة نادرة حصناً أكاديمياً كان يخضع عبر التاريخ لهيمنة ذكورية كاسحة ومطلقة: حقل الفلسفة التحليلية وفلسفة العلوم والطب العصبي. فعندما بدأت مسيرتها الأكاديمية في الستينيات والسبعينيات، كانت أقسام الفلسفة في العالم الغربي تموج بالتحيزات الجندرية الضمنية والصريحة، وكان يُنظر إلى مجالات فلسفة العقل والمنطق ونظرية المعرفة كميادين تجريدية جافة مخصصة للرجال، بينما تُدفع الأكاديميات نحو فروع محددة كفلسفة الجمال أو التربية. غير أن تشيرشلاند رفضت الانصياع لهذه الأطر التقليدية، ودخلت معترك السجال الفلسفي الأكثر شراسة بصلابة مفاهيمية ووضوح منطقي تفوقت به على كبار أقرانها.
في كتاب سيرتها الفكرية الذاتية والدافئة الصادر عام 2013 بعنوان Touching a Nerve: Our Brains, Our Selves، قدمت باتريشيا شهادة إنسانية بالغة الصدق حول رحلتها وكيف استطاعت التوفيق بين أمومتها وتربية طفليها (اللذين أصبحا لاحقاً أستاذين مرموقين في العلوم العصبية والمعرفية) وبين البحث المخبري الشاق والإنتاج الأكاديمي الفلسفي الكثيف. لقد فتحت بسيرتها هذه الباب واسعاً أمام أجيال من الباحثات الشابات في شتى أصقاع الأرض لاقتحام مجالات العلوم العصبية والفلسفة الطبيعية بثقة وجرأة، محطمة الصورة النمطية للفيلسوف الكلاسيكي، ومثبتة أن الشغف بالحقيقة العلمية والتفكير النقدي الصارم لا يرتبط بجندر أو خلفية طبقية.
جسدت تشيرشلاند طوال حياتها نموذج “المفكر الموسوعي الحديث” (The Modern Polymath)، القادر على مناقشة جراح أعصاب في تفاصيل الدورة الدموية الدماغية، ثم الالتفات فوراً لمحاورة منطقي فيتجنشتايني في قواعد الاشتقاق المعرفي، دون أن تفقد تواضعها الفكري وروح دعابتها الريفية المحببة. هذا الحضور القيادي جعلها صوتاً تنويرياً عاماً يُستضاف في كبريات المنصات الإعلامية العالمية، ومنابر الدفاع عن حرية الفكر العلمي، مما رسخ حضورها كرمز تاريخي للتحرر الإنساني المبني على العلم والمعرفة الدقيقة.
12.2 فلسفة الأعصاب في عصر الذكاء الاصطناعي والشبكات العميقة
مع التفجر التكنولوجي المعاصر وثورة النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) وأنظمة التعلم العميق (Deep Learning) مثل GPT والشبكات التوليدية، تجد أطروحات باتريشيا تشيرشلاند نفسها اليوم في صدارة الاختبار الميداني الأكثر إثارة في تاريخ البشرية؛ فالسؤال الفلسفي القديم حول علاقة الحساب المادي بالوعي لم يعد نقاشاً نظرياً في أروقة الجامعات، بل صار معضلة تقنية وأخلاقية تمس مستقبل الحضارة برمتها: هل تمتلك هذه الشبكات الاصطناعية عقولاً بالمعنى الحقيقي؟ وهل يمكن لعتاد السيليكون أن يولد تجربة واعية؟
تنظر تشيرشلاند إلى هذه التطورات التكنولوجية المعاصرة بمزيج فريد من الحماسة الفكرية والتحفظ البيولوجي الصارم؛ فمن جهة، ترى في النجاح الباهر لشبكات التعلم العميق في معالجة اللغة والتعرف على الصور انتصاراً ساحقاً لأطروحتها وأطروحة زوجها بول حول تفوق “الشبكات المتصلة والمعالجة الموزعة على التوازي” على الذكاء الاصطناعي الكلاسيكي القائم على القواعد المنطقية الصورية؛ فهذه الآلات تتعلم عبر ضبط الأوزان الرقمية تماماً كما تفعل المشابك العصبية في الأدمغة الحية دون الحاجة لجمل علم النفس الشعبي. لكنها من جهة أخرى، ترفض بشدة الادعاءات المتسرعة التي تزعم أن هذه النماذج البرمجية قد أصبحت “واعية” أو أنها تطور “أخلاقاً ومشاعر حقيقية”.
تؤكد تشيرشلاند أن الذكاء الاصطناعي السيليكوني لا يزال يفتقر إلى البنية الجوهرية التي انبثق منها العقل الواعي: وهي “الجسد البيولوجي المتطور الساعي للبقاء” (The Embodied Organism). فالنماذج اللغوية لا تجوع، ولا تتألم، ولا تخاف الفناء، ولا تمتلك دوائر هرمونية مثل الأوكسيتوسين تفرض عليها الرعاية وحماية الصغار. إن الدماغ البشري لم يتطور ليعالج نصوصاً مجردة في خوادم سحابية مبردة، بل تطور لتوجيه جسد عضوي رطب يتنفس ويتحرك ويواجه أخطار الطبيعة؛ ومن ثم، فإن الوعي والشعور والأخلاق تظل -وفقاً لـ تشيرشلاند- خصائص لصيقة بالبيولوجيا التطورية، ولا يمكن استنساخها بمجرد تضخيم معالجات السيليكون وخوارزميات التنبؤ النصي، مما يجعل فلسفة الأعصاب دليلاً لا غنى عنه لترشيد وتوجيه ثورة الذكاء الاصطناعي المعاصرة.
12.3 خلاصة نقدية: إعادة تعريف الكائن البشري من منظور طبيعي
في خاتمة رحلتها الفكرية المديدة، تقف باتريشيا تشيرشلاند كمهندسة كبرى لأعظم عملية “نزع للأوهام الميتافيزيقية” عن الذات الإنسانية في الفلسفة الحديثة؛ فمشروعها الفكري بأكمله يمكن تلخيصه كدعوة تاريخية شجاعة للتحول من النظرة الاستعلائية الديكارتية التي تتوهم الإنسان كائناً نصف إلهي مفارقاً للطبيعة ويقف فوق سائر المخلوقات، إلى “قبول الذات بتواضع كجزء أصيل ولا يتجزأ من المملكة الحيوانية والموكب التطوري العظيم”.
توضح تشيرشلاند أن هذا “التواضع البيولوجي العصبي” ليس إهانة لكرامة الإنسان ولا تقليلاً من شأنه، بل هو الترياق الفكري والوجودي الوحيد الكفيل بتحريرنا من الصراعات الأيديولوجية والتعصب الديني الدوغمائي الذي أحرق الأرض؛ فعندما ندرك أن أدمغتنا جميعاً -بمختلف أعراقنا وثقافاتنا- تشترك في نفس النسيج العصبي الحساس، ونفس الاحتياجات البيولوجية للرعاية والأمان والانتماء، ونفس الهشاشة أمام الألم والعدم، نصبح أكثر رحمة ببعضنا البعض، وأكثر حرصاً على صيانة شروط بقائنا وازدهارنا المشترك على هذا الكوكب الصغير الهش.
إن إرث باتريشيا تشيرشلاند هو إرث الباحثة التي علمتنا ألا نخاف من الحقيقة المادية؛ فالدماغ ليس آلة باردة مفرغة من المشاعر، بل هو العضو الأكثر دفئاً، وسحراً، وإعجازاً في الكون؛ فهو الذي يرسم لنا سماء الغروب، وينبض بالحب والشوق، ويبكي من ألم الفراق، وينسج خيوط العدالة والقانون، ويبدع الفلسفة ذاتها ويسائل وجودها. إن فلسفة الأعصاب التي أرست دعائمها ستظل بوصلة معرفية ملهمة للأجيال القادمة، ترشدهم إلى أن السبيل الوحيد لفهم الذات الإنسانية يبدأ وينتهي في ذلك النسيج العصبي المذهل النابض بالحياة داخل رؤوسنا جميعاً.
خاتمة
في الختام، تتجلى المسيرة الفكرية لباتريشيا تشيرشلاند كواحدة من أجرأ المغامرات الإبستمولوجية في تاريخ الفلسفة الغربية المعاصرة. فمنذ خطوتها الأولى خارج أروقة أقسام الفلسفة التقليدية في جامعة مانيتوبا باتجاه غرف العمليات وتشريح الأدمغة في كلية الطب، شقت تشيرشلاند طريقاً معرفياً وعراً لم يسبقها إليه أحد؛ طريقاً أسقط الحواجز الوهمية بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية، وأرسى دعائم “فلسفة الأعصاب” كحقل سيادي يعيد صياغة الأسئلة الوجودية الكبرى على أرضية صلبة من الواقع البيولوجي والتجريبي الصارم.
لقد نجحت تشيرشلاند، عبر أطروحتها الراديكالية في “المادية الإقصائية”، في هز عرش المفاهيم الكلاسيكية الموروثة؛ فدمرت وهم الشفافية المعرفية للذات، وأعادت تعريف الوعي والإدراك والأخلاق والضمير كاستجابات تكيفية وحوسبية صقلها الانتخاب الطبيعي لخدمة البقاء في بيئات اجتماعية معقدة. إن مساهماتها في تحويل الأخلاق من سماء الواجبات الكانطية المتعالية إلى كيمياء الترابط العصبي والهرموني، ومطالبتها بإصلاح فلسفة القانون لتستند إلى مقاييس التحكم الذاتي بدلاً من الانتقام الميتافيزيقي، تشكل ثورة معيارية وإنسانية تعيد الاعتبار لكرامة الجسد الإنساني المنسي في تاريخ الفلسفة.
إن مستقبل الفلسفة في القرن الحادي والعشرين -في ظل التطور المتسارع لعلوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية- يسير حتماً في المسار الذي خطته باتريشيا تشيرشلاند؛ مسار التواضع العلمي الذي يرى في الإنسان كائناً طبيعياً مدهشاً، تتجسد روحه في مادته، وتتجلى حكمته في فهم دماغه. وستظل تشيرشلاند رمزاً للشجاعة الفكرية التي علمت العالم أن التحديق المباشر في تعقيدات المادة البيولوجية الرطبة داخل الجمجمة لا ينزع السحر عن الوجود الإنساني، بل يمنحنا الفهم الحقيقي والأصيل لكل ما يجعلنا بشراً نحيا، ونفكر، ونتألم، ونحب.
المراجع
- Churchland, P. S. (1986). Neurophilosophy: Toward a Unified Science of the Mind-Brain. MIT Press.
- Churchland, P. S. (2002). Brain-Wise: Studies in Neurophilosophy. MIT Press.
- Churchland, P. S. (2011). Braintrust: What Neuroscience Tells Us about Morality. Princeton University Press.
- Churchland, P. S. (2013). Touching a Nerve: Our Brains, Our Selves. W. W. Norton & Company.
- Churchland, P. S. (2019). Conscience: The Origins of Moral Intuition. W. W. Norton & Company.
- Churchland, P. M. (1981). Eliminative Materialism and the Propositional Attitudes. The Journal of Philosophy, 78(2), 67–90.
- Churchland, P. M., & Churchland, P. S. (1998). On the Contrary: Critical Essays, 1987-1997. MIT Press.
- Chalmers, D. J. (1995). Facing Up to the Problem of Consciousness. Journal of Consciousness Studies, 2(3), 200–219.
- Crick, F., & Koch, C. (2003). A framework for consciousness. Nature Neuroscience, 6(2), 119–126.
- Friston, K. (2010). The free-energy principle: a unified brain theory?. Nature Reviews Neuroscience, 11(2), 127–138.
- Jackson, F. (1982). Epiphenomenal Qualia. The Philosophical Quarterly, 32(127), 127–136.
- Libet, B. (1985). Unconscious cerebral initiative and the role of conscious will in voluntary action. Behavioral and Brain Sciences, 8(4), 529–566.
- Nagel, T. (1974). What Is It Like to Be a Bat?. The Philosophical Review, 83(4), 435–450.
- Searle, J. R. (1980). Minds, brains, and programs. Behavioral and Brain Sciences, 3(3), 417–424.