السيرة
يقف عالم الأنثروبولوجيا الثقافية وعلم النفس المقارن الأمريكي ريتشارد ألين شويدر (Richard A. Shweder)، المولود في عام 1944، كأحد أكثر الشخصيات الفكرية تأثيراً وإثارة للجدل في مشهد العلوم الإنسانية والاجتماعية المعاصرة. فعلى مدار أكثر من خمسة عقود من النشاط الأكاديمي الدؤوب، كرّس شويدر مشروعه الفكري لتفكيك المسلمات الوضعية والمركزية الغربية التي هيمنت طويلاً على علم النفس الأكاديمي، منطلقاً من قناعة راسخة بأن العقل البشري لا يمكن فهمه بمعزل عن السياقات الثقافية والرمزية التي ينشأ ويتفاعل ضمنها. ولم يكن شويدر مجرد ناقد للمناهج التقليدية، بل كان في طليعة المؤسسين لحقل معرفي ثوري هو “علم النفس الثقافي” (Cultural Psychology)، الذي أعاد صياغة العلاقة الجدلية بين الذات الإنسانية وعوالمها المعنوية.
تكمن فرادة أطروحات ريتشارد شويدر في قدرته الفائقة على التجسير بين الأنثروبولوجيا التأويلية الرمزية، التي استلهمها من أستاذه كليفورد غيرتز، وبين التحليل النفسي المعرفي الدقيق. وقد شكلت أبحاثه الميدانية الرائدة في الهند، وتحديداً في ولاية أوديشا (أوريسا سابقاً)، مختبراً حياً لاختبار فرضياته حول تنوع المنظومات الأخلاقية، وتعدد مسارات النمو البشري، وتباين إدراك الانفعالات والمشاعر الذاتية. ومن خلال هذه الخبرة الإثنوغرافية العميقة، شيد شويدر نظريته الشهيرة في “الأخلاق الثلاثية” (الاستقلالية، الجماعة، والقداسة)، مقدماً بديلاً جذرياً للنماذج التطورية الخطية التي اختزلت الرقي الأخلاقي في النزعة الفردانية الغربية الليبرالية.
يتناول هذا المقال الموسع السيرة الفكرية والمنهجية لريتشارد شويدر، مستعرضاً محطات تكوينه الأكاديمي، ومقاربته التأسيسية لعلم النفس الثقافي، ونقده المعرفي للمركزية الغربية، وصولاً إلى معاركه الفكرية الشائكة حول النسبية الأخلاقية والتعددية الثقافية. إن الغوص في تركة شويدر الفكرية ليس مجرد استعادة لتاريخ تطور علم النفس والأنثروبولوجيا، بل هو اشتباك مباشر مع أسئلة ملحة ما زالت تؤرق عالمنا المعاصر: كيف نفهم الاختلاف الإنساني دون تعالٍ استعماري؟ وكيف نحترم الخصوصية الثقافية دون السقوط في العدمية الأخلاقية المطلقة؟
1. النشأة الأكاديمية والتكوين الفكري لريتشارد شويدر
1.1 المراحل التعليمية المبكرة والتأثر بالأنثروبولوجيا
بدأ ريتشارد شويدر مسيرته الأكاديمية في حقبة شهدت تحولات فكرية كبرى في الولايات المتحدة خلال ستينيات القرن العشرين. التحق أولاً بـ جامعة بيتسبرغ لدراسة المرحلة الجامعية الأولى، حيث أظهر اهتماماً مبكراً ومزدوجاً بالأنثروبولوجيا وعلم النفس الاجتماعي. كان شويدر مفتوناً بالسؤال المعرفي حول كيفية صياغة المجتمعات لإدراك أفرادها للواقع، وهو التساؤل الذي دفعه إلى عدم الركون إلى التفسيرات السلوكية الضيقة التي كانت شائعة آنذاك في أقسام علم النفس الأمريكية، والبحث عن آفاق أرحب في علم الإنسان الثقافي.
بعد تخرجه من جامعة بيتسبرغ في عام 1966، اتجه شويدر نحو جامعة هارفارد العريقة، ليلتحق بقسم “العلاقات الاجتماعية” الفريد من نوعه، وهو القسم الأكاديمي الرائد الذي أسسه تالكوت بارسونز ليكون بوتقة تنصهر فيها العلوم الإنسانية؛ إذ جمع بين الأنثروبولوجيا الثقافية، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم الاجتماع السريري. وفي هذه البيئة متعددة التخصصات، أتيح لشويدر التتلمذ على يد قامات فكرية بارزة أحدثت ثورة في المنعطف التأويلي، وكان في مقدمتهم كليفورد غيرتز، الذي كان يصوغ آنذاك مقاربته الشهيرة حول “الوصف الكثيف” والثقافة بوصفها شبكة من المعاني والرموز التي نسجها الإنسان لنفسه.
نال شويدر درجة الدكتوراه في العلاقات الاجتماعية عام 1972، حيث ركزت أطروحته على العمليات المعرفية والأنماط التفكيرية في سياقات غير غربية، مطبقاً ذلك على بيانات إثنوغرافية مستقاة من قبائل المايا في المكسيك. وقد عكست أبحاثه المبكرة محاولة توفيقية طموحة بين المنهج الإثنوغرافي الصارم والتحليل النفسي المعرفي؛ إذ رفض اعتبار العمليات العقلية مجرد ردود أفعال آلية للمثيرات البيئية، مؤكداً أن المفاهيم الفكرية تتشكل من خلال تفاعل تأويلي مستمر بين البنية الذهنية والنسق الثقافي المحلي.
1.2 الالتحاق بجامعة شيكاغو وتأسيس مسار أكاديمي متميز
في عام 1973، خطا ريتشارد شويدر الخطوة الأهم في مسيرته المهنية بالتحاقه بهيئة التدريس في جامعة شيكاغو، وتحديداً ضمن لجنة التنمية البشرية المقارنة (Department of Comparative Human Development). كانت شيكاغو، ولا تزال، قلعة من قلاع الفكر النقدي والبحث متعدد التخصصات الصارم، وهو ما وفر لشويدر المناخ المثالي لتفجير طاقاته الإبداعية وتحدي التقاليد الأكاديمية المتوارثة. وسرعان ما برز كصوت قيادي داخل الجامعة، حيث تدرج في الرتب العلمية حتى نال لقب “أستاذ كرسي هارولد سويفت المتميز للخدمة الاستثنائية”.
تولى شويدر رئاسة قسم التنمية البشرية المقارنة لفترات متعددة، واستطاع تحويل هذا البرنامج إلى مركز عالمي لجذب الباحثين المهتمين بدراسة النفس البشرية عبر الثقافات. تميزت إدارته الأكاديمية بالحرص على بناء بيئة علمية تجمع بين الفلسفة التأويلية، والتاريخ، وعلم النفس المعرفي التجريبي، والأنثروبولوجيا الميدانية. وكان يؤمن بأن فصل علم النفس عن علوم الثقافة هو خطأ إبستمولوجي فادح يعزل الباحث عن فهم جوهر التجربة الإنسانية المعيشة، فشجع طلابه على خوض غمار العمل الميداني المطول قبل صياغة أي فرضيات نفسية عامة.
تقديراً لإسهاماته الثورية في مجالات الأنثروبولوجيا وعلم النفس، حظي شويدر باعتراف أكاديمي واسع النطاق؛ حيث انتُخب زميلاً في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم عام 1994، وحصل على زمالة معهد جوجنهايم المرموقة، وزمالة مركز الدراسات المتقدمة في العلوم السلوكية في جامعة ستانفورد. كما ترأس مجلس أبحاث العلوم الاجتماعية (SSRC) في لجان متعددة عكفت على دراسة التفاعل بين الثقافة والنمو النفسي، مما رسخ مكانته كواحد من أبرز منظري العلوم السلوكية في النصف الثاني من القرن العشرين.
1.3 السياق التاريخي والفكري لظهور أطروحاته
لم تكن أطروحات ريتشارد شويدر لتبلغ هذا التأثير لولا انطلاقها في سياق تاريخي ومعرفي اتسم بالأزمات النظرية الخانقة التي واجهت العلوم النفسية والسلوكية في سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم. ففي تلك الحقبة، كانت “الثورة المعرفية” في أوج قوتها، متأثرة بظهور الحواسيب وتطور علوم الذكاء الاصطناعي، مما ولد ما يسمى بـ “النموذج الحوسبي الكوني للعقل”. افترض هذا النموذج أن العقل البشري يماثل جهاز الحاسوب (Hardware)، حيث تعد العمليات العقلية الأساسية – كالإدراك والتذكر والاستدلال – برمجيات فطرية ثابتة وعالمية، في حين لا تعد الثقافة سوى معطيات خام ومحتويات خارجية عارضة (Data) تدخل في ذلك الجهاز دون أن تغير من طبيعته المعمارية.
تصاعدت في المقابل موجة من القلق الفكري إزاء السقوط في “المركزية الغربية” (Eurocentrism)؛ إذ تنبه عدد من المفكرين إلى أن مجمل النظريات السيكولوجية التنموية الكبرى، كنظريات جان بياجيه ولورنس كولبرغ، قد شُيدت بالكامل استناداً إلى ملاحظة عينات محدودة من أطفال الطبقة الوسطى البيضاء في المجتمعات الغربية الصناعية، ثم جرى تعميم نتائجها باعتبارها معايير عالمية تمثل قمة التطور والنضج البشري، مما أدى إلى تصنيف شعوب الثقافات غير الغربية والتقليدية في درجات متأخرة نمائياً.
في هذا المفترق الحاسم، استعاد شويدر الإرث الفكري التاريخي للأنثروبولوجي الرائد فرانز بواس، مؤكداً على “النسبية الثقافية التاريخية”، والتقى مع الأطروحات السوفييتية الرائدة في علم النفس الاجتماعي، وتحديداً كتابات ليف فيغوتسكي التي برهنت على أن العمليات النفسية العليا تتولد وتتوسط عبر الأدوات الثقافية واللغوية. استغل شويدر هذه الأرضية الصلبة لشن هجومه على النزعة الشمولية الكونية، داعياً إلى ضرورة إنقاذ الظاهرة النفسية من فخ التجزيء المختبري، ورد الاعتبار للمعنى والسياق والتجربة الذاتية المعيشة.
2. تأسيس علم النفس الثقافي كفرع معرفي مستقل
2.1 التمايز المنهجي عن علم النفس المقارن بين الثقافات
شهدت نهاية ثمانينيات القرن العشرين الإعلان الرسمي عن ميلاد “علم النفس الثقافي” كحقل معرفي مستقل يمتلك هويته الإبستمولوجية الخاصة، ويقف نداً لعلم النفس التقليدي. وقد خاض شويدر معركة مفاهيمية محتدمة لتمييز مشروعه الجديد عن فرع أكاديمي آخر كان شائعاً وهو “علم النفس المقارن بين الثقافات” (Cross-Cultural Psychology). في نظر شويدر، ارتكب علم النفس المقارن خطأً منهجياً فادحاً بركونه إلى النزعة الوضعية التجريبية، حيث اعتبر الثقافة مجرد “متغير مستقل” (Independent Variable) خارجي يؤثر على “متغير تابع” هو العقل البشري الذي يُفترض بقاؤه كياناً ثابتاً ومحايداً ومجرداً في كل زمان ومكان.
انتقد شويدر بشدة الممارسة البحثية المتمثلة في ترجمة استبانات أو مقاييس ذكاء واختبارات شخصية غربية وتطبيقها آلياً على جماعات سكانية تعيش في إفريقيا أو آسيا، واصفاً ذلك بأنه شكل من أشكال “الاستعمار المعرفي” الذي يبحث فقط عما إذا كان الآخرون يمتلكون المهارات نفسها التي يُثمنها العقل الغربي، بدلاً من استكشاف المنطق الداخلي لكيفية تفكير هؤلاء الأفراد وعيشهم. وعوضاً عن ذلك، اقترح شويدر نموذج “البناء المتبادل المشترك” (Mutual Constitution)، حيث يتشكل العقل من خلال المعطى الثقافي، وفي الوقت ذاته يُعاد إنتاج الثقافة وتغييرها من خلال الممارسات الإنسانية الواعية والمقصودة.
يركز علم النفس الثقافي مع شويدر على “المعنى” (Meaning) والدلالات الرمزية المشتركة، لا على الاستجابات السلوكية الفيزيائية المجردة. فالفعل الإنساني لا يمكن اختزاله في حركة عضلية يمكن قياسها بأجهزة الرصد المخبري؛ فالابتسامة، والسكوت، والبكاء، وطرق الجلوس، كلها أفعال تحمل شحنات رمزية ودلالات أخلاقية واجتماعية متباينة جذرياً من ثقافة إلى أخرى، ولا يمكن للباحث النفسي أن يفهم دلالتها إلا إذا درسها كجزء من نسيج الحياة اليومية الشامل الذي يمنحها ذلك المعنى المعاش.
2.2 مقولة ‘لا علم نفس بدون ثقافة، ولا ثقافة بدون علم نفس’
صاغ ريتشارد شويدر في بيانه التأسيسي مقولته الأيقونية الشهيرة: “لا علم نفس بدون ثقافة، ولا ثقافة بدون علم نفس” (Culture and psychology make each other up). استهدفت هذه العبارة المكثفة تفكيك الثنائية الديكارتية الصارمة التي فصلت بين الذات الواعية والمحيط الموضوعي الخارجي. فالعقل البشري بحسب شويدر ليس آلة معزولة توجد مسبقاً في الطبيعة ثم تُلقى في بيئة اجتماعية، بل هو بنية منفتحة تصنعها وتصيغها المنظومات الرمزية، واللغات، والطقوس، والترتيبات المؤسسية للمجتمع الذي تترعرع فيه.
توضح هذه الأطروحة أن الرموز الثقافية ليست مجرد زينة سطحية تغطي جهازاً نفسياً كونياً، بل هي الغذاء المادي والروحي الذي ينظم مسارات التفكير والانفعال؛ فالطريقة التي ندرك بها أجسادنا، والسبل التي نصنف بها الألم والبهجة، والكيفية التي نستحضر بها ذكرياتنا الماضية، كلها عمليات مشروطة بالنماذج الثقافية المتاحة لنا. ومن ناحية مقابلة، يدحض شويدر الحتمية الثقافية البنيوية الجامدة التي تعتبر الإنسان مجرد لوح فارغ يُطبع عليه المجتمع ما يشاء بصورة سلبية، مؤكداً على “الفاعلية الإنسانية” (Human Agency)؛ فالأفراد كائنات صانعة للمعنى، تعيد تأويل الرموز ومفاوضة السلطة وتعديل القواعد الثقافية باستمرار من خلال أفعالهم واختياراتهم اليومية.
يترتب على هذه الرؤية التفاعلية الديناميكية تجاوز ثنائية (الطبيعة ضد التنشئة)، والابتعاد الحاسم عن الحتمية البيولوجية التبسيطية للجينات، وكذلك عن القولبة الثقافية المغلقة. إن الإنسان كائن ثوري بطبيعته لأنه كائن غير مكتمل بيولوجياً؛ إذ تترك البيولوجيا البشرية مساحات شاسعة من اللاتحديد التكويني لا يمكن ملؤها وإتمام نضجها إلا عبر الانغماس في نظام ثقافي معين يعلم الفرد كيف يصبح “شخصاً” كاملاً ومقبولاً وفق معايير ذلك المجتمع.
2.3 الأعمال التأسيسية والبيانات المنهجية
تجسد المشروع التأسيسي لريتشارد شويدر في سلسلة من الأعمال والبيانات المنهجية المحورية التي نشرها في أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات، والتي أحدثت هزة عنيفة في الأوساط الأكاديمية الأمريكية والدولية. ويأتي في صدارة هذه الأعمال كتابه المرجعي البارز “التفكير عبر الثقافات: رحلات في علم النفس الثقافي” (Thinking Through Cultures: Expeditions in Cultural Psychology) الصادر عام 1991 عن دار نشر جامعة هارفارد. تضمن هذا الكتاب مقالات تأسيسية جمعت بين السرد الإثنوغرافي البديع، والتنظير الفلسفي الرصين، والنقد المعرفي اللاذع للافتراضات الغربية في علم النفس المعاصر.
كما ساهم شويدر في تحرير وقيادة مشاريع موسوعية ومؤلفات جماعية فارقة بالتعاون مع نخبة من كبار علماء النفس والأنثروبولوجيا. ومن أبرز تلك الأعمال كتاب “النظرية الثقافية: مقالات في العقل والذات والعاطفة” (Cultural Theory: Essays on Mind, Self, and Emotion) الذي حرره بالاشتراك مع روبرت ليفين عام 1984، وكتاب “علم النفس الثقافي: مقالات في التنمية البشرية المقارنة” (Cultural Psychology: Essays on Comparative Human Development) عام 1990 بالاشتراك مع جيمس ستيلغر وهربرت زيميلز. وقد رسمت هذه المؤلفات خارطة الطريق لحقل علم النفس الثقافي، محددةً محاوره الجوهرية التي ينبغي أن ينصب عليها البحث الميداني المقارن.
حددت تلك البيانات التأسيسية أربعة موضوعات جوهرية تمثل قلب علم النفس الثقافي ومادته التطبيقية المستمرة:
- الإدراك المعرفي وأنماط الاستدلال: كيفية تأثر العمليات العقلية والمنطق الاستنتاجي بالأطر الفلسفية واللغوية للثقافة.
- الأخلاق والأحكام القيمية: كيفية بناء التمييز بين الحق والباطل، والواجب والفضيلة، خارج إطار النزعة الليبرالية الفردية.
- الانفعالات والخبرات الوجدانية: دراسة كيفية عيش المشاعر والتعبير عنها لغوياً وجسدياً، ونقد النماذج البيولوجية الكونية للانفعالات.
- الهوية وبناء الذات ومفهوم الشخصية: استكشاف التمايزات العميقة في كيفية إدراك الإنسان لحدوده الذاتية وعلاقته بالكون والآخرين.
3. نقد النزعة الكونية والمركزية الغربية في العلوم النفسية
3.1 مفهوم العقلانية السياقية وتعدد مسارات النمو
قاد ريتشارد شويدر حملة فكرية واسعة النطاق لتفكيك ما وصفه بوهم “العقل البشري الكوني الموحد المركزي” (The Central Processing Unit). تفترض السيكولوجيا الغربية السائدة أن هناك عقلاً مجرداً وعالمياً يشبه معالج الحواسيب المركزي يعمل بنفس القواعد المنطقية لدى جميع البشر، وما الاختلافات الثقافية إلا تنويعات سطحية لا تمس جوهر التفكير. في مواجهة هذا الطرح، صاغ شويدر مفهوم “العقلانية السياقية” (Contextual Rationality)، مبرهناً على أن العقلانية ليست قالباً شمولياً أحادياً، بل هي سيرورة تفكير ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمقدمات الأنطولوجية والمعرفية التي يوفرها كل مجتمع لأفراده.
فما قد يبدو “غير عقلاني” أو “خرافياً” من منظور مراقب غربي يجلس في مختبر جامعي قد يكون في حقيقة الأمر قمة العقلانية والاتساق المنطقي إذا ما فُحص داخل شبكة العلاقات والمعتقدات التي ينتمي إليها الفاعل. ففي المجتمعات التي تؤمن بالأرواح أو بالترابط الكوني الشامل، يغدو التصرف وفق مبادئ الوقاية الروحية أو الحفاظ على الانسجام مع الأجداد خياراً عقلانياً بامتياز يتفق مع فهم المجتمع لطبيعة الوجود وقوانينه، ولا يقل منطقية عن سلوك الفرد الغربي الذي يغسل يديه لدرء الجراثيم غير المرئية.
يقود هذا الموقف بالضرورة إلى إسقاط فكرة “المسار الخطي الأحادي للنمو المعرفي والوجداني”. يرى شويدر أن النمو البشري لا يتحرك عبر سلم تراتبي موحد تكون نهايته دائماً النموذج الغربي للإنسان المتحرر، المستقل، والمجرد، بل هو عبارة عن “مسارات تشعبية متعددة ومتكافئة”؛ فكل ثقافة تنتج نمط نضجها الخاص وتطور فضائل وقدرات معرفية تتلاءم مع متطلبات بيئتها الرمزية والمادية دون أن يملك أي نموذج الحق في تنصيب نفسه غاية حتمية ومقياساً أوحد للإنسانية جمعاء.
3.2 نقد متلازمة مجتمعات ‘وايرد’ (WEIRD Societies)
على الرغم من أن الاختصار الشهير “مجتمعات وايرد” (WEIRD) – التي تشير إلى المجتمعات الغربية، المتعلمة، الصناعية، الثرية، والديمقراطية (Western, Educated, Industrialized, Rich, Democratic) – قد صِيغ رسمياً لاحقاً على يد جوزيف هينريك وزملائه في عام 2010، إلا أن الجذور الفكرية العميقة لهذا النقد ترجع مباشرة إلى أطروحات ريتشارد شويدر التي دشنها في الثمانينيات. فقد ظل شويدر يحذر لعقود من أن علم النفس المعاصر يعاني من “عاهة منهجية مستدامة”؛ حيث يبني قوانينه العامة حول الطبيعة البشرية استناداً إلى أبحاث أُجريت على شريحة لا تتعدى 12% من سكان الكوكب، وتحديداً طلاب الجامعات الأمريكية والأوروبية البيض.
أوضح شويدر أن هذه الشريحة الغربية المعزولة تمثل استثناءً غريباً وشاذاً إحصائياً وتاريخياً في التجربة الإنسانية الأوسع، وليست هي القاعدة المعيارية. ففي مجتمعات “وايرد”، يُنظر إلى الفرد باعتباره ذرة مستقلة قائمة بذاتها، تحركها الرغبات والحقوق الفردية، بينما تعيش الغالبية الساحقة من المجتمعات البشرية التقليدية عبر التاريخ ضمن بنى اجتماعية علائقية متشابكة تُعلي من قيم الترابط الجماعي، والالتزام الأسري، والواجبات المتبادلة.
إن الخطأ الفادح لعلم النفس الكلاسيكي تمثل في إسقاط هذه السمات الاستثنائية للثقافة الغربية الفردانية واعتبارها معايير للسواء النفسي، والتعامل مع السمات العلائقية للثقافات الأخرى باعتبارها مظاهر للنكوص، أو الاعتمادية المفرطة، أو عدم النضج العاطفي. وطالب شويدر بضرورة إجراء إعادة ضبط راديكالية لمعايير علم النفس التنموي، بحيث تستوعب مجمل التجربة الإنسانية، وتتوقف عن الترويج لنمط حياة محدد باعتباره القانون الطبيعي والوحيد للنوع البشري.
3.3 التحرر من النظرة الاستعلائية الاستعمارية في الأبحاث
ارتبط نقد شويدر للمركزية الغربية بوعي عميق بالحمولة الاستعمارية الكامنة في تاريخ العلوم الاجتماعية. فقد كشف في دراساته كيف أسهمت النظريات التطورية في القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين – من لويس هنري مورغان إلى إدوارد تايلور وغيرهما – في شرعنة الهيمنة الاستعمارية من خلال تصنيف الشعوب المستعمرة في مراحل دنيا من التطور الذهني والأخلاقي (مراحل التوحش والبربرية وصولاً إلى المدنية الأوروبية). ورأى أن هذا المخطط لم يختفِ مع انتهاء الاستعمار العسكري المباشر، بل جرى تدويره وتحديثه في لغة علم النفس الحديث تحت مسميات “التفكير البدائي”، أو “التمركز حول الذات السوسيولوجي”، أو “التفكير ما قبل الأخلاقي التقليدي”.
حذر شويدر من خطورة “الامبريالية المفاهيمية” المتمثلة في تصدير المفاهيم النفسية الغربية – مثل “تقدير الذات الفردي” (Self-Esteem)، أو “تحقيق الذات” (Self-Actualization)، أو “الاكتئاب الإكلينيكي” بالمعنى الغربي – واستخدامها كأدوات قياس معيارية لتقييم صحة المجتمعات التقليدية؛ إذ يؤدي هذا المنهج إلى تشويه الواقع المعاش للشعوب وتجريدها من مفاهيمها الخاصة التي تمنح حياتها قيمة ومعنى وتماسكاً اجتماعياً.
وللخروج من هذا المأزق، دعا شويدر إلى تبني المنهجية “الإيميكية” (Emic Approach) المستعارة من علم اللسانيات، والتي تركز على دراسة الظواهر والسلوكيات النفسية من “الداخل”، أي من منظور الفاعلين أنفسهم واستناداً إلى لغتهم المحلية ونماذجهم الثقافية الأصلية، وتجنب المقاربة “الإيتيكية” (Etic Approach) المفروضة قسراً من الخارج. وأكد أن دور الباحث الأنثروبولوجي والسيكولوجي الحقيقي ليس تصنيف الآخرين ومحاكمتهم وفق مقاييسه الخاصة، بل التواضع أمامهم ومحاولة رؤية العالم كما يرونه هم من مواقعهم التاريخية والروحية.
4. نظرية الأخلاق الثلاثية: الاستقلالية، الجماعة، والقداسة
4.1 أخلاق الاستقلالية (Ethics of Autonomy)
تعد “نظرية الأخلاق الثلاثية” التي طورها ريتشارد شويدر بالتعاون مع زملائه (مثل ليني موشيتي ونانسي بارك وماناموهان ميهاباترا) واحدة من أعظم إسهاماته التي غيرت مسار علم النفس الأخلاقي المعاصر بشكل جذري. استند شويدر في بناء هذا النموذج إلى ملاحظة نقدية جوهرية: إن الفلسفة الأخلاقية الغربية الحديثة، وتطبيقاتها السيكولوجية، قد اختزلت العالم الأخلاقي الإنساني الفسيح في بعد وحيد هو “أخلاق الاستقلالية” (Ethics of Autonomy).
يقوم هذا البعد الأخلاقي على تصور أنطولوجي يعتبر الفرد هو الوحدة الأساسية للوجود الاجتماعي؛ فالإنسان كائن حر، مستقل، يمتلك حقوقاً أصيلة واحتياجات فردية يجب على المجتمع صيانتها. ووفقاً لهذه الرؤية، تتركز الأحكام الأخلاقية حصراً حول مفاهيم:
- تجنب إلحاق الأذى أو الضرر بالآخرين (Harm/Care).
- إقرار العدالة والإنصاف والمساواة في الحقوق والواجبات (Fairness/Justice).
- حماية حرية الاختيار الشخصي وحرية التصرف ما دام الفرد لا يتعدى على حرية غيره.
أكد شويدر أن هذا البعد يمثل حجر الزاوية في المنظومات الأخلاقية الليبرالية الحديثة المتأثرة بفلسفات التنوير الغربية، لا سيما أفكار إيمانويل كانط وجون ستيوارت ميل. غير أن المشكلة تكمن في أن السيكولوجيين الغربيين افترضوا أن أي تفكير لا يدور في فلك الأذى والعدالة الفردية هو تفكير “غير أخلاقي” أو “ما قبل أخلاقي”، وهو افتراض أعمى علم النفس عن رؤية الأبعاد الأخلاقية الأخرى التي تُبنى عليها مجتمعات بأسرها.
4.2 أخلاق الجماعة (Ethics of Community)
في مقابل الاختزال الفرداني، استخلص شويدر من أبحاثه الإثنوغرافية بعداً أخلاقياً ثانياً واسع الانتشار عبر الثقافات أطلق عليه “أخلاق الجماعة” (Ethics of Community). في هذا البعد، لا يُنظر إلى الفرد باعتباره ذرة منعزلة تسبق المجتمع في الوجود، بل كعضو لا يتجزأ من كيان اجتماعي عضوي وأوسع، مثل الأسرة الممتدة، أو العشيرة، أو الطبقة، أو القرية، أو الأمة بأسرها. وتستند الهوية الأخلاقية للفرد هنا إلى الدور الاجتماعي والمسؤوليات المنوطة به داخل هذه المنظومة الجماعية.
تتمحور المفاهيم الأخلاقية الجوهرية في هذا الخطاب حول:
- أولوية الواجب (Duty): تقديم مصلحة الجماعة والالتزامات الأسرية والاجتماعية على الرغبات والحقوق الفردية المجردة.
- احترام التراتبية الاجتماعية والمكانة (Hierarchy and Status): الاعتراف بشرعية السلطة الأبوية، واحترام كبار السن، وتوقير القيادات الروحية والاجتماعية كوسيلة لضبط النظام ومنع الفوضى.
- الولاء والتضامن والاعتماد المتبادل (Loyalty and Interdependence): التزام الفرد بالدفاع عن سمعة جماعته، والتعاون لحفظ تماسكها وصيانتها من التفكك.
أوضح شويدر أن هذه الأخلاق ليست تعبيراً عن “قمع الفردية” كما تصفها القراءات الغربية المتعجلة، بل هي منظومة قيمية رفيعة توفر للإنسان شبكة أمان عاطفية واجتماعية ووجودية، حيث يجد الفرد معناه وقيمته الحقيقية في التضحية من أجل المجموع والوفاء بأدواره المنوطة به في النسيج الاجتماعي.
4.3 أخلاق القداسة والطهارة (Ethics of Divinity)
أما الإسهام الأكثر جرأة وابتكاراً في نموذج شويدر الثلاثي فكان صياغته لمفهوم “أخلاق القداسة والطهارة” (Ethics of Divinity). انتقد شويدر علم النفس الغربي لعلمانيته الفجة التي عجزت عن فهم المظاهر الدينية والروحية في السلوك الإنساني إلا بوصفها عُصاباً نفسياً، أو جهلاً علمياً، أو أدوات للهيمنة الاجتماعية. وأكد أن جانباً ضخماً من البشرية عبر مختلف الأديان والثقافات يؤسس أحكامه الأخلاقية على نظرة مقدسة للوجود والجسد البشري.
تقوم أخلاق القداسة على الفرضية الأنطولوجية بأن الإنسان ليس مجرد حيوان بيولوجي تطور بالصدفة، بل هو كائن يحمل في أعماقه شرارة إلهية أو روحاً ترتبط بنظام كوني مقدس (Cosmic Order). يترتب على ذلك أن الجسد والنفس ليسا ملكية خاصة يتصرف فيهما الإنسان كيفما يشاء كما تدعي الليبرالية، بل هما أمانة مقدسة ومعبد للروح يجب حفظه وصيانته من التدنيس والتحلل والرجس.
وتشمل الموضوعات المركزية في هذا الخطاب الأخلاقي مفاهيم:
- الطهارة الروحية والجسدية (Purity) والابتعاد عن التلوث والدنس (Pollution).
- الامتثال للأوامر الإلهية والنصوص والتقاليد الدينية المؤسسة.
- السيطرة على الشهوات والغرائز الحيوانية بوصفها تدريباً على الارتقاء الروحي، واحترام الحدود الفاصلة بين ما هو مقدس وما هو دنيوي مبتذل.
برهن شويدر على أن انتهاك أخلاق القداسة يثير استجابات انفعالية أخلاقية فريدة، كالشعور بـ “الاشمئزاز الأخلاقي” (Moral Disgust) والازدراء، وهو انفعال أخلاقي أصيل لا يرتبط بالضرورة بوقوع ضرر مادي أو تعدٍ على حقوق أحد، بل بانتهاك النظام الرمزي والكوني المقدس.
4.4 الأثر النظري للنموذج في علم النفس الأخلاقي المعاصر
أحدثت أطروحة الأخلاق الثلاثية لريتشارد شويدر ثورة بنيوية أعادت صياغة حقل علم النفس الأخلاقي في مطلع الألفية الجديدة. فقد مهد هذا النموذج الطريق مباشرة لظهور “نظرية الأسس الأخلاقية” (Moral Foundations Theory) التي طورها تلميذه المتأثر به بشدة جوناثان هايدت (Jonathan Haidt) وزملاؤه، والتي وسعت أسس شويدر الثلاثة إلى ستة أسس أخلاقية فطرية تستجيب للتنوع الثقافي العالمي.
نجح نموذج شويدر في إقناع الأوساط الأكاديمية بضرورة توسيع نطاق الظواهر التي تصنف كـ “أخلاقية”؛ فلم يعد السلوك الأخلاقي مقتصراً على الصدق، والعدالة في توزيع الموارد، والامتناع عن الإيذاء الجسدي، بل اتسع ليشمل طقوس الطعام، وقواعد اللباس والاحتشام، وطرق التعاطي مع الجثث والموتى، وترتيبات النوم العائلي، وطقوس العبادة. وقد برهن النموذج على أن كل هذه الممارسات تحظى بوزن أخلاقي قطعي في عقول ممارسيها وتخضع لمنطق التقييم الإلزامي لا للأعراف الاجتماعية السطحية القابلة للتفاوض.
إضافة إلى ذلك، وفرت نظرية الأخلاق الثلاثية أداة تفسيرية عميقة لفهم “الحروب الثقافية” (Culture Wars) والاستقطابات السياسية الحادة؛ ليس فقط بين الدول النامية والغرب، بل داخل المجتمعات الغربية نفسها. فالصراع المحتدم بين التيارات التقدمية العلمانية والتيارات المحافظة والمتدينة في الغرب يمكن فهمه كصدام بين عقلية تحصر الأخلاق في “الاستقلالية والعدالة والضرر”، وعقلية أخرى ترى أن الأخلاق الحقيقية لا تكتمل إلا بدمج “أخلاق الجماعة والقداسة وحفظ النظام الأخلاقي التقليدي”.
5. الأبحاث الإثنوغرافية الميدانية في الهند ونتائجها
5.1 العمل الميداني في بوبانسوار وأوريسا
لم تكن تنظيرات ريتشارد شويدر مجرد تأملات فلسفية معزولة داخل جدران جامعة شيكاغو، بل استندت إلى تراكم هائل من الأبحاث الإثنوغرافية الميدانية الشاقة التي امتدت لعقود. اختار شويدر بلدة “بوبانسوار” القديمة الواقعة في ولاية أوريسا (المعروفة حالياً بأوديشا) في شرق الهند لتكون مسرحاً لأبحاثه الميدانية المقارنة، بدءاً من أواخر سبعينيات القرن العشرين ومطلع الثمانينيات.
تمثل بوبانسوار بيئة فريدة للملاحظة الإثنوغرافية؛ إذ تجمع بين كونها معقلاً للتقاليد الهندوسية البراهمية العريقة المحافظة المتمثلة في معابدها التاريخية الضخمة (مثل معبد لينغاراج)، وبين تعرضها التدريجي لرياح التحديث والتحولات الاقتصادية. انتهج شويدر أسلوب “الانغماس الميداني العميق والمطول”، فتعلم دقائق اللغة الأورية، وعاش بين العائلات المحلية، وأقام شراكات بحثية متكافئة ووثيقة مع علماء وباحثين محليين، وكان على رأسهم عالم النفس الهندي البارز ماناموهان ميهاباترا.
ركزت منهجية شويدر على استنطاق الحياة اليومية العادية: فحص الطقوس الصباحية، وقواعد الطهارة المرتبطة بالطعام وإعداده، ونظام الطبقات (Caste System) وتفاعلاته الدقيقة، وطبيعة التراتبيات الأسرية بين الجنسين والأجيال. وقد صمم شويدر مقابلات وبحوثاً نفسية معمقة اشتملت على تقديم سيناريوهات وقصص معقدة تتضمن مشكلات وسلوكيات اجتماعية لعينات واسعة من سكان بوبانسوار، شملت الأطفال والمراهقين والراشدين من مختلف الطبقات، وقارن استجاباتهم بشكل مباشر وصارم مع عينات مماثلة من سكان مدينة شيكاغو في الولايات المتحدة.
5.2 التفكير الأخلاقي في الثقافة الهندوسية
أسفرت المقارنة بين بوبانسوار وشيكاغو عن اكتشافات صادمة هزت يقين النظريات النفسية الغربية الكلاسيكية. فقد بينت نتائج شويدر أن الهندوس التقليديين يمتلكون بنية أخلاقية بالغة النضج والتعقيد والصرامة، لكنها تنطلق من مرتكزات إبستمولوجية وأنطولوجية مغايرة تماماً للمنظور الغربي. ويأتي مفهوم “الدهارما” (Dharma) – الذي يترجم تقريبياً بالواجب الأخلاقي والديني والكوني – ليمثل المحور الوجودي الذي يدور حوله العقل الأخلاقي الهندوسي.
تحدى شويدر الفرضية الشهيرة لعالم النفس الأمريكي إليوت توريل (Elliot Turiel)، التي ادعت أن جميع أطفال وبشر العالم يميزون بشكل فطري وعالمي بين نوعين من القواعد: “القواعد الأخلاقية” المرتبطة بالأذى والعدالة وهي ملزمة ومطلقة، و”الأعراف الاجتماعية والاصطلاحية” (Conventional Rules) وهي قواعد تعسفية قابلة للتغيير بتغير الاتفاق الاجتماعي (مثل قواعد اللباس أو آداب المائدة). أثبت شويدر في دراساته الميدانية بطلان هذا التعميم؛ إذ كشف أن أفراد مجتمع بوبانسوار يعتبرون ما يصنفه الغربيون كـ “مجرد أعراف” التزامات أخلاقية قطعية ومقدسة لا تقل في إلزاميتها عن تحريم القتل والسرقة.
على سبيل المثال، عند سؤال المبحوثين في الهند عن ممارسات مثل: امرأة تأكل السمك بعد وفاة زوجها مباشرة (وهو انتهاك لقواعد الحداد الطقسي)، أو ابن يقص شعره ويدخن أمام والده، أو شخص يلمس طعاماً مطبوخاً ينتمي لطبقة عليا وهو غير متطهر، صنف الهندوس هذه الأفعال بأنها “جرائم أخلاقية كبرى” وذنوب وخيمة (Sins) تخل بالنظام الكوني وتستوجب العقاب الإلهي والاجتماعي، ورفضوا رفضاً قاطعاً فكرة أنها عادات قابلة للتغيير حتى لو وافقت كل أفراد القرية على ذلك. برهن شويدر من خلال هذا على أن مساحة الأخلاق في الهند تبتلع ما يُسمى بالأعراف لتجعل من الحياة بأكملها ميداناً للامتثال الروحي للدهارما.
5.3 مفهوم النوم والترتيبات المنزلية كمرآة للقيم الأخلاقية
من بين أشهر الدراسات الإثنوغرافية الميدانية المبتكرة التي أجراها ريتشارد شويدر بالتعاون مع ليني موشيتي ونانسي بارك، تلك التي تناولت “ممارسات وترتيبات النوم داخل الأسرة” (Custom Complexes of Sleeping Arrangements)، حيث قارن بين أسر تعيش في شيكاغو وأسر تعيش في بوبانسوار. انطلق شويدر من فرضية ذكية مفادها أن الطريقة التي توزع بها العائلة أفرادها على غرف النوم والأسرة ليلاً ليست مجرد مسألة لوجستية تفرضها مساحة المنزل أو القدرة المالية، بل هي “مرآة تجسد بعمق الأولويات الأخلاقية والوجودية الكامنة للثقافة”.
قدم الباحثون للمشاركين في الثقافتين سيناريو افتراضياً يتضمن عائلة تتكون من أب وأم وثلاثة أطفال بأعمار وجنسيات محددة، ولديهم عدد محدود من الغرف، وطُلب منهم تقديم الترتيب المثالي لتوزيع هؤلاء الأفراد على الأسرة ليلاً مع تبرير اختياراتهم. كشفت النتائج عن تباين جذري في المبادئ التوجيهية الحاكمة لكل ثقافة؛ فقد حكمت المجتمع الأمريكي في شيكاغو ثلاثة مبادئ أخلاقية صارمة ترتبط جميعها بأخلاق الاستقلالية:
- حرمة خصوصية الزوجين المقدسة (Sacred Couple): ضرورة أن ينام الوالدان معاً في غرفة معزولة لضمان الخصوصية العاطفية والجنسية.
- الاستقلالية الفردية للطفل (Incest Avoidance and Autonomy): تعويد الطفل منذ أشهره الأولى على النوم منفرداً في سرير وغرفة مستقلة لتعزيز اعتماده على ذاته.
في المقابل، صدمت تلك الاختيارات عائلات بوبانسوار، التي رأت في عزل الطفل الصغير ليلاً في غرفة بمفرده ضرباً من ضروب “القسوة غير الأخلاقية والإهمال الوالدي الشنيع”. واحتكمت خيارات الأسر الهندية إلى منظومة مبادئ مغايرة تماماً تعكس أخلاق الجماعة والرعاية:
- حماية الضعفاء والمعتمدين (Protection of the Vulnerable): لا يُترك الأطفال الصغار بمفردهم أبداً ليلاً، بل ينامون ملاصقين لأمهاتهم أو آبائهم ليشعروا بالأمان.
- تجنب زنا المحارم (Incest Avoidance): فصل الذكور البالغين والمراهقين عن الإناث البالغات في غرف النوم.
- التضامن النسوي والأسري (Female Chastity Anxiety and Respect): ترتيبات النوم تهدف إلى تعزيز الترابط العائلي لا العزلة الفردية.
أثبت شويدر عبر هذه التجربة البسيطة والعبقرية كيف أن أصغر تفاصيل المعيش اليومي تخضع لمنطق أخلاقي تأويلي يختلف باختلاف التصورات الثقافية لمعنى الأسرة والطفولة والرشد الإنساني.
6. تفكيك النماذج التطورية المعيارية: مراجعة بياجيه وكولبرغ
6.1 نقد نظرية لورنس كولبرغ في التطور الأخلاقي
وجه ريتشارد شويدر سهام نقده المعرفي الأكثر حدة صوب نظرية لورنس كولبرغ الشهيرة في التطور الأخلاقي، والتي كانت تمثل في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين الإنجيل النظري غير المنازع في علم النفس التربوي والأخلاقي. قسم كولبرغ التطور الأخلاقي للإنسان إلى ست مراحل تندرج تحت ثلاثة مستويات كبرى: (ما قبل التقليدي، التقليدي، وما بعد التقليدي). ووفقاً لكولبرغ، فإن قمة النضج الأخلاقي البشري (المرحلة السادسة) لا تتحقق إلا حين يحرر الفرد أحكامه الأخلاقية من قيود العادات والمجتمع والدين، ويحتكم حصراً إلى مبادئ العدالة والحقوق الكونية المجردة.
فضح شويدر التحيز الإيديولوجي والفلسفي المتجذر في هذا النموذج؛ مبرهناً على أن المرحلة “ما بعد التقليدية” عند كولبرغ ليست قانوناً بيولوجياً أو نفسياً عاماً للارتقاء الإنساني، بل هي مجرد إعادة إنتاج وإضفاء طابع علمي زائف على “الفلسفة الليبرالية الكانطية الغربية”. وبالتالي، فإن المقياس الذي صممه كولبرغ كان متحيزاً بنيوياً ومسبقاً ليصنف الفلاسفة والمفكرين الليبراليين الغربيين في القمة، بينما يلقي بأفراد المجتمعات التقليدية في قاع التطور الأخلاقي.
كشفت أبحاث شويدر الإثنوغرافية أن الراشدين الهندوس المتدينين، وكذلك كبار السن والحكماء في الثقافات التقليدية، يجري تصنيفهم وفق مقياس كولبرغ في مراحل “ما قبل الأخلاقية” أو “المرحلة التقليدية الأدنى”، فقط لأنهم يبررون أفعالهم بالواجب الديني، وطاعة التقاليد، والوفاء للروابط الجماعية، والنصوص المقدسة. أثبت شويدر أن هذا التفكير ليس بدائياً أو عاجزاً عن التجريد، بل هو تفكير مركب وشديد التعقيد ينطلق من مسلمات فلسفية مغايرة ترى في الفردانية المتطرفة انحلالاً أخلاقياً وخطيئة، مؤكداً أن كولبرغ خلط بين “الاختلاف الإبستمولوجي” في رؤية العالم وبين “العجز النمائي والقصور العقلي”.
6.2 مراجعة النموذج النمائي لجان بياجيه
امتد نقد شويدر المعرفي ليشمل الأب الروحي لعلم النفس التنموي، السويسري جان بياجيه. اشتهر بياجيه بنظريته البنائية التي تفترض أن جميع الأطفال يمرون بسلسلة حتمية وثابتة من المراحل المعرفية، تتوج بما أسماه “مرحلة العمليات المجردة والمنطقية الصورية” (Formal Operational Stage)، حيث يتخلص المراهق من التفكير العياني الحسي ليصبح قادراً على صياغة الفرضيات واختبارها عبر التفكير المنطقي الاستنباطي الرياضي المشابه لطريقة تفكير العالم الفيزيائي الغربي.
شكك شويدر في شمولية هذه الغاية النهائية للنمو المعرفي. ورأى أن تتويج “المنطق الصوري المجرد” كقمة للاكتمال العقلي الإنساني يعكس تفضيلات الثقافة الغربية الصناعية التي تقدس التكنوقراطية والرياضيات وحسابات المنفعة والعلوم الطبيعية. أما في العديد من الثقافات الإنسانية الأخرى، فإن كمال العقل والنضج المعرفي لا يُقاس بالقدرة على حل مسائل المنطق المجرد المعزولة عن الحياة، بل يُقاس بـ “الحكمة العملية والسياقية” (Practical Wisdom)، والقدرة على فهم مشاعر الآخرين، وحل النزاعات الأسرية، وفهم الرموز الدينية والشعرية المعقدة.
أوضح شويدر أن السياق الاجتماعي والثقافي ليس مجرد عامل مساعد يُسرع أو يُبطئ المرور بمراحل بياجيه الثابتة، بل هو الذي “يحدد ويوجه نوعية القدرات الإدراكية التي تستحق التطوير”. وبدلاً من النموذج الخطي الرأسي الأحادي لبياجيه، طرح شويدر فكرة “النمو متعدد الأبعاد والمسارات”، مؤكداً أن العقل البشري يمتلك إمكانات كامنة غير محدودة تنمي منها كل ثقافة مسارات معينة وتترك مسارات أخرى خاملة بحسب أولوياتها الوجودية وتحديات بقائها.
6.3 إعادة تعريف النضج النفسي خارج الإطار الفرداني
قاد نقد شويدر لنظريات كولبرغ وبياجيه إلى مواجهة أوسع مع مفهوم “الصحة النفسية” و”النضج السيكولوجي” كما شيدته الأطر الغربية عموماً وعلم النفس الإكلينيكي على وجه الخصوص. ففي النماذج الغربية الشائعة، يرتبط النضج بالانفصال والاستقلال التام (Separation-Individuation)، وتحقيق التمايز الصارم للذات عن الأسرة، والقدرة على تأكيد الذات ومقاومة الضغوط الاجتماعية.
دحض شويدر هذا المعيار الفرداني الضيق، وطرح بديلاً يرى النضج الإنساني بوصفه “التمكن من التكيف الخلاق مع المطالب الأخلاقية والوجودية لثقافة الفرد المحلية”. ففي سياق ثقافي جماعي، يُعد الشخص الذي يسعى إلى تأكيد ذاته وفصل رغباته عن مصالح أسرته شخصاً “غير ناضج”، ومشوهاً أنانياً، وفاشلاً في إدراك تعقيد الشبكة العلائقية التي تدين لها حياته بالفضل والوجود.
أعاد شويدر الاعتبار لمفاهيم وسلوكيات صُنفت خطأً في الأدبيات النفسية الغربية كاضطرابات تبعية، مثل:
- الخضوع الطوعي لسلطة الأسرة واحترام المشورة الوالدية حتى في مرحلة الكهولة.
- التضحية بالرغبات العاطفية والمهنية الفردية في سبيل رفاهية الجماعة وتماسكها.
- الشعور بالمسؤولية الجمعية عن أخطاء الأقارب وأفراد المجتمع.
واعتبر شويدر هذه الممارسات علامات بارزة على “الرشد الأخلاقي والتفوق النفسي”، داعياً علم النفس إلى التوقف عن التبشير بالاستقلال الفردي التام كشرط وحيد للسعادة والصحة العقلية.
7. مفهوم ‘الإنسان الثقافي’ وثنائية الذات والمحيط
7.1 الذات المتداخلة والذات المستقلة في كتاباته
شكلت كتابات ريتشارد شويدر في الثمانينيات القاعدة الفكرية الصلبة التي بنيت عليها لاحقاً واحدة من أشهر النظريات في علم النفس الاجتماعي الثقافي، وهي نظرية عالمتي النفس هازل ماركوس وشينوبو كيتاياما حول “الذات المستقلة” (Independent Self) و”الذات المترابطة” (Interdependent Self). فقد كرس شويدر دراسات مقارنة لفحص الكيفية التي يتشكل بها مفهوم الشخصية (Personhood) وحدود الذات عبر المجتمعات.
بين شويدر أن الثقافة الغربية صممت نموذجاً أنطولوجياً للذات يمكن تسميته بـ “الذات المعزولة ذات الحدود الصارمة” (Bounded, Egocentric Self)، حيث يُنظر إلى الفرد وكأنه وعاء مغلق يحتوي داخله على رغباته، وقدراته، وسماته الشخصية الثابتة والمستقلة عن أي سياق خارجي. وتخوض هذه الذات المستقلة صراعاً مستمراً للحفاظ على استقلاليتها وتميزها وسلامة حدودها ضد تدخلات المحيط الاجتماعي.
في المقابل، قدم شويدر تحليلاً رائعاً لـ “الذات المسامية المتداخلة” (Porous, Sociocentric Self) السائدة في ثقافات جنوب آسيا والهند والمجتمعات التقليدية؛ فهنا لا تتوقف حدود الذات عند الجلد المادي للشخص، بل تتمدد وتتلاشى لتلتحم بالآخرين وبالكون بأسره. إن الفرد في هذا السياق كائن يتحدد جوهره من خلال علاقاته (ابن فلان، والد فلان، عضو هذه الطبقة، وراعٍ لهذه الأرض)؛ وتتأثر حالته النفسية والروحية والجسدية بصورة مباشرة بما يحدث لأفراد عائلته وبطبيعة الأطعمة التي يتناولها والطقوس التي يؤديها، مما يجعل فصل الذات عن محيطها الاجتماعي مستحيلاً معرفياً ووجودياً.
7.2 رفض التفسيرات البيولوجية الاختزالية
اتخذ ريتشارد شويدر موقفاً نقدياً راديكالياً صارماً ضد صعود موجات التفسير البيولوجي الاختزالي في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، والمتمثلة في انتشار “علم الاجتماع الحيوي” (Sociobiology) وظهور “علم النفس التطوري” (Evolutionary Psychology) مع ستيفن بينكر وليدا كوسميدس وجون توبي. انتقد شويدر محاولات هذه التيارات تفسير كافة مظاهر السلوك البشري المعقد – من الحب، والإيثار، والغيرة، والتدين، إلى الفروق بين الجنسين – بوصفها مجرد “تكيفات جينية غريزية” ورثناها آلياً من أسلافنا في العصر الحجري لضمان البقاء الجيني.
لم ينكر شويدر الأساس البيولوجي للنوع البشري، لكنه رفض “الحتمية البيولوجية الجافة”؛ مؤكداً أن البيولوجيا توفر فقط قيوداً وإمكانات مادية عامة وشديدة المرونة، لكنها عاجزة تماماً عن تفسير التنوع الهائل والغنى الخلاق للثقافات الإنسانية. فالجينات لا تقدم تفاصيل الحياة ولا تصنع المعنى؛ إذ يمكن للأساس البيولوجي الواحد أن يتجلى في آلاف التكوينات الثقافية والأخلاقية المتباينة والمتناقضة أحياناً.
أوضح شويدر أن الفارق الجوهري والنوعي الذي يفصل الكائن البشري عن باقي الكائنات الحية هو قدرته الفريدة على “صناعة المعنى والتأويل الرمزي” (Meaning-Making)؛ فالإنسان لا يعيش في عالم من المثيرات والاستجابات البيولوجية الغريزية، بل يعيش في عالم رمزي تأويلي يمنح الأحداث دلالاتها. فالألم ليس مجرد نبضات عصبية، بل قد يُفهم كعقاب إلهي، أو اختبار روحي، أو تكفير عن ذنب، أو مجرد خلل عضوي، وبحسب هذا التأويل الثقافي تتحدد استجابة الفرد النفسية والجسدية للألم، وهو ما تعجز البيولوجيا الاختزالية عن إدراكه.
7.3 العوالم المشحونة بالمعنى (Intentional Worlds)
لتوضيح الكيفية التي يتفاعل بها العقل مع بيئته الثقافية، نحت ريتشارد شويدر أحد أهم مفاهيمه النظرية: “العوالم المشحونة بالقصد والمعنى” أو “العوالم المقصودة” (Intentional Worlds)، ومفهوم “الأشخاص المقصودين” (Intentional Persons). استعار شويدر مفهوم “القصدية” من الفلسفة الظاهراتية (الفينومينولوجيا) ليبرهن على أن بيئة الإنسان ليست عالماً فيزيائياً محايداً وخاماً، بل هي بيئة مصممة ومحملة مسبقاً بالمفاهيم والدلالات والقيم الإنسانية.
في كل مجتمع بشري، يولد الطفل في عالم تم ترتيبه ثقافياً بشكل مقصود: الغرف مقسمة بطريقة معينة، والملابس تحمل دلالات للهوية، والأفعال مصنفة إلى حلال وحرام، وطاهر ومدنس، وصحيح وخاطئ. هذا العالم المشحون بالمعنى لا يمكن أن يوجد في غياب فاعلين بشريين يدركون تلك المعاني ويتصرفون بناءً عليها. وفي المقابل، لا يمكن للإنسان أن يتطور ككائن عاقل وشخص سوي إلا إذا استبطن هذه المعاني المشحونة في عالمه واستخدمها في تنظيم عقله وسلوكه.
يترتب على ذلك نتيجة إبستمولوجية حاسمة أكد عليها شويدر تكراراً: استحالة دراسة الظاهرة النفسية في فراغ تجريبي معقم داخل المختبرات السيكولوجية المغلقة؛ لأن انتزاع الفرد من عالمه المشحون بالمعنى يعني تجريده من الأدوات والرموز التي يستخدمها عقله للتفكير أصلاً. إن عزل الإنسان داخل المختبر لا ينتج “عقلاً بشرياً نقياً وطبيعياً”، بل ينتج كائناً مرتبكاً يتصرف في بيئة غريبة ومصطنعة لا معنى لها، مما يجعل نتائج تلك التجارب المخبرية مضللة ولا تعبر عن حقيقة السلوك الإنساني في العالم الواقعي.
8. التعددية الأخلاقية والنسبية الثقافية المقارنة
8.1 التمييز بين النسبية الأخلاقية والعدمية
خاض ريتشارد شويدر سجالات فلسفية معمقة للدفاع عن أطروحته حول “النسبية الثقافية الموضوعية”، وكان حريصاً دائماً على تفكيك الخلط الشائع والمغرض بين النسبية الأخلاقية والعدمية الأخلاقية (Moral Nihilism). تذهب العدمية إلى القول التفكيكي بأنه “لا توجد حقيقة أخلاقية على الإطلاق، وأن كل شيء مباح، ولا يوجد خير أو شر موضوعي، وما الأخلاق إلا أوهام أو تفضيلات ذاتية وأدوات للقوة”. يرفض شويدر هذا الموقف العدمي رفضاً قاطعاً، ويصنف نفسه كمدافع صلب عن “التعددية الأخلاقية الموضوعية” (Objective Moral Pluralism).
استند شويدر في هذا الطرح إلى الأفكار الفلسفية الرائدة للمفكر إشعيا برلين (Isaiah Berlin) حول تعددية القيم؛ فالخيرات الإنسانية والفضائل الأخلاقية الحقيقية (كالعدالة، والحرية، والولاء، والرحمة، والطهارة، والشجاعة، والواجب) هي قيم إنسانية أصيلة وذات جاذبية موضوعية عبر الثقافات، لكن المشكلة الفلسفية تكمن في أنه “من المستحيل التوفيق التام والكامل بين هذه الفضائل كلها في نسق مجتمعي واحد دون تصادم”. فالإفراط في طلب الحرية المطلقة قد يدمر العدالة والمساواة، والغلو في طلب النظام والولاء الجماعي قد يضيق الخناق على الاستقلالية الفردية.
وعليه، فإن التعددية الأخلاقية عند شويدر تعني الإقرار بأن كل ثقافة إنسانية تركز على مجموعة معينة من هذه الفضائل الموضوعية وتضعها في مرتبة الصدارة والأولوية القصوى، وتضحي في سبيلها بفضائل أخرى حقيقية أيضاً. فلا توجد ثقافة تحتكر الخير الأخلاقي بأكمله، ولا يوجد نسق قيمي واحد متكامل ومكتمل يمكن فرضه على البشرية جمعاء؛ فالتنوع الثقافي ليس فوضى عشوائية، بل هو تجلٍ لاختيارات متباينة ومشروعة بين خيرات إنسانية متصارعة ومتنافسة بطبيعتها.
8.2 التعددية العالمية ومأزق حقوق الإنسان الكونية
انطلاقاً من موقفه التعددي، لم يتردد شويدر في توجيه انتقادات رصينة وجريئة للخطاب المعاصر المهيمن حول “عالمية حقوق الإنسان” بصيغتها الأممية الحالية. ورأى أن هذا الخطاب، رغم نبل نواياه الظاهرة في حماية كرامة الإنسان، يعاني من مأزق معرفي يتمثل في تحويل الفلسفة الليبرالية الغربية الفردانية إلى دين علماني كوني يُفرض على سائر الأمم كمعيار وحيد وأوحد للشرعية الأخلاقية والتحضر السياسي.
أوضح شويدر أن كثيراً من بنود الإعلانات الدولية لحقوق الإنسان تفترض مسبقاً نموذج “الفرد المستقل والمتحرر من كل رابط تقليدي وجماعي وديني”، وتعتبر أي ممارسة تقيد هذه النزعة الفردية انتهاكاً غير مقبول للحقوق. وينتج عن هذا عجز المنظومة الدولية عن فهم البنى الاجتماعية التي تعطي الأولوية للواجبات بدلاً من الحقوق، وللجماعة بدلاً من الفرد، وللمقدس بدلاً من الدنيوي المتعين.
دعا شويدر إلى ضرورة الدخول في “حوار حضاري حقيقي ومتكافئ” ينطلق من التواضع الإبستمولوجي والاعتراف بالمغايرة الجذرية، بدلاً من سياسات الإملاء وممارسة الضغوط السياسية والاقتصادية لفرض التغريب القسري. وأكد أن حماية الكرامة الإنسانية لا تتطلب بالضرورة استنساخ الديمقراطية الليبرالية الغربية بآلياتها الدقيقة؛ إذ يمكن للمجتمعات التقليدية أن تحقق كرامة أفرادها وعدالتها الخاصة من خلال أطرها الدينية والرمزية الأصيلة التي توفر المعنى والتماسك والتضامن لأفرادها بصورة قد تعجز عنها الفردانية الحديثة المعاصرة.
8.3 مفهوم ‘الأنثروبولوجيا المعيارية’
واجه شويدر بشجاعة التحدي المنهجي المتمثل في اتهام الأنثروبولوجيين بالهروب من المسؤولية الأخلاقية والتحصن بالوصف البارد عبر المقولة الشائعة “افهم كل شيء واقبل كل شيء”. وفي مواجهة هذا النقد، طور شويدر مفهوم “الأنثروبولوجيا المعيارية” (Normative Anthropology)، مجيباً عن السؤال الصعب: كيف يمكن للباحث الإثنوغرافي أن يجمع بين الفهم المتعاطف العميق للمجتمعات المدروسة وبين التقييم النقدي المتزن لممارساتها دون السقوط في فخ الإمبريالية الأخلاقية؟
صاغ شويدر منهجية تتطلب أولاً تفكيك الأحكام المسبقة والاستعلاء الغربي، وخوض ما أسماه بـ “تمرين الشك الأنثروبولوجي المزدوج”: أن يشك الباحث في بداهة معاييره وقيمه الشخصية أولاً، قبل أن يُخضع الممارسات الثقافية الغريبة للمحاكمة. وتقوم الأنثروبولوجيا المعيارية على استكشاف “المنطق الأخلاقي الداخلي” للظاهرة المدروسة؛ فإذا تبين أن الممارسة الثقافية تنطلق من رؤية متماسكة للخير، وتستند إلى مفاهيم الفضيلة والواجب، وتحظى برضا وقبول الفاعلين أنفسهم وتخدم تماسك مجتمعهم ونظامهم الرمزي، فإنه لا يجوز للباحث الخارجي أن يدينها أو يسعى لشيطنتها وإلغائها بمجرد أنها لا تتفق مع معاييره الفردانية الليبرالية.
إن الأنثروبولوجيا المعيارية عند شويدر لا تعني تبرير العنف السادي أو الاستبداد الأعمى، لكنها تضع حاجزاً منيعاً يحرم إصدار الأحكام الأخلاقية المتعجلة، وتجبر المفكر الغربي على الإقرار بأن تعريف “الحياة الجيدة والصالحة” هو سؤال مفتوح خاضع لاجتهادات البشرية المتنوعة، وليس مسألة حسابية تم حلها نهائياً وإلى الأبد في عواصم الغرب الحديث.
9. دراسة الانفعالات والعواطف من منظور ثقافي تأويلي
9.1 نقد فرضية الانفعالات الأساسية الكونية لبول إيكمان
امتد المشروع النقدي لريتشارد شويدر ليشمل سيكولوجيا الانفعالات والعواطف، حيث اصطدم مباشرة مع الفرضية الشائعة التي تزعم وجود “انفعالات أساسية كونية ثابتة”، وهي النظرية التي كرس عالم النفس الأمريكي بول إيكمان (Paul Ekman) حياته لإثباتها. زعم إيكمان أن هناك ستة انفعالات أساسية (الغضب، الخوف، الحزن، الفرح، الاشمئزاز، والمفاجأة) تتطابق تعبيرات وجوهها بشكل كوني غريزي عبر جميع الشعوب والثقافات، وأنها تعمل كبرامج حيوية موروثة تعبر عن نفسها بنفس الطريقة.
فند شويدر هذه الفرضية بقوة في مقالاته المحورية، معتبراً منهجية إيكمان قائمة على تبسيط اختزالي وتشوهات تجريبية خطيرة؛ حيث فرض إيكمان على مبحوثيه صوراً مصطنعة لوجوه غربية تؤدي انفعالات تمثيلية مبالغاً فيها، وقيد إجاباتهم بقائمة مغلقة من المصطلحات المترجمة قسراً. وأوضح شويدر أن تعبيرات الوجه المجردة لا تساوي “الخبرة العاطفية الذاتية الكاملة”؛ فالابتسامة قد تعني الفرح في سياق، لكنها قد تعني الخجل الشديد، أو الإهانة، أو الخوف، أو حتى الحزن الدفين وضبط النفس في سياقات ثقافية أخرى (كما في اليابان وبعض المجتمعات الآسيوية).
أكد شويدر أن الانفعالات ليست مجرد أحداث فسيولوجية عضلية أو نبضات كيميائية، بل هي “مركبات معرفية معقدة وأحكام قيمية تأويلية” (Appraisal-Based Judgments). فالحزن ليس مجرد انهمار للدموع، بل هو تفسير عميق لمعنى الخسارة؛ والغضب ليس مجرد ارتفاع في ضغط الدم، بل هو إدراك لوقوع ظلم أو انتهاك للكرامة. وبما أن مفاهيم الخسارة والكرامة والظلم مفاهيم مشحونة ثقافياً بالكامل، فإن التجارب الوجدانية نفسها تتنوع وتتشكل باختلاف الثقافات واللغات الإنسانية.
9.2 الجسدنة والتجربة العاطفية
في سياق تفكيكه للأنطولوجيا النفسية الغربية، أولى ريتشارد شويدر اهتماماً خاصاً لظاهرة “الجسدنة” (Somatization)، وهي التعبير عن الألم والمعاناة النفسية والوجدانية من خلال أعراض وتعبيرات جسدية مادية (مثل الصداع، ضيق التنفس، ألم المعدة، أو الإرهاق الجسدي العام). تصنف الطبخة الطبية والنفسية الغربية المهيمنة هذه الظاهرة كحالة مرضية سلبية أو كآلية دفاعية “غير ناضجة” (Defense Mechanism) يلجأ إليها الأفراد الذين يفتقرون للقدرة على التفكير التجريدي والتحليل اللفظي لمشاعرهم.
رفض شويدر هذا التصنيف الاستعلائي الذي يعتبر فصل النفس عن الجسد علامة على التحضر؛ وبرهن في دراساته الميدانية بالهند على أن “الجسدنة” ليست عرضاً مرضياً أو عجزاً معرفياً، بل هي “لغة ثقافية مشروعة ورفيعة للتواصل المعنوي والاجتماعي”. ففي الثقافة الهندوسية وفي العديد من الثقافات التقليدية، لا يوجد ذلك الفصل الديكارتي الحاد بين الجسد والروح؛ فالنفس والجسد يتفاعلان ككيان متصل ومستمر، وبالتالي فإن الشعور بالحرقة في الصدر أو الثقل في الرأس هو التعبير الطبيعي والأكثر دقة وأمانة عن حزن الفقد أو القلق الوجودي.
قارن شويدر بين تجارب المعاناة الإنسانية في بوبانسوار وتشخيصات “الاكتئاب الإكلينيكي” (Major Depression) في الدليل التشخيصي للاضطرابات النفسية (DSM). وأوضح كيف أن الطب النفسي الغربي حوّل الحزن والمعاناة الوجودية إلى “مرض كيميائي دماغي” يُعالج بالعقاقير، محيداً بذلك الأبعاد الاجتماعية والأخلاقية والروحية التي تحيط بالألم الإنساني وتمنحه في الثقافات التقليدية معنى تطهيرياً وتضامنياً يربط الفرد بجماعته وبالمعنى الأسمى للوجود.
9.3 مشاعر الحياء، العار، والذنب
أعاد ريتشارد شويدر فحص وتقييم واحدة من أقدم وأشهر الثنائيات في الأنثروبولوجيا وعلم النفس المقارن: ثنائية “ثقافات الذنب مقابل ثقافات العار” (Guilt Cultures vs. Shame Cultures)، التي روجت لها الأنثروبولوجية روث بندكت إبان الحرب العالمية الثانية. افترض هذا النموذج الكلاسيكي أن الغرب يمثل ثقافة “الذنب” الراقية التي تعتمد على الضمير الداخلي المستقل والمراقبة الذاتية للفرد، بينما تمثل المجتمعات الشرقية والتقليدية ثقافة “العار” السطحية التي تخضع للمراقبة الخارجية والخشية من افتضاح الأمر أمام نظرات المجتمع.
كشف شويدر التحيز الإيديولوجي الكامن في هذه الثنائية، وقدم دراسة معمقة لمفهوم الحياء والعار في الثقافة الأورية الهندية، متناولاً بالتفصيل المفهوم الثقافي المعقد المسمى “لاجا” (Lajya). أثبت شويدر أن “اللاجا” في المجتمع التقليدي ليست مجرد رد فعل سلبي للهرب من الفضيحة الاجتماعية، بل هي “فضيلة أخلاقية كبرى وانفعال بنائي إيجابي” يجمع بين الحياء، والاحتشام، والورع، والتواضع أمام المقدس وكبار السن، والوعي الحاد بحدود الذات في الفضاء العام.
انتقد شويدر التمجيد الغربي المطلق لفضيلة “الذنب الفردي” بوصفها المحرك الوحيد للضمير؛ مبرهناً على أن المجتمعات التي تعتمد على الرقابة المجتمعية المشتركة وتثمن الحياء والعار تنتج نسيجاً اجتماعياً أكثر تماسكاً وتضامناً، وتحد من الجرائم والانتهاكات بفاعلية تفوق بكثير المجتمعات الفردانية التي تعاني من تفكك الضوابط الجمعية وعزلة الأفراد القاتلة داخل صراعاتهم النفسية الذاتية المغلقة.
10. المناظرات الفكرية والجدل حول الممارسات الثقافية الشائكة
10.1 قضية تعديل الأعضاء التناسلية والختان في إفريقيا
اقتحم ريتشارد شويدر في مطلع الألفية الثالثة حقل ألغام فكري وسياسي وأخلاقي بالغ الحساسية، حين تصدى لمناقشة قضية الممارسات التقليدية لتعديل الأعضاء التناسلية الأنثوية في إفريقيا (ما يُعرف دولياً بختان الإناث Female Genital Mutilation – FGM). نشر شويدر في عام 2000 وما تلاها سلسلة من المقالات والكتب، ومن أبرزها مقاله الجدلي الشهير المنشور في مجلة Daedalus بعنوان: “ماذا عن ختان الإناث؟ ولماذا لا تتحدث النسويات الإفريقيات عنه بهذه الطريقة؟” (What About Female Genital Mutilation? And Why Don’t African Feminists Talk About It That Way?).
انتقد شويدر بشدة الخطاب النسوي والحقوقي الغربي السائد، واصفاً إياه بأنه يعيد إنتاج خطاب “البعثات التبشيرية الاستعمارية” التي نصبت نفسها وصية على إنقاذ النساء غير الغربيات الجاهلات من وحشية مجتمعاتهن. وطالب بضرورة الاستماع المباشر إلى أصوات النساء الإفريقيات اللواتي يمارسن هذا التقليد ويرعينه، بدلاً من تصويرهن كضحايا سلبيات لبطش ذكوري مطلق.
أبرز شويدر أن هذه العمليات داخل مجتمعاتها الأصلية (في كينيا، أو السودان، أو مالي، أو سيراليون) لا ترتبط بالرغبة في تعذيب المرأة أو حرمانها من اللذة الجنسية كما يدعي الغرب، بل هي طقوس عبور وجودية واجتماعية ترتبط بمفاهيم النظافة، والجمال الجسدي والأنثوي، والوصول إلى الرشد، والاندماج الكامل في شبكات التضامن النسائي. كما تحدى شويدر ادعاءات المؤسسات الطبية الغربية حول الآثار الصحية الكارثية المؤكدة والمطلقة لهذه العمليات، مشيراً إلى دراسات وبائية أظهرت تعقيداً وضرورة للتدقيق العلمي بدلاً من إطلاق التعميمات العاطفية، وطالب بالاتساق الأخلاقي؛ متسائلاً لماذا يقبل الغرب جراحات التجميل التناسلية الغربية البالغة الخطورة، والختان الروتيني لذكور المواليد الرضع، بينما يجرم الممارسات الإفريقية برمتها؟
10.2 الدفاع الثقافي في المحاكم والأنظمة القانونية
نقل ريتشارد شويدر أطروحاته في التعددية الثقافية من الفضاء النظري المجرد إلى ساحات المحاكم والأنظمة القانونية الغربية، من خلال مشاركته الفاعلة في قيادة مبادرات كبرى تناولت “الدفاع الثقافي في المحاكم” (Cultural Defense in the Courts). تجسد ذلك في تحريره للكتاب المرجعي المهم الصادر عام 2002 عن مؤسسة راسل سيج: “التعددية الثقافية تحت المجهر: إشراك الاختلافات الثقافية في الديمقراطيات الليبرالية” (Engaging Cultural Differences: The Multicultural Challenge in Liberal Democracies) بالاشتراك مع مارثا مينو وهازل ماركوس.
درس شويدر وزملاؤه النزاعات القانونية والجنائية المعقدة التي تنشأ في الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية نتيجة صدام ممارسات وتقاليد المهاجرين الجدد (من الشرق الأوسط، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وجنوب شرق آسيا) مع القوانين الوضعية الليبرالية المستقرة؛ مثل قضايا زواج القاصرات التقليدي، وعقوبات التأديب الوالدي الجسدي للأطفال، وطقوس الذبح الحلال والتضحية بالحيوانات، والممارسات الطبية والشعبية كـ “العلاج بالكي والخدش الصيني” (Coining) الذي يصنفه الأطباء الغربيون كاعتداء بدني وجريمة تعذيب للأطفال.
دافع شويدر عن ضرورة استعانة المحاكم بالأدلة الإثنوغرافية العميقة وشهادات علماء الأنثروبولوجيا قبل إصدار الأحكام القضائية؛ لضمان فهم “القصد الجنائي الحقيقي” للفاعل. فالفعل الذي يرتكبه المهاجر بدافع الرعاية والمحبة وفق معايير ثقافته الأصلية لا يجوز مساواته بالفعل الجنائي القائم على الكراهية والإيذاء المتعمد وفق القانون الغربي. وطالب الأنظمة القضائية الليبرالية بتوسيع هوامش التسامح الدستوري والاعتراف بالحقوق الجماعية للأقليات لصيانة خصوصياتها وممارساتها التقليدية.
10.3 ردود الأفعال والانتقادات الموجهة لطروحاته الجدلية
أثارت كتابات شويدر الجريئة، لا سيما موقفه من ختان الإناث الإفريقي ودفاعه الثقافي المستميت، عواصف عاتية من الانتقادات الحادة من جانب منظري حقوق الإنسان، والمنظمات النسوية العالمية، وبعض زملائه الأكاديميين. واتُهم شويدر بأنه سقط في “النسبية الأخلاقية المبتذلة والخطيرة”، وأنه يقدم غطاءً أكاديمياً وفكرياً لتبرير ممارسات بطريركية تنتهك بوضوح السلامة الجسدية للنساء والأطفال، وتضحي بالحقوق الأساسية للإنسان من أجل الحفاظ على الفولكلور والتقاليد الثقافية البالية.
كتبت الباحثة النسوية الشهيرة أوسان شتاينر وغيرها منتقدات شويدر بقسوة، ومؤكدات أن “الفهم الإثنوغرافي للممارسة لا ينبغي أن يعمي الباحث عن رؤية علاقات القوة غير المتكافئة والاضطهاد المفروض داخل المجتمعات التقليدية نفسها”. وأشار النقاد إلى أن تصوير المجتمعات ككتل متجانسة تقبل التقاليد طواعية هو تجاهل صارخ لأصوات النساء والفتيات المحليات اللواتي يناضلن ضد هذه الممارسات المؤلمة ويتعرضن للإقصاء والتهميش إذا تمردن عليها.
من جانبه، رد شويدر على هذه الهجمات بصلابة منهجية نادرة؛ نافياً تهمة مهادنة العنف، ومؤكداً أن موقفه هو دعوة صارمة للتواضع والتحرر من “الاستعمار الثقافي الجديد المقنع برداء الإنسانية وحقوق الإنسان”. وأصر على أن “الفهم الإثنوغرافي العميق لا يعني بالضرورة القبول الأخلاقي الساذج”، بل يعني نزع القناع عن المركزية الأخلاقية الغربية والاعتراف بأن الآخرين يمتلكون عقولاً، وضمائر، وأنظمة قيمية متماسكة لا تقل جدارة بالاحترام عن النماذج الغربية، رافضاً تحويل الاختلاف الثقافي إلى جريمة تستوجب التأديب والتدخل الدولي.
11. المنهجية البحثية والتفاعل المعرفي بين التخصصات
11.1 المناهج التأويلية في مواجهة الوضعية الإحصائية
تميز المشروع العلمي لريتشارد شويدر بتقديم نموذج منهجي صارم يقطع مع النزعة الوضعية الإحصائية التي اختطفت علم النفس الأمريكي وحولته إلى ركام من المعادلات الرقمية والاستبانات الجافة المنفصلة عن الواقع المعاش. دافع شويدر عن “المنهج التأويلي الظاهراتي” (Hermeneutic-Phenomenological Approach)، معتبراً أن غاية العلوم الإنسانية ليست “التفسير السببي والتنبؤ الميكانيكي” على طريقة العلوم الطبيعية والفيزيائية، بل هي “الفهم الدلالي الكثيف” (Verstehen) لما يعنيه الفعل الإنساني بالنسبة لمن يمارسه.
اعتمد شويدر في جمع بياناته الميدانية على أساليب كيفية متقدمة، تشمل:
- المقابلات الإثنوغرافية السريرية المعمقة والمطولة.
- تحليل السرديات، والحكايات الشعبية، والأمثال المتوارثة، والطقوس الدينية.
- التحليل الدلالي للألفاظ اللغوية ومصطلحات الانفعالات غير القابلة للترجمة الآلية المباشرة.
كان شويدر يرى في السرد القصصي أداة منهجية عبقرية تكشف النماذج الأخلاقية الكامنة في اللاوعي الجمعي؛ فمن خلال دراسة القصص التي ترويها الأمهات لأطفالهن، والأساطير التي تتناقلها الأجيال، يستطيع الباحث السيكولوجي استخراج البنية المعرفية الرمزية التي تحدد للفرد ما هو جدير بالحب، وما يستوجب العار، وكيف يُصنع الأبطال والأشرار في ذلك المجتمع، وهو ما تعجز عن إدراكه كل مقاييس “استمارة ليكرت” الإحصائية ذات الخيارات المغلقة.
11.2 تطوير ‘علم النفس الأنثروبولوجي’
لم يكن مشروع شويدر مجرد صرخة نقدية عابرة، بل كان محاولة مؤسسية واعية لبناء فرع أكاديمي هجين سماه تارة “علم النفس الثقافي” وتارة أخرى “علم النفس الأنثروبولوجي” (Anthropological Psychology). سعى شويدر إلى هدم الجدران العازلة والعداء التاريخي المصطنع الذي نشأ بين علماء الأنثروبولوجيا (الذين اتهموا علماء النفس بالسطحية والتمركز العرقي) وعلماء النفس التجريبيين (الذين اتهموا الأنثروبولوجيين بالاستطراد الأدبي والافتقار إلى الصرامة العلمية التجريبية).
نجح شويدر من خلال موقعه القيادي في جامعة شيكاغو في تدريب وتخريج أجيال متعاقبة من الباحثين متعددي التخصصات الذين يمتلكون قدماً راسخة في التحليل النفسي المعرفي وقدماً أخرى في العمل الميداني الإثنوغرافي الانغماسي. وعمل على بناء “لغة مشتركة” مكنت علماء النفس من استخدام المفاهيم الثقافية كأدوات تحليلية أصيلة، وشجعت الأنثروبولوجيين على عدم الخوف من دراسة العمليات الذهنية والإدراكية داخل بيئاتها الرمزية الأصلية.
لقد أعاد هذا التفاعل المعرفي الحي الاعتبار لقسم “التنمية البشرية المقارنة” في شيكاغو كمنارة فكرية فريدة من نوعها عالمياً، وأثبت للدوائر الأكاديمية أن تفكيك العزلة بين التخصصات ليس ترفاً أكاديمياً، بل هو ضرورة حتمية للوصول إلى فهم تركيبي وشامل للطبيعة البشرية المعقدة.
11.3 معايير الصدق المنهجي في دراسة الآخر
وضع ريتشارد شويدر معايير إبستمولوجية ومنهجية صارمة للتحقق من صدق وموثوقية الأبحاث التي تجريها العلوم السلوكية على المجتمعات غير الغربية، محذراً من الوقوع في فخ “الإسقاط الذاتي للباحث”؛ حيث يسقط الباحث الغربي مقولاته المسبقة على مجتمع الدراسة ويصيغ أسئلته بطريقة لا تقود إلا لتأكيد تحيزاته الأولى.
حدد شويدر ثلاثة معايير أساسية لضمان الصدق المنهجي في دراسة “الآخر”:
- الإتقان اللغوي الكامل: استحالة فهم المنظومة النفسية والأخلاقية لمجتمع ما دون إتقان لغته الأصلية وفهم حمولتها المجازية والرمزية؛ فالاعتماد على المترجمين السطحيين يفقد المفاهيم أدق ظلالها المعنوية.
- التواضع الإبستمولوجي والتعاون النظير: إشراك باحثين وعلماء أصليين من أبناء المجتمع المدروس في تصميم البحث، وصياغة الفرضيات، وتحليل النتائج كشركاء متكافئين معرفياً، وليس كمجرد مساعدين ميدانيين أو مخبرين محليين.
- التأمل الذاتي النقدي (Reflexivity): وعي الباحث الكامل بتموضعه الاجتماعي، وجنسيته، وتحيزاته الفلسفية والثقافية، والاعتراف بأن تقريره الإثنوغرافي ليس حقيقة مطلقة ومحايدة، بل هو حوار تأويلي متوتر بين ثقافتين.
12. إرث ريتشارد شويدر ومكانته في العلوم السلوكية المعاصرة
12.1 تأثيره على الأجيال اللاحقة من الباحثين والمفكرين
يعد ريتشارد شويدر اليوم أباً روحياً وموجهاً فكرياً لا غنى عنه لجيل كامل من ألمع علماء النفس والأنثروبولوجيا المعاصرين الذين قادوا الثورات النظرية في العقدين الأخيرين. ومن أبرز هؤلاء، كما أسلفنا، جوناثان هايدت، الذي طور نظرية الأسس الأخلاقية التي غدت النموذج الأكثر حضوراً في أبحاث السيكولوجيا السياسية والأخلاقية في العالم، واستلهم مباشرة تحذيرات شويدر من حصر الأخلاق في مجرد تجنب الضرر وإقرار العدالة.
كما امتد تأثيره العميق إلى أبحاث هازل ماركوس وشينوبو كيتاياما وتريسيليف إنسوورث، الذين أسسوا مختبرات ومراكز كبرى لدراسة علم النفس الثقافي في كبرى الجامعات الأمريكية والعالمية (مثل ستانفورد، وميشيغان، وكيوتو). وبفضل جهود شويدر التأسيسية، لم يعد علم النفس الثقافي مجرد فرع هامشي غريب، بل أصبح مساراً أكاديمياً رئيسياً تُفرد له المقررات، والمجلات العلمية المتخصصة، والمؤتمرات الدولية في جميع أنحاء العالم.
رسخ شويدر مفهوم “العوالم المتبادلة” كركيزة لا يمكن تجاوزها في الأنثروبولوجيا النفسية؛ فصار من البديهي لدى دارسي السلوك البشري اليوم أن أي محاولة لبناء نظرية نفسية دون فحص الممارسات والرموز الثقافية هي محاولة محكوم عليها بالفشل المعرفي ومجرد تكرار للمركزية العرقية المقنعة بالعلم التجريبي.
12.2 أهمية أطروحاته في عصر العولمة والاستقطاب الهوياتي
في عصرنا الراهن، الذي يتسم بصدمات العولمة العنيفة، وتصاعد حركات الانكفاء الهوياتي، واشتعال النزعات القومية والأصولية الدينية كرد فعل دفاعي ضد التغريب القسري، تكتسب أطروحات ريتشارد شويدر راهنية استثنائية وأهمية قصوى. فقد تنبأ شويدر مبكراً بأن زحف العولمة التكنولوجية والاقتصادية لن يؤدي بالضرورة إلى سيادة ثقافة عالمية متجانسة وزوال الخصوصيات كما توهم أصحاب نظريات “نهاية التاريخ”، بل سيؤدي إلى تمسك الشعوب بمنظوماتها الأخلاقية والروحية للدفاع عن هوياتها المعرضة للاستلاب.
تقدم التعددية الأخلاقية عند شويدر إطاراً فلسفياً وعملياً حاسماً لإدارة التنوع الثقافي في المجتمعات التعددية الحديثة التي باتت تواجه مأزق الاندماج الاجتماعي للمهاجرين والأقليات. وتبرهن أفكاره على أن إجبار الجميع على اعتناق نمط حياة علماني فرداني واحد ليس حلاً للاستقرار، بل هو وقود يشعل نيران الصدام والتمرد؛ وأن البديل الوحيد للتعايش السلمي هو الإقرار بشرعية الفضائل التقليدية المتنوعة ومحاورة الآخر انطلاقاً من قيمه هو لا من قيمنا المفروضة عليه.
علاوة على ذلك، يشهد الفكر الأكاديمي المعاصر اليوم حركة متسارعة تحت مسمى “تفكيك استعمارية المعرفة” (Decolonizing Knowledge) في الجامعات الغربية والجنوبية على حد سواء؛ وتعد كتابات شويدر منذ السبعينيات بمثابة الذخيرة الفكرية الأساسية التي يستند إليها هذا التيار لتطهير المناهج السيكولوجية والأنثروبولوجية من موروثات الهيمنة البيضاء وتأسيس علوم إنسانية تعددية متصالحة مع الغنى والتنوع البشري المذهل.
12.3 التقييم النقدي العام لمشروعه العلمي
عند تقييم المشروع العلمي لريتشارد شويدر في مجمله، يبرز الرجل كواحد من أندر العقول الأكاديمية التي جمعت بين الشجاعة الأخلاقية الفذة، والصرامة المنهجية التأويلية، والعمق الفلسفي المستنير. لقد نجح شويدر بلا ريب في زعزعة أركان النزعة الكونية الساذجة في علم النفس، وحرر دراسة الذات الإنسانية من أسر الرؤية البيولوجية والحوسبية الضيقة ذات البعد الواحد، معيداً لها روحها المعنوية وثراءها الرمزي والتاريخي.
ومع ذلك، يظل مشروعه محط جدل فلسفي وأخلاقي مستمر لا ينقطع. ويتساءل العديد من المفكرين النقديين: هل بالغ شويدر في احتفائه بالتعددية الأخلاقية إلى الحد الذي جعله غير قادر على رسم حدود فاصلة واضحة تدين الممارسات القمعية الصريحة التي ترتكب باسم التقاليد ضد الفئات المستضعفة كالنساء والأطفال والأقليات المضطهدة داخل الثقافات التقليدية نفسها؟ وهل يؤدي إصراره على السياقية إلى تفكيك أي أرضية مشتركة يمكن للبشرية أن تلتقي عليها لصياغة معايير إنسانية دنيا تحمي الأفراد من بطش السلطات والمجتمعات؟
ومهما بلغت حدة هذه التحفظات النقدية المشروعة، فإن أحداً لا يستطيع أن ينكر أن ريتشارد شويدر قد غير إلى الأبد مسار العلوم الإنسانية في مطلع القرن الحادي والعشرين؛ واضعاً نصب أعيننا حقيقة ساطعة كالشمس: إن التجربة الإنسانية أوسع، وأعمق، وأعجب بكثير من أن تُختزل في قوالب نظرية جاهزة صُممت في زاوية جغرافية واحدة من هذا العالم الفسيح.
خاتمة: أفق مستمر للأنثروبولوجيا وعلم النفس الثقافي
يمثل مسار ريتشارد شويدر الفكري والإنساني شاهداً حياً على قوة الفكر النقدي الجريء في مواجهة الإجماع العلمي الزائف. فمنذ خطواته الأولى في هارفارد متتلمذاً على يدي كليفورد غيرتز، وصولاً إلى عقوده الطويلة كأستاذ متميز في جامعة شيكاغو، ظل شويدر أميناً لرسالته المعرفية الكبرى: تحرير الإنسان من وهم النموذج الأحادي، وتذكيرنا الدائم بأن هناك طرائق لا حصر لها لأن يكون المرء إنساناً سوياً، وعاقلاً، وأخلاقياً، وناضجاً في هذا الوجود.
إن أطروحاته التأسيسية – من نقد متلازمة مجتمعات “وايرد”، وتأسيس علم النفس الثقافي التبادلي، ونظرية الأخلاق الثلاثية، والتأكيد على العوالم المشحونة بالمعنى – لم تعد مجرد أفكار للنقاش المدرسي، بل تحولت إلى بوصلة لا غنى عنها لكل مشتغل بالعلوم الاجتماعية والإنسانية يسعى إلى الإفلات من شراك الهيمنة الاستعمارية وفهم التنوع البشري بأمانة وإنصاف. ومن خلال الجمع العبقري بين دقة العمل الميداني الإثنوغرافي في الهند وعمق الفلسفة التأويلية في شيكاغو، برهن شويدر على أن احترام الثقافة ليس نكوصاً عن العقلانية، بل هو جوهر الحكمة الإنسانية في أبهى صورها.
ختاماً، يترك لنا ريتشارد شويدر تركة فكرية مستفزة وحيوية، تتحدى يقينياتنا المستقرة، وتدعونا باستمرار إلى التواضع الإبستمولوجي والاعتراف بغنى الآخر والتخلي عن النرجسية الحضارية. إن عالماً معاصراً يموج بالصراعات الثقافية والاستقطابات الهوياتية الحادة لهو في أمس الحاجة، أكثر من أي وقت مضى، للإنصات إلى صوت ريتشارد شويدر وأطروحته الخالدة: إن الاختلاف ليس تشوهاً في الطبيعة البشرية الكونية، بل هو أروع تجلياتها على مسرح الحياة.
المراجع
- Geertz, C. (1973). The Interpretation of Cultures: Selected Essays. Basic Books. https://www.basicbooks.com/
- Haidt, J. (2012). The Righteous Mind: Why Good People Are Divided by Politics and Religion. Pantheon Books. https://righteousmind.com/
- Henrich, J., Heine, S. J., & Norenzayan, A. (2010). The weirdest people in the world? Behavioral and Brain Sciences, 33(2-3), 61–83. https://doi.org/10.1017/S0140525X0999152X
- Markus, H. R., & Kitayama, S. (1991). Culture and the self: Implications for cognition, emotion, and motivation. Psychological Review, 98(2), 224–253. https://doi.org/10.1037/0033-295X.98.2.224
- Shweder, R. A. (1991). Thinking Through Cultures: Expeditions in Cultural Psychology. Harvard University Press. https://www.hup.harvard.edu/books/9780674878815
- Shweder, R. A. (2000). What about “female genital mutilation”? And why understanding culture matters in the first place. Daedalus, 129(4), 209–232. https://www.jstor.org/stable/20027671
- Shweder, R. A. (2003). Why Do Men Barbecue? Recipes for Cultural Psychology. Harvard University Press. https://www.hup.harvard.edu/books/9780674011359
- Shweder, R. A., & LeVine, R. A. (Eds.). (1984). Culture Theory: Essays on Mind, Self, and Emotion. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9780511557620
- Shweder, R. A., Mahapatra, M., & Miller, J. G. (1987). Culture and moral development. In J. Kagan & S. Lamb (Eds.), The Emergence of Morality in Young Children (pp. 1–83). University of Chicago Press. https://press.uchicago.edu/
- Shweder, R. A., Minow, M., & Markus, H. R. (Eds.). (2002). Engaging Cultural Differences: The Multicultural Challenge in Liberal Democracies. Russell Sage Foundation. https://www.russellsage.org/publications/engaging-cultural-differences
- Shweder, R. A., Much, N. C., Mahapatra, M., & Park, L. (1997). The “big three” of morality (autonomy, community, divinity) and the “big three” explanations of suffering. In A. M. Brandt & P. Rozin (Eds.), Morality and Health (pp. 119–169). Routledge. https://doi.org/10.4324/9780203076668
- Shweder, R. A., & Sullivan, M. A. (1993). Cultural psychology: Who needs it? Annual Review of Psychology, 44(1), 497–523. https://doi.org/10.1146/annurev.ps.44.020193.002433