روبرت سومر – 1929 2021

روبرت سومر (Robert Sommer)

  • 30 أبريل 1929، نيويورك – 21 فبراير 2021
  • أمريكي
  • علم النفس البيئي
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 16 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 16 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

أبرز الإسهامات

  • نظرية الفضاء الشخصي (Personal Space)
  • تأسيس وبحوث علم النفس البيئي
  • نقد العمارة الصلبة في المؤسسات والسجون
  • دراسة أثر البيئة المشيدة على السلوك الاجتماعي والصحة النفسية

السيرة

يمثل البروفيسور روبرت سومر (Robert Sommer؛ 1929–2021) قامة علمية استثنائية أعادت هندسة المفاهيم الكلاسيكية للعلوم السلوكية، حيث شيد جسراً معرفياً ومنهجياً بين حقول علم النفس الاجتماعي والنظريات المعمارية والتخطيط الحضري. وفي وقت كانت فيه المختبرات الأكاديمية التقليدية تنغلق على نفسها عبر تجارب محكومة تفتقر إلى النبض الحي للحياة اليومية، اتجه سومر بجرأة منهجية نحو الشارع، والمستشفى، وقاعات المحاضرات، والمكتبات العامة، متسائلاً عن الكيفية التي يشكل بها الحيز الفيزيقي مشاعر الإنسان وسلوكه وتفاعلاته المتبادلة. إن مشروعه الفكري لم يكن مجرد فرع تطبيقي إضافي لعلم النفس، بل كان ثورة إبستيمولوجية أفضت إلى ولادة ما بات يعرف اليوم باسم علم النفس البيئي، ذلك الحقل الذي يدرس التفاعل التبادلي العضوي بين الكائن البشري ومحيطه المشيد والطبيعي على حد سواء.

تكمن فرادة سومر في قدرته الفذة على تفكيك المسلمات البديهية التي تحكم وجودنا المكاني، إذ حوّل تلك المساحات الهوائية الصامتة المحيطة بأجسادنا إلى موضوع للبحث العلمي الرصين، مصوغاً نظريته الذائعة الصيت حول “الفضاء الشخصي” (Personal Space). لقد رأى في هذا الفضاء “فقاعة غير مرئية” ومتحركة تمثل امتداداً للذات السيكولوجية والجسدية، وتتوسع وتنكمش وفق محددات ثقافية، ونفسية، وموقفية دقيقة، كما تشكل آلية دفاعية وقناة للتواصل غير اللفظي. وبفضل هذا المنظور، لم تعد الجدران والمسافات مجرد فراغات هندسية صامتة أو كتل خرسانية مصمتة، بل أصبحت نصوصاً مقروءة تنطق بالدلالات الاجتماعية، وتفرض قواعد غير مرئية تمس كرامة الإنسان، وحريته، وصحته العقلية والنفسية في الصميم.

يمتد إرث روبرت سومر عبر ما يزيد على ستة عقود من الإنتاج العلمي الغزير، والعمل الميداني الملتزم بقضايا العدالة الاجتماعية والإصلاح المؤسسي. فمن تجاربه الرائدة في مصحات الطب النفسي في مقاطعة ساسكاتشوان الكندية، إلى نقده اللاذع لما أسماه “العمارة الصلبة” في السجون والمؤسسات التعليمية، وصولاً إلى دراساته المبتكرة حول أسواق المزارعين، والتعاونيات الغذائية، وفنون الجداريات، ظل سومر وفياً لرسالة واحدة: أنسنة البيئة المبنية وتمكين الإنسان العادي من استعادة حقه في تشكيل الفضاء الذي يعيش فيه. يستعرض هذا المقال الموسوعي المسيرة الحياتية، والمحطات النظرية، والإسهامات المنهجية، والمناظرات النقدية لأحد أعظم رواد الفكر السلوكي والمكاني في القرن العشرين، مقدماً دراسة تفصيلية شاملة لإرثه الفكري الحي وتطبيقاته المستمرة في عصرنا الحاضر.

1. المدخل السيري والنشأة الأكاديمية لروبرت سومر (1929-2021)

1.1 الخلفية والنشأة الأولى والمحطات التكوينية

ولد روبرت سومر في مدينة نيويورك في الثلاثين من أبريل عام 1929، في حقبة تاريخية مشحونة بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى التي تزامنت مع اندلاع أزمة الكساد العظيم. نشأ سومر في بيئة حضرية مكتظة تميزت بحراك سكاني مكثف وتنوع ديمغرافي ملحوظ، الأمر الذي غرس في وجدانه المبكر حساسية عميقة للمفارقات المكانية والطبقية، وكيفية تكدس البشر في مساحات ضيقة تتطلب صيغاً معقدة من التكيف والتعايش السلمي. كانت شوارع نيويورك، بضجيجها وتفاعلاتها المتباينة وحدائقها العامة المزدحمة، بمثابة المختبر الأولي المفتوح الذي لفت انتباه الطفل والفتى اليافع إلى الأساليب غير الواعية التي يستخدمها الناس لحماية خصوصياتهم وتجنب الاحتكاك العنيف، مما ولد لديه شغفاً مبكراً بالعلوم التي تعنى بتفسير الدوافع البشرية والمحددات السلوكية في سياقاتها الاجتماعية العيانية.

تلقى سومر تعليمه الأولي في مدارس نيويورك العامة، حيث أظهر تفوقاً ملحوظاً ونزوعاً صريحاً نحو استكشاف المسائل الاجتماعية والنفسية. واصل دراسته الأكاديمية الأولى في كلية هوبارت، حيث تخرج منها بشهادة البكالوريوس، ثم نال درجة الماجستير في علم النفس من جامعة ميامي. غير أن النقلة النوعية الحاسمة في مسيرته الفكرية تحققت بانتقاله إلى جامعة كانساس لمتابعة دراساته العليا؛ إذ كانت تلك الجامعة في خمسينيات القرن العشرين معقلاً رئيسياً للابتكار في علم النفس الاجتماعي، بفضل التأثير المتنامي لأفكار مدرسة “علم النفس البيئي السلوكي” بقيادة روجر باركر وبيركر هيربرت رايت، فضلاً عن الأصداء الحية لنظرية المجال التي صاغها كورت ليفين. وجد سومر في هذه البيئة العلمية مناخاً مثالياً لصقل نزعته النقدية تجاه السلوكية الكلاسيكية الضيقة التي كانت تحصر الكائن البشري في استجابات ميكانيكية للمثيرات المعزولة داخل المختبر.

تُوِّجت مرحلته التكوينية بالحصول على درجة الدكتوراه في علم النفس من جامعة كانساس عام 1956. وقد تناولت أطروحته قضايا مرتبطة بالإدراك والذاكرة والسلوك الاجتماعي، غير أنها حملت في طياتها بذور اهتمامه المستقبلي بالمحددات المكانية للسلوك. لم تكن الأطروحة مجرد تمرين أكاديمي روتيني لنيل الدرجة العلمية، بل شكلت محطة فاصلة تخلص فيها سومر من النزعة الوضعية الاختزالية، متوجهاً نحو تبني الملاحظة السلوكية الميدانية في البيئات الطبيعية. لقد علّمته بيئة كانساس البحثية أن فهم الإنسان يقتضي بالضرورة دراسة الوسط البيئي والاجتماعي الحقيقي الذي يمارس فيه نشاطه اليومي، وهو المبدأ التأسيسي الذي ظل وفياً له طوال مسيرته الأكاديمية اللاحقة التي امتدت لأكثر من ستين عاماً.

1.2 الانتقال المهني وبداية المسار البحثي الميداني

عقب نيله درجة الدكتوراه عام 1956، خاض روبرت سومر تجربة ميدانية فارقة تركت بصمة لا تمحى على مجمل مشروعه الفكري، حيث انتقل إلى مقاطعة ساسكاتشوان في كندا ليعمل باحثاً في علم النفس الإكلينيكي والاجتماعي بمستشفى ويبرن للطب النفسي (Saskatchewan Hospital, Weyburn). كان هذا المرفق العلاجي الضخم يخضع آنذاك لإدارة الطبيب النفسي البريطاني الرائد همفري أوزموند (Humphry Osmond)، الذي اشتهر بأبحاثه الجريئة في علاج الفصام واستكشاف أبعاد الوعي البشري. شكل لقاء سومر بأوزموند صدمة فكرية وتجريبية خصبة؛ إذ وجد نفسه داخل مصحة تضم آلاف النزلاء المصابين باضطرابات عقلية حادة، يعيشون في بيئات معمارية كئيبة صُممت وفق نمط القرن التاسع عشر القائم على العزل، والممرات اللانهائية، والعنابر المفتوحة التي تفتقر لأبسط مقومات الخصوصية.

انخرط سومر في أبحاث مكثفة لدراسة مرض الفصام وتشوهات الإدراك الحسي والمكاني لدى المرضى، وسرعان ما أدرك بالتعاون مع أوزموند أن التدهور السلوكي والنفسي للمقيمين في المشفى لا يعود فقط إلى اعتلالاتهم العضوية أو النفسية الذاتية، بل يرجع في جزء كبير منه إلى البيئة المعمارية القمعية وغير المتوافقة مع الاحتياجات الإنسانية. لاحظ سومر أن المرضى كانوا يميلون إلى الجلوس على حواف الغرف، مستندين بظهورهم إلى الجدران في وضعيات انعزالية دفاعية لتجنب الفضاء المفتوح المهدد لسلامتهم النفسية، مما قاده إلى إدراك عميق للدور الذي يلعبه التنظيم المكاني في توجيه التفاعل الاجتماعي أو تدميره. كانت هذه التجربة الميدانية الحية نقطة التحول المركزية التي صرفته نهائياً عن علم النفس الإكلينيكي التقليدي، ودفعته إلى تأسيس دراسة منهجية للتفاعل المتبادل بين السلوك الإنساني والمحددات المعمارية والبيئية.

في مطلع الستينيات، وبعد سنوات خصبة من البحث الميداني في كندا ونشر أوراقه العلمية الأولى حول التنظيم المكاني في المصحات، عاد سومر إلى الولايات المتحدة ليلتحق بالهيئة التدريسية في جامعة كاليفورنيا في ديفيس (UC Davis) عام 1963. كانت هذه الجامعة الشابة آنذاك تشهد توسعاً أكاديمياً كبيراً وترحيباً بالأفكار متعدية التخصصات. استقر سومر في ديفيس طوال بقية حياته المهنية، وكرس طاقته لتأسيس وتطوير برامج رائدة تدمج بين علم النفس التطبيقي، والتصميم البيئي، والتخطيط الحضري. ومن خلال موقعه الأكاديمي الجديد، انطلق سومر في تنفيذ سلسلة من التجارب والدراسات الميدانية غير المسبوقة التي استكشفت سلوكيات الطلاب والموظفين وعامة الناس في الفضاءات التعليمية، والمكتبات، والحدائق، والأماكن العامة، مما مهد الطريق لنشر كتاباته التأسيسية الكبرى.

1.3 المناصب الأكاديمية والجوائز والاعتراف المؤسسي

شغل روبرت سومر مناصب أكاديمية رفيعة جسدت الاعتراف المتزايد بأصالته العلمية، حيث ترقى إلى رتبة أستاذ متميز لعلم النفس، وتولى لاحقاً رئاسة قسم علم النفس في جامعة كاليفورنيا في ديفيس في فترات حرجة شهدت تحديث المناهج وتوسيع آفاق التخصص. ولم يكتفِ سومر بالعمل داخل قسم علم النفس، بل عُيِّن أستاذاً للتصميم البيئي وعضواً في معهد الشؤون الحكومية بالجامعة ذاتها، مما مكنه من توجيه مئات من طلبة الدراسات العليا والباحثين في تخصصات علم الاجتماع، والهندسة المعمارية، وعلم النفس الإنساني. كما بادر إلى إدخال مساقات تعليمية غير مسبوقة تدمج تقنيات الملاحظة السلوكية في مراسم التصميم المعماري، ليصبح من أوائل من كسروا الحواجز البيروقراطية بين كليات العلوم الإنسانية وكليات الهندسة والتصميم البيئي.

حظي سومر بتقدير مؤسسي دولي واسع النطاق؛ فقد انتُخب زميلاً في جمعية علم النفس الأمريكية (APA) ضمن عدة أقسام، لا سيما القسم 34 المعني بعلم النفس البيئي والسكاني، والقسم 9 الخاص برابطة الدراسات النفسية للقضايا الاجتماعية (SPSSI). وكان أحد الأعضاء المؤسسين والبارزين لـ “جمعية أبحاث التصميم البيئي” (EDRA)، التي نال منها جائزة الإنجاز الوظيفي تقديراً لإسهاماته الرائدة وتأثيره البالغ في تطوير معايير التصميم المرتكز على الإنسان. كما حصد جائزة الإسهام المتميز في علم النفس البيئي والتطبيقي، واستُدعي خبيراً ومستشاراً لمؤسسات حكومية، ونقابات معمارية، وهيئات إصلاح السجون في مختلف أرجاء الولايات المتحدة وخارجها، لتقديم استشارات حول أنسنة المنشآت العامة وإصلاح الفضاءات التعليمية والطبية.

في الحادي والعشرين من فبراير عام 2021، رحل روبرت سومر عن عالمنا عن عمر ناهز واحداً وتسعين عاماً، بعد حياة حافلة بالإنتاج الفكري، والتأليف، والنشاط الأكاديمي والاجتماعي الذي تواصل حتى سنواته الأخيرة. نعت المؤسسات الأكاديمية العالمية وفاته بوصفه الأب الروحي لنظرية الفضاء الشخصي والمدافع الصلب عن كرامة الإنسان داخل البيئات المشيدة. وقد حفلت المجلات العلمية المتخصصة في علم النفس، والعمارة، والجغرافيا البشرية بمقالات تأبينية استرجعت محطات مسيرته التي امتدت لأكثر من ستين عاماً، مؤكدة أن أفكاره لم تكن نظريات مجردة تدون على الورق، بل كانت دعوة تحررية مستمرة للتحرر من استبداد الفضاءات المعمارية القاسية وإعادة بنائها بما يحترم المشاعر والكرامة الإنسانية.

2. الأسس المعرفية والنظرية لمنظور سومر النفسي

2.1 تكامل علم النفس الاجتماعي مع دراسات العمارة والبيئة

انطلق روبرت سومر في بنائه المعرفي من نقد جذري للاستقطاب التقليدي الذي عزل علم النفس النظري داخل أبراج التحليل النفسي المجرد والتجارب المختبرية المغلقة، في حين ترك مجال التصميم المعماري والتخطيط الحضري للمهندسين والمعماريين الذين غلب عليهم الاهتمام بالجماليات البصرية الخالصة، أو الاعتبارات الهندسية والاقتصادية الوظيفية البحتة، دون اكتراث حقيقي بالأثر السلوكي والانفعالي للمستخدم البشري. رأى سومر أن هذه الفجوة المعرفية شكلت كارثة اجتماعية؛ فالمهندس يبني منشآت تفترض سلفاً وجود كائن بشري نمطي ثابت الاستجابات، بينما علماء النفس يتجاهلون تماماً أن كل فكرة، وشعور، وسلوك إنما يحدث داخل حيز فيزيقي محدد يؤثر فيه تأثيراً مباشراً وحاسماً.

دعا سومر إلى دمج عضوي وغير تداخلي بين الحقلين، مستخدماً منهجيات مراقبة السلوك في مواقعه الطبيعية الحية. واعتبر أن المعمار هو في جوهره “سلوك بشري مجمَّد”، وأن أي تعديل في موضع جدار، أو زاوية مقعد، أو شدة إضاءة، ينعكس فوراً على مستوى التوتر العصبي، والتباعد الاجتماعي، وفرص التواصل الحميمي بين الأفراد. ومن ثم، وسع نطاق الملاحظة الظاهراتية والإمبيريقية لتشمل دراسة السلوك داخل الأبنية التعليمية، والمستشفيات، ومحطات النقل، والمكاتب، مؤكداً أن البيئة المادية لا يمكن أن تظل متغيراً محايداً أو خلفية سلبية في معادلات علم النفس الاجتماعي، بل هي فاعل أساسي في توجيه التفاعلات الاجتماعية وتحقيق الرفاه النفسي أو تكريس العزلة والاغتراب.

لقد أعاد هذا المنظور التكاملي صياغة مفاهيم الصحة العقلية والإنتاجية البشرية، حيث شدد سومر على أن العديد من الاضطرابات التي توصف بأنها عصاب، أو انسحاب اجتماعي، أو عدوانية غير مبررة، ليست في حقيقتها إلا استجابات تكيفية سوية يبديها الفرد ضد بيئات فيزيقية غير سوية ومصممة بصورة سيئة. ومن خلال نقل بؤرة الاهتمام من “علم نفس الفرد المعزول” إلى “علم نفس الفرد في حيزه البيئي”، وضع سومر الأساس لمنهج معرفي ثوري يعتبر البيئة المشيدة شريكاً في تشكيل الهوية النفسية، ويمنح المستخدمين الحق الإنساني في بيئة مادية توفر لهم الدعم الانفعالي والأمان الوجودي، بدلاً من إخضاعهم المستمر لإملاءات معمارية قسرية تفكك روابطهم الجمعية.

2.2 التأثر بنظرية المجال والمناهج السلوكية البيئية

تأثرت البنية المفاهيمية لروبرت سومر بعمق بأطروحات عالم النفس البارز كورت ليفين (Kurt Lewin)، لا سيما نظريته الشهيرة في المجال (Field Theory)، وصيغته الرياضية-النفسية القائلة بأن السلوك هو دالة للتفاعل بين الشخص وبيئته: $B = f(P, E)$. أدرك سومر مبكراً أن الشق البيئي ($E$) في هذه المعادلة قد تعرض لإهمال شديد من قبل علماء النفس التجريبيين، الذين ركزوا معظم جهودهم على فك شفرات الشخصية والعمليات الإدراكية الداخلية ($P$)، مختزلين البيئة في محفزات معملية مصطنعة. ومن هذا المنطلق، كرس سومر أبحاثه لرد الاعتبار للبيئة الفيزيقية الواقعية بوصفها فضاءً ديناميكياً يمارس قوى جذب ودفع نفسية تؤثر على حركة الأفراد ومساراتهم السلوكية اليومية.

امتد هذا التأصيل النظري ليشمل استيعاب مفاهيم “علم النفس البيئي” (Ecological Psychology) التي طورها روجر باركر (Roger Barker)، وتحديداً مفهوم “البيئة السلوكية” (Behavior Setting). استلهم سومر من باركر فكرة أن بعض الأنماط السلوكية المنظمة ترتبط بمواقع مكانية وزمانية محددة بصرف النظر عن تباين الأفراد الموجودين داخلها؛ فالكنيسة، والمكتبة، وقاعة المحاضرات تفرض التزامات سلوكية تنبع من التنظيم المكاني نفسه. غير أن سومر تفوق على هذا المنظور البنيوي الصارم بإدخال البعد الميكرو-سوسيولوجي والديناميات النفسية الدقيقة، مبيناً كيف يعيد الأفراد داخل هذه البيئات السلوكية التفاوض حول مساحاتهم وحماية استقلاليتهم عبر تنظيمات مكانية تفاعلية مستمرة دون أن يحدثوا اضطراباً في النظام المكاني العام.

وظف سومر هذه الأطر النظرية لتطوير مناهج تجريبية وميدانية غير مسبوقة تقيس التباعد المكاني دون المساس بعفوية الموقف الطبيعي للمبحوثين. وبذلك، برهن على أولوية السياق الفيزيقي في تفسير الظواهر الإكلينيكية والاجتماعية التي كانت تُعزى خطأً إلى عوامل سيكولوجية داخلية بحتة. إن الفضاء الفيزيقي، وفق هذا المنظور الليفيني-الباركري الموسع، ليس مجرد وعاء خاوٍ، بل هو شبكة معقدة من القوى المادية والمعنوية التي توجه الإدراك البشري، وتحدد احتمالات اللقاء والافتراق، وتفرض على الأفراد ابتكار استراتيجيات تكيف مستمرة لإعادة التوازن لمجالهم النفسي والمكاني المعاش.

2.3 المقاربة المنهجية: من المعمل المغلق إلى الواقع المعاش

اتسمت المقاربة المنهجية لروبرت سومر بجرأة إبستيمولوجية رائدة تمثلت في التمرد على هيمنة التجارب المعملية المغلقة التي طالما عدها علم النفس الأكاديمي المعيار الذهبي الوحيد للصرامة العلمية. جادل سومر بأن حشر المبحوثين في بيئات معملية اصطناعية مفرغة من المعنى الاجتماعي يُلغي على الفور “الصلاحية البيئية” (Ecological Validity) لنتائج البحث، لأن السلوك الإنساني داخل المختبر ليس سوى رد فعل مصطنع على موقف اصطناعي. ولتجاوز هذه المعضلة، دعا سومر إلى اعتماد أسلوب البحث الميداني غير التداخلي (Unobtrusive Methods)، الذي يتيح ملاحظة السلوك التلقائي وتسجيله في سياقاته الطبيعية الفعلية، كالمطاعم، والمكتبات، وصالات الانتظار، والفصول الدراسية، دون أن يدرك المبحوثون أنهم تحت المجهر البحثي.

ابتكر سومر وطور أدوات استقصائية دقيقة، كان في مقدمتها تقنية “رسم الخرائط السلوكية” (Behavioral Mapping)، التي تتضمن توثيقاً بيانياً مفصلاً لمواضع الأفراد، واتجاهات أجسادهم، وأنماط حركتهم، ومسارات تواصلهم البصري واللفظي داخل حيز مكاني محدد على مدار فترات زمنية ممتدة. دمج سومر هذه التقنية بالملاحظة التشاركية الواعية، مستعيناً بالرسم التخطيطي والتسجيل غير اللفظي لردود الفعل الانفعالية والحركية، كالانحناء بعيداً عن الدخيل، أو تحريك الأطراف بتوتر، أو عقد الذراعين، بوصفها مؤشرات حساسة على الإحساس بالضيق الناجم عن التعدي المكاني. سمحت هذه الأدوات برصد الظواهر الاجتماعية في سيولتها الواقعية، متفادية الأخطاء المنهجية الناتجة عن رغبة المشاركين في إرضاء الباحثين في الاستبانات التقليدية.

نجح سومر في تحقيق معادلة صعبة وازنت بين الدقة العلمية الصارمة والصلة التطبيقية المباشرة بالمشكلات الواقعية المعقدة. لم تكن بياناته أرقاماً إحصائية جافة معزولة عن السياق، بل حقائق سلوكية قابلة للترجمة الفورية إلى مقترحات وتوصيات تصميمية ملموسة يستفيد منها المهندسون والمخططون. لقد أثبتت مقاربته المنهجية أن دراسة الواقع المعاش بطرق علمية غير تداخلية لا تقل دقة وموضوعية عن التجارب المعملية المحكومة، بل تتفوق عليها بقدرتها الاستثنائية على ملامسة جوهر السلوك الإنساني الحر في بيئته اليومية غير المصطنعة.

3. تأسيس علم النفس البيئي كحقل معرفي مستقل

3.1 إرهاصات ولادة التخصص الجديد في ستينيات القرن العشرين

شهد عقد الستينيات من القرن العشرين هزات اجتماعية وثقافية وفكرية عنيفة اجتاحت المجتمعات الغربية، حيث تصاعدت حركات الحقوق المدنية، والتمرد الطلابي، وحركات الحفاظ على البيئة الطبيعية، إلى جانب انتقادات حادة للتمدين العشوائي والوحشية البصرية للمشاريع الإسكانية الكبرى التي بنيت على الطراز الحداثي النفعي. في هذه الحقبة المضطربة، تعالت الأصوات المطالبة بإنسانية الفضاءات العامة وإعادة الاعتبار للمستخدم الإنساني في مواجهة تصاميم معمارية خرسانية باردة كانت تعكس نزعة تكنوقراطية استبدادية. أدرك قطاع من المفكرين والباحثين أن ثمة حاجة ملحة لصياغة لغة مفاهيمية جديدة تدمج الأبعاد الاجتماعية والنفسية مباشرة في صلب التخطيط المعماري، لإنقاذ المجتمعات الحضرية من الاغتراب والتفكك.

في هذا المناخ الفكري الخصب والمتوتر، تضافرت جهود روبرت سومر مع قلة من الرواد متعددي التخصصات، كان من بينهم وليم إيتلسون (William Ittelson)، وهارولد بروشانسكي (Harold Proshansky)، وليان ريفلين (Leanne Rivlin) في مركز الدراسات العليا بجامعة مدينة نيويورك، إلى جانب معماريين مستنيرين ومخططين حضريين. أثمرت هذه الحوارات المكثفة عن عقد لقاءات ومؤتمرات مشتركة هدفت إلى تحطيم العزلة بين علم السلوك وفن البناء، وتوج هذا المسار في عام 1968 بتأسيس جمعية أبحاث التصميم البيئي (Environmental Design Research Association – EDRA)، التي لعب فيها سومر دوراً قيادياً وتوجيهياً حاسماً. مثل تأسيس الجمعية الإعلان الرسمي عن ولادة “علم النفس البيئي” كحقل معرفي مستقل يمتلك مؤسساته، ومؤتمراته، وأدبياته البحثية المنهجية.

حدد سومر وزملاؤه الركائز الموضوعية الأولى لهذا التخصص الوليد، والتي تمحورت حول قضايا ظلت لعقود مهملة في البحث النفسي الكلاسيكي، مثل: الإدراك المكاني، وتأثيرات الزحام والكثافة السكانية على الصحة النفسية، وسيكولوجية الخصوصية، والإقليمية البشرية (Territoriality)، وتجربة الفضاء المعاش. لم يعد علم النفس البيئي مجرد اهتمام عابر، بل تحول إلى حركة فكرية إصلاحية نادت بضرورة إخضاع كل بيئة مشيدة للتقييم الدقيق وفق معايير تلبي الاحتياجات النفسية والانفعالية والاجتماعية للإنسان، مما أحدث تغييراً جذرياً في نظرة المجتمع الأكاديمي والمهني إلى الفضاءات الحضرية والمعمارية العامة والخاصة على حد سواء.

3.2 التباين الاصطلاحي: الفضاء الشخصي مقابل القربيات (Proxemics)

مع تزايد الاهتمام الأكاديمي بالمحددات المكانية للسلوك البشري في ستينيات القرن الماضي، تلاقت وطُرحت مقاربتان مركزيتان أسهمتا في صياغة هذا الحقل: مقاربة روبرت سومر السيكولوجية لمفهوم “الفضاء الشخصي” (Personal Space)، ونظرية “علم القربيات” أو “القربيات” (Proxemics) التي طورها عالم الأنثروبولوجيا الشهير إدوارد تي هول (Edward T. Hall) في كتابه التأسيسي “البُعد الخفي” (The Hidden Dimension) الصادر عام 1966. ورغم التقاطع الظاهري الكبير بين المفهومين في دراسة المسافات الجسدية بين البشر، فإن سومر حرص على توضيح التباينات الإبستيمولوجية والمنهجية الجوهرية التي تفصل بين منظوريهما بدقة وحصافة.

ركز إدوارد هول تركيزاً رئيسياً على المقاربة الأنثروبولوجية والثقافية العامة، مقسماً المسافات البينية إلى فئات معيارية ثابتة ومحددة بدقة هندسية (المسافة الحميمة، الشخصية، الاجتماعية، والعامة)، واعتبر أن هذه المسافات تحكمها قواعد وقوالب ثقافية جمعية لاواعية تختلف باختلاف الشعوب (مثل المقارنة بين الثقافات “عالية الاتصال” كالثقافات العربية واللاتينية، والثقافات “منخفضة الاتصال” كالثقافات الجرمانية والإسكندنافية). في المقابل، صاغ سومر مفهوماً أكثر حركية ومرونة وسيكولوجية؛ إذ نظر إلى الفضاء الشخصي بوصفه “فقاعة غير مرئية” ومتحركة ومتموضعة داخل العمليات السلوكية الميدانية والمواقف اليومية الدقيقة، محددةً وظائفها بالآليات الدفاعية والانفعالية العاجلة والتكيف الموقفي الفردي أكثر من ارتباطها بالأطر الثقافية التجريدية العامة.

تكمن فرادة سومر في تركيزه على المرونة الذاتية للفقاعة الشخصية؛ فهي ليست مسافة هندسية صلبة ومطلقة، بل كيان مطاطي ينبسط وينقبض وفقاً للحالة المزاجية للفرد، ومستوى التوتر والعدائية، وطبيعة المهمة المشتركة، والشخصية (انطوائية أو انبساطية). كما تقاطع هذا المفهوم لاحقاً مع أطروحات إروين ألتمان (Irwin Altman) حول الخصوصية، بوصفها عملية ديناميكية لضبط الحدود وتعديل المسافات التفاعلية باستمرار للحفاظ على التوازن النفسي. وبذلك، نقل سومر دراسة المسافات المكانية من الإطار الثقافي الساكن إلى الإطار السلوكي الديناميكي المرتبط مباشرة بالصراع الداخلي للفرد بين حاجته إلى التواصل ورغبته المشروعة في صون حدوده وأمانه الوجودي.

3.3 مأسسة الحقل في البرامج الجامعية والمناهج التدريسية

أدرك روبرت سومر مبكراً أن ترسيخ علم النفس البيئي كحقل مستدام يتطلب نقله من مجرد تنظيرات أكاديمية وندوات نخبوية إلى البنية المؤسسية للتعليم الجامعي. انطلق سومر بحماس لتطوير مقررات دراسية نوعية تجمع بين المعرفة السلوكية والتطبيقات التصميمية، فكان من أوائل من بادروا بإدخال مساقات علم النفس البيئي في كليات الآداب والعلوم الإنسانية، وفي الوقت ذاته داخل كليات الهندسة المعمارية والتخطيط الحضري. سعى سومر إلى نسف الأمية السلوكية لدى المعماريين، وفي المقابل تصحيح العمى المكاني لدى علماء النفس، من خلال إلزام طلبة الهندسة بقضاء ساعات طويلة في ملاحظة ردود الفعل الانفعالية لمرتادي المباني، وتعليم طلبة علم النفس كيفية قراءة المخططات المعمارية وفهم خطوط الرؤية والكتل الفراغية.

أثمرت هذه الرؤية عن تأهيل أجيال من الباحثين متعددي التخصصات الذين جمعوا بين عمق النظرة السيكولوجية ودقة الممارسة التصميمية. كما أسهم سومر إسهاماً محورياً في وضع المعايير المنهجية لـ “تقييم ما بعد الإشغال” (Post-Occupancy Evaluation – POE)، وهي الأداة البحثية التي تقيس أداء المبنى بعد تشغيله وسكنه لمعرفة مدى توافقه مع الاحتياجات الإنسانية لسكانيه وتحديد أوجه القصور التصميمي في وقت مبكر. جعل سومر من أسلوب (POE) ركيزة أساسية في مناهج التصميم، مما نقل تقييم المشاريع المعمارية من منطق الإبهار التشكيلي والمكافآت الترويجية إلى منطق الفاعلية السلوكية والأثر الصحي والانفعالي على البشر في حياتهم الواقعية.

امتد هذا التأصيل الأكاديمي ليتوج بتطوير أدلة ميدانية متخصصة ومقاييس سلوكية كمية ونوعية تدرس الفضاءات الحضرية الواسعة؛ كالميادين العامة، ومحطات المترو، والمجمعات الاستشفائية، والمكتبات الكبرى. وقد دأب سومر على نشر مقالات منهجية تدرب الطلاب والباحثين على رصد حركات الجسد، واستخدام المقاعد العامة، وتتبع أنماط النفور أو الألفة المكانية، مما جعل من علم النفس البيئي تخصصاً تطبيقياً راسخ الأركان يحظى بالاعتراف في المناهج الجامعية العالمية ويؤسس لقواعد مهنية لا غنى عنها في ممارسات البناء والتطوير الحضري المعاصر.

4. نظرية الفضاء الشخصي (Personal Space): الأبعاد والخصائص

4.1 تعريف الفضاء الشخصي ودينامياته السيكولوجية

يُعرّف روبرت سومر “الفضاء الشخصي” بأنه منطقة محيطة بجسد الفرد مباشرة تتميز بحدود غير مرئية، لا يجوز للآخرين اختراقها أو الدخول إليها دون تصريح ضمني أو صريح؛ وهي مساحة تتحرك مع الشخص أينما ذهب وتعتبر بمثابة امتداد فيزيقي لكيانه السيكولوجي. شدد سومر على أن الفضاء الشخصي ليس فراغاً سلبياً عارضاً، بل هو فضاء مشحون بالطاقة النفسية والانفعالية، وله خصائص ديناميكية فريدة تشبه “الفقاعة المطاطية” التي تمتد أو تتقلص تبعاً للسياقات الموقفية والاجتماعية التي يخوضها الفرد في تفاعلاته الوجودية اليومية.

تنهض هذه الفقاعة بوظيفة وقائية حاسمة؛ إذ تعمل كخط دفاع سيكولوجي وفيزيولوجي أولي يحمي الكائن البشري من التهديدات الجسدية المحتملة والتدخلات التطفلية المفاجئة، فضلاً عن تقليل وطأة التحفيز الحسي المفرط (Sensory Overload) الناتج عن روائح الآخرين، أو حرارة أجسادهم، أو ملامح وجوههم القريبة للغاية. إن الحفاظ على مسافة فاصلة يسمح للإنسان بمعالجة المعلومات البيئية والاجتماعية بقدر من الهدوء والاتزان، وتفادي استثارة الدوائر العصبية المرتبطة بالاستجابة لخطر وشيك، مما يجعل من الفضاء الشخصي درعاً تطورياً لا غنى عنه لصون السلامة النفسية والاستقرار العاطفي للأفراد.

علاوة على ذلك، يعمل الفضاء الشخصي كأداة تواصل غير لفظي غاية في البراعة والدقة؛ فهو يعكس بصدق طبيعة العلاقات الاجتماعية القائمة ومستوى الثقة أو الحذر بين أطراف التفاعل. إن تقليص المسافة طواعية يشير إلى الرغبة في التقارب، والألفة، والدفء العاطفي، في حين أن التراجع وتوسيع الفجوة المكانية يبعث برسائل صامتة تعبر عن البرود، أو التحفظ، أو الرفض الصريح للاحتكاك. وتتجلى مرونة هذا الفضاء في سرعة تمدده أثناء حالات التوتر والقلق والعداء بين الأفراد، وانكماشه الملحوظ في أوقات الاسترخاء والمشاركة الحميمة، مما يؤكد أنه بنية حية متغيرة باستمرار تحكمها ديناميات سيكولوجية عميقة تنظم وتيرة الحياة المشتركة.

4.2 العوامل المحددة لأبعاد الفضاء الشخصي

تتحدد أبعاد الفضاء الشخصي وفق شبكة بالغة التعقيد من المتغيرات الفردية والاجتماعية والموقفية. يأتي في مقدمة هذه العوامل الفروق الفردية وسمات الشخصية؛ حيث بينت دراسات سومر وتجاربه أن الأشخاص الذين يتسمون بالانطوائية والتحفظ يميلون إلى الحفاظ على مسافات بينية أوسع بكثير مقارنة بالأشخاص الانبساطيين الاجتماعيين الذين يتقبلون الاقتراب الجسدي بسهولة. كما يلعب مستوى تقدير الذات والأمان الداخلي دوراً حاسماً؛ فالأفراد الذين يعانون من ضعف الثقة بالنفس، أو يحملون نزعات ارتيابية وشكوكاً حيال الآخرين، يحيطون أنفسهم بفقاعات مكانية واسعة كآلية تحصين استباقية ضد أي تجريح أو تهديد متخيل.

يعد النوع الاجتماعي متغيراً مفصلياً آخر في تشكيل مسافات الفضاء الشخصي؛ إذ أظهرت الملاحظات الميدانية أن المسافات البينية المتبعة في التفاعل بين رجلين تكون في العادة أوسع من المسافات القائمة بين امرأتين، حيث يتقبل النساء التفاعل ضمن حيزات أقرب دلالةً على الألفة وتبادل الدعم العاطفي، بينما تحكم تفاعلات الرجال قواعد دفاعية ترتبط بالتوجس والمنافسة الرمزية على الفضاء. أما في التفاعلات المختلطة بين الجنسين، فإن الأبعاد تتغير جذرياً اعتماداً على مستوى التعارف والجاذبية المتبادلة والضوابط الاجتماعية التي تنظم حدود الاحتكاك المشروع في الفضاءات المفتوحة والمغلقة.

تؤثر عوامل السن، والطبقة الاجتماعية، والحالة الإكلينيكية تأثيراً مباشراً في هندسة هذا الفضاء غير المرئي. فالأطفال الصغار يمتلكون فضاءات شخصية غير متمايزة بشكل واضح، ثم يزداد اتساع هذه الحدود تدريجياً مع النضج حتى تصل إلى ذروتها في مرحلة المراهقة والشباب. وفي المقابل، أظهرت أبحاث سومر على المصابين بمرض الفصام واضطرابات القلق الحاد تشوهاً ملحوظاً في إدراك هذه الحدود؛ حيث تضخمت مساحاتهم الشخصية بصورة مفرطة، وأبدوا ذعراً شديداً من أي اقتراب عابر اعتبروه انتهاكاً كارثياً لكيانهم، مما يؤكد أن سلامة إدراك الفضاء الشخصي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بسلامة الجهاز العصبي والتوازن النفسي العام للفرد.

4.3 الانتهاك المكاني واستجابات التوتر والانسحاب

يؤدي اختراق الفضاء الشخصي دون مسوغ أو قبول متبادل إلى سلسلة فورية من الاضطرابات الفسيولوجية والانفعالية العنيفة. يُشعل الدخول غير المصرح به إلى “الفقاعة” المحمية حالة من الاستنفار العصبي التلقائي؛ فيتسارع نبض القلب، وترتفع معدلات التوصيل الكهربائي للجلد (Galvanic Skin Response)، ويُفرز هرمون الأدرينالين والضغط النفسي في الدم نتيجة استثارة الجهاز العصبي الودي الذي يتعامل مع الدخيل كتهديد بيولوجي محتمل يستوجب الكر أو الفر. تتولد لدى الشخص المنتهَك مشاعر فورية بالضيق الشديد، والتوتر العضلي، وتشتت الانتباه، والعجز عن مواصلة التفكير المتسق.

في مواجهة هذا الانتهاك الفج، يلجأ الأفراد فوراً إلى سلوكيات تعويضية تكيفية غايتها استعادة التوازن النفسي دون التورط في اشتباك عنيف مباشر. تتضمن هذه السلوكات التراجع التلقائي للوراء، وتحويل الجسد جانبياً بزاوية انحراف تقلل من المواجهة المباشرة، وتجنب التواصل البصري بالنظر بعيداً أو التحديق في الفراغ أو شاشات الهواتف كنوع من الانسحاب النفسي المؤقت. كما يعمد الشخص المنتهَك إلى استخدام لغة الجسد الدفاعية؛ مثل عقد الذراعين على الصدر، أو شد الرقبة، أو وضع اليدين على الوجه، لخلق حاجز جسدي رمزي يفصل بينه وبين الدخيل الذي يفرض وجوده المكاني بالقوة.

وإذا استمر الانتهاك المكاني دون قدرة على التراجع أو الردع، تتصاعد استجابات التوتر لتصل إلى الانسحاب الفيزيقي الكامل، حيث يفضل الضحية مغادرة المكان والفرار من الموقف برمته حفاظاً على ما تبقى من استقراره النفسي. وقد أثبتت دراسات سومر أن التعرض المزمن للانتهاكات المكانية المتكررة—كما يحدث في وسائل النقل المكتظة، أو السجون غير الإنسانية، أو مقرات العمل المكشوفة التي تنعدم فيها الحواجز—يؤدي على المدى الطويل إلى إجهاد سيكولوجي منهك يتجلى في الصداع النصفي، وارتفاع ضغط الدم، والاحتراق النفسي، وتراكم العدوانية الكامنة التي قد تنفجر في سلوكيات عنيفة غير متوقعة عند أقل احتكاك عابر.

5. التجارب الميدانية على التعدي المكاني والدفاع عن الحيز

5.1 تجارب مكتبات الجامعات: الدفاع عن الطاولات الفردية

تعد تجارب روبرت سومر الميدانية التي أجراها في مكتبات الجامعات، لا سيما في جامعتي كانساس وكاليفورنيا في ديفيس، من كلاسيكيات علم النفس الاجتماعي وأكثرها تأثيراً في فهم الإقليمية البشرية الصغرى. استغل سومر الهدوء المفروض داخل قاعات المطالعة وطبيعة طاولات الدراسة الموزعة لدراسة ردود أفعال الطلاب حيال الاختراق المتعمد لمساحاتهم الشخصية. كان التصميم التجريبي بارعاً في بساطته وميدانيته؛ حيث كان الباحث المتواطئ يدخل بهدوء، ويتجاهل عشرات المقاعد الشاغرة في القاعة، ليتجه عمداً إلى طالب يجلس وحيداً على طاولة دراسة فارغة، ويجلس إما بجانبه مباشرة أو في المقعد المقابل له وجهاً لوجه، مخالفاً بذلك الأعراف المكانية الضمنية التي تفرض ترك مسافة شاغرة ما دامت المساحة تسمح بذلك.

كشفت التجربة عن ترسانة مذهلة من الاستراتيجيات التي يستخدمها البشر لترسيم حدودهم وحمايتها. قبل حدوث الاختراق، لاحظ سومر لجوء الطلاب إلى استخدام “العلامات الإقليمية” (Territorial Markers)؛ مثل نشر الكتب المفتوحة، ووضع المعاطف، والحقائب، والمساطر على أطراف الطاولة لخلق حدود اصطناعية تصد المتسللين وتوحي بأن الحيز بأكمله محجوز ومملوك رمزياً. وعندما يتجاهل الدخيل هذه الإشارات ويقتحم الحيز، تبدأ متوالية دفاعية سلوكية واضحة المعالم: تبدأ بنظرات استنكار سريعة يرمق بها الطالب الدخيل، تليها حركات تململ وتقليب عصبي لصفحات الكتب، ثم سحب الدفاتر والأقلام نحو الصدر كإجراء تحصيني.

مع استمرار وجود الدخيل بالقرب المباشر، تحول التململ إلى حالة عجز معرفي؛ إذ أظهرت الملاحظات تدنياً دراماتيكياً في قدرة الطلاب على مواصلة القراءة المركزة، وزيادة في تكرار التثاؤب العصبي وتحريك الأقدام. وفي غضون فترات زمنية تراوحت بين خمس دقائق إلى نصف ساعة، استسلمت الغالبية الساحقة من الطلاب للضغط النفسي غير المحتمل وقاموا بجمع أشيائهم ومغادرة الطاولة بحثاً عن مكان آخر، دون أن يجرؤ أحد منهم على مواجهة الدخيل شفهياً وطلب ابتعاده. أثبت سومر من خلال هذه التجربة الرائدة أن الصمت المكتبي ليس بالضرورة دليلاً على التركيز، وأن التعدي المكاني يمارس عنفاً رمزياً خفياً يعطل الإنتاجية الذهنية ويجبر الأفراد على الهروب من الفضاء العام لحماية اتزانهم الداخلي.

5.2 ترتيبات الجلوس وديناميات التفاعل الجماعي

وسّع سومر نطاق تجاربه الميدانية ليدرس بعمق الكيفية التي توجه بها ترتيبات الجلوس ونوعية الأثاث ديناميات التفاعل الجماعي، والتواصل اللفظي، وبروز القيادة داخل المجموعات الصغيرة. أجرى دراسات مقارنة بالغة الدقة حول أثر استخدام الطاولات المستديرة في مقابل الطاولات المستطيلة والمربعة على سلوك المشاركين. وتوصل إلى أن الطاولات المستطيلة تعزز بطبيعتها الهندسية تراتبية السلطة وتكرس الهيمنة؛ فالشخص الجالس على رأس الطاولة ينال تلقائياً موقع الصدارة والسيطرة البصرية، ويُنظر إليه من قبل الآخرين كقائد للمجموعة، وتتجه إليه النسبة الكبرى من المداخلات والملاحظات، مما يضعف التكافؤ الديمقراطي في النقاش.

في المقابل، أثبت سومر أن الطاولات المستديرة تخلق بيئة ديمقراطية ومحفزة على التفاعل المتوازن، حيث تلغي الفوارق التراتبية وتتيح خطوط رؤية متساوية بين جميع المشاركين، مما يرفع وتيرة تبادل الأفكار بيسر دون احتكار فردي للحوار. كما حلل سومر بدقة “مواضع الجلوس المفضلة” تبعاً لطبيعة المهمة المطلوبة بين فردين:

  • الجلوس الركني (Corner-to-corner): يُفضل بشدة للمحادثات الودية العفوية لما يوفره من تقارب جسدي دون فرض مواجهة بصرية متواصلة وضاغطة.
  • الجلوس جنباً إلى جنب (Side-by-side): يختاره الأفراد طواعية عند العمل في مهام تعاونية تتطلب تشارك الأوراق والمواد دون وجود مسافة حائلة.
  • الجلوس المتقابل وجهاً لوجه (Face-to-face): يُوظف في المواقف التنافسية أو الرسمية لما يفرضه من مواجهة بصرية حادة تكرس الانفصال وتسهل رصد انفعالات الطرف الآخر وتحديه.

قادت هذه الاستنتاجات العلمية إلى وضع مبادئ حاسمة في تصميم المساحات المكتبية وقاعات الاجتماعات؛ إذ ميز سومر بين التصاميم “الطاردة للمجتمع” (Sociofugal Spaces) التي تفرق الأفراد وتدفعهم نحو العزلة (كالصفوف المستقيمة للمقاعد المثبتة في الأرض بظهورها لبعضها في محطات القطارات)، والتصاميم “الجالبة للمجتمع” (Sociopetal Spaces) التي تقرب الأفراد وتيسر تواصلهم التلقائي (كالترتيبات الدائرية وشبه الدائرية المريحة). وبذلك، برهن سومر على أن هندسة الأثاث ليست شأناً شكلياً عابراً، بل هي المحدد الخفي للتماسك الاجتماعي وقنوات التواصل البشري داخل أي منظمة أو مؤسسة إنسانية.

5.3 أخلاقيات القياس والتجريب في الأماكن العامة

أثارت التجارب الميدانية الجريئة التي قادها روبرت سومر نقاشات ساخنة ومعمقة في أوساط علماء النفس الأخلاقيين حول حدود التجريب السلوكي في الفضاءات العامة دون موافقة مستنيرة مسبقة (Informed Consent) من المبحوثين. جادل بعض النقاد بأن تعمد اختراق الفضاء الشخصي للأفراد في المكتبات أو الحدائق العامة واستثارة توترهم وتضييق الخناق عليهم حتى إجبارهم على المغادرة يمثل انتهاكاً لحقهم الطبيعي في الراحة والخصوصية، ويضع الباحثين في موضع المتلصصين أو المعتدين الذين يمارسون تلاعباً غير مبرر بمشاعر الناس في مواقف حياتهم الحقيقية العفوية.

رد سومر على هذه الاعتراضات الأخلاقية بحصافة منهجية ودفاع مبدئي راسخ؛ حيث أكد أن جوهر الظاهرة المدروسة يكمن في عفويتها التامة، وأن إعلام المبحوثين مسبقاً أو أخذ موافقتهم المعملية كفيل بالقضاء تماماً على الصدق البيئي للتجربة، وتحويل سلوكهم التكيفي الطبيعي إلى تمثيل مصطنع يخضع للرغبة الاجتماعية أو التحفز الواعي. وشدد سومر على أن تجاربه التزمت بأعلى معايير “الحد الأدنى من الضرر” (Minimal Risk)؛ إذ لم تتضمن أي إهانة جسدية أو لفظية، ولم تلحق أي أذى نفسي دائم بالمشاركين، بل اقتصرت على محاكاة احتكاكات يومية مألوفة يتعرض لها كل إنسان مراراً في حياته الحضرية العادية عند ارتياده للأماكن العامة المزدحمة.

كما حرص سومر في كافة أبحاثه على ضمان السرية المطلقة للمبحوثين، متجنباً تصوير الوجوه أو نشر أي بيانات تدل على هوياتهم الشخصية، ومانعاً تتبع الأفراد بعد مغادرتهم مكان التجربة. وقد أسهمت السجالات التي خاضها سومر في نضج وتطوير لجان المراجعة المؤسسية (IRB) في الجامعات الأمريكية، حيث جرى الاعتراف بشرعية الدراسات الميدانية القائمة على الملاحظة الطبيعية غير التداخلية في الأماكن العامة، شريطة الالتزام بحماية الكرامة الإنسانية واستثمار النتائج في تفكيك آليات القمع المكاني وتصميم بيئات عامة أكثر عدالة واحتراماً لراحة مستخدميها.

6. العمارة الصلبة (Hard Architecture) وأنسنة البيئات المبنية

6.1 مفهوم العمارة الصلبة وخصائصها السلبية

صاغ روبرت سومر مصطلح “العمارة الصلبة” (Hard Architecture) في سبعينيات القرن العشرين ليصف به نزعة معمارية وتصميمية متسلطة راجت في تلك الحقبة، قامت على تصميم المباني والمرافق العامة لمقاومة التخريب (Vandalism)، وتعظيم السيطرة الأمنية، وتقييد التحكم البشري للمستخدمين إلى أقصى حد ممكن. تتسم هذه العمارة بالاعتماد المفرط على مواد فجة وقاسية كالجدران الخرسانية العارية والمسلحة، والأسطح المعدنية الباردة، والأرضيات الصلبة عديمة الدفء، والمقاعد البلاستيكية أو الخشبية القاسية المثبتة بقوة في الأرض لتمنع تحريكها أو تغيير اتجاهها، فضلاً عن النوافذ الضيقة المغلقة بإحكام التي تحجب الهواء الطبيعي، والإضاءة الفلورية الفجة التي تسلط ضوءاً مبهراً لا يرحم.

رأى سومر أن الخطورة الكبرى للعمارة الصلبة لا تقف عند حدود قبحها الجمالي أو قسوتها المادية، بل تكمن في الرسائل السيكولوجية الضمنية شديدة العدائية التي تبثها في نفوس مستخدميها. إن هذه المباني تصرخ صراحة في وجه قاطنيها: “نحن لا نثق بكم، أنتم مجرمون أو مخربون محتملون، ولا حق لكم في تعديل هذا الفضاء أو تكييفه مع راحتكم!”. إنها عمارة تسعى إلى “تشييء” الإنسان وإلغاء فاعليته واستقلاليته، محولة إياه من كائن خلاق صانع لبيئته إلى مجرد عنصر سلبي يُقاد ويُحصر في مسارات محددة سلفاً تخدم فقط راحة أجهزة الصيانة والبيروقراطيات الإدارية وأجهزة الرقابة الأمنية.

أثبت سومر عبر دراسات ميدانية وتحليلات مقارنة أن العمارة الصلبة تؤدي حتماً إلى نتائج عكسية مدمرة تتناقض تماماً مع الأهداف الأمنية المعلنة لمصمميها. فالبيئة التي تعامل مستخدميها بانعدام ثقة وتفرض عليهم نمطاً قسرياً تولد في نفوسهم مشاعر حادة بالاغتراب والامتهان، مما يحفز الرغبة الانتقامية والعدوانية الكامنة تجاه الفضاء المشيد. إن محاولات حماية الأبنية بالمزيد من التصلب والتحصين الخرساني لا تمنع التخريب، بل تتحداه وتغذيه؛ إذ يلجأ المستخدمون المغتربون إلى كسر ما صُمم لكي لا يُكسر، وتشويه الجدران بالكتابات والخدوش كصرخة احتجاج رمزية ضد بيئة مادية تُنكر عليهم وجودهم الإنساني وتتعامل معهم كغرباء معتدين.

6.2 استراتيجيات ‘العمارة اللينة’ وأنسنة الفضاء

في مقابل قسوة العمارة الصلبة، نظر روبرت سومر ودعا بحماس إلى تبني مفهوم “العمارة اللينة” (Soft Architecture) أو “البيئات اللينة” (Soft Environments)، وهي فلسفة تصميمية تقدمية تنطلق من مبدأ الثقة المسبقة في المستخدم واحترام كرامته واستقلاليته النفسية. تُعرف البيئة اللينة بأنها الفضاء المرن الذي يمنح الأفراد القدرة على تخصيصه، وتعديله، وإعادة ترتيب عناصره بما يتوافق مع تفضيلاتهم الذاتية المتغيرة واحتياجاتهم الاجتماعية؛ كاستخدام مقاعد وأثاث خفيف قابل للتحريك، وتوفير ستائر يمكن فتحها للتحكم في الضوء الطبيعي، وإتاحة منظمات حرارة قابلة للتعديل، والسماح للمستخدمين بتعليق الصور واللوحات وإعادة طلاء مساحاتهم بما يضفي عليها بصمتهم الشخصية الفريدة.

تشدد استراتيجيات العمارة اللينة على الدمج الحيوي للعناصر الطبيعية داخل الفضاءات المبنية؛ حيث دعا سومر إلى إدخال النباتات الحية، والضوء الطبيعي، والمواد العضوية كالأخشاب والأقمشة المريحة، والتهوية المفتوحة، وهي المبادئ التي تتقاطع اليوم مع نظريات “التصميم الحيوي” أو البيوفيليا (Biophilia). إن وجود النباتات والمواد الدافئة لا يضفي قيمة جمالية منعشة فحسب، بل يبعث برسالة نفسية ضمنية مفادها أن هذا المكان ينبض بالحياة والرعاية، مما يحث المستخدمين لا شعورياً على مبادلة المكان رعاية برعاية، والحرص على نظافته وصيانته بدلاً من تخريبه، مستبدلين مشاعر العدائية بمشاعر الألفة والانتماء العميق.

دحض سومر الحجج الاقتصادية التقليدية التي يروج لها المدافعون عن العمارة الصلبة بزعم أنها أقل تكلفة في الصيانة؛ وأثبت بالأرقام والدراسات أن الاستثمار في بيئات لينة إنسانية يحقق جدوى اقتصادية واجتماعية تفوق بمراحل تكاليف التصميم الأمني الصرف. فالبيئات اللينة تخفض نفقات استبدال الأثاث المدمر نتيجة انحسار التخريب المتعمد، وتقلل من معدلات التغيب والإصابة بالأمراض المرتبطة بالإجهاد في بيئات العمل والتعليم، وترفع مستويات الإنتاجية والرضا العام. إن أنسنة الفضاء المعماري ليست رفاهية تزيينية مستهلكة، بل استثمار استراتيجي وقائي يضمن استدامة المباني ويحولها إلى محاضن دافئة تدعم النمو والتماسك الاجتماعي.

6.3 أثر البيئة الفيزيقية على الصحة العقلية والكرامة الإنسانية

قدم روبرت سومر مساهمة تأسيسية بالغة الأهمية في توضيح الترابط العضوي بين التصميم الفيزيقي للأبنية والصحة العقلية والنفسية لقاطنيها، رافضاً النظرة الساذجة التي تعتبر المعمار مجرد قشور جمالية لا تؤثر في جوهر النفس الإنسانية. بين سومر أن التعرض المتواصل لبيئات صلبة، رمادية، مفرغة من المشاعر، تنعدم فيها الخصوصية وتغيب عنها إمكانية التحكم الشخصي، يغرس في نفوس الأفراد حالة مرضية خطيرة تُعرف في علم النفس بـ “العجز المكتسب” (Learned Helplessness). يجد الإنسان نفسه عاجزاً عن تغيير أدنى عنصر في محيطه المادي—فلا هو قادر على خفض ضوء يزعجه، ولا فتح نافذة يخنقه غلقها، ولا تحريك مقعد ليحادث صديقاً—مما يولد شعوراً مزمناً بالشلل واللاجدوى ينسحب تدريجياً على سائر مجالات حياته الإرادية وعلاقاته الإنسانية.

في المقابل، أكد سومر أن المساحات المصممة بعناية واحترام تعزز مشاعر الكرامة المتأصلة وتقدير الذات لدى الأفراد؛ فالمبنى الذي يعترف بإنسانية مستخدمه عبر توفير مقاعد مريحة، وزوايا للتأمل الهادئ، ومسارات لحركة يسيرة، ومنافذ لضوء الشمس، يمنح الإنسان شعوراً عميقاً بالأمان والاعتراف بقيمته ككائن يستحق الراحة والاحترام. أجرى سومر دراسات مقارنة رصينة قاست مستويات التوتر المزمن (Chronic Stress) بين أفراد يعيشون ويعملون في بيئات صلبة وآخرين في بيئات لينة مرنة؛ وسجلت أبحاثه انخفاضاً حاداً في مؤشرات الضغط النفسي، وتراجعاً في النزاعات البينية، وارتفاعاً كبيراً في المشاعر الإيجابية والرغبة في التعاون لدى قاطني البيئات الإنسانية المفتوحة واللينة.

خلص سومر من خلال هذه المقارنات إلى حقيقة أن المعمار هو ممارسة سياسية وأخلاقية ذات بعد حقوقي أصيل؛ فالفضاءات المبنية إما أن تكون أدوات قمع وإخضاع تُهدر الكرامة الإنسانية وتشوه النفس البشرية، أو أن تكون فضاءات تحررية تدعم الصحة العقلية وتستنهض الطاقات الإبداعية. إن الدفاع عن حق الإنسان في بيئة مشيدة تعامله باحترام وتلبي حاجاته السيكولوجية لم يكن عند سومر مجرد ترف مهني أو أكاديمي، بل قضية عدالة اجتماعية محورية ترتبط في جوهرها بصون الإنسانية المشتركة في مواجهة قوى التشييء والتنميط الحضري المعاصر.

7. إصلاح البيئات المؤسسية: المصحات النفسية والسجون

7.1 دراسات مستشفيات الطب النفسي وإلغاء الطابع المؤسسي

شهدت مستشفيات الطب النفسي في خمسينيات وستينيات القرن العشرين واحدة من أعمق الدراسات الميدانية النقدية التي قادها روبرت سومر بالتعاون مع همفري أوزموند، والتي وجهت ضربة موجعة للنموذج التصميمي التقليدي لتلك المصحات. وجه سومر نقداً لاذعاً للمنظومة المعمارية السائدة القائمة على ممرات طويلة مستقيمة خالية من أي ملمح جمالي، وعنابر نوم جماعية مفتوحة، وصالات معيشة مشتركة ضخمة وباردة. وأكد أن هذه العمارة لم تكن موجهة لعلاج المرضى العقليين أو تحسين أحوالهم، بل صُممت لتسهيل المراقبة الطبية والأمنية الضاغطة وتقليل تكاليف الإدارة والصيانة، مما حول تلك المصحات إلى مستودعات بشرية خانقة تعمق عزلة المرضى وتفاقم تدهورهم المعرفي والانفعالي.

ركز سومر في تجاربه الشهيرة على تحليل صالات الانتظار والمعيشة المشتركة داخل تلك المستشفيات؛ حيث لاحظ أن المقاعد كانت تُرتب بصرامة على امتداد الجدران في صفوف طويلة متلاصقة تطل على فراغ الصالة الأوسط الفارغ. أسفر هذا الترتيب “الطارد للمجتمع” عن نتيجة مأساوية؛ إذ كان المرضى يجلسون لساعات طويلة متجاورين بأكتافهم دون أن يتبادلوا كلمة واحدة، عاجزين عن إقامة أي تواصل بصري مريح، بينما يحدق الجميع في الجدار المقابل في حالة ذهول وتراجع حاد. بادر سومر إلى إجراء تدخل تصميمي وسلوكي بالغ البساطة لكنه ثوري النتائج؛ حيث قام بإعادة ترتيب المقاعد في مجموعات صغيرة دائرية وشبه دائرية حول طاولات منخفضة دافئة تضم مجلات وزهوراً مجتلبة من الطبيعة.

أحدث هذا التعديل المكاني البسيط تحولاً مذهلاً في سلوك المرضى، إذ تضاعفت وتيرة المحادثات التلقائية والتفاعلات الاجتماعية الإيجابية بين المقيمين بنسب غير مسبوقة، وتراجعت وتيرة نوبات الهياج العصبي والسلوك الانسحابي الحاد. أثبت سومر أن ترتيب الأثاث والتحكم في المسافات البينية يمثل بحد ذاته “أداة علاجية” (Therapeutic Tool) لا تقل فاعلية عن التدخلات الدوائية. كما شكلت كتاباته وتحليلاته رافداً أساسياً لحركات “إلغاء الطابع المؤسسي” (Deinstitutionalization) التي اجتاحت العالم الغربي في السبعينيات، مطالبة بهدم المصحات المغلقة العملاقة والاستعاضة عنها بمراكز علاجية ومجتمعية صغيرة، دافئة، وإنسانية توفر للمرضى الخصوصية والسيطرة على فضاءاتهم بما يسرع مسارات تعافيهم واندماجهم في المجتمع.

7.2 علم النفس العقابي وتحليل تصاميم السجون

وجّه روبرت سومر اهتمامه النقدي الصارم نحو دراسة المؤسسات العقابية ونماذج السجون ذات الإجراءات الأمنية المشددة (Maximum-Security Prisons)، ليصبح من رواد حقل “علم النفس العقابي” المعماري. حلل سومر العمارة العقابية السائدة بوصفها النموذج الأكثر فجاجة للعمارة الصلبة؛ حيث تعتمد الزنازين الخرسانية المعتمة، والأبواب الفولاذية الصامتة، والمراقبة البانوبتيكية التي تجعل السجين مكشوفاً في كل لحظة دون أدنى هامش للخصوصية أو الانعزال الاختياري. وأكد أن هذه التصاميم القاسية تتجاوز هدف العقوبة القانونية المشروع بسلب الحرية الحركية، لتتحول إلى عقوبة سيكولوجية انتقامية تمارس تجريداً حسياً مدمراً وتشويهاً متعمداً للهوية الإنسانية للنزيل.

توقف سومر بعمق عند الآثار النفسية الكارثية الناتجة عن ممارسات الحبس الانفرادي داخل زنازين إسمنتية ضيقة تُشبه الصناديق المحكمة؛ وأثبت أن الحرمان المكاني والحسي والاجتماعي يولد أعراضاً ذهانية حادة؛ مثل الهلاوس السمعية والبصرية، ونوبات الذعر، وفقدان الإحساس بالزمن والواقع، فضلاً عن تدمير القدرة على التواصل البشري الطبيعي. كما درس سومر ظاهرة “التكدس المكاني” في العنابر العامة؛ موضحاً أن حشر السجناء في مساحات ضيقة تقل كثيراً عن معايير الفضاء الشخصي الطبيعية يُشعل حالة دائمة من الاستنفار العصبي والتحفز الدفاعي، مما يرفع بشكل حاد معدلات العنف الدموي، والشجارات الطاحنة، وحوادث الانتحار بين النزلاء الذين يفقدون أي وسيلة للهروب من الاحتكاك القسري المتواصل.

اقترح سومر بدائل تصميمية رائدة للسجون توازن بدقة بين متطلبات الأمان المؤسسي الضرورية والحفاظ على الكرامة الإنسانية للنزلاء؛ مثل استبدال القضبان الفولاذية الكئيبة بمواد أمنية حديثة وأقل عدائية بصرية، وإدخال الضوء الطبيعي والهواء النقي إلى الزنازين، وتوفير مقاعد وغرف لقاء عائلية دافئة، وتصميم وحدات معيشية صغيرة (Pods) تسمح للسجناء بدرجة من التحكم في محيطهم المباشر. دافع سومر عن فكرة أن السجن يجب أن يكون بيئة لإعادة التأهيل والترميم الإنساني وليس مصنعاً لإنتاج الوحشية؛ مؤكداً أن السجين الذي يُعامل كحيوان محبوس في قفص خرساني صلب سيخرج إلى المجتمع كائناً مشوهاً حاقداً، بينما توفير فضاء فيزيقي إنساني ومحترم يعزز فرص إعادة إدماجه ونجاحه كعضو نافع في المجتمع.

7.3 تحويل البيئات العلاجية والإصلاحية إلى مجتمعات علاجية

لم يكتفِ سومر بتشخيص العلل البنيوية للمصحات والسجون، بل صاغ نماذج عملية لتحويل هذه البيئات المغلقة من مؤسسات عقابية وقمعية إلى “مجتمعات علاجية” (Therapeutic Communities) حية تشارك في شفاء قاطنيها وتأهيلهم. كان المبدأ الجوهري في هذه الفلسفة التحويلية يقوم على “المشاركة النشطة”؛ حيث أصر سومر على ضرورة إشراك النزلاء والمرضى أنفسهم في عمليات إعادة تصميم وتأثيث وطلاء محيطهم المكاني والجمالي، معتبراً أن منح الإنسان القدرة على ترك بصمته المادية على جدران غرفته وأروقة مؤسسته يكسر مشاعر السلبية واللاجدوى، ويغرس في وجدانه إحساساً بالمسؤولية والملكية النفسية التي تشكل عماد التعافي السلوكي.

نادى سومر بإلغاء الحواجز المعمارية غير الضرورية التي تفصل تقليدياً بين الموظفين والمقيمين؛ مثل الأكشاك الزجاجية المضادة للرصاص والمكاتب المرتفعة التي تكرس الريبة والعداء بين حراس السجون والسجناء، أو بين الممرضين والمرضى النفسيين. واقترح إحلال مناطق لقاء مشتركة ومفتوحة تعزز الاحتكاك الإنساني التلقائي وتقلل من توتر الترقب والتربص المتبادل. كما شدد على ضرورة دمج ورش العمل المهنية، والحرف اليدوية، والحدائق الزراعية المفتوحة ضمن المخطط المكاني للمؤسسات، ليتسنى للمقيمين ممارسة أنشطة بدنية منتجة تُعيد ربطهم بالطبيعة وتمنحهم إحساساً بالإنجاز اليومي الملموس الذي يرمم كرامتهم المهدرة.

أثبتت التقييمات السلوكية التي أجراها سومر وفريقه في المؤسسات التي تبنت هذه التعديلات التحويلية نجاحاً باهراً؛ حيث أظهرت المؤشرات تراجعاً حاداً في مستويات التوتر المؤسسي، وانخفاضاً دراماتيكياً في وتيرة الاعتداءات على الحراس والكوادر الطبية، وتقلصاً في الحاجة لاستخدام المهدئات الكيميائية أو أدوات التقييد الجسدي، وتدني معدلات الانتكاس بعد خروج المقيمين. لقد برهن روبرت سومر عملياً على أن البيئة المعمارية ليست حاوية محايدة، بل هي عنصر فعال في المعادلة الأخلاقية والشفائية؛ وأن التحول من منطق القمع الخرساني إلى منطق الرعاية الإنسانية كفيل بإحياء الأمل في أكثر المواقع السلوكية عتمة وتأزماً في المجتمع البشري الحديث.

8. سيكولوجية الفضاءات التعليمية وتصميم الفصول الدراسية

8.1 نقد الفصول الدراسية التقليدية ونموذج ‘الصف المستقيم’

كرس روبرت سومر جانباً كبيراً من أبحاثه الميدانية لدراسة البيئات التعليمية، وشن حملة نقدية واسعة النطاق ضد نموذج الفصول الدراسية التقليدية السائد في المدارس والجامعات، والذي أسماه نموذج “الصف المستقيم” (Straight-Row Classrooms). بين سومر أن هذا النموذج المعماري لم يُبتكر لتحفيز العقول أو تشجيع الإبداع، بل هو نتاج مباشر للثورة الصناعية في القرن التاسع عشر التي صممت المدارس على غرار المصانع وثكنات الجيوش؛ حيث تُرصف المقاعد الخشبية القاسية في صفوف متوازية مستقيمة ومتصلبة، مثبتة في الأرض في أغلب الأحيان، وتتجه جميعها بصورة قسرية نحو منصة المعلم المرتفعة وسبورته في صدارة الغرفة.

أجرى سومر تحليلاً سلوكياً بالغة الدقة لتوزيع المشاركة والتفاعل داخل هذه الفصول، واستخلص مفهوماً أصبح من ركائز علم النفس التعليمي هو “منطقة المشاركة النشطة” (Zone of Active Participation أو The Front-and-Center Effect). لاحظ سومر أن المشاركة الطلابية الفعالة، وطرح الأسئلة، والتركيز البصري مع الأستاذ تنحصر بنسبة تفوق 70% في الطلاب الجالسين في الصفين الأولين وفي المقاعد الوسطى المواجهة مباشرة لمنصة التدريس. في المقابل، يتحول الطلاب الجالسون في أطراف الفصل ومؤخرته إلى فئات هامشية معزولة تعاني من ضعف الاستيعاب، وتستسلم سريعاً للشرود الذهني والملل السلوكي؛ نظراً لأن الفضاء المادي يُشعرهم بأنهم خارج نطاق التأثير والتفاعل الحي مع المعلم.

أشار سومر إلى أن هذا التصلب المعماري يعوق تماماً التعلم التفاعلي والتواصل الأفقي؛ إذ يجلس الطلاب متطلعين إلى ظهور زملائهم ورؤوسهم دون القدرة على تبادل النظرات أو محاورة أقرانهم، مما يرسخ سلطة أحادية علوية تفرض تدفق المعلومات في اتجاه واحد من المعلم “الملقِّن” إلى الطالب “المتلقي السلبي”. إن ثبات المقاعد في الأرض وصلابتها يمنع المعلمين من تغيير أنشطتهم التعليمية، ويولد مقاومة لاواعية للابتكار التربوي، فارضاً جموداً حركياً ينعكس على البنية الإدراكية للطلاب، ويحول الفصل الدراسي إلى بيئة خانقة تقمع الفضول وتكرس الرضوخ والامتثال الصامت لدى الأجيال الناشئة.

8.2 ابتكار ‘الفصل الدراسي اللين’ (Soft Classroom)

في خطوة تجريبية شجاعة هدفت إلى كسر وطأة الفصل التقليدي، ابتكر روبرت سومر تجربة ميدانية بالغة التأثير في جامعة كاليفورنيا في ديفيس أطلق عليها اسم “الفصل الدراسي اللين” (The Soft Classroom). اختار سومر قاعة محاضرات جامعية تقليدية كئيبة، وقام بتفريغها تماماً من المقاعد الخشبية الصلبة المرصوفة في خطوط مستقيمة، وأعاد تصميمها بالكامل وفق معايير إنسانية مريحة؛ حيث فرشت الأرضيات بسجاد دافئ عالي الجودة، واستُبدلت المقاعد الصلبة بوسائد أرضية ملونة، ومقاعد محشوة ومرنة ومتحركة يمكن تشكيلها بسهولة، مع إدخال وحدات إضاءة خافتة ودافئة قابلة للتعديل، وإضافة نباتات خضراء ولوحات فنية على الجدران.

كانت النتائج السلوكية والتربوية المترتبة على هذا التحول المكاني مذهلة بكل المقاييس الأكاديمية. أظهرت القياسات الميدانية المقارنة التي رصدها سومر وفريقه أن وتيرة مشاركة الطلاب التلقائية في النقاشات والمداخلات الشفهية قد تضاعفت بنسبة تجاوزت 100% مقارنة بالفصول التقليدية. زال التكلف والتوتر الأكاديمي، وجلس الطلاب في دوائر تفاعلية مفتوحة تتيح للجميع التواصل البصري المتكافئ، وتلاشت ظاهرة “الأطراف الهامشية”؛ إذ أصبح كل مقعد في القاعة جزءاً من دائرة التأثير الفعالة، وسادت أجواء من الألفة والتعاون المتبادل بين الطلاب وأستاذهم الذي تخلى بدوره عن موقعه السلطوي المرتفع ليجلس بينهم شريكاً في الحوار.

أثبتت التجربة أن استخدام الألوان الدافئة، والمواد المريحة، والضوء الطبيعي ساهم في تقليل القلق الأكاديمي والتوتر المصاحب للامتحانات، ورفع مستويات التركيز الذهني والاستيعاب العميق للمفاهيم المجردة. كما وفرت البيئة اللينة مرونة فائقة سمحت للمعلمين بإعادة تشكيل الفصل في ثوانٍ معدودة؛ من حلقة نقاشية كبرى إلى مجموعات عمل صغيرة منعزلة، ثم إلى فضاء مفتوح للعروض المسرحية أو التطبيقية. لقد برهن سومر تجريبياً على أن الاستثمار في راحة جسد الطالب وحريته المكانية هو المدخل الأساسي لتحرير عقله وطاقاته الإبداعية، وأن إصلاح التعليم يبدأ من إصلاح الفضاء الفيزيقي الذي يتلقى فيه الإنسان تعليمه اليومي.

8.3 مستقبل التصميم التعليمي في ضوء أفكار سومر

تمثل أفكار روبرت سومر اليوم المرجعية النظرية والتطبيقية الأساسية لحركات التجديد في هندسة الفضاءات التعليمية ومكتبات الجامعات الحديثة في شتى أنحاء العالم. إن ما نشهده اليوم من تحول المكتبات الجامعية من مجرد “مستودعات صامتة لحفظ الكتب الورقية” إلى “فضاءات تعلم مشتركة” (Learning Commons) مرنة ومتعددة الوسائط هو التطبيق الحرفي للمبادئ التي نادى بها سومر؛ حيث تتكامل المقاعد المريحة، والأثاث المتحرك المزود بعجلات، والمناطق المخصصة للعمل الجماعي الصاخب بجانب كبسولات دراسة فردية توفر الخصوصية والهدوء الصوتي للباحثين دون عزلهم عن النبض العام.

تكتسب أطروحات سومر راهنية متجددة في سياق دمج التكنولوجيا الرقمية في التعليم المعاصر؛ إذ حذر مبكراً من أن إدخال الحواسيب والأجهزة التقنية لا يجب أن يكون على حساب التفاعل الإنساني المباشر والاحتياجات المكانية للجسد. إن الفصول الذكية الحديثة تتبنى رؤية سومر عبر استخدام شاشات تفاعلية موزعة على جدران متعددة بدلاً من شاشة مركزية واحدة، مما يدمر فكرة “الصدارة المحتكرة” ويحول الفصل إلى شبكة تواصل أفقية دائرية تتناغم فيها التقنية مع راحة المستخدم وتتيح للطلاب التحرك بحرية والتشارك السلس في عرض أعمالهم وأفكارهم.

علاوة على ذلك، تشكل مبادئ العمارة اللينة لسومر حجر الزاوية في تصميم البيئات التعليمية الدامجة والمستجيبة لمفاهيم “التنوع العصبي” (Neurodiversity)؛ حيث يحتاج الطلاب من ذوي التوحد، واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، وذوي الإعاقات الجسدية إلى فضاءات تعليمية مرنة تمكنهم من التحكم في التحفيز الحسي والضوئي وتوفر لهم خيارات حركة متحررة من صرامة المقاعد الثابتة. إن سهولة تعديل الأثاث، وحرية اختيار وضعية الجلوس، واستخدام خامات طبيعية مهدئة للأعصاب، أصبحت اليوم معايير عالمية ملزمة في التصميم المدرسي الحديث، مؤكدة ريادة روبرت سومر واستشرافه المذهل لمستقبل الفضاء التعليمي الإنساني والمحرر للطاقات البشرية.

9. البحث الإجرائي والتصميم التشاركي والمجتمعي

9.1 تفعيل منهج ‘البحث الإجرائي’ (Action Research)

تبنى روبرت سومر طوال مسيرته العلمية منهج “البحث الإجرائي” (Action Research) الذي أرسى قواعده كورت ليفين، وطوره سومر ليصبح أداة تدخل وتغيير اجتماعي مباشر وميداني، بدلاً من الاكتفاء بالتنظير الأكاديمي السلبي أو حصد المنشورات البحثية في المجلات المغلقة. رأى سومر أن مهمة عالم النفس لا تنتهي عند رصد المشكلات المكانية وتشخيص مظاهر القمع المعماري، بل تبدأ من تلك النقطة؛ حيث يتعين عليه توظيف معارفه السلوكية للانخراط في الصراعات المجتمعية الواقعية والمساهمة الفعالة في تصحيح الأخطاء التخطيطية وإصلاح البيئات المشيدة جنباً إلى جنب مع المتضررين منها.

رفض سومر النزعة الفوقية التي تدعي “الحياد العلمي المطلق” في مواجهة القرارات العمرانية الجائرة التي تدمر الأحياء الشعبية أو تفرض بيئات مؤسسية لا إنسانية على الفئات المستضعفة كالسجناء، والفقراء، والمرضى، والطلاب. وانطلق في مشروعات بحثية إجرائية تعاون فيها مباشرة مع الإدارات المحلية، والمجتمعات السكانية، ورواد المدارس، لتحديد الاختناقات البيئية وصياغة حلول تصميمية فورية تُختبر وتقيَّم ميدانياً في دورات متتابعة من الفعل والتأمل والتعديل. لم تكن دراساته تنتهي بتقرير يُحفظ في الأدراج، بل بتدخلات مكانية حية تُغير حياة المستخدمين اليومية نحو الأفضل بصورة فورية وملموسة.

أسس سومر من خلال هذا النهج لتقليد بحثي يضمن وجود “حلقات تغذية راجعة” مستمرة (Feedback Loops) بين العلم والمجتمع؛ حيث يعود الباحث إلى الميدان بعد تنفيذ التدخلات المعمارية لقياس استجابات الأفراد ورصد التغيرات السلوكية والانفعالية الجديدة، واستدراك أي آثار جانبية غير متوقعة. وبذلك، برهن سومر على أن البحث الإجرائي هو أرقى أشكال الممارسة العلمية الملتزمة؛ إذ يسقط الأستاذ من برجه العاجي ليصبح وسيطاً تنويرياً ومحفزاً للعدالة المكانية، مسخراً أدوات علم النفس البيئي لتكون قوة تحررية حقيقية في أيدي المجتمعات المحلية تساند حقها في بيئة عادلة تليق بإنسانيتها.

9.2 إشراك المستخدم النهائي في مراحل التصميم

شكّل مفهوم “التصميم التشاركي” (Participatory Design) أحد أهم المرتكزات الديمقراطية في فكر روبرت سومر، حيث كرس كتاباته لتفكيك “السلطوية المعمارية” ونرجسية بعض المعماريين والمخططين الذين يتعاملون مع تصاميمهم كأعمال نحتية فنية مقدسة تُفرض فوقياً على الناس، دون أي اعتبار حقيقي لرغبات واحتياجات “المستخدم النهائي” (End-User) الذي سيعيش في ذلك المبنى يومياً. جادل سومر بأن المعماري غالباً ما يصمم الفضاء ليرضي غروره الشخصي، أو لينال إعجاب لجان التحكيم وأقرانه من النخبة المهنية، متناسياً أن المستخدم العادي هو الخبير الحقيقي ببيئته المعاشة وصاحب المصلحة الأولى في راحته النفسية وسلامته السلوكية.

دعا سومر إلى إحداث ثورة هيكلية في ممارسة التصميم عبر إشراك المستخدمين في كافة مراحل المشروع؛ من مرحلة تحديد الاحتياجات الأولية، إلى وضع المخططات، وحتى تقييم ما بعد السكن. وابتكر سومر وفريقه أدوات تواصل عملية بالغة الفعالية لكسر حاجز اللغة التقنية بين المعماريين والجمهور، مثل: ورش العمل المجتمعية التفاعلية، واستخدام النماذج المكانية المصغرة القابلة للتركيب والتفكيك باليد (Physical Models)، وإجراء محاكاة مكانية بالحجم الطبيعي تسمح لغير المختصين—من عمال، وطلاب، وأمهات—بتجربة المساحات وإبداء آرائهم حول ارتفاعات الطاولات، ومواضع النوافذ، وعرض الممرات قبل البدء في عمليات البناء المكلفة.

أكدت دراسات سومر أن إشراك المجتمع في التصميم يحقق فائدة سيكولوجية كبرى تتجاوز تحسين الوظيفة المعمارية؛ إذ يولد لدى المستخدمين شعوراً عميقاً بـ “الملكية النفسية” (Psychological Ownership) للفضاء العام. فالشخص الذي يشارك في التخطيط لمدرسته أو حديقته أو مكتبه يشعر بأن هذا المكان ينتمي إليه ويعبر عن هويته وصوته، مما يؤدي تلقائياً إلى تراجع معدلات تخريب الممتلكات العامة، وتصاعد المبادرات الذاتية للصيانة والتجميل، وتعزيز أواصر التضامن الاجتماعي بين الجيران والزملاء. لقد نقل سومر التصميم من كونه فعلاً تقنياً استبدادياً إلى ممارسة ديمقراطية تكرس المواطنة الإيجابية وتعيد بناء الفضاء العام بوصفه ملكاً مشتركاً للجميع.

9.3 فن الشارع (Street Art) والوعي الجمالي العام

في منتصف سبعينيات القرن العشرين، فاجأ روبرت سومر الأوساط الأكاديمية بنشره كتاباً رائداً بعنوان Street Art (فن الشارع) عام 1975، ليصبح من أوائل علماء النفس الاجتماعيين الذين التفتوا بجدية إمبيريقية ونقدية إلى ظاهرة الجداريات، ورسوم الشوارع، والتعبيرات الفنية الجماهيرية على جدران المدن الأمريكية. نظر سومر إلى فن الشارع ليس كفعل تخريبي أو مروق عشوائي على القانون كما كانت تروج المؤسسات البيروقراطية آنذاك، بل كظاهرة سيكولوجية واجتماعية تحررية تسعى من خلالها المجتمعات المحلية—لا سيما الأقليات العرقية والفئات المهمشة والشباب—إلى استعادة الفضاء العام من قبضة الهيمنة التجارية واللوحات الإعلانية الرأسمالية والخرسانة الرمادية الباردة.

حلل سومر الأبعاد النفسية والرمزية للجداريات الشعبية، مبيناً أنها تمثل وسيلة فعالة لبناء الهوية الثقافية وتأكيد الوجود الجمعي للفئات التي لا تملك صوتاً في المؤسسات الرسمية للتخطيط الحضري. فالجدارية التي يرسمها شباب حي شعبي تحكي تاريخهم، وتوثق أبطالهم، وتعبر عن نضالهم ضد القهر والتمييز، تحول الجدار الإسمنتي القاتم من حاجز أمني عازل إلى “مرآة جمعية دافئة” تبث الفخر والانتماء في نفوس السكان، وترسخ التعلق بالمكان (Place Attachment)، وتمنح الفضاء طاقة إنسانية وجمالية تلهم العابرين وتكسر رتابة المشهد البصري الموحد.

وثق سومر في كتابه مئات الجداريات في مدن مثل لوس أنجلوس، وسان فرانسيسكو، وشيكاغو، ونيويورك، متتبعاً أثر هذا الوعي الجمالي البديل في خفض معدلات الجريمة وتلطيف الأجواء المشحونة بالصراعات العرقية في تلك الحقبة. واعتبر أن فن الشارع التشاركي هو التطبيق الأنقى للعمارة اللينة وللفضاء الديمقراطي المسترد؛ إذ يكسر احتكار النخب لتعريف “الفن والجمال”، ويعيد الفن إلى سياقه الإنساني الأول في الساحات المفتوحة كأداة للمقاومة الثقافية والشفاء المجتمعي والتعبير الحر عن آمال الإنسان المعاصر في بيئة تنبض بالحياة والأمل.

10. السلوك البيئي المستدام: التعاونيات وأسواق المزارعين

10.1 سيكولوجية الاستهلاك والبدائل المجتمعية

اتجهت اهتمامات روبرت سومر في مرحلة لاحقة من نضجه الفكري نحو فك شفرات سيكولوجية الاستهلاك في المجتمع الرأسمالي المعاصر، وشن نقداً حاداً للتصميم البيئي للمتاجر الاستهلاكية الكبرى (Supermarkets) والمجمعات التجارية المغلقة. حلل سومر بدقة بارعة كيف تُهندس هذه الفضاءات المعمارية والتجارية لتكون بيئات تلاعب نفسي مقصودة، صُممت خصيصاً لإلغاء إدراك الزبون للزمان والمكان؛ حيث تُحجب النوافذ والضوء الطبيعي، وتُزال الساعات الجدارية، وتُشغل موسيقى إيقاعية محسوبة، وتُرتب الممرات بصورة معقدة لإجبار المستهلك على السير في مسارات طويلة تفوق حاجته، وتُسلط الإضاءة والألوان البراقة لدفع الأفراد نحو “الشراء الاندفاعي غير الرشيد” (Impulse Buying).

أكد سومر أن المتاجر الكبرى تمثل النمط الأكثر رداءة للبيئات المبنية المغتربة؛ فالزبون فيها يتحول إلى وحدة استهلاكية معزولة تتسوق في صمت وعداء ضمن حشود غفيرة، ويدخل في علاقات سطحية نفعية بالغة البرود مع عمال الكاشير المحكومين بآلات المسح الإلكتروني وسرعة الحركة. إن هذا الفضاء يقضي تماماً على أي فرصة للتفاعل الاجتماعي الحقيقي، ويعمق الفجوة بين الإنسان ومصادر غذائه، ويشجع نمطاً استهلاكياً مدمراً يستنزف الموارد الإيكولوجية لكوكب الأرض دون أدنى وعي بالبصمة البيئية أو الظروف الاجتماعية التي أُنتجت فيها تلك السلع المغلفة بالبلاستيك.

بحث سومر عن بدائل مجتمعية وإيكولوجية تحرر الإنسان من أسر هذا التضليل المكاني والاستهلاكي، وانخرط في دراسة نماذج اقتصادية ومكانية مغايرة تدمج بين الوعي الغذائي والتفاعل الإنساني الدافئ. رأى سومر في حركة التعاونيات الغذائية والأسواق الشعبية المفتوحة أرضية خصبة لتطبيق مبادئ علم النفس البيئي الإنساني؛ حيث تتفكك الهياكل الاحتكارية لصالح علاقات أفقية تكرس الشفافية، والعدالة الاقتصادية، والمسؤولية الأخلاقية، وتثبت أن عملية الحصول على الغذاء يمكن أن تتحول من فعل استهلاكي بارد إلى ممارسة اجتماعية وثقافية ثرية تعيد ربط الإنسان بمجتمعه وأرضه الطبيعية.

10.2 دراسات أسواق المزارعين (Farmers’ Markets)

قاد روبرت سومر سلسلة من الدراسات الميدانية المقارنة الرائدة التي قارنت بين السلوك البشري داخل المتاجر الكبرى المغلقة ونظيره في “أسواق المزارعين” المفتوحة (Farmers’ Markets)، لا سيما في ولاية كاليفورنيا التي شهدت نهضة واسعة لهذه الأسواق في السبعينيات والثمانينيات. اعتمد سومر تقنيات الملاحظة بالمشاركة ورسم الخرائط التفاعلية لرصد أنماط التواصل، ووتيرة الأحاديث، ولغة الجسد بين المتسوقين في كلا الفضاءين؛ متوصلاً إلى نتائج كمية ونوعية أظهرت تفوقاً كاسحاً لأسواق المزارعين في تعزيز الصحة النفسية والرفاه الاجتماعي.

بينت دراسات سومر الإحصائية أن معدل التفاعلات الاجتماعية الصريحة والأحاديث الودية العفوية بين الزبائن أنفسهم، وبينهم وبين المزارعين المنتجين، في أسواق المزارعين يزيد بنحو أربعة إلى ثمانية أضعاف مقارنة بما يحدث في المتاجر الكبرى المماثلة. ففي سوق المزارعين، لا تنحصر العملية في دفع المال وتناول السلعة، بل تمتد لتشمل تبادل النصائح حول طرق الطهي، والحديث عن مواسم الزراعة، ومناقشة قضايا الطقس والبيئة المحلية، مما يحول الفضاء التجاري إلى منتدى اجتماعي وثقافي غني يعيد إحياء مفهوم “الميدان العام” (Agora) التاريخي الذي يوثق روابط التضامن والتعارف بين أفراد المجتمع المحلي.

أرجع سومر هذا الاختلاف الجذري إلى الخصائص المكانية والبيئية لتلك الأسواق؛ فالطبيعة المفتوحة، وتدفق الهواء النقي، وضوء الشمس الطبيعي، وحرية الحركة حول الطاولات العفوية، والروائح الطبيعية للتربة والفواكه الطازجة، تساهم في تفكيك التصلب السلوكي وخفض مستويات التوتر العصبي لدى المتسوقين، مما يجعلهم أكثر قابلية للابتسام وتبادل التحية والمشاركة الوجدانية. خلص سومر إلى أن أسواق المزارعين ليست مجرد مواقع بديلة لتجارة التجزئة، بل هي مؤسسات نفسية وبيئية حيوية تحمي المجتمع الحضري من التذرر والعزلة وتدعم الاقتصادات الزراعية المستدامة في مواجهة توحش الشركات الاحتكارية الكبرى.

10.3 التعاونيات الغذائية وحركات الاستدامة الإيكولوجية

انخرط روبرت سومر كباحث وناشط ملتزم في دراسة ودعم حركات “التعاونيات الغذائية” (Food Co-ops) التي انتشرت بقوة في شمال كاليفورنيا، واعتبرها نموذجاً مثالياً للمؤسسات الديمقراطية التشاركية التي تجسد مبادئ علم النفس البيئي المستدام. كرس سومر جهوده البحثية لفهم البنية السيكولوجية للمستهلك التعاوني؛ موضحاً أن العضوية في التعاونية تمنح الفرد شعوراً حقيقياً بالفاعلية والمواطنة البيئية؛ حيث لا يُعامل الزبون كهدف ربحي، بل كشريك يملك صوتاً في اتخاذ القرار، ويساهم بساعات عمل تطوعية في إدارة المتجر، مما يعيد الاعتبار لمعنى العمل الجماعي والمسؤولية الأخلاقية المشتركة.

كان سومر من أوائل المفكرين الذين ربطوا في وقت مبكر بين علم النفس البيئي وحركات الاستدامة الإيكولوجية الشاملة وحماية الموارد الطبيعية؛ ففي حين كان الكثير من علماء النفس ينظرون إلى الاستدامة كقضية فنية تخص علماء الأحياء والجيولوجيا، جادل سومر بأن الأزمة البيئية هي في جوهرها “أزمة سلوك وثقافة بشرية”. وأكد أن تعديل السلوك الاستهلاكي والحد من التبذير واستنزاف الطاقة يتطلب بالضرورة إعادة تصميم البيئات المعمارية والحضرية لتجعل الخيارات المستدامة والصحية هي الخيارات الأسهل والأكثر راحة وجاذبية للأفراد في حياتهم اليومية.

لعب سومر دوراً بارزاً ومؤثراً في صياغة السياسات الغذائية والزراعية المستدامة في مقاطعة يولو ومدينة ديفيس، مساهماً في دعم مبادرات الزراعة العضوية، ومشاريع الحدائق المجتمعية المشتركة، وتغذية المدارس بالمنتجات المحلية الطازجة. لقد أثبت عبر هذا المسار الميداني الخصب أن الباحث الأكاديمي قادر على أن يكون محركاً حقيقياً للتحول البيئي العادل؛ وأن الدفاع عن سلامة الغذاء واستدامة التربة لا ينفصل إطلاقاً عن الدفاع عن راحة الجسد البشري وحقه في فضاء مكاني واجتماعي يعزز الحياة ويكرس العدالة والحرية والكرامة الإنسانية.

11. تحليل نقدي لأبرز مؤلفات وكتابات روبرت سومر

11.1 كتاب ‘الفضاء الشخصي: الأساس السلوكي للتصميم’ (1969)

يعد كتاب Personal Space: The Behavioral Basis of Design الصادر عام 1969 عن دار بنغلوس (Prentice-Hall) أعظم تحفة فكرية خطها قلم روبرت سومر، والمانيفستو التأسيسي الذي أطلق علم النفس البيئي إلى دائرة الضوء الأكاديمي والدولي. في هذا العمل المحوري، فكك سومر الممارسات المعمارية التقليدية، مقدماً رؤية متماسكة تثبت أن كل مبنى، أو غرفة، أو حيز هو في جوهره نظام تواصل وضبط سلوكي يؤثر في المشاعر والانفعالات البشرية أعمق بكثير مما كان يُعتقد سابقاً. استعرض سومر في فصول الكتاب المنهجية الانتقال من الملاحظات الإيثولوجية (سلوك الحيوان في ترسيم الحيز الإقليمي والحدود البيولوجية) إلى تفكيك تعقيدات السلوك الإنساني داخل الفضاءات الحضرية المكتظة.

حقق الكتاب صدى عالمياً غير مسبوق، ونفدت طبعاته المتتالية، وتُرجم إلى العديد من اللغات العالمية (بما فيها الألمانية، واليابانية، والفرنسية، والإسبانية)، وأصبح مرجعاً إجبارياً في كليات العمارة ومعاهد علم النفس والعلوم الاجتماعية المرموقة حول العالم. وقد انبهر النقاد والمعماريون بالأسلوب المنهجي المبتكر لسومر؛ حيث لم يقدم نظريات تجريدية معقدة، بل وثق حقائق سلوكية ملموسة عبر ملاحظات ميدانية بارعة وتجارب حية على مقاعد الحدائق، وطاولات المكتبات، وقاعات الطعام، والمصحات، مما جعل قراءة الكتاب تجربة استبصار ذاتي يكتشف من خلالها القارئ الدوافع غير الواعية لسلوكه المكاني اليومي المعتاد.

تضمن التحليل النقدي للكتاب مناقشة أطروحته المركزية حول التوفيق بين “الحتمية المعمارية” (Architectural Determinism) و”الحرية السلوكية”. رفض سومر النزعة الحتمية الفجة التي تدعي أن المعمار قادر بمفرده على تشكيل الإنسان تشكيلاً جبرياً مطلقاً، وفي الوقت ذاته هاجم السلوكية التقليدية التي تنكر أثر الفضاء المادي؛ مقدماً بديلاً تركيبياً ناضجاً يرى في الفضاء المعماري “إمكانية مساعدة أو معرقلة” (Affordance/Constraint) تضع قيوداً وتفتح آفاقاً تتفاعل جدلياً مع إرادة الإنسان وثقافته واحتياجاته السيكولوجية. إن هذا الكتاب ظل، وسيظل، النص الكلاسيكي الأكثر تأثيراً في التاريخ المشترك للعلوم الإنسانية وفنون التصميم البيئي.

11.2 كتاب ‘الفضاءات الضيقة: العمارة الصلبة وكيفية أنسنتها’ (1974)

جاء كتاب Tight Spaces: Hard Architecture and How to Humanize It الصادر عام 1974 ليكرس روبرت سومر كصوت نقدي وأخلاقي رائد في مواجهة النزعات المعمارية الاستبدادية في الغرب. في هذا العمل اللاذع والشجاع، شخّص سومر بدقة تشريحية ظاهرة الأبنية المضادة للإنسان التي اجتاحت المؤسسات العامة في السبعينيات؛ من سجون خرسانية مسلحة، وجامعات صُممت على غرار المخابئ العسكرية المضادة للاحتجاجات الطلابية، ومحطات مترو أنفاق معتمة صُممت لتقاوم التخريب فتحولت إلى أقفاص موحشة، ومكاتب حكومية مفرغة من المشاعر تكرس امتهان المراجعين وتشييء الموظفين.

قدم سومر في فصول الكتاب دراسات حالة تطبيقية شديدة الحيوية لمؤسسات حقيقية، محللاً التكاليف النفسية، والاجتماعية، والمالية الباهظة الناتجة عن تبني فلسفة العمارة الصلبة. وأثبت أن هذه الفضاءات—التي تدعي عقلانية الصيانة وتوفير النفقات ومقاومة التخريب—تتسبب في حقيقة الأمر في ارتفاع مخيف في معدلات العنف، وانهيار الرضا الوظيفي، وتدمير الصحة النفسية، مما يجعل خسائرها الكلية تفوق بمراحل التوفير الشكلي في تكاليف الدهانات والأثاث المقاوم للكسر، كاشفاً النقاب عن التناقض الجذري الكامن في قلب المؤسسات البيروقراطية الحداثية المعاصرة.

لم يكتفِ سومر بالهدم والتشخيص، بل صاغ في القسم الثاني من الكتاب دليلاً عملياً للمصممين، والمعماريين، وعلماء النفس، ومديري المؤسسات لكيفية “أنسنة” هذه الفضاءات وإعادة إدخال المرونة، والجمال، والدفء في المنشآت القائمة بالفعل دون الحاجة لهدمها. اقترح حلولاً مبتكرة وتدخلات ناعمة منخفضة التكاليف؛ كإعادة تشكيل الإضاءة، وإدخال الألوان الدافئة، واستخدام الفواصل المتحركة، وإتاحة النباتات، وإشراك المستخدمين في تجميل محيطهم. ترك هذا الكتاب أثراً عميقاً ومستمراً في حركات إصلاح تصميم السجون والمصحات والمؤسسات التعليمية، وظل وثيقة إنسانية تذكر المعماريين دائماً بأن وظيفة البناء الأولى هي رعاية الكائن الإنساني وليس إخضاعه وإذلاله.

11.3 مؤلفات أخرى: الوعي التصميمي والبحث الإجرائي الميداني

شهدت مسيرة روبرت سومر التأليفية غزارة نوعية وتنوعاً خلاقاً تجاوز حدود كتبه الأشهر، حيث نشر كتاب Design Awareness (الوعي بالتصميم) عام 1972، وهو عمل تثقيفي طليعي هدف من خلاله إلى تدريب الجمهور العام وغير المختصين على إدراك بيئاتهم المشيدة وتطوير حس نقدي تجاه ما يفرضه المخططون عليهم من خيارات مكانية. كان سومر يؤمن إيماناً راسخاً بأن رفع الوعي المعماري والبيئي لدى المواطن العادي هو الضمانة الحقيقية الوحيدة لردع الاستبداد التخطيطي وحماية الفضاءات العامة من التشوه والتغول التجاري والاستثماري الجائر.

كما أصدر سومر كتباً وأدلة مرجعية في غاية الأهمية المنهجية، من بينها كتابه المشترك مع زوجته باربرا سومر A Practical Guide to Behavioral Research: Tools and Techniques (دليل عملي للبحث السلوكي: أدوات وتقنيات)، والذي صدر في طبعات متعددة وتُرجم لعدة لغات؛ حيث قدم للباحثين دليلاً شاملاً لكيفية تطبيق الملاحظة السلوكية الدقيقة، واستخدام الخرائط المكانية، وإجراء المقابلات المعمقة، واستطلاعات الرأي البيئية دون الوقوع في التعقيدات الإحصائية المضللة أو إفساد عفوية الواقع الميداني المدروس، مما جعله كتاب التدريب الأول لأجيال من طلاب الدراسات العليا في مختلف التخصصات الاجتماعية والتطبيقية.

تميز الأسلوب البلاغي والكتابي لروبرت سومر بنكهة فريدة جمعت بين الرصانة العلمية الموثقة والوضوح السردي المباشر والجاذب، مبتعداً تماماً عن الرطانة الاصطلاحية المغلقة واللغة المعقدة التي ينفر منها القارئ غير المتخصص. وقد نشر إلى جانب كتبه مئات المقالات والأوراق العلمية والافتتاحيات الصحفية في كبريات الدوريات الأكاديمية والمجلات العامة، مثل: American Psychologist، وEnvironment and Behavior، وJournal of Architectural Research. وكان لكتاباته صدى اجتماعي واسع بفضل قدرته الفذة على تحويل المشاهدات اليومية البسيطة إلى قضايا فكرية وفلسفية عميقة تمس جوهر الوجود الإنساني وسعادته وحريته المشروعة في فضاء يعيش فيه.

12. الإرث الأكاديمي والامتدادات المعاصرة لفكر روبرت سومر

12.1 أثر فكر سومر في العمارة الحديثة والتصميم الحضري المعاصر

يتجلى الإرث الأكاديمي والعملي لروبرت سومر اليوم في صميم الممارسات المعمارية والتخطيطية الأكثر تقدماً في القرن الحادي والعشرين. فقد تبنت كبريات مكاتب التصميم العالمية والهيئات الهندسية الدولية مفهوم “التصميم المستند إلى الأدلة” (Evidence-Based Design – EBD)، لا سيما في تصميم المنشآت الصحية والاستشفائية، ومراكز علاج الأورام، والمدارس الحديثة؛ وهو النهج الذي ينحدر مباشرة من نظريات سومر حول التقييم السلوكي والتفاعل الفيزيقي-النفسي. لم يعد مسموحاً للمعماري المعاصر تصميم مشفى دون الاعتماد على بيانات علمية تدرس تدفق الضوء الطبيعي، وتقليل الضوضاء، وخطوط الرؤية للمساحات الخضراء، وأثر ذلك المثبت في خفض معدلات مسكنات الألم وتسريع شفاء المرضى وخروجهم المبكر.

كما تمتد أفكار سومر لتشكل جوهر حركات “العمران الإنساني الجديد” وتصميم المدن الصديقة للمشاة (Pedestrian-Friendly Cities)؛ حيث استلهم المخططون الحضريون دعواته التاريخية لإعادة الميادين والأرصفة والمقاعد العامة للناس كفضاءات جاذبة للمجتمع (Sociopetal) تكسر سطوة وهيمنة السيارات على المشهد الحضري. إن إعادة هندسة الأرصفة العامة، وتوسيع المساحات الخضراء، وزرع المقاعد المتقابلة، وإحياء أسواق المزارعين في المدن العالمية المعاصرة—من نيويورك ولندن وباريس إلى طوكيو—ليست سوى استعادة واعية لنبوءات سومر التي أكدت أن صحة المدينة تُقاس بقدرتها على إتاحة لقاء إنساني دافئ وتواصل بصري حر بين مواطنيها في فضاءات ترحب بجميع الطبقات الاجتماعية دون إقصاء.

وفي قطاع الأعمال المعاصر ومقرات الشركات التكنولوجية الحديثة (كشركات وادي السيليكون ومساحات العمل المشترك Coworking Spaces)، تحضر نظريات سومر بقوة مدهشة؛ حيث أدى فشل نموذج “المكاتب المفتوحة تماماً” (Open-Plan Offices)—التي روجت لها الشركات لسنوات قبل أن تكتشف أنها تسببت في انهيار الخصوصية وارتفاع وتيرة التشتت والاحتراق النفسي—إلى العودة المباشرة لأطروحات سومر حول ضرورة التوازن بين المساحات الاجتماعية التفاعلية وتوفير “كبسولات” وغرف هادئة تضمن حماية الفضاء الشخصي وتتيح الانعزال الإيجابي للتركيز الذهني العميق. لقد أثبت الواقع المهني الراهن صحة تحذيرات سومر القديمة، مؤكداً أن النجاح الإداري والاقتصادي يمر حتماً عبر احترام الحدود السيكولوجية للموظف والاعتراف بحاجته الوجودية للسيطرة على مساحته الخاصة.

12.2 الفضاء الشخصي في العصر الرقمي وما بعد جائحة كوفيد-19

أعادت أزمة جائحة كوفيد-19 العالمية (2020–2022) تسليط الضوء بصورة دراماتيكية غير مسبوقة على نظريات روبرت سومر حول “الفضاء الشخصي” والتباعد المكاني؛ إذ وجد العالم بأسره نفسه ملزماً بتطبيق تدابير الصحة العامة الصارمة، والمتمثلة في فرض “مسافة الأمان الاجتماعي” (مترين تقريباً)، وهي مسافة تنتمي مباشرة للأبعاد التي حددها سومر قديماً كفضاء يفصل بين الغرباء لتفادي التهديد والعداء. وقد تابع سومر في الشهور الأخيرة من حياته المديدة هذا التحول الكوكبي المذهل، متابعاً الكيفية التي أدت بها الجائحة إلى تضخيم “الفقاعة غير المرئية” لجميع البشر، محولة الاقتراب الجسدي العفوي إلى مصدر ذعر واستنفار بيولوجي ونفسي واسع النطاق.

أفرز هذا الواقع الوبائي وما بعده ظاهرة معقدة تُعرف بـ “القلق المكاني المعاصر” (Contemporary Spatial Anxiety)، حيث تغيرت الحساسية الإنسانية حيال الكثافة والازدحام في الأماكن المغلقة، ووسائل النقل، والمطارات، وصالات السينما، مما فرض على المعماريين إعادة التفكير جذرياً في التهوية، والمسارات الحركية، وعرض الممرات، ومستويات المرونة المكانية في البناء الحديث. وقد أثبتت النماذج السلوكية التي طورها سومر صلابتها ومرونتها المنهجية الفائقة في تفسير التوترات النفسية الحادة، ومشاعر الوحدة والاكتئاب التي اجتاحت المجتمعات البشرية نتيجة التباعد القسري والانقطاع المفاجئ للتواصل الحسي الطبيعي الذي يمثله الاقتراب البشري الدافئ.

يمتد فكر سومر بقوة إلى الفضاءات الافتراضية والبيئات الرقمية المعاصرة؛ حيث برز مفهوم “الفضاء الشخصي الافتراضي” (Virtual Personal Space) كأحد التحديات السلوكية المركزية في عوالم الواقع الافتراضي (VR)، وتقنيات الميتافيرس (Metaverse)، ومنصات التواصل المرئي كـ Zoom. أظهرت الدراسات السلوكية الحديثة أن المستخدمين يشعرون بنفس التوتر والانتهاك النفسي الحاد عندما يقترب “أفاتار” لشخص غريب من “أفاتارهم” الخاص داخل العالم الرقمي، مما استدعى من مطوري البرمجيات تضمين “فقاعات أمان رقمية” تمنع اقتراب الآخرين قسراً! كما فسر علماء النفس “إرهاق زووم” (Zoom Fatigue) بالاستناد المباشر لتحليلات سومر حول الانتهاك المكاني؛ حيث تفرض شاشات الفيديو وجوهاً قريبة للغاية وضخمة الحجم ضمن “المسافة الحميمة”، مما يستثير لا شعورياً دوائر التوتر والاستنفار في الدماغ البشري لساعات متواصلة، وبرهن على أن الفضاء الشخصي ليس محصوراً في الحدود البيولوجية والجسدية الصلبة، بل هو امتداد إدراكي وروحي عميق للذات الإنسانية يعبر عبر الأثير الرقمي ويبقى حياً وفاعلاً في كل سياق مكاني معاش.

12.3 التقييم الشامل والخاتمة: روبرت سومر بوصفه مفكراً إنسانياً

إن التقييم التاريخي الشامل لمسيرة البروفيسور روبرت سومر يكشف عن قامة فكرية وإنسانية كبرى تجاوزت بكثير القوالب الأكاديمية الضيقة للتخصصات المعزولة. لقد كان سومر فيلسوفاً ومصلحاً اجتماعياً سخر العلوم السلوكية لتكون خادمة مخلصة للعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، متصدياً بشجاعة لكل أشكال العمارة الفجة والقمع البيروقراطي الذي حاول تشييء الإنسان وإخضاعه لمصالح الآلات والخرسانة المسلحة والمكاسب التجارية الباردة. لقد دافع عن الضعفاء، والمنبوذين، والمهمشين في المصحات والسجون والمدارس المكتظة، وأعاد تعريف مفهوم الفضاء بوصفه حيزاً للحرية والأمل والتفتح الإنساني الخلاق.

نجح سومر في تحقيق تكامل رائد وغير مسبوق بين العلوم السلوكية النظرية وتطبيقات التصميم المعماري وصناعة القرار البيئي، مهدياً للبشرية لغة مفاهيمية متكاملة مكنت المعماريين من فهم قلوب وعقول المستخدمين قبل البدء في رسم خطوطهم ومساقطهم الهندسية. ومن خلال منهجه الصارم في الملاحظة الميدانية العفوية والبحث الإجرائي الملتزم، قدم دروساً لا تقدر بثمن للأجيال الصاعدة من الباحثين والعلماء الشباب في كيفية الجمع بين الأمانة العلمية الصارمة والانخراط الأخلاقي الميداني الصادق في قضايا المجتمع، بعيداً عن الغرور الأكاديمي والتعالي النخبوي العقيم.

يبقى روبرت سومر خالداً في الذاكرة المعرفية العالمية بوصفه الأب الروحي والرمز الأسمى لحركة أنسنة البيئة المكانية في القرن العشرين. لقد علمنا سومر كيف نرى ما لا يُرى؛ كيف نتحسس تلك الحدود الشفافة والمقدسة لفضاءاتنا الشخصية، وكيف نصغي إلى الصرخات الصامتة التي تطلقها أرواحنا عندما تحاصرنا الجدران الخرسانية الصلبة، وكيف نحلم ونعمل على بناء مدن وبيئات لينة، دافئة، ترحب باللقاء البشري، وتحترم مشاعر الإنسان، وتصون كرامته المتأصلة، ليبقى فكره مشعلاً وهاجاً يهدي الإنسانية في سعيها الدؤوب نحو عالم أكثر رأفة وعدلاً وألفة مكانية.

المراجع

  • Altman, I. (1975). The Environment and Social Behavior: Privacy, Personal Space, Territory, and Crowding. Brooks/Cole Publishing Company.
  • Barker, R. G. (1968). Ecological Psychology: Concepts and Methods for Studying the Environment of Human Behavior. Stanford University Press.
  • Gifford, R. (2014). Environmental Psychology: Principles and Practice (5th ed.). Optimal Books.
  • Hall, E. T. (1966). The Hidden Dimension. Anchor Books / Doubleday. https://www.worldcat.org/title/hidden-dimension/oclc/411082
  • Lewin, K. (1951). Field Theory in Social Science: Selected Theoretical Papers (D. Cartwright, Ed.). Harper & Row.
  • Proshansky, H. M., Ittelson, W. H., & Rivlin, L. G. (Eds.). (1970). Environmental Psychology: Man and His Physical Setting. Holt, Rinehart and Winston.
  • Sommer, B., & Sommer, R. (2002). A Practical Guide to Behavioral Research: Tools and Techniques (5th ed.). Oxford University Press.
  • Sommer, R. (1959). Studies in personal space. Sociometry, 22(3), 247–260. https://doi.org/10.2307/2785610
  • Sommer, R. (1967). Small group ecology. Psychological Bulletin, 67(2), 145–152. https://doi.org/10.1037/h0024185
  • Sommer, R. (1969). Personal Space: The Behavioral Basis of Design. Prentice-Hall.
  • Sommer, R. (1972). Design Awareness. Rinehart Press.
  • Sommer, R. (1974). Tight Spaces: Hard Architecture and How to Humanize It. Prentice-Hall.
  • Sommer, R. (1975). Street Art. Links Books.
  • Sommer, R. (1983). Social Design: Creating Buildings with People in Mind. Prentice-Hall.
  • Sommer, R., & Olsen, H. (1980). The soft classroom. Environment and Behavior, 12(1), 3–16. https://doi.org/10.1177/0013916580121001
  • Sommer, R., & Osmond, H. (1961). Symptoms of institutional care. Social Problems, 8(3), 254–263. https://doi.org/10.2307/798934
  • Zeisel, J. (2006). Inquiry by Design: Environment/Behavior/Neuroscience in Architecture, Interiors, Landscape, and Planning. W. W. Norton & Company.
★

تقييم هذا المحتوى

5.0 / 5 • 7 تقييمات