روبرت يركيز – 1876 1956

روبرت ميرنز يركيز (Robert Mearns Yerkes)

  • 26 مايو 1876، بريدجبورت، بنسلفانيا – 1956
  • أمريكي
  • علم النفس المقارن، علم النفس التجريبي
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 17 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 17 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

أبرز الإسهامات

  • صياغة قانون يركيز-دودسون
  • تأسيس علم النفس المقارن الحديث ودراسات الرئيسيات
  • تطوير اختباري الجيش ألفا وبيتا للقياس النفسي
  • تأسيس مختبرات أبحاث الرئيسيات

السيرة

يمثل روبرت ميرنز يركيز (Robert Mearns Yerkes: 1876–1956) أحد أكثر الشخصيات تأثيراً وإثارة للجدل في تاريخ علم النفس التجريبي والعلوم السلوكية في القرن العشرين. تزامنت مسيرته العلمية مع مرحلة حرجة من تاريخ الفكر الإنساني؛ حيث كانت العلوم النفسية تجاهد للانعتاق من أسر التأملات الفلسفية والميتافيزيقية والانتقال إلى مصاف العلوم الطبيعية الدقيقة القائمة على القياس الكمي، والملاحظة المخبرية الصارمة، والتجريب الموضوعي. لعب يركيز دوراً محورياً في صياغة ملامح علم النفس المقارن الحديث وتأسيس دراسات الرئيسيات، ولم يكن مجرد مجرب منعزل في معمله، بل تحول إلى منظر وموجه مؤسسي بارز أعاد رسم العلاقة بين المعرفة النفسية والمؤسسات العسكرية، والسياسية، والاجتماعية في الولايات المتحدة الأمريكية خلال حقبة اتسمت بالتحولات الإمبريالية والحروب الكبرى.

تكمن فرادة تجربة يركيز في قدرته الفذة على الربط العضوي بين دراسة الكائنات الحية في مستوياتها التطورية الدنيا والوسيطة وصولاً إلى القردة العليا، وبين فهم السلوك البشري وديناميكيات الجهاز العصبي والذكاء. ومن خلال تجاربه على الكائنات اللافقارية، والسلاحف، والفئران، والتي تُوجت لاحقاً بصياغة “قانون يركيز-دودسون” الشهير عام 1908، استطاع أن يضع حجر الأساس لنظريات الاستثارة والأداء التي لا تزال تُشكل ركناً أساسياً في علم النفس المعرفي وسيكولوجيا التنظيم حتى يومنا هذا. بيد أن هذا السجل الأكاديمي الحافل بالابتكارات التجريبية والمؤسسية اصطدم بأطر أيديولوجية بالغة القتامة؛ إذ كان يركيز من أشد المتحمسين لحركة “تحسين النسل” (Eugenics) والحتمية البيولوجية، ووظف البيانات الهائلة المستخلصة من الفحص النفسي لملايين المجندين الأمريكيين إبان الحرب العالمية الأولى لتبرير التمييز العرقي والطبقي، والتأثير المباشر على تشريعات الهجرة الأمريكية المشددة لعام 1924.

تستعرض هذه الدراسة الموسوعية الشاملة السيرة الفكرية والعلمية لروبرت يركيز، مستقصية محطاته البيوغرافية منذ نشأته الريفية في بنسلفانيا وتكوينه الطبي والأكاديمي المبكر، مروراً بتأسيسه لتقاليد علم النفس المقارن وإدارته الملحمية لحركة القياس النفسي الجمعي خلال الحرب العالمية الأولى عبر اختباري “ألفا” و”بيتا”، وصولاً إلى ريادته غير المسبوقة في تأسيس محطات ومختبرات دراسة الرئيسيات في جامعة ييل والتي خلدت اسمه. كما تُخضع الدراسة منجزاته لنقد إبستمولوجي وأخلاقي صارم، لتكشف عن التداخل المعقد بين النزعة الوضعية التجريبية والمآرب الأيديولوجية والسياسية التي صبغت مرحلة مفصلية من نشأة العلوم السلوكية المعاصرة.

1. النشأة والتكوين الأكاديمي المبكر لروبرت يركيز

1.1 الجذور الأسرية والبيئة الريفية في بنسلفانيا

ولد روبرت ميرنز يركيز في السادس والعشرين من مايو عام 1876 في بلدة بريدجبورت التابعة لمقاطعة مونتغومري في ولاية بنسلفانيا، ونشأ في كنف أسرة ريفية متواضعة تنحدر من أصول بريطانية وهولندية عريقة استوطنت القارة الأمريكية منذ القرن السابع عشر. كانت البيئة التي ترعرع فيها يركيز بيئة زراعية بامتياز؛ حيث ارتبطت طفولته بالأرض ودورات الطبيعة والتعامل اليومي المباشر مع الحيوانات الداجنة والمواشي التي كانت تقتاتها المزرعة العائلية. هذا التماس المبكر واليومي مع الحياة البيولوجية لم يكن مجرد روتين ريفي عابر، بل شكل النواة الأولى التي انبثق منها فضوله العلمي وشغفه العميق بملاحظة السلوك الحيواني، وتتبع الفروق الدقيقة في استجابات الكائنات للبيئة المحيطة بها.

واجهت عائلة يركيز مصاعب وتحديات اقتصادية خانقة فرضتها التحولات الاقتصادية والصناعية التي شهدتها الولايات المتحدة في أعقاب الحرب الأهلية وعصر النهضة الصناعية الكبرى، مما ولد لدى روبرت الصغير شعوراً دفيناً بضرورة الكفاح والاعتماد على الذات لتحقيق الارتقاء الطبقي والاجتماعي. كان والده فلاحاً مستقيماً وصارماً، بينما كان لأمه وجده لأمه تأثير أخلاقي وديني بالغ في توجيهه نحو الالتزام الصارم والعمل الدؤوب، وغرس قيم النزاهة والبحث عن الحقيقة. غير أن هذا التدين الأسري لم يقيد طموحه الذهني، بل انصرف يركيز منذ يفاعته إلى مراقبة الغابات والوديان المحيطة بنهر شيلكيل في بنسلفانيا، وتدوين ملاحظات أولية حول سلوك الطيور والبرمائيات، وهو ما بلور بداخله نزعة عقلانية ترنو إلى تفسير الظواهر البيولوجية بعيداً عن الغيبيات.

1.2 المسار الجامعي الأول في كلية أورسينوس

سعياً وراء تحقيق التطلعات الأسرية في اعتلاء مكانة مهنية رفيعة، التحق يركيز عام 1892 بـ كلية أورسينوس (Ursinus College)، وهي مؤسسة أكاديمية ناشئة في كوليجفيل ببنسلفانيا، كانت تابعة لإحدى الكنائس الإصلاحية. كانت النية المبدئية المعقودة لدى أسرته ولدى يركيز نفسه هي دراسة الطب البشري، باعتباره المسار التقليدي المرموق الذي يجمع بين الوجاهة الاجتماعية والتطبيق المباشر للعلوم الطبيعية. وخلال سنواته الأولى في أورسينوس، انغمس يركيز في دراسة علم التشريح، وعلم النبات، والكيمياء الحيوية، وأظهر نبوغاً استثنائياً في التشريح المخبري والدراسات المقارنة للأنسجة الحية، مما لفت أنظار أساتذته الذين رأوا فيه باحثاً تجريبياً واعداً يتجاوز أفق الممارسة الطبية السريرية المحدودة.

شهدت هذه المرحلة تحولاً فكرياً جوهرياً وجذرياً في وعي يركيز الأكاديمي؛ إذ بدأ يدرك تدريجياً أن شغفه الحقيقي لا يكمن في علاج الأمراض الفردية للمرضى كطبيب سريري، بل في استكشاف القوانين الكلية التي تحكم وظائف الأعضاء وسلوك الكائنات الحية ككل. كان لتأثره بأساتذة العلوم الطبيعية الأوائل في الكلية دور كبير في إقناعه بأن علم وظائف الأعضاء (Physiology) وعلم الحيوان (Zoology) يمثلان الجبهة المتقدمة الحقيقية للمعرفة الإنسانية. تخرج يركيز من كلية أورسينوس عام 1897 حاملاً درجة البكالوريوس، حاسماً أمره باتخاذ قرار تاريخي بالعدول النهائي عن مهنة الطب السريري، وتكريس حياته للبحث العلمي الرصين في البيولوجيا التجريبية والدراسة العلمية الصارمة للعقل والسلوك.

1.3 الانتقال إلى جامعة هارفارد وتأثير الرواد

في خريف عام 1897، اتجهت بوصلة يركيز نحو واحدة من أعرق قلاع الفكر الأكاديمي العالمي، حيث التحق بـ جامعة هارفارد لإكمال دراساته العليا. حصل أولاً على درجة بكالوريوس ثانية من هارفارد في عام 1898 لتأكيد أهليته المنهجية، ثم واصل دراسته للماجستير والدكتوراه تحت إشراف نخبة من ألمع العقول المؤسسة لعلم النفس في أمريكا. كانت هارفارد في ذلك الوقت مرجلاً فكرياً تتصارع وتتلاقح فيه التيارات الفلسفية والبيولوجية؛ حيث كان الفيلسوف وعالم النفس الأسطوري ويليام جيمس (William James) يطرح أفكاره الثورية حول الوظيفية والبراغماتية وتدفق الوعي، مما زرع في عقل يركيز ضرورة النظر إلى العقل البشري والحيواني كأداة بيولوجية تكيفية تطورت لخدمة بقاء الكائن في بيئته الطبيعية.

وعلى الرغم من إعجابه العميق بعبقرية ويليام جيمس البلاغية والحدسية، انجذب يركيز بشكل أقوى نحو المدرسة التجريبية الصارمة التي كان يقودها عالم النفس الألماني المهاجر هوغو مونستربرغ (Hugo Münsterberg)، الذي استقطبه جيمس لإدارة مختبر علم النفس التجريبي في هارفارد. زرع مونستربرغ في يركيز النزعة المختبرية الألمانية الدقيقة المعتمدة على استخدام الأجهزة الفيزيائية والمقاييس الدقيقة لضبط الاستجابات العصبية والحسية. وبالتوازي مع ذلك، تأثر يركيز بأبحاث المعاصر الشاب إدوارد لي ثورندايك (Edward L. Thorndike) وتجاربه الشهيرة على صناديق الألغاز للقطط، مما دفع يركيز لتقديم أطروحة دكتوراه متميزة تناولت الجهاز العصبي وردود الأفعال الحسية لدى قناديل البحر، ليحصل على الدكتوراه عام 1902، ويبدأ مسيرته الأكاديمية كمد مدرس ومحاضر في قسم الفلسفة وعلم النفس بجامعة هارفارد.

2. تأسيس علم النفس المقارن والتجارب الحيوانية الأولى

2.1 أبحاث اللافقاريات والفقاريات الدنيا

كرس روبرت يركيز سنواته الأولى كعضو هيئة تدريس في هارفارد لتنفيذ برنامج بحثي طموح وفريد، ركز فيه على دراسة القدرات السلوكية والحسية للكائنات التطورية الدنيا واللافقاريات، في مسعى منه لبناء سلم تطوري متكامل للإدراك. بدأ يركيز بإجراء تجارب رائدة في مختبرات هارفارد ومحطة البيولوجيا البحرية في وودز هول، مستخدماً قناديل البحر المائية (Hydromedusae)، والديدان الحلقية، والسرطانات المائية؛ حيث عمل على قياس مدى قدرة هذه الكائنات البسيطة عصبياً على الاستجابة للمؤثرات الضوئية، واللمسية، والكيميائية، واختبار ما إذا كانت تملك إمكانية تكوين ارتباطات شرطية بدائية تماثل التعلم الأولي.

انتقل يركيز بعد ذلك إلى دراسة الفقاريات الدنيا، مجرياً تجارب دقيقة ومكثفة على الضفادع والسلاحف المائية والبرية، ولا سيما سلحفاة المياه العذبة المرقطة. صمم يركيز متاهات خاصة ومسارات تجريبية مغلقة لقياس قدرة السلاحف على التعلم المكاني، وتجاوز العقبات للحصول على مكافأة بيئية كالظل أو الرطوبة. أظهرت هذه الأبحاث أن السلاحف قادرة على تكوين عادات حركية معقدة وتعديل سلوكها استناداً إلى الخبرة السابقة، وهو ما شكل آنذاك اكتشافاً علمياً غير مسبوق في أوساط البيولوجيين؛ إذ أسقط النظرة الميكانيكية الشائعة التي كانت تختزل سلوك الفقاريات الدنيا في مجرد منعكسات لاإرادية عمياء، وفتح الباب أمام تأسيس دراسات كمية موضوعية لقياس الذكاء والذاكرة البدائية في مختلف مراتب السلم البيولوجي.

2.2 دراسة سلوك الثدييات وفئران التجارب

مع ترسيخ موقعه في علم النفس المقارن، انتقل يركيز إلى فئة الثدييات، متبنياً توجهاً منهجياً صارماً يهدف إلى تخليص علم النفس الحيواني من رواسب التفسيرات “الإنسانية المجسمة” (Anthropomorphism). كانت الكتابات السائدة في أواخر القرن التاسع عشر تميل إلى إضفاء المشاعر، والعواطف، والدوافع العقلية الإنسانية المعقدة على تصرفات الحيوانات الأليفة، وهو ما اعتبره يركيز انحرافاً غير علمي يضر بدقة الملاحظة. وفي هذا الصدد، طور يركيز بالتعاون مع زملائه مجموعة من المتاهات القياسية المعيارية، والأجهزة البصرية التي تعتمد على التمييز بين الألوان والأنماط الهندسية ودرجات السطوع لدى فئران التجارب، والقطط، والكلاب، والخنازير، مستهدفاً قياس الاستجابة السلوكية المجردة القابلة للتكميم الرياضي والتحليل الإحصائي الدقيق.

أصر يركيز على أن دراسة سلوك الثدييات يجب ألا تستند إلى الملاحظات العفوية المعزولة أو الحكايات الشعبية، بل يجب أن تخضع لمعايير الضبط المخبري المشدد، كعزل المتغيرات الدخيلة، وضبط درجات الحرارة، وتوحيد الحالة الفسيولوجية للحيوان كالجوع والعطش، وتسجيل زمن الرجع بدقة عبر أجهزة التوقيت الميكانيكية. أسهمت هذه النزعة الصارمة في إدخال فئران التجارب (Rats and Mice) كأداة معيارية ونموذج بيولوجي لا غنى عنه في أبحاث التعلم والسلوك المعرفي، ووضعت الأساس التجريبي لمفهوم “الملاحظة السلوكية القابلة للتكرار” (Replicable Behavioral Observation) التي استلهمتها لاحقاً المدرسة السلوكية الصاعدة في الولايات المتحدة بقيادة جون واطسون (John B. Watson).

2.3 إصدار كتاب الفأر الراقص (1907)

توج يركيز مرحلته البحثية الأولى بإصدار كتابه الكلاسيكي المفصلي The Dancing Mouse: A Study in Animal Behavior عام 1907، والذي يُعد أول دراسة أحادية (Monograph) شاملة ومكتملة تُنشر في أمريكا حول سلوك نوع حيواني محدد وفق مناهج علم النفس المقارن المعاصر. تناول الكتاب سلالة طافرة وغريبة من الفئران المستوردة من شرق آسيا، والمعروفة بـ “الفئران الراقصة اليابانية”، والتي تتميز بحركات دائرية مستمرة ومضطربة عجز البيولوجيون الكلاسيكيون عن تفسير أسبابها العصبية والسلوكية بدقة وموضوعية تجريبية.

قام يركيز بتشريح منهجي لسلوك هذه الفئران، جامعاً بين الملاحظة السلوكية الدقيقة، والتجارب المعملية، والتحليل التشريحي والفسيولوجي للأذن الداخلية والجهاز الدهليزي المسؤول عن حفظ التوازن. أثبت يركيز أن الحركات الراقصة والسلوك المضطرب يرجعان إلى خلل بنيوي وراثي في القنوات الهلالية للأذن، مما أدى إلى فقدان السمع والاعتماد الكلي على حواس الرؤية واللمس والشم. علاوة على ذلك، استغل يركيز هذه السلالة لاختبار قدراتها على التمييز البصري والتعلم التمييزي تحت ضغط منبهات عقابية خفيفة، مما جعل الكتاب مرجعاً منهجياً تأسيسياً، وأرسى مكانة علم النفس المقارن كحقل بحثي وأكاديمي مستقل ومعترف به في الجامعات الأمريكية، وتأكيداً على كفاءة يركيز كأستاذ بارز في هذا التخصص الناشئ.

3. قانون يركيز-دودسون: العلاقة بين الاستثارة والأداء

3.1 التجربة التأسيسية بالتعاون مع جون دودسون (1908)

في عام 1908، وفي خضم أبحاثه المعملية في جامعة هارفارد، أجرى يركيز بالتعاون مع تلميذه وباحث الدراسات العليا جون ديلينغهام دودسون (John Dillingham Dodson) تجربة مختبرية تاريخية ستغير مسار علم النفس التجريبي والفسيولوجي إلى الأبد. صمم الباحثان جهازاً تمييزياً بصرياً أُطلق عليه لاحقاً اسم “صندوق يركيز”، حيث وُضعت فئران التجارب البيضاء أمام مسارين للاختيار بين ممرين: أحدهما مضاء بدرجة معينة والآخر مظلم، وكان على الفأر أن يتعلم اختيار الممر الصحيح لتفادي عقاب جسدي تمثل في تلقي صدمة كهربائية عبر شبكة أرضية موصلة.

تمثلت العبقرية المنهجية للتجربة في إدخال متغيرين تجريبيين مستقلين وتغييرهما بانتظام: المتغير الأول هو شدة الصدمة الكهربائية (التي تمثل مستوى الاستثارة العصبية أو الدافعية العقابية) وتراوحت بين صدمات ضعيفة وخفيفة، وصدمات متوسطة محتملة، وصدمات كهربائية شديدة ومؤلمة جداً. أما المتغير الثاني فكان درجة صعوبة المهمة التمييزية؛ حيث تم التلاعب بدرجة التباين الضوئي بين الممرين، بحيث كانت المهمة تارة سهلة للغاية بوجود تباين حاد بين الأبيض والأسود، وتارة معقدة وبالغة الصعوبة عندما كان الفارق في شدة الإضاءة بين الممرين ضئيلاً جداً ولا يكاد يُلاحظ.

سجل يركيز ودودسون سرعة التعلم وعدد المحاولات والأخطاء التي ارتكبها كل حيوان للوصول إلى معيار الإتقان الكامل. وجاءت النتائج مدهشة ومفاجئة للأوساط العلمية السائدة في ذلك الوقت؛ فبينما كان الاعتقاد الشائع يقضي بأن زيادة شدة العقاب أو الحافز تؤدي طردياً ودائماً إلى تسريع وتيرة التعلم وتحسين كفاءة الإنجاز، أظهرت البيانات المخبرية أن شدة الصدمة الكهربائية عندما تجاوزت حداً معيناً في المهام المعقدة، تدهور أداء الفئران بشكل دراماتيكي، وأصيبت بحالة من العجز والارتباك السلوكي، في حين أن الصدمات المعتدلة حققت أعلى وأسرع معدلات للتعلم الناجح.

3.2 الصياغة النظرية للمنحنى المقلوب على شكل حرف U

أسفرت النتائج المستخلصة من تجربة 1908 عن صياغة المبدأ السيكولوجي الراسخ المعروف بـ قانون يركيز-دودسون (Yerkes-Dodson Law)، والذي ينص رياضياً ونظرياً على أن العلاقة بين مستوى الاستثارة الفسيولوجية أو العصبية (Arousal) وبين مستوى جودة وكفاءة الأداء الإدراكي أو السلوكي (Performance) ليست علاقة خطية تصاعدية، بل تأخذ شكل منحنى مقلوب على هيئة حرف U (Inverted-U Curve). ووفقاً لهذا القانون، يمر الأداء بثلاث مراحل رئيسية تبعاً لتدفق الاستثارة:

  • مرحلة الاستثارة المنخفضة: يعاني الكائن الحي في هذه المرحلة من انخفاض الدافعية أو الخمول والتبلد الذهني، مما يؤدي إلى بطء التعلم وتدني مستويات الانتباه والأداء الحركي.
  • مرحلة الاستثارة المثلى (Optimal Arousal): يرتفع الأداء تدريجياً مع زيادة الاستثارة حتى يصل إلى ذروته وكفاءته القصوى في نقطة توازن محددة ومرنة فسيولوجياً.
  • مرحلة الاستثارة المفرطة (Hyperarousal): إذا تجاوزت الاستثارة العصبية أو التوتر الداخلي العتبة الحرجة، يبدأ الأداء في الانهيار المتسارع والسقوط الحاد نتيجة تفشي القلق، والارتباك السلوكي، وفقدان التركيز الحركي والإدراكي.

تضمن القانون شقاً ثانياً بالغ الأهمية غالباً ما يُغفل في التناول التبسيطي، وهو أن نقطة الاستثارة المثلى تختلف جذرياً باختلاف طبيعة وصعوبة المهمة. ففي المهام البسيطة، أو الآلية، أو التي تعتمد على التحمل البدني والقوة العضلية المجردة، يمكن للكائن الحي أن يتحمل مستويات عالية جداً من الاستثارة العاطفية والتوتر دون أن ينهار أداؤه، بل قد تسهم الاستثارة العالية في تحسين النتائج السريعة. في المقابل، عندما تكون المهمة عقلية معقدة تتطلب التمييز الدقيق، وحل المشكلات، والذاكرة العاملة، فإن مستوى الاستثارة الأمثل يجب أن يكون منخفضاً أو معتدلاً جداً؛ لأن أي زيادة طفيفة في التوتر العقلي تفضي مباشرة إلى تشتت الذهن وتراكم الأخطاء الجسيمة.

3.3 التطبيقات المعاصرة للقانون في علم النفس السريري والتنظيمي

على الرغم من مرور أكثر من قرن على صياغته الأولى على الحيوانات، لا يزال قانون يركيز-دودسون يحتفظ ببريق استثنائي في المشهد السيكولوجي المعاصر؛ إذ تم استيعابه وتطويره كنظرية مركزية لتفسير طيف واسع من الظواهر الإنسانية السلوكية والفسيولوجية. ففي مجال علم النفس الرياضي والأداء العالي، تعتمد برامج إعداد الرياضيين والطيارين ورواد الفضاء على تدريب الأفراد لإدارة القلق وضبط مستويات الأدرينالين للوصول إلى ما يُعرف بـ “حالة التدفق” (Flow State) أو منطقة الأداء الأمثل (Zone of Optimal Functioning)، مما يمنع ظاهرة “الاختناق تحت الضغط” (Choking under pressure) التي تتطابق حرفياً مع نموذج المنحنى المقلوب.

وفي إطار علم النفس التنظيمي وسيكولوجيا العمل، يشكل القانون الأساس النظري لإدارة الإجهاد المهني؛ حيث تؤكد الأبحاث الإدارية الحديثة أن غياب الضغوط تماماً يولد اللامبالاة وضعف الإنتاجية، بينما تؤدي أعباء العمل المفرطة إلى “الاحتراق النفسي” (Burnout) وتدهور كفاءة اتخاذ القرارات الاستراتيجية. كما وظف علم النفس السريري المعاصر هذا القانون في تفسير وتدبير اضطرابات القلق العام والرهاب؛ حيث يتم ربط القلق المرضي بزيادة النشاط الودي واللوزة الدماغية وتراجع قدرات قشرة الفص الجبهي على المعالجة التنفيذية. ورغم التعديلات النقدية المعاصرة التي أدخلها علماء الأعصاب باستخدام تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي لبيان دور توازنات الدوبامين والنورأدرينالين، يظل قانون يركيز-دودسون الهيكل النظري الأبسط والأكثر رسوخاً لتوصيف ديناميكيات الجهد والأداء الإنساني.

4. قيادة حركة القياس النفسي أثناء الحرب العالمية الأولى

4.1 تولي رئاسة الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) عام 1917

شهد عام 1917 تحولاً محورياً حاسماً نقل روبرت يركيز من أروقة المختبرات الجامعية إلى مراكز صنع القرار القومي الأمريكي؛ حيث انتُخب رئيساً لـ الجمعية الأمريكية لعلم النفس (American Psychological Association – APA) في سن مبكرة نسبياً. وتزامن هذا الانتخاب مع دخول الولايات المتحدة الأمريكية معترك الحرب العالمية الأولى إلى جانب قوات الحلفاء ضد دول الوسط، وهو الحدث التاريخي الذي استنفر كافة مؤسسات المجتمع الأمريكي. أدرك يركيز على الفور، بحسه البراغماتي الحاد وطموحه المؤسسي الجامح، أن هذه الأزمة تمثل فرصة ذهبية وتاريخية نادرة لانتشال علم النفس من كونه مبحثاً أكاديمياً منعزلاً وإثبات فائدته العملية والبراغماتية للدولة والمجتمع على أوسع نطاق ممكن.

بمجرد تسلمه مقاليد الرئاسة، وجه يركيز دعوة عاجلة لمجلس إدارة الجمعية، وقام بتعبئة المجتمع السيكولوجي الأمريكي بأسره لخدمة المجهود الحربي الحكومي. طرح يركيز رؤية ثورية مفادها أن النصر العسكري في العصر الحديث لا يعتمد فقط على التفوق التكنولوجي واللوجستي، بل يعتمد بالدرجة الأولى على “الكفاءة العقلية والنفسية” للجيش. وشكل يركيز عدة لجان متخصصة لاستقصاء المشكلات العسكرية الملحة، شملت اختيار وتدريب الطيارين، وعلاج الصدمات العصبية وصدمات القذائف (Shell Shock)، وتقييم الروح المعنوية، إلا أن تركيزه الشخصي والأساسي انصب كلياً على لجنة واحدة أسسها وترأسها بنفسه: لجنة الفحص النفسي للمجندين.

4.2 إنشاء لجنة الفحص النفسي للمجندين في الجيش

قاد يركيز تحركاً سياسياً وإدارياً معقداً لإقناع قيادات وزارة الحرب الأمريكية وهيئة الأركان العامة للجيش بجدوى إخضاع ملايين المجندين الجدد لفحوصات عقلية ونفسية قياسية قبل إرسالهم إلى ميادين القتال في أوروبا. لم تكن هذه المهمة يسيرة بأي حال من الأحوال؛ فقد واجه يركيز مقاومة شرسة وارتياباً عميقاً من جانب كبار الضباط العسكريين التقليديين الذين كانوا ينظرون إلى علماء النفس كفلاسفة حالمين أو “دجالين أكاديميين” لا يفقهون شيئاً في الشؤون العسكرية والتكتيكية. لكن يركيز، مستعيناً بدعم المجلس الوطني للبحوث (National Research Council) وشبكة علاقاته في واشنطن، تمكن من كسب ثقة الجراح العام للجيش (Surgeon General)، وقُبلت خطته رسمياً تحت مظلة الفيلق الطبي للجيش.

مُنح يركيز رتبة رائد (Major) ثم رتبة مقدم (Lieutenant Colonel) في الجيش الأمريكي، وأُسندت إليه إدارة قسم الفحص النفسي التابع لمكتب الجراح العام. وعلى الفور، قام يركيز بتجنيد العشرات من كبار علماء النفس في أمريكا، من بينهم أسماء لامعة مثل لويس تيرمان (Lewis Terman)، وإدوارد ثورندايك، وهنري غودارد (Henry Goddard). وأسس يركيز معسكراً تدريبياً مغلقاً ومتخصصاً للضباط والفاحصين النفسيين في “فورت أوجليثورب” (Fort Oglethorpe) بولاية جورجيا؛ حيث دُرّب المئات من المتطوعين والضباط على المنهجيات المعيارية لإدارة وتطبيق الاختبارات النفسية العسكرية وتصحيحها وتفسير درجاتها الإحصائية بدقة متناهية وسرعة فائقة.

4.3 الانتقال التاريخي من الاختبارات الفردية إلى الاختبارات الجمعية

فرضت متطلبات التعبئة العسكرية الشاملة على يركيز وفريقه تحدياً تقنياً ومعرفياً غير مسبوق في تاريخ علم النفس السيكومتري؛ ففي ذلك الوقت، كان النموذج السائد والمسيطر في قياس الذكاء هو اختبار “بينيه-سيمون” (Binet-Simon) ومراجعته الأمريكية الشهيرة المعروفة بـ ستانفورد-بينيه (Stanford-Binet) التي وضعها لويس تيرمان. ورغم النجاح الكبير لمقياس ستانفورد-بينيه، إلا أنه كان اختباراً فردياً يُطبق وجهاً لوجه من قبل فاحص متخصص ومدرب على مفحوص واحد في جلسة تستغرق قرابة الساعة أو أكثر، وهو ما جعله مستحيلاً وعاجزاً بنيوياً عن تلبية حاجة الجيش الأمريكي الذي كان يتدفق إليه مئات الآلاف من المجندين شهرياً عبر معسكرات الاستقبال.

تصدى يركيز لهذه المعضلة عبر إحداث نقلة بارادايغمية جذرية في تاريخ القياس النفسي، تمثلت في التحول من الفحص السريري الفردي إلى “الاختبارات الجمعية المقننة” (Group-Administered Standardized Testing). واستلهاماً لأفكار وتصميمات آرثر أوتيس (Arthur Otis)، وهو أحد تلامذة تيرمان، وضع يركيز وفريقه أول بنية متكاملة لاختبارات الذكاء الورقية التي يمكن تطبيقها في وقت واحد على مئات وحتى آلاف الأفراد داخل قاعات ومعسكرات فسيحة، مع توحيد دقيق للزمن المخصص، وصياغة أسئلة موضوعية من نمط الاختيار من متعدد والصواب والخطأ، مما يسمح بإجراء التصحيح الآلي أو السريع بواسطة قوالب تصحيح مثقوبة لا تتطلب تدريباً تخصصياً معمقاً. دشنت هذه النقلة التقنية ولادة حركة السيكومترية الحديثة، وأرست البنية التحتية الصلبة التي ستعتمد عليها لاحقاً أنظمة التعليم، والشركات، والمؤسسات الحكومية والمدنية في جميع أرجاء العالم الغربي.

5. تصميم وتطبيق اختبارات الجيش: ألفا وبيتا

5.1 اختبار الجيش ألفا (Army Alpha): البنية والمستهدفات

صُمم اختبار “الجيش ألفا” (Army Alpha) ليكون أداة القياس النفسي الجمعي الرئيسية الموجهة للمجندين الذين يجيدون القراءة والكتابة باللغة الإنجليزية. كان الهدف الجوهري للاختبار هو تقييم “القدرة العقلية العامة” وسرعة الاستيعاب، والقدرة على التفكير المنطقي، واستخلاص المبادئ المجردة، بغية فرز المجندين وتحديد المؤهلين لتلقي تدريبات الضباط والرتب القيادية في الجيش، واستبعاد الأفراد المصابين بضعف عقلي يمنعهم من المشاركة في العمليات العسكرية. تألف اختبار ألفا من ثمانية أقسام واختبارات فرعية محكمة الصياغة ومحددة بالثواني والدقائق:

  1. اتباع التعليمات الشفهية والمعقدة: فحص القدرة على التركيز السمعي والتنفيذ الدقيق لأوامر متسلسلة.
  2. حل المشكلات الحسابية والمسائل الرياضية: تقييم التفكير الكمي والاستدلال العددي السريع.
  3. الفهم العام والمنطق العملي: اختبار القدرة على التصرف السليم في المواقف اليومية والأزمات الميدانية.
  4. المترادفات والأضداد اللغوية: قياس الثروة اللفظية وفهم العلاقات الدلالية بين الكلمات.
  5. تفكيك الجمل المفككة وغير المرتبة: إعادة بناء العبارات واختبار تماسك التفكير اللغوي والمنطقي.
  6. إكمال السلاسل والمتواليات العددية: رصد القدرة على استنتاج القوانين الرياضية المجردة.
  7. التماثلات والعلاقات التناظرية: قياس الاستدلال الاستقرائي عبر اكتشاف العلاقات التناظرية بين أزواج المفردات.
  8. المعلومات العامة والمعرفة الثقافية: استدعاء الحقائق العامة السائدة في المجتمع الأمريكي المعاصر.

خضعت أوراق الإجابات لآلية تصحيح صارمة وموضوعية خالية من التدخل الذاتي للفاحصين؛ حيث تُرجمت الدرجات الخام الإجمالية إلى مقياس معياري محدد يتألف من سبع فئات رتبية، تبدأ من الدرجة (A) التي تعبر عن ذكاء فائق وتؤهل صاحبها فوراً للالتحاق بمدارس المرشحين للضباط، هبوطاً إلى الدرجات (B) و(C+ وC وC-) التي تشمل الغالبية العظمى من الجنود الميدانيين المشاة، وصولاً إلى الدرجتين (D) و(E) اللتين تشيران إلى قصور عقلي واضح، وتوصيان بتسريح الفرد من الخدمة أو تكليفه بأعمال يدوية شاقة وخدمية خلف خطوط القتال.

5.2 اختبار الجيش بيتا (Army Beta): معالجة عوائق اللغة والأمية

سرعان ما واجه تطبيق اختبار ألفا في معسكرات الجيش عقبة كبرى لم تكن محسوبة بالشكل الكافي؛ فقد كشفت البيانات الأولية أن ما يقرب من 30% من إجمالي المجندين المسجلين في الجيش الأمريكي كانوا أميين تماماً عاجزين عن القراءة والكتابة باللغة الإنجليزية، أو كانوا من المهاجرين الجدد القادمين من دول شرق وجنوب أوروبا الذين لا يتحدثون الإنجليزية مطلقاً. ولمنع إهدار هذه الطاقات وتفادي تصنيف هؤلاء الأفراد كمعاقين عقلياً استناداً إلى حاجز اللغة، بادر روبرت يركيز وفريقه إلى تصميم أداة قياس موازية أطلقوا عليها “اختبار الجيش بيتا” (Army Beta).

يُعد اختبار بيتا إنجازاً هندسياً رائداً في تاريخ الاختبارات غير اللفظية (Non-verbal Tests)؛ حيث تم تصميمه بالكامل دون الاعتماد على كلمة مقروءة أو مكتوبة واحدة. تكون الاختبار من سبع مهام أدائية بصرية وحركية شملت:

  • تتبع ومسح المتاهات المرسومة على الورق بقلم رصاص.
  • عد المكعبات والمجسمات ثلاثية الأبعاد المرسومة على سطح مستوٍ.
  • إكمال المتواليات الرمزية وتشفير الأرقام برموز هندسية خاصة (X-O).
  • إكمال الأجزاء الناقصة في الصور (مثل رسم بندقية ينقصها الزناد، أو وجه ينقصه أنف).
  • التعرف على التماثلات والاختلافات المكانية بين سلاسل الأشكال البصرية.

أما على صعيد التعليمات وتطبيق الاختبار، فقد أقصى يركيز التوجيهات اللفظية بالكامل، مستبدلاً إياها بنظام “التعليمات الإيمائية والحركية”؛ حيث كان الفاحص يقف على منصة مرتفعة أمام مئات المجندين الأميين، ويقوم بالإشارة وحل أمثلة توضيحية تجريبية على لوحة جدارية عملاقة باستخدام حركات يد وتمثيل مسرحي صامت يشرح للمشاركين كيفية الإمساك بالقلم والبدء بالحل. ورغم هذا الابتكار الشكلي، ظل الاختبار محملاً بضغوط نفسية حادة وسوء فهم واسع، نابع من غرابة الموقف التجريبي على أفراد لم يمسكوا قلماً في حياتهم.

5.3 التطبيق الميداني ونتائج تقييم 1.75 مليون مجند

دشنت العملية العسكرية الأمريكية أضخم تجربة فحص نفسي ومسح عقلي للبشر شهده كوكب الأرض حتى ذلك الحين؛ حيث طبق يركيز وجهازه الإداري الاختبارات في أكثر من 35 معسكراً عسكرياً على امتداد الولايات المتحدة، ليصل إجمالي من خضعوا للاختبارات النفسية الرسمية إلى ما يزيد عن 1.75 مليون مجند. كانت اللوجستيات الميدانية معقدة للغاية؛ إذ كان يتم إخضاع مئات المجندين يومياً لاختبار ألفا، ومن يفشل في تحقيق العتبة الدنيا يُحول فوراً في نفس اليوم أو اليوم التالي إلى اختبار بيتا، ومن يرسب في الأخير يُحال إلى فحص فردي تكميلي عبر اختبارات الأداء لستانفورد-بينيه لتأكيد تشخيص العته أو التخلف العقلي.

استُخدمت هذه البيانات الضخمة في عمليات التوزيع الميداني الفعلي للجيش، حيث حُرم مئات الآلاف من تولي مسؤوليات حساسة استناداً إلى نتائج الاختبارات، بينما وُجه المتفوقون إلى الفيالق الهندسية ومدارس الطيران والاستخبارات. وعقب انتهاء الحرب وتوقيع الهدنة عام 1918، انصرف يركيز إلى قيادة مشروع بحثي وإحصائي هائل لتحليل هذه الكتلة المليونية من البيانات النفسية، وتوج هذا الجهد المضني بنشر وثيقة تاريخية موسوعية عام 1921 تحت رعاية الأكاديمية الوطنية للعلوم في واشنطن، بلغت أكثر من 890 صفحة من الحجم الكبير، وعُرفت باسم Memoirs of the National Academy of Sciences, Volume XV: Psychological Examining in the United States Army، وهي الوثيقة التي ستفجر عواصف من السجالات الأيديولوجية والسياسية في المجتمع الأمريكي لعقود تالية.

6. الجدل الفكري والسياسي حول تحسين النسل والذكاء العرقي

6.1 انخراط يركيز في حركة اليوجينيا الأمريكية

لم يكن روبرت يركيز باحثاً محايداً يقف على مسافة فاصلة من الصراعات الأيديولوجية لزمانه؛ بل كان منخرطاً حتى النخاع في الحركة الفكرية والسياسية الرامية إلى تطبيق أفكار ومبادئ تحسين النسل (Eugenics)، التي أسسها فرانسيس غالتون (Francis Galton) واكتسحت النخب الأكاديمية الأمريكية في مطلع القرن العشرين. كان يركيز عضواً بارزاً وفاعلاً في اللجنة الاستشارية العلمية لـ “جمعية تحسين النسل الأمريكية” (American Eugenics Society)، وارتبط بعلاقات عمل وصداقة فكرية وثيقة مع كبار أقطاب هذا التيار في مختبر كولد سبرينغ هاربور، وفي مقدمتهم تشارلز دافنبورت (Charles Davenport) وهاري لافلين (Harry Laughlin).

كانت المنطلقات الفلسفية ليركيز تستند إلى نزعة متطرفة في “الحتمية البيولوجية” (Biological Determinism) والوراثة الصارمة؛ إذ آمن إيماناً لا يتزعزع بأن القدرات العقلية، والذكاء العام، والميول السلوكية والأخلاقية تُورث عبر الجينات البيولوجية بنفس الطريقة الآلية والميكانيكية التي تُورث بها الخصائص الفيزيائية كطول القامة ولون العيون. ورأى يركيز، مستعيراً مفردات الداروينية الاجتماعية، أن المجتمعات البشرية تواجه خطراً بيولوجياً داهماً يتمثل في التدهور الوراثي والتلوث الجيني (Dysgenics)، نتيجة التكاثر العشوائي والمفرط لمن وصفهم بـ “المنحطين وراثياً” وضعاف العقول، داعياً بحماس إلى تبني سياسات عامة صارمة تشمل التعقيم القسري للمتخلفين عقلياً، وضبط التكاثر البشري عبر الانتقاء الصناعي لحماية العرق الأمريكي من الانحدار والاضمحلال الحضاري.

6.2 تفسير بيانات التجنيد والتسلسل الهرمي للذكاء

شكل المجلد الخامس عشر من مذكرات الأكاديمية الوطنية للعلوم، الذي أشرف يركيز على تحريره، الذخيرة الأيديولوجية الكبرى التي غذت نظريات التفوق العرقي والطبقي؛ فقد تضمنت التحليلات الإحصائية التي قدمها يركيز وزملاؤه نتائج صادمة قلبت الرأي العام الأمريكي رأساً على عقب. كان الاستنتاج الأول والأكثر إثارة للفزع هو أن العمر العقلي لمتوسط الجندي الأمريكي الأبيض البالغ يبلغ بالكاد 13.08 عاماً، مما يعني، في المنظور السيكومتري ليركيز، أن الأمة الأمريكية هي “أمة من المورون” (Morons – ضعاف العقول) تقف على حافة الهاوية العقلية.

أما الاستنتاج الأخطر والأكثر تعصباً فقد تمثل في وضع جدول تراتبي هرمي وصارم للذكاء بين الأعراق والجنسيات البشرية التي خضعت للفحص العسكري. صنفت نتائج يركيز المجموعات العرقية على النحو التالي:

  • في القمة الهرمية: المهاجرون والمجندون المنحدرون من شمال غرب أوروبا (إنجلترا، إسكتلندا، هولندا، وألمانيا) الذين حققوا أعلى متوسطات في العمر العقلي ونسب الذكاء.
  • في المستويات الوسطى والدنيا: المجندون المنحدرون من دول شرق وجنوب أوروبا (إيطاليا، بولندا، روسيا، واليونان)، والذين وُصموا بتدني معدلات ذكائهم العامة وارتفاع نسب التخلف العقلي بينهم.
  • في قاع الهرم: المواطنون الأمريكيون من أصول إفريقية (السود)، والذين بلغ متوسط العمر العقلي المسجل لغالبيتهم وفق اختبارات الجيش نحو 10.41 عاماً.

تكمن المغالطة الكارثية في تفسير يركيز لهذه النتائج في رفضه التام والقاطع لنسب هذه الفروق الشاسعة إلى العوامل البيئية، مثل الفقر المدقع، والحرمان التعليمي الحاد، والتمييز العنصري الممنهج، وقوانين الفصل العنصري (Jim Crow)، أو حتى الصعوبات اللغوية الواضحة؛ بل أصر بغطرسة أكاديمية مطلقة على أن هذه الفروق هي انعكاس مباشر وفطري للدونية البيولوجية والوراثية الثابتة لهذه الشعوب والأعراق، مجرداً إياهم من أي إمكانية للتطور المعرفي عبر تحسين الظروف الاجتماعية أو المدرسية.

6.3 التأثير التشريعي وقانون الهجرة لعام 1924

لم تقف تداعيات تحليلات يركيز الإحصائية عند حدود الجدل الأكاديمي داخل أروقة الجامعات، بل سرعان ما تحولت إلى أداة سياسية فتاكة استُخدمت لصياغة سياسات الدولة العليا. في أوائل عشرينيات القرن العشرين، واجه الكونغرس الأمريكي ضغوطاً متصاعدة من التيارات القومية والمحافظة لوقف ما وُصف بـ “المد الجارف” للمهاجرين القادمين من جنوب وشرق أوروبا، والذين كان يُنظر إليهم كعناصر هدامة تهدد النسيج الأنجلو-ساكسوني للبلاد.

وظفت لجنة الهجرة والتجنس في مجلس النواب الأمريكي، بقيادة النائب ألبرت جونسون، بيانات ونتائج اختبارات الجيش التي وضعها يركيز كدليل “علمي وموضوعي لا يقبل الشك” يثبت دونية المهاجرين الجدد عقلياً وأخلاقياً. استُدعي حلفاء يركيز، كعالم القياس هاري لافلين وكارل بريغهام (Carl Brigham) الذي نشر كتاب A Study of American Intelligence عام 1923 مستنداً بالكامل لبيانات يركيز، لتقديم شهاداتهم أمام لجان الكونغرس. أدت هذه الشهادات المدعومة بسلطة ومكانة روبرت يركيز إلى إقرار قانون الهجرة لعام 1924 (قانون جونسون-ريد / The Immigration Act of 1924).

فرض هذا القانون نظام حصص صارم وجائر (National Origins Quota)، حدد سقف الهجرة السنوية لكل دولة بنسبة 2% فقط من عدد سكانها المقيمين في الولايات المتحدة وفقاً لتعداد عام 1890 القديم. كان الهدف الخبيث والمباشر لهذا التاريخ هو استبعاد المهاجرين الإيطاليين، والبولنديين، والروس، واليهود، الذين لم تكن موجات هجرتهم قد تدفقت بكثافة قبل 1890، بينما فُتحت الأبواب على مصراعيها لمهاجري شمال غرب أوروبا. وقد اعتبر المؤرخون المعاصرون أن الدور الذي لعبه يركيز في هذه المأساة التاريخية يُعد واحداً من أبشع الأمثلة على تطويع “العلم الزائف” والقياس النفسي الموجه لخدمة التمييز العرقي والسياسات الإقصائية الشوفينية.

7. الريادة في دراسة سلوك القردة العليا والرئيسيات

7.1 التحول نحو الرئيسيات كمدخل لفهم التطور البشري

عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى وانحسار أعباء التعبئة العسكرية، عاد روبرت يركيز ليتفرغ لشغفه العلمي الأكبر والمؤجل، وهو دراسة الكائنات الأقرب بيولوجياً وتطورياً للإنسان: القردة العليا أو الرئيسيات (Non-human Primates). كان يركيز مقتنعاً بأن علم النفس لا يمكن أن يستكمل بنيانه المعرفي دون دراسة السلسلة التطورية الوسيطة بين الثدييات الدنيا كالفئران والقطط وبين الجنس البشري. ففي مطلع القرن العشرين، كانت معرفة العلماء بالسلوك الحي والتنظيم النفسي والاجتماعي للشمبانزي، والغوريلا، والأورانغوتان شحيحة للغاية، ومليئة بالأساطير الشعبية وملاحظات الصيادين الاستعماريين المضللة.

تعزز هذا التحول لدى يركيز نتيجة متابعته الدقيقة للأبحاث الثورية التي كان يجريها عالم النفس الغشتالتي الألماني فولفغانغ كوهلر (Wolfgang Köhler) في محطة تينيريفي بجزر الكناري خلال سنوات الحرب، والتي نشرها في كتابه البارز The Mentality of Apes. أثبتت تجارب كوهلر أن الشمبانزي لا تتعلم فقط عبر المحاولة والخطأ الأعمى كما زعم السلوكيون الأمريكيون، بل تملك قدرات على “الاستبصار” (Insight) والتفكير الإدراكي لحل المشكلات وتركيب الأدوات للوصول إلى الموز المعلق. رأى يركيز في هذه النتائج دليلاً قاطعاً على صحة حدسه، وقرر أن يجعل من دراسة الرئيسيات الحية مشروعه الأكاديمي الحاسم والنهائي لبقية حياته، ساعياً لتأسيس علم جديد متكامل أطلق عليه فيما بعد اسم “علم الرئيسيات النفسي” (Psychobiology of Primates).

7.2 شراء الشمبانزي وتربيتها في المنزل: شيمي وبانزي

بدأ يركيز مشروعه البريماتولوجي بطريقة غير مألوفة وجريئة تعكس هوسه التجريبي الصارم؛ ففي عام 1923، قام بشراء صغيري شمبانزي استوردا من إفريقيا، وأطلق عليهما اسمي “شيمي” (Chim) و”بانزي” (Panzee). كان شيمي صغيراً وديعاً واجتماعياً وذكياً، بينما كانت بانزي أنثى تتمتع بطباع حذرة وعنيدة. ولم يضعهما يركيز في أقفاص حيوانية معزولة، بل استقدمهما إلى مزرعته ومنزله العائلي الريفي في ولاية نيو هامبشاير، وقرر تربيتهما جنباً إلى جنب مع أطفاله الصغار، في تجربة مبكرة لدراسة التطور النفسي المقارن في بيئة شبه أسرية.

وثق يركيز بشكل يومي ودقيق مراحل النمو الحركي، والإدراكي، والعاطفي للشمبانزيين، مقارناً إياها بسلوك ونمو الأطفال البشريين في نفس المراحل العمرية. أجرى يركيز سلسلة من الاختبارات لتقييم الذاكرة، والقدرة على استخدام العصي والصناديق لبلوغ الأهداف، ومحاولات التواصل الرمزي والاستجابة للإشارات الإنسانية المعقدة. دون يركيز ملاحظاته حول التباين الفردي الواضح بين شخصيتي شيمي وبانزي، وسجل حزنه الشديد عندما أُصيب شيمي بمرض تنفسي وتوفي في ريعان شبابه عام 1924. وقد نشر نتائج هذه التجارب المنزلية الحميمية في كتاب رائد بعنوان Almost Human عام 1925، وهو الكتاب الذي استقطب اهتماماً شعبياً وأكاديمياً واسعاً، ومهد الطريق لحصوله على التمويلات الضخمة التي كان يحتاجها لبناء مؤسسة بحثية عالمية.

7.3 إصدار المؤلفات المرجعية في علم الرئيسيات

في عام 1926، نشر يركيز دراسة أحادية بالغة العمق والأهمية المنهجية بعنوان The Mind of a Gorilla، سجل فيها تفاصيل ملاحظاته وتجاربه التجريبية الدقيقة على غوريلا شابة تُدعى “كونغو” (Congo) كانت مقيمة في محمية بولاية فلوريدا. كشفت أبحاث يركيز مع كونغو عن طبيعة التفكير المنطقي للغوريلا، واستخدامها للأشياء الطبيعية كأدوات رافعة واستجاباتها للمحفزات الاجتماعية المعقدة، مصححاً الصورة الذهنية النمطية التي كانت ترسم الغوريلا كوحش عدواني غبي يفتقر للذكاء.

توجت هذه الجهود الأكاديمية الاستثنائية بصدور العمل الموسوعي الأضخم والأهم في تاريخ علم الرئيسيات عام 1929، وهو كتاب The Great Apes: A Study of Anthropoid Life، الذي ألفه يركيز بالاشتراك الكامل مع زوجته وعالمة النفس المتميزة أدا واترسون يركيز (Ada Watterson Yerkes). امتد الكتاب عبر ما يقرب من 650 صفحة مدعمة بمئات الصور التوثيقية والرسوم التوضيحية الدقيقة؛ حيث قدم الزوجان مسحاً شاملاً واستقصاءً بيبليوغرافياً وتاريخياً وتشريحياً وسلوكياً لكل ما كُتب أو نُشر في العالم عن أربعة أنواع من القردة العليا: الغيبون، والأورانغوتان، والشمبانزي، والغوريلا. تحول هذا المصنف المرجعي فور صدوره إلى “إنجيل علم الرئيسيات” دون منازع، وأرسى المفردات المنهجية والمعايير التصنيفية التي اعتمدت عليها كافة الأجيال اللاحقة من علماء السلوك الحيواني والأنثروبولوجيا الحيوية.

8. تأسيس مختبرات يركيز لبيولوجيا الرئيسيات في جامعة ييل

8.1 الانتقال إلى جامعة ييل وتأسيس مختبر نيو هافن (1924-1929)

شهد عام 1924 منعطفاً استراتيجياً في مسيرة يركيز المؤسسية؛ حيث استقطبته جامعة ييل (Yale University) العريقة للعمل كأستاذ لعلم النفس المقارن (Professor of Comparative Psychobiology) في “معهد العلاقات الإنسانية” (Institute of Human Relations) التابع لها. اشترط يركيز لقبول المنصب توفير غطاء أكاديمي وتمويل مالي متواصل لمشروعه الأثير المتمثل في استيلاد وتربية القردة العليا في الأسر للأغراض التجريبية. وبفضل نفوذه الإداري الكبير وسجله البحثي، استطاع يركيز إقناع “مؤسسة روكفلر” (Rockefeller Foundation) بتقديم منحة مالية ضخمة واستثنائية مكنته من تدشين محطة تجريبية أولى داخل حرم جامعة ييل في نيو هافن بولاية كونيتيكت.

عمل يركيز في مختبر نيو هافن بين عامي 1924 و1929 على تصميم بروتوكولات قياسية متطورة للتعامل مع الشمبانزي داخل البيئات المغلقة، واضعاً أسس الفحص الطبي، والأنظمة الغذائية المتوازنة، ومراقبة التغيرات السلوكية والفسيولوجية عبر مراحل العمر. غير أن قسوة المناخ البارد في ولاية كونيتيكت وثلوج الشمال الأمريكي الشديدة شكلت عائقاً خطيراً هدد صحة الحيوانات الاستوائية، وعرقل إمكانية بناء مستعمرة تكاثر طبيعية مستدامة على المدى الطويل، مما دفع يركيز للبحث عن موطن جغرافي جديد يلائم طموحاته العالمية.

8.2 إنشاء محطة أورانج بارك في فلوريدا (1930)

في عام 1930، نجح يركيز في تحقيق حلمه الأكبر من خلال شراء قطعة أرض واسعة ونائية في بلدة “أورانج بارك” (Orange Park) بالقرب من مدينة جاكسونفيل في ولاية فلوريدا، مستفيداً من المناخ شبه الاستوائي الدافئ والمشمس الذي يحاكي المواطن الطبيعية للرئيسيات في إفريقيا. أسس يركيز هناك ما أُطلق عليه رسمياً “المختبرات البيولوجية للرئيسيات التابعة لجامعة ييل” (Yale Laboratories of Primate Biology)، والتي صُممت هندسياً ومعمارياً وفق أدق المعايير السيكولوجية والبيولوجية الصارمة.

احتوت محطة أورانج بارك على مجمعات أقفاص خارجية فسيحة متصلة بغرف ملاحظة سرية ومختبرات فحص مجهزة بمرايا أحادية الاتجاه (One-way mirrors) تسمح للباحثين بتدوين وتسجيل السلوك العفوي والاجتماعي للشمبانزي دون التسبب في إثارة توترها أو إفساد سياق التفاعل الطبيعي. طور يركيز هناك أول برنامج ناجح ومستدام في نصف الكرة الغربي لـ التكاثر في الأسر عبر أجيال متتابعة (Breeding Colony)؛ حيث وُثقت حالات الحمل والولادة، وسُجلت خرائط النسب والوراثة بدقة جينية ونفسية متناهية، مما أتاح للعلماء للمرة الأولى في التاريخ إمكانية متابعة دورة حياة الشمبانزي الكاملة منذ لحظة الإخصاب والولادة، مروراً بالطفولة والمراهقة، وصولاً إلى الشيخوخة والموت داخل بيئة مخبرية خاضعة للتحكم العلمي الشامل.

8.3 التحول إلى مركز يركيز الوطني لبحوث الرئيسيات

ظل روبرت يركيز مديراً لمحطة أورانج بارك حتى تقاعده الأكاديمي الرسمي من جامعة ييل عام 1941، تاركاً وراءه صرحاً علمياً تحول إلى محج عالمي ونقطة جذب لا غنى عنها للباحثين من كافة التخصصات، كالطب العصبي، وعلم وظائف الأعضاء، وعلم النفس المعرفي، والأنثروبولوجيا. وفي عام 1956، وهو العام الذي وافته فيه المنية، اتُخذ قرار تاريخي بتغيير اسم المحطة والمختبرات رسمياً لتصبح مختبرات يركيز الإقليمية لبحوث الرئيسيات تكريماً لمؤسسها العبقري.

في مطلع الستينيات، وتحت رعاية المعاهد الوطنية للصحة (NIH)، تم نقل المركز ومستعمراته الحيوانية الضخمة من فلوريدا إلى ولاية جورجيا، ليدمج ضمن المنظومة البحثية لجامعة إيموري (Emory University) العريقة في أتلانتا، متحولاً إلى مركز يركيز الوطني لبحوث الرئيسيات (Yerkes National Primate Research Center). توسعت أبحاث المركز لتشمل تطوير اللقاحات والأدوية المنقذة للحياة، وبحوث الزهايمر والباركنسون، وزراعة الأعضاء، بالإضافة إلى التجارب السلوكية المعرفية المعمقة، ليظل المعهد، وحتى إعادة تسميته حديثاً في إطار المراجعات الأخلاقية والتاريخية، الصرح الأضخم والأبرز في تاريخ دراسات الرئيسيات عبر العالم بأسره.

9. المنهجية العلمية والابتكارات التجريبية ليركيز

9.1 جهاز الصندوق التمييزي والمتاهات القياسية

تركت النزعة المنهجية الدقيقة لروبرت يركيز بصمة لا تُمحى في الترسانة التكنولوجية لعلم النفس التجريبي؛ فقد كان يرى أن علم النفس لا يمكن أن يُصنف علماً ما لم يستند إلى أدوات قياس فيزيائية تلغي الذاتية وتضبط السلوك بصورة دقيقة. كان ابتكاره الأبرز في هذا الميدان هو صندوق يركيز للتمييز الحسي (Yerkes Discrimination Box)، وهو جهاز خشبي وكهربائي معقد مصمم لتدريب واختبار الحيوانات على التمييز بين منبهين بصريين أو سمعيين أو لمسيين متجاورين.

يتألف الجهاز من غرفة انطلاق متصلة بممرين يؤدي كل منهما إلى نافذة عرض بصرية مجهزة بإضاءة قابلة للتحكم الدقيق أو أنماط هندسية متباينة، مع تزويد أرضية أحد الممرين بشبكة أسلاك لتوصيل صدمة كهربائية خفيفة (منبه عقابي)، بينما يؤدي الممر الآخر إلى طعام ومكافأة بيئية. لم يقتصر الأمر على الصناديق التمييزية، بل قام يركيز بتطوير سلسلة من “المتاهات القياسية المتعددة المسارات والمغلقة” (Standardized Mazes)، التي مكنت الباحثين من قياس أزمنة رد الفعل بدقة الكرونومتر الميكانيكي، ورسم منحنيات التعلم الإحصائية وتتبع تراجع الأخطاء المكانية، واضعاً بذلك المعايير المعملية التي سادت في دراسات علم النفس التجريبي طوال النصف الأول من القرن العشرين.

9.2 استخدام الوسائط المرئية والتوثيق الفوتوغرافي والسينمائي

كان روبرت يركيز من أوائل الرواد الذين أدركوا الأهمية العلمية والمنهجية الفائقة لاستخدام تقنيات التصوير الفوتوغرافي والتسجيل السينمائي (Motion Pictures) كأداة بحثية موضوعية في العلوم السلوكية. ففي حقبة كانت الملاحظات العلمية تُختزل في مذكرات ورقية ذاتية ومتحيزة يكتبها المجرب بيده، حرص يركيز على تزويد مختبراته ومحطاته التجريبية بأحدث كاميرات السينما والتصوير البطيء المتاحة في زمانه.

قام يركيز بتسجيل مئات الأمتار من أشرطة الفيديو الوثائقية النادرة التي ترصد بتفصيل متناهٍ محاولات الشمبانزي والغوريلا لحل المشكلات المعقدة، كاستخدام العصي لاستخراج الطعام من الأنابيب الضيقة، أو تكديس الصناديق المتأرجحة للوصول إلى السقف، أو التفاعلات الأمومية ورعاية المواليد الجدد. وظف يركيز لقطات الحركة البطيئة (Slow-motion) لتحليل الأنماط العصبية والحركية الدقيقة واستجابات عضلات الوجه أثناء الانفعالات، كما استخدم هذه الأفلام الوثائقية في محاضراته الجامعية والمؤتمرات الدولية لنشر المعرفة السلوكية ودحض الخرافات السائدة حول وحشية الرئيسيات، مؤكداً أن التوثيق الصوري غير القابل للتزوير هو صمام الأمان لضمان مصداقية الملاحظة السيكولوجية.

9.3 الجمع بين علم الأحياء وعلم وظائف الأعضاء وعلم النفس

تمثل الفلسفة المنهجية الجوهرية التي تبناها يركيز طوال مسيرته رفضاً قاطعاً لـ “الانفصال الثنائي” الكارتيزي بين العقل والجسد، أو الفصل الاصطناعي بين علم النفس وعلم الأحياء. كان يركيز ينادي دائماً بضرورة صياغة حقل معرفي تركيبي وتكاملي أطلق عليه اسم البيولوجيا النفسية (Psychobiology)، والذي تحول لاحقاً إلى ما نعرفه اليوم بـ “البيولوجيا السلوكية” و”العلوم العصبية السلوكية المعاصرة”.

تجسد هذا التوجه في إصرار يركيز على دراسة الظواهر العقلية للحيوانات والرئيسيات في تلازمها العضوي مع محدداتها البيولوجية والفسيولوجية؛ حيث كان يُجري في مختبراته فحوصات دقيقة للتركيب التشريحي للدماغ والجهاز العصبي، وتتبع مستويات الهرمونات الجنسية ودورات التبويض لدى إناث الشمبانزي، وربط التغيرات الكيميائية والفسيولوجية الداخلية بالتحولات السلوكية كتقلب المزاج، وتصاعد العدوانية، والرغبة في السيطرة الاجتماعية، أو النزوع نحو التعاون الإيثاري ومشاركة الطعام. أثبت يركيز بذلك أن فهم العمليات العقلية المعقدة يظل مستحيلاً دون تفكيك الأساس الفسيولوجي والعضوي الذي انبثقت عنه عبر ملايين السنين من التاريخ التطوري للكائنات الحية.

10. الانتقادات المنهجية والأخلاقية لأعمال يركيز

10.1 التحيز الثقافي والطبقي في اختبارات الذكاء

تعرضت أعمال روبرت يركيز السيكومترية، ولا سيما اختباري “الجيش ألفا” و”الجيش بيتا”، لواحد من أعنف وأقسى الهجومات النقدية في تاريخ العلوم الإنسانية المعاصرة. ويُعد كتاب عالم الحفريات والتطور المرموق ستيفن جاي غولد (Stephen Jay Gould) المعنون The Mismeasure of Man الصادر عام 1981، التفكيك الأكاديمي الأكثر شمولاً وفضحاً للمغالطات المنهجية والتحيزات البنيوية التي شابت اختبارات يركيز العسكرية.

أثبت غولد ونقاد القياس النفسي أن اختبار “الجيش ألفا” كان محملاً بـ تحيز ثقافي وطبقي فج لا علاقة له إطلاقاً بما يُسمى “الذكاء الفطري” أو القدرة العقلية الموروثة؛ فقد اعتمدت غالبية أسئلة الاختبار على معرفة تفصيلية بالثقافة الشعبية، والرموز الاستهلاكية، والعلامات التجارية الأمريكية التي لا يعرفها إلا أفراد الطبقة الوسطى والبورجوازية من البيض المتحدثين بالإنجليزية كلغة أم. وتضمنت الاختبارات أسئلة من قبيل: تحديد نوع ماركة سجائر شهيرة، أو معرفة ممثل مسرحي بعينه، أو إكمال أسماء نوادي البيسبول والسيارات، وهي معلومات يستحيل أن يعرفها مزارع أمي فقير قادم من ريف صقلية، أو مهاجر يهودي روسي وصل حديثاً لنيويورك، أو مواطن أسود حُرم من دخول المدارس في أعماق الجنوب الأمريكي، مما جعل الاختبار في حقيقته مقياساً للتكيف الثقافي والتطبيع الاجتماعي وليس مقياساً للذكاء البيولوجي المجرد.

وحتى اختبار “الجيش بيتا” غير اللفظي لم يسلم من هذا القصور الفادح؛ فقد اشتمل على أسئلة غارقة في التعقيد الثقافي، كإكمال رسم ينقصه طابع بريد في مغلف رسالة، أو رسم كرة تنس ناقصة في ملعب تنس أرضي، وهي مفردات بصرية تنتمي للطبقات الثرية وتغيب كلياً عن عوالم الطبقات الكادحة. علاوة على ذلك، تمت الاختبارات في ظروف ميدانية كارثية، اتسمت بالفوضى، وضيق الوقت الرهيب، والتهديد العسكري، وسوء الفهم الإيمائي، مما حول عملية القياس بأسرها إلى مهزلة علمية وظفت لإصدار أحكام عنصرية مسبقة ومقنعة بأردية الإحصاء.

10.2 مسألة الأخلاقيات في تجارب أسر الحيوانات والرئيسيات

مع تطور المعايير الفلسفية والقانونية لـ أخلاقيات البحث العلمي والرفق بالحيوان في أواخر القرن العشرين، وُضعت الممارسات التجريبية والإدارية لروبرت يركيز في محطة أورانج بارك ومختبرات ييل تحت مجهر الإدانة الأخلاقية الصارمة. فبالمعايير البيطرية والنفسية الحديثة، كانت شروط الأسر والعزل التي فرضها يركيز على القردة العليا شديدة القسوة والوحشية الممنهجة.

أخضع يركيز وباحثوه العشرات من صغار الشمبانزي للعزل الفردي التام والحرمان الاجتماعي الحاد في أقفاص إسمنتية ومعدنية ضيقة خالية من أي محفزات طبيعية، لدراسة أثر الحرمان على التطور النفسي، وهي ممارسات نتجت عنها إصابة غالبية الحيوانات باضطرابات سلوكية وعصابية حادة، كتمزيق الجسد الذاتي، والتمايل النمطي المرضي، وتدمير قدراتها على التكيف الطبيعي مع أبناء نوعها. كما شملت التجارب عمليات فصل قسرية وعنيفة للأمهات عن مواليدهن الرضع فور الولادة لدراسة تطور استجابات التعلق، فضلاً عن إجراء عمليات جراحية عصبية غازية كاستئصال الفصوص الدماغية وتدمير مسارات حسية لإجراء دراسات التمييز الحركي، وهي ممارسات أدانتها الجمعيات الحقوقية الحديثة واعتبرتها انتهاكاً فادحاً لحقوق الكائنات الواعية، مما أدى لاحقاً إلى إصدار تشريعات فيدرالية حاسمة تجرم إجراء مثل هذه الأبحاث القسرية على الرئيسيات الكبرى وتفرض تحويلها إلى محميات طبيعية مفتوحة.

10.3 المغالطات الإحصائية في معالجة بيانات اليوجينيا

تعرضت الاستنتاجات الإحصائية التي قادها يركيز وزكاها في تقرير الأكاديمية الوطنية لعام 1921 لنقد إبستمولوجي مدمر كشف عن ممارسته لمغالطات منهجية جسيمة في معالجة البيانات الضخمة (Big Data). كان الخطأ الأكبر يتمثل في الخلط المنهجي الكارثي بين الارتباط الإحصائي (Correlation) وبين السببية البيولوجية (Causation)؛ حيث لاحظ يركيز وجود ارتباط إيجابي بين درجات اختبارات الذكاء وبين الانتماء العرقي، فقفز متسرعاً ودون برهان علمي صلب ليعلن أن العرق والجينات هي السبب المباشر لهذا التباين.

تجاهل يركيز بشكل متعمد وغير مبرر إحصائياً المتغيرات المربكة (Confounding Variables) ذات الوزن التفسيري الحاسم؛ فقد أثبتت الدراسات التاريخية اللاحقة التي قادها علماء أنثروبولوجيا بارزون في مقدمتهم فرانز بواس (Franz Boas) وتلامذته، أن درجات اختبارات ألفا ارتبطت ارتباطاً طردياً شبه تام بعدد سنوات التعليم المدرسي الرسمي التي تلقاها المجند، وبمستوى دخله الاقتصادي، وبعدد السنوات التي قضاها المهاجر داخل المجتمع الأمريكي قبل التجنيد. وقد أظهرت إعادة تحليل البيانات الأصلية أن المجندين السود القادمين من الولايات الشمالية الثرية والمتقدمة تعليمياً (مثل أوهايو وإلينوي) حققوا متوسطات درجات في اختبارات ألفا أعلى بكثير من متوسطات درجات المجندين البيض القادمين من الولايات الجنوبية الفقيرة والمتخلفة تعليمياً (مثل مسيسيبي وألاباما)، وهي حقيقة إحصائية تجاهلها يركيز تماماً لأنها كانت تنسف من الأساس فرضيته المسبقة حول الدونية البيولوجية المطلقة للزنوج، وتكشف بوضوح أن ما قيس لم يكن سوى نتاج الحرمان البيئي والتعليمي التراكمي.

11. الإدارة الأكاديمية والنشاط المؤسسي ليركيز

11.1 إدارة المجلس الوطني للبحوث (NRC)

إلى جانب إنجازاته المعملية والسيكومترية، تمتع روبرت يركيز بكفاءة إدارية وبيروقراطية فذة جعلت منه واحداً من أهم مهندسي السياسات العلمية في الولايات المتحدة خلال فترة ما بين الحربين العالميتين. شغل يركيز منصب رئيس قسم علم النفس وعلم الإنسان في المجلس الوطني للبحوث (National Research Council – NRC) لسنوات عديدة عقب الحرب العالمية الأولى، وهو الجهاز الاستشاري العلمي الفيدرالي الأعلى الذي أُنشئ لربط البحوث الأكاديمية بمصالح الدولة التنموية والاستراتيجية.

استغل يركيز منصبه النافذ لتوجيه ملايين الدولارات من المنح البحثية الفيدرالية والخاصة (لا سيما من مؤسسة كارنيغي ومؤسسة روكفلر) لدعم مشاريع علم النفس التجريبي والبيولوجيا السلوكية، وإقصاء الدراسات الاستبطانية والفلسفية التقليدية. بنى يركيز جسور شراكة متينة وغير مسبوقة بين أقسام السيكولوجيا في الجامعات الكبرى وبين الشركات الصناعية العملاقة والوكالات الحكومية، مروجاً لفكرة أن “الإدارة العلمية للبشر” واختيار الموظفين وتصنيف العمال يجب أن يخضع للقياسات النفسية الموضوعية، مما رسخ حضور علم النفس في صلب الحياة المؤسسية والاقتصادية للرأسمالية الأمريكية الصاعدة.

11.2 تأسيس لجان بحوث الجنس والبيولوجيا

في عام 1921، قاد يركيز مبادرة مؤسسية تاريخية بالغة الجرأة والحساسية الأخلاقية والاجتماعية لعصره، تمثلت في تأسيس لجنة أبحاث مشكلات الجنس (Committee for Research in Problems of Sex – CRPS) تحت مظلة المجلس الوطني للبحوث، وتولى رئاستها وإدارتها لسنوات طويلة. كانت دراسة السلوك الجنسي في تلك الحقبة محاطة بالتابوهات الاجتماعية والتحفظات الدينية والأخلاقية الشديدة التي منعت تمويلها أو إدراجها ضمن الأبحاث البيولوجية المعترف بها.

نجح يركيز، بفضل براعته الدبلوماسية ورصانته الأكاديمية، في إقناع مكتب الصحة الاجتماعية ومؤسسة روكفلر بتمويل اللجنة بمئات الآلاف من الدولارات لدراسة المحددات البيولوجية، والهرمونية، والفسيولوجية للدافع الجنسي والسلوك التناسلي لدى الحيوانات والإنسان. وفرت هذه اللجنة الغطاء المؤسسي والمالي لأبحاث رائدة في الغدد الصماء وعلم الأجنة، ومولت تجارب إدغار ألين وإدوارد دويزي في عزل الهرمونات الجنسية كالإستروجين والبروجسترون. والأهم من ذلك، أن هذه اللجنة التي أسسها يركيز هي التي وفرت لاحقاً التمويل التأسيسي الكامل والغطاء الأكاديمي الشجاع للدراسات الميدانية المثيرة لعالم الحشرات وعالم الجنس الشهير ألفريد كينزي (Alfred Kinsey)، والتي تكللت بإصدار “تقارير كينزي” الشهيرة التي فجرت الثورة الجنسية في المجتمع الأمريكي في منتصف القرن العشرين.

11.3 الإشراف الأكاديمي وتخريج أجيال من الباحثين

امتد النفوذ الفكري والأكاديمي لروبرت يركيز عبر شبكة واسعة من التلاميذ والباحثين الذين تتلمذوا على يديه في جامعتي هارفارد وييل، والذين تسلموا لاحقاً مقاليد أقسام علم النفس والأنثروبولوجيا في شتى أرجاء أمريكا. غرس يركيز في طلبته الصرامة المعملية، والدقة الإحصائية، وعشق الملاحظة الميدانية المستمرة، محذراً إياهم دائماً من الاستنتاجات النظرية المتسرعة دون استناد إلى بيانات كمية صلبة.

من بين أبرز تلاميذه وخريجي مختبراته يبرز اسم كلارنس ري كاربنتر (C. R. Carpenter)، الذي شجعه يركيز ودعمه مالياً لإجراء أولى الدراسات الميدانية الشاملة في الغابات الطبيعية على قردة العواء في بنما وقردة المكاك الريسوسي في بورتوريكو وآسيا، مؤسساً بذلك علم الرئيسيات الميداني الحديث (Field Primatology). كما تأثر بأفكاره ومناهجه البحثية كبار رواد الإيثولوجيا والبيولوجيا السلوكية، من بينهم هارولد بينغهام، وهنري نيسن (Henry Nissen) الذي خلفه في إدارة محطة فلوريدا، ليبقى يركيز بحق “الأب الروحي والمهندس المؤسسي” لأكثر من ثلاثة أجيال متتالية من كبار علماء السلوك والمقارنة في الولايات المتحدة الأمريكية.

12. الإرث التاريخي والمكانة المعاصرة لروبرت يركيز

12.1 التأثير المستمر لقانون يركيز-دودسون في النظريات الحديثة

يقف قانون يركيز-دودسون اليوم، بعد ما يزيد عن 115 عاماً على ولادته المعملية، كأحد القوانين الكلاسيكية القليلة في العلوم الإنسانية التي صمدت أمام رياح الثورات المعرفية والتفكيكية المتعاقبة. لا يزال المنحنى المقلوب على شكل حرف U يزين الفصول التأسيسية لكتب علم النفس المعرفي، وسيكولوجيا الدوافع والانفعالات، والإدارة والتنظيم في كافة الجامعات العالمية.

شهدت السنوات الأخيرة إعادة تأكيد مخبرية وعصبية لهذا القانون باستخدام أحدث تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) والدراسات الكهروفسيولوجية؛ حيث أثبتت أبحاث الذاكرة التنفيذية ووظائف قشرة الفص الجبهي أن مستويات النواقل العصبية الحيوية، وتحديداً الدوبامين والنورإبينفرين، تتبع نموذج يركيز-دودسون بحذافيره؛ فالنقص الحاد في هذه النواقل يؤدي إلى تشتت الانتباه وضعف القدرة على التركيز، في حين يؤدي الإفراز المفرط المرتبط بالصدمات والضغوط النفسية الشديدة إلى إغلاق دوائر التفكير العقلاني وتفعيل استجابات النجاة الحركية البدائية للوزة الدماغية (Fight or Flight). يظل القانون مرجعاً حياً ونابضاً لبرامج الصحة النفسية المهنية وإدارة الكوارث، بوصفه الموديل الرياضي الأكثر بلاغة لتفسير حدود الطاقة والتحمل الإنساني تحت الضغط.

12.2 التحول الجذري في علم دراسة سلوك الرئيسيات (Primatology)

شهد علم دراسة الرئيسيات في النصف الثاني من القرن العشرين تحولاً برادايغمياً جذرياً قاده جيل جديد من الباحثين والباحثات؛ حيث تحول مركز الثقل البحثي تدريجياً من الدراسات القائمة على الأسر والحبس داخل المختبرات الإسمنتية التي ابتكرها يركيز، إلى الملاحظة الإيكولوجية المعمقة داخل البيئات البرية الطبيعية الحرة دون تدخل تجريبي قسري. وقد قادت هذا المسار الجديد عالمات بارزات، في مقدمتهن جين غودال (Jane Goodall) في تنزانيا مع الشمبانزي، وديان فوسي (Dian Fossey) مع غوريلا الجبال في رواندا، وبيروتي غالديكاس مع الأورانغوتان في إندونيسيا.

ورغم الانتقادات الجذرية التي وجهها هذا الجيل الميداني الحديث لطرق الأسر القاسية التي طبقها يركيز، فإن هؤلاء الرواد أنفسهم أقروا بالفضل التاريخي الذي لا يُنكر للمصنفات التأسيسية والمراجع الموسوعية التي خلفها يركيز وزوجته أدا. كان كتاب The Great Apes بمثابة الدليل الميداني والإرشادي الذي حمله باحثو البرية في حقائبهم لفهم التركيب العضوي والسلوكي الأساسي لهذه الكائنات. إن يركيز هو الذي حفر اسم الرئيسيات في الوعي الأكاديمي الغربي، وأثبت للكونغرس والمؤسسات التمويلية أن دراسة هذه الكائنات ليست ترفاً معرفياً، بل هي مرآة بيولوجية ونفسية كبرى يرى من خلالها الإنسان أصوله وتاريخه التطوري وسلوكه الجمعي بوضوح وجلاء.

12.3 الدروس التاريخية المستفادة من مسيرة روبرت يركيز

تختزل السيرة الفكرية والعملية لروبرت ميرنز يركيز كل تناقضات وتحديات العلم الحداثي في تعامله مع الطبيعة والإنسان. تقدم مسيرة يركيز درساً إبستمولوجياً وأخلاقياً بالغ الخطورة حول قابلية العلم للتطويع الأيديولوجي؛ فقد أظهرت تجربته بوضوح مأساوي كيف يمكن لصرامة المنهج التجريبي، ودقة المعادلات الإحصائية، وهيبة المعامل الجامعية الكبرى أن تُوظف كستار خادع لتمرير أحكام عنصرية مسبقة، وتبرير التمييز الطبقي، والمساهمة في صياغة تشريعات قومية إقصائية دمرت حياة ملايين المهاجرين والأقليات.

إن إرث يركيز يعلم المجتمع العلمي المعاصر ضرورة ممارسة النقد الذاتي المستمر للأدوات السيكومترية والمقاييس النفسية، وتجريدها من التحيزات الثقافية والطبقية الكامنة التي قد تبدو كحقائق علمية مطلقة وهي في حقيقتها مجرد انعكاس لمصالح النخب السائدة. وفي الوقت نفسه، لا يمكن للتاريخ المنصف إلا أن يعترف بيركيز كعالم استثنائي متعدد الأبعاد، ومؤسس عبقري، ومفكر وضع الأسس الراسخة لعلم النفس المقارن والقياس الجمعي ودراسات الرئيسيات. إنه نموذج مجسم للتفاعل المعقد والمشحون بين العبقرية العلمية الخالصة والعمى الأيديولوجي، ليبقى اسمه شاهداً تاريخياً أبدياً على ضرورة اقتران المعرفة التجريبية الدقيقة بالمسؤولية الأخلاقية والإنسانية الشاملة.

خاتمة

في الختام، تتجلى مسيرة روبرت ميرنز يركيز (1876–1956) كملحمة أكاديمية وفكرية شكلت واحدة من أهم الانعطافات التأسيسية في تاريخ العلوم السلوكية والعصبية في العالم المعاصر. نجح يركيز، عبر عقود من الكفاح التجريبي الصارم في هارفارد، وييل، ومحطة أورانج بارك، في انتشال علم النفس من مستنقع الاستبطان الذاتي والتأملات الفلسفية المجردة، واضعاً إياه في خندق العلوم الطبيعية الدقيقة التي تقيس السلوك وتختبر استجاباته وتكمم مساراته بقوانين ومعادلات رياضية خالدة، كما تجسد في قانون يركيز-دودسون للاستثارة والأداء.

لقد أعاد يركيز صياغة نظرة العلم الحديث لعلاقة الإنسان بالطبيعة، فجعل من علم النفس المقارن ودراسة القردة العليا مدخلاً لا غنى عنه لفهم الإدراك، والذاكرة، والعواطف، والتطور البشري، مؤكداً الوحدة الفسيولوجية والنفسية العميقة التي تجمع الكائنات الحية عبر سلم التطور العضوي. غير أن هذه الإنجازات الرائدة تظل مقترنة ومحاصرة بظلال ثقيلة ومعتمة فرضها انخراطه الفج في حركة تحسين النسل، وتوظيفه المغلوط لإحصاءات الحرب العالمية الأولى لترسيخ التراتبية العرقية والاجتماعية المشوهة.

إن قراءة إرث روبرت يركيز اليوم بوعي تاريخي نقدي تُمكن الباحثين وعلماء النفس من استيعاب أهمية التوازن الدقيق بين الابتكار المنهجي الفذ واليقظة الأخلاقية الصارمة. يظل يركيز قامة علمية شاهقة جمعت بين عبقرية التصميم التجريبي والرؤية المؤسسية الاستراتيجية، محفوراً في ذاكرة العلم كمعلم أرسى تقاليد القياس النفسي ودراسات الرئيسيات، وشاهد دائم على التحذير الإنساني الخالد: إن العلم الخالي من الضمير الأخلاقي والوعي الإنساني المتنور قد يتحول إلى أداة لتقييد الإنسان وتبرير دونيته بدلاً من تحريره والارتقاء بوعيه.

المراجع

  • Boas, F. (1928). Anthropology and modern life. W. W. Norton & Company.
  • Brigham, C. C. (1923). A study of American intelligence. Princeton University Press. https://doi.org/10.1037/11181-000
  • Gould, S. J. (1996). The mismeasure of man (Revised and expanded ed.). W. W. Norton & Company.
  • Köhler, W. (1925). The mentality of apes (E. Winter, Trans.). Harcourt, Brace & Company.
  • Terman, L. M. (1916). The measurement of intelligence: An explanation of and a complete guide for the use of the Stanford revision and extension of the Binet-Simon Intelligence Scale. Houghton Mifflin. https://doi.org/10.1037/10014-000
  • Yerkes, R. M. (1907). The dancing mouse: A study in animal behavior. The Macmillan Company. https://doi.org/10.1037/10850-000
  • Yerkes, R. M. (1916). A point scale for measuring mental ability. Warwick & York.
  • Yerkes, R. M. (Ed.). (1921). Psychological examining in the United States Army (Memoirs of the National Academy of Sciences, Vol. 15). Government Printing Office.
  • Yerkes, R. M. (1925). Almost human. Century Company.
  • Yerkes, R. M. (1927). The mind of a gorilla (Comparative Psychology Monographs, Vol. 4, No. 1). The Williams & Wilkins Company.
  • Yerkes, R. M., & Dodson, J. D. (1908). The relation of strength of stimulus to rapidity of habit-formation. Journal of Comparative Neurology and Psychology, 18(5), 459–482. https://doi.org/10.1002/cne.920180503
  • Yerkes, R. M., & Yerkes, A. W. (1929). The great apes: A study of anthropoid life. Yale University Press.
★

تقييم هذا المحتوى

5.0 / 5 • 7 تقييمات