فاليري ولكردين – 1947 الحاضر

فاليري ولكردين (Valerie Walkerdine)

  • 1947 – حتى الآن
  • بريطانية
  • علم النفس النقدي، ما بعد البنيوية، التحليل النفسي
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 16 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 16 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

أبرز الإسهامات

  • تأسيس تيار علم النفس النقدي في بريطانيا
  • تأسيس الدراسات النفسية-الاجتماعية
  • تفكيك مفاهيم علم النفس الوضعي والنمائي
  • تأسيس والمشاركة في تحرير دوريات أيديولوجيا ووعي والمجلة الدولية لعلم النفس النقدي ودراسات الذاتية
  • تحليل تقاطعات الطبقة والنوع الاجتماعي والذاتية وعلاقات القوة المعرفية

السيرة

تمثل البروفيسورة فاليري ولكردين (Valerie Walkerdine) واحدة من أكثر القامات الفكرية تأثيراً وجرأة في المشهد الأكاديمي البريطاني المعاصر؛ إذ قادت منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين ثورة إبستمولوجية أعادت رسم ملامح علم النفس النقدي (Critical Psychology)، والدراسات النفسية-الاجتماعية (Psychosocial Studies)، والنظرية النسوية، وعلم اجتماع الطبقة العاملة. ولدت ولكردين في عام 1947 لأسرة عمالية كادحة، وانطلقت من واقعها المعيش لتخوض غمار تفكيك المسلمات الراسخة في العلوم الإنسانية، متسلحة بترسانة نظرية تجمع بين التحليل النفسي اللاكاني وما بعد البنيوية الفوكوية، لتسائل بها ادعاءات الحياد والموضوعية التي تبجحت بها السيكولوجيا الوضعية لعقود طويلة.

لم يكن مشروع ولكردين مجرد رد فعل أكاديمي معزول، بل كان تدخلاً سياسياً ونظرياً جذرياً استهدف تعرية الوظيفة الأيديولوجية والضبطية التي مارسها علم النفس في المجتمعات الرأسمالية الحديثة. لقد كشفت عبر مؤلفاتها المؤسسة—بدءاً من العمل المشترك التاريخي “تغيير الموضوع: علم النفس، التنظيم الاجتماعي والذاتية” (Changing the Subject) عام 1984، ومروراً بكتبها البارزة مثل “إتقان العقل” (The Mastery of Reason) و“بنت أبيها” (Daddy’s Girl)—عن الكيفية التي أُنتجت بها مفاهيم مثل “الطفل الطبيعي”، و”العقلانية الرياضية”، و”الأمومة السوية”، لا بوصفها حقائق بيولوجية أو نمائية محايدة، بل كأدوات سلطوية لإعادة إنتاج التفاوت الطبقي، وتكريس الهيمنة البطريركية، وترويض الذوات وإخضاعها لأجهزة الدولة والمؤسسات النيوليبرالية.

يقدم هذا العمل الشامل قراءة مستفيضة في المسار الحياتي والنظري والمنهجي لفاليري ولكردين؛ حيث نتتبع أصولها الطبقية وتكوينها السير-ذاتي، ونحلل المنطلقات المعرفية لمشروعها القائم على التفاعل الخلاق بين ميشيل فوكو ومدرستي التحليل النفسي البريطانية والفرنسية. كما نتوسع في فحص أطروحاتها الرائدة حول التعليم، والنوع الاجتماعي، والطبقة، والإعلام، والتحولات الصناعية، والمنهجيات الإثنوغرافية والفنية المستحدثة، وصولاً إلى استشراف إرثها الحي في مساءلة الأزمات الوجودية والسيبرانية الراهنة.

1. المقدمة والمسار السير-ذاتي والتكوين الفكري

1.1 النشأة والخلفية الطبقية وأثرها في التكوين المعرفي

نشأت فاليري ولكردين في بيئة بريطانية عمالية خالصة عقب الحرب العالمية الثانية؛ وهي بيئة طبعتها شظف العيش، والتضامن الجمعي، والوعي الحاد بحدود الإمكانات الطبقية المتاحة للأفراد. لم تكن هذه الأصول مجرد خلفية جغرافية أو سوسيولوجية عابرة في حياتها، بل تحولت إلى الركيزة الوجدانية والمعرفية الأساسية التي شيدت عليها لاحقاً مشروعها التفكيكي لعلم النفس؛ إذ أدركت في سن مبكرة أن لغة الطبقة العاملة، وطرق تفكيرها، وعلاقاتها العاطفية تُعامل دوماً داخل المؤسسات الرسمية—لا سيما المدرسة—باعتبارها نقصاً، وتشويهاً، وقصوراً معرفياً وأخلاقياً ينبغي استئصاله أو تقويمه.

مع انتقالها الملحمي إلى الفضاءات الأكاديمية النخبوية، التي كانت حكراً تاريخياً على الطبقة الوسطى والبرجوازية البريطانية، اختبرت ولكردين تجربة اغتراب نفسي ووجودي عميقة. تجلت هذه التجربة في الشعور بالدونية المفروضة، وازدواجية الانتماء، والعار الطبقي الذي يفرضه الصعود الاجتماعي عبر التعليم؛ حيث يُطلب من الطالب المنحدر من أصول عمالية أن يتخلى عن لغته الأم، ونبرة صوته، وجسدانيته، ورأسماله الرمزي لكي يُعترف به كذات عقلانية منتجة للمعرفة. أطلقت ولكردين على هذه التجربة لاحقاً “الصدمة النفسية الصامتة للحراك الطبقي”، مؤكدة أن الفضاء الجامعي يمارس عنفاً رمزياً خفياً يعيد إنتاج التراتبيات تحت ستار الجدارة والاستحقاق الأكاديمي.

انطلاقاً من هذا التمزق الوجودي، صاغت ولكردين مقاربة إبستمولوجية رائدة تعتمد على تحويل “الخبرة المعيشة” (Lived Experience) والذاتية الجريحة إلى مدخل منهجي مشروع للبحث السيكولوجي. لقد رفضت بشكل قاطع التقليد الوضعي الصارم الذي يشترط تجريد الباحث من انفعالاته، وتاريخه الشخصي، وتموضعه الطبقي والجندري بزعم الوصول إلى “الموضوعية المطلقة”. وبدلاً من ذلك، برهنت على أن الاعتراف بالذاتية، وتأمل التناقضات النفسية التي يحملها الباحث في جسده ووعيه، يشكلان أداة بصرية بالغة الدقة لتفكيك آليات القوة الخفية التي تصيغ المعرفة العلمية ذاتها، مما جعل من مسيرتها الذاتية مختبراً حياً لتفكيك السيكولوجيا البرجوازية.

1.2 المسيرة الأكاديمية والمحطات المؤسسية الكبرى

بدأت المسيرة المهنية لفاليري ولكردين في خنادق التعليم الابتدائي؛ حيث عملت كمعلمة في المدارس العامة البريطانية خلال أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات. أتاح لها هذا الاحتكاك المباشر مع الأطفال الصغار فرصة استثنائية لمراقبة الممارسات البيداغوجية والتربوية على أرض الواقع، ولاحظت عن كثب التناقض الصارخ بين النظريات النمائية المجردة التي دُرست لها في معاهد إعداد المعلمين وبين السلوكيات الحقيقية، واللغات، والتعقيدات النفسية والطبقية التي يحملها الأطفال إلى حجرات الدراسة. كانت الفصول الدراسية، في نظرها، بمثابة ساحات صراع يومية تتشابك فيها علاقات السلطة، والنوع الاجتماعي، والرغبة، والامتثال.

قادها هذا الوعي الحرج إلى متابعة دراساتها العليا، فحصلت على درجة الدكتوراه في علم النفس التنموي، متبنية مساراً تصادمياً مع السائد في هذا الحقل. تخلت ولكردين عن الأطر السلوكية والمعرفية التقليدية، متجهة بقوة نحو تفكيك الأطر النظرية للتحليل النفسي ومقاربتها مع النقد الثقافي والاجتماعي. وقد شكّل التحاقها بمعهد التربية المرموق التابع لـ جامعة لندن (Institute of Education, University of London) محطة مفصلية في مسارها الأكاديمي؛ حيث أطلقت هناك مشروعات بحثية نوعية حول تدريس الرياضيات، وتشكل الذاتية الأنثوية، وعلاقة السلطة باللغة داخل المدارس الابتدائية، مما لفت الأنظار إلى فرادة طرحها وجرأته المنهجية.

تقلدت ولكردين لاحقاً العديد من المناصب الأكاديمية الرفيعة؛ حيث شغلت كرسي الأستاذية في علم النفس والتحليل الثقافي في كلية جولدسميث (Goldsmiths College) بجامعة لندن، وهي الكلية المعروفة بريادتها في الدراسات النقدية والتجريبية. لاحقاً، انتقلت إلى جامعة كارديف في ويلز كأستاذة متميزة في العلوم الاجتماعية، حيث ترأست مراكز أبحاث محورية، وأشرفت على عشرات الأطروحات التي أسست لجيل جديد من المنظرين النفسيين-الاجتماعيين. طوال هذه العقود، لم تقتصر مساهماتها على التأليف النظري، بل امتدت لتحديث المناهج الدراسية، وإدخال مفاهيم مابعد البنيوية والتحليل النفسي النسوي إلى صلب المقررات الجامعية لعلم النفس.

1.3 تأسيس تيار علم النفس النقدي في بريطانيا

شهدت سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين في بريطانيا تصاعداً حاداً في الصراعات السياسية والاجتماعية؛ حيث تزامنت سياسات التاتشرية النيوليبرالية مع تفكيك دولة الرفاه، وسحق النقابات العمالية، وتصاعد حركات التحرر النسوي والحقوق المدنية. في هذا المناخ المحتقن، برزت الحاجة الماسة إلى بلورة “علم نفس نقدي” يثور على المقاربات التجريبية والوضعية الأنجلو-أمريكية، التي كانت تعمل—بوعي أو بدون وعي—كجهاز تبريري للأمر الواقع الرأسمالي، عبر اختزال المشكلات الهيكلية والسياسية في اضطرابات عقلية فردية أو قصور في التكيف السلوكي.

كانت ولكردين، إلى جانب كوكبة من المنظرين الراديكاليين مثل جوليان هنريكس، وويندي هولواي، وكوز فين، وكاتي أوروين، وإيان باركر، في طليعة هذا الحراك الفكري. وقد تجسد ذلك الإنجاز التاريخي في صدور كتابهم المشترك “تغيير الموضوع: علم النفس، التنظيم الاجتماعي والذاتية” (1984)، وهو النص التأسيسي الذي أعلن ولادة السيكولوجيا النقدية البريطانية. طرح الكتاب قطيعة معرفية مع النموذج الديكارتي الكلاسيكي للإنسان المعزول، مقدماً مفهوماً ثورياً للذات بوصفها نتاجاً تاريخياً وموقعياً تتجاذبه الخطابات المتصارعة وعلاقات القوة غير المتكافئة.

ولم تكتفِ ولكردين بالتنظير، بل سعت لمأسسة هذا التيار البديل عبر تأسيس والمشاركة في تحرير دوريات علمية فارقة، كان أبرزها دورية “أيديولوجيا ووعي” (Ideology & Consciousness)، التي شكلت منصة سجالية نادرة لترجمة الأفكار القارية—لا سيما أطروحات لويس ألتوسير وميشيل فوكو وجاك لاكان—ودمجها في صلب التحليل السيكولوجي البريطاني. تلا ذلك تأسيسها لدورية “المجلة الدولية لعلم النفس النقدي” (International Journal of Critical Psychology)، التي تحولت لاحقاً إلى “دراسات الذاتية” (Subjectivity)، لتصبح المرجع الأكاديمي الأول للباحثين الساعين لتجاوز الاختزالية المعرفية، وربط علم النفس بأسئلة العدالة الاجتماعية، والتحرر السياسي، والنقد الثقافي الجذري.

2. الأسس الإبستمولوجية والنظرية في فكر فاليري ولكردين

2.1 التفاعل بين ما بعد البنيوية والتحليل النفسي

يقوم المشروع النظري لفاليري ولكردين على توليفة فريدة ومعقدة بين قطبين فكريين يبدوان للوهلة الأولى متعارضين: أطروحات ما بعد البنيوية كما صاغها ميشيل فوكو، ونظريات التحليل النفسي كما تطورت في أعمال جاك لاكان ومدرسة العلاقات الموضوعية البريطانية (لا سيما ميلاني كلاين ودونالد وينيكوت). لقد أدركت ولكردين ببراعة أن الاكتفاء بالمنظور الفوكوي وحده قد يوقع الباحث في فخ “الحتمية الخطابية”، حيث يبدو الفرد مجرد وعاء فارغ أو نتيجة سلبية تنتجها أنظمة الخطاب وآليات السلطة، دون تفسير كافٍ لأسباب استجابة الأفراد العاطفية، وانجذابهم لخطابات معينة، أو مقاومتهم لخطابات أخرى عبر آليات اللاوعي.

من الفوكوية، استعارت ولكردين مفاهيم “الخطاب” (Discourse)، و”أنظمة الحقيقة” (Regimes of Truth)، و”السلطة-المعرفة” (Power-Knowledge)، لتفكيك الممارسات النفسية والتربوية، مبرهنة على أن الذات لا توجد سلفاً في الطبيعة، بل تُشكل وتُنظم تاريخياً من خلال ممارسات مؤسسية مراوغة تضع معايير السواء والانحراف. غير أنها طعّمت هذا التحليل المادي والخطابي بأدوات التحليل النفسي لفهم كيف “تتلبس” هذه الخطابات الكيان الإنساني داخلياً؛ إذ ترى أن الخطاب لا يفرض نفسه بالقوة الفيزيائية فقط، بل يشتغل عبر دغدغة الرغبة، واللذة، والقلق، والخوف من الإخصاء أو الفقدان الرمزي، مستوطناً في ثنايا اللاوعي البشري.

مكن هذا التزاوج المنهجي ولكردين من تجاوز الثنائية التقليدية الزائفة التي قسمت العلوم الإنسانية لعقود: ثنائية “البنية الاجتماعية الموضوعية في الخارج” مقابل “الذات النفسية المستقلة في الداخل”. ففي منظورها، لا يوجد داخل نفسي معزول عن التاريخ وعلاقات الهيمنة، كما لا توجد بنية اجتماعية قادرة على العمل وإعادة إنتاج نفسها دون استثمار الرغبات، والصراعات، والدفاعات النفسية غير الواعية للأفراد. وبذلك، أسست ولكردين لما يُعرف اليوم بـ “الدراسات النفسية-الاجتماعية” بوصفها حقلاً عابراً للتخصصات يعيد نسج الذات والسياسة في نسيج تحليلي واحد لا ينفصم.

2.2 نقد النزعة الوضعية والاختزالية البيولوجية

شنت ولكردين هجوماً إبستمولوجياً كاسحاً على النزعة الوضعية (Positivism) التي هيمنت على علم النفس التقليدي، مجردة إياه من قدرته على النقد والمساءلة. بينت ولكردين أن إصرار السيكولوجيا الأكاديمية على استنساخ مناهج العلوم الطبيعية التجريبية، وتطبيق مقاييس المختبر على السلوك الإنساني، ليس مسعى بريئاً لاكتشاف الحقيقة المطلقة، بل هو خيار أيديولوجي عميق يهدف إلى تطويع الإنسان وقياسه وتنميطه بما يخدم متطلبات السوق الرأسمالية والدولة الإدارية الحديثة. إن ادعاءات الحياد والتجرد والموضوعية العلمية، بحسب ولكردين، ليست سوى “قناع بلاغي” يخفي تحيزات الباحثين، ومواقعهم الطبقية، وهيمنتهم الجندرية.

ركز نقدها كذلك على تفكيك النماذج الإحصائية والقياسية النفسية (Psychometrics)، التي تقوم باختزال الظواهر الإنسانية المتشابكة، والمشحونة بالمعاني الثقافية والتاريخية، في متغيرات رقمية صلبة ومعاملات ارتباطية جافة. إن تحويل قضايا مثل “الذكاء”، أو “التوافق النفسي”، أو “التحصيل الرياضي” إلى منحنيات جرسية (Bell Curves) طبيعية يعمل على طمس الشروط الطبقية والاقتصادية التي تنتج الفروق الفردية في الأصل؛ حيث يُلام التلميذ الفقير أو الفتاة المهمشة على تدني درجاتهما بافتراض أنه يعكس نقصاً في “القدرة الطبيعية”، بينما يتم التستر على التفاوت في الرأسمال الثقافي والمادي كسبب جذري لهذا التفاوت المزعوم.

كما واجهت ولكردين بصرامة الاختزالية البيولوجية والوراثية، التي شهدت صعوداً ملحوظاً مع انتشار علم النفس التطوري وعلم الأعصاب التجزيئي. ترى ولكردين أن هذه التوجهات تعيد إنتاج الداروينية الاجتماعية القديمة بلبوس حداثي مضلل، محاولة تثبيت التراتبيات الاجتماعية القائمة—بين الرجال والنساء، وبين الأغنياء والفقراء—عبر زعم أنها منقوشة في الجينات أو المشابك العصبية. في مقابل ذلك، طرحت ولكردين “إبستمولوجيا موقعية” (Situated Epistemology)، مستلهمة أطروحات الفلاسفة النسويات مثل دونا هارواي وساندرا هاردينغ؛ حيث تُفهم المعرفة السيكولوجية دائماً بوصفها منتجاً تاريخياً نسبياً ومتموضعاً داخل علاقات القوة، ولا يمكن فصلها عن الجسد، والطبقة، واللحظة الجيوسياسية للباحث والمبحوث على حد سواء.

2.3 مفهوم الذاتية المتعددة والمتناقضة

في قلب الإسهام النظري لفاليري ولكردين يقبع مفهوم ثوري للـ “الذاتية” (Subjectivity) يختلف جذرياً عن المفاهيم السيكولوجية الكلاسيكية مثل “الشخصية” (Personality) أو “الأنا” المستقر (The Ego). ترفض ولكردين النظر إلى الذات بوصفها جوهراً ثابتاً، أو وحدة متجانسة، أو مركزاً عقلانياً واعياً يقود أفعاله بإرادة حرة مطلقة كما بشر عصر التنوير. بدلاً من ذلك، تعرف الذاتية بوصفها “سيرورة صيرورة” ديناميكية، وغير مستقرة، ومفتوحة باستمرار على التحول والتفكك، تتشكل وتُعاد صياغتها عند تقاطعات الخطابات الاجتماعية المتعددة وتدفقات الرغبة اللاواعية.

ترى ولكردين أن الفرد لا يمتلك هوية واحدة موحدة، بل يسكن “مواقع ذاتية” (Subject Positions) متعددة وغالباً ما تكون متناقضة تصنعها الخطابات المتصارعة في المجتمع. فالمرأة المعاصرة، على سبيل المثال، قد تجد نفسها موضوعة في موقع “الأم الحنون والمضحية” وفق خطاب الأسرة التقليدي، وفي موقع “المهنية الشرسة والمتنافسة” وفق خطاب السوق النيوليبرالي، وفي موقع “الجسد المشتهى جنسياً” وفق خطاب الميديا الاستهلاكية. هذه المواقع لا تتكامل بسلاسة، بل تتصادم داخل الفرد، مولدة صراعات وجدانية عميقة، وتمزقات نفسية، وشعوراً دائماً بالذنب والقلق الوجودي نتيجة العجز عن تلبية متطلبات هذه النماذج المتنافرة في آن واحد.

تؤكد ولكردين أيضاً على محورية المشاعر المكبوتة، والتناقض الوجداني (Ambivalence)، والصراعات النفسية غير الواعية في صياغة السلوك اليومي؛ فالذات لا تتصرف دائماً بما يخدم مصالحها العقلانية الواعية، بل تسيرها خيالات ودفاعات نفسية مشيدة ضد الألم، والعار، وفقدان القيمة. ومن هنا، تصبح دراسة الذاتية عند ولكردين مدخلاً لفهم لماذا يمتثل الأفراد لسياسات تضر بمصالحهم المباشرة، أو كيف يشاركون في قمع أنفسهم والآخرين؛ حيث لا يمكن تفكيك الاستلاب السياسي والاجتماعي دون فحص التشكيل النفسي العميق لهذه الذوات المتعددة والمتناقضة.

3. تفكيك علم النفس التنموي ومفهوم الطفولة

3.1 مساءلة نموذج بياجيه في التطور المعرفي

وجهت فاليري ولكردين، وبخاصة في كتابها المرجعي “إتقان العقل: التطور المعرفي وإنتاج العقلانية” (The Mastery of Reason: Cognitive Development and the Production of Rationality, 1988)، نقداً زلزالياً لنظرية التطور المعرفي لدى عالم النفس السويسري الشهير جان بياجيه (Jean Piaget). فبينما كانت أطروحة بياجيه تُعامل في المعاهد التربوية الغربية كنص مقدس يصف المراحل الكونية والطبيعية لنمو الفكر الإنساني (من الحس-حركي إلى العمليات الصورية والتجريد المنطقي)، كشفت ولكردين عن الطبيعة التاريخية والمتحيزة لهذا النموذج، مبرهنة على أنه ليس وصفاً موضوعياً للطفل البشري، بل هو بناء أيديولوجي ينتمي لحقبة الحداثة الغربية.

أوضحت ولكردين أن نموذج بياجيه يؤسس معيارية صارمة تجعل من نمط التفكير العلمي الغربي، الذكوري، والتجريدي ذروة التطور الإنساني ومقياساً للارتقاء العقلي، بينما تُدمغ كل أشكال التفكير المتجذرة في السياق، أو المشحونة بالعاطفة، أو المرتبطة بالخبرات العملية والمادية اليومية بالنقص أو التخلف النمائي. فالطفل “السوي” عند بياجيه هو طفل عقلاني، مستقل، ومحايد يكتشف العالم كعالم تجريبي صغير؛ وهو نموذج مصمم طبقاً لمقاييس أطفال الطبقة الوسطى والبرجوازية الأوروبية، مما يجعل منه أداة إقصاء ممنهجة ضد أطفال الثقافات غير الغربية وأطفال الطبقات العاملة الذين ينمون في بيئات مادية وتواصلية مغايرة تماماً.

أعادت ولكردين قراءة التجارب البياجية الكلاسيكية—مثل مهام الاحتفاظ بالكمية والوزن والحجم—مبينة أنها ليست اختبارات محايدة لتقييم البنى المعرفية الداخلية للطفل، بل هي “طقوس لغوية وسلطوية” محددة؛ حيث يجلس الفاحص الراشد بصفته سلطة معرفية تطرح أسئلة غير مألوفة، مجردة من أي سياق اجتماعي مفهوم للطفل. أثبتت أبحاث ولكردين الإثنوغرافية أن الأطفال الذين يفشلون في مهام بياجيه الرياضية الصورية داخل بيئة الاختبار المصطنعة، يظهرون قدرات حسابية وتفكيرية بالغة التعقيد والبراعة عندما تُطرح نفس المسائل داخل سياقات حياتية ذات معنى، مثل مشاركتهم في تدبير ميزانية التسوق المنزلي مع أمهاتهم أو في ألعاب الشارع، مما فضح زيف التجريد البياجي وتحيزاته الطبقية والثقافية المستترة.

3.2 اختراع الطفل الطبيعي وتطبيع المراقبة

في امتداد جريء لأطروحات ميشيل فوكو حول “الانضباط والمراقبة”، كشفت ولكردين عن كيفية قيام علم النفس التنموي والتربية الحديثة بـ “اختراع” ما سمي بـ “الطفل الطبيعي” (The Natural Child). لقد روجت النظريات التربوية التقدمية، المتأثرة بروسو وبياجيه، لفكرة أن للطفولة طبيعة فطرية بريئة ينبغي أن تُترك لتتفتح وتنمو بحرية عبر اللعب والاستكشاف الذاتي دون قمع من المعلم. غير أن ولكردين قلبت هذا الفهم الساذج رأساً على عقب، مبرهنة على أن مفهوم “النمو الطبيعي” كان في الواقع تقنية حكم متطورة لإحكام السيطرة والتطبيع الاجتماعي.

أظهرت ولكردين أن الفصول الدراسية ورياض الأطفال المصممة وفق هذا النمط التقدمي قد استبدلت العقاب الجسدي المباشر بنوع أخطر وأعمق من الرقابة: “المراقبة البانوبتيكية الفوكوية” غير المرئية. فالمعلمة لم تعد تمارس السلطة الصريحة، بل تحولت إلى مراقب سيكولوجي خبير، يرصد كل حركة، ولعبة، وزلة لسان، ورسمة يقوم بها الطفل، لتقييم مدى تطابق سلوكه مع “معايير النمو الطبيعي”. وبذلك، أصبح اللعب والاستكشاف الحر ذاته مادة للمراقبة والفرز والتصنيف الإكلينيكي الدقيق؛ فالطفل الذي لا يلعب بنمط محدد يُصنف فوراً على أنه “مضطرب عاطفياً”، والطفل الذي يفضل العزلة يُوسم بـ “الانسحاب الاجتماعي”.

تحولت مقاييس النمو النفسي، وجداول المهارات، ومنحنيات التطور الحركي واللغوي إلى أدوات جبارة للضبط الحيوي (Biopolitics) وإدارة السكان منذ مرحلة الطفولة المبكرة. عملت هذه المقاييس على شرعنة فرز الأطفال وعزلهم في مسارات تعليمية وتأهيلية متفاوتة، مستخدمة “لغة العلم المحايدة” لتبرير التمايزات التي تصنعها في الأصل الفوارق الطبقية والعرقية. فالطفل البرجوازي، بفضل بيئته الغنية باللغة والرموز النخبوية، يتطابق بسهولة مع صورة “الطفل الطبيعي المتفتح”، بينما يتحول طفل الطبقة العاملة حتماً إلى “مشروع طفل معطوب” يحتاج إلى التدخل الإصلاحي والمراقبة الحثيثة.

3.3 إعادة بناء مفهوم التعلم والنمو سياقياً

لم تتوقف فاليري ولكردين عند تفكيك النماذج القائمة، بل اقترحت بديلاً جذرياً يعيد بناء مفهومي التعلم والنمو من منطلق اجتماعي، تاريخي، وسياقي خالص. أكدت ولكردين أن المعرفة لا تُبنى داخل جمجمة فردية منعزلة عبر التفاعل الميكانيكي مع أشياء مادية محايدة، بل تُصنع وتُكتسب داخل فضاء العلاقات الإنسانية المشحونة باللغة، والأيديولوجيا، وعلاقات القوة. إن التعلم، وفق هذا المنظور، هو سيرورة انخراط ومشاركة في ممارسات اجتماعية محددة تمنح الأشياء معانيها وسياقاتها القيمية.

أولت ولكردين أهمية كبرى للغة، متجاوزة اعتبارها مجرد أداة لنقل المعلومات أو مرآة عاكسة للأفكار المعرفية المسبقة؛ فاللغة هي “فضاء لممارسة القوة وصناعة المعنى التربوي”. إن كل محادثة تجري بين المعلم والطفل، أو بين الأم وطفلها، تحمل في طياتها علاقات سلطة ونماذج للذاتية المرغوبة. فعندما يتعلم الطفل الكلمات والرياضيات والتصنيفات، فهو يتعلم في الوقت ذاته كيف يتخذ موقعاً خاضعاً أو مهيمناً، وكيف يقمع دوافع معينة ليحظى بالقبول الاجتماعي. لذلك، فإن عزل اللغة عن شروطها التداولية والطبقية أثناء دراسة التعلم يفرغ العملية التعليمية من جوهرها الحقيقي.

دعت ولكردين إلى استبدال “الحتمية النمائية” الصارمة—التي تفترض مساراً خطياً واحداً يجب أن يسلكه جميع البشر تحت طائلة الوسم بالشذوذ—بـ “المرونة الدلالية والسياقية”. وهذا يقتضي من المربين والمحللين النفسيين الاعتراف بتعدد مسارات النمو المعرفي والإنساني؛ فالأطفال يطورون استراتيجيات تفكير وتكيف شديدة التنوع بناءً على متطلبات بيئاتهم الحياتية، وتجارب الألم والبقاء، والشبكات الرمزية التي ينتمون إليها. إن هذا التحول في فهم التعلم يحرر الأطفال والمجتمعات المهمشة من ثقل المعايير البياجية والغربية المفروضة، فاتحاً الأفق أمام بيداغوجيا تحررية حقيقية.

4. النوع الاجتماعي والرياضيات: تفكيك أسطورة العقل العقلاني

4.1 أطروحة ‘إتقان الرياضيات والنوع الاجتماعي’

في دراستها الرائدة والموسعة، المنشورة في أعمالها الكلاسيكية وكتبها مثل “إخراج الفتيات من الحساب: دراسات في النوع والرياضيات” (Counting Girls Out, 1989)، فككت فاليري ولكردين واحدة من أشرس الأساطير التعليمية والذكورية في الثقافة الغربية المعاصرة: أسطورة أن الذكور “بطبيعتهم” أكثر تفوقاً وجدارة في استيعاب الرياضيات والتفكير المنطقي التجريدي مقارنة بالإناث. لم تقتصر ولكردين على نفي هذه الفروق عبر تقديم أدلة إحصائية تثبت التكافؤ، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك بتشريح “البناء الخطابي” لحقل الرياضيات نفسه، وكيف صُمم تاريخياً بوصفه فضاءً ذكورياً بامتياز متطابقاً مع العقلانية الصرفة.

كشفت ولكردين عن مفارقة مذهلة ومحبطة في آن واحد داخل الفصول الدراسية البريطانية؛ فعندما كانت الفتيات يحققن درجات أعلى من الفتيان في اختبارات الرياضيات وينجزن واجباتهن المدرسية بدقة متناهية، كان الخطاب التربوي السائد يعيد تفسير هذا النجاح بازدراء مبطن، واصفاً إياه بأنه مجرد نتاج لـ “الاجتهاد السلبي”، و”الامتثال للقواعد”، و”الحفظ الأصم”، و”الطاعة العمياء للمعلم”. وفي المقابل، عندما كان الفتيان يخطئون، أو يهملون واجباتهم، أو يقدمون إجابات غير منتظمة ولكنها تحتوي على ومضات ذكاء مباغتة، كان سلوكهم يُفسر بوصفه علامة على “العبقرية الكامنة”، و”التفكير الإبداعي الحر”، و”القدرة الحقيقية على سبر أغوار المنطق الرياضي”!

المؤشر السلوكي والتحصيلي تفسير أداء الفتيات (خطاب النقص الأنثوي) تفسير أداء الذكور (خطاب العبقرية الفطرية)
الدرجات العالية والانتظام امتثال سلبي، كدح ميكانيكي، حفظ دون استيعاب عميق دليل حاسم على الذكاء المتوقد والتمكن التجريدي
الارتباك والتردد في الإجابة عجز معرفي طبيعي، عاطفية مفرطة، قلة حيلة عقلية تأمل فلسفي عميق، صراع إبداعي مع الفكرة المعقدة
الفوضى وكسر القواعد المدرسية فشل سلوكي وأكاديمي، عدم نضج دراسي استقلالية عقلية، شجاعة في كسر المألوف، بذرة عبقرية

برهنت ولكردين على أن هذه الآليات الخطابية الملتوية ليست بريئة، بل هي استراتيجيات دفاعية يمارسها المجتمع البطريركي لإقصاء الإناث عن الممارسات العلمية والتكنولوجية المتقدمة ومناصب السلطة المرتبطة بها؛ فحتى عندما تنتصر الفتاة حسابياً ومنطقياً، يتم سلبها شرعية انتصارها عبر تحويل نجاحها إلى دليل إدانة يثبت افتقارها للشرارة الإبداعية، مما يعيد تأكيد مركزية الذكر كمالك وحيد للعقل العقلاني الحقيقي.

4.2 العقلانية كدفاع سيكولوجي ضد العاطفة والتأنيث

انتقلت ولكردين في تحليلها للرياضيات من التفكيك السوسيولوجي والخطابي إلى مستوى التحليل النفسي العميق، طارحة أطروحة بالغة الأصالة: إن “العقلانية الصرفة والتفكير الرياضي المجرد يمثلان في جوهرهما آلية دفاعية سيكولوجية مشيدة للسيطرة على القلق، والفوضى، واللاعقلانية، والخوف التاريخي من التأنيث”. استندت في هذا الطرح إلى الجذور الفلسفية والتاريخية لعصر التنوير الأوروبي، الذي أسس ثنائيات ترادفية صارمة ربطت بين: (العقل / الذكورة / السيطرة / النظام) في طرف مقابل (الجسد / الأنوثة / الفوضى / العاطفة) في الطرف الآخر.

توضح ولكردين، مستعارة مفاهيم ميلاني كلاين حول القلق والسيطرة القهرية، أن العالم الواقعي مليء بالهشاشة، والتغير، والغموض العاطفي؛ وهي سمات ارتبطت في اللاوعي البطريركي الجمعي بالأم وبجسد المرأة الولود والمتقلب. وعليه، فإن الهروب إلى عالم الأرقام، والهندسة، والتجريد المنطقي الصارم يمثل رغبة ذكورية لاواعية في بناء فضاء خيالي مغلق وكامل التناغم، لا وجود فيه للجسد أو المشاعر المزعجة، وحيث يمكن التحكم في كل عنصر بحسابات يقينية لا يتطرق إليها الشك. إن التفكير الرياضي يتحول هنا إلى قلعة نفسية حصينة تحمي الذات من الانهيار أمام الرعب من الفوضى والخصاء الرمزي.

تنعكس هذه البنية النفسية العميقة بشكل مباشر على التنشئة المدرسية للجنسين؛ فالفتى يُدفع دفعاً للانفصال عن عواطفه، والتماهي مع هذا البرود التجريدي الصارم كبرهان على نضجه وذكورته، بينما تُشجع الفتاة على احتضان عواطفها وتطوير حساسيتها العلائقية، لتجد نفسها لاحقاً مدانة بهذا التكوين ذاته ومستبعدة من حقل التجريد الرياضي. إن “العقلانية” في صياغتها السائدة ليست سوى شكل مقنع من أشكال الدفاع النفسي النرجسي، جرى تعميمه تاريخياً كأرقى أشكال الوعي البشري على حساب الخبرات الإنسانية والوجدانية المتكاملة.

4.3 إعادة صياغة استراتيجيات تدريس العلوم والرياضيات

لم تكتفِ فاليري ولكردين بالنقد النظري والتفكيك النفسي لبنية الرياضيات، بل امتدت جهودها نحو الميدان التربوي والسياسات التعليمية، مقدمة خارطة طريق جذرية لإعادة صياغة استراتيجيات تدريس العلوم والرياضيات؛ بغية تحريرها من تحيزاتها الجندرية والطبقية المتوارثة. طالبت ولكردين أولاً بضرورة تفكيك المعايير التقييمية التمييزية، التي تعتمد حصراً على السرعة، والتنافس الفردي الشرس، والإجابات النمطية المغلقة التي لا تحتمل التأويل، وهي معايير تكافئ التصلب الإدراكي والنزعة الاستعراضية التي يُربى عليها الفتيان في المجتمعات البطريركية.

دعت ولكردين إلى بناء نماذج تعليمية جديدة تحتفي بـ “التعدد الإدراكي” والخبرة الذاتية المعيشة للمتعلمين. وهذا يتضمن ربط المفاهيم الرياضية المعقدة بمشكلات العالم الحقيقي، وسياقات العمل الاجتماعي، والاهتمامات الوجدانية، بحيث لا تظل الرياضيات علماً تجريدياً بارداً ومفصولاً عن الحياة اليومية. كما شددت على خلق بيئات تعلم تعاونية تشجع على طرح الأسئلة المفتوحة، ومناقشة مسارات التفكير المتباينة، وتقبل الشك والتردد كجزء طبيعي وأساسي من عملية الاكتشاف الإبداعي، بدلاً من وصمهما بالضعف والقصور المعرفي.

تركت أبحاث ولكردين أثراً عميقاً ودائماً في تعديل السياسات التعليمية المقاومة للتمييز الجندري في بريطانيا والعديد من الدول الأوروبية وأستراليا؛ حيث استندت إليها لجان إصلاح التعليم لإعادة تدريب المعلمين والمعلمات وتوعيتهم بالآليات الخطابية اللاواعية التي يستخدمونها داخل الفصول، مثل الميل التلقائي لمنح الفتيان وقتاً أطول للتفكير والتفاعل مع المسائل المعقدة، والمسارعة إلى تقديم الحلول للفتيات بدعوى “مساعدتهن والشفقة عليهن”. بفضل هذه التدخلات، تم تطوير مناهج تعليمية ومواد بصرية تتحدى التنميط الجندري، مما مهد الطريق لزيادة غير مسبوقة في انخراط الفتيات وتفوقهن في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM).

5. الطبقة الاجتماعية والذاتية: علم نفس الطبقة العاملة

5.1 الحراك الطبقي والصدمة النفسية الصامتة

تعد مساهمة فاليري ولكردين في فهم سيكولوجيا الطبقة والحراك الاجتماعي من أكثر إسهاماتها جرأة وعمقاً وأصالة؛ إذ اقتحمت منطقة مسكوتاً عنها طويلاً في علم النفس وعلم الاجتماع على حد سواء: “التكلفة النفسية والعاطفية المؤلمة للحراك الطبقي الصاعد”. ففي الوقت الذي تبجل فيه السرديات الليبرالية الحراك الاجتماعي والنجاح التعليمي كرحلة بطولية مجيدة تؤكد قيم الاستحقاق والجدارة، سلطت ولكردين الضوء على الجانب المظلم والمدمر لهذه الرحلة، معتبرة أن الانتقال من الطبقة العاملة إلى الطبقة الوسطى يمثل صدمة نفسية واغتراباً وجودياً صامتاً يترك ندوباً غائرة في لاوعي الفرد.

حللت ولكردين مشاعر “الازدواجية الهوياتية” (Identity Ambivalence) والشعور الطاحن بالعار، والذنب، وعدم الانتماء الأصيل التي تنتاب الأفراد المنحدرين من قاع المجتمع عند استقرارهم في النعيم المادي والأكاديمي للطبقات المهنية والوسطى. يجد هؤلاء الأفراد أنفسهم يعيشون كـ “جواسيس” أو “دخلاء غير شرعيين” (Impostors) داخل المؤسسات البرجوازية؛ فهم محكومون بالقلق الدائم من انكشاف أصولهم، ويضطرون إلى مراقبة لغتهم، ومخارج حروفهم، وأذواقهم، وحتى نبرات ضحكاتهم باستمرار لتفادي نظرات الازدراء الطبقي المتعالية.

يترافق هذا الرعب مع شعور بالخيانة المؤرقة تجاه الأسرة ومجتمع المنشأ؛ فالنجاح التعليمي والصعود الاجتماعي يتطلب—ضمنياً—تبني قيم ونظريات تحط من شأن ثقافة الأهل العمالية وتهزأ بها بوصفها بدائية أو غير مستنيرة. ينتهي الصاعدون طبقياً إلى تمزق مأساوي لا خلاص منه: إنهم لم يعودوا ينتمون بحق إلى عالمهم العمالي القديم الذي بات ينظر إليهم بريبة وقطيعة، كما أنهم لن يُقبلوا بشكل كامل وعضوي داخل النخبة البرجوازية التي تتطلب رساميل ثقافية ونسباً تاريخياً لا يمتلكونه. هذا التمزق المستمر يؤسس لحالة مزمنة من الاكتئاب الخفي والشعور بالتشرد الرمزي داخل الذات الواحدة.

5.2 تنميط وتهميش أسر الطبقة العاملة

في العديد من دراساتها، ولا سيما كتابها التأسيسي المشترك “نشوء الفتاة: استكشافات نفسية-اجتماعية للجندر والطبقة” (Growing Up Girl: Psychosocial Explorations of Gender and Class, 2001) المكتوب مع هيلين لوسي وجون ميلودي، قامت ولكردين بتشريح ونقد الخطاب النفسي، والتربوي، والإعلامي السائد الذي يمارس وصماً ممنهجاً ضد أسر الطبقة العاملة. فككت ولكردين على وجه الخصوص أسطورة “الأم العاملة المقصرة والفاشلة”؛ وهي الصورة النمطية التي تروج لها أجهزة الدولة ومؤسسات الرعاية الاجتماعية لتصوير أمهات الأحياء الفقيرة بوصفهن جاهلات، وغير مباليات، وعاجزات عن توفير بيئة نفسية وعاطفية محفزة لنمو أطفالهن.

أوضحت ولكردين أن المعايير التي يستخدمها علم النفس المعاصر لتقييم “الأمومة السوية” و”التربية الإيجابية” ليست معايير محايدة أو كونية، بل هي ترجمة حرفية لأسلوب حياة وأولويات الأسرة البرجوازية من الطبقة الوسطى. فالأسرة المعيارية في كتب علم النفس تتطلب مسكناً واسعاً، ووفراً مالياً، وتفرغاً عاطفياً وزمناً ممتداً للقراءة واللعب الموجه، وهي شروط مادية يستحيل على أسر تكابد العمل بنظام الورديات الطويلة وسوء التغذية وضيق السكن تحقيقها. وبدلاً من إدانة البنية الاقتصادية التي تسحق هذه العائلات، يقوم علم النفس بتحويل العجز الهيكلي إلى “عطب سيكولوجي وأخلاقي فردي” تتحمل مسؤوليته الأم وحدها.

في مواجهة هذا الخطاب التنميطي الجائر، كشفت ولكردين عبر أبحاثها الميدانية الدقيقة عن ثراء “الممارسات التضامنية وثقافة البقاء المقاومة” داخل مجتمعات العمال. بينت أن أمهات الطبقة العاملة يطورن استراتيجيات نفسية وتربوية فائقة القوة والشجاعة لحماية أطفالهن من قسوة العالم الخارجي ومن العنف الرمزي والمادي للدولة؛ ممارسات تقوم على الصدق العاطفي المباشر، والتعاضد الأسري الممتد، وبناء صلابة نفسية تمكن الطفل من مواجهة واقع طبقي قاسٍ لا يرحم الضعفاء، بدلاً من الدلال الرخو الذي تنتجه النماذج التربوية البرجوازية المعزولة عن الواقع.

5.3 الذاتية المتجسدة والمكان والذاكرة الطبقية

طورت فاليري ولكردين مفهوماً حيوياً أطلقت عليه اسم “الذاتية المتجسدة” (Embodied Subjectivity) لتوضيح كيف أن علاقات الإنتاج، والاستغلال، والتهميش الطبقي ليست مجرد مفاهيم نظرية أو علاقات اقتصادية مجردة تسكن الجداول الإحصائية، بل هي قوى مادية ونفسية تُحفر عميقاً على الأجساد الحية، وتنعكس في التعبيرات الفيزيائية، وطريقة المشي، ووضعيات الجلوس، ونوعية الأمراض الجسدية-النفسية (Psychosomatic) المزمنة التي تصيب العمال والمهمشين.

أبرزت ولكردين الدور المحوري الذي يلعبه “الفضاء الجغرافي والمكاني” في تشكيل الوعي الجمعي والذاتية؛ فالعيش في بلدات التعدين، أو الموانئ، أو المجمعات السكنية الخرسانية الكئيبة في هوامش المدن الصناعية الكبرى لا يحدد فقط الموارد الاقتصادية المتاحة للأفراد، بل يصوغ جغرافيتهم النفسية والعاطفية. إن الروائح، والضجيج، وتلاصق المساكن، وافتقار الخصوصية، وضغط الحاجة اليومية، تندمج كلها لتخلق “مزاجاً طبقياً مشتركاً” يتميز بالحذر، والحس الدفاعي الحاد، وفي الوقت ذاته بقدرات استثنائية على ابتكار الدفء الجمعي، والألفة العميقة التي تفتقر إليها فضاءات الطبقة الوسطى المنعزلة والمعقمة.

أعطت ولكردين قيمة معرفية وسياسية كبرى لـ “الذاكرة الشفوية والوجدانية” داخل مجتمعات العمال؛ إذ ترى أن التاريخ الرسمي للدول الرأسمالية يكتبه المنتصرون دائماً، وهو تاريخ يمحو قصص كفاح الملايين من الكادحين ويختزل وجودهم في أرقام للقوى العاملة. من هنا، تصبح حكايات الأجداد، والأغاني العمالية، واستذكار الإضرابات واللحظات التراجيكية والمجيدة للطبقة العاملة أداة حيوية لـ “استعادة الكرامة الإنسانية المهدورة”، وفضاءً للمقاومة النفسية المضادة التي تمنع النيوليبرالية من مسح تاريخهم وتجريدهم من كبريائهم الرمزي.

6. التحليل النفسي النسوي وتجاوز البطريركية

6.1 إعادة قراءة عقدة أوديب والتشكل الجندري

قدمت فاليري ولكردين مساهمة راديكالية في حقل التحليل النفسي النسوي عبر مراجعتها النقدية الشاملة للمفاهيم الفرويدية الكلاسيكية المرتبطة بنمو الأنوثة، وفي مقدمتها عقدة أوديب (Oedipus Complex)، ومفهوم “الحسد القضيبي” (Penis Envy)، ودونية الأنا الأعلى (Super-Ego) لدى المرأة. رفضت ولكردين التفسيرات البيولوجية الحتمية التي سادت السيكولوجيا الفرويدية التقليدية، والتي جعلت من جسد الذكر المعيار البشري الكامل، بينما رأت في جسد الأنثى نسخة ناقصة ومخصية تملأها الرغبة العاجزة في حيازة العضو الذكري أو استبداله بإنجاب طفل.

أعادت ولكردين قراءة هذه الديناميات من منظور سوسيو-تاريخي ورمزي، متأثرة بتمرد التحليل النفسي البريطاني لما بعد كلاين، مؤكدة أن ما تحسده الفتاة الصغيرة ليس العضو البيولوجي في حد ذاته، بل ما يمثله ذلك العضو داخل النظام البطريركي المؤسسي: إنه “القضيب كدال رمزي” (The Phallus as Signifier) يمنح حامله امتيازات الحرية، والسلطة، والحركة، والمكانة المعرفية في الفضاء العام، وهي امتيازات تُحرم منها الإناث بصورة قسرية. ومن ثم، فإن الشعور بالنقص أو الدونية لدى الفتيات ليس حتمية بيولوجية، بل هو النتيجة النفسية الحتمية لمعايشة القمع الرمزي والاستبعاد المنهجي الذي يفرضه القانون الأبوي على الأنوثة.

ركزت ولكردين أيضاً على مركزية “العلاقة البدئية بالأم” (The Pre-Oedipal Mother-Daughter Relation) في البناء النفسي للفتيات. على عكس المنظور الذكوري الذي يرى الانفصال الجذري والقطيعة التامة مع الأم شرطاً وحيداً لتحقيق النضج والاستقلال العقلاني، بينت ولكردين أن الهوية الأنثوية تتشكل عبر استمرارية العلائقية والاتصال؛ مما يمنح النساء قدرات نفسية وعاطفية تفاعلية بالغة الثراء. غير أن النظام البطريركي يشوه هذه القدرات ويجعلها مصدراً لتبعية المرأة، عبر تحويل طاقاتها الرعائية إلى عمل مجاني يُستغل لإعادة إنتاج المجتمع الرأسمالي دون اعتراف أو تعويض رمزي.

6.2 الرغبة والخيال في البناء السيكولوجي للمرأة

في كتابها الفارق “أوهام تلميذات المدارس” (Schoolgirl Fictions, 1990)، فتحت ولكردين آفاقاً غير مسبوقة لدراسة “الخيال غير الواعي” (Unconscious Fantasy) وعلاقته بإنتاج الرغبة الأنثوية. هاجمت ولكردين بشدة التحليلات النسوية الأورثوذكسية والماركسية المبسطة، التي كانت تختزل وضعية المرأة في كونها “ضحية سلبية ومستلبة” للإعلانات التجارية أو الأيديولوجيا البطريركية، دون أن تقدم تفسيراً مقنعاً لسر تعلق النساء الشديد بالروايات الرومانسية، وصيحات الموضة، والقصص الخيالية عن الأمير المنقذ.

أوضحت ولكردين أن الخيالات والأحلام اليومية (Daydreams) للفتيات والنساء لا ينبغي التعامل معها كعلامات على الوعي الزائف أو الهروب المبتذل من الواقع، بل هي “فضاءات نفسية معقدة للمقاومة والمفاوضة والانعتاق”. فالفتيات الصغيرات اللواتي يغرقن في قراءة مجلات القصص المصورة والخيالات الرومانسية يجدن في هذه النصوص ملاذاً سيكولوجياً آمناً يمكنهن من خلاله التعبير عن رغبات جامحة، وغضب مكبوت، وتطلعات للمتعة والقوة والسيطرة، وهي مشاعر يُحرم التعبير عنها في الواقع المدرسي والأسري الخانق الذي يفرض عليهن الصمت والوداعة والامتثال.

كشفت ولكردين عن التناقض الصارخ الذي يعيشه البناء السيكولوجي للمرأة المعاصرة بين متطلبات التحرر والتمكين العقلاني من جهة، وبين الرغبات الدفينة في الحماية والاحتواء واللذة التي تم توطينها في اللاوعي منذ الطفولة من جهة أخرى. إن دراسة هذا الخيال غير الواعي تمثل ضرورة قصوى لفهم الأسباب التي تجعل النساء في كثير من الأحيان يتمسكن بأدوار تقليدية تبدو ظاهرياً ضد مصالحهن التحررية؛ فالرغبة لا تطيع الإملاءات العقلانية والسياسية الجافة، بل تسلك مسارات ملتوية تستوجب تدخلاً تفكيكياً يحرر الرغبة ذاتها بدلاً من قمعها وإدانتها أخلاقياً.

6.3 التقاطعات المنهجية بين الفيمينيزم وعلم النفس

أسست فاليري ولكردين لأول مقاربة نسوية نقدية جذرية استطاعت كسر القطيعة التقليدية بين النظريات المادية الاجتماعية والتحليل النفسي، رائدة بذلك ما يُعرف اليوم بـ “النسوية التقاطعية المنهجية”. تصدت ولكردين بجرأة للتيارات النسوية الليبرالية والبرجوازية التي هيمنت على الأكاديميا الغربية في عقود ما بعد الحرب؛ وهي تيارات كانت تتحدث بلسان “المرأة الكلية المعممة”، متجاهلة كلياً الفوارق الطبقية والعرقية التي تقسم تجارب النساء من الداخل، وتختزل النضال النسوي في كسر “السقف الزجاجي” لتمكين نساء الطبقة الوسطى من الوصول إلى المناصب التنفيذية العليا.

بينت ولكردين أن تجربة امرأة الطبقة العاملة تختلف نوعياً وجذرياً عن تجربة نظيرتها في الطبقة الوسطى؛ فالأخيرة قد تكابد القهر الجندري داخل الأسرة أو المؤسسة المهنية، لكنها تتمتع برأسمال طبقي وثقافي يحميها من الإذلال الذي تعيشه المرأة العاملة يومياً تحت وطأة الفقر، وعنف المؤسسات الإدارية، وعيون الأخصائيين الاجتماعيين المتلصصة. وبذلك، برهنت ولكردين على أن “الجندر لا يُعاش في الفراغ”، بل هو متداخل ومبني عضوياً داخل الهياكل الطبقية، وأن أي سيكولوجيا نسوية تتجاهل المادية الاقتصادية هي سيكولوجيا متواطئة مع النظام الرأسمالي.

علاوة على ذلك، أحدثت ولكردين ثورة في دراسات الجندر من خلال إدخال تقنيات “التحليل النقدي للخطاب” (Critical Discourse Analysis) المدعومة بالرؤية النفسية؛ حيث مكنت الباحثين من تفكيك النصوص التشريعية، والمقررات المدرسية، والمواد الإعلامية، كبنى دلالية تنتج مواقع ذاتية جندرية قسرية. لقد غيرت هذه التقاطعات المنهجية من طبيعة السؤال السيكولوجي نفسه: فلم يعد السؤال هو “ما هي السمات النفسية للمرأة؟”، بل تحول إلى: “ما هي القوى والخطابات والممارسات التاريخية التي تنتج وتفرض ما نسميه بالمرأة في مجتمع معين ولحظة زمنية محددة؟”.

7. الطفولة والإعلام وثقافة الاستهلاك الشعبي

7.1 كتاب ‘بنت أبيها’ (Daddy’s Girl): الرغبة والإغواء والإعلام

يعد كتاب فاليري ولكردين الأيقوني “بنت أبيها: الفتيات الصغيرات وثقافة البوب” (Daddy’s Girl: Young Girls and Popular Culture, 1997) واحداً من أجرأ الدراسات السيكولوجية والثقافية التي اقتحمت التابوهات المحرمة المحيطة بتمثيلات الطفولة والأنوثة في المجتمعات الغربية المعاصرة. انطلقت ولكردين من تحليل التمثيلات البصرية للفتيات الصغيرات في وسائط الإعلام الجماهيري، والفن الشعبي، وتاريخ السينما—بدءاً من شخصية الطفلة النجمة “شيرلي تمبل” في ثلاثينيات القرن العشرين ووصولاً إلى عروض مسابقات ملكات جمال الأطفال المعاصرة وموسيقى البوب.

فككت ولكردين التناقض المرعب والمشحون بالازدواجية الذي يسكن الوعي الجمعي في الغرب تجاه الفتاة الصغيرة؛ حيث تُرفع من جهة كرمز مطلق للبراءة، والملائكية، والنقاء الذي يجب حمايته من العالم الخارجي، بينما تُقدم وتُستهلك بصرياً من جهة أخرى كـ “كائن إغوائي مثير” تنبعث منه رغبات جنسية مكبوتة ومحرمة. أثبتت ولكردين أن ثقافة البوب توظف هذه الإيروتيكية المتسترة بطرق بالغة الخبث والتعقيد لتحقيق الأرباح التجارية، مستغلة رغبات المشاهدين البالغين وخيالاتهم غير الواعية حول امتلاك “البراءة المشتهاة”.

وجهت ولكردين نقداً لاذعاً لما سمته “الهلع الأخلاقي” (Moral Panic) الذي تشنه وسائل الإعلام والنخب المحافظة بشكل دوري حول استهلاك الفتيات الصغيرات للمكياج، والأزياء، والموسيقى الصاخبة؛ إذ اعتبرت أن هذا الهلع الأخلاقي هو آلية إسقاط نفسية تطهرية (Cathartic Projection). يقوم المجتمع البالغ عبر هذا الهلع بإلقاء قذارته ورغباته اللاواعية والمكبوتة على عاتق الفتيات الصغيرات وثقافة الاستهلاك الشعبي، متظاهراً بالدفاع عن “الطفولة الطبيعية المهدورة”، بينما هو في الحقيقة يعاقب الفتيات على جاذبيتهن التي صنعها ورغب فيها الخطاب البطريركي ذاته.

7.2 ثقافة الفتيات ومقاومة المعايير المفروضة

في مقابل المقاربات السوسيولوجية التي تعامل الفتيات كمستهلكات سلبيات وضحايا مسلوبات الإرادة لشركات الأزياء وأجهزة الإعلام الرأسمالية، أعادت ولكردين الاعتبار لـ “الفاعلية الذاتية لثقافة الفتيات” (Girls’ Culture Agency). أظهرت من خلال دراساتها الميدانية المعمقة في غرف نوم الفتيات وفضاءات تجمعهن كيف تعيد المراهقات توظيف المجلات الشعبية، وصور النجوم، والموسيقى لرسم عوالم ذاتية حميمة وخاصة تمكنهن من التفاوض على هوياتهن ومقاومة الضغوط المدرسية والعائلية المفروضة عليهن.

ترى ولكردين أن الاستهلاك الثقافي ليس مجرد تلقٍ سلبي للمعلومات والسلع، بل هو “فعل إنتاجي نشط لصناعة المعنى” (Active Production of Meaning). فالفتيات يقرأن النصوص الإعلامية بصورة تخريبية، متجاوزات الرسائل التوجيهية المعلنة؛ إنهن يعيدن تأويل القصص بما يتناسب مع همومهن ومخاوفهن المشتركة حول الجسد، والتغيرات البلوغية، والصداقة، والنبذ الاجتماعي. تصبح مجلة المراهقات، في هذا السياق، ساحة استشارية نفسية بديلة وأداة للتضامن الرمزي بين الفتيات في مواجهة عالم الكبار المعادي.

كما أعادت ولكردين تقييم ما كان يُزدرى كـ “تفاهة رومانسية” في أدبيات النقد الثقافي الكلاسيكي؛ مبرهنة على أن انغماس الفتاة في الخيالات الرومانسية الصاخبة هو استراتيجية سيكولوجية دفاعية للتعامل مع واقع اجتماعي ومادي شديد الاضطهاد ومجرد من الأمان. إن الحلم بالرومانسية هو في جوهره رغبة ملحة في التحقق، والاعتراف بالوجود، والشعور بالأهمية والكرامة الإنسانية في عالم يختزل الفتاة في مجرد أداة وظيفية أو جسد للاستهلاك، مما يجعل من ثقافة الفتيات موقعاً حيوياً للصراع الثقافي والنفسي الجدير بالاحترام والتحليل المتأني.

7.3 ألعاب الفيديو والتكنولوجيا وتشكيل الذات الفتية

مع مطلع الألفية الجديدة والتحول الرقمي المتسارع، قادت ولكردين أبحاثاً رائدة في سيكولوجيا التفاعل مع التكنولوجيا والوسائط التفاعلية، توجتها بكتابها المهم “الأطفال والإعلام: ألعاب الفيديو وسياسات اللعب” (Children and the Media: Video Games and the Politics of Play, 2007). واجهت ولكردين في هذا الكتاب السرديات التحذيرية المبتذلة والهلع المجتمعي المتكرر الذي يربط بشكل خطي وميكانيكي بين ألعاب الفيديو العنيفة وتصاعد العدوانية والجريمة لدى النشء والشباب.

قدمت ولكردين تحليلاً سيكولوجياً بديلاً ومعقداً ينطلق من فهم “بيئات اللعب الافتراضية” بوصفها مساحات لاختبار وتشكيل مفاهيم القوة، والتحكم، والهوية لدى الأطفال؛ فالطفل في المجتمعات الحديثة يعيش في بيئة واقعية خاضعة للمراقبة والتنظيم الحثيثين من قبل الأهل والمدرسة، حيث يُجرد تقريباً من أي سلطة حقيقية أو استقلالية في اتخاذ القرار. ومن ثم، فإن ولوجه إلى عوالم ألعاب الفيديو يمنحه إحساساً مفقوداً بالفاعلية والسيطرة (Sense of Agency and Mastery)، حيث يمكنه اختبار المخاطرة، والبطولة، وإدارة الفشل والهزيمة دون تبعات مادية مدمرة.

فحصت ولكردين أيضاً الأبعاد الجندرية الدقيقة لثقافة الألعاب الرقمية؛ مظهرة كيف تم تصميم هذه الصناعة لعقود كفضاء ذكوري يعيد إنتاج أساطير القوة العضلية والسيطرة العسكرية، وكيف استجابت الفتيات لهذا الاستبعاد عبر تطوير أساليب لعب استكشافية وعلائقية مبتكرة كلما أتيحت لهن الفرصة، متجاوزات بذلك النماذج الاختزالية التي صاغها مطورو الألعاب التجاريون، مما جعل من الفضاء السيبراني مختبراً جديداً لإعادة تشكيل الذاتية المعاصرة.

8. النيوليبرالية، والعمل، وتغير الهويات المجتمعية

8.1 تفكيك مجتمعات التعدين والتحولات الهيكلية

يمثل انتقال فاليري ولكردين لدراسة الآثار النفسية-الاجتماعية لسياسات النيوليبرالية وتفكك الصناعة التقليدية (De-industrialisation) محطة فكرية ناضجة وفارقة، تجسدت في كتابها المشترك مع لويس خيمينيز “النوع، العمل والمجتمع بعد التفكك الصناعي: مقاربة نفسية-اجتماعية للوجدان” (Gender, Work and Community after De-Industrialisation: A Psychosocial Approach to Affect, 2012). أجرت ولكردين دراسة ميدانية وإثنوغرافية ملحمية استمرت سنوات في مجتمعات وادي رندة (Rhondda Valley) لتعدين الفحم في جنوب ويلز؛ وهي المنطقة التي شكلت يوماً ما القلب النابض للصناعة البريطانية قبل أن تسحقها سياسات الخصخصة وإغلاق المناجم التاتشرية.

حللت ولكردين التداعيات الزلزالية لفقدان العمل الصناعي، ليس فقط على المؤشرات الاقتصادية ومعدلات الفقر، بل على “المعمار النفسي والرمزي للجماعة بأسرها”. لقد كان منجم الفحم يمثل أكثر من مجرد مصدر للدخل؛ كان هو الفضاء الذي تُنسج فيه “الرجولة العمالية والكرامة الاجتماعية”، حيث يتطلب العمل تحت الأرض شجاعة أسطورية، وتضحية متبادلة، واعتماداً مطلقاً على الرفاق للبقاء على قيد الحياة، وهو ما ولّد قيماً تضامنية استثنائية وبنية هوياتية صلبة كانت فخراً للمجتمع المحلي.

مع الإغلاق الفجائي والقسري للمناجم، وجد الرجال أنفسهم ملقى بهم على قارعة الطريق، مجردين من أدوارهم كمعيلين ومن هويتهم كأبطال للإنتاج، ومجبرين على العيش في فراغ وجودي خانق. رصدت ولكردين التحول القسري المؤلم من “التضامن العمالي الجماعي” وثقافة النقابات المقاومة، إلى “الفردانية النيوليبرالية الشرسة”؛ حيث فُككت الروابط الاجتماعية العضوية، وأُجبر الأفراد على التنافس ضد بعضهم البعض في بيئة ما بعد صناعية محطمة تفتقر إلى أي أفق للمستقبل.

8.2 إنتاج ‘الذات المرنة’ واقتصاد الخدمات

في تشريحها الدقيق للتحولات الاقتصادية الراهنة، صكت ولكردين مفهوماً نقدياً محورياً هو إنتاج “الذات المرنة والمتكيفة” (The Resilient/Flexible Subject) كنموذج إنساني نمطي تفرضه الرأسمالية المتأخرة واقتصاد الخدمات المعاصر. فبعد تدمير الوظائف الصناعية المستقرة والمحمية نقابياً، بات يُطلب من العامل اليوم أن يتخلى عن أي رغبة في الأمان الوظيفي، وأن يتحول إلى “رائد أعمال لنفسه” (Entrepreneur of the Self)؛ يعيد اختراع مهاراته وسلوكياته باستمرار للتكيف مع متطلبات السوق المتقلبة، ويعمل بعقود هشة وبلا ضمانات تحت رحمة تطبيقات العمل المؤقت.

بينت ولكردين أن أخطر ما في الأيديولوجيا النيوليبرالية هو نجاحها في “خصخصة الفشل وتحويل الأزمات الهيكلية إلى اضطرابات نفسية شخصية”؛ فإذا فقد الفرد وظيفته، أو عجز عن دفع إيجار مسكنه، أو أصيب بالإنهاك العصبي، فإن الخطاب السائد لا يدين سياسات التقشف أو جشع الشركات، بل يلوم الفرد نفسه على افتقاره لـ “المرونة النفسية”، وضعف “تفكيره الإيجابي”، وعجزه عن “تطوير ذاته”. لقد تحول علم النفس الإيجابي ودورات “التنمية البشرية” في هذا السياق إلى أجهزة أيديولوجية تبريرية تسعى لتطويع نفوس العمال لتقبل الاستغلال والهشاشة برحابة صدر ودون تمرد.

أكدت ولكردين أن “القلق الوجودي المزمن، ونوبات الهلع، والاكتئاب المستشري” في المجتمعات الغربية المعاصرة ليست أمراضاً بيوكيميائية فردية معزولة تنتج عن خلل في النواقل العصبية كما يزعم الطب النفسي الرأسمالي، بل هي “أعراض سوسيولوجية ونفسية مباشرة للحكم النيوليبرالي للأنفس”. إن إجبار البشر على العيش في حالة دائمة من التنافسية، واللايقين، وانعدام الأمان العاطفي والمادي يمثل عنفاً هيكلياً مدمراً ينهك الجهاز العصبي والوجداني للمجتمعات، محولاً البؤس الجماعي إلى أرباح خيالية لشركات صناعة الأدوية ومسكنات الاكتئاب.

8.3 الصدمة المتوارثة عبر الأجيال في مناطق ما بعد الصناعة

توصلت فاليري ولكردين في دراساتها الميدانية إلى كشف سيكولوجي مأساوي تمثل في رصد آليات انتقال “الصدمة النفسية عبر الأجيال” (Transgenerational Transmission of Trauma) في مناطق ما بعد الصناعة. أثبتت أن مشاعر الإحباط، واليأس، وفقدان المعنى، والعار الطبقي التي كابدها الآباء الذين سُرحوا من أعمالهم قسراً في الثمانينيات لم تمت معهم، بل انتقلت بيولوجياً ونفسياً وسلوكياً إلى الأبناء والأحفاد الذين لم يروا المناجم والمصانع قط في حياتهم.

عاينت ولكردين التدهور الكارثي لـ “رأس المال الاجتماعي والوجداني” داخل هذه المجتمعات؛ حيث تجلى انتقال الصدمة في ارتفاع مخيف لمعدلات الإدمان، والانتحار بين الشباب واليافعين، وتفشي سلوكيات إيذاء الذات، والعنف الأسري، والتسرب الدراسي. إن غياب فضاءات العمل الجمعية والنوادي العمالية التضامنية القديمة حرم الأجيال الجديدة من “الأوعية الرمزية” التي كانت تمتص الغضب وتصرفه في شكل نضال سياسي وتنظيمي مبدع، ليتحول ذلك الغضب المكبوت إلى طاقة تدميرية موجهة نحو الذات والجسد والمجتمع المحلي.

في مواجهة هذه الهوة السحيقة، لم تركن ولكردين إلى التشاؤم المطلق، بل انخرطت في تصميم وتنفيذ مشروعات ميدانية تقوم على “المقاومة عبر الفن والتوثيق التشاركي للذاكرة” (Participatory Arts and Collective Healing). سعت من خلال هذه الورش الإبداعية إلى جمع أفراد الأجيال المختلفة لإعادة رواية تاريخهم وتجسيده بصرياً، محولة “الحداد المكبوت والصامت” إلى عملية حداد جمعي معلن وفعّال (Collective Mourning)، يستعيد من خلاله المجتمع الويلزي كرامته وتاريخه المقاوم كأساس ضروري لأي تعافٍ نفسي وانبعاث سياسي للمنطقة.

9. المنهجيات النقدية: من تحليل الخطاب إلى الإثنوغرافيا الذاتية

9.1 تحليل الخطاب النفسي-الاجتماعي

طورت فاليري ولكردين نموذجاً منهجياً متقدماً وفريداً يُعرف بـ “تحليل الخطاب النفسي-الاجتماعي” (Psychosocial Discourse Analysis)، والذي أحدث ثورة في كيفية التعامل مع البيانات الكيفية والمقابلات في العلوم الإنسانية. رأت ولكردين أن تحليل الخطاب التقليدي، كما يمارس في اللسانيات الاجتماعية أو الفوكوية البحتة، يظل قاصراً ومجتزأً لأنه يركز حصراً على السطح اللغوي والبنى البلاغية المنطوقة، مهملاً تماماً الشحنات الوجدانية والديناميات النفسية اللاواعية التي تفيض عن الكلمات وتتحكم في تدفق المعنى.

يقوم منهج ولكردين على “قراءة ما بين السطور” والإصغاء الفائق للحظات الصمت المفاجئ، والتردد، والتلعثم، وتغير نبرات الصوت، وزلات اللسان، والضحكات العصبية غير المبررة أثناء المقابلات الميدانية. هذه “التصدعات النصية” ليست مجرد أخطاء لغوية عابرة، بل هي الثقوب التي يطل منها اللاوعي والصراعات النفسية الدفينة؛ إنها اللحظات التي يفشل فيها الخطاب الاجتماعي الرسمي في احتواء قلق الذات وألمها المكبوت. من خلال هذا الرصد الدقيق، يتمكن الباحث من الكشف عن الدفاعات النفسية (كالإسقاط، والإنكار، والازدواجية) التي يستخدمها المبحوثون للتصالح مع مواقعهم الطبقية والجندرية المؤلمة.

تتعامل ولكردين مع النصوص، والحوارات، والمواد الإثنوغرافية بوصفها “ساحات صراع أيديولوجي ونفسي في آن واحد”. لا يُنظر إلى المبحوث باعتباره مجرد ناقل أمين لآرائه الواعية، بل كذات تتنازعها أصوات متعددة وخطابات سلطوية متنافسة. يتتبع التحليل النفسي-الاجتماعي كيف يستحضر المتحدث خطابات معينة لمنح نفسه شعوراً زائفاً بالأمان والسيطرة، وكيف يتهاوى هذا البناء الوهمي عند ملامسة الصدمات الطبقية أو الهزائم الشخصية غير المعترف بها، مما يجعل من التحليل أداة حفر إبستمولوجية بالغة العمق والتعقيد.

9.2 الإثنوغرافيا الذاتية والبحث التشاركي

كسرت فاليري ولكردين بجرأة نادرة الحاجز الصارم والمصطنع الذي أقامته الوضعية العلمية بين “الباحث كذات عارفة ومحايدة” و”المبحوث كموضوع خاضع للملاحظة والتجريب”. كانت ولكردين في طليعة المنظرين الذين تبنوا وطوروا منهج “الإثنوغرافيا الذاتية” (Autoethnography) في الدراسات السيكولوجية والاجتماعية؛ حيث لم تتردد في توظيف مذكراتها الشخصية، وصدماتها الطبقية، وصور طفولتها، وتجاربها الذاتية كامرأة صاعدة أكاديمياً كـ “بيانات إمبيريقية مشروعة ومصدر استثنائي للفهم والتحليل المعرفي”.

تؤكد ولكردين أن استخدام الذات في البحث ليس ضرباً من الاستعراض النرجسي أو السيرة الذاتية الانعزالية، بل هو “إثنوغرافيا للذات داخل البنية الاجتماعية”؛ فالخبرة الذاتية المعيشة للباحث تختزل في تفاصيلها الحميمة التاريخ السياسي والطبقي للمجتمع بأسره. إن فحص مشاعر العار والذنب التي اختبرتها ولكردين شخصياً في أروقة الجامعات النخبوية مكنها من فهم الآليات النفسية للقهر الطبقي بصورة أعمق وأصدق بكثير مما يمكن أن توفره أي استمارة استبيان كمية أو اختبار نفسي مغلق.

توازى هذا التوجه مع التزامها الصارم بـ “البحث التشاركي” (Participatory Action Research)؛ حيث رفضت معاملة المجتمعات المهمشة والعمال والفتيات كفئران تجارب يُستخرج منهم الرأسمال المعرفي لبناء الأمجاد الأكاديمية للباحث ثم يُتركون لمصيرهم. أشركت ولكردين المبحوثين كـ “شركاء حقيقيين وفاعلين في صياغة الأسئلة، وتحليل النتائج، وإنتاج المعرفة”؛ محولة البحث العلمي إلى أداة تمكين وتحرر جمعي تسهم في رفع الوعي النقدي للمجتمعات المحلية وإعادة امتلاكها لأصواتها المسلوبة في الفضاء العام.

9.3 الأخلاقيات الإبستمولوجية والانعكاسية المنهجية

بلورت فاليري ولكردين مفهوماً حاسماً للأخلاقيات العلمية يرتكز على “الانعكاسية المنهجية الجذرية” (Radical Reflexivity). لا تعني الانعكاسية عند ولكردين مجرد كتابة فقرة بروتوكولية في مقدمة البحث تعترف بموقع الباحث الجندري أو الطبقي، بل هي “ممارسة يقظة مستمرة وشاقة” ترافق كل مراحل البحث الميداني والتحليلي؛ حيث يلتزم الباحث بمساءلة لا تكل لمشاعره، وتحيزاته غير الواعية، ورغباته الدفينة، ونقاط تفوقه الطبقي والرمزي التي قد تشوه فهمه للمبحوثين أو تدفعه لتأطير تجاربهم وفق قوالب جاهزة تريح ضميره النظري.

تتطلب هذه الأخلاقيات الإبستمولوجية حساسية استثنائية تجاه الفئات الهشة والضعيفة عند محاولة تمثيل أصواتهم؛ فالباحث الأكاديمي، مهما بلغ تعاطفه ونواياه التحررية، يمارس سلطة مؤسسية خطيرة حين “يتحدث بالنيابة عن الآخرين” أو يمنح نفسه الحق في ترجمة ألمهم إلى مفاهيم نظرية معقدة يتداولها النخب في المؤتمرات الدولية. حذرت ولكردين من تحويل شقاء المهمشين إلى “فرجة أكاديمية” تُستهلك فكرياً دون إحداث أي تغيير مادي حقيقي في شروط حياتهم القاسية.

تنادي ولكردين بمواجهة ومقاومة علاقات القوة داخل الممارسات الأكاديمية والعمل الميداني عبر اعتماد مبدأ “التواضع الإبستمولوجي والاعتراف باللا-يقين”. إن الباحث يجب أن يكون مستعداً لتقبل انهيار فرضياته النظرية، والاعتراف بعجزه عن تفسير بعض الظواهر، والإنصات العميق لـ “الصمت التواصلي” ولأشكال التعبير التي ترفض الخضوع لمعايير الوضوح الأكاديمي، جاعلة من أخلاقيات الرعاية والمسؤولية التضامنية جوهر الممارسة المعرفية النقدية برمتها.

10. الممارسات الفنية والبحث الحسي والوجداني

10.1 التحول نحو البحث القائم على الفنون (Arts-Based Research)

شهدت المسيرة الفكرية المتأخرة لفاليري ولكردين انعطافة راديكالية ومثيرة تمثلت في تحولها الحاسم نحو “البحث القائم على الفنون” (Arts-Based Research) والوسائط البصرية التفاعلية؛ وذلك بعد أن أدركت بمرارة الحدود القصوى التي تفرضها اللغة الأكاديمية والنصوص المكتوبة. رأت ولكردين أن الأطر اللفظية الجافة تعجز بنيوياً عن الإحاطة بالأبعاد الحسية، والوجدانية، واللاواعية التي تسكن الصدمات الطبقية والجندرية العميقة؛ فالألم الحقيقي، والرعب الوجودي، وتجارب التهميش غالباً ما تقبع في مناطق “ما قبل اللغة” أو ما يسميه لاكان بـ الواقعي المعجز عن التمثيل (The Real).

انتقلت ولكردين إلى إنتاج التركيبات الفنية التفاعلية (Art Installations)، والأفلام الوثائقية التجريبية، والتسجيلات الصوتية البيئية كأدوات استقصاء سيكولوجية-اجتماعية قائمة بذاتها. تجلى هذا التوجه في مشروعاتها الفنية الكبرى في ويلز ومدن الشمال البريطاني؛ حيث أنشأت معارض بصرية ضخمة استعادت فيها ذاكرة البلدات العمالية المنهارة، دامجة الصور العائلية القديمة، وأدوات المناجم المهجورة، وقطع الأقمشة المهترئة، مع أصوات حقيقية للرياح وسعال عمال المناجم المصابين بالتليف الرئوي داخل سراديب مظلمة تم بناؤها داخل قاعات العرض.

تخلق هذه الممارسات الفنية صدمة حسية وتجربة استغراقية للمشاهد؛ حيث لا يتعامل المتلقي مع المعاناة العمالية كأطروحة عقلانية يقرأها في كتاب، بل يختبرها كـ “حضور جسدي وحسي طاغٍ” يثير في داخله مشاعر الفقد، والرهبة، والتعاطف غير الواعي. وبذلك، استطاعت ولكردين تحويل الفن المعاصر من مجرد سلعة برجوازية للزينة والترفيه إلى “مختبر معرفي مضاد” وسلاح استقصائي يفجر قضايا الطبقة والهوية على نحو عجزت عنه مئات المجلدات السيكولوجية التقليدية.

10.2 نظريات الوجدان (Affect Theory) والجسدانية

تعتبر فاليري ولكردين من الرواد الأوائل الذين قاموا بإدماج “نظريات الوجدان” (Affect Theory) في الدراسات النفسية-الاجتماعية المعاصرة؛ متجاوزة الهيمنة المطلقة لما يُعرف بـ “المنعطف اللغوي” (The Linguistic Turn) وما بعد البنيوية النصية التي اختزلت الواقع والذات في مجرد نصوص وخطابات لغوية. تميز ولكردين، مستلهمة أطروحات براين ماسومي وجيل دولوز وسارة أحمد، بين “العاطفة المرمزة لغوياً” (Emotion) وبين “الوجدان الحسي المباشر” (Affect)؛ فالأخير يمثل تدفقات طاقية، ومشاعر بدائية خام، وتوترات جسدية غير مرمزة تسري في الفضاءات العامة وبين الأجساد قبل أن تجد لها صياغة لفظية في الوعي.

ربطت ولكردين نظريات الوجدان بالتحليل الطبقي في كتاباتها المتأخرة، طارحة مفهوماً جديداً أسمته “الوجدان الطبقي والجسدانية” (Classed Affect and Corporeality). بينت ولكردين أن التمييز، والقهر، والعار الطبقي لا يُعاش في المقام الأول كأفكار منطقية، بل يُحس كـ “ثقل فيزيائي في المعدة”، وانقباض في الحنجرة، وتوتر مزمن في العضلات، وإحساس عارم بالرغبة في الاختفاء أو الانفجار عند مواجهة سلطة متعالية. هذا السريان الوجداني غير المنطوق هو المادة اللزجة التي تُثبّت مواقع الهيمنة والخضوع في المجتمع، حيث يتعلم الجسد المهمش كيف ينكمش ويتوارى غريزياً أمام الجسد البرجوازي الذي يحتل الفضاء بثقة واستعلاء.

يمثل هذا الطرح انتقالاً إبستمولوجياً نوعياً من “علم نفس الإدراك المعرفي المعقم” إلى “علم نفس متجسد ومحسوس” (Embodied and Felt Psychology). يعيد هذا النموذج الاعتبار للجسد الحقيقي الحي—الذي يتألم، ويعرق، ويجوع، ويتدفق باللذة والوجع—بوصفه المسرح الحقيقي لصناعة الذاتية والتنظيم السياسي والاجتماعي، مؤسساً لقطيعة نهائية مع النزعة المثالية والديكارتية التي فصلت العقل عن الجسد لعقود طويلة في تاريخ الفكر الغربي.

10.3 الفن كأداة للتدخل النفسي والتمكين المجتمعي

لم تتوقف فاليري ولكردين عند توظيف الفن كوسيلة للبحث المعرفي والتنظير الأكاديمي، بل حولته إلى أداة عملية لـ “التدخل النفسي والتمكين المجتمعي المباشر” في المناطق المهمشة ومجتمعات ما بعد الصناعة. قادت ولكردين العديد من ورش العمل الإبداعية المجتمعية التي استهدفت الفئات الأكثر عرضة للهشاشة النفسية: كالشباب العاطلين عن العمل، والنساء المعيلات في الأحياء الفقيرة، والمتقاعدين المسرحين قسراً من المصانع؛ مقدمة نموذجاً مبتكراً للصحة النفسية المجتمعية يختلف جذرياً عن العلاج الفردي الطبي الكلاسيكي.

وفرت هذه الورش فضاءات آمنة وتضامنية مكنت المشاركين من تفريغ مشاعر القلق، والغضب، واليأس، واستكشاف ذواتهم عبر الرسم، والنحت، والتصوير الفوتوغرافي، وكتابة النصوص المسرحية السير-ذاتية. لم تكن هذه الأنشطة مجرد “علاج بالفن” (Art Therapy) بالمعنى الإكلينيكي الضيق الذي يسعى لتسكين الأعراض وتطويع الفرد مع واقعه، بل كانت “ممارسة تحررية لإنتاج الوعي والاعتراف الرمزي المتبادل”؛ حيث يكتشف المشاركون أن معاناتهم النفسية ليست عيباً شخصياً أو فشلاً فردياً، بل هي جراح جماعية يتشاركونها جميعاً بسبب البنية الاجتماعية الظالمة.

توجت هذه الورش بتنظيم “معارض تفاعلية جماهيرية” داخل القاعات البلدية والمدارس المهجورة في البلدات ذاتها؛ حيث دُعي المجتمع المحلي بكافة أطيافه للاطلاع على الأعمال ومناقشتها. تحولت هذه المعارض إلى ساحات عامة للحوار الديمقراطي، والاعتراف بالمظالم التاريخية، ومحاكمة السياسات النيوليبرالية التي دمرت المنطقة. أثبتت ولكردين أن دمج الفن المعاصر والممارسة النفسية-الاجتماعية يمتلك قدرة فائقة على إعادة بناء الثقة الذاتية للمهمشين، وتوليد طاقات سياسية تضامنية مذهلة قادرة على قيادة مسارات التعافي الجمعي والوقاية النفسية المستدامة.

11. التأثير المؤسسي والجدل الأكاديمي والانتقادات الموجهة

11.1 الانتقادات الموجهة من داخل علم النفس السائد

أثارت أطروحات فاليري ولكردين الراديكالية ومناهجها غير المألوفة عواصف من الجدل والانتقادات العنيفة من قبل معاقل علم النفس السائد (Mainstream Psychology) والتيار الوضعي التجريبي المهيمن. اتهمها خصومها من علماء النفس التجريبيين والمعرفيين بالانحراف عن “المعايير العلمية الصارمة”، وافتقار أبحاثها إلى الدقة المنهجية، والموضوعية، وقابلية التكرار (Replicability) والتحقق الإمبيريقي؛ زاعمين أن كتاباتها تنتمي إلى حقول النقد الأدبي، أو الفلسفة الأيديولوجية، أو التحريض السياسي أكثر من انتمائها لعلم النفس الحقيقي.

تركزت الانتقادات أيضاً على إشكالية “تعميم النتائج” (Generalisability) وصعوبة تطبيقها على قطاعات سكانية واسعة؛ إذ رأى علماء النفس الكميون أن اعتماد ولكردين المكثف على عينات صغيرة جداً، وعلى دراسات حالة فردية، ومقابلات كيفية متعمقة مع عدد محدود من فتيات الطبقة العاملة أو أسر عمال المناجم في ويلز، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يشكل أساساً نظرياً صلباً لبناء تعميمات سيكولوجية تدعي تفسير ظواهر كونية مثل “النمو المعرفي” أو “تعلم الرياضيات” أو “التشكل الجندري”.

تصدت ولكردين لهذه الانتقادات بصلابة إبستمولوجية فائقة؛ مفككة الأسس الفلسفية التي يقوم عليها هذا النقد نفسه. أوضحت أن المطالبة بـ “قابلية التكرار والتعميم الإحصائي” هي ذاتها خضوع أعمى لنموذج العلوم الطبيعية الميكانيكية الذي يتعامل مع البشر كأشياء متطابقة ومقطوعة عن سياقاتها التاريخية. ودافعت ولكردين بحزم عن “ضرورة تعدد المعايير الإبستمولوجية”؛ مؤكدة أن الصدق المعرفي للبحوث الكيفية والذاتية لا يقاس بالأرقام والرسوم البيانية، بل بمدى عمق التفسير، والقدرة على كشف علاقات القوة المتسترة، والأصالة في تمثيل الخبرات المعيشة المشحونة بالمعنى، وهو ما يعجز عنه علم النفس الوضعي تماماً بسبب عماه الأيديولوجي.

11.2 الخلافات النظرية داخل الفضاء النقدي والنسوي

لم تسلم أفكار فاليري ولكردين من السجالات والنقاشات النقدية الحادة حتى داخل معسكر حلفائها الطبيعيين في الفضاء النقدي وما بعد البنيوي والنسوي الراديكالي. برز على السطح نقاش نظري عميق حول مدى “المبالغة في الاعتماد على الأطر ما بعد البنيوية والفوكوية”؛ حيث رأى بعض المنظرين النسويين والماركسيين، مثل نورمان فيركلوف وليندا نيكولسون، أن اختزال الذاتية في كونها نتاجاً محضاً للخطاب وأنظمة السلطة قد ينتهي إلى نوع من العدمية السياسية، ويقوض تماماً مفهوم “الفاعلية التحررية” (Emancipatory Agency)، جاعلاً من أي مقاومة حقيقية مجرد وهم تنتجه خطابات أخرى بديلة للسلطة.

كما أثار توظيفها المكثف لـ “التحليل النفسي الكلاسيكي”—لا سيما بمفاهيمه اللاكانية والفرويدية المعقدة—ردود فعل حذرة ومتحفظة من قبل قطاعات واسعة من الحركة النسوية المادية؛ إذ اعتبرت بعض الناشطات أن استخدام مفاهيم مثل “القضيب كدال”، و”الإخصاء الرمزي”، و”الرغبة اللاواعية في الخضوع”، ينطوي على مخاطرة حقيقية بإعادة استدخال البطريركية من الباب الخلفي، وتأبيد دونية المرأة عبر منح هذه الأساطير الذكورية مصداقية سيكولوجية جديدة حتى لو كانت النية هي تفكيكها ونقدها.

تجاوبت ولكردين بمرونة وتطور نظري مستمر مع هذه الانتقادات، لا سيما مع صعود الحركات النسوية التقاطعية المعاصرة ونظريات ما بعد الاستعمار. عملت على تطوير مفاهيمها وإعادة صياغتها، مشددة على أن الذات ليست سجينة أبدية للخطاب، بل تمتلك ثغرات نفسية-اجتماعية تنبع من التناقضات الوجدانية وتدفقات الرغبة اللاواعية ذاتها، وهي ثغرات تفتح الأفق أمام المقاومة الإبداعية والتحرر الحقيقي. كما انفتحت في أعمالها المتأخرة على مراجعات نقدية مكنتها من دمج قضايا العرق، والاستعمار، والبيئة في صلب مشروعها السيكولوجي دون التخلي عن ركائزها الفكرية الصلبة.

11.3 الأثر المؤسسي وتأسيس الجمعيات والبرامج الأكاديمية

على الرغم من المسار التصادمي الذي تبنته فاليري ولكردين ضد المؤسسة الأكاديمية التقليدية، إلا أن تأثيرها المؤسسي والبيداغوجي كان هائلاً وعميق الأثر داخل بريطانيا وخارجها. قادت ولكردين حركة تجديد مؤسسي شجاعة أثمرت عن إنشاء أول برامج ماجستير ودكتوراه متخصصة في “الدراسات النفسية-الاجتماعية” (Psychosocial Studies) في جامعة برونيل، وكلية جولدسميث، وجامعة كارديف؛ وهي البرامج التي كسرت الحدود المصطنعة بين علم النفس وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والتحليل الثقافي، مخرجة المئات من الباحثين الذين يقودون اليوم أقسام العلوم الاجتماعية في العالم الأنجلوفوني.

لعبت ولكردين دوراً حاسماً في تأسيس وقيادة “الجمعية الدولية لعلم النفس النقدي” (International Society of Critical Psychology – ISCP)، وعقد مؤتمراتها الدورية في مختلف قارات العالم؛ مما حول علم النفس النقدي من مجرد جيوب تمرد معزولة داخل الجامعات البريطانية إلى شبكة فكرية وأكاديمية عالمية متماسكة. وفرت هذه الجمعية الحماية والشرعية الأكاديمية للباحثين والمفكرين المعارضين للنزعة الوضعية، وفتحت المجال لتبادل التجارب النضالية والمعرفية بين باحثي الغرب ومفكري أمريكا اللاتينية وجنوب إفريقيا وآسيا.

امتد أثر ولكردين الفكري والتدريسي ليلهم أجيالاً متتابعة من الباحثين والناشطين؛ حيث تحولت أطروحاتها إلى مراجع أساسية في كليات التربية، ومعاهد الخدمة الاجتماعية، ومراكز أبحاث دراسات المرأة والجندر، والدراسات الثقافية. لقد تركت بصمة لا تمحى على جيل كامل من المفكرين البارزين في أوروبا، وأستراليا، وأمريكا اللاتينية، الذين استلهموا شجاعتها المنهجية وحساسيتها الطبقية لمساءلة مؤسسات القهر وإعادة كتابة تاريخ العلوم الإنسانية من منظور المهمشين والمضطهدين.

12. الإرث المعرفي والآفاق المستقبلية لعلم النفس النقدي

12.1 حضور أفكار ولكردين في دراسات الصحة النفسية المعاصرة

يتجلى الإرث المعرفي الخالد لفاليري ولكردين اليوم بوضوح صارخ داخل أروقة حركات “الطب النفسي البديل” (Critical Psychiatry) ودراسات الصحة النفسية المعاصرة؛ لا سيما في مواجهة الاستشراء المخيف لـ “النموذج الطبي الحيوي” (Biomedical Model) والدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM). تقدم أطروحات ولكردين الترسانة النظرية الأقوى لإعادة تفسير أمراض العصر—مثل الاكتئاب، والقلق العام، واضطراب ما بعد الصدمة، واحتراق الذات (Burnout)—لا كخلل بيولوجي أو عطب جيني فردي، بل كـ “استجابات نفسية ووجودية مفهومة تماماً ومبررة للأزمات البنيوية العنيفة التي تفرزها الرأسمالية النيوليبرالية”.

تستخدم أفكارها اليوم بكثافة لمناهضة “الوصم الطبي والطبقي الممنهج” الموجه ضد الفئات الفقيرة وقاطني الأحياء الهامشية؛ حيث ترفض المقاربات النقدية المعاصرة اختزال معاناة هؤلاء في تشخيصات إكلينيكية مجردة تؤدي في النهاية إلى تخديرهم بالأدوية النفسية وإلزامهم بالتكيف السلوكي مع شروط قهرهم المادي. بدلاً من ذلك، تدعو رؤية ولكردين إلى “تسييس المعاناة النفسية” وتفكيك الوظيفة الإدارية للطب النفسي كجهاز ضبط اجتماعي يعمل لصالح الاستقرار السياسي للدولة، مشددة على أن تراجع الأجور، وتدمير الإسكان الاجتماعي، والبطالة هي المسببات الحقيقية للألم النفسي.

أدى هذا الوعي إلى طفرة في تطوير برامج وممارسات “التدخل المجتمعي القائم على العدالة الاجتماعية والشفاء الجمعي” (Healing Justice)؛ حيث تنشط منظمات قاعدية في تطبيق منهجيات ولكردين لتأسيس عيادات نفسية ومراكز استماع مجتمعية تقودها المجتمعات المحلية بنفسها. تركز هذه المبادرات على بناء التضامن، وإحياء الذاكرة الجمعية، والاحتجاج السياسي كشروط لا غنى عنها للتعافي النفسي الفردي والجمعي؛ مؤكدة أن محاربة الفقر والاستغلال هي الشكل الأكثر جذرية وفاعلية لممارسة الطب النفسي الحقيقي.

12.2 تقاطع فكر ولكردين مع التحديات الرقمية الحديثة

على الرغم من أن الجزء الأكبر من أطروحات ولكردين قد صِيغ قبيل الانفجار الهائل لمنصات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، إلا أن مفاهيمها التأسيسية حول الرقابة، وتطبيع الذات، والاستهلاك تكتسب اليوم راهنية مذهلة وتوفر أدوات إبستمولوجية لا غنى عنها لفهم “العصر الرقمي والسيبراني الراهن”. إن تطبيق مفهومها حول “المراقبة البانوبتيكية الفوكوية” على خوارزميات منصات مثل إنستغرام، وتيك توك، وفيسبوك يكشف كيف تحولت الرقابة الخارجية إلى مراقبة ذاتية مستمرة وقهرية يمارسها الأفراد ضد أنفسهم ليل نهار في فضاء افتراضي لا ينام.

تقدم تحليلات ولكردين في كتابها “بنت أبيها” إطاراً تفسيرياً فريداً لتشريح ظاهرة “تشكيل الجسد الأنثوي الافتراضي واستهلاك الفتيات الرقمي المعاصر”؛ فالفتيات اليوم يجدن أنفسهن محاصرات داخل اقتصاد بصري رقمي متوحش يطالبهن بعرض أجسادهن وتحسينها عبر الفلاتر والتقنيات التجميلية لكسب “الإعجابات” كعملة رمزية واقتصادية جديدة. تكشف أفكار ولكردين كيف يعيد هذا الفضاء الرقمي إنتاج التناقض التاريخي بين “تسليع البراءة” و”الإيروتيكية القسرية” بصورة غير مسبوقة في توحشها، مولداً أوبئة نفسية مروعة لدى المراهقات مثل اضطراب صورة الجسد، وفقدان الشهية العصبي، وكراهية الذات.

يمتد فكر ولكردين ليضيء الزوايا المظلمة لـ “صراع الطبقة والنوع في فضاءات اقتصاد العمل المؤقت المنصي” (Gig Economy) مثل تطبيقات التوصيل وخدمات العمل عن بعد؛ حيث يُطلب من العامل اليوم أن يكون “ذاتاً مرنة فائقة التكيف والاتصال” على مدار الساعة، ويخضع للتقييم المستمر بالنجوم من قبل المستهلكين وخوارزميات الذكاء الاصطناعي المعتمة. تثبت ولكردين أن الانتقال إلى العالم الافتراضي لم يحرر الإنسان من قيود الطبقة والجسد كما بشر المنبهرون بالتكنولوجيا، بل قام بتكثيف الاستغلال وحفر الفوارق الطبقية بشكل أعمق داخل البنية النفسية للعمال المعاصرين.

12.3 الخلاصة: مشروع تحرير علم النفس وإعادة صياغة الإنسان

في الختام، يتبدى المشروع الفكري والسياسي لفاليري ولكردين كواحد من أشجع وأعمق المشروعات النقدية في تاريخ العلوم الإنسانية المعاصرة؛ مشروع لم يكتفِ بإصلاح هوامش علم النفس أو تصحيح مساراته التجريبية، بل هدف إلى “تحرير علم النفس من ذاته ومن تاريخه الاستعماري والبطريركي والبرجوازي”. أثبتت ولكردين على مدار أكثر من خمسة عقود من العطاء الخلاق أن فهم الفرد البشري، وآلامه، وأحلامه، وتعلمه، يستحيل أن ينفصل عن الشروط التاريخية، والمادية، والسياسية التي تحكم العالم الذي يعيش فيه ويتنفس هواءه.

يمثل إرث ولكردين دعوة ثورية مستمرة ومفتوحة لكل الباحثين، والمربين، والمحللين النفسيين، والناشطين لمقاومة التسليع المتوحش للمعاناة الإنسانية، ورفض اختزال الكائن البشري في أرقام إحصائية جافة، أو مقاييس استخباراتية عقلية، أو مخرجات رقمية تلائم أسواق العمل النيوليبرالية. إنها السيكولوجيا التي تقف بجرأة وانحياز واعٍ إلى جانب الطفل المهمش في الفصل الدراسي، والأم الكادحة التي تصمها المؤسسات بالقصور، والعامل الذي حُطمت بلدته وكرامته باسم التقدم الاقتصادي الزائف.

ستظل فاليري ولكردين منارة فكرية ملهمة وصوتاً ريادياً أعاد تعريف حدود المعرفة السيكولوجية برمتها، مبرهنة على أن البحث العلمي الرصين لا يفقد موضوعيته حين ينطلق من الوجع والانحياز للعدالة، بل يكتسب حينئذ فقط معناه الإنساني والتحرري الأعمق. إن مشروعها يظل نبراساً يهدي أجيال الغد الساعية نحو إعادة صياغة علم جديد للإنسان: علم نفس لا يهدف إلى ترويض النفوس وإخضاعها لقوانين السوق، بل يسعى لتحرير طاقات الرغبة والحب والحرية الكامنة في كل جسد بشري، وبناء عالم يتسع للجميع دون استغلال أو قهر.

المراجع

  • Henriques, J., Hollway, W., Urwin, C., Venn, C., & Walkerdine, V. (1984). Changing the subject: Psychology, social regulation and subjectivity. Methuen. https://doi.org/10.4324/9780203393048
  • Walkerdine, V. (1988). The mastery of reason: Cognitive development and the production of rationality. Routledge.
  • Walkerdine, V. (1989). Counting girls out. Virago Press.
  • Walkerdine, V. (1990). Schoolgirl fictions. Verso.
  • Walkerdine, V. (1997). Daddy’s girl: Young girls and popular culture. Harvard University Press. https://doi.org/10.1007/978-1-349-25562-7
  • Walkerdine, V., Lucey, H., & Melody, J. (2001). Growing up girl: Psychosocial explorations of gender and class. Palgrave Macmillan. https://doi.org/10.1007/978-1-349-65682-0
  • Walkerdine, V. (2007). Children and the media: Video games and the politics of play. Palgrave Macmillan.
  • Walkerdine, V., & Jimenez, L. (2012). Gender, work and community after de-industrialisation: A psychosocial approach to affect. Palgrave Macmillan. https://doi.org/10.1057/9781137015402
  • Parker, I. (2015). Critical psychology: What it is and what it is not. Routledge. https://doi.org/10.4324/9781315725796
  • Blackman, L., Cromby, J., Hook, D., Papadopoulos, D., & Walkerdine, V. (2008). Creating subjectivities. Subjectivity, 22(1), 1-5. https://doi.org/10.1057/sub.2008.8
  • Foucault, M. (1977). Discipline and punish: The birth of the prison. Pantheon Books.
  • Haraway, D. (1988). Situated knowledges: The science question in feminism and the privilege of partial perspective. Feminist Studies, 14(3), 575-599. https://doi.org/10.2307/3178066
  • Ahmed, S. (2004). The cultural politics of emotion. Edinburgh University Press.
  • Butler, J. (1990). Gender trouble: Feminism and the subversion of identity. Routledge.
  • Bourdieu, P. (1984). Distinction: A social critique of the judgement of taste. Harvard University Press.
★

تقييم هذا المحتوى

5.0 / 5 • 7 تقييمات