النظريات السلوكية, علم النفس الاجتماعي

فرضية التعاطف والإيثار مقابل نموذج تخفيف الحالة السلبية


تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 7 نوفمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 7 نوفمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تُمثّل دراسة السلوك الاجتماعي الإيجابي (Prosocial Behavior) واحدةً من أكثر المساحات إثارةً للجدل في تاريخ علم النفس الاجتماعي المعاصر؛ إذ تمسّ جوهر الطبيعة الإنسانية وتساؤلاتها الكبرى حول ما إذا كان الكائن البشري مدفوعاً بنزعة أصلية نحو الخير والإيثار، أم أنه سجين حسابات نفعية وأنانية مبطنة تستهدف تحقيق اللذة الذاتية وتجنب الألم الداخلي. فعلى مدار عقود متتالية، انقسم الباحثون حول تفسير الدوافع الحقيقية التي تحفز فرداً على التضحية بوقته أو جهده أو حتى سلامته البدنية في سبيل نجدة شخص آخر يمر بأزمة أو يعاني كرباً دفيناً. ولم يكن هذا النقاش مجرد استعراض فلسفي نظري، بل تحول في أواخر القرن العشرين إلى معركة تجريبية معملية ضارية استخدمت أدق التصاميم المنهجية والملاحظات الإمبيريقية لتفكيك بنية النفس البشرية في لحظات الاستجابة لآلام الآخرين ومحنتهم.

يتجسد هذا الصدام الأكاديمي الرائد في المواجهة التاريخية الشهيرة بين قطبين من كبار علماء النفس الاجتماعي: العالم دانيال باتسون (C. Daniel Batson)، رائد مدرسة الإيثار الخالص ومؤسس “فرضية التعاطف والإيثار” (Empathy-Altruism Hypothesis)، والعالم روبرت سيالديني (Robert B. Cialdini)، رائد مدرسة التوجيه السلوكي النفعي ومؤسس “نموذج تخفيف الحالة السلبية” (Negative-State Relief Model). وبينما يرى باتسون أن استثارة المشاعر التعاطفية قادرة على توليد دافع موجه حصرياً نحو إعلاء رفاهية الآخر وتفريج كربته دون أي اعتبار وافر للمكاسب الشخصية، يُصرّ سيالديني على أن سلوك تقديم العون ليس سوى استراتيجية أداتية يمارسها الفرد لتعديل مزاجه الخاص وإخماد الحزن والانزعاج النفسي الذي يفرضه مشهد المعاناة، سعياً لاستعادة الاتزان الوجداني الداخلي عبر مكافأة الذات المشروطة اجتماعياً.

إن فك الارتباط المنهجي بين هذين النموذجين يمثل ضرورة معرفية وعملية بالغة الأهمية؛ فالخلط بين الدوافع الإيثارية والدوافع الأنانية لا يقتصر على التأثير في تفسير السلوك البشري داخل المختبر، بل يمتد ليعيد صياغة استراتيجيات العمل الإنساني، وتصميم حملات التبرع، وتطوير برامج التدخل الاجتماعي وإدارة الأزمات الكبرى. ويهدف هذا المقال التحليلي المطول إلى تقديم تشريح أكاديمي شامل ومقارن للفرضيتين، مستعرضاً جذورهما المعرفية، وأدواتهما التجريبية، ونقاط القوة والضعف المنهجية في كل منهما، فضلاً عن رسم خريطة تطبيقية توضح كيف يمكن للمؤسسات والباحثين توظيف هذه الرؤى المتنافسة في فهم وتوجيه السلوك البشري نحو مزيد من التكافل والاستقرار المجتمعي.

1. المقدمة: تأطير الجدل الدوافعي في علم النفس الاجتماعي

1.1 مدخل إلى إشكالية الإيثار والأنانية

تعود جذور المعضلة الدوافعية في تفسير الإيثار إلى الحوارات الفلسفية الكلاسيكية التي سعت إلى استكشاف ماهية العقد الاجتماعي والنزعة الفطرية للإنسان؛ فبينما كان توماس هوبز يرى أن الطبيعة البشرية متمركزة كلياً حول الذات وأن محركات السلوك تنبع دوماً من الرغبة في البقاء والهيمنة وتجنب الألم، دافع فلاسفة التنوير الأخلاقي، مثل ديفيد هيوم وجان جاك روسو وآدم سميث، عن وجود ملكة وجدانية فطرية تجعل الإنسان يتألم لألم أخيه الإنسان ويجد سعادة في رؤية الآخرين ينعمون بالخير والسكينة. ومع انتقال الفلسفة الأخلاقية إلى فضاء علم النفس التجريبي في القرن العشرين، انخرط العلماء في محاولة تحويل هذه الفرضيات التجريدية إلى نماذج قابلة للاختبار المعملي، مما فرض تحدياً منهجياً صارماً يكمن في كيفية عزل النية الخالصة عن المنافع الخفية التي تصاحب كل فعل نبيل.

في هذا السياق التاريخي الحرج وتحديداً في مطلع ثمانينيات القرن العشرين، تفجّر نقاش حاد وممنهج أعاد تشكيل خريطة علم النفس الاجتماعي، تزعمه كل من دانيال باتسون وزملاؤه من جامعة كانساس في مواجهة روبرت سيالديني وفريقه البحثي من جامعة ولاية أريزونا. وقد تمحور هذا النزاع العلمي حول ما إذا كان “الإيثار النقي” (Pure Altruism) حقيقة سيكولوجية قائمة بذاتها، أم أنه ليس إلا غطاءً معرفياً خادعاً تُغلّف به الأنانية النفسية غاياتها المستترة. ولم يكن التحدي مقتصراً على إثبات أو نفي وجود الخير، بل تمثل في اختراع نماذج تجريبية قادرة على كشف الحجب عن الطبقات الخفية للوعي الإنساني، مما أفرز في نهاية المطاف صراعاً تجريبياً يعد الأكثر دقة وصرامة في دراسات السلوك البشري عبر نصف قرن كامل.

تتجلى أهمية التمييز بين هذه النماذج النظرية في انعكاساتها المباشرة على فهم سيكولوجية المساعدة، وبناء شبكات التطوع، وتصميم آليات التدخل السريع أثناء الأزمات والكوارث الإنسانية؛ إذ إن إدراك المحرك الفعلي للاستجابة التعاطفية يحدد بوضوح ما إذا كان ينبغي للخطاب الإنساني مخاطبة “الضمير الإيثاري” أم استثارة “الحاجة المزاجية لتسكين الألم الذاتي”. كما يوفر هذا التحليل العميق أدوات تقييم بالغة الأهمية للعاملين في مجالات الرعاية الصحية، والإغاثة، والدعم النفسي، الذين يقفون يومياً على خطوط التماس مع آلام الفئات الهشة، مما يفرض عليهم استيعاب آليات الاستنزاف الوجداني والتعاطف المستدام بما يحمي الفاعلين من الاحتراق النفسي ويدعم استمرارية العطاء الخيري.

1.2 الخلط الشائع بين المفهومين وأسباب المقارنة

ينشأ اللبس المفاهيمي الشائع بين فرضية التعاطف والإيثار ونموذج تخفيف الحالة السلبية من التطابق الظاهري شبه التام في المخرجات السلوكية النهائية؛ ففي كلا النموذجين، يقف المراقب أمام فرد يشاهد مأساة يتعرض لها إنسان آخر، ثم يتخذ قراراً بمد يد العون وتقديم تضحية معينة تؤدي بالضرورة إلى إغاثة المحتاج وانتشاله من عثرته. هذا التطابق الإمبريقي في “الفعل الصريح” يجعل المراقب العادي، بل وكثيراً من الممارسين غير المتخصصين، يخلطون بين النظريتين ويعتبرونهما تسميتين مترادفتين لنفس المسار النفسي المحفز، متجاهلين أن التماثل في الأفعال الخارجية كثيراً ما يخفي تبايناً جذرياً في الديناميكيات النفسية التي أطلقت تلك الأفعال ووجهت مسارها.

كما يتعمق هذا الغموض المعرفي بفعل التداخل الوجداني المعقد الذي يعتري الشاهد أثناء معايشته لاستغاثة الآخر؛ فمشاهدة شخص يتعرض للأذى أو يتلوى من الألم تؤدي في العادة إلى إطلاق حزمة مشاعر متزامنة تشمل الشفقة (Compassion)، والحنان (Tenderness)، والحرص على النجدة، مصحوبة في الوقت عينه بمشاعر الانزعاج الشخصي (Personal Distress)، والتوتر الداخلي، والغم. هذا الامتزاج يجعل من العسير على الفرد نفسه أن يفرز بوضوح ما إذا كان تحركه لإنقاذ الضحية نابعاً من رغبة أصيلة في رفع معاناتها، أم أنه مدفوع بنزوع باطني لا يطاق للتخلص من صور البؤس التي تهدد صفاءه الذهني وراحته النفسية، وهو ما يفسح المجال واسعاً للتأويلات النفعية التي ترى في كل إحسان محاولة لا واعية لتسكين الاضطراب الذاتي.

من هنا تبرز الضرورة الأكاديمية الصارمة لتفكيك الميكانيزم الداخلي وفصل “الغايات النهائية” (Ultimate Goals) عن “الوسائل الأداتية” (Instrumental Means) في دراسة السلوك الإنساني؛ ففي حين يُعرّف الهدف النهائي في نظرية الدوافع بأنه الحالة المرغوبة لذاتها والتي يسعى الفرد لبلوغها كنهاية حتمية لسلوكه، تمثل الوسيلة مجرد جسر وظيفي يمكن استبداله بمسارات أخرى إذا توفرت بدائل أقل تكلفة وأكثر سرعة. إن المقارنة المعمقة بين أطروحة باتسون ونموذج سيالديني ترتكز بالأساس على فك هذه العقدة المعرفية: هل مساعدة المحتاج غاية نهائية يُعد تخفيف الألم الذاتي أثراً جانبياً غير مقصود لها، أم أن رفاهية المحتاج ليست إلا أداة وظيفية عابرة يمتطيها الفرد ليستعيد توازنه الوجداني المسلوب؟

2. فرضية التعاطف والإيثار: المنظور الإيثاري الخالص

2.1 الأسس النظرية والمفاهيم المحورية لباتسون

ترتكز “فرضية التعاطف والإيثار” التي صاغها دانيال باتسون عام 1981 على افتراض محوري مفاده أن الطبيعة البشرية تمتلك قدرة أصيلة على توليد دوافع إيثارية نقية موجهة نحو صالح الآخرين ورفاهيتهم المستقلة. ويُميز باتسون بدقة متناهية بين “المشاعر التعاطفية” (Empathic Concern) وبين غيرها من الاستجابات الانفعالية، إذ يحددها بأنها حزمة من العواطف الموجهة نحو الآخر (Other-oriented)، والمتطابقة في مسارها الإيجابي مع الإحساس بمأساة الضحية، مثل: الشفقة، والرقة، والتعاطف الدافئ، والاهتمام بمصير المتألم. هذه المشاعر تتولد بالضرورة عندما يقوم الفرد بتبني منظور معرفي (Perspective Taking) يعاين من خلاله الحدث بعيون الشخص المتألم وموقعه الوجودي، بدلاً من معاينته من موقع المراقب الخارجي المحايد.

تتمثل الفكرة الجوهرية في نموذج باتسون في أن انبعاث هذه المشاعر التعاطفية يوقظ في نفس الشاهد دافعاً غائياً حصرياً يُطلق عليه “الدافع الإيثاري”؛ وهو حالة تحفيزية يكون هدفها النهائي والمحدد هو تقليل كرب الضحية وإعادة تأهيل حالتها الإيجابية. وتحت مظلة هذا الطرح، يرفض باتسون تماماً الفكرة القائلة بأن المنافع التي تعود على الفرد المغيث—سواء كانت تلك المنافع تحسيناً في المزاج، أو نشوة بالرضا عن الذات، أو مدحاً اجتماعياً—تمثل الباعث المحرك على المساعدة، بل يعتبرها نواتج عرضية وتوابع غير مقصودة تنشأ تلقائياً عقب إنجاز الفعل النبيل، تماماً كما يشعر العداء بالارتياح البدني بعد عبور خط النهاية دون أن يكون هذا الارتياح هو غايته الوحيدة من خوض السباق التنافسي الشاق.

وبناءً على هذا التأطير الصارم، دافع باتسون عن ضرورة تحرير الإيثار من قبضة النماذج النفسية التي تختزله في آليات دفاعية لخفض التوتر الداخلي، أو تجنب تأنيب الضمير واللوم الاجتماعي؛ فوفقاً له، فإن القول بأن كل خير نفعله يهدف لتسكين آلامنا الذاتية يرتكب خطأً منهجياً كبيراً عبر الخلط بين الدافع (Motivation) والمآل (Consequence). لقد سعى باتسون عبر هذه الفرضية إلى استعادة كرامة الطبيعة الإنسانية وتثبيت فكرة أن العقل البشري يمتلك شبكة سيكولوجية معقدة تمكنه من تجاوز ذاته المحضة والاهتمام العميق والنزيه بمصير كائن آخر يشاركه الوجود، مما يجعل من المساعدة استجابة تعاطفية أصيلة لا مساومة تجارية مغلفة برداء الفضيلة.

2.2 النموذج الميكانيكي وتصميم تجارب الهروب السهل والصعب

لإثبات فرضيته تجريبياً ودحر التفسيرات الأنانية المنافسة، ابتكر دانيال باتسون منهجية بحثية بارعة عُرفت في أدبيات علم النفس الاجتماعي بـ”نموذج الهروب السهل والصعب” (The Easy vs. Difficult Escape Paradigm). انطلق هذا التصميم من فرضية منطقية حاسمة: إذا كان الدافع الذي يحرك الفرد لمساعدة محتاج هو دافع أناني يتمثل في خفض الانزعاج الشخصي والتوتر الذي يشعر به من رؤية الألم، فإن إتاحة فرصة “الهروب المادي أو البصري” من المشهد المؤلم بتكلفة يسيرة ستدفع الفرد حتماً إلى الانسحاب ومغادرة الموقف بدلاً من تحمل تكلفة تقديم المساعدة، لأن الهروب في هذه الحالة يحقق نفس الغاية الأنانية (إنهاء الانزعاج الشخصي) بأقل تكلفة ممكنة.

طبّق باتسون وفريقه هذا النموذج في دراستهم التاريخية الشهيرة التي تضمنت مشاركين يراقبون شابة تُدعى “إيلين” (Elaine)—كانت في الواقع مساعدة متواطئة مع الباحثين في التجربة المعملية—وهي تتلقى صدمات كهربائية مزعجة للغاية أثناء أدائها مهمة تذكرية، وتُبدي ملامح الرعب والألم نتيجة صدمة طفولية تعرضت لها مع الكهرباء. تم التلاعب بالتعاطف عبر إخبار المشاركين إما بأن إيلين تشبههم تماماً في القيم والسمات (تحفيز التعاطف العالي وتبني المنظور)، أو أنها تختلف عنهم تماماً (تعاطف منخفض). ثم عُرض على المشاركين خيار التدخل لتحمل بقية الصدمات بدلاً عنها لإنقاذها، وذلك تحت ظرفين تجريبيين: ظرف “الهروب السهل” حيث يمكن للمشارك ببساطة إغماض عينيه ومغادرة المختبر فوراً بعد مشاهدة جولتين فقط دون أي حرج، وظرف “الهروب الصعب” حيث يتوجب على المشارك البقاء لمشاهدة جميع جولات الصدمات العشر إذا رفض تقديم المساعدة.

جاءت الدلالات الإحصائية لتلك الدراسات صادمة لمناصري التفسير الأناني؛ فبينما اختار المشاركون ذوو التعاطف المنخفض الهروب الفوري بمجرد أن أتيح لهم ذلك، أظهر الأفراد ذوو التعاطف المرتفع سلوكاً نبيلاً ثابتاً: فقد تطوعت الأغلبية الساحقة منهم (تجاوزت 80% في كثير من التجارب المكررة) لتحمل الصدمات المؤلمة عن إيلين، حتى عندما كان بإمكانهم المغادرة فوراً دون أدنى عواقب أو لوم. هذا النمط السلوكي المتماسك شكّل برهاناً إمبيريقياً قوياً على أن الدافع المستثار بالتعاطف يظل موجهاً نحو تفريج كربة الضحية؛ إذ لو كان الهدف هو التخلص من الانزعاج الذاتي فحسب، لكان الهروب السهل كفيلاً بالقضاء على ذلك الانزعاج، وهو ما لم يحدث، مؤكداً استقلالية الدافع الإيثاري عن مجرد طلب الراحة الشخصية.

2.3 نقاط القوة والانتقادات الموجهة لفرضية باتسون

تكمن نقطة القوة المركزية في فرضية التعاطف والإيثار في قدرتها على تقديم دليل إمبيريقي منهجي شديد الإحكام نجح في كسر الاحتكار النفعي والاقتصادي الذي هيمن على النظريات السلوكية لعقود طويلة؛ إذ بيّنت الفرضية عبر عشرات التجارب المعملية متعددة التصاميم أن الاختزال المادي للطبيعة البشرية يعجز عن تفسير مواقف التضحية الموثقة معملياً وميدانياً. كما قدمت نظرية باتسون مساهمة كبرى في التمييز المفاهيمي بين الانفعالات الموجهة نحو الذات (كالقلق والاشمئزاز والهلع الشخصي) وتلك الموجهة نحو الآخر (كالشفقة والرقة)، مما منح الباحثين شبكة قياس نفسية دقيقة ساعدت في ترقية أدوات استطلاع المشاعر والسلوك الاجتماعي الإيجابي في مختلف التخصصات الإنسانية.

ورغم هذه القوة المنهجية، واجهت فرضية باتسون انتقادات حادة من مدارس الفلسفة التجريبية والنماذج المنافسة، تمحور أبرزها حول صعوبة التحقق الصارم من انعدام العوائد النفسية الخفية؛ إذ يرى النقاد أنه حتى لو عجز الفرد عن الهروب الذهني، فإن إقدامه على المساعدة قد يكون مدفوعاً بتوقع الحصول على مكافأة وجدانية لا واعية، مثل التمتع بـ “الفخر الذاتي” (Self-Pride)، أو حماية الصورة الإيجابية للذات، أو تجنب الشعور بالذنب العميق الذي قد يلاحقه إن تخلّى عن إنسان رآه يعاني. هذه العوائد الذاتية غير الملموسة يصعب عزلها معملياً بنسبة مئة في المئة، مما يبقي الباب مفتوحاً أمام المشككين للقول بأن الإيثار الظاهري قد يكون نتاج نظام مقايضة نفسي شديد الدهاء والتعقيد.

إضافة إلى ذلك، وجه باحثون من أمثال سيالديني ونوبرغ (Neuberg) انتقاداً نظرياً جوهرياً يتعلق بمفهوم “تداخل الذات والآخر” (Self-Other Overlap) أو ما يُعرف بالاندماج المعرفي (Oneness). فقد جادلوا بأن إثارة التعاطف العالي وتبني المنظور يدفعان الفرد إلى إدماج صورة الشخص الآخر ضمن تمثيلاته المعرفية لـ “الأنا”، مما يعني أن المساعدة المقدمة ليست موجهة إلى “آخر” مستقل بالمعنى الفلسفي التام، بل هي دفاع عن امتداد للذات داخل ذلك الآخر؛ ومن ثم، فإن محاولة تفريج كربته تصبح في عمقها حماية لحدود الذات المتسعة ومحاولة للحفاظ على سلامتها الوجدانية، وهو ما يُعيد إحياء الجدلية الأنانية بصياغة معرفية عصبية حديثة تفكك نقاء الدافع الإيثاري المطلق.

3. نموذج تخفيف الحالة السلبية: المنظور الأناني والمكافأة الذاتية

3.1 الأصول النظرية ومفهوم الإدارة المزاجية لسيالديني

في مقابل الطرح الإيثاري لباتسون، صاغ روبرت سيالديني وزملاؤه (Cialdini et al., 1982, 1987) “نموذج تخفيف الحالة السلبية” (Negative-State Relief Model)، وهو إطار نظري ينطلق من الفلسفة النفعية الكلاسيكية والنظريات المعرفية في الإدارة المزاجية (Mood Management). يرتكز النموذج على فرضية سيكولوجية أساسية مفادها أن مشاهدة معاناة شخص آخر، أو حتى مجرد التورط في موقف ينطوي على أذى إنساني، يستحث لدى الشاهد حالة وجدانية سلبية مؤلمة (Negative Affective State) تتسم بالحزن، والغم، والكدر النفسي، والشعور بالضيق. واستناداً إلى مبدأ اللذة والنزوع الغريزي لتجنب الألم، يصبح الفرد مدفوعاً داخلياً برغبة ملحة في التخلص من هذا المزاج الكئيب واستعادة الاتزان الوجداني الطبيعي المفقود بأسرع وسيلة ممكنة.

ضمن هذا المنظور، لا يُعد سلوك تقديم المساعدة فعلاً أخلاقياً متجرداً يستهدف ذات الضحية، بل يُنظر إليه بوصفه “أداة وظيفية تعويضية” (Instrumental Tool) يلجأ إليها الفرد لتحسين مزاجه الشخصي وخفض حدة المشاعر السلبية المستثارة بداخله. فمن خلال تقديم العون، يحصل الفرد على مكافأة داخلية مشروطة تتجلى في الشعور بالرضا، والاطمئنان، واستشعار القيمة الذاتية، وهي عوائد نفسية إيجابية تمتلك القدرة الديناميكية على محو الحزن والتوتر واستبدالهما بحالة من الراحة النفسية. وبذلك، فإن الضحية هنا ليست الغاية النهائية من التدخل الإغاثي، بل هي الوسيلة البيئية المتاحة التي يستخدمها الشاهد كمعبر نفسي لتطهير نفسه من المشاعر الكئيبة التي سببتها مشاهدة تلك المأساة ذاتها.

يستند سيالديني في تبرير هذا الميكانيزم إلى نظريات التعلم الاجتماعي (Social Learning Theory) وعمليات التنشئة والارتقاء السيكولوجي؛ حيث يوضح أن الأطفال في مراحلهم المبكرة لا يُظهرون نموذج تخفيف الحالة السلبية، لأن السلوك الاجتماعي الإيجابي لم يرتبط لديهم بعد بمكافآت ذاتية مستقلة. ولكن مع تقدم مراحل النمو وتلقي التنشئة والتشريط الاجتماعي من الأسرة والمجتمع عبر الثناء والتشجيع على أفعال الخير، يتعلم الفرد تدريجياً أن تقديم المساعدة هو سلوك “معزّز ذاتياً” (Self-reinforcing). وهكذا يتحول السلوك الاجتماعي في مرحلة البلوغ إلى آلية مدمجة لإدارة المزاج، حيث يُوظف الفرد هذا المخزون التعليمي لا شعورياً كعقار نفسي يعالج به نوبات الحزن والانزعاج الشخصي الناتجة عن اصطدامه ببؤس العالم الخارجي.

3.2 الأدلة التجريبية وتأثير الوسائل البديلة لتعديل المزاج

لدعم هذا التفسير الأناني بالحجج التجريبية، صمم سيالديني ورفاقه سلسلة من الدراسات المعملية المبتكرة التي اعتمدت على إدخال “متغيرات تعويضية للمزاج” (Alternative Mood-Elevating Events) قبل إتاحة فرصة تقديم المساعدة؛ وكان المنطق المنهجي وراء هذا التصميم هو أنه إذا كان دافع الأفراد لمساعدة المحتاج ينبع بالفعل من حاجتهم لتخفيف حالتهم الوجدانية السلبية، فإن توفير وسيلة بديلة وناجزة تحسن مزاجهم وتزيل حزنهم وتوترهم مسبقاً—دون حاجة لتحمل أعباء وتكاليف تقديم العون—سيؤدي بالتبعية إلى انخفاض معدلات تقديم المساعدة بشكل حاد، نظراً لأن الهدف الأناني (إصلاح المزاج) قد تحقق بالفعل عبر تلك الوسيلة البديلة المستقلة.

في إحدى التجارب المعيارية، قام الباحثون بتوليد حالة من الحزن والتعاطف لدى المشاركين عبر تعريضهم لقصة تراجيدية تصف مأساة حقيقية لطالبة تعاني محنة قاسية، ثم قُسّم المشاركون إلى مجموعات: حصلت إحداها على دفعة مفاجئة لتحسين المزاج تمثلت في الفوز بمبلغ مالي غير متوقع، أو تلقي مديح مجزٍ، أو الاستماع إلى مقاطع صوتية كوميدية خفيفة، في حين تُرِكت المجموعة الأخرى في حالتها المزاجية الكئيبة. بعد ذلك، أتيحت للجميع فرصة التطوع لمساعدة تلك الطالبة المنكوبة. وأظهرت النتائج الإحصائية انخفاضاً دراماتيكياً في رغبة تقديم العون لدى المشاركين الذين رُفع مزاجهم مسبقاً عبر الحدث البديل مقارنة بالذين ظلوا تحت وطأة الحزن؛ وهو ما اعتبره سيالديني دليلاً قاطعاً على أن المساعدة كانت مجرد محاولة لإصلاح المزاج، فإذا صلح المزاج بالبديل زالت الرغبة في التضحية لصالح المحتاج.

ولم تتوقف المناورات التجريبية لسيالديني وفريقه عند هذا الحد، بل طوروا تقنية خارقة عُرفت باسم “تجارب تثبيت المزاج” (The Mood-Freezing Paradigm) قادها مانوتشيا وبومان وسيالديني (Manucia, Baumann, & Cialdini, 1984). في هذه الدراسات، أُعطي المشاركون عقاراً وهمياً (Placebo) وأُبلغوا كذباً بأنه دواء نفسي يُدعى “Mnemoxine” له أثر جانبي طبي يتمثل في “تجميد المزاج” وتثبيته تماماً لفترة من الوقت، بحيث يعجز أي حدث خارجي عن تحسينه أو تغييره. ثم عُرّض هؤلاء المشاركون لنفس المشاهد المحزنة لإثارة انزعاجهم وعُرضت عليهم فرصة تقديم المساعدة. أظهرت النتائج أن الأفراد الذين اعتقدوا أن مزاجهم متجمد وغير قابل للتعديل أحجموا عن تقديم المساعدة وتراجعت معدلاتهم بشكل ملحوظ مقارنة بالمجموعة الضابطة؛ مما أكد الاستنتاج بأن الإنسان لا يساعد إذا أدرك مسبقاً أن فعله هذا سيعجز عن منحه الرضا الذاتي وتعديل كدره الوجداني، مما وجه ضربة موجعة للتفسير الإيثاري الخالص.

3.3 تقييم النموذج: المزايا المنهجية والمآخذ النظرية

يتمتع نموذج تخفيف الحالة السلبية بقدرة تفسيرية استثنائية وبراعة منهجية عالية جعلته ينسجم بسلاسة تامة مع النماذج الاقتصادية التقليدية ونظرية التبادل الاجتماعي ومبدأ اللذة والمنفعة (Hedonism) الذي يسيطر على كثير من المدارس السيكولوجية التطورية والسلوكية. إن أعظم مزايا هذا النموذج تتمثل في واقعيته وقدرته على التنبؤ بسلوكيات الانسحاب والتجاهل البارد التي يبديها كثير من الناس تجاه المآسي اليومية؛ فالنموذج يفسر بوضوح لماذا يفضل الفرد غالباً إشاحة بصره، أو تغيير القناة التلفزيونية، أو الإسراع بالخطى لتجاوز مشرد في الشارع؛ فإذا كان تغيير اتجاه النظر أو الهروب يوقف توليد الحزن بتكلفة صفرية، فإنه يُعد الحل الأمثل وفق المنطق النفعي لتعديل الحالة السلبية بأقصر طريق متاح.

غير أن النموذج واجه في المقابل مآخذ نقدية ونظرية عميقة؛ إذ يؤخذ عليه الإفراط في النزعة المادية السلوكية واختزال الوعي الإنساني المعقد في حلقة آلية مغلقة من الاستثارة السلبية والتعزيز الذاتي الأعمى. كما يتجاهل النموذج السياقات التضحوية الراديكالية التي يقدم فيها الأفراد أرواحهم فداءً للآخرين أو يتحملون آلاماً طويلة الأمد لسنوات لرعاية ذويهم المصابين بأمراض ميؤوس من شفائها؛ فهذه الحالات المتطرفة لا يمكن بأي حال من الأحوال تفسيرها بمجرد رغبة بسيطة في “تحسين المزاج”، لأن تكلفة المساعدة هنا تفوق بأميال حجم أي متعة وجدانية متوقعة، بل قد تؤدي إلى تدمير حياة المعين واستمرار كربه النفسي والبدني.

علاوة على ذلك، أشار باتسون ونقاد آخرون إلى ثغرة منهجية في تعميم نتائج تجارب سيالديني؛ فإدخال أحداث مشتتة أو مكافآت بديلة لتعديل المزاج قبل إتاحة فرصة المساعدة قد يؤدي ببساطة إلى تشتيت انتباه المشاركين وصرف تركيزهم المعرفي تماماً عن معاناة الضحية، وليس تحييد الدافع الإيثاري فحسب. فالإنسان حين يتلقى خبراً ساراً أو مالاً، قد ينغمس في عالمه الذاتي ويفقد استشعار حالة التقمص الوجداني (Empathic Set)، وبالتالي فإن تراجع المساعدة في تلك الظروف لا يثبت بالضرورة أن دافعه الأساسي كان أنانياً، بل يوضح فقط أن التعاطف الموجه للآخر هو شعور هش يسهل إرباكه وتحييده بالمشتتات البيئية والتغيرات المزاجية الحادة المفاجئة.

4. أوجه الاختلاف الجوهرية بين الفرضيتين

4.1 مقارنة الدوافع والآليات السيكولوجية الحاكمة

يتمحور التباين الأساسي بين فرضية التعاطف والإيثار ونموذج تخفيف الحالة السلبية حول تعريف ماهية “الهدف النهائي” للسلوك؛ ففي إطار أطروحة باتسون، يُعرّف الهدف النهائي بأنه زيادة رفاهية المحتاج وتقليص حجم الألم الذي يكابده دون قيد أو شرط، في حين أن أي عائد نفسي يصيب المعين يعد مجرد عرض ثانوي لا يدخل ضمن الحسابات الدوافعية التي حركت الإرادة. أما في نموذج سيالديني، فإن الهدف النهائي يتمركز كلياً حول الذات؛ حيث تمثل راحة المستفيد مجرد نتيجة ثانوية أو جسر يعبر عليه المغيث لاستنقاذ مزاجه المتدهور وتطهير ساحته الوجدانية من ثقل الحزن، مما يجعل السلوكين متضادين جوهرياً في بنيتهما القيمية التحتية رغم تماثلهما المظهري الخارجي.

كما يمتد هذا الافتراق إلى طبيعة ونوعية الانفعالات المستثارة التي تحرك سلوك التدخل في الأزمات؛ إذ يفصل باتسون بين “التعاطف الموجه للآخر” (Other-oriented Empathy) الذي يولد حناناً ورقة وتوجهاً نحو الضحية، وبين “الانزعاج الشخصي الموجه للداخل” (Self-oriented Distress) الذي يولد توتراً وقلقاً وذعراً يتمحور حول استقرار الأنا. وفي هذا المضمار، يؤكد باتسون أن الدافع الإيثاري لا يستيقظ إلا بفعل الصنف الأول من الانفعالات، في حين يستند نموذج سيالديني بالكامل إلى الصنف الثاني؛ حيث يرى أن المحرك الأكبر للمساعدة هو المشاعر السلبية الذاتية من حزن، وأسى، وكآبة شخصية مستثارة باصطدام الفرد مع واقع الألم المرير المحيط به في البيئة الخارجية.

يتجسد هذا التباين البنيوي أيضاً في المسار المعرفي لتجهيز المعلومات عند مواجهة الموقف الضاغط؛ فبينما يتطلب نموذج باتسون عملية معرفية تتضمن “تبني منظور الآخر” وتخيل مشاعره من الداخل مما يفجر شحنة التعاطف المستقلة، يرى سيالديني أن الموقف لا يتطلب بالضرورة تقمصاً إيثارياً غائياً، بل مجرد إدراك حسي لمعاناة تنتج أثراً انفعالياً تلقائياً ينشّط منظومة الذاكرة الترابطية حول سبل التخلص من المزاج السيئ ومسارات استعادة السعادة الذاتية عبر بنك المكافآت الاجتماعية المخزنة سلفاً، مما يبرهن على التضاد الفلسفي بين النموذجين في توصيف المحركات الباطنية للإنسان.

4.2 السلوك تحت شروط الهروب والبدائل التعويضية

تعد الاستجابة لمتغيرات بيئة المساعدة—وتحديداً إمكانية الهروب وتوافر الوسائل البديلة—حجر الزاوية التجريبي الذي يفصل بين منطق الفرضيتين فصلاً قاطعاً؛ ففي ظل توفر “خيار الهروب السهل” دون تكاليف اجتماعية، تتنبأ فرضية التعاطف والإيثار بأن الأفراد الذين استثيرت لديهم مشاعر التعاطف المرتفعة سيواصلون تقديم المساعدة ولن يفروا من الميدان، لأن الهروب الفيزيائي أو الحسي يخلص الشاهد من الألم ولكنه يُبقي الضحية حبيسة كربها، وهو ما يتعارض مع غايتهم الإيثارية التي تستهدف تحرير المحتاج ذاته من قيده. في المقابل، يقرر نموذج تخفيف الحالة السلبية أن الأفراد في مواقف الهروب السهل سينسحبون في الغالبية العظمى من الأحيان، لأن ترك الموقف يزيل المثير المؤلم ويحقق الهدف الأناني بتكاليف تقترب من الصفر مقارنة بتكاليف المساعدة الباهظة.

أما فيما يخص “المكافآت البديلة المعدلة للمزاج”، فإن الفرضيتين تقفان على طرفي نقيض واضح؛ إذ يرى نموذج تخفيف الحالة السلبية أن تقديم دفعة إيجابية للمزاج (مثل تلقي مال أو خبر سار أو مادة مبهجة) للمتفرج قبل طلب المساعدة يُعد كفيلاً بإشباع حاجته النفسية وإعادة ضبط مزاجه، مما يدفعه إلى العزوف الفوري عن مساعدة المحتاج لعدم حاجته الوظيفية إليها بعد ذلك. بينما تثبت دراسات باتسون المقابلة أن التعاطف الحقيقي لا يتراجع بمجرد تقديم مكافأة مزاجية للمساعد، لأن الضحية لا تزال تتألم في الواقع؛ وبالتالي فإن مزاج الفرد المغيث—حتى لو تحسن مؤقتاً بالترفيه—لن يلغي الدافع التعاطفي القائم في أصله على رغبة موضوعية في إنقاذ الآخر وليس مجرد دغدغة مشاعر الأنا.

وتنعكس هذه الفروق الجذرية كذلك في “الحسابات التقديرية لتكلفة المساعدة”؛ ففي نموذج سيالديني، يخضع قرار التدخل لمعادلة حسابية نفعية بالغة الصرامة تقارن بين تكلفة تقديم العون (من وقت وجهد ومال ومخاطر) وتكلفة استمرار الحزن أو تكلفة البحث عن مخارج نفسية بديلة، فإذا زادت تكلفة المساعدة عن العائد المزاجي المتوقع، أحجم الفرد فوراً عن مد يده. أما في فرضية باتسون، فإن استثارة التعاطف تعطل هذه الحسابات الاقتصادية المبتذلة وتدفع الشخص للاستعداد لتحمل أعباء فادحة وتكاليف شخصية مؤلمة لإنقاذ الضحية، وصولاً إلى تعريض النفس للمخاطر البدنية، وهو ما يشهد به سلوك منقذي الغرقى ومقتحمي الحرائق الذين يتصرفون باندفاع وجداني متجاوز للحسابات النفعية.

4.3 القياس الإمبيريقي والمنهجية التجريبية

يتباين النموذجان تبايناً ملحوظاً في هندسة المتغيرات المستقلة والضوابط المعملية المستخدمة لرصد حركة الدوافع وتفاعلاتها الدقيقة؛ ففي دراسات فرضية التعاطف والإيثار، يركز الباحثون على التلاعب المعرفي بتوجيه التعليمات للمشاركين، مثل حثهم على “تبني منظور الضحية والتركيز التام على معاناتها الباطنية” لتحفيز التعاطف المرتفع، أو “تبني منظور المراقب الموضوعي الحيادي المنفصل وجدانياً” لإنتاج حالة التعاطف المنخفض، مترافقاً ذلك مع عزل كامل للشعور بالذنب الاجتماعي عبر طمأنة المشارك بأن قراره بالانسحاب سيكون سرياً ومخفياً تماماً عن أنظار الآخرين لتصفير ضغوط الاستحسان الاجتماعي.

في المقابل، تعتمد التجارب المعيارية لنموذج تخفيف الحالة السلبية على تكتيكات تجريبية تتدخل بشكل مباشر في الحالة الفسيولوجية والمزاجية للشخص الخاضع للتجربة؛ مثل حقن عقاقير الإيحاء بتجميد الانفعالات، أو تصميم صدمات وجدانية مصطنعة (مثل إيهام المشارك بأنه تسبب خطأً في إتلاف عمل زميله لزرع مشاعر ذنب وكدر داخلي)، ثم تتبع مسار تفريغ هذه الشحنة السلبية عبر إتاحة المساعدة من عدمها. كما يلجأ فريق سيالديني إلى استخدام استبانات تفريقية دقيقة ترصد بدقة تقلبات الحزن والكآبة الشخصية مقابل تقلبات الشفقة، لتأكيد أن التغير في سلوك المساعدة يرتبط ارتباطاً خطياً ومباشراً بانحدار مؤشرات الحزن الذاتي وليس بمؤشرات الاهتمام بالغير.

ولحسم هذا النزاع المنهجي، طوّر كل طرف معايير معملية مشددة لاختبار الفرضيات الصفرية؛ حيث ركّز باتسون على تصميم بيئات يستحيل فيها منطقياً على الفرد أن ينسب لنفسه أي فضل أو سمعة إيجابية، لإثبات أن سلوك المساعدة ينبع من رغبة أصيلة في نجدة الضحية حتى مع غياب التقدير الذاتي. بينما ركز سيالديني على رصد الفروق الدقيقة في سرعة الاستجابة وزمن الرجع، مدعياً أن سرعة الفرد في تقديم المساعدة تتناسب طردياً مع حجم التوتر الشخصي الداخلي الذي يرغب في التخلص منه، مما حوّل المعامل السيكولوجية إلى حلبة سباق بالغة التطور لابتكار مصفوفات القياس النفسي الأكثر حساسية للتمييز بين الدوافع المتشابكة.

وجه المقارنة فرضية التعاطف والإيثار (دانيال باتسون) نموذج تخفيف الحالة السلبية (روبرت سيالديني)
الهدف النهائي للسلوك (Ultimate Goal) تحسين رفاهية الضحية وتفريج كربتها لذاتها. تحسين المزاج الشخصي وإزالة الحزن والانزعاج الذاتي.
طبيعة الدافع المحرك (Motivation Nature) إيثاري، متمركز كلياً حول الغير (Other-oriented). أناني، متمركز حول حماية وتعديل الأنا (Self-oriented).
دور المشاعر المستثارة (Affective Role) مشاعر تعاطف وشفقة ورقة تولد اهتماماً بمصير الآخر. مشاعر حزن وكدر وتوتر شخصي يبحث الفرد عن إخمادها.
السلوك عند توفر الهروب السهل استمرار تقديم المساعدة بمعدلات مرتفعة لنجدة الضحية. الهروب والانسحاب الفوري لتجنب تكاليف المساعدة.
أثر المكافآت البديلة المعدلة للمزاج لا تؤثر؛ يظل دافع المساعدة قائماً لأن الضحية لا تزال تتألم. تثبيط المساعدة؛ استعادة المزاج الإيجابي تلغي الحاجة للمساعدة.
الاستجابة لـ “تجميد المزاج” بالإيحاء استمرار المساعدة لأن الدافع ليس مشروطاً بتحسن مزاج الذات. تراجع المساعدة بشكل حاد لعدم جدواها في تعديل المزاج.
مكانة راحة المعين في المعادلة أثر جانبي وتالٍ للحدث (Epiphenomenon) غير مقصود بالذات. الغاية الكبرى والمحرك الحصري لكل السلوك التعويضي.
الجذر التطوري والنمائي امتداد فطري لأنظمة الرعاية الوالدية وحماية الضعفاء. سلوك متعلم عبر التنشئة الاجتماعية المرتكزة على المكافآت.

5. نقاط التلاقي والتداخل المفاهيمي بين النموذجين

5.1 التشابه السلوكي ووحدة المنبه الخارجي

على الرغم من التباعد الجذري في المنطلقات الفلسفية والدوافع المستترة، يلتقي النموذجان في مساحة مشتركة تبدأ من “وحدة المنبه الخارجي” المحفز للديناميكية النفسية بأكملها؛ فكلا الفريقين يتفقان على أن نقطة الانطلاق الحتمية تبدأ من إدراك الفرد لوجود شخص آخر يعاني من كرب حاد، أو يواجه خطراً داهماً، أو يتخبط في حاجة ملحة للمساعدة. وبدون هذا المثير البيئي الحاسم، تظل المنظومة السيكولوجية في حالة كمون واستقرار، مما يعني أن كلا النموذجين ينتميان أصلاً إلى سلة دراسات “الاستجابة للشدائد الاجتماعية” ويركزان على تفكيك الطريقة التي يعالج بها الكائن البشري إشارات الاستغاثة الصادرة عن بني جنسه.

كما يتجلى التطابق العملي في صدور “السلوك الاجتماعي الإيجابي” بصورة مادية متطابقة في نهاية المطاف؛ فالمستفيد الذي يتلقى العون، سواء كان فقيراً يتلقى صدقة، أو غريقاً يُسحب من اليم، أو مريضاً يُنقل إلى المستشفى، ينال في كلا النموذجين نفس النتيجة الإغاثية الخالصة. هذا التماثل السلوكي يجعل من المستحيل على الملاحظ الخارجي أن يجزم، بمجرد مراقبة حركة الجسد أو الفعل الفيزيائي المجرد، ما إذا كان الفاعل بطلاً إيثارياً مدفوعاً بفرضية باتسون، أم مدبراً نفسياً حصيفاً يسعى لإصلاح مزاجه وفق نموذج سيالديني، مما يُبين أن الخلاف الأكاديمي ليس خلافاً حول “ما يفعله الإنسان”، بل حول “لماذا يفعله في أعمق طبقات وعيه الداخلي”.

بالإضافة إلى ذلك، يسلّم كلا النموذجين بحقيقة لا نزاع فيها، وهي أن فعل المساعدة ينتهي دوماً بإنتاج “أثر مزدوج النفع”؛ إذ يؤدي حتماً إلى إغاثة الضحية من كربتها من جهة، كما يخلّف في نفس الفاعل ارتياحاً وجدانياً، أو انخفاضاً في التوتر، أو شعوراً دافئاً بالرضا والسكينة من جهة أخرى. ويقر باتسون بهذا الأثر الارتدادي الإيجابي على الذات ولا ينفيه، بينما يقر سيالديني بأن الضحية تستفيد حقيقة من هذا الفعل؛ وبالتالي فإن مساحة النزاع تتركز حصرياً في الترتيب السببي والغائي: أيهما يمثل العلة الباعثة للسلوك، وأيهما يمثل الظل التابع الذي لا وزن له في صياغة القصد الأولي؟

5.2 قضية تداخل الذات والآخر والاندماج النفسي

تعتبر إشكالية “تداخل الذات والآخر” (Self-Other Overlap) المساحة المفاهيمية الأكثر تعقيداً التي يتقاطع فيها النموذجان، وتكاد تذيب الحدود الفاصلة بين الإيثار والأنانية. فقد أظهرت أبحاث متقدمة في علم النفس المعرفي، تبناها روبرت سيالديني وزملاؤه لاحقاً (Cialdini et al., 1997)، أن المشاعر التعاطفية الجياشة التي تحدث عنها باتسون لا تنشأ في فراغ تجريدي، بل تتولد بالأساس عندما يشعر الفرد بحالة من “الاندماج النفسي” (Oneness)؛ أي إحساس عميق بأن الضحية تشاركه الهوية، أو تنتمي إلى دائرته الوجودية القريبة (كالأبناء، والأقارب، والأصدقاء، أو أبناء الجماعة المقربة). وفي هذه الحالة، تتلاشى الحدود الإدراكية الفاصلة بين تمثيلات “الأنا” وتمثيلات “الآخر” داخل الدماغ البشري.

هذا التمازج الوجودي يقود إلى معضلة فلسفية محيرة: إذا كنت أرى فيك جزءاً من نفسي، وأشعر بأن ألمك هو ألمي، فإن إقدامي على نجدتك يُعد في جوهره مساعدة لذاتي الممتدة فيك! هذا المنطق يتلاقى فيه نموذج سيالديني مع فرضية باتسون في نقطة شديدة الحساسية؛ حيث يمكن القول إن التعاطف المرتفع هو الآلية النفسية التي يستخدمها العقل لتحقيق الاندماج، مما يجعل العمل الإيثاري تصرفاً أنانياً على مستوى الهوية المتسعة. وقد أظهرت تجارب المسح الإمبيريقي أن إدخال مقاييس “الاندماج النفسي” كمتغير وسيط يؤدي في كثير من الأحيان إلى ابتلاع الأثر المباشر للتعاطف على سلوك المساعدة، مما يمنح حجة قوية للمنظور النفعي بأننا لا نساعد إلا ما نعتبره ملكاً لنا أو امتداداً لهويتنا الذاتية.

يتعزز هذا التداخل بصورة مذهلة في ضوء الاكتشافات الحديثة في حقل “علم الأعصاب الاجتماعي” (Social Neuroscience)؛ إذ كشفت دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) عن تنشيط متزامن لمناطق الألم المشتركة في الدماغ—مثل القشرة الحزامية الأمامية (Anterior Cingulate Cortex) والجزيرة الأمامية (Anterior Insula)—سواء عندما يتألم الشخص بنفسه أو عندما يشاهد شخصاً قريباً يتعرض لنفس الألم. وفي الوقت ذاته، يُنشّط سلوك المساعدة مراكز المكافأة العصبية في الجسم المخطط البطني (Ventral Striatum)، مما يعني أن الجهاز العصبي يعالج مساعدة الآخر بوصفها مكافأة ذاتية وتخفيفاً عصبياً لألم تمت محاكاته داخلياً. هذا التزامن العصبي البيولوجي يؤكد أن الطبيعة البشرية نسجت خيوط الإيثار والأنانية في حزمة عصبية واحدة يصعب تفكيكها إلى خطوط بيضاء وسوداء مطلقة.

6. سياقات التطبيق: متى ينطبق كل نموذج عملياً؟

6.1 البيئات المحفزة لفرضية التعاطف والإيثار

تتجلى فرضية التعاطف والإيثار بأعلى مستويات الصدق التنبؤي في السياقات الاجتماعية التي تتميز بروابط شخصية حميمة أو تشابه قيمي وثقافي عميق يعزز القدرة على التقمص الوجداني غير المشروط. وتعد العلاقات الأسرية، وروابط الصداقة الوثيقة، والمجتمعات التضامنية الصغيرة المغلقة، الميدان الخصب لسيادة الدافع الإيثاري الخالص؛ حيث يكون تبني منظور الآخر سلوكاً عفوياً وتلقائياً تذوب معه حسابات المنفعة والمكافأة الذاتية. في هذه البيئات، لا يفكر الأب أو الصديق الوفي في تخفيف مزاجه الخاص حين يهرع لإنقاذ ابنه أو رفيقه، بل يكون كرب الآخر هو الشاغل المهيمن على كامل طاقته النفسية والذهنية، وتظل رغبته في المساعدة ثابتة حتى لو توفرت له كل مغريات الهروب والتملص.

كما تنطبق هذه الفرضية ببراعة على قطاعات محددة من حملات المناصرة الإنسانية التي تركز على “أنسنة المعاناة” وتقديم قصص فردية متعمقة ومؤثرة لضحايا الكوارث أو الحروب. فعندما تنجح الحملة الإعلامية في جعل المتلقي يتوحد معرفياً ووجدانياً مع طفل محدد أو عائلة منكوبة عبر سرد تفاصيل حياتهم وآمالهم المهدورة بدلاً من مجرد عرض أرقام وإحصائيات باردة، تستثار لدى الجماهير مشاعر التعاطف والشفقة العميقة (Empathic Concern). هذا التحفيز يُفضي إلى التزامات مدنية وتطوعية طويلة الأجل، تتجاوز مجرد دفع صدقة سريعة لتسكين الضمير، وتمتد لتصل إلى النضال المستمر والاشتباك الحقيقي مع قضايا العدالة الاجتماعية وتغيير السياسات لحماية الفئات المستضعفة.

كذلك تبرز قوة نموذج باتسون في السياقات المهنية المتقدمة مثل مهن الرعاية المتخصصة، والتمريض التلطيفي، والعمل الاجتماعي الميداني في مناطق الأوبئة والمجاعات؛ حيث تتطلب هذه المهن من الممارس قدراً هائلاً من التضحية والصبر أمام مشاهد الموت والمرض المزمن التي لا يمكن لمجرد “الرغبة في تحسين المزاج” أن تفسرها. إن بقاء الممرض أو الأخصائي الاجتماعي لشهور وسنوات في بيئات عمل قاسية تفيض بالمعاناة والألم البشري يجد تفسيره الأمثل في فرضية التعاطف والإيثار؛ إذ يتحول تخفيف ألم المتلقين إلى غاية سامية وقيمة أخلاقية أصيلة تقاوم الإنهاك، وتمنح الفاعل معنى وجودياً يتجاوز متعة الارتياح المزاجي العابر.

6.2 الظروف المحكمة لنموذج تخفيف الحالة السلبية

في الطرف المقابل، يثبت نموذج تخفيف الحالة السلبية كفاءة تفسيرية فائقة في مواقف الطوارئ الحضرية العابرة التي تجمع بين أفراد غرباء في الفضاءات العامة الواسعة؛ كأن يرى عابر سبيل شخصاً يتعرض لحادث في شارع مزدحم أو يصادف متسولاً يستجدي في محطة قطار. ففي ظل انعدام الروابط العاطفية المسبقة وغياب مساحة زمنية لتبني المنظور والتقمص الوجداني، يكون رد الفعل الانفعالي الأولي هو الانزعاج البصري والتوتر الداخلي (Personal Distress). وهنا يخضع السلوك لمعادلة سيالديني بصرامة؛ فإذا كانت المساعدة السريعة عبر إلقاء عملة معدنية أو الاتصال السريع بالإسعاف تنهي هذا التوتر الداخلي، أقدم عليها الفرد، أما إذا كان بإمكانه التسلل بعيداً وتفادي رؤية المشهد، فإن الغالبية تفضل الهروب غير المكلف.

كما يمثل هذا النموذج الأساس النظري الأقوى لتفسير آليات جمع التبرعات الجماهيرية السريعة التي تستخدم تكتيك “إثارة الذنب الوجودي” (Guilt-Induction) والصور الصادمة للبؤس والمجاعات؛ حيث تعتمد هذه الإعلانات على تعريض المشاهد لجرعة مكثفة من الصور المفجعة التي تحدث هبوطاً حاداً في حالته المزاجية وتولد لديه انزعاجاً دفيناً وشعوراً مباغتاً بالذنب لتمتعه بالرفاهية مقارنة بالضحايا. في هذه اللحظة الحرجة، يقدم الإعلان خيار التبرع عبر رسالة نصية قصيرة بوصفه “المسكن الفوري” المتاح لتخفيف ذلك الانقباض الصدري واستعادة راحة البال؛ وبمجرد إتمام الدفع المالي الخاطف، يستعيد المتبرع اتزانه الوجداني ويغلق صفحة التبرع دون أي التزام حقيقي طويل الأمد تجاه مصير المنكوبين.

وتتجلى تطبيقات نموذج سيالديني بكثافة أيضاً في بيئات الشركات التنافسية وبرامج المسؤولية الاجتماعية المؤسسية (CSR)؛ حيث تلجأ إدارات المؤسسات والموظفون أحياناً إلى الانخراط في فعاليات خيرية ومبادرات مجتمعية عابرة مدفوعين بالحاجة لتخفيف ضغوط العمل النفسية، وتطهير صورة المؤسسة من ممارسات رأسمالية قاسية، وتجنب اللوم المجتمعي. إن سلوك المساعدة في هذا المضمار يُدار بميكانيزم حسابي دقيق يوازن بين كلفة التبرع والفوائد العائدة على السمعة ورفع الروح المعنوية للعاملين؛ فالإقدام على المساعدة هنا هو استثمار مباشر في إدارة المزاج العام وتعزيز رأس المال الرمزي للمؤسسة تحت لافتة العمل الخيري النفعي.

6.3 دليل توجيهي لتصميم التدخلات الاجتماعية وحملات الدعم

بناءً على فهم الفروق الوظيفية الدقيقة بين المسارين، يمكن لخبراء التغيير الاجتماعي وصناع السياسات ومسؤولي المنظمات غير الحكومية تصميم تدخلات بالغة الفاعلية عبر استثمار كل نموذج في موضعه الميداني الصحيح والمناسب لغاياته:

  • استراتيجية التعاطف لبناء الاستدامة والتطوع المديد: إذا كان الهدف المجتمعي هو تجنيد متطوعين للعمل لشهور في مخيمات اللاجئين، أو كفالة أيتام تمتد لسنوات، أو الدفاع الحقوقي عن قضايا الأقليات، ينبغي للخطاب أن يركز كلياً على “فرضية التعاطف والإيثار”. ويتحقق ذلك عبر رواية قصص فردية متعمقة، وفتح مسارات للالتقاء المباشر والتوحد المعرفي مع المستفيدين، وحث الجمهور على تبني منظور الضحايا وتخيل مشاعرهم. إن هذا المسار يبني دافعاً إيثارياً متيناً ومقاوماً للتكلفة العالية وقادراً على مجابهة رغبة الهروب، مما يوفر التزاماً مؤسسياً ومجتمعياً صلباً ومستمراً.
  • استراتيجية تخفيف الحالة السلبية للاستجابة التمويلية الطارئة: إذا كانت المؤسسة تواجه كارثة طبيعية مباغتة (كزلازل أو فيضانات) وتتطلب استجابة تمويلية ضخمة وخاطفة في غضون 48 ساعة، فإن توظيف آليات “نموذج تخفيف الحالة السلبية” يكون هو الخيار الأكثر كفاءة. ويتم ذلك عبر عرض حجم الفاجعة الصادم، وتوليد حالة وجدانية تتطلب خفضاً سريعاً، وتوفير أزرار دفع رقمية فائقة السهولة والسرعة، مع إشعار المتبرع فوراً بالأثر النفسي الإيجابي لإنقاذه الموقف. هذه الاستراتيجية تستنفر الرغبة الفطرية في تسكين الألم الشخصي وتترجمها إلى سيولة مالية سريعة لإنقاذ أرواح المحاصرين قبل فوات الأوان.
  • محاذير الاعتماد المزمن على المشاعر السلبية: يجب على مخططي الحملات الإنسانية الحذر الشديد من الإفراط في استخدام تكتيكات إثارة الحزن والانزعاج الشخصي؛ فالاعتماد الدائم على صور الألم الصادمة لتوليد التبرعات يقود الجمهور بمرور الوقت إلى ظاهرة “الإنهاك التعاطفي” (Empathy Fatigue) والتكلس الحسي. وعندما يشعر المتلقي بأن مزاجه يتعرض للابتزاز المتكرر، ستتحول استراتيجيته من المساعدة إلى “الهروب المعرفي الاستباقي” عبر حظر الإعلانات، وتجاهل الرسائل، وبناء مناعة وجدانية صلبة تضر بالقضايا الإنسانية على المدى الطويل، مما يجعل التوازن بين استثارة الأمل الإيثاري والتسكين المزاجي مطلباً محورياً لاستدامة العمل الإنساني.

7. الأسئلة الشائعة حول الفرضيتين

7.1 هل يوجد سلوك إيثاري نقي خالٍ تماماً من المنفعة الشخصية؟

يعد هذا التساؤل جوهر الجدل الفلسفي والنفسي الممتد عبر القرون؛ فمن منظور مدرسة دانيال باتسون وأبحاث فرضية التعاطف والإيثار، فإن الإجابة هي “نعم” جازمة على المستوى الدافعي. فباتسون لا ينفي أن الفرد قد يشعر بالفرح أو بتخفيف حزنه إثر مساعدة غيره، ولكنه يشدد على أن هذا الرضا ليس “العلة الغائية” للتحرك، بل هو مكافأة جانبية غير مقصودة، مستدلاً على ذلك بصمود الأفراد في تقديم العون حتى مع توفر الهروب السهل وتصفير فرص المباهاة الاجتماعية، مما يؤكد أن الدافع في لحظة انطلاقه تجرد تماماً من الاشتراط النفعي وتمركز حول كرب الضحية وحدها.

في المقابل، تؤكد مدرسة روبرت سيالديني والتيارات التطورية والبيولوجية المعاصرة أنه من المستحيل الحديث عن إيثار بيولوجي أو نفسي مطلق النقاء والانفصال عن الذات؛ فالإنسان كائن محكوم بنظامه العصبي الذي يبحث غريزياً عن تعزيز البقاء والتوازن الوجداني الداخلي. وحتى في أعلى درجات التضحية بالنفس، يرى هؤلاء أن هناك مكاسب كامنة—سواء تمثلت في التخلص من ألم التراجع الأخلاقي، أو السعي لخلود الذكر والسمعة الجينية والرمزية، أو حماية الجينات المشتركة مع الأقارب (Kin Selection)—مما يجعل كل فعل إيثاري في جوهره امتداداً لاستراتيجيات تكيفية أنانية صيغت عبر مسار التطور لحفظ الكيان البشري.

أما التوجه التوفيقي السائد في علم النفس المعرفي والاجتماعي اليوم، فيميل إلى تجاوز هذه الحتمية الثنائية (إما إيثار نقي أو أنانية خالصة) لصالح النظر إلى السلوك بوصفه واقعاً على “طيف دوافع متصل ومزدوج” (Motivational Continuum). ففي معظم أفعالنا، تتضافر مشاعر الشفقة الصادقة على الآخرين مع حاجتنا الطبيعية للشعور بالرضا عن أنفسنا؛ ووجود العائد النفسي الإيجابي للفاعل لا ينتقص من نبل الفعل ولا يُلغي قيمته الإنسانية، طالما أن النتيجة النهائية أدت إلى تخفيف عذابات المحتاجين وبناء مجتمعات أكثر رحمة وتماسكاً.

7.2 كيف أثبت باتسون تجريبياً فشل تفسير تخفيف الحالة السلبية؟

وجّه دانيال باتسون ضربة إمبيريقية محكمة لتفسير تخفيف الحالة السلبية عبر سلسلة من التجارب الفذة التي استهدفت تفكيك منطق سيالديني بدقة متناهية؛ كان أبرزها تجربة صممها باتسون وزملاؤه (Batson et al., 1989) اعتمدت على إدخال تعديل حاسم على مسألة “توقع تحسن المزاج” لدى المشاركين. انطلق باتسون من تساؤل جوهري: إذا كان الأفراد ذوو التعاطف المرتفع يساعدون فقط لتحسين مزاجهم السيئ، فماذا سيفعلون إذا أُخبروا بأن مساعدة الضحية لن تؤدي إلى تعديل مزاجهم، أو إذا أُتيحت لهم وسيلة أخرى مؤكدة لتعديل المزاج قبل المساعدة؟

في تلك التجارب المعملية، أثار باتسون التعاطف تجاه ضحية تمر بكرب، ثم تلاعب بتوقعات المشاركين بشأن قدرتهم على استعادة اتزانهم الوجداني، أو وفر لهم فرصة للاستماع إلى تسجيلات فكاهية مبهجة ومشتتة للمزاج قبل عرض طلب المساعدة، مع فتح باب الهروب السهل. ووفقاً لنموذج سيالديني، كان يُفترض أن تتلاشى معدلات المساعدة كلياً لدى ذوي التعاطف العالي بمجرد نيلهم البديل المزاجي أو مع سهولة الهروب. ولكن النتائج المكررة أظهرت بصورة قاطعة أن الأفراد الذين جرى استنهاض تعاطفهم عبر تبني المنظور استمروا في تقديم المساعدة بمعدلات إحصائية عالية وفاقت كل التوقعات النفعية، رافضين الاكتفاء بالمكافآت البديلة.

استنتج باتسون من هذا الثبات السلوكي برهاناً منهجياً لا يقبل الشك؛ وهو أن “المشاعر التعاطفية المستثارة بالمعاناة لا تُخمد بمجرد تسكين المزاج الشخصي للشاهد بحدث ترفيهي”، لأن المشكلة السيكولوجية للمتعاطف ليست كامنة في جهازه الحسي هو، بل في استمرار الألم لدى الضحية في الواقع الخارجي. وبالتالي، فإن تفضيل الأفراد للبقاء والمساعدة الفعلية وتحمل الصدمات أو بذل الوقت بدلاً من الانسحاب أو الاكتفاء بالبدائل الترفيهية أسقط زعم سيالديني بأن الدافع ينحصر في تخفيف الحالة السلبية، مثبتاً أن الرغبة في تحسين حال الآخر تمثل قوة محركة مستقلة وفاعلة بذاتها.

7.3 ما هو تأثير التنشئة الاجتماعية على ميل الفرد لأحد المسارين؟

تلعب التنشئة الأسرية والمناخ العاطفي المبكر دوراً تأسيسياً في تشكيل المسار الدوافعي الغالب الذي يتبناه الفرد عند مواجهة آلام الآخرين؛ فالأطفال الذين ينشؤون في بيئات أسرية تتسم بـ “التعلق الآمن” (Secure Attachment) ويتلقون تربية قائمة على الدفء الوجداني والنمذجة السلوكية للأعمال الخيرية غير المشروطة، تتطور لديهم قدرات استثنائية على “التقمص الوجداني” وتبني منظور الآخرين دون خوف على حدود الذات. هذه التنشئة تعزز نضج الفص الجبهي وشبكات التعاطف العصبية، مما يجعل الفرد في مرحلة الرشد أكثر ميلاً للاستجابة عبر “فرضية التعاطف والإيثار”؛ حيث يرى في خدمة الضعفاء واجباً إنسانياً طبيعياً وهدفاً نهائياً لا يطلب منه مقابلاً.

على العكس من ذلك، ترتبط استجابات “نموذج تخفيف الحالة السلبية” بأساليب التنشئة الاجتماعية الصارمة التي تعتمد بكثافة على “زرع الشعور المفرط بالذنب” (Guilt Induction)، واستخدام سحب الحب والعقاب العاطفي المشروط عند التقصير. فالطفل الذي يُعلَّم أن التخلف عن نجدة الآخرين سيتبعه تأنيب قاسٍ واستحقار للذات، ينشأ ولديه اقتران شرطي عميق بين رؤية المعاناة والشعور بالتهديد النفسي والانزعاج الداخلي الحاد؛ وبالتالي، يتدرب عقله الباطن على استخدام السلوك الاجتماعي الإيجابي كـ “درع واقٍ” ووسيلة دفاعية أداتية لتفادي ألم الضمير واستعادة الرضا عن النفس، وهو ما يجسد جوهر نموذج الإدارة المزاجية عند البلوغ.

كما تمارس الثقافة العامة والبيئة المجتمعية ضغطاً معيارياً كبيراً في تفضيل أحد المسارين؛ فالثقافات الجمعية (Collectivist Cultures) التي تعلي من شأن التكافل والترابط العضوي تعزز مسار التعاطف والاندماج الوجودي (Oneness)، حيث يُنظر لمساعدة الآخر كجزء بديهي من الوفاء للكل المجتمعي المتصل. أما في الثقافات الفردية التنافسية (Individualistic Cultures)، التي تسودها مبادئ التبادل الاقتصادي وحسابات الربح والخسارة، فإن الأفراد يتجهون في كثير من الأحيان لتفسير مشاعرهم عبر نموذج تخفيف الحالة السلبية؛ حيث يصبح فعل الخير مبادرة واعية لتحسين الصحة النفسية الفردية وتفريغ التوترات العصابية بما يتوافق مع فلسفة العناية بالذات وسلامتها الذاتية المستقلة.

8. خاتمة: نحو رؤية تكاملية لدوافع السلوك الاجتماعي الإيجابي

8.1 تجاوز الثنائية الحدية بين الأنانية والإيثار

إن الحصيلة المعرفية لعقود من السجال المعملي والمفاهيمي المحتدم بين مدرسة دانيال باتسون ومدرسة روبرت سيالديني تدعو الفكر النفسي المعاصر إلى تجاوز هذه الثنائية الحدية والاختزالية المفتعلة بين “الإيثار الملائكي المطلق” و”الأنانية النفعية الدنيئة”. فالطبيعة الإنسانية تمتاز بمرونة سيكولوجية فائقة وتركيب معرفي وجداني شديد الثراء، يسمح للمرء بالتنقل الديناميكي بين مستويات متعددة من الدوافع بحسب سياق الموقف، وطبيعة العلاقة مع المحتاج، ومستوى التهديد المحيط، وحجم الموارد النفسية والفسيولوجية المتاحة في لحظة الاستجابة للحدث.

بدلاً من إقصاء أحد النموذجين للآخر أو السعي الحثيث لإعلان “فائز مطلق” في هذه المناظرة الكلاسيكية، يقر علماء النفس الاجتماعي المحدثون بأن كلا النموذجين يمثلان نصف الحقيقة الإنسانية ويصفان وجهين لعملة سيكولوجية واحدة؛ ففرضية التعاطف والإيثار تكشف عن قمم التسامي الأخلاقي والمشاعر الوجدانية المتجاوزة التي يمكن للإنسان بلوغها عندما تتوافر شروط التقمص والأمان النفسي، في حين يعري نموذج تخفيف الحالة السلبية الآليات الدفاعية الواقعية والميكانيزمات التكيفية التي تحمي الكائن البشري من التصدع الوجداني في مواجهة بؤس العالم وتدفعه لمد يد العون متسلحاً بالمكافأة الذاتية.

من هذا المنطلق، تتجه الدعوة المعاصرة في علم النفس التطبيقي إلى التوقف عن التشكيك المرضي في جذور العمل الإنساني والتركيز بدلاً من ذلك على “تعظيم الفعل الإيجابي وتوسيع أثره المجتمعي” بصرف النظر عن صفاء جذره الفلسفي الأولي؛ فالجائع الذي يُطعم، والمنكوب الذي يُؤوى، لا يضيرهما في شيء معرفة ما إذا كان المغيث قد تحرك بدافع الشفقة الخالصة لباتسون أو رغبة في تطهير مزاجه الكئيب وفق سيالديني. إن احتواء كلا المسارين يمنح المجتمعات قدرة أكبر على تجنيد كافة شرائح البشر لخدمة الصالح العام، مستثمرة في ذلك نوازعهم النبيلة وحاجاتهم النفسية التكيفية على حد سواء.

8.2 الآفاق المستقبلية في أبحاث الدوافع الإنسانية

تفتح الثورة التقنية والمعرفية المعاصرة آفاقاً بحثية واعدة لإعادة استكشاف هذا الجدل الدوافعي برؤى وأدوات لم تكن متاحة في زمن باتسون وسيالديني؛ حيث يقف حقل “علم الأعصاب الاجتماعي الحاسوبي” في طليعة هذه التطورات عبر استخدامه لتقنيات الرنين المغناطيسي الوظيفي المتزامنة والتحليل الشبكي للدماغ (fMRI Functional Connectivity Analysis). هذه التقنيات باتت قادرة اليوم على تتبع المسارات العصبية في الوقت الفعلي والتمييز الدقيق بين التنشيط الحاصل في شبكات “التعاطف والألم النيابي” وتلك الحاصلة في شبكات “المكافأة وحساب المنفعة الذاتية”، مما يتيح للعلماء قراءة خريطة الدوافع بدقة موضوعية تتجاوز الاستبانات التقليدية والشكوك المعملية السابقة.

كما تسهم نماذج المحاكاة الحاسوبية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي ونظرية الألعاب التطورية في تقديم فهم معمق لكيفية نشوء الإيثار المستقر واستمراره كاستراتيجية تطورية ناجحة عبر الأجيال البشرية، حتى في ظل وجود استراتيجيات أنانية منافسة؛ حيث تُظهر هذه النماذج أن المجتمعات التي تمتلك مزيجاً متوازناً من المحركين—أفراد يستجيبون بالتعاطف العميق الدائم وآخرون يستجيبون بالحوافز المزاجية والمؤسسية المشروطة—هي المجتمعات الأكثر قدرة على الصمود في مواجهة الأوبئة والحروب والكوارث الكبرى وتغيرات المناخ، مما ينقل النقاش من حيز الصراع النظري إلى هندسة النظم المجتمعية المرنة.

إن الغاية القصوى من استيعاب هذا السجال السيكولوجي العظيم هي تمكين الإنسانية من بناء سياسات تنموية وتربوية وإعلامية تتكامل فيها العاطفة مع المنطق؛ سياسات ترعى في الأجيال الناشئة ملكات التقمص الوجداني الخالص وتحثهم على رؤية آلام الآخرين بعين الرحمة، مع توفير بيئات تشجيعية ومعززات اجتماعية ومزاجية تجعل من فعل الخير سلوكاً مريحاً ومستداماً. فعندما نفهم كيف تتشابك الرغبة في إسعاد الآخرين مع السعي لسلامة النفس واستقرارها، نضع أيدينا على المفتاح الحقيقي لبناء مجتمعات أكثر تضامناً وتراحماً وأشد مناعة ضد القسوة والانعزال.

المراجع

  • Batson, C. D. (1987). Prosocial motivation: Is it ever truly altruistic? In L. Berkowitz (Ed.), Advances in Experimental Social Psychology (Vol. 20, pp. 65–122). Academic Press. https://doi.org/10.1016/S0065-2601(08)60412-8
  • Batson, C. D. (1991). The Altruism Question: Toward a Social-Psychological Answer. Lawrence Erlbaum Associates.
  • Batson, C. D., & Shaw, L. L. (1991). Evidence for altruism: Toward a pluralism of prosocial motives. Psychological Inquiry, 2(2), 107–122. https://doi.org/10.1207/s15327965pli0202_1
  • Batson, C. D., Duncan, B. D., Ackerman, P., Buckley, T., & Birch, K. (1981). Is empathic emotion a source of altruistic motivation? Journal of Personality and Social Psychology, 40(2), 290–302. https://doi.org/10.1037/0022-3514.40.2.290
  • Batson, C. D., Dyck, J. L., Brandt, J. R., Batson, J. G., Powell, A. L., McMaster, M. R., & Griffitt, C. (1988). Five studies testing two new egoistic alternatives to the empathy-altruism hypothesis. Journal of Personality and Social Psychology, 55(1), 52–77. https://doi.org/10.1037/0022-3514.55.1.52
  • Batson, C. D., Sager, K., Garst, E., Kang, M., Rubchinsky, K., & Dawson, K. (1997). Is empathy-induced helping due to self-other merging? Journal of Personality and Social Psychology, 73(3), 495–509. https://doi.org/10.1037/0022-3514.73.3.495
  • Baumann, D. J., Cialdini, R. B., & Kenrick, D. T. (1981). Altruism as hedonism: Helping and self-gratification as a function of negative affective state and development. Journal of Personality and Social Psychology, 40(6), 1039–1046. https://doi.org/10.1037/0022-3514.40.6.1039
  • Cialdini, R. B., & Kenrick, D. T. (1976). Altruism as hedonism: A social development perspective on the relationship of negative mood state and helping. Journal of Personality and Social Psychology, 34(5), 907–914. https://doi.org/10.1037/0022-3514.34.5.907
  • Cialdini, R. B., Brown, S. L., Lewis, B. P., Luce, C., & Neuberg, S. L. (1997). Reinterpreting the empathy-altruism relationship: When one into one equals oneness. Journal of Personality and Social Psychology, 73(3), 481–494. https://doi.org/10.1037/0022-3514.73.3.481
  • Cialdini, R. B., Darby, B. L., & Vincent, J. E. (1973). Transgression and altruism: A case for hedonism. Journal of Experimental Social Psychology, 9(6), 502–516. https://doi.org/10.1016/0022-1031(73)90031-0
  • Cialdini, R. B., Kenrick, D. T., & Baumann, D. J. (1982). Effects of mood on prosocial behavior in children and adults. In N. Eisenberg (Ed.), The Development of Prosocial Behavior (pp. 339–359). Academic Press. https://doi.org/10.1016/B978-0-12-234980-5.50018-9
  • Cialdini, R. B., Schaller, M., Houlihan, D., Arps, K., Fultz, J., & Beaman, A. L. (1987). Empathy-based helping: Is it selflessly or selfishly motivated? Journal of Personality and Social Psychology, 52(4), 749–758. https://doi.org/10.1037/0022-3514.52.4.749
  • Eisenberg, N., & Miller, P. A. (1987). The relation of empathy to prosocial and related behaviors. Psychological Bulletin, 101(1), 91–119. https://doi.org/10.1037/0033-2909.101.1.91
  • Fultz, J., Batson, C. D., Fortenbach, V. A., McCarthy, P. M., & Varney, L. L. (1986). Social evaluation and the empathy-altruism hypothesis. Journal of Personality and Social Psychology, 50(4), 761–769. https://doi.org/10.1037/0022-3514.50.4.761
  • Manucia, G. K., Baumann, D. J., & Cialdini, R. B. (1984). Mood influences on helping: Mood-state relief or reward? Journal of Personality and Social Psychology, 46(2), 357–364. https://doi.org/10.1037/0022-3514.46.2.357
  • Neuberg, S. L., Cialdini, R. B., Brown, S. L., Luce, C., Sagarin, B. J., & Lewis, B. P. (1997). Does empathy lead to truly altruistic helping? Modeling the relationships among helping, empathy, and oneness. Journal of Personality and Social Psychology, 73(3), 510–516. https://doi.org/10.1037/0022-3514.73.3.510

تقييم هذا المحتوى

كن أول من يقيّم هذا المحتوى

عن الكاتب: Mohammed looti

أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس التربوي، وعضو هيئة التدريس في جامعة كربلاء. يحمل درجة الدكتوراه في تخصصه، وتتمحور اهتماماته البحثية حول علم النفس الإيجابي، وتطوير المقاييس النفسية، والتنظيم الانفعالي المعرفي. يتميز الدكتور لوتي بطرحه البحثي المعاصر؛ حيث يركز على دراسة التأثيرات النفسية للتكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي على الصحة العقلية وتكوين الهوية لدى الشباب. كما تمتد إسهاماته العلمية لتشمل دراسة ديناميكيات التواصل الأسري ودورها في بناء الكفاءة الذاتية والمهارات القيادية، بالإضافة إلى أبحاثه حول برامج "اليقظة العقلية" والتعافي النفسي، مما يجعله من الباحثين الفاعلين في إثراء ميدان علم النفس التربوي والتطبيقي.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, نوفمبر 7). فرضية التعاطف والإيثار مقابل نموذج تخفيف الحالة السلبية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/comparisons/empathy-altruism-hypothesis-vs-negative-state-relief-model/
looti, Mohammed. “فرضية التعاطف والإيثار مقابل نموذج تخفيف الحالة السلبية.” عرب سايكلوجي, 7 نوفمبر 2026, https://arabpsychology.com/comparisons/empathy-altruism-hypothesis-vs-negative-state-relief-model/.
looti, Mohammed. “فرضية التعاطف والإيثار مقابل نموذج تخفيف الحالة السلبية.” عرب سايكلوجي. نوفمبر 7, 2026. https://arabpsychology.com/comparisons/empathy-altruism-hypothesis-vs-negative-state-relief-model/.