يمثل السعي نحو التفوق الأكاديمي أحد أسمى التطلعات الإنسانية التي حثت عليها النظم التربوية والاجتماعية عبر العصور، بوصفه معياراً لفاعلية الفرد وقدرته على استثمار طاقاته المعرفية. بيد أن هذا السعي قد ينحرف في سياقات معينة عن مساره الإيجابي الطبيعي، ليتحول إلى ما يُعرف في الأدبيات السيكولوجية بظاهرة الإفراط في التحصيل الأكاديمي (Academic Overachievement)، حيث يرتبط التحصيل المرتفع بكلفة نفسية وسلوكية باهظة تدفع الفرد إلى تجاوز طاقاته التكيفية بصورة قهرية. تقف هذه الظاهرة عند تقاطع معقد يجمع بين محددات الشخصية، والضغوط الأسرية، والأنماط المعرفية المشوهة، مما يجعل دراستها مطلباً ملحاً لفهم الحدود الفاصلة بين التميز الأكاديمي الصحي والاندفاع المرضي نحو الإنجاز.
المفهوم والتعريف الاصطلاحي للتحصيل الأكاديمي الزائد
يُعرف التحصيل الأكاديمي الزائد في حقل علم النفس التربوي والقياس النفسي بأنه الأداء الدراسي الفعلي الذي يتجاوز بشكل ذي دلالة إحصائية المستوى المتوقع للفرد استناداً إلى مقاييس القدرة المعرفية العامة أو اختبارات الذكاء (IQ). يشير هذا المنظور السيكومتري التقليدي إلى وجود فجوة موجبة بين القدرة الكامنة والناتج المحقق، حيث يُظهر الطالب قدرات استيعابية وتحصيلية تفوق أقرانه ممن يمتلكون ذات الدرجة من الذكاء المقاس. غير أن هذا التعريف الكمي البحت يغفل الدوافع الديناميكية والعمليات الداخلية التي تقود إلى هذا التباين، مما دفع الباحثين إلى تبني مقاربات كلينيكية وإنسانية أكثر عمقاً لتأطير هذه الظاهرة.
في المقابل، تذهب التعريفات المعاصرة ذات التوجه الإكلينيكي إلى النظر إلى التحصيل الأكاديمي المفرط بوصفه نمطاً سلوكياً قهرياً يرتبط بحاجة عصابية لا متناهية للإنجاز والتفوق، حيث تصبح الدرجات المدرسية أو الجامعية المرتفعة هي المصدر الأوحد أو الأساسي للشعور بالقيمة الذاتية والأمان النفسي. لا يقتصر الأمر هنا على مجرد الاجتهاد وبذل الجهد، بل يتعداه إلى التضحية الممنهجة بالوظائف النمائية الأخرى، كالراحة الجسدية، والتفاعل الاجتماعي، والاستقرار العاطفي، في سبيل تجنب شبح الفشل الأكاديمي المتخيل أو الحقيقي. وبذلك، يتحول التحصيل من كونه وسيلة للنمو الذاتي والارتقاء المعرفي إلى غاية مطلقة وآلية دفاعية لمواجهة القلق الوجودي وتدني تقدير الذات.
يتطلب الفهم الدقيق لهذا المفهوم التمييز الحذر بينه وبين مفاهيم مجاورة غالباً ما تتداخل معه في السياقات المدرسية، مثل “الموهبة” (Giftedness) و”التحصيل المتفوق العادي” (High Achievement). فالطالب الموهوب أو المتفوق وظيفياً يمتلك كفاءات عقلية فطرية عالية ومشاعر شغف جوهرية بالتعلم، ويمارس نشاطه الأكاديمي بمرونة نفسية وتوازن نسبي مع متطلبات الحياة الأخرى. أما الطالب المفرط في التحصيل، فقد تقع قدراته العقلية العامة ضمن النطاق المتوسط أو فوق المتوسط بقليل، لكنه يعوض هذا الفارق عبر الإغراق في المذاكرة لساعات طويلة، والاستغراق الذهني المستمر، بدافع من القلق وتجنب الدونية وليس بدافع الاستكشاف المعرفي الحر.
الأطر النظرية المفسرة للظاهرة
حظيت ظاهرة الإفراط في التحصيل الأكاديمي باهتمام واسع ضمن أطر نظرية متعددة سعت إلى تفكيك بواعثها وميكانيزماتها النفسية. وتعد نظرية دافعية الإنجاز التي صاغها ديفيد ماكليلاند (David McClelland) من المحطات النظرية البارزة، حيث افترض أن الأفراد يتباينون في قوة “الحاجة إلى الإنجاز” (Need for Achievement). وفي حالة الإفراط في التحصيل، يلاحظ أن هذه الحاجة لا تُشبع عبر إدراك الكفاءة الموضوعية، بل تتسم بطابع مركب يختلط فيه السعي نحو النجاح بالرغبة الجارفة في تجنب الفشل، مما يولد توتراً داخلياً مستمراً يجعل الفرد عاجزاً عن التوقف أو الاستمتاع بما يحققه من إنجازات مرحلية.
كما تقدم نظرية تقرير المصير (Self-Determination Theory) لإدوارد ديسي وريتشارد رايان (Deci & Ryan) تفسيراً جوهرياً لآليات التحفيز لدى هذه الفئة. فبينما يمثل التعلم الصحي نموذجاً للدافعية الذاتية الداخلية (Intrinsic Motivation) القائمة على الفضول والاستقلالية، يقع الإفراط في التحصيل في أغلب الأحيان تحت طائلة “التنظيم المقحم” (Introjected Regulation) أو الدوافع الخارجية المشوهة. في هذا السياق، يتحرك الطالب مدفوعاً بضغوط نفسية داخلية تتمثل في مشاعر الذنب، والخزي، والخوف من فقدان الاستحسان الاجتماعي، مما يجعل ممارسته الأكاديمية استجابةً لإكراهات داخلية صارمة تتناقض مع حرية الإرادة والاستمتاع الحقيقي بالمعرفة.
أما من منظور النظرية المعرفية السلوكية، فتعتبر النماذج التي تتناول الكمالية (Perfectionism) – ولا سيما النموذج متعدد الأبعاد الذي طوره بول هيويت وجوردون فليت (Hewitt & Flett) – ذات أهمية حاسمة في تفسير السلوك. فالإفراط الأكاديمي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بـ “الكمالية المحددة اجتماعياً” (Socially Prescribed Perfectionism) و”الكمالية الموجهة نحو الذات” (Self-Oriented Perfectionism). يعتقد الطالب في هذا الإطار أن المحيطين به يضعون معايير تعجيزية لا تقبل المساومة لأدائه، وأن أي هفوة أو نقصان في العلامة الدراسية سيترتب عليه رفض شامل لذاته وتجريده من قيمته كإنسان، مما يدفعه إلى تبني استراتيجيات استذكار استنزافية لدرء هذا التهديد المعرفي.
العوامل النفسية ومحددات الشخصية الكامنة
تكشف الدراسات الإكلينيكية عن بنية نفسية فريدة تميز الأفراد الذين يظهرون ميولاً إفراطية في التحصيل الأكاديمي، تأتي في مقدمتها الهشاشة النفسية المغلفة بمظهر خارجي من الصلابة والكفاءة العالية. يتمحور هذا التكوين حول ما تصفه الأدبيات بـ “تقدير الذات المشروط” (Contingent Self-Esteem)، وهو نمط نفسي يرتبط فيه احترام الفرد لنفسه بصورة مطلقة بمخرجات أدائه الخارجي؛ فكل اختبار دراسي يمثل محاكمة وجودية لقيمته الإنسانية، ولا توجد مساحة لقبول الذات غير المشروط. يولد هذا النمط حالة دائمة من التهديد النفسي الذي يستلزم حراسة مستمرة من خلال العمل الشاق الذي لا ينقطع.
يرتبط بهذا التكوين انتشار واسع لظاهرة “متلازمة المحتال” (Impostor Phenomenon) بين المفرطين في التحصيل الأكاديمي. فرغم تفوقهم الظاهري وتكرار حصولهم على أعلى الدرجات والجوائز الأكاديمية، يعاني هؤلاء الطلاب من قناعة داخلية راسخة بأن نجاحهم ليس نابعاً من كفاءة حقيقية أو قدرة ذاتية، بل هو وليد الحظ، أو الصدفة، أو خداع الآخرين. ومن ثم، يتحول الإفراط في بذل الجهد وسهر الليالي إلى آلية تعويضية مستمرة لإخفاء هذا “النقص المزعوم” وتجنب انكشاف أمرهم أمام الأساتذة والأقران، مما يخلق حلقة مفرغة من الجهد الاستنزافي والقلق المتصاعد.
بالإضافة إلى ذلك، يلعب بعد “اليقظة الضميرية” (Conscientiousness) في نموذج العوامل الخمسة الكبرى للشخصية دوراً مزدوجاً في هذا السياق؛ فعلى الرغم من كونه سمة إيجابية تدعم التنظيم والمثابرة، إلا أن تطرفه واقترانه بدرجات مرتفعة من العصابية (Neuroticism) يحوله إلى هوس تفصيلي وتصلب إدراكي. يتجلى ذلك في صعوبة تفويض المهام، والميل إلى إعادة كتابة الواجبات ومراجعتها بشكل قهري مرات متتالية، والانشغال بالتفاصيل الدقيقة غير الجوهرية على حساب الرؤية الكلية والاستيعاب العميق للمادة الدراسية، وهي ملامح تشترك إلى حد كبير مع بعض سمات اضطراب الشخصية الوسواسية.
السياقات الأسرية والديناميات الاجتماعية
لا تتشكل سلوكيات الإفراط في التحصيل الأكاديمي في فراغ معزول، بل هي نتاج تفاعل عميق مع المنظومة الأسرية التي ينشأ فيها الفرد. تؤكد نظريات النظم الأسرية أن الطالب المفرط في التحصيل قد يلعب دور “الابن البديل” أو “حامل لواء الأسرة”، حيث يُسقط الوالدان طموحاتهما وإحباطاتهما الشخصية غير المحققة على الأبناء، مما يحمّل الطالب عبئاً نفسياً باهظاً لا طاقة له به. في هذه البيئات، غالباً ما يُربط الحب والقبول الأسري بالإنجاز الملموس؛ فالمديح والاحتضان والمكافآت تُمنح بسخاء عند جلب أعلى الدرجات، بينما يُقابل التراجع الطفيف أو الخطأ بالصمت العقابي، أو السخرية المبطنة، أو خيبة الأمل الصريحة، مما يرسخ لدى الطفل قناعة بأن قيمته كفرد مرتهنة بأرقام كشف الدرجات.
كما تلعب أنماط الوالدية الحديثة، مثل “الوالدية الحوامة” (Helicopter Parenting) و”الوالدية التنافسية شديدة الضغط”، دوراً محفزاً في تنمية الإفراط في التحصيل. يتدخل هؤلاء الآباء في كل تفصيلة من تفاصيل الحياة المدرسية لأبنائهم، محددين مساراتهم المهنية ومراقبين تقدمهم بصورة تخنق الاستقلالية الفردية وتمنع تكوين هوية ذاتية متمايزة. يمتص الطفل هذه التوقعات الخارجية ويحولها إلى متطلبات داخلية قاسية يوجهها إلى نفسه (Internalized Expectations)، ليصبح رقيباً صارماً على كل سلوكياته الدراسية خوفاً من فقدان الرابطة الوجدانية مع الوالدين.
على المستوى السوسيولوجي الأوسع، تكرس الثقافة المجتمعية المعاصرة – المتأثرة باقتصاد المعرفة واشتداد التنافسية الرأسمالية – فكرة أن التفوق الأكاديمي الصارم هو البوابة الوحيدة للبقاء الاجتماعي والأمان الاقتصادي. وتتجلى هذه الظاهرة بوضوح في النظم التعليمية شديدة التنافسية (مثل نماذج التعليم في شرق آسيا، أو بيئات المدارس النخبوية والجامعات العريقة)، حيث يتم تصنيف الطلاب وتقييمهم بشكل مستمر عبر اختبارات معيارية مصيرية. تخلق هذه البيئات بيئة حاضنة للتحصيل المفرط، وتُمجّد الحرمان من النوم والتضحية بالصحة النفسية كرموز للجدية والاستحقاق، مما يعزز هذا السلوك التدميري اجتماعياً بدلاً من مواجهته ومعالجته.
التداعيات النفسية والجسدية طويلة المدى
يترتب على الإفراط المزمن في التحصيل الأكاديمي سلسلة متصلة من التبعات السلبية التي تطال شتى مناحي حياة الفرد النفسية والبيولوجية. يأتي في صدارة هذه الآثار التعرض المبكر لـ الاحتراق النفسي والأكاديمي (Academic Burnout). يتجلى الاحتراق عبر ثلاثة أبعاد رئيسية: الاستنزاف الانفعالي الحاد، وفقدان الإحساس بالمعنى أو تبدد الشخصية حيال المقررات والمساقات الدراسية، وشعور متناقض بتراجع الإنجاز الذاتي رغم العمل الشاق. ويقود استمرار هذه الحالة إلى انهيار مفاجئ في دافعية الطالب وقدرته على الاستمرار، مما قد يدفعه أحياناً إلى الانقطاع التام عن الدراسة أو التراجع الحاد في الأداء.
أما على الصعيد الإكلينيكي النفسي، فتظهر الأبحاث ارتباطاً وثيقاً بين الإفراط التحصيلي وارتفاع معدلات الإصابة باضطرابات المزاج والقلق، بما في ذلك اضطراب القلق العام (GAD)، ونوبات الهلع، والاكتئاب الإكلينيكي. يعيش هؤلاء الأفراد في حالة استنفار عصبي دائم وتفكير اجتراري لا ينقطع حول المستقبل والامتحانات، مما يحرمهم من الوصول إلى فترات الراحة النفسية الحقيقية. وتتفاقم الخطورة حين تقترن هذه المعاناة بالكتمان والإنكار، حيث يرفض الطالب المتفوق طلب المساعدة المهنية خشية أن يُنظر إلى ذلك كعلامة ضعف تنال من صورته المثالية أمام المجتمع.
لا تنفصل هذه المعاناة النفسية عن التدهور الفسيولوجي والجسدي؛ فالتعرض المستمر للضغوط المزمنة ينشط محور (الوطاء – النخامية – الكظرية) بشكل مفرط، مما يؤدي إلى إفراز دائم لهرمونات التوتر مثل الكورتيزول والأدرينالين. ينعكس ذلك في صورة اضطرابات نوم مزمنة (أرق، ونوم متقطع)، واضطرابات هضمية psychosomatic مثل متلازمة القولون العصبي، وصداع التوتر، وضعف الجهاز المناعي الذي يجعل الجسد عرضة للعدوى المتكررة. فضلاً عن ذلك، يؤدي غياب الترويح والرياضة وتناول الوجبات السريعة لتوفير وقت المذاكرة إلى تدهور اللياقة البدنية والنمو المتناسق في مراحل عمرية حرجة كفترة المراهقة.
العزلة الاجتماعية واعتلال النمو الوجداني
يمتد الأثر السلبي للتحصيل المفرط ليطال البنية التفاعلية والعلاقات البينشخصية للفرد. فنظراً لأن الوقت والموارد الذهنية موجهة بصورة شبه حصرية نحو الواجبات والمذاكرة، ينسحب الطالب تدريجياً من الأنشطة الاجتماعية، والمناسبات العائلية، وتكوين الصداقات العميقة. يؤدي هذا الانسحاب إلى عزلته عن جماعة الأقران، حيث يجد صعوبة في الانخراط في اهتمامات المراهقين والشباب العادية، مما يعمق شعوره بالاغتراب والوحدة النفسية داخل الحرم المدرسي أو الجامعي.
يؤدي هذا الانغلاق أيضاً إلى ما يمكن تسميته بـ “الضمور الوجداني” أو التأخر في اكتساب الكفاءات الاجتماعية والذكاء العاطفي. فالنمو النفسي السليم يتطلب خوض تجارب متنوعة تشمل الفشل، والرفض الاجتماعي، وإدارة النزاعات، والمغامرة المحسوبة، وهي مجالات يتجنبها المفرط في التحصيل لأنها لا تخضع لقواعد النجاح والدرجات الواضحة القابلة للقياس. ونتيجة لذلك، يظل الفرد عاجزاً عن قراءة مشاعر الآخرين بدقة أو التعبير عن احتياجاته العاطفية بوضوح، مما يجعله هشاً عاطفياً ومفتقراً للمرونة التكيفية عند دخوله معترك الحياة الاجتماعية والمهنية الحقيقية.
وفي سياق ديناميات الأقران، غالباً ما تتسم علاقات المفرط في التحصيل بنوع من التوتر المتبادل؛ فقد يتعرض للوصم أو الاستبعاد من قِبل زملائه بوصفه “مفسداً لمعايير الدرجات” أو متعالياً، أو قد يدخل هو نفسه في علاقات قائمة على التنافسية السامة والشك بدلاً من التعاون والمساندة الوجدانية. كما أن افتقاره لشبكة دعم اجتماعي حقيقية يحرمه من أهم الصدادات الوقائية التي تخفف من وطأة الصدمات الحياتية والأكاديمية، مما يجعل أي انتكاسة دراسية بمثابة زلزال نفسي مدمر يهدد بنيانه الشخصي بالكامل.
المقاربات التشخيصية والتقييم السيكومتري
تتطلب عملية تقييم وتشخيص الإفراط في التحصيل الأكاديمي استخدام منهجية متعددة المصادر تجمع بين القياس السيكومتري الدقيق والمقابلات الكلينيكية المتعمقة. تقليدياً، يعتمد الأخصائيون النفسيون على معادلات التراجع (Regression Models) لمقارنة درجات الذكاء المقاسة عبر بطاريات القدرة المعرفية العامة، مثل مقياس وكسلر لذكاء الأطفال والبالغين (WISC / WAIS)، مع نتائج اختبارات التحصيل القياسية الشاملة. يُظهر التحليل الإحصائي في هذه الحالات أداءً تحصيلياً يتجاوز بنحو انحراف معياري أو أكثر الدرجة المتوقعة بناءً على القدرة العقلية العامة، مما يؤكد الفرضية السيكومترية للتحصيل الزائد.
ومع ذلك، لا يكتمل التشخيص إلا بتقييم الأبعاد النفسية والسلوكية المصاحبة، للتأكد مما إذا كان هذا التفوق نتاج شغف صحي أم آلية دفاعية مرضية. يستخدم الباحثون والأخصائيون في هذا الإطار أدوات متخصصة لقياس النزعة الكمالية، مثل “مقياس الكمالية متعدد الأبعاد” (Multidimensional Perfectionism Scale – MPS)، و”مقياس معايير الأداء شبه التكيفية” (Almost Perfect Scale-Revised – APS-R)، لتحديد ما إذا كانت هناك فجوة مؤلمة بين معايير الطالب وأدائه الفعلي تؤدي إلى التوتر والضيق النفسي.
كما يتضمن التقييم الشامل فحص مستوى القلق والاكتئاب والاحتراق النفسي، باستخدام أدوات مثل مقياس بيك للاكتئاب (BDI)، ومقياس القلق المعمم (GAD-7)، واستبانة ماسلاش للاحتراق الأكاديمي (MBI-SS). إضافة إلى ذلك، تلعب المقابلات الإكلينيكية شبه المقننة مع الطالب وأولياء أموره ومعلميه دوراً حاسماً في استكشاف المناخ الأسري، ومنظومة المكافآت والعقوبات الوالدية، وساعات النوم والراحة، وطبيعة الأنشطة اللاصفية. يتيح هذا النهج التكاملي التمييز الدقيق بين الموهبة الاستثنائية المتوازنة والسلوك القهري المدفوع بالخوف من الفشل والعصابية.
المداخل العلاجية والاستراتيجيات الإرشادية
نظراً لتعقيد الظاهرة وتعدد مستوياتها، يستلزم التعامل مع الإفراط الأكاديمي المرضي تدخلاً علاجياً وإرشادياً شاملاً يجمع بين المسار الفردي والأسري والمدرسي. ويحتل العلاج المعرفي السلوكي (CBT) مكانة مركزية في تعديل هذه الأنماط، حيث يعمل المعالج النفسي مع الطالب على كشف وتعديل التشوهات المعرفية الشائعة لديه، مثل التفكير الكارثي، والتفكير القطعي القائم على مبدأ “الكل أو لا شيء” (All-or-Nothing Thinking)، والمبالغة في تعميم الفشل. يهدف العلاج إلى فك الارتباط الشرطي بين القيمة الإنسانية والدرجة المدرسية، وبناء مفهوم ذاتي غير مشروط ومرن يستند إلى خصائص الشخصية الإيجابية المتنوعة وليس فقط على المخرجات التحصيلية.
من جانب آخر، يقدم “العلاج بالقبول والالتزام” (ACT) أدوات فعالة لتدريب هؤلاء الطلاب على تبني المرونة النفسية (Psychological Flexibility). يساعد هذا التوجه الفرد على تقبل مشاعر القلق والخوف من الفشل دون الاستجابة لها عبر سلوكيات المذاكرة القهرية، والتركيز بدلاً من ذلك على القيم الحياتية العميقة التي تمنح الحياة معنى حقيقياً، مثل بناء العلاقات الإنسانية، واستكشاف الاهتمامات الإبداعية، والاهتمام بالصحة العامة. يتضمن ذلك تدريبات التعاطف مع الذات (Self-Compassion) والتخفف من صوت الناقد الداخلي الصارم الذي يجلد الذات عند ارتكاب أدنى هفوة دراسية.
أما على الصعيد الأسري والبيئي، فتعد استشارات التوعية الوالدية (Parental Psychoeducation) ركناً لا غنى عنه لنجاح أي تدخل علاجي. يتم تدريب الآباء على تبني أنماط دعم غير مشروطة والابتعاد عن مقارنة الأبناء بالآخرين أو التركيز الحصري على النتائج الرقمية، وتشجيعهم على مدح الجهد المبسط والاستمتاع بالعملية التعليمية ذاتها بدلاً من العلامات النهائية. كما ينبغي للمؤسسات التعليمية إرساء بيئات مدرسية وجامعية تشجع التعلم التعاوني، وتقلل من حدة التصنيفات التنافسية المعلنة، وتوفر خدمات إرشاد نفسي متخصصة تساعد الطلاب على تنظيم الوقت وإدارة الضغوط وتحقيق التوازن الضروري بين النشاط الأكاديمي والنمو النفسي المتكامل.
الخلاصة
يكشف التحليل المعمق لظاهرة الإفراط في التحصيل الأكاديمي عن طبيعتها الإشكالية كعرض نفسي وسلوكي معقد يُساء فهمه في كثير من الأحيان بوصفه قمة النجاح والتفوق. وعلى الرغم من أن نتائجه الظاهرة قد تبدو مبهرة في السجلات المدرسية، إلا أن آلياته الدافعة غالباً ما تتغذى على القلق الوجودي، والخوف من فقدان القيمة، والضغوط الأسرية والاجتماعية القاهرة، مما يجعله استثماراً استنزافياً ينتهي بالاحتراق النفسي والتدهور الجسدي والوجداني. إن استعادة المعنى الأصيل للتعليم تقتضي إعادة صياغة مفاهيم الإنجاز والتميز، بحيث لا تقتصر على مؤشرات الأداء الرقمية، بل تشمل قدرة الإنسان على التفكير النقدي الحر، والنماء النفسي المتوازن، وبناء شخصية متكاملة قادرة على التكيف مع تعقيدات الحياة بروح ملؤها الأمان والمرونة والفضول الإنساني الخلاق.
المراجع
- ديسي، إدوارد، ورايان، ريتشارد. (2000). نظرية تقرير المصير والدافعية الجوهرية في السلوك البشري. مجلة علم النفس الأمريكية، 55(1)، 68-78.
- فليت، جوردون، وهيويت، بول. (2002). النزوع إلى الكمال: النظرية والبحث والتدخل الإكلينيكي. الجمعية الأمريكية لعلم النفس، واشنطن.
- كلانس، بولين، وإيمز، سوزان. (1978). ظاهرة المحتال لدى النساء ذوات الإنجاز العالي: الديناميات والتدخل العلاجي. مجلة العلاج النفسي: النظرية والبحث والممارسة، 15(3)، 241-247.
- ماكليلاند، ديفيد. (1961). مجتمع الإنجاز. شركة دي فان نوستراند، برينستون، نيو جيرسي.
- دويك، كارول. (2006). طريقة التفكير: سيكولوجية النجاح الجديدة. راندوم هاوس، نيويورك.
- كروكر، جينيفر، وولف، كوني. (2001). احتمالات تقدير الذات المشروط. المجلة السيكولوجية، 108(3)، 593-623.
- ماسلاش، كريستينا، وجاكسون، سوزان. (1981). مقياس ماسلاش للاحتراق النفسي. معهد علماء النفس الاستشاريين، بالو ألتو، كاليفورنيا.