يمثل مفهوم الدافع المكتسب (Acquired Drive)، أو ما يُعرف في الأدبيات السلوكية بـ الحافز الثانوي (Secondary Drive)، أحد الأركان الجوهرية في تطور علم النفس السلوكي ونظريات التعلم الكلاسيكية والحديثة. تنبع الأهمية المعرفية لهذا المفهوم من قدرته على تفسير طيف هائل من السلوكيات البشرية المعقدة التي لا يمكن اختزالها في مجرد الاستجابة للغرائز البيولوجية المباشرة كالجوع أو العطش أو تجنب الألم الجسدي. ومن خلال تتبع المسارات التجريبية التي رسخها باحثون رواد مثل كلارك هال ونيل ميلر، يظهر الدافع المكتسب كجسر نظري متين يربط بين المنبهات البيئية المحايدة وعمليات التكيف النفسي والاجتماعي المعقدة التي تصوغ هوية الكائن الحي وتوجه نشاطه اليومي.
التعريف الأكاديمي والأسس المفاهيمية للدافع المكتسب
يُعرف الدافع المكتسب في المعاجم النفسية الأكاديمية بأنه حالة داخلية من الاستثارة أو التوتر توجه السلوك نحو أهداف معينة، ولكنها تختلف عن الدوافع الأولية الفطرية في كونها لا تنشأ من حاجة فسيولوجية وراثية مباشرة؛ بل تُكتسب من خلال مسارات الإشراط الكلاسيكي والإجرائي عبر دورات متكررة من الاقتران والتعزيز. وفي سياق المدرسة السلوكية الجديدة، يُنظر إلى الحافز المكتسب على أنه ميل سلوكي منشط ناتج عن ربط مثير كان في الأصل محايداً بحالة دافعية أولية غير مشروطة، مما يخلع على المثير المحايد خصائص الحافز في استثارة السلوك وتوجيهه.
يتسم الدافع المكتسب بالمرونة والقابلية للتعديل وفقاً لتغيرات البيئة والخبرة الفردية، وهو ما يجعله شديد التنوع بين الأفراد وحتى داخل الفرد نفسه عبر المراحل النمائية المختلفة. وإذا كانت الدوافع الأولية تهدف بصورة أساسية إلى الحفاظ على الاتزان الداخلي (Homeostasis) للبقاء العضوي، فإن الدوافع المكتسبة تؤدي وظيفة التكيف النفسي والاجتماعي الأوسع؛ حيث تمكن الكائن الحي من استباق المخاطر واستكشاف الفرص وبناء شبكات علائقية مستقرة تتجاوز حدود الجسد الفيزيقي.
يشير علماء النفس المعرفي والسلوكي على حد سواء إلى أن القوة الدافعة للمنبهات المكتسبة لا تقل في شدتها وتأثيرها على الجهاز العصبي عن القوة التي تولدها الحاجات البيولوجية الأساسية؛ فالإنسان قد يضحي بطعامه وراحته وسكينته الجسدية في سبيل تحقيق دافع مكتسب مثل الهيبة الاجتماعية، أو التفوق المهني، أو الالتزام بنسق عقائدي معين. هذا التحول من الحتمية البيولوجية إلى الفاعلية النفسية المتعلمة يمثل جوهر التحليل العلمي للدوافع المكتسبة.
السياق التاريخي والفكري لظهور نظرية الحافز المكتسب
تبلور المفهوم خلال الثلث الأول والمنتصف من القرن العشرين، في خضم مساعي علماء النفس الأمريكيين لبناء نظرية موضوعية وكمية وشاملة للسلوك البشري والحيواني قادرة على منافسة العلوم الطبيعية. كانت النماذج السلوكية المبكرة، كما طرحها جون واطسون، تركز بشدة على ثنائية (المثير – الاستجابة)، غير أنها اصطدمت سريعاً بعجزها عن تفسير الفروق الفردية في الاستجابة للمثير نفسه في أوقات متباينة؛ الأمر الذي حتم إدخال “المتغيرات المتداخلة” (Intervening Variables) التي تتوسط العلاقة بين المثير الظاهري والاستجابة الملاحظة.
قاد عالم النفس الأمريكي كلارك هال ثورة منهجية في هذا المضمار من خلال كتابه التأسيسي “مبادئ السلوك” (Principles of Behavior) الصادر عام 1943، حيث صاغ نظرية خفض الحافز الرياضية-الاستنتاجية. افترض هال أن السلوك مدفوع بالحاجة إلى تقليل حالات التوتر الداخلي الناتجة عن الحرمان العضوي. غير أن هال ومعاصريه سرعان ما أدركوا أن الكائنات الحية تُظهر سلوكيات حثيثة في مواقف لا تتضمن حرماناً فسيولوجياً واضحاً؛ مما دفعه بالتعاون مع تلاميذه النجباء، ولا سيما كينيث سبنس ونيل ميلر وجون دولارد، إلى توسيع إطار النظرية ليشمل مفهوم الحوافز الثانوية أو المكتسبة.
تزامن هذا التوسع النظري مع محاولات جادة لترجمة المفاهيم التحليلية الفرويدية، مثل “القلق” و”الكبت” و”آليات الدفاع”، إلى لغة سلوكية قابلة للقياس والتحقق التجريبي في المختبر. وقد وفر مفهوم الدافع المكتسب، وخاصة دافع الخوف الشرطي، الأداة المثالية لتحقيق هذا التقارب التاريخي الفريد؛ حيث أمكن تفسير العصاب والسلوكيات التجنبية بوصفها عادات سلوكية ترسخت نتيجة لخفض حوافز انفعالية متعلمة.
التمييز النظري بين الدوافع الأولية والدوافع المكتسبة
يعد التمييز بين الدوافع الأولية والدوافع المكتسبة ركيزة أساسية في التحليل السيكولوجي للديناميات التحفيزية. يمكن إجمال الفوارق البنيوية والوظيفية بين الفئتين في عدة مستويات رئيسية:
- المنشأ والأساس التكويني: تنشأ الدوافع الأولية (Primary Drives) من البنية البيولوجية والوراثية للجهاز العضوي، وهي فطرية وعامة بين جميع أفراد النوع الواحد. في المقابل، تُبنى الدوافع المكتسبة كلياً عبر التاريخ التعلمي للفرد، ولا توجد مسبقاً في جيناته، بل تتشكل عبر تفاعله الفريد مع بيئته الفيزيقية والاجتماعية والثقافية.
- آلية الإشباع والامتلاء: تخضع الدوافع الأولية لنظام إشباع فسيولوجي مغلق مرتبط بآليات التغذية الراجعة السلبية داخل الجسد؛ فالأكل ينهي دافع الجوع بشكل مؤقت وميكانيكي. أما الدوافع المكتسبة، كالسعي نحو تحصيل الثروة أو الشهرة أو التفوق العلمي، فإنها تتسم غالباً بديناميكية مفتوحة؛ حيث قد يؤدي النجاح الجزئي في إشباعها إلى زيادة حدتها واستثارتها بدلاً من إخمادها.
- الارتباط بالبقاء الفيزيقي المباشر: يؤدي الفشل التام في إشباع الدوافع الأولية إلى هلاك الكائن الحي جسدياً في غضون فترات محددة (كما في نقص الماء أو الأكسجين). بينما لا يترتب على عدم إشباع الدوافع المكتسبة موت فيزيقي حتمي، وإن كان إحباطها المزمن يقود إلى اضطرابات سيكولوجية عميقة تشمل الاكتئاب، وتصدع التوافق الذاتي، والشعور بالعجز.
- طبيعة المثيرات الحاكمة: تحكم الدوافع الأولية مستقبلات حسية داخلية تستشعر التغيرات البيوكيميائية (مثل مستويات الجلوكوز أو الأسمولية في الدم)، في حين تُستثار الدوافع المكتسبة غالباً بواسطة منظومة معقدة من الرموز والمثيرات الخارجية ذات الدلالة المعنوية المشروطة.
الآليات السلوكية لتشكل الدوافع المكتسبة: الإشراط والتعزيز
تتشكل الدوافع المكتسبة وفق نموذج التعلم ثنائي العامل (Two-Factor Learning Theory)، الذي يجمع بين آليات الإشراط الكلاسيكي لإنشاء حالة الاستثارة الدافعية، وآليات الإشراط الإجرائي لترسيخ أنماط الاستجابة التي تخفض هذه الاستثارة. تبدأ العملية بوجود مثير محايد لا يملك في ذاته أي تأثير بيولوجي؛ وعندما يتزامن هذا المثير المحايد تزامناً زمانياً ومكانياً وثيقاً مع مثير أولي غير مشروط يُحدث توتراً أو إشباعاً، فإن المثير المحايد يكتسب تدريجياً خصائص المثير الأصلي عبر الاقتران الترابطي.
بمجرد أن يصبح المثير المحايد قادراً بمفرده على توليد استجابة انفعالية أو فسيولوجية تشبه استجابة الحافز الأولي، فإنه يتحول وظيفياً إلى “مثير دافعي شرطي”. ولا يتوقف الأمر عند مجرد رد الفعل السلبي، بل إن هذا المثير الجديد يولد توتراً داخلياً يسعى الكائن الحي جاهداً للتخلص منه؛ وهنا يتدخل التعلم الإجرائي. فالأفعال الحركية أو السلوكية التي تؤدي صدفة أو عمداً إلى الهروب من المثير الشرطي أو تحييده تحظى بما يسمى “التعزيز السلبي المكتسب” (Acquired Negative Reinforcement)، حيث يعمل الانخفاض السريع في الدافع المكتسب كمكافأة تثبت السلوك في ذخيرة الفرد السلوكية.
تتسع هذه الدائرة عبر ما يُعرف بـ الإشراط ذي الرتبة الأعلى (Higher-Order Conditioning). فالمثير المكتسب ذاته يمكن أن يقترن بمثيرات محايدة جديدة، مما يسمح بتوليد سلسلة معقدة من الدوافع الثانوية والثالثية دون الحاجة إلى حضور الحافز الأولي البيولوجي في كل مرة. وتلك الآلية المتقدمة تفسر كيف يتحول الورق النقدي، وهو مجرد قصاصات ورقية محايدة في الأصل، إلى أقوى الحوافز المكتسبة في المجتمعات البشرية نظراً لارتباطه الدائم بعدد لا نهائي من التعزيزات الأولية والثانوية.
النموذج التجريبي الكلاسيكي: تجارب نيل ميلر والخوف المكتسب
يحتل العمل الرائد الذي قاده عالم النفس الأمريكي نيل ميلر في أواخر أربعينيات القرن العشرين مكانة مركزية في إثبات حقيقة الدوافع المكتسبة تجريبياً. استخدم ميلر صندوقاً مصمماً خصيصاً يتألف من حجرتين: إحداهما مطلية باللون الأبيض وتتميز بأرضية شبكية يمكن تمرير صدمات كهربائية عبرها، والأخرى مطلية باللون الأسود وتوفر بيئة آمنة غير مكهربة، وتفصل بينهما بوابة صغيرة.
في المرحلة الأولى من التجربة، عُرّضت الفئران لصدمات كهربائية مؤلمة (مثير أولي ينشط دافع الألم الأولي) داخل الحجرة البيضاء فقط، مما دفعها بطبيعة الحال للفرار إلى الحجرة السوداء. وفي المرحلة الثانية الحاسمة، قُطعت الصدمة الكهربائية تماماً ونهائياً عن الجهاز؛ ووُضعت الفئران في الحجرة البيضاء وأُغلقت البوابة. أظهرت الفئران علامات فسيولوجية وسلوكية بالغة الشدة تدل على الذعر الشديد، بما يثبت أن المثيرات البيئية البصرية للحجرة البيضاء تحولت عبر الاقتران إلى مثير شرطي يولد دافعاً داخلياً متعactionsلماً وهو “الخوف المكتسب” (Acquired Fear Drive).
ولإثبات أن هذا الخوف المكتسب يمتلك جميع خصائص الحافز الحقيقي، وضع ميلر عائقاً يتطلب من الفئران تعلم استجابة جديدة تماماً لفتح البوابة، مثل إدارة عجلة صغيرة أو الضغط على رافعة ميكانيكية. نجحت الفئران في تعلم هذه المهارات الحركية الجديدة بسرعة وإتقان فائقين، بالرغم من الغياب التام لأي صدمة كهربائية؛ وكان التعزيز الوحيد الذي نالته هو الهروب من اللون الأبيض إلى اللون الأسود، أي خفض دافع الخوف المكتسب. أثبتت هذه التجربة القاطعة ثلاثة حقائق محورية:
- الخوف المكتسب يعمل كحافز منشط قادر على توليد سلوكيات جديدة وتوجيهها.
- الانخفاض في الدافع المكتسب يكفي وحده ليكون معززاً ومكافأة تؤدي إلى تثبيت عادات سلوكية مستحدثة.
- الدوافع المكتسبة تمتاز بمقاومة ملحوظة للانطفاء ما لم تتفكك الروابط الشرطية عبر التعرض الآمن المطول.
الدوافع النفسية-الاجتماعية المكتسبة: نماذج التفوق والانتماء
عند الانتقال بالتحليل من المختبر الحيواني إلى الفضاء الإنساني الواسع، نجد أن السلوك البشري يخضع لهيمنة شبكة واسعة من الدوافع المكتسبة ذات الطابع الاجتماعي والنفسي الراقي. وقد أرسى عالم النفس ديفيد ماكليلاند نموذجاً ثلاثي الأبعاد يُبرز كيف تُصاغ هذه الدوافع عبر التنشئة الاجتماعية وخبرات الطفولة المبكرة وثقافة المجتمع:
1. الدافع المكتسب للإنجاز (Need for Achievement – nAch)
يتبلور دافع الإنجاز كحافز مكتسب يدفع الفرد للسعي نحو التميز والتفوق ومقارنة أدائه بمعايير كفاءة عالية، وخوض التحديات المحسوبة. ينشأ هذا الدافع في الأسر التي تكافئ أطفالها باستمرار على الاستقلالية والمبادرة وتجاوز الصعاب؛ حيث يقترن الجهد الذاتي بالمديح والقبول الأسري، مما يجعل تحقيق النجاح بحد ذاته مثيراً معززاً يولد توتراً مستمراً نحو مراكمة الإنجازات وإتقان المهارات، ويصبح دافعاً ذاتي التغذية طوال مسيرة الحياة.
2. الدافع المكتسب للانتماء والتقبل الاجتماعي (Need for Affiliation – nAff)
يمثل التوق العميق لإقامة علاقات دافئة وودية مع الآخرين، والحصول على التقدير والمصادقة الجمعية، دافعاً مكتسباً بامتياز. فرغم أن الاتصال الجسدي قد يكون له جذور تطورية مرتبطة برعاية الرضيع وحمايته، إلا أن تحوله إلى رغبة ملحة في مسايرة المعايير الثقافية وتجنب النبذ الجماعي ينجم عن آلاف الاقترانات الاجتماعية؛ حيث ترتبط العزلة بفقدان المعززات الحيوية، بينما يرتبط الامتثال للنسق الاجتماعي بالأمان والحظوة والمكاسب الرمزية.
3. الدافع المكتسب للسلطة والتأثير (Need for Power – nPower)
يتجلى دافع القوة في الرغبة العارمة في ممارسة التأثير على الأفراد والجماعات، والتحكم في الموارد، وتوجيه مسارات الأحداث، وحيازة رموز المكانة والجاه. يُكتسب هذا الدافع عبر مكافأة السلوكيات القيادية أو السيطرة التنافسية في مراحل التنشئة؛ حيث يكتشف الكائن الإنساني في وقت مبكر أن امتلاك السلطة يضمن الوصول الأسهل والأسرع إلى كافة المعززات الأولية والثانوية، ويحصنه ضد التهديدات الخارجية المحتملة، مما يحول السيطرة من مجرد وسيلة إلى غاية دافعية متأصلة ومكتسبة بحد ذاتها.
التطبيقات الإكلينيكية والعلاجية للدوافع المكتسبة
تتجلى القيمة التشخيصية والعلاجية لمفهوم الدافع المكتسب بوضوح في فهم الميكانيزمات الكامنة وراء نشوء وتطور العديد من الاضطرابات النفسية الشائعة، وفي مقدمتها اضطرابات الهلع والمخاوف المرضية المتخصصة (Phobias) واضطراب الوسواس القهري (OCD).
في حالات الرهاب النوعي، يتحول مثير غير مؤذٍ بطبيعته (كالمرتفعات، أو الحيوانات الأليفة، أو الأماكن المغلقة) عبر تجربة صادمة أو عبر النمذجة والملاحظة إلى مثير يولد دافع خوف مكتسب عنيف. وتلجأ الذات إلى سلوكيات التجنب للهروب من هذا الدافع؛ وبما أن التجنب ينجح مؤقتاً في خفض حدة التوتر والانفعال، فإنه يُعزز سلباً بشكل فوري، مما يؤدي إلى ترسيخ العصاب واستمراره لعقود دون أن تسنح للفرد الفرصة لاختبار عدم واقعية التهديد المتخيل.
كذلك، يمكن تحليل السلوك القهري لدى مرضى الوسواس القهري بوصفه استجابة إجرائية تهدف لخفض دافع القلق المكتسب المتولد عن فكرة وسواسية. فالشخص الذي يعاني وسواساً حول التلوث بالبكتيريا يختبر دافع توتر حاد يتعاظم سريعاً بمجرد ملامسة مقبض باب؛ ولا يجد وسيلة لإخماد هذا الدافع سوى غسل يديه مراراً وتكراراً وفق طقس محدد. إن خفض الدافع المكتسب الناتج عن الغسيل هو التعزيز السلبي المباشر الذي يحافظ على دورة الوسواس المرضية محكمة الإغلاق.
انطلاقاً من هذا الفهم الدقيق، طورت المدارس السلوكية والمعرفية-السلوكية بروتوكولات علاجية فعالة تعتمد على تفكيك بنية الدوافع المكتسبة، وأبرزها تقنية التعرض ومنع الاستجابة (Exposure and Response Prevention – ERP). تقوم هذه الإستراتيجية على وضع المريض في مواجهة مباشرة ومطولة مع المثيرات المولدة للدافع المكتسب مع منعه تماماً من ممارسة السلوكيات التجنبية أو الطقوس القهرية؛ مما يؤدي في نهاية المطاف إلى حدوث عملية انطفاء تجريبية (Extinction)، تنفصل بموجبها الروابط الشرطية بين المثير واستجابة التوتر الداخلي، ويعود الجهاز العصبي إلى استقراره الطبيعي.
الانتقادات المعرفية والنظريات المعاصرة
رغم الثراء النظري والمختبري الذي قدمته مفاهيم الدوافع المكتسبة ضمن النموذج السلوكي الكلاسيكي، إلا أنها واجهت انتقادات جوهرية مع انطلاق الثورة المعرفية في علم النفس خلال النصف الثاني من القرن العشرين. تركزت هذه الاعتراضات حول الميكانيكية المفرطة التي تعاملت بها السلوكية مع الدافعية الإنسانية، واختزالها للإرادة والمعنى في مجرد ترابطات حركية خاضعة لخفض التوتر الداخلي والتعزيز الآلي.
أثبتت تجارب إدوارد تولمان حول “التعلم الكامن” (Latent Learning) أن الكائنات الحية قادرة على بناء خرائط معرفية للبيئة ومعالجة المعلومات واستيعاب المفاهيم دون الحاجة إلى وجود دافع صريح خاضع للخفض أو تعزيز مادي فوري. وجاءت النظرية المعرفية الاجتماعية لرائدها ألبرت باندورا لتؤكد أن الدوافع البشرية تكتسب وتتعدل بنسبة هائلة عبر “التعلم بالملاحظة” (Observational Learning) والنمذجة الرمزية، دون أن يمر الفرد شخصياً بتجارب الاقتران الشرطي؛ فالإنسان يتعلم التخوف من أمور لم يسبق له أن عانى منها عبر مراقبة انفعالات الآخرين وقراءة تجاربهم واستدخال قيمهم.
علاوة على ذلك، وجهت نظرية تقرير المصير (Self-Determination Theory) التي صاغها إدوارد ديسي وريتشارد رايان ضربة قوية لفرضية خفض الحافز بوصفها المحرك الوحيد للسلوك. برهن ديسي ورايان على وجود دافعية داخلية أصيلة (Intrinsic Motivation) تدفع الإنسان نحو الاستكشاف، واللعب، وتحدي الصعاب، وتحقيق الكفاءة الذاتية، مدفوعاً بمتعة الفعل ذاته وفضول المعرفة، وليس طلباً لتسكين توتر فسيولوجي أو خفض دافع مكتسب؛ بل إن تقديم مكافآت أو تعزيزات خارجية مكتسبة في بعض السياقات قد يؤدي إلى إضعاف هذه الدافعية الأصيلة وتآكلها فيما يُعرف بأثر التبرير الزائد (Overjustification Effect).
في المشهد العصبي المعاصر، يعيد علماء الأعصاب قراءة مفهوم الدافع المكتسب من خلال دراسة مسارات الدوبامين في الدماغ المرتبطة بنظام المكافأة (Reward System)، وتحديداً التمييز بين “الرغبة” (Wanting) الموجهة بالحوافز البارزة و”الإعجاب” (Liking) المرتبط بالتجربة الحسية الممتعة؛ مما يثبت أن الدافع المكتسب يمتلك توقيعاً بيولوجياً عصبياً معقداً يتجاوز البساطة الاختزالية التي تصورتها النماذج السلوكية الأولى.
خاتمة وتوليف نظري
يظل مفهوم الدافع المكتسب محطة بارزة وشديدة الأثر في تاريخ علم النفس العلمي؛ إذ نقل دراسة الدافعية من التخمينات الغيبية والاستبطان الذاتي غير الدقيق إلى ساحة الملاحظة التجريبية الرصينة والقياس الكمي الصارم. لقد كشف هذا المفهوم عن المرونة الفائقة التي يتمتع بها السلوك، موضحاً كيف تستطيع البيئة والخبرة أن تصوغا دوافع ورغبات ومخاوف ترقى في سلطتها وسطوتها على الجسد البشري إلى مرتبة الاحتياجات العضوية الفطرية.
ورغم التحولات المعرفية والعصبية التي أعادت تشكيل المفاهيم النفسية خلال العقود الأخيرة، فإن المبادئ الأساسية لاكتساب الحوافز الثانوية وانطفائها تظل حجر الزاوية في بناء برامج تعديل السلوك، وتصميم التدخلات العلاجية للاضطرابات النفسية المعقدة، وفهم آليات التنشئة والامتثال الاجتماعي؛ مما يؤكد أن الدافع المكتسب سيظل مفهوماً كلاسيكياً متجدداً يمد الباحثين بأدوات تحليلية لا غنى عنها لسبر أغوار النفس البشرية ومحركاتها الدفينة.
المراجع
- Bandura, A. (1977). Social Learning Theory. Prentice-Hall.
- Hull, C. L. (1943). Principles of Behavior: An Introduction to Behavior Theory. Appleton-Century-Crofts.
- McClelland, D. C. (1987). Human Motivation. Cambridge University Press.
- Miller, N. E. (1948). Studies of fear as an acquirable drive: I. Fear as motivation and fear-reduction as reinforcement in the learning of new responses. Journal of Experimental Psychology, 38(1), 89–101. https://doi.org/10.1037/h0058455
- Mowrer, O. H. (1960). Learning Theory and Behavior. John Wiley & Sons.
- Ryan, R. M., & Deci, E. L. (2000). Self-determination theory and the facilitation of intrinsic motivation, social development, and well-being. American Psychologist, 55(1), 68–78. https://doi.org/10.1037/0003-066X.55.1.68
- Spence, K. W. (1956). Behavior Theory and Conditioning. Yale University Press.