التعلم والإشراطعلم النفس الإكلينيكيعلم النفس السلوكي

التعزيز العرضي: المفهوم، والآليات النفسية، وتطبيقاته في تفسير السلوك الخرافي

مقال أكاديمي شامل يستعرض مفهوم التعزيز العرضي (الصدفي) في علم النفس السلوكي، وتجربة سكينر للسلوك الخرافي، وآلياته المعرفية والعصبية وتجلياته في الرياضة والوسواس القهري.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 26 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 26 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يمثل التعزيز العرضي (Adventitious Reinforcement) إحدى أعمق الظواهر إثارة للجدل في ميدان علم النفس السلوكي والتحليل التجريبي للسلوك؛ إذ يكشف عن الكيفية التي يمكن بها للمصادفة الزمنية البحتة أن تصوغ أنماطاً سلوكية معقدة وثابتة في غياب أي رابط سببي حقيقي بين الفعل والنتيجة. تنبع أهمية هذا المفهوم من قدرته على تفسير طيف واسع من الظواهر السلوكية التي تبدو غير عقلانية، بدءاً من الحركات النمطية لدى الكائنات الحية دون البشرية، وصولاً إلى الطقوس الخرافية المعقدة وسلوكيات المقامرة والاضطرابات الوسواسية لدى الإنسان. يوضح التحليل السلوكي الدقيق أن مجرد الاقتران الزمني العابر بين استجابة معينة وتقديم معزز إيجابي أو إزالة مثير منفر كافٍ لإعادة إحداث السلوك وترسيخه داخل الذخيرة السلوكية للكائن الحي.

التأصيل النظري والمفهومي للتعزيز العرضي

يُعرَّف التعزيز العرضي، والذي يُصطلح عليه أحياناً بـ التعزيز الصدفي أو التعزيز غير المشروط، بأنه عملية ترسيخ استجابة سلوكية معينة نتيجة لظهور معزز يعقب تلك الاستجابة مباشرة بالصدفة المحضة، ودون وجود أي علاقة تبعية وظيفية أو سببية (Contingency) مبرمجة مسبقاً بينهما. في الأطر التجريبية التقليدية لـ الإشراط الإجرائي (Operant Conditioning)، يكون التعزيز مشروطاً بإصدار استجابة محددة سلفاً (مثل ضغط الرافعة أو نقر المفتاح للحصول على الطعام). بيد أن التعزيز العرضي يظهر بوضوح عندما يُمنح المعزز وفق جدول زمني مستقل تماماً عن سلوك الكائن، كأن يُقدَّم الطعام كل ثلاثين ثانية بغض النظر عما يفعله الكائن في تلك اللحظة.

يرتكز الأساس المنطقي لهذه الظاهرة على مبدأ المجاورة الزمنية (Temporal Contiguity)، وهو المبدأ القائل بأن التقارب اللحظي في الزمن بين السلوك وحدث تالٍ مجزٍ هو المحدد الأساسي لعملية الاقتران، حتى وإن افتقر الموقف إلى الارتباط الاحتمالي الفعلي. حينما يتلقى الكائن الحي معززاً غير مشروط، فإن أية استجابة كانت قيد التنفيذ أو حدثت قبل إطلاق المعزز بأجزاء من الثانية تصبح مرشحة بقوة للتعزيز، مما يرفع من معدل تكرارها المستقبلي. يؤدي هذا الارتفاع في معدل التكرار بدوره إلى جعل تلك الاستجابة أكثر ميلاً للتزامن مع المعزز التالي عند قدومه العرضي، مما ينشئ حلقة تغذية راجعة تعزز السلوك تدريجياً وتثبته.

من الناحية المعرفية والتحليلية، يتحدى التعزيز العرضي الفرضيات التي تفترض أن الكائنات الحية هي أدوات عقلانية لمعالجة المعلومات تكتشف الروابط السببية الموضوعية فقط. بدلاً من ذلك، يكشف المفهوم أن الجهاز العصبي مُعد مسبقاً تطورياً لتفضيل «الإيجابيات الكاذبة» (False Positives) على «السلبيات الكاذبة»؛ إذ إن افتراض وجود علاقة سببية غير حقيقية غالباً ما يكون أقل تكلفة تطورياً من تفويت علاقة سببية حقيقية قد تتوقف عليها نجاة الفرد وتأمين موارده الحيوية.

التجربة التأسيسية: دراسة بي. إف. سكينر (1948)

تعود الجذور التجريبية الأولى للتعزيز العرضي إلى الورقة البحثية الكلاسيكية الرائدة التي نشرها عالم النفس الأمريكي الشهير بي. إف. سكينر (B.F. Skinner) عام 1948 بعنوان «السلوك الخرافي في الحمام» (Superstition in the Pigeon). في هذه التجربة البارعة، وضع سكينر مجموعة من الحمام الجائع داخل صندوق سكينر الشهير، وقام ببرمجة الجهاز لتقديم الطعام تلقائياً على فترات زمنية ثابتة (Fixed-Time Schedule)، مدتها 15 ثانية على سبيل المثال، دون اشتراط قيام الحمام بأي سلوك معين للحصول على الحبوب.

بعد فترة من التعرض لهذا الجدول غير المشروط، لاحظ سكينر تطور أنماط سلوكية غريبة وشديدة التباين بين الطيور؛ فقد بدأ أحد الطيور بالدوران عكس اتجاه عقارب الساعة حول نفسه داخل القفص مرتين أو ثلاثاً بين فترات التعزيز، بينما بدأ طائر آخر بإدخال رأسه في إحدى الزوايا العلوية للقفص بصورة متكررة، وأظهر طائر ثالث سلوكاً إيمائياً يتمثل في مد رقبته ورفع رأسه للأعلى بشكل إيقاعي كأنه يرفع حاجزاً خفياً. وُجد أن ستة طيور من أصل ثمانية قد طوّرت حركات طقسية نمطية ثابتة ومحددة بدقة متناهية.

فسر سكينر هذه الملاحظات بأن الطائر كان يقوم بحركة عشوائية عادية في اللحظة التي سقطت فيها الحبوب، فعمل هذا الاقتران الصدفي على تعزيز تلك الحركة المحددة. وعندما بدأ الطائر بتكرار الحركة بدافع التعزيز الذي ناله للتو، زادت احتمالية أن يكون منخرطاً في الحركة ذاتها عندما حان موعد تقديم الحبوب التالي، مما رسخ الاستجابة بصورة غير قابلة للشك في المنظومة السلوكية للطائر. استنتج سكينر أن هذا النمط يماثل تماماً ظهور السلوك الخرافي لدى البشر؛ حيث يعتقد الفرد أن سلوكاً طقسياً قام به هو السبب الحقيقي وراء حدوث نتيجة سارة، في حين أن الحدثين لم يجمعهما سوى الاقتران الزمني المحض.

إعادة التفسير والجدل النظري: دراسة ستادون وسيميلهاغ (1971)

على الرغم من المكانة التاريخية لتفسير سكينر، إلا أنه واجه نقداً علمياً وإعادة تقييم جوهرية في بداية السبعينيات على يد الباحثين جون ستادون (J.E.R. Staddon) وفيرجينيا سيميلهاغ (Virginia L. Simmelhag) في دراستهما المفصلية عام 1971. جادل الباحثان بأن تفسير سكينر المبني كلياً على التعزيز العرضي يهمل الخصائص الغريزية والبيولوجية الفطرية للحيوان، وأن السلوكيات المرصودة لم تكن مجرد حركات عشوائية تم تضخيمها صدفوياً.

أعاد ستادون وسيميلهاغ تكرار تجربة سكينر مع تسجيل دقيق للغاية لتوقيت ظهور كل استجابة خلال الفترة الفاصلة بين تقديم المعززات، وخلصا إلى تصنيف الاستجابات إلى فئتين رئيستين:

  • الاستجابات الطرفية أو النهائية (Terminal Responses): وهي استجابات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بنظام التغذية والبحث عن الطعام تظهر دائماً في الثواني الأخيرة قبل تقديم المعزز مباشرة (مثل النقر أو الاقتراب الحثيث من موضع الطعام)، بغض النظر عما إذا كان هذا النقر ينتج طعاماً أم لا، وتكون هذه السلوكيات مقيدة بيولوجياً ولا تعتمد كلياً على التعزيز الصدفي.
  • الاستجابات المؤقتة أو البينية (Interim Responses): وهي الأفعال التي تظهر في منتصف الفترة الفاصلة بين المعززات (مثل الدوران، أو المشي جيئة وذهاباً، أو تنظيف الريش)، والتي لا ترتبط مباشرة بلحظة تقديم الطعام، بل تعكس أنشطة تفريغية أو بديلة لحالات الاستثارة والانتظار التي تنشأ أثناء غياب المعزز.

أوضح هذا التمييز الهام أن التعزيز العرضي ليس مجرد آلية ميكانيكية لنسخ أي سلوك عشوائي وتثبيته؛ بل هو تفاعل معقد بين الجداول الزمنية للتقديم، والنزعات الغريزية الفطرية للكائن الحي، والتنظيم الزمني الداخلي. ومع ذلك، أقر الباحثون بأن مبدأ الاقتران العرضي يظل فعالاً ومسؤولاً عن تثبيت جزء كبير من التفاصيل الطوبوغرافية الدقيقة لتلك السلوكيات وتكرارها المستمر.

الآليات النفسية والعصبية الكامنة وراء التعزيز العرضي

لفهم ديمومة السلوكيات الناتجة عن التعزيز العرضي، ينبغي فحص البنى المعرفية والفسيولوجية العصبية التي تحكم معالجة المكافأة في الدماغ. يلعب نظام الدوبامين الوسطي الحافي (Mesolimbic Dopamine System) دوراً محورياً في تسجيل خطأ تنبؤ المكافأة (Reward Prediction Error)؛ فعندما يتلقى الدماغ مكافأة غير متوقعة، تطلق الخلايا العصبية الدوبامينية في المنطقة السقيفية البطنية (VTA) دفقة من الدوبامين في النواة المتكئة (Nucleus Accumbens)، مما يعزز المشابك العصبية المرتبطة مباشرة بالنشاط الحركي والبيئي الذي كان ينخرط فيه الفرد قبل الإثابة.

في حالات التعزيز العرضي، تكون المكافأة غالباً غير متوقعة بالكامل أو عشوائية الحدوث، مما يعني أن دفقات الدوبامين تكون في أعلى مستوياتها الاستثارية. تؤدي هذه الاستثارة العصبية الشديدة إلى ترسيخ الآثار المشبكية المرتبطة بالسلوك المصاحب للمكافأة، مما يُشعر الفرد بوهم الربط السببي. وبسبب عدم ثبات المعزز، يتحول الموقف عملياً إلى جدول تعزيز متقطع (Intermittent Schedule)، وتحديداً جدول نسبي متغير (Variable-Ratio Schedule)، وهو أقوى جداول التعزيز مقاومة للانطفاء (Extinction) على الإطلاق في قوانين السلوك.

على الصعيد الإدراكي، يقترن التعزيز العرضي بما يُعرف في علم النفس المعرفي بـ الانحياز التأكيدي (Confirmation Bias) ووهم التحكم (Illusion of Control). عندما يقوم الفرد بالسلوك (س) وتتبعه النتيجة المرغوبة (ص) بالصدفة، يُشفر العقل هذا الحدث كدليل قاطع على فاعلية السلوك. وفي المرات اللاحقة التي يقوم فيها بالسلوك ولا تتبعه النتيجة، يميل الفرد إلى التغاضي عن الفشل واعتباره شذوذاً طارئاً ناتجاً عن عدم أداء الطقس بالطريقة الصحيحة تماماً، مما يحمي السلوك الخرافي من الانطفاء ويجعله حصيناً أمام التمحيص المنطقي.

التعزيز العرضي في السلوك البشري

لا يقتصر التعزيز العرضي على الحيوانات في المختبرات الضيقة، بل يمتد ليهيمن على مساحات واسعة من الخبرة الإنسانية اليومية والمجتمعية، حيث يتجلى في أشكال معقدة من التفكير السحري والأنماط السلوكية التي تؤدي أدواراً تنظيمية ونفسية متعددة.

السلوكيات والطقوس الرياضية

يعد المجال الرياضي بيئة خصبة للغاية لظهور التعزيز العرضي نظراً لارتفاع مستويات التوتر، وعدم اليقين، والتباين الكبير في النتائج رغم بذل أقصى جهد بدني وفني. يلجأ كبار الرياضيين في العالم إلى ممارسات تبدو غريبة، مثل ارتداء جورب معين لم يُغسل، أو الدخول إلى أرض الملعب بالقدم اليمنى حصراً، أو تكرار حركة إحمائية معينة لعدد محدد من المرات.

تنشأ هذه الطقوس عندما يرتدي لاعب مثلاً قميصاً مقلوباً عن طريق الخطأ، ثم يحرز في تلك المباراة أعلى معدل أهداف في مسيرته؛ يتدخل التعزيز العرضي في تلك اللحظة ليربط بين نجاح الأداء وحالة القميص. ومع تكرار ارتداء القميص، حتى لو خسر اللاعب مباريات أخرى، فإن الانحياز المعرفي يدعم الارتباط ويبرر الإخفاقات بعوامل أخرى، لتتحول العادة إلى طقس صارم يعتقد الرياضي أن التخلي عنه يجلب سوء الطالع ويؤثر سلباً على مستواه الميداني.

سلوكيات المقامرة والأسواق المالية

تعتمد آلات القمار (Slot Machines) وألعاب الحظ على جداول تعزيز عشوائية صُممت بدقة تجعل السلوك الإنساني عرضة لآليات التعزيز الصدفي بأقصى درجاتها. عندما يمارس المقامر طقساً صغيراً كأن ينفخ في النرد، أو يضغط الزر بقوة معينة، أو يجلس في مقعد معين، وتصادف تلك الحركة تحقيق أرباح طائلة، يتشكل رابط تعزيزي عرضي فائق القوة لا يمكن محوه بسهولة.

يمتد الأمر إلى الأسواق المالية وتداول الأسهم؛ إذ قد ينفذ المستثمر صفقة معقدة مبنية على إشارة تقنية غير ذات دلالة وتنجح الصفقة بالصدفة بفعل حركة سوق عامة غير مرتبطة بقراره. يُعزى هذا النجاح من قبل المتداول إلى استراتيجيته الخاطئة، مما يدعوه إلى تكرارها بثقة مفرطة تُفضي في كثير من الأحيان إلى كوارث مالية، وهو ما يفسره علم النفس المالي بأنه وقوع كامل في شباك التعزيز العرضي غير المنضبط.

الخرافات الاجتماعية والمعتقدات الشعبية

تزخر الثقافات الإنسانية عبر التاريخ بطقوس طلب المطر، والرقى السحرية، والتعاويذ لطرد الأرواح الشريرة. إن الأساس السلوكي لرسوخ هذه الطقوس هو التعزيز العرضي طويل المدى؛ فإذا مارس مجتمع بدائي طقساً استسقائياً لأسابيع متتالية وهطل المطر في النهاية حتماً كظاهرة طبيعية، فإن الاقتران الزمني بين آخر تكرار للطقس وهطول المطر كفيل بنسب النتيجة إلى الطقس وترسيخه لقرون، متجاهلين كافة الأوقات التي طُبق فيها الطقس دون جدوى.

الأبعاد المرضية: التعزيز العرضي واضطراب الوسواس القهري (OCD)

في علم النفس الإكلينيكي، يُعتبر التعزيز العرضي آلية حاسمة في نشوء وتطور واستدامة اضطراب الوسواس القهري (Obsessive-Compulsive Disorder). يعاني مريض الوسواس القهري من أفكار تدخلية متسلطة تولد لديه مستويات هائلة من القلق والانزعاج، مما يدفعه إلى القيام بأفعال قهرية (طقوس حركية أو ذهنية مثل غسل اليدين بطريقة معينة، أو عد الأشياء، أو فحص الأبواب مراراً) لخفض هذا القلق أو لدرء مكروه متوهم قد يصيب أحباءه.

تتمثل الآلية هنا في التعزيز السلبي العرضي (Adventitious Negative Reinforcement)؛ فالقلق بطبيعته يتذبذب صعوداً وهبوطاً ويصل إلى ذروته ثم ينخفض فسيولوجياً تلقائياً بعد فترة زمنية وفق منحنى التكيف العصبي الطبيعي. فإذا قام المريض بطقسه القهري أثناء وصول القلق إلى ذروته ثم بدأ القلق بالتراجع صدفة، يربط الجهاز النفسي فوراً وبشكل قاطع بين انخفاض القلق وأداء الطقس.

وبالمثل، إذا كان لدى المريض هاجس بأن أحد أفراد أسرته سيتعرض لحادث ما لم يقم بالنقر على الطاولة سبع مرات، وطالما أن الحوادث هي أحداث نادرة بطبيعتها، فإن عدم وقوع الحادث بعد أداء الطقس يُعامل سلوكياً على أنه نجاح باهر للطقس ناتج عن تعزيز عرضي سلبي (منع المثير المنفر الموهوم). يقود ذلك إلى تكبيل المريض بسلسلة معقدة من الطقوس المنهكة التي تتوسع تدريجياً وتعيق حياته الطبيعية بالكامل.

المقارنة التحليلية: التعزيز الإجرائي التبعي مقابل التعزيز العرضي

لتوضيح التمايزات الدقيقة بين النمطين، يمكن تلخيص الفروق الجوهرية على النحو التالي:

  • التبعية (Contingency): في التعزيز الإجرائي التبعي (Contingent Reinforcement)، ترتبط المكافأة برابطة احتمالية شرطية صريحة بالاستجابة المستهدفة، حيث يُحدد حدوث السلوك شرطاً لازماً لظهور المعزز. أما في التعزيز العرضي، فالتبعية الاحتمالية منعدمة تماماً والمكافأة تُقدم بناءً على اعتبارات خارجية ومستقلة إحصائياً عن سلوك الكائن.
  • الاقتران الزمني (Temporal Contiguity): يتطلب التعزيز التبعي عادة اقتراناً زمنياً سريعاً، لكنه يعتمد بشكل رئيس على موثوقية الرابطة؛ بينما يعتمد التعزيز العرضي اعتماداً مطلقاً على تزامن الصدفة اللحظي بين السلوك والمثير المعزز.
  • التنوع والنمطية الطوبوغرافية: يميل التعزيز التبعي إلى تشكيل سلوكيات وظيفية موحدة المعالم ومتشابهة بين الأفراد (كأن تضغط جميع الفئران الرافعة بنفس الكيفية تقريباً)، في حين يولد التعزيز العرضي سلوكيات idiosyncratic (فردية متفردة وغريبة وشديدة التباين)؛ إذ يتحدد السلوك بحسب ما كان يفعله الكائن بالصدفة المحضة لحظة التعزيز.
  • مقاومة الانطفاء: تتميز السلوكيات المتولدة عن التعزيز العرضي بأنها شديدة المقاومة للانطفاء؛ لأنها بطبيعتها نشأت في سياق تعزيز عشوائي ومتقطع يغيب فيه الانتظام الخطي، مما يجعل الكائن يكرر السلوك لآلاف المرات حتى مع الغياب التام للمعززات.

التقنيات العلاجية وتعديل السلوك الناجم عن التعزيز العرضي

نظراً لأن التعزيز العرضي يشكل أساساً للعديد من الأنماط السلوكية المعيقة والاضطرابات النفسية، فإن علماء النفس الإكلينيكيين والسلوكيين طوروا استراتيجيات محددة لتفكيك هذه الروابط الصدفية وإعادة هيكلة السلوك، ومن أبرز هذه التدخلات:

التعريض ومنع الاستجابة (Exposure and Response Prevention – ERP)

يعد هذا الأسلوب المعيار الذهبي في علاج اضطراب الوسواس القهري والسلوكيات الطقسية الخرافية. يُعرض الفرد عمداً للمثير الذي يثير لديه القلق أو الرغبة الملحة في أداء الطقس (التعريض)، مع منعه بصرامة من ممارسة السلوك الطقسي المعتاد (منع الاستجابة). يتيح هذا الإجراء للمريض أن يختبر تجريبياً انحسار القلق التدريجي الطبيعي دون تدخل السلوك العرضي، ويكسر رابط التعزيز السلبي التوافقي الذي ساد طوال سنوات، مما يؤدي إلى انطفاء الاستجابة الطقسية بالكامل.

إعادة الهيكلة المعرفية والاختبار التجريبي للفرضيات

يعمل المعالج في هذا النطاق السلوكي المعرفي على مساعدة المسترشد في فحص الأدلة المنطقية التي تدعم أو تدحض فرضيته السببية. يتضمن ذلك مطالبة الفرد بتسجيل الحالات التي امتنع فيها عن الطقس ورصد ما إذا كانت الكارثة المتوقعة قد حدثت بالفعل أم لا، والتركيز على مفهوم المصادفة الرياضية والاحتمالية الإحصائية لزعزعة وهم التحكم وتفكيك الانحياز التأكيدي المحافظ على السلوك.

إعادة التكييف وتعديل جداول التعزيز

في السياقات التربوية ومؤسسات التأهيل، يتم معالجة السلوكيات النمطية المشوهة لدى الأطفال أو ذوي الإعاقات النمائية من خلال استبدال جداول التعزيز الزمني المستقل بجداول تعزيز تفاضلي للسلوكيات البديلة المتوافقة (Differential Reinforcement of Alternative Behavior – DRA)، مع ضمان عدم إيصال أي معزز إيجابي إلا عندما يقوم الفرد باستجابة وظيفية موجهة بدقة، وتفادي تقديم الانتباه أو التعزيز في لحظات صدور السلوك النمطي الصدفي.

خاتمة وتقييم نقدي

يكشف التعزيز العرضي عن ملمح تأسيسي بالغ الأهمية من ملامح المرونة العصبية والتعلم السلوكي، وهو أن العقل الإنساني والحيواني مصمم للبحث الحثيث عن الأنماط والتنظيم في بيئة تتسم بالفوضى وعدم اليقين. فرغم أن التعزيز العرضي قد يولد أفعالاً وسواسية، وطقوساً خرافية، وأنماطاً غير عقلانية تستهلك الطاقة والموارد، فإنه في جوهره ليس خللاً وظيفياً، بل هو الأثر الجانبي لآلية تعلم تكيفية فائقة الحساسية تهدف إلى رصد أي رابط احتمالي في البيئة لتأمين المكاسب وتفادي الأخطار. يظل فهم التعزيز العرضي، بآلياته السلوكية والعصبية، ركيزة جوهرية لكل من علماء السلوك، والمعالجين النفسيين، والباحثين في نظرية المعرفة، لما يقدمه من تفسير دقيق لحدود الإدراك البشري وأوهام السببية التي تصنع خرافاتنا اليومية وتوجه قراراتنا المصيرية.

المراجع

  • Skinner, B. F. (1948). ‘Superstition’ in the pigeon. Journal of Experimental Psychology, 38(2), 168–172. https://doi.org/10.1037/h0055873
  • Staddon, J. E., & Simmelhag, V. L. (1971). The “superstition” experiment: A reexamination of its implications for the principles of adaptive behavior. Psychological Review, 78(1), 3–43. https://doi.org/10.1037/h0030305
  • Herrnstein, R. J. (1966). Superstition: A corollary of the principles of operant conditioning. In W. K. Honig (Ed.), Operant behavior: Areas of research and application (pp. 33–51). Appleton-Century-Crofts.
  • Timberlake, W., & Lucas, G. A. (1985). The basis of superstitious behavior: Chance contingency, stimulus substitution, or appetitive behavior? Journal of the Experimental Analysis of Behavior, 44(3), 279–299. https://doi.org/10.1901/jeab.1985.44-279
  • Vyse, S. A. (2014). Believing in magic: The psychology of superstition (Updated ed.). Oxford University Press.
  • Matute, H. (1996). Investigating the development of superstitious behavior using a computer-mediated task. Quarterly Journal of Experimental Psychology: Comparative and Physiological Psychology, 49(3), 773–793. https://doi.org/10.1080/713932638
  • Schultz, W. (2016). Dopamine reward prediction-error signalling: A two-component response. Nature Reviews Neuroscience, 17(3), 183–195. https://doi.org/10.1038/nrn.2015.26

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 26). التعزيز العرضي: المفهوم، والآليات النفسية، وتطبيقاته في تفسير السلوك الخرافي. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/adventitious-reinforcement/
looti, Mohammed. “التعزيز العرضي: المفهوم، والآليات النفسية، وتطبيقاته في تفسير السلوك الخرافي.” عرب سايكلوجي, 26 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/adventitious-reinforcement/.
looti, Mohammed. “التعزيز العرضي: المفهوم، والآليات النفسية، وتطبيقاته في تفسير السلوك الخرافي.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 26, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/adventitious-reinforcement/.