الانفعالات والعواطفعلم الجمال النفسيعلم النفس المعرفي

المشاعر الجمالية: المفهوم والنظريات النفسية والأسس العصبية

تحليل أكاديمي معمق لماهية المشاعر الجمالية في ضوء علم النفس المعرفي وعلم الجمال العصبي، مستعرضاً تباينها عن الانفعالات النفعية، ونماذجها التقييمية، وأسسها الدماغية وتطبيقاتها النفسية.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 26 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 26 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تمثل المشاعر الجمالية (Aesthetic Emotions) إحدى أعمق الظواهر النفسية التي تشهد على تعقيد الوجدان البشري وتداخله الفريد مع العمليات المعرفية العليا، حيث تعبر عن تلك الاستجابات الوجدانية النوعية التي تنشأ أثناء إدراك وتقييم الأعمال الفنية، والمشاهد الطبيعية، والتعبيرات الإبداعية المتنوعة. خلافاً للمشاعر اليومية التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالبقاء والدوافع البيولوجية المباشرة، تتسم المشاعر الجمالية بحالة من الانفصال النفعي والتعالي التأملي الذي يدمج بين اللذة الحسية والنشاط الذهني المجرد. يهدف هذا المدخل المعجمي الموسع إلى استكشاف المشاعر الجمالية بوصفها مفهوماً مركزياً في علم النفس المعرفي وعلم النفس الإدراكي وعلم الجمال العصبي المعاصر، مسلطاً الضوء على أبعادها التاريخية، ونماذجها النظرية، وركائزها الفسيولوجية العصبية.

المفهوم والتعريف الأكاديمي للمشاعر الجمالية

تُعرف المشاعر الجمالية في الأدبيات السيكولوجية المعاصرة بأنها استجابات انفعالية تستثار بفعل تقييم الخصائص البنيوية والتعبيرية والشكلية لموضوع ما، سواء كان عملاً فنياً تصويرياً، أو قطعة موسيقية، أو بناءً معمارياً، أو ظاهرة طبيعية، دون أن يكون هذا التقييم مدفوعاً بغاية نفعية أو غرض استهلاكي آني. تتضمن هذه المشاعر طيفاً واسعاً من الحالات الوجدانية المتخصصة مثل الدهشة، والإجلال، والشعور بالسمو، والافتتان، والحزن المستلذ، والانغماس التأملي الكامل. إن الخاصية الجوهرية لهذه الانفعالات تكمن في قدرتها على توليد خبرة وجدانية عميقة دون أن تفرض على الفرد اتخاذ سلوك تكيفي مباشر؛ فالاستماع إلى سيمفونية مأساوية قد يولد حزناً جمالياً صافياً لا يدفع المستمع إلى الهرب أو الاستغاثة، بل يقوده إلى البقاء والاستزادة من التجربة التأملية.

يرى الباحثون في سيكولوجية الفن أن المشاعر الجمالية لا تنحصر في الأحكام التقويمية البسيطة من قبيل «هذا جميل» أو «هذا قبيح»، بل تمثل حالات وجدانية شعورية متعددة المكونات تتضمن تفاعلات فسيولوجية، وخبرات ذاتية واعية، وتغيرات معرفية بنيوية. تتطلب هذه الاستجابة تدخلاً معقداً من آليات الانتباه، واسترجاع الذاكرة الدلالية، وفك التشفير الرمزي، مما يجعل التجربة الجمالية جسراً رابطاً بين الانفعال والإدراك، حيث يتغذى كل منهما على الآخر في صياغة المعنى الوجودي للموضوع المدرك.

علاوة على ذلك، تتميز المشاعر الجمالية بظاهرة التناقض الوجداني الظاهري (The Aesthetic Paradox)، حيث يمكن للمثيرات التي تحمل دلالات سلبية في الواقع اليومي—كالدمار والمآسي والبؤس—أن تتحول عبر القالب الفني والجمالي إلى مصدر لمتعة ذهنية وانفعالية بالغة الرقي. هذا التحول التطهيري يؤكد أن المشاعر الجمالية لا تعكس الواقع الخارجي فحسب، بل تعيد بناءه داخل فضاء نفسي آمن يتيح للذات البشرية اختبار مشاعر معقدة دون التعرض للتهديدات الوجودية المرتبطة بها في العالم المادي.

التطور التاريخي والفكري لمفهوم الانفعال الجمالي

تمتد الجذور الفلسفية للمشاعر الجمالية إلى الفكر اليوناني القديم، حيث صاغ أرسطو مفهوم «التطهير» (Catharsis) لتفسير الأثر الانفعالي للتراجيديا؛ إذ رأى أن مشاهدة المأساة تثير في النفس مشاعر الخوف والشفقة، ولكن في سياق يقود في النهاية إلى تنقية الوجدان وتحريره من الاضطراب. كان هذا الطرح بمثابة اللبنة الأولى للاعتراف بأن المشاعر المستثارة بالفن تمتلك طبيعة متفردة تميزها عن نظيراتها في الحياة الواقعية، حيث تعمل كمطهر نفسي يوفر التوازن الوجداني بدلاً من توليد القلق العملياتي المستمر.

مع حلول عصر التنوير، اتخذ المفهوم طابعاً نسقياً على يد الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط في مؤلفه التأسيسي «نقد ملكة الحكم» (Kritik der Urteilskraft)، حيث أسس كانط لمبدأ «النزاهة والتجرد» (Disinterestedness) كشرط جوهري للخبرة الجمالية الأصيلة. جادل كانط بأن المتعة الجمالية الحقيقية تختلف جذرياً عن المتعة الحسية الغريزية وعن الاستحسان الأخلاقي القائم على المنفعة؛ فالجمال هو ما يبعث الرضا لذاته وبشكل كلي دون أي مصلحة مادية، في حين يثير «الجليل» أو السامي (The Sublime) في النفس مزيجاً من الرهبة والعظمة العقلية التي تتجاوز محدودية الحواس وتكشف عن قوى الإدراك المتعالية.

انتقلت دراسة المشاعر الجمالية إلى الميدان التجريبي في أواخر القرن التاسع عشر بفضل الأبحاث الرائدة التي قادها غوستاف فيشنر، مؤسس السيكوفيزياء وعلم الجمال التجريبي، حيث سعى إلى دراسة الاستجابات الجمالية عبر منهج «من الأسفل إلى الأعلى» (Bottom-Up)، من خلال فحص كيفية استثارة الخصائص الفيزيائية للمثيرات—كالنسب الهندسية والتناظر والتعقيد—لحالات من التفضيل والانفعال الوجداني. تلا ذلك إسهامات دانييل بيرلين في منتصف القرن العشرين من خلال نظريته حول «اليقظة الوجدانية والخصائص الائتلافية» (Collative Variables)، والتي ربطت المشاعر الجمالية بمستويات الإثارة النفسية، والفضول الاستكشافي، والجدة، والغموض البنيوي للمثير، واضعة الأساس المتين لعلم النفس الجمالي المعاصر.

التمييز بين المشاعر الجمالية والمشاعر النفعية اليومية

يعد التمييز بين المشاعر الجمالية والمشاعر النفعية (Utilitarian Emotions) أحد أهم المحاور الجدلية في سيكولوجية الانفعال المعاصرة، لا سيما في النماذج النظرية التي طورها كلاوس شيرير (Klaus Scherer). تُعرف المشاعر النفعية—مثل الغضب، والخوف، والاشمئزاز، والحزن التكيفي—بأنها انفعالات تهدف بصورة حاسمة إلى تعزيز التوافق البيولوجي والاجتماعي، حيث ترتبط بتقييم الأحداث بناءً على مدى تهديدها أو تلبيتها لحاجات الكائن الحي، وتستتبع بطبيعتها استعداداً حركياً وسلوكياً فورياً (كالهجوم، أو الهروب، أو الانسحاب).

في المقابل، تتجرد المشاعر الجمالية من هذه الغائية التكيفية المباشرة؛ إذ إنها لا تتطلب تكيفاً بيئياً فورياً، ولا تترافق مع أفعال دافعية صلبة لإعادة تنظيم المحيط المادي. يوضح الجدول المفاهيمي التالي والتحليلات اللاحقة الفروق العميقة بين هذين النوعين الوجدانيين من حيث الوظيفة، وطبيعة التقييم، والمسار السلوكي:

  • الغاية الوظيفية: تهدف المشاعر النفعية إلى تعديل السلوك لخدمة البقاء وإشباع الدوافع الحيوية، بينما تهدف المشاعر الجمالية إلى تعميق الوعي الذاتي، وإثراء التبصر الفكري، واختبار القيم الرمزية والشكلية للمثير.
  • أنماط التقييم المعرفي (Appraisal Patterns): تركز الانفعالات النفعية على معايير «أهمية الحدث للأهداف الشخصية»، بينما تنصب التقييمات الجمالية على «المعنى الجمالي، والتعقيد الشكلي، والتجديد التعبيري، والانسجام الداخلي للموضوع».
  • الاستعداد الحركي والفعل (Action Tendencies): تؤدي المشاعر النفعية إلى حوافز حركية ملموسة محددة الاتجاه، في حين تفضي المشاعر الجمالية إلى حالات من الانتباه الإدراكي المركز، أو الإطراق التأملي، أو توقف الفعل السلوكي بهدف استدامة الاستقبال الحسي.
  • المخرجات الفسيولوجية: ترتبط المشاعر النفعية بتغيرات فسيولوجية حادة مخصصة للنشاط البدني العاجل، بينما تترافق المشاعر الجمالية مع تغيرات ذات طابع استكشافي وتنظيمي دقيق (مثل تذبذب معدل نبضات القلب والنشاط الكهربائي للجلد أثناء الاستغراق).

التصنيفات والأنماط الرئيسة للمشاعر الجمالية

تتعدد وتتنوع أشكال المشاعر الجمالية تبعاً لطبيعة المثير وطريقة تفاعل المنظومة المعرفية للمتلقي معه. وقد أفضت الجهود البحثية لعلماء النفس المعاصرين إلى تحديد حزمة من المشاعر الجمالية الأساسية التي تتميز بمحددات شعورية ونفسية مستقلة، يمكن إيجازها في البنى الآتية:

1. الرهبة والإجلال (Awe and Sublimity)

تعد الرهبة الجمالية إحدى أرقى وأعقد الانفعالات، وتنشأ عند مواجهة موضوع يتسم بضخامة استثنائية—سواء كانت ضخامة فيزيائية كالجبال الشاهقة والكون المتسع، أو ضخامة فكرية كالأعمال المعمارية المعقدة والأفكار الفلسفية العميقة. تتطلب الرهبة ما يسميه علماء النفس بنقص التوافق المعرفي والحاجة إلى التكيف الإدراكي (Accommodation)، حيث يقف الجهاز المفاهيمي للمتلقي عاجزاً عن استيعاب حجم المثير ضمن أطره الذهنية المألوفة، مما يولد إحساساً عميقاً بتضاؤل الأنا (Small Self) مصحوباً بانفتاح وجداني استثنائي تجاه الكون والوجود.

2. التأثر العميق وحالة الكاما موتا (Being Moved / Kama Muta)

يبرز مفهوم «التأثر العميق» كاستجابة جمالية طاغية تتسم بمزيج فريد من الدفء العاطفي والحزن الشفيف والتواصل الإنساني الرمزي. وقد عرّف الباحثون مؤخراً نمطاً نوعياً من هذه الحالة باسم «كاما موتا» (Kama Muta)، وهو مصطلح سنسكريتي يشير إلى فيضان مفاجئ من مشاعر التقارب الإنساني، والارتباط الأخلاقي، والتلاحم الجمعي، ويظهر جلياً عند مشاهدة أعمال فنية تمثل التضحية أو النبل أو المحبة النقية. تترافق هذه الحالة عادة بمظاهر فسيولوجية مميزة، تشمل ترقرق الدموع في العينين دون وجود ألم حقيقي، والشعور بغصة دافئة في الحلق، وضيق تنفسي عابر متبوع بارتخاء جسدي هادئ.

3. القشعريرة الجمالية والارتعاش الفني (Aesthetic Chills / Frisson)

تمثل القشعريرة الجمالية ظاهرة سيكوفسيولوجية ذروية تتجلى في صورة ارتعاشات جسدية تسري عبر الجلد، وتحدث بصورة متكررة أثناء الاستماع إلى مقاطع موسيقية معينة، خاصة عند حدوث تحولات لحنية غير متوقعة، أو ذروات ديناميكية مفاجئة، أو انسجامات صوتية بالغة التعقيد. يرتبط الفريسون (Frisson) بنشاط دوائر المكافأة في الدماغ، حيث يعكس التناغم بين التوقع المعرفي والتحقق الحسي، مما يولد تدفقاً سريعاً من الدوبامين يُترجم إلى استجابة قشعريرة حسية تعبر عن بلوغ النشوة الجمالية أقصاها.

4. الافتتان والفضول الجمالي (Aesthetic Fascination and Curiosity)

يتميز الافتتان بحالة من الاستغراق الذهني الشديد والانجذاب الحصري لخصائص المثير الجمالي، حيث ينسى الفرد محيطه الخارجي وينصرف انتباهه بالكامل إلى فك شفرات العمل الفني. يتغذى هذا الانفعال على الغموض البصري أو الصوتي والتحدي الإدراكي الذي يفرضه المثير، مما يدفع المتلقي إلى البحث المتواصل عن المعنى وإعادة تقييم الدلالات البنائية للعمل، وهو ما يمثل الوجه المعرفي النشط للانفعال الجمالي.

النماذج المعرفية المفسرة للخبرة والانفعال الجمالي

سعى علم النفس المعرفي إلى نمذجة المسار الإدراكي الذي يؤدي إلى ولادة المشاعر الجمالية وتطورها. ومن أبرز هذه المحاولات النموذج المعرفي لمعالجة الفن الذي صاغه هيلموت ليدر وفريقه (Helmut Leder & Colleagues)، والذي يفترض أن التجربة الجمالية تمر بعدة مراحل متسلسلة تبدأ بالتحليل الحسي المبدئي للخصائص البصرية، ثم التصنيف الأسلوبي، ثم الإتقان المعرفي وحل المشكلات التأويلية، وصولاً إلى مرحلة التقييم الجمالي النهائي التي يتولد عنها انفعال جمالي نوعي مصحوب بحكم جمالي واعٍ.

من جهة أخرى، تقدم «نظرية التقييم المعرفي» التي طورها بول سيلفيا (Paul Silvia) تفسيراً يعتمد على فكرة أن الانفعالات الجمالية—ولا سيما الاهتمام، والارتباك، والرهبة—ليست استجابات آلية للمنبهات الحسية، بل هي نتاج مباشر لتقييمين إدراكيين أساسيين: أولاً، تقييم الجدة والتعقيد (Novelty-Complexity Appraisal)، أي مدى كون المثير جديداً وغامضاً وغير متوقع؛ وثانياً، تقييم الفهم والاستيعاب (Comprehensibility Appraisal)، أي مدى إدراك الفرد لقدرته الذهنية على فهم واستيعاب هذا التعقيد. فإذا كان المثير معقداً ولكن في حدود قدرة الفرد على الفهم، استُثير الاهتمام الجمالي والافتتان، بينما يؤدي عجز الفهم إلى الارتباك أو النفور.

كما يبرز نموذج «التباعد والاحتضان» (Distancing-Embracing Model) الذي وضعه وينفريد مينينغهاوس وزملاؤه (Winfried Menninghaus et al.) لتفسير المعضلة الكلاسيكية للمشاعر السلبية في الفن. ينص هذا النموذج على أن الإطار الجمالي (Aesthetic Framing) يوفر مسافة نفسية آمنة (Distancing) تُعطّل التهديد الواقعي للمثير، مما يسمح للمتلقي بالانفتاح الوجداني واحتضان (Embracing) المشاعر العميقة التي تتضمن الحزن والأسى والهلع الفني، وإعادة توجيهها معرفياً بوصفها خبرات ثرية تعزز الفهم الذاتي وتحقق الرضا النفسي العميق.

الأسس البيولوجية العصبية وعلم الجمال العصبي

حقق علم الجمال العصبي (Neuroaesthetics)، الذي أرسى قواعده سمير زكي (Semir Zeki) وفيلانور راماشاندران وآخرون، قفزات نوعية في كشف الأسس التشريحية والوظيفية للمشاعر الجمالية في الدماغ البشري. أظهرت دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) أن الاستجابة الجمالية لا تعتمد على «مركز جمالي» مفرد، بل تنبع من تفاعل ديناميكي مركب بين ثلاث شبكات عصبية رئيسة: شبكة الإدراك الحسي-الحركي، وشبكة تقييم المكافأة، وشبكة المعنى والسياق الدلالي.

يلعب مسار المكافأة الدوباميني دوراً محورياً في توليد المتعة الجمالية، حيث يرتبط تذوق الجمال بتنشيط مكثف في القشرة الجبهية الحجاجية الإنسية (Medial Orbitofrontal Cortex – mOFC) والنواة المتكئة (Nucleus Accumbens). يُظهر هذا التنشيط أن الدماغ يتعامل مع التجارب الجمالية المجردة بصفتها مكافآت جوهرية أصيلة تعادل المكافآت البيولوجية الأولية (كالطعام والماء)، مما يفسر القيمة العالية التي توليها المجتمعات الإنسانية للفنون عبر التاريخ.

إضافة إلى ذلك، كشفت الأبحاث عن انخراط جوهري لشبكة الوضع الافتراضي (Default Mode Network – DMN)، وهي الشبكة العصبية المسؤولة عن معالجة الذات، والتأمل الباطني، واسترجاع الذكريات الشخصية السيرية. تنشط هذه الشبكة بشكل لافت عندما يقيم الأفراد عملاً فنياً بأنه «مؤثر للغاية» أو ذو مغزى شخصي عميق، مما يثبت أن قمة المشاعر الجمالية لا تقتصر على تحليل الجمال الموضوعي الخارجي، بل تتطلب دمجه في صلب السردية الذاتية للمتلقي وتاريخه الوجداني الداخلي.

مناهج وأدوات قياس المشاعر الجمالية في البحث النفسي

نظراً لطبيعة المشاعر الجمالية الذاتية والمركبة، اعتمد علم النفس القياسي استراتيجيات متعددة الأبعاد لرصدها بدقة، تتراوح بين مقاييس التقرير الذاتي المقننة، والمؤشرات الفسيولوجية، والتسجيلات العصبية الحيوية. يُعد مقياس «المشاعر الجمالية» (AESTHEMOS)، الذي طوره شيرير وفريقه البحثي، أحد أشمل المقاييس السيكومترية المتاحة حالياً، حيث يغطي 21 بُعداً وجدانياً مستقلاً تُختزل في فئات عليا مثل المشاعر الحيوية، والمشاعر التأملية، والمشاعر السامية، والمشاعر السلبية المنفرة.

على المستوى الفسيولوجي، يستخدم الباحثون قياسات دقيقة للكشف عن المظاهر الجسمية المرافقة للاستجابة الجمالية، والتي لا تخضع للتحيز الواعي للمبحوثين. تشمل هذه القياسات:

  • استجابة الموصلية الجلدية (Galvanic Skin Response – GSR): لرصد نشاط الجهاز العصبي الودي، ومستوى الإثارة والانجذاب الوجداني أثناء بلوغ المقاطع الموسيقية أو الفنية ذروتها التعبيرية.
  • تخطيط كهربية العضلات الوجهية (Facial Electromyography – fEMG): لقياس حركات العضلات الدقيقة غير المرئية، مثل نشاط العضلة الوجنية الكبيرة (المرتبطة بالسرور والابتسام) والعضلة المقطبة للحاجب (المرتبطة بالتركيز، أو الحيرة، أو الامتعاض).
  • تغير تقلب معدل ضربات القلب (Heart Rate Variability – HRV): لدراسة التوازن بين الجهازين الودي ونظير الودي، والذي يرتبط بحالات التهدئة الوجدانية والانغماس التأملي الرزين.
  • حركات العين وتتبع النظرة (Eye-Tracking): لتحليل مسارات المسح البصري، وفترات التثبيت النظري، والتي تعكس مسار الانتباه واستخلاص المعنى من التفاصيل البصرية.

الوظائف النفسية والتطبيقات الإكلينيكية للمشاعر الجمالية

لم تعد المشاعر الجمالية تُعامل في أبحاث الصحة النفسية المعاصرة بوصفها ترفاً ذهنياً ثانوياً، بل يُنظر إليها كعامل جوهري في تعزيز الرفاه النفسي والازدهار البشري (Psychological Flourishing). تشير دراسات علم النفس الإيجابي إلى أن الخبرات الجمالية المتكررة—خاصة مشاعر الرهبة والافتتان—ترتبط بانخفاض مستويات التوتر المزمن، وتراجع مؤشرات الالتهاب البيولوجية في الجسم، وارتفاع معدلات الرضا عن الحياة والتلاحم الاجتماعي، نتيجة قدرتها على تحرير الفرد من التمحور حول الذات وتوسيع أفق الإدراك المعرفي.

وفي المجال العلاجي، يشكل تحفيز المشاعر الجمالية حجر الزاوية في العلاج بالفن (Art Therapy) والعلاج بالموسيقى (Music Therapy). يتيح التفاعل الجمالي للمرضى الذين يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD) أو الاكتئاب التعبير عن انفعالات مكبوتة ومعقدة يصعب صياغتها لفظياً، حيث توفر الاستجابة الجمالية قالباً رمزياً آمناً لإعادة معالجة الصدمات دون استثارة آليات الدفاع النفسي المؤلمة، مما يسهم في استعادة التنظيم الانفعالي وتعزيز المرونة العاطفية.

علاوة على ذلك، تمتد تطبيقات المشاعر الجمالية إلى مجالات تصميم البيئات الاستشفائية والهندسة المعمارية التكيفية (Neuroarchitecture)، حيث تظهر الأدلة العلمية أن دمج العناصر الجمالية الطبيعية والتصاميم المتناغمة في المستشفيات والمدارس يرفع من مستويات التركيز ويقلل الشعور بالألم والاحتراق النفسي، مما يؤكد أن الاستثارة الجمالية المتوازنة هي متطلب نفسي أساسي لصحة العقل والجسد معاً.

خاتمة

تمثل المشاعر الجمالية نقطة الالتقاء الأسمى بين الإدراك الحسي، والتقييم المعرفي، والعمق الوجداني، كاشفة عن تفرد التجربة الإنسانية في سعيها الدائب وراء المعنى والجمال. من خلال تجردها من الغايات النفعية المباشرة وقدرتها الفريدة على تحويل الألم الرمزي إلى معرفة وتطهير، تقدم هذه الانفعالات شهادة حية على مرونة الدماغ البشري وأناقة تنظيمه العصبي. إن الفهم المتكامل للمشاعر الجمالية عبر تظافر علم النفس المعرفي، وعلم الجمال العصبي، والدراسات الفلسفية، لا يثري فهمنا للفن فحسب، بل يفتح آفاقاً رحبة لتعزيز الصحة النفسية وجودة الحياة الإنسانية بأكملها.

المراجع

  • Berlyne, D. E. (1971). Aesthetics and psychobiology. Appleton-Century-Crofts.
  • Kant, I. (2000). Critique of the power of judgment (P. Guyer & E. Matthews, Trans.). Cambridge University Press. (Original work published 1790).
  • Leder, H., Belke, B., Oeberst, A., & Augustin, D. (2004). A model of aesthetic appreciation and aesthetic judgments. British Journal of Psychology, 95(4), 489–508. https://doi.org/10.1348/0007126042369811
  • Menninghaus, W., Wagner, V., Hanich, J., Wassiliwizky, E., Kuehnast, M., & Jacobsen, T. (2015). Towards a psychological construct of being moved. PLOS ONE, 10(6), e0128451. https://doi.org/10.1371/journal.pone.0128451
  • Menninghaus, W., Wagner, V., Wassiliwizky, E., Schindler, I., Hanich, J., Jacobsen, T., & Koelsch, S. (2017). The Distancing-Embracing model of the enjoyment of negative emotions in art reception. Behavioral and Brain Sciences, 40, e347. https://doi.org/10.1017/S0140525X17000309
  • Scherer, K. R. (2005). What are emotions? And how can they be measured?. Social Science Information, 44(4), 695–729. https://doi.org/10.1177/0539018405058216
  • Schindler, I., Hosoya, G., Menninghaus, W., Beermann, U., Wagner, V., Eid, M., & Scherer, K. R. (2017). Measuring aesthetic emotions: A review of the literature and a new assessment tool. PLOS ONE, 12(6), e0178899. https://doi.org/10.1371/journal.pone.0178899
  • Silvia, P. J. (2005). Cognitive appraisals and interest in visual art: Exploring an appraisal theory of aesthetic emotions. Empirical Studies of the Arts, 23(2), 119–133. https://doi.org/10.2190/12AV-AH2P-M2VL-TG40
  • Zeki, S. (1999). Inner vision: An exploration of art and the brain. Oxford University Press.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 26). المشاعر الجمالية: المفهوم والنظريات النفسية والأسس العصبية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/aesthetic-emotions-psychology/
looti, Mohammed. “المشاعر الجمالية: المفهوم والنظريات النفسية والأسس العصبية.” عرب سايكلوجي, 26 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/aesthetic-emotions-psychology/.
looti, Mohammed. “المشاعر الجمالية: المفهوم والنظريات النفسية والأسس العصبية.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 26, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/aesthetic-emotions-psychology/.