يشكّل مفهوم المكتسب (Acquired) ركيزة جوهرية في بناء النظرية النفسية وتفسير السلوك البشري، إذ يعبّر عن كافة التغيرات، والاستجابات، والمهارات، والأنماط المعرفية والعاطفية التي يطورها الكائن الحي نتيجة لتفاعله المستمر مع بيئته المادية والاجتماعية، في مقابل الخصائص الفطرية أو البيولوجية الموروثة. يمتد هذا المفهوم ليشمل مساحة معرفية شاسعة تتقاطع فيها المدرسة السلوكية مع النظريات المعرفية، والعلوم العصبية الحديثة، وعلم الوراثة فوق الجيني (Epigenetics). إن فهم الطبيعة المعقدة لما هو مكتسب يتيح للباحثين والممارسين الإكلينيكيين تفكيك البنى النفسية المعقدة، والتمييز الدقيق بين الميول الغريزية والأنماط التكيفية المشكّلة بالخبرة، مما يفتح آفاقاً رحبة لإعادة التأهيل والعلاج النفسي القائم على التعلم وإعادة التشكيل العصبي.
التأصيل المفاهيمي والتاريخي لجدلية الفطري والمكتسب
تعود الجذور الفلسفية لمفهوم المكتسب إلى الخلاف الإبستيمولوجي الكلاسيكي بين النزعة العقلانية (Rationalism) والنزعة التجريبية (Empiricism)؛ فبينما افترض فلاسفة مثل رينيه ديكارت وجود أفكار فطرية تسبق التجربة، جادل فلاسفة التجريبية الإنجليزية، وعلى رأسهم جون لوك، بأن العقل البشري يولد كصفحة بيضاء (Tabula Rasa)، وأن كل المعارف والخبرات اللاحقة هي نتاج تراكمي للانطباعات الحسية والتفاعل مع العالم الخارجي. هذا الطرح أسس بصورة مباشرة للثورة التجريبية التي شهدها علم النفس مع مطلع القرن العشرين، حيث تحول الاهتمام من التأمل الاستبطاني إلى دراسة السلوكيات القابلة للملاحظة والقياس.
مع نشأة علم النفس كعلم مستقل، تجسد هذا الجدل الفلسفي في المناظرة الشهيرة بين الطبيعة والتنشئة (Nature vs. Nurture)، وهي المعضلة التي استقطبت رواد الفكر السلوكي من جهة وعلماء الأحياء التطورية والغرائز من جهة أخرى. رأى السلوكيون الأوائل أن الكائن الحي نتاج ميكانيكي تام لبيئته المحيطة، حيث يمكن تشكيل سلوكه وتعديله عبر منظومات التعزيز والعقاب، معتبرين أن ما هو مكتسب يشكل الجزء الأعظم والأكثر أهمية في الشخصية الإنسانية، بينما تقتصر العوامل البيولوجية على توفير العتاد الفسيولوجي الأساسي فقط.
في الحقبة المعاصرة، تجاوز التحليل الأكاديمي هذا التقسيم الثنائي الحاد؛ فالعلوم النفسية والعصبية الحديثة لم تعد تنظر إلى المكتسب بوصفه نقيضاً معزولاً عن الفطري، بل بوصفه عملية بيولوجية-بيئية تفاعلية مستمرة. تشير الدراسات الجينية السلوكية إلى أن البيئة المكتسبة تؤثر بصورة جوهرية على كيفية التعبير الجيني، وأن الاستعدادات البيولوجية تحدد بدورها حدود وكيفية اكتساب الأنماط السلوكية، مما جعل مفهوم المكتسب محوراً لنماذج تكاملية تدمج البيئة بالوراثة في إطار تطوري متكامل.
الآليات السلوكية والتعلمية لاكتساب السلوك
تعد نماذج التعلم الكلاسيكية والإجرائية حجر الزاوية في تفسير كيفية اكتساب الاستجابات السلوكية الجديدة؛ ففي نموذج الإشراط الكلاسيكي الذي أرسى دعائمه إيفان بافلوف، يكتسب المثير المحايد القدرة على استدعاء استجابة انعكاسية محددة عبر اقترانه المتكرر بمثير غير شرطي، وهو ما يفسر اكتساب المخاوف المرضية والاستجابات العاطفية التلقائية. من خلال هذه الآلية، تصبح البيئة مشبعة بإشارات رمزية مكتسبة تثير منظومات فسيولوجية ونفسية معقدة لم تكن موجودة في البنية الأصلية للكائن.
من زاوية أخرى، ركز بي إف سكينر في نظرية الإشراط الإجرائي على العواقب والنتائج التي تعقب السلوك بوصفها المحرك الأساسي لاكتساب العادات والمهارات الحركية والمعرفية المعقدة. تتضمن عملية الاكتساب الإجرائي تعديلاً تدريجياً في احتمالية تكرار الاستجابة اعتماداً على جداول التعزيز الإيجابي والسلبي، والتشكيل التدريجي (Shaping) الذي يسمح باكتساب مهارات مركبة عبر مكافأة التقريبات المتتالية للسلوك النهائي المستهدف، مما يجعل السلوك المكتسب مرناً وقابلاً للتبديل والتعديل المستمر.
أضاف ألبرت باندورا بعداً محورياً إلى منظومة الاكتساب من خلال نظرية التعلم الاجتماعي، مبرهناً على أن اكتساب السلوكيات المعقدة لدى الإنسان لا يتطلب بالضرورة خوض التجربة المباشرة أو التعرض الفعلي للتعزيز والعقاب. يتم الجزء الأكبر من التعلم البشري عبر الملاحظة والنمذجة (Modeling) والتعلم البديل (Vicarious Learning)، حيث يخزن الفرد تمثيلات معرفية لسلوكيات الآخرين ونتائجها، مما يتيح اكتساب القواعد الأخلاقية، والمهارات الاجتماعية، والمعايير الثقافية بطريقة اقتصادية وفعالة من حيث الجهد والمخاطرة.
الأسس العصبية والبيولوجية للخصائص المكتسبة
لا يظل السلوك المكتسب مجرد مفهوم تجريدي في الفضاء النفسي، بل يترجم بيولوجياً عبر تغييرات هيكلية ووظيفية عميقة في الجهاز العصبي المركزي، وهي الظاهرة المعروفة باسم اللدونة العصبية (Neuroplasticity). أظهرت الأبحاث الرائدة لعالم الأعصاب إريك كاندل على الحلزون البحري (Aplysia) أن عمليات التعلم واكتساب الذاكرة تغير فيزيائياً من قوة الروابط المشبكية بين الخلايا العصبية عبر آليات التأشير الخلوي وتخليق البروتينات الجديدة، مما يثبت أن كل ما هو مكتسب يترك أثراً مادياً ملموساً في الدماغ.
تسهم ظاهرة التأييد طويل الأمد (Long-Term Potentiation – LTP) في تشكيل الأساس الفسيولوجي لاكتساب الذكريات والمهارات وتثبيتها داخل الحصين والقشرة الدماغية. عندما يتم تنشيط مسار عصبي معين بشكل متكرر نتيجة لممارسة سلوك مكتسب أو استرجاع خبرة معينة، تزداد كفاءة النقل المشبكي عبر هذا المسار، مما يجعل استدعاء هذا السلوك مستقبلاً أكثر سرعة وسلاسة، وهو ما يفسر تحول الأفعال الواعية المكتسبة بجهد إلى عادات آلية لا تتطلب جهداً ذهنياً كبيراً.
إلى جانب اللدونة المشبكية، كشف علم الوراثة فوق الجيني (Epigenetics) عن آليات بالغة التعقيد تشرح كيف يمكن للبيئة المكتسبة أن تؤثر في تشغيل الجينات أو إيقافها دون المساس بالتسلسل الأساسي للحمض النووي (DNA). تجارب الضغوط الحياتية المبكرة، والرعاية الوالدية، والخبرات الصادمة المكتسبة يمكن أن تحدث تعديلات كيميائية كإضافة مجموعات الميثيل (DNA Methylation) إلى مناطق تنظيم الجينات، مما يؤدي إلى تغيرات مستدامة في وظائف المحور الوطائي-النخامي-الكظري (HPA axis) تؤثر على استجابة الفرد للتوتر طوال حياته، وقد تنتقل بعض هذه الآثار المكتسبة عبر الأجيال.
اكتساب المعرفة واللغة: التقاطعات المعرفية النمائية
في ميدان علم النفس المعرفي والارتقائي، يبرز التمييز بين المعارف الفطرية والمكتسبة كواحد من أكثر الموضوعات خصوبة في البحث العلمي، لا سيما في دراسة اكتساب اللغة وتطور العمليات الذهنية العليا. طرح نعوم تشومسكي مفهوم “جهاز اكتساب اللغة” (LAD)، مفترضاً وجود بنية لغوية فطرية عالمية، إلا أن الأبحاث اللغوية المعرفية اللاحقة أكدت أن المفردات، والقواعد التركيبية الخاصة، والدلالات التداولية هي عناصر مكتسبة كلياً عبر الانغماس التواصلي الحميم في السياق الثقافي والاجتماعي المحيط بالطفل.
يؤكد النموذج البنائي لجان بياجيه على أن البنى المعرفية ليست معطيات مسبقة ولا مجرد نسخ حرفية للمحيط الخارجي، بل هي تنظيمات ديناميكية مكتسبة تتشكل عبر عمليتي الاستيعاب (Assimilation) والمواءمة (Accommodation). يكتسب الطفل فهمه للعالم، ولمفاهيم مثل ثبات المادة والسببية، عبر سلسلة من التفاعلات الحركية والخبرات المحسوسة مع البيئة، حيث يعيد الدماغ تنظيم مخططاته المعرفية في كل مرحلة نمائية لاستيعاب التناقضات وحل المشكلات المتزايدة التعقيد.
يميز علماء النفس المعرفي كذلك بين الذكاء السائل (Fluid Intelligence) والذكاء المتبلور (Crystallized Intelligence)؛ يمثل الأخير المحصلة التراكمية للمعارف المكتسبة، والمهارات التحليلية، والمخزون الثقافي واللغوي الذي يطوره الفرد عبر مراحل حياته من خلال التعليم والخبرة. على عكس الذكاء السائل الذي يعتمد بشكل أساسي على الكفاءة البيولوجية العصبية ويبدأ في الانحدار التدريجي مع التقدم في السن، يظهر الذكاء المتبلور ثباتاً ونمواً مستمراً طالما ظل الفرد منخرطاً في بيئات تعلم محفزة، مما يبرز الأهمية الاستثنائية للمكتسبات المعرفية في الحفاظ على الحيوية العقلية.
الاضطرابات النفسية والأنماط المرضية المكتسبة
تكتسب دراسة المظاهر المرضية أهمية قصوى عند تحليل كيفية تشكل الاضطرابات النفسية وتطورها عبر مسارات الاكتساب البيئي؛ حيث توضح النظريات الإكلينيكية أن جزءاً واسعاً من الأعراض العصابية والأنماط السلوكية اللاتكيفية لا يعود إلى اعتلالات جينية حتمية، بل ينشأ كنتيجة لتجارب تعلم شاذة أو صادمة. يظهر ذلك جلياً في الأنماط التالية:
- الرهاب المكتسب (Acquired Phobias): تتطور المخاوف المحددة غالباً عبر الاقتران الإشراطي بين مثير غير ضار وتجربة مخيفة أو مؤلمة، وتتعزز لاحقاً عبر سلوكيات التجنب التي تمنع انطفاء الاستجابة الخوفية المشروطة.
- العجز المكتسب (Learned Helplessness): مفهوم صاغه مارتن سيليجمان لتفسير نشأة الاكتئاب، ويصف الحالة التي يتعلم فيها الكائن الحي أن استجاباته غير مجدية في تغيير بيئته أو تجنب الألم، مما يؤدي إلى استسلام معرفي وسلوكي وعاطفي تام.
- استجابات ما بعد الصدمة (PTSD Symptoms): تنشأ استجابات الرعب واجترار الذكريات المؤلمة كاكتساب مرضي سريع لربط الإشارات الحسية المرتبطة بحدث مهدد للحياة مع منظومات الإنذار العصبي في اللوزة الدماغية (Amygdala).
- السلوكيات القهرية والإدمانية: تتثبت العادات الإدمانية وسلوكيات الوسواس القهري عبر آليات التعزيز السلبي التكراري، حيث يتعلم الفرد القيام بالسلوك لخفض مستويات القلق والتوتر الشديدين بشكل مؤقت.
توضح هذه الأنماط المرضية أن آليات التعلم والتكيف ذاتها التي تسهم في البقاء والتطور قد تنحرف عن مسارها الصحيح لتنتج أنماطاً سلوكية معيقة، مما يستدعي تدخلاً موجهاً لتفكيك تلك الروابط المكتسبة واستبدالها بأنماط تكيفية صحية.
التطبيقات الإكلينيكية والعلاجية: إعادة التعلم وتعديل السلوك
إن إدراك الطبيعة المكتسبة للعديد من الأنماط السلوكية والتشوهات المعرفية يشكل المنطلق الأساسي لفاعلية العلاج النفسي الحديث؛ فما تم اكتسابه عبر قواعد التعلم يمكن نظرياً تعديله أو إطفاؤه من خلال آليات إعادة التعلم (Relearning) والمحو المشبكي. تتصدر التدخلات السلوكية والمعرفية هذا المجال عبر تطبيق قوانين الانطفاء، والتعريض، وإعادة الهيكلة المعرفية، مانحة المرضى فرصة إعادة صياغة تجاربهم الحياتية.
يعتمد العلاج المعرفي السلوكي (CBT) على تفكيك المخططات المعرفية السلبية المكتسبة خلال مراحل التنشئة المبكرة؛ إذ يساعد المعالج العميل على رصد الأفكار التلقائية المشوهة واختبار صدقها إمبريقياً، ومن ثم اكتساب استراتيجيات تكيف معرفية جديدة قادرة على تعديل الانفعالات والاستجابات السلوكية المرتبطة بها. تتوازى هذه العملية المعرفية مع مهام سلوكية مصممة لاكتساب مهارات حل المشكلات والتنظيم الانفعالي بصورة تطبيقية مباشرة.
في سياق علاج اضطرابات القلق، يعد العلاج بالتعريض (Exposure Therapy) التطبيق الأكثر نقاءً لمبدأ الانطفاء المشروط؛ حيث يتم تعريض المريض تدريجياً للمثيرات المخيفة في بيئة آمنة تمنع الاستجابات التجنبية، مما يتيح للدماغ تكوين مسارات عصبية جديدة تُعرف بـ “تعلم السلامة” (Safety Learning). لا يؤدي هذا التعلم إلى محو الذاكرة القديمة بالكامل، بل يكوّن ذاكرة تثبيطية مكتسبة تتفوق وظيفياً على استجابة الخوف الأصلية، مما يوضح أن التغيير العلاجي هو في جوهره عملية اكتساب نشطة لروابط عصبية بديلة تدعم التوازن النفسي.
الأبعاد الاجتماعية والثقافية للاكتساب البشري
يتجاوز مفهوم المكتسب النطاق الفردي والمختبري ليتغلغل في النسيج الاجتماعي والثقافي الأوسع؛ فالإنسان ينفرد بين الكائنات الحية بقدرته الاستثنائية على مراكمة الخبرات المعرفية عبر الأجيال، ونقلها من خلال التنشئة الاجتماعية والمؤسسات التعليمية واللغة، وهو ما يُعرف في الأنثروبولوجيا وعلم النفس الثقافي بـ “التطور الثقافي التراكمي” (Cumulative Cultural Evolution). بفضل هذا النظام، لا يحتاج كل جيل بشري إلى إعادة اختراع المعارف أو إعادة اكتشاف الأدوات، بل يكتسب الجاهز منها ويبني فوقه استجابات جديدة.
تسهم المعايير الثقافية المكتسبة في تشكيل حتى أدق العمليات النفسية، بما في ذلك التعبير الانفعالي والإدراك الحسي للألوان والمساحات؛ حيث تختلف قواعد إظهار المشاعر (Display Rules) بين الثقافات الجماعية والفردية بناءً على ما اكتسبه الأفراد من توقعات مجتمعية خلال تنشئتهم الأسرية. كما تشكل الهوية الاجتماعية، والمعتقدات الدينية، والاتجاهات السياسية منظومات مكتسبة ذات صلابة معرفية عالية توجه سلوك الفرد وتحدد انتماءاته داخل الجماعة الإنسانية.
علاوة على ذلك، يمثل التحول الرقمي المعاصر بيئة اكتساب جديدة كلياً تعيد تشكيل الانتباه والذاكرة والمهارات الاجتماعية للأجيال الناشئة؛ فالتفاعل المكثف مع الوسائط الرقمية وشبكات التواصل يولد أنماطاً مكتسبة جديدة من المعالجة المعرفية السريعة والسطحية، مما يطرح تحديات مستمرة أمام علماء النفس لفهم كيف تغير البيئات التكنولوجية المستحدثة مسارات الاكتساب السلوكي والعصبي للإنسان المعاصر.
خاتمة
يظل مفهوم المكتسب في علم النفس تجسيداً لقدرة الإنسان الفريدة على التكيف والمرونة وتجاوز المحددات البيولوجية الصارمة؛ فالشخصية الإنسانية ليست قدراً جينياً محتوماً، بل هي بناء ديناميكي مفتوح يُعاد تشكيله باستمرار عبر مسارات التعلم والخبرة والوعي. إن فهم المكتسب بآلياته السلوكية، وقواعده المعرفية، وركائزه العصبية التكيفية يوفر للعلوم الإنسانية والطبية أدوات جبارة لتخفيف المعاناة النفسية، وتطوير الأنظمة التعليمية، وإعادة تصميم البيئات الاجتماعية بما يعزز النمو الإنساني والتناغم المجتمعي.
المراجع
- Bandura, A. (1977). Social Learning Theory. Prentice-Hall.
- Kandel, E. R. (2001). The molecular biology of memory storage: A dialogue between gene and synapses. Science, 294(5544), 1030-1038.
- Pavlov, I. P. (1927). Conditioned Reflexes: An Investigation of the Physiological Activity of the Cerebral Cortex. Oxford University Press.
- Piaget, J. (1952). The Origins of Intelligence in Children. International Universities Press.
- Seligman, M. E. (1975). Helplessness: On Depression, Development, and Death. W. H. Freeman.
- Skinner, B. F. (1953). Science and Human Behavior. Macmillan.
- Vygotsky, L. S. (1978). Mind in Society: The Development of Higher Psychological Processes. Harvard University Press.