يمثل مفهوم الواقع المطلق (Absolute Reality) أحد أعمق التحديات الإبستمولوجية والأنطولوجية التي شغلت الفكر الإنساني عبر تاريخه، متجاوزاً كونه مجرد معضلة ميتافيزيقية مجردة ليتحول إلى محور ارتكاز جوهري في علم النفس المعرفي وفلسفة العقل ونظريات التحليل النفسي المعاصرة. يُعرَّف الواقع المطلق أكاديمياً بأنه الوجود في صورته المستقلة استقلالاً تاماً وغير مشروط بأي جهاز حسي، أو وسيط إدراكي، أو إسقاطات ذاتية، أو منظومات لغوية وثقافية؛ أي الوجود كما هو في ذاته دون تبديل أو قولبة نفسية. تقتضي دراسة هذا المفهوم في السياق النفسي تفكيك آليات الإدراك البشري، والتحقق مما إذا كان الإنسان يمتلك بالفعل القدرة على الاتصال المباشر بالحقائق المطلقة، أم أنه حبيس سرديات عصبية وبُنى معرفية تُشيد نموذجاً وظيفياً براغماتياً للواقع يضمن بقاءه البيولوجي والرمزي دون أن يعكس بالضرورة حقيقة العالم الكامن خلف ستائر الحواس.
التأصيل الفلسفي والإبستمولوجي: من الشيء في ذاته إلى الظاهرة
لا يمكن تتبع المسار النفسي لمفهوم الواقع المطلق دون العودة إلى المنعطف الكانطي الذي شكل الثورة الكوبرنيكية في الإبستمولوجيا الحديثة؛ حيث ميز إيمانويل كانت بشكل حاسم بين الظاهرة (Phenomenon) التي تمثل ما يتبدى للوعي البشري عبر وسائط الحساسية الزمانية والمكانية ومقولات الفهم الخالص، وبين “الشيء في ذاته” أو النُومينون (Noumenon) الذي يمثل جوهر الوجود الموضوعي المنفصل عن الإدراك الحسي. يؤسس هذا التمييز لرؤية نفسية ترى أن ما يعيشه الكائن البشري ليس الواقع المطلق، بل هو “تمثيل داخلي” تُنتجه آليات العقل المنظمة، مما يجعل الاتصال المباشر بالحقيقة المطلقة مستحيلاً من الناحية الإبستمولوجية البحتة ضمن أطر الإدراك الطبيعي.
وفي إطار الفينومينولوجيا المعاصرة، حاول إدموند هوسرل تجاوز هذه الثنائية الحادة عبر منهجية “الرد الفينومينولوجي” أو تعليق الحكم (Epoché)، حيث طالب بعزل الافتراضات المسبقة حول الوجود الخارجي للتركيز على كيفية ظهور الأشياء وتدفقها في الوعي. غير أن الموقف الفينومينولوجي، بالرغم من سعيه الدؤوب للوصول إلى ماهيات الأشياء الأصلية، أقر ضمنياً بأن “المطلق” لا يمكن مقاربته إلا عبر تجربة الوعي القصدي (Intentionality)، وهو ما يُفرغ الواقع المطلق من سمته المفارقة ليعيد توطينه داخل حقل الذاتية المتعالية، مشكلاً جسراً حيوياً بين الفلسفة النظرية والتحليل النفسي المعمق لبنية التجارب الذاتية العميقة.
تجلت هذه الإشكالية أيضاً في الطرح البنائي الراديكالي (Radical Constructivism) الذي تزعمه إرنست فون غلازرسفيلد، والذي ينص على أن الوظيفة الإدراكية ذات طبيعة تكيفية تهدف إلى تنظيم العالم التجريبي المعاش وليس اكتشاف حقيقة أنطولوجية موضوعية مستقلة. يرى البنائيون أن السعي وراء الواقع المطلق يشبه محاولة رسم خريطة لمنطقة مجهولة لا نملك عنها أي معلومات حسية سوى خطوط قلمنا الرصاص، وبالتالي فإن الواقع الذي نتفاعل معه يومياً هو نتاج هندسة عصبية ولغوية وثقافية مستمرة، مما يضع مفهوم المطلق في مصاف المُثل العليا التنظيمية وليس الوقائع المعاشة.
الإدراك الحسي وبناء النموذج: الواقعية الساذجة مقابل الواقعية النقدية
يفترض الوعي العفوي للإنسان ما يُعرف في علم النفس العام باسم “الواقعية الساذجة” (Naïve Realism)، وهي الاعتقاد الفطري بأن حواسنا تنقل لنا صورة طبق الأصل وشفافة عن العالم الخارجي كما هو عليه في الواقع المطلق. تنطلق هذه الرؤية من الافتراض غير المُمحص بأن الأشياء تمتلك الألوان، والأصوات، والروائح، والصلابة بالصيغة التامة التي نختبرها بها؛ بيد أن الأبحاث السيكوفيزيقية الحديثة دحضت هذا التصور تماماً، مؤكدة أن الألوان، على سبيل المثال، ليست صفات متأصلة في الواقع الموضوعي، بل هي مجرد ترميزات داخلية تُنتجها الخلايا المخروطية في شبكية العين ومناطق المعالجة البصرية بالمخ للأطوال الموجية الكهرومغناطيسية المحدودة التي تستطيع عيوننا استقبالها.
في مقابل الواقعية الساذجة، تُطرح “الواقعية النقدية” (Critical Realism) كبديل سيكولوجي فلسفي يؤكد وجود واقع موضوعي مستقل عن وعينا، غير أن إدراكنا لهذا الواقع مشروط ومحدود بالبنية البيولوجية والإدراكية لنوعنا البشري. يمتلك الكائن البشري “نافذة إدراكية” بالغة الضيق؛ فنحن لا نلتقط الموجات تحت الحمراء، ولا نستشعر المجالات المغناطيسية، ولا نسمع الترددات فوق الصوتية التي تلتقطها كائنات أخرى تشاركنا الكوكب نفسه. هذا التباين الإدراكي بين الأنواع يبرهن على أن ما نعتبره واقعاً حقيقياً شاملاً ليس سوى قطاع بيولوجي مُنتقى بعناية عبر آليات التطور لخدمة التكيف والبقاء، وليس لإدراك الماهية المطلقة للمادة والكون.
علاوة على ذلك، تلعب العوامل النفسية الفردية مثل الدوافع، والانفعالات، والذكريات، والمخططات المعرفية السابقة (Cognitive Schemas) دوراً نشطاً في ترشيح وتأويل المعطيات الحسية الواردة. إننا لا نستقبل المحفزات البيئية استقبالاً سلبياً، بل نقوم بعملية إسقاط وتأويل مستمرة؛ فالإنسان يبني مشهده البصري عبر افتراضات مسبقة تملأ الفجوات الإدراكية، مما يجعل المسافة الفاصلة بين المثير البيئي الحقيقي والخبرة الشعورية الذاتية واسعة جداً، ويؤكد أن الإدراك الإنساني يمثل عملية إعادة بناء نشطة ومحرفة للواقع وليس مرآة عاكسة لواقع مطلق.
التحليل النفسي ومفهوم “الواقعي”: مقاربة جاك لاكان
قدم المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان في أطروحاته النظرية تمايزاً بالغ الدقة بين مصطلحي “الواقع” (Reality) و”الواقعي” (The Real / Le Réel)، مقدماً نموذجاً ثورياً يُعيد صياغة إشكالية الواقع المطلق في علم النفس. يمثل الواقع العادي لدى لاكان ذلك البناء الاجتماعي والرمزي الذي نتحرك في إطاره، وهو مبني عبر سجلين رئيسيين هما: السجل الخيالي (The Imaginary) المرتبط بتطابق الأنا والصور النرجسية، والسجل الرمزي (The Symbolic) القائم على منظومة اللغة والقوانين والتوافقات الثقافية التي تُؤطر العالم وتمنحه المعنى والديمومة.
أما “الواقعي” عند لاكان، فيقترب بشكل مدهش من مفهوم الواقع المطلق ولكن من زاوية مأساوية وصادمة؛ فالواقعي هو ما يفلت تماماً من كل تمثيل رمزي أو تخيلي، إنه المستحيل تجاوزه والمستحيل تسميته أو الإحاطة به عبر اللغة. يُعرف الواقعي بأنه البُعد المتبقي من الوجود الذي لا يقبل الاستيعاب في المنظومة الرمزية، وبالتالي فهو يظل يمارس ضغطاً خفياً وصادماً على الذات؛ إنه الواقع الخام غير المشذب، الذي إذا ما اقتحم وعي الإنسان فجأة وبلا وسائط رمزية، فإنه يُحدث تجربة رعب نفسي عميقة وتفككاً في بنية الأنا، وهو ما يتجلى في اللحظات الصدمية الكبرى (Trauma).
تُعلمنا التحليلات اللاكانية أن الإنسان يعيش في “واقع مُفبرك” يحميه من السقوط في هاوية “الواقعي” أو الواقع المطلق؛ إذ إن اللغة تعمل كدرع واقٍ يحجب عنا كثافة الوجود غير المعقولة. ومن ثم، فإن محاولة الإنسان للوصول إلى الحقيقة المطلقة من منظور لاكاني تنطوي على مفارقة وجودية مؤلمة: فالكائن البشري كائن ناطق ومُستلب داخل حقل الدال، وأي مسعى لاختراق الرمزية نحو الواقعي المطلق يؤدي بالضرورة إلى صدمة الانهيار النفسي، لأن المطلق في كليته يستعصي على البنية الهشة للذات المتكلمة.
العلوم العصبية الإدراكية ونظرية المعالجة التنبؤية
شهدت العلوم العصبية المعاصرة تحولاً جذرياً في فهم العلاقة بين الدماغ والواقع من خلال نظرية “المعالجة التنبؤية” (Predictive Processing) وفرضية “الدماغ البايزي” (Bayesian Brain)، والتي قاد تطويرها باحثون بارزون مثل كارل فريستون وآندي كلارك. ووفقاً لهذا الإطار، فإن الدماغ لا يعمل كمستقبل سلبي للمعلومات القادمة من الحواس عبر معالجة تصاعدية (Bottom-up Processing)، بل يعمل كمحرك تنبؤ نشط يعتمد على معالجة تنازلية (Top-down Processing)، حيث يُسقط باستمرار توقعات وتنبؤات حول العالم الخارجي، ولا يستخدم المدخلات الحسية إلا لتصحيح “أخطاء التنبؤ” (Prediction Errors).
يقود هذا النموذج العصبي إلى نتيجة فلسفية ونفسية مذهلة صاغها الباحث أنيل سيث في عبارته الشهيرة: “إن إدراكنا للعالم هو نوع من الهلوسة المُسيطر عليها (Controlled Hallucination)”. عندما يتفق الدماغ مع الواقع البيئي عبر نجاح تنبؤاته في تقليل الخطأ، نطلق على ذلك إدراكاً طبيعياً، لكن عندما تنفصل هذه الهلوسة الداخلية عن المعطيات البيئية، نطلق عليها اضطراباً نفسياً أو هلوسة سريرية. وبناءً على ذلك، فإن الدماغ البشري محبوس داخل صندوق الجمجمة المظلم، ولا يتعامل أبداً مع الواقع المطلق مباشرة، بل يُشيد محاكاة افتراضية شديدة الفعالية تُمكّنه من البقاء والملاحة داخل البيئة المادية والاجتماعية.
وفي سياق متصل، يقدم عالم الإدراك دونالد هوفمان فرضيته الصادمة المعروفة بـ “نظرية واجهة المستخدم للإدراك” (User Interface Theory of Perception)، مستنداً إلى النمذجة الرياضية لبيولوجيا التطور. يثبت هوفمان أن الانتقاء الطبيعي يُفضل دائماً استراتيجيات الإدراك التي تعزز صلاحية البقاء (Fitness) على حساب استراتيجيات الإدراك التي تستهدف كشف الحقيقة الموضوعية للواقع. يُشبه هوفمان إدراكنا البشري بواجهة سطح المكتب في الحاسوب؛ فالأيقونة الزرقاء أو الحمراء التي نراها على الشاشة لا تشبه الملايين من الدوائر الترانزستورية والجهود الكهربائية في المعالج الدقيق، لكنها واجهة بسيطة ومُصممة عمداً لإخفاء الواقع الحقيقي المعقد وتمكين المستخدم من تشغيل النظام بكفاءة؛ وبالمثل، فإن الزمان والمكان والمادة ليست الواقع المطلق، بل هي مجرد واجهة مستخدم بيولوجية تُخفي الحقيقة الموضوعية تماماً عنا.
علم النفس المرضي: تشظي العلاقة مع الواقع والذهان
تكتسب دراسة الواقع المطلق بعداً تطبيقياً حرجاً في مجال علم النفس المرضي (Psychopathology)، لا سيما عند فحص بنية الاضطرابات الذهانية واضطرابات الشخصية الفصامية، حيث تنكسر الحدود الفاصلة بين الواقع المشترك التوافقي (Consensual Reality) والعوالم الداخلية للمريض. في حالة الفصام (Schizophrenia)، يعاني المريض مما يُعرف بـ “اختبار الواقع المضطرب” (Impaired Reality Testing)؛ حيث تفقد المعايير المعرفية التي تميز بين المثيرات الداخلية والمثيرات البيئية فعاليتها، مما يجعل الأوهام والخيالات تحظى بيقين أنطولوجي مطلق لا يقل قوة وثباتاً عن يقين الأشخاص الأسوياء بوجود الأشياء المادية الملموسة.
تكشف ظاهرة “الهذيان الأولي” (Primary Delusion) عن زاوية بالغة الأهمية في فهم الواقع؛ إذ يشعر المريض الذهاني فجأة بأن العالم قد تغير جوهرياً، وأن هناك سراً خفياً أو حقيقة مطلقة وراء الظواهر العادية تكشفت له وحده. يصف المحللون النفسيون مثل كلاوس كونراد هذا التحول بأنه تجربة “أبوفانيا” (Apophany)، حيث تُفرغ الأشياء المألوفة من سياقها الدلالي وتتشبع بمعنى مطلق وخاص يغمر الذات؛ هذا الانكشاف ليس مجرد خطأ فكري، بل هو إعادة هيكلة جذرية للبناء الإدراكي بأكمله تُعبر عن فشل العقل في الحفاظ على الحاجز الوقائي بين النماذج التنبؤية الداخلية وتدفق المثيرات الغامضة.
كذلك تبرز اضطرابات الانفصال (Dissociative Disorders)، مثل اضطراب تبدد الشخصية واغتراب الواقع (Depersonalization/Derealization Disorder)، كدليل سيكولوجي ملموس على هشاشة إحساسنا بالواقعية. يختبر المريض هنا العالم كمسرح مصطنع، أو حلم ضبابي، أو فيلم سينمائي باهت الألوان يفتقر إلى الحيوية والحقيقة؛ يوضح هذا الاضطراب أن الإحساس بـ “حقيقة الواقع” ليس خاصية موضوعية للأشياء في ذاتها، بل هو شحنة انفعالية وتوليفة عصبية يضفيها الدماغ على مدركاتنا، فإذا ما تعطلت هذه المنظومة العصبية، ظل الإدراك الشكلي سليماً تماماً بينما يتبخر اليقين بوجود الواقع ومصداقيته.
علم النفس عبر الشخصي وتجارب الوعي المعدلة
في مقابل المقاربات المعرفية والعصبية التي ترى في الواقع المطلق أفقاً مستحيل البلوغ أو مجرد شفرة تطورية للبقاء، يطرح علم النفس عبر الشخصي (Transpersonal Psychology) برؤى رواده مثل أبراهام ماسلو وستانيسلاف غروف وكين ويلبر أفقاً مغايراً تماماً، مجادلاً بأن الإنسان قادر في ظل ظروف محددة على تجاوز قيود الأنا الفردية والاتصال المباشر بالواقع المطلق والوعي الكوني الشامل.
يستند هذا التيار إلى دراسة حالات الوعي المعدلة (Altered States of Consciousness)، والتي تشمل “خبرات الذروة” (Peak Experiences)، والتأمل الصوفي العميق، وحالات النشوة الروحية، والتجارب الناتجة عن تعاطي المواد المخدرة الموسعة للإدراك (Psychedelics) مثل السيلوسيبين وDMT. في هذه التجارب، يبلغ الأفراد عن تفكك كامل لشبكة الوضع الافتراضي في الدماغ (Default Mode Network – DMN)، وهي المنظومة العصبية المسؤولة عن بناء السردية الذاتية والفصل الحاد بين الذات والموضوع؛ وبانهيار هذا الحاجز، يختبر الفرد تجربة تمازج ووحدة صميمية مع الوجود الكلي، مترافقة مع يقين معرفي لا يتزعزع بأنه قد التقى وجهاً لوجه بالحقيقة المطلقة للوجود الخالص.
تتحدى هذه التجارب النموذج الاختزالي للمادية العلمية الكلاسيكية، وتثير تساؤلات ملحة في علم الأعصاب الإدراكي: هل هذا الشعور بالاتصال بالمطلق مجرد اختلال عصبي ناشئ عن اضطراب في الناقلات العصبية مثل السيروتونين والدوبامين؟ أم أن تعطيل نشاط شبكة الوضع الافتراضي يُسقط الفلاتر والمرشحات التكيفية التي تقمع بطبيعتها الوعي الأوسع، كاشفاً عن طبقات أعمق من الواقع كانت محجوبة لأغراض بيولوجية؟ ورغم الجدل الأكاديمي الحاد، فإن الأثر السريري والتحويلي العميق لهذه التجارب على بنية الشخصية، وتخفيف قلق الموت لدى مرضى السرطان، وعلاج الاكتئاب المقاوم، يبرهن على القوة الشفائية الهائلة التي يمتلكها الاتصال الذاتي بما يعتبره الفرد واقعاً مطلقاً.
المقارنة التحليلية: مستويات الواقع في الفكر النفسي والمعرفي
لتفكيك التداخل الشديد بين المفاهيم المرتبطة بمسألة الواقع، من الضروري إقامة تمييز مفاهيمي دقيق يوضح المستويات المتعددة التي يتعامل معها العقل البشري، كما هو مبين في النقاط المنهجية التالية:
- الواقع المطلق (Absolute Reality): الوجود الأنطولوجي المستقل كلياً، غير المشروط بأي مراقب أو أدوات رصد حسية، وهو أفق إبستمولوجي مفارق للخبرة الذاتية المباشرة.
- الواقع الفينومينولوجي (Phenomenological Reality): العالم كما يتبدى في الخبرة الشعورية المباشرة للذات متضمناً الألوان والأصوات والمشاعر دون تمحيص عقلي أو تنظير مسبق.
- الواقع التوافقي / الاجتماعي (Consensual Reality): مصفوفة المعايير والمفاهيم المشتركة بين أفراد المجتمع عبر اللغة والثقافة والرموز، والتي تحدد ما هو مقبول كـ “حقيقة” وما هو مستبعد كـ “وهم”.
- الواقع العصبي التنبئي (Predictive Neural Reality): النموذج والمحاكاة الحسابية المعقدة التي يشيدها الجهاز العصبي المركزي عبر معادلة أخطاء التنبؤ لضمان الفاعلية الحركية والتكيف الحيوي.
- الواقع الصادم / الواقعي اللاكاني (The Real): البقايا غير القابلة للترويض اللغوي التي تنفجر كصدمة نفسية عند انهيار الجدران الرمزية لحياة الفرد.
الأبعاد الوجودية والعيادية لمسألة الحقيقة والنسبية
في الممارسة العيادية والعلاج النفسي الوجودي، لا تقتصر مسألة الواقع المطلق على البعد الفلسفي النظري، بل تنعكس مباشرة في معضلات القلق، والمعنى، والعدمية. يرى رواد التحليل الوجودي مثل روللو ماي وفيكتور فرانكل وإرفين يالوم أن أحد الجذور العميقة للمعاناة الإنسانية هو الاصطدام الصادم بالهشاشة المعرفية؛ حيث يكتشف الإنسان المعاصر أن المنظومات القيمية والمعتقدات التي عاش في ظلها ليست حقائق مطلقة مكتوبة في نسيج الكون، بل هي أبنية بشرية مشروطة وقابلة للتداعي، مما يُولد “القلق الوجودي” تجاه عالم غير عقلاني وصامت.
يدفع هذا الوعي بنسبية الواقع بعض الأفراد نحو التصلب المعرفي والتعصب العقائدي؛ حيث يمثل التمسك المرضي بامتلاك “الحقيقة المطلقة” آلية دفاعية نفسية لا شعورية ضد رعب الفوضى وانعدام اليقين. إن الشخصية الدوغمائية تعاني في جوهرها من هشاشة داخلية تجعلها غير قادرة على احتمال الغموض الإدراكي، فتلجأ إلى بناء أسوار دوغمائية مصمتة تمنحها وهماً زائفاً بالأمان والاتصال بمرجعية مطلقة تحميها من عواصف الشك الوجودي والتفكك الذاتي.
وعلى النقيض من ذلك، فإن الهدف الجوهري للنضج النفسي في العديد من المدارس العلاجية الحديثة، مثل العلاج بالقبول والالتزام (ACT) والعلاج المعرفي القائم على اليقظة الذهنية (MBCT)، لا يتمثل في الوصول إلى الحقيقة المطلقة، بل في تنمية “المرونة النفسية” والقدرة على التخلي عن التشبث المتصلب بالأفكار بوصفها حقائق كلية. يتعلم العميل هنا معاملة أفكاره وتصوراته كنماذج عقلية عابرة وليست حقائق موضوعية مطلقة، مما يحرره من قبضة السرديات السلبية ويعيد توجيه طاقته النفسية نحو الفعل القيمي البناء داخل واقعه الإنساني المعاش.
خاتمة واستشراف إبستمولوجي
يتبين من خلال هذا الفحص المعمق أن مفهوم الواقع المطلق يظل يمثل التحدي المعرفي الأكثر إثارة وتأثيراً في بنية العلوم الإنسانية والنفسية. فبينما تقر الإبستمولوجيا النقدية والعلوم العصبية التنبؤية باستحالة النفاذ المباشر إلى جوهر الأشياء المجردة نظراً للطبيعة الوسيطة والترشيحية للجهاز العصبي والإدراكي، يظل النزوع البشري نحو المطلق محركاً جوهرياً للبحث العلمي والإبداع الفني والارتقاء الروحي؛ إذ لا يمكن للإنسان أن يستقر داخل نموذج إدراكي دون أن يتساءل عما يقع وراء حدوده، مشكلاً بذلك مفارقة وجودية خصبة تجمع بين قصورنا البيولوجي وطموحنا المعرفي اللانهائي.
المراجع
- Clark, A. (2016). Surfing uncertainty: Prediction, action, and the embodied mind. Oxford University Press.
- Friston, K. (2010). The free-energy principle: a unified brain theory?. Nature Reviews Neuroscience, 11(2), 127-138. https://doi.org/10.1038/nrn2787
- Grob, C. S., Danforth, A. L., Chopra, G. S., Hagerty, M., McKay, C. R., Halberstadt, A. L., & Greer, G. R. (2011). Pilot study of psilocybin treatment for anxiety in patients with advanced-stage cancer. Archives of General Psychiatry, 68(1), 71-78. https://doi.org/10.1001/archgenpsychiatry.2010.116
- Hoffman, D. D. (2019). The case against reality: Why evolution hid the truth from our eyes. W. W. Norton & Company.
- Kant, I. (1998). Critique of pure reason (P. Guyer & A. W. Wood, Eds. & Trans.). Cambridge University Press. (Original work published 1781).
- Lacan, J. (2006). Écrits: The first complete edition in English (B. Fink, Trans.). W. W. Norton & Company.
- Seth, A. (2021). Being you: A new science of consciousness. Dutton.
- Wilber, K. (2000). Integral psychology: Consciousness, spirit, psychology, therapy. Shambhala Publications.
- Yalom, I. D. (1980). Existential psychotherapy. Basic Books.
- فون غلازرسفيلد، إ. (2005). مدخل إلى البنائية الراديكالية. ترجمة: محمد سبيلا. دار توبقال للنشر.