القياس النفسيعلم النفس

دراسة القيم لأولبورت وفيرنون وليندزي: الدليل الأكاديمي الشامل للمقياس وتطبيقاته

استكشف دليلاً شاملاً لمقياس دراسة القيم لأولبورت وفيرنون وليندزي (SOV)؛ وتعرف على جذوره الفلسفية عند شبزانجر، أبعاده الستة، وخصائصه السيكومترية وتطبيقاته في علم النفس.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 26 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 26 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تُعد دراسة القيم لأولبورت وفيرنون وليندزي (Allport–Vernon–Lindzey Study of Values – SOV) واحدة من أكثر الأدوات السيكومترية تأثيراً ورسوخاً في تاريخ علم النفس الحديث؛ إذ أحدثت نقلة نوعية في دراسة الدوافع العميقة والموجهات الفكرية للشخصية الإنسانية عبر تقديم إطار تجريبي رصين يقيس تفضيلات الأفراد النسبية في مجالات الحياة المختلفة. لم يقتصر تأثير هذا المقياس على المختبرات الأكاديمية وميادين القياس النفسي، بل امتد ليكون ركيزة أساسية في مجالات الإرشاد المهني، والتطوير التنظيمي، وعلم النفس الاجتماعي لأكثر من نصف قرن. يستعرض هذا المقال الموسوعي التأصيل الفلسفي للمقياس، وبنيته المنهجية المعقدة، وخصائصه السيكومترية، والتحولات التاريخية التي مر بها، وصولاً إلى مكانته المعاصرة في تقييم الشخصية والقيم الإنسانية.

مدخل تعريفي: ماهية مقياس دراسة القيم وأهميته التاريخية في علم النفس

يمثل مقياس دراسة القيم لأولبورت وفيرنون وليندزي استبياناً سيكومترياً صُمم خصيصاً لقياس الأهمية النسبية لستة دوافع أو اهتمامات شخصية أساسية لدى الإنسان، وهي: النظري، والاقتصادي، والجمالي، والاجتماعي، والسياسي، والديني. وقد استند المقياس في تصميمه الأولي إلى فرضية مفادها أن شخصية الفرد تتشكل وتكتسب تميزها الوظيفي من خلال النظام الهرمي للقيم التي يتبناها، والتي تعمل كمرشحات معرفية ومنظمات سلوكية توجه طاقاته وتحدد قراراته الحياتية الكبرى.

نشأت هذه الأداة في سياق رغبة علماء النفس في تجاوز النماذج السلوكية الضيقة والاختبارات القائمة على قياس السمات السطحية فقط؛ إذ رأى رواد علم النفس الإنساني والمعرفي المبكر، وعلى رأسهم غوردون أولبورت، أن فهم الجوهر الحقيقي للشخصية يتطلب النفاذ إلى منظومة القيم والغايات القصوى التي يكرس الفرد حياته من أجلها. وعليه، فإن المقياس لا يقيس ما يفعله الفرد فحسب، بل يبحث في الأسباب الغائية الكامنة وراء اختياراته وتفضيلاته.

تميز المقياس منذ ظهوره بالاعتماد على منهجية القياس التنافسي الذاتي (Ipsative Measurement)، حيث يقيس القوة النسبية للقيم داخل الفرد الواحد بدلاً من قياسها ككميات مطلقة مقارنة بمجموعات معيارية خارجية منعزلة. هذا التوجه المنهجي جعل المقياس نموذجاً فريداً في تصوير الملف الشخصي القيمي المتكامل، وساهم في استخدامه الواسع كأداة تشخيصية وبحثية استمرت لعقود طويلة محتفظة ببريقها العلمي ومكانتها المرجعية في التراث النفسي الغربي والعالمي.

وقد أثبتت الدراسات التتبعية التي استمرت على مدى عقود أن المقياس يتمتع بقدرة تنبؤية فائقة بالمسارات المهنية والأكاديمية، بل وبالخيارات الشخصية مثل الأنشطة الترفيهية والانتماءات المجتمعية؛ مما جعل دراسة القيم مرجعاً لا غنى عنه لفهم التفاعل المعقد بين الفرد وبيئته الثقافية والاجتماعية من منظور ديناميكي شمولي.

الجذور الفلسفية والنظرية: تأثير إدوارد شبزانجر وفلسفة الأشكال الحياتية

تعود الجذور المعرفية لمقياس دراسة القيم مباشرة إلى أطروحات الفيلسوف وعالم النفس الألماني إدوارد شبزانجر (Eduard Spranger)، وتحديداً كتابه الكلاسيكي الصادر عام 1914 بعنوان “أنماط الرجال” (Lebensformen / Types of Men). كان شبزانجر ينتمي إلى المدرسة الفينومينولوجية والتأويلية التي تؤكد على أن دراسة العلوم الإنسانية لا يمكن أن تخضع لذات القواعد الميكانيكية للعلوم الطبيعية، بل يجب أن تركز على فهم المعنى والقصدية الإنسانية.

افترض شبزانجر وجود ستة أنماط مثالية (Ideal Types) أو توجهات قيمية تمثل طرقاً متميزة لإدراك العالم والتعامل معه. هذه الأنماط ليست تصنيفات جامدة للأشخاص بالمعنى الحرفي، بل هي بنيات نظرية مجردة لا يتطابق معها أي فرد تطابقاً كلياً، وإنما تتواجد داخل كل شخص بدرجات متفاوتة تتداخل لتشكل ملفه الوجداني والمعرفي الفريد:

  • النمط النظري (Theoretical): غايته الأساسية هي البحث الموضوعي عن الحقيقة عبر العقلانية والتفكير المنطقي والنسقي.
  • النمط الاقتصادي (Economic): يرى العالم من زاوية النفعية العملية والإنتاجية وتراكم الموارد وتطبيقاتها الملموسة.
  • النمط الجمالي (Aesthetic): يضع القيمة القصوى في التناغم الشكلي والجمال والتجربة الحسية والانفعالية الذاتية.
  • النمط الاجتماعي (Social): يتمحور حول إيثار الآخرين والتعاطف وحب البشر كأساس للعلاقات الإنسانية.
  • النمط السياسي (Political): يركز على القوة والنفوذ والقيادة والتأثير المباشر في حركة المجتمع والأفراد.
  • النمط الديني (Religious): يسعى وراء فهم الكل الشامل والكون والوحدة المطلقة والبحث عن المعنى الروحي والوجودي.

قام غوردون أولبورت وزميله فيليب فيرنون بنقل هذا البناء الفلسفي المجرد من الدوائر الفكرية الألمانية إلى ميدان الاختبارات السيكومترية الأنغلوساكسونية الصارمة. كان هذا التحويل عملاً ريادياً تطلب صياغة بنود تجريبية تمثل مواقف وسيناريوهات حياتية واقعية يمكن من خلالها رصد تفضيلات المستجيب، مما حول تنظيرات شبزانجر الفينومينولوجية إلى أداة إحصائية قابلة للقياس والتحليل الكمي دون إفراغها من عمقها المفاهيمي.

التطور التاريخي للمقياس: من التأسيس إلى التنقيحات المعاصرة

شهد مقياس دراسة القيم رحلة تطوير طويلة امتدت عبر أجيال من الباحثين، حيث نُشرت النسخة الأولى عام 1931 بتعاون بين غوردون أولبورت وفيليب إيوارت فيرنون (Philip E. Vernon). هدفت هذه الطبعة الأولى إلى سد الفجوة في أدوات قياس الشخصية التي كانت تركز آنذاك بشكل مفرط على الأعراض العصابية والقدرات العقلية البحتة، متجاهلة التوجهات القيمية الكبرى التي تحرك السلوك الإنساني السوي.

في عام 1951، انضم عالم النفس غاردنر ليندزي (Gardner Lindzey) إلى المشروع، وصدرت الطبعة الثانية التي حملت رسمياً اسم الباحثين الثلاثة، والتي تميزت بتحسينات سيكومترية جوهرية؛ حيث أُعيدت صياغة العديد من الأسئلة الغامضة، وحُدثت المعايير الإحصائية لتتلاءم مع التغيرات الثقافية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، كما تم تنقيح تعريف “القيمة الاجتماعية” ليركز بشكل أعمق على الحب والإيثار الإنساني الصادق بدلاً من مجرد التفاعل الاجتماعي السطحي.

توالت التحسينات بصدور الطبعة الثالثة عام 1960، والتي غدت واحدة من أكثر أدوات القياس استخداماً في الجامعات والمؤسسات الصناعية، حيث استُخدمت في مئات الأبحاث الطولية التي تتبعت تغير قيم الطلاب من الالتحاق بالجامعة وحتى التقاعد. وقد وثق أولبورت وزملاؤه معاملات صدق وثبات عالية عززت من ثقة الأوساط الأكاديمية في هذا المقياس لعقود طويلة.

ومع مطلع الألفية الجديدة، ونظراً لتقادم بعض المفردات اللغوية والمواقف التاريخية المذكورة في طبعة 1960، تولى الباحث ريتشارد كوبولا (Richard J. Kopelman) وزملاؤه مهمة تحديث المقياس بإصدار نسخته المعدلة عام 2003. تضمنت هذه المراجعة المعاصرة تحديث صياغة الأسئلة لتناسب البيئة اللغوية والثقافية للقرن الحادي والعشرين، وإزالة أي تحيزات جندرية أو تاريخية، مع الحفاظ الكامل على البنية العاملية الستية الأصلية، مما فتح الباب أمام استعادة المقياس لمكانته في دراسات القياس النفسي والإداري الحديثة.

البنية السيكومترية ومنهجية القياس: تصميم الأسئلة والقياس المقيد

تتألف البنية الهيكلية لمقياس دراسة القيم من جزأين رئيسيين يضمان في مجملهما 45 سؤالاً مصمماً بأسلوب الاختيار الإجباري أو التفضيل المقارن (Forced-Choice Format)، وهي آلية سيكومترية تهدف إلى محاكاة الطبيعة المعقدة للقرارات الحياتية اليومية التي يضطر فيها الفرد للمفاضلة بين قيم متنافسة في ظل محدودية الوقت والموارد:

  • الجزء الأول: يتكون من 30 موقفاً أو عبارة ذات خيارين ثنائيين، ويُطلب من المستجيب توزيع إجمالي ثلاث درجات بين الخيارين وفقاً لمدى اتفاقه معهما (مثلاً: 3-0 في حالة الاتفاق التام، أو 2-1 في حالة التفضيل الطفيف).
  • الجزء الثاني: يتكون من 15 موقفاً أو قضية يتبع كلاً منها أربعة بدائل تمثل أربعة توجهات قيمية مختلفة، ويُطلب من المستجيب ترتيب هذه البدائل تنازلياً من 1 إلى 4 حسب درجة اتفاقه وأولويته الشخصية (حيث تمنح الدرجة 4 للبديل الأكثر تفضيلاً، والدرجة 1 للبديل الأقل تفضيلاً).

يقود هذا التصميم الرياضي والمنهجي إلى ما يُعرف في القياس النفسي بالدرجات المقيدة أو الإبساتية (Ipsative Scores)، حيث يكون المجموع الكلي للدرجات لجميع القيم الست ثابتاً دائماً لكل مستجيب (عادة ما يساوي 240 درجة). بناءً على ذلك، لا يمكن أن يحصل الفرد على درجات مرتفعة في جميع القيم في آن واحد؛ فارتفاع درجة قيمة معينة يعني حتماً وبصورة رياضية انخفاض درجات قيمة أو أكثر من القيم الأخرى المقابلة.

تكمن الميزة الكبرى لهذا النهج في قدرته الفائقة على الحد من عيوب المرغوبية الاجتماعية (Social Desirability)؛ إذ لا يستطيع المفحوص تزييف إجاباته بالادعاء بأنه يتبنى كل الفضائل بنسب مطلقة. غير أن هذه الطبيعة التنافسية للدرجات تفرض قيوداً إحصائية ملحوظة، لا سيما في صعوبة إجراء تحليلات عامليّة كلاسيكية، أو مقارنة الدرجة الخام لفرد معين في قيمة ما مع شخص آخر بشكل مباشر دون مراعاة السياق العام لملفه القيمي الخاص.

التحليل التفصيلي للأبعاد الستة للقيم الإنسانية

يقدم مقياس دراسة القيم تشريحاً دقيقاً لستة محاور قيمية تمثل التوجهات الدافعة الأساسية في حياة الأفراد، وقد حدد مؤلفو المقياس الخصائص السلوكية والمعرفية المرتبطة بكل محور على النحو التالي:

1. القيمة النظرية (Theoretical Value)

ينصرف اهتمام صاحب القيمة النظرية العالية إلى الكشف التجريبي والنظري عن الحقيقة المجردة. يتبنى هذا الشخص موقفاً عقلانياً ونقدياً ونسقياً؛ فهو لا يكتفي بملاحظة الظواهر، بل يسعى إلى تفكيكها وتصنيفها والبحث عن القوانين المنطقية التي تحكمها. يتجلى هذا التوجه لدى العلماء والمفكرين والفلاسفة والأكاديميين الذين يفضلون المعرفة المنطقية ويسعون وراء الدليل الموضوعي، مبتعدين عن الأحكام الانفعالية أو المصالح النفعية الفورية.

2. القيمة الاقتصادية (Economic Value)

تتجذر القيمة الاقتصادية في الإعلاء من شأن ما هو مفيد وعملي ومربح مادياً. ينظر الفرد ذو التوجه الاقتصادي العالي إلى العالم الخارجي والبيئة المحيطة بوصفها موارد قابلة للتطويع والاستثمار لإنتاج الثروة وتحقيق الاستدامة المادية. يرتبط هذا التوجه برواد الأعمال والتنفيذيين ورجال التجارة؛ حيث يتم تقييم الأشياء والخدمات وفقاً لجدواها الاقتصادية ومردودها الملموس بدلاً من قيمتها الجمالية أو التأملية المجردة.

3. القيمة الجمالية (Aesthetic Value)

يمثل التوجه الجمالي البحث المستمر عن الشكل، والانسجام، والجماليات الفنية، والتعبير الإبداعي. يرى صاحب هذا النمط الحياة كسلسلة متتابعة من الأحداث والخبرات التي ينبغي تذوقها والاستمتاع بها انفعالياً وجمالياً. لا يشترط في الفرد الجمالي أن يكون فناناً أو مبدعاً بالمعنى الحرفي، بل إن نظرته الشاملة للأمور تتسم بالحساسية البصرية والتناغم ورفض القبح والفوضى، مفضلاً الخبرة الذاتية الفردية على التحليل المنطقي الجاف أو المنفعة الاقتصادية.

4. القيمة الاجتماعية (Social Value)

في صياغة أولبورت وفيرنون المنقحة، تعبر القيمة الاجتماعية حصرياً عن حب البشر والإيثار والتعاطف غير المشروط مع الآخرين. يُعد الفرد الذي ترتفع لديه هذه القيمة العطاء والمساعدة وخدمة المجتمع الغاية الأسمى للوجود الإنساني؛ فهو ينظر إلى الناس كغايات بحد ذاتها وليس كوسائل لتحقيق مصالح شخصية. يرتبط هذا البعد بالعاملين في مجالات الرعاية الاجتماعية، والتمريض، والإرشاد الإنساني، والعمل الخيري، حيث تحل المحبة والتضحية محل التنافس والصراع.

5. القيمة السياسية (Political Value)

لا تقتصر القيمة السياسية على العمل الحزبي أو ممارسة الحكم، بل تتسع لتشمل الاهتمام الأساسي بالقوة (Power)، والنفوذ، والمكانة الشخصية، والتأثير القيادي في الآخرين. يسعى الفرد الموجه سياسياً نحو اعتلاء المناصب القيادية، وتوجيه مسارات القرارات الجماعية، وترك أثر واضح في مجتمعه ومؤسسته. يتسم هؤلاء الأفراد بالثقة العالية بالنفس، والحسم، والقدرة على إدارة الصراعات وتوجيه الطاقات البشرية لتحقيق أهداف محددة.

6. القيمة الدينية (Religious Value)

تتمحور القيمة الدينية حول البحث عن المعنى الأسمى والوحدة الروحية الشاملة مع الكون والوجود الإلهي. يُصنف صاحب هذا التوجه بأنه شخص صوفي أو متأمل يسعى لفهم موضعه داخل هذا النظام الكوني الفسيح وتجاوز متطلبات الحياة المادية العابرة. تتعدد مظاهر هذا البعد؛ فقد تتخذ شكلاً عقائدياً ملتزماً بالطقوس المؤسسية، أو شكلاً تأملياً فلسفياً يتطلع إلى الطمأنينة الروحية والتوافق التام مع الخالق والكون ككل.

الفعالية السيكومترية: دراسات الثبات والصدق والتقنين الإحصائي

أخضعت الأوساط الأكاديمية مقياس دراسة القيم لتحليلات سيكومترية مكثفة على مدار عقود متتالية للتحقق من كفاءته القياسية. وقد أظهرت نتائج اختبارات إعادة التطبيق (Test-Retest Reliability) معاملات ثبات مرتفعة تراوحت عموماً بين 0.84 و0.93 عبر فترات زمنية قصيرة ومتوسطة، مما دل على أن التفضيلات القيمية تمثل تكوينات نفسية راسخة نسبياً ومستقرة في الشخصية وليست مجرد حالات وجدانية عابرة تتغير بين ليلة وضحاها.

أما على صعيد الاتساق الداخلي (Internal Consistency)، فقد تراوحت معاملات ألفا كرونباخ للأبعاد الستة بين 0.70 و0.85 في معظم الدراسات المعيارية، وهي نسب مقبولة جداً بالنظر إلى الطبيعة التنافسية الإبساتية للبنود. وقد أظهر بعدا القيمة الدينية والقيمة الاقتصادية أعلى مستويات الاتساق الداخلي تاريخياً، بينما تطلبت القيمة الاجتماعية جهوداً متكررة في التنقيح لضمان تمايزها الواضح عن القيم الأخرى كالقيمة الدينية والسياسية.

وفيما يخص الصدق التمييزي والصدق التنبؤي (Predictive and Discriminant Validity)، أثبت المقياس نجاحاً باهراً؛ حيث أظهرت الدراسات قدرته على التمييز بدقة إحصائية عالية بين التخصصات الأكاديمية والمهنية المختلفة: فقد سجل طلاب كليات العلوم والهندسة درجات متقدمة للغاية في القيمة النظرية، وتصدر طلاب كليات إدارة الأعمال القيمة الاقتصادية، بينما سجل طلاب الفنون والآداب درجات مرتفعة في القيمة الجمالية، وتميز طلاب اللاهوت والدراسات الدينية في القيمة الدينية.

كذلك أثبتت الدراسات المقارنة عبر الثقافات قدرة المقياس على رصد التحولات القيمية المجتمعية؛ كالتغيرات في قيم المرأة بدخولها لسوق العمل والقيادة السياسية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، مما أكد صدق المفهوم (Construct Validity) للأداة كمرآة تعكس ديناميات التفاعل بين البنية النفسية للفرد والمتغيرات السوسيولوجية العامة.

التطبيقات العملية والميدانية في الإرشاد والتنظيم والبحث الأكاديمي

حظي مقياس دراسة القيم برقعة واسعة من التطبيقات الميدانية التي تجاوزت حدود البحث السيكولوجي النظري، وكان من أبرزها:

  • الإرشاد المهني والأكاديمي (Vocational Guidance): اعتمد المستشارون التربويون على المقياس لمساعدة الطلاب على استكشاف ذواتهم واختيار المسارات الدراسية والمهنية المتناغمة مع بنائهم القيمي؛ حيث أثبتت التجارب أن التوافق بين قيم الفرد وطبيعة المهنة يقلل من نسب التسرب الأكاديمي والاحتراق الوظيفي.
  • علم النفس الصناعي والتنظيمي (I/O Psychology): استخدمت الشركات والمؤسسات المقياس في عمليات استقطاب القادة وتشكيل فرق العمل؛ إذ يساعد فهم التوجهات القيمية للموظفين على التنبؤ بمدى ملاءمتهم للثقافة التنظيمية (Person-Organization Fit)، وتصميم حوافز معنوية تتناسب مع دوافعهم الجوهرية.
  • أبحاث الشخصية والتطور الاجتماعي (Personality Research): وظف الباحثون المقياس في مئات الدراسات الطولية المقارنة لفحص كيفية تطور وتغير سلم القيم عبر مراحل العمر المختلفة، وتأثير الأزمات الاقتصادية والتحولات السياسية الكبرى على إعادة ترتيب أولويات الأجيال.
  • الإرشاد الزواجي والأسري: استخدم المقياس كأداة لتحديد مناطق التوافق أو النزاع القيمي المحتمل بين الشركاء؛ فالتباين الحاد في أولويات القيم (مثل ارتباط شخص ذي قيمة اقتصادية عالية جداً بشريك يضع القيمة الجمالية أو النظرية في القمة دون اعتبار للمال) يشكل مصدراً متكرراً لسوء الفهم العاطفي الذي يتطلب تدخلاً إرشادياً.

لقد قدمت هذه التطبيقات دليلاً عملياً على أن دراسة القيم لا تقتصر على التصنيف الأكاديمي، بل تمثل بوصلة توجيهية تمكّن الأفراد والمؤسسات من اتخاذ قرارات مصيرية تتسق مع الدوافع الأعمق للسلوك البشري.

القراءة النقدية والمقارنة مع النماذج المعاصرة لقياس القيم

على الرغم من النجاح التاريخي الهائل لمقياس SOV، إلا أنه واجه انتقادات منهجية ونظرية مع تصاعد التيارات السيكومترية الحديثة؛ وكان الانتقاد الأبرز موجهاً لطبيعة القياس المقيد (Ipsative)، والتي تجعل درجات الأبعاد معتمدة خطياً على بعضها البعض؛ مما يحرم الباحثين من القدرة على استخدام تقنيات إحصائية استنتاجية متقدمة مثل تحليل المسار ونمذجة المعادلات البنائية (SEM) بسهولة دون اللجوء إلى تحويلات رياضية معقدة.

من الناحية النظرية، رأى بعض النقاد أن الاقتصار على ست قيم فقط يعد اختزالاً مفرطاً للمنظومة القيمية الإنسانية الغنية؛ مما دفع علماء نفس لاحقين إلى اقتراح نماذج أكثر اتساعاً. من أشهر هذه النماذج مقياس ميلتون روكيتش للقيم (Rokeach Value Survey – RVS)، الذي ميز بين القيم الغائية (Terminal Values) مثل السلام والحرية، والقيم الوسيلية (Instrumental Values) مثل الأمانة والطموح.

كما برزت لاحقاً نظرية القيم الأساسية لعالم النفس شالوم شوارتز (Schwartz Theory of Basic Human Values)، والتي تقدم نموذجاً دائرياً يشتمل على عشر قيم كونية متداخلة تم اختبارها في أكثر من سبعين ثقافة حول العالم. وبالرغم من تفوق نموذج شوارتز في التكيف مع متطلبات القياس الإحصائي الحديث، إلا أن مقياس أولبورت-فيرنون-ليندزي احتفظ بجاذبيته البيداغوجية والعيادية نظراً لوضوحه المفاهيمي وقدرته على إعطاء توصيف نوعي فوري للشخصية المتكاملة بطريقة سهلة الفهم للمفحوصين والممارسين على حد سواء.

التحديات المنهجية وتطبيقات المقياس في السياقات الثقافية المتنوعة

واجه تطبيق مقياس دراسة القيم خارج البيئات الغربية تحديات تتعلق بالملاءمة الثقافية والمفاهيمية؛ فالأداة انبثقت في الأصل من سياق فكري أوروبي وأمريكي يعكس قيم الفردية والخيارات الحرة المتمايزة، في حين أن المجتمعات الجمعية قد تنظر إلى القيم كواجبات اجتماعية ومعايير امتثال جماعي وليست كتفضيلات ذاتية محضة تنبع من رغبات الأفراد المنعزلة.

وقد شكل بعد القيمة الدينية في المقياس أحد أكثر الأبعاد إثارة للجدل عند تعريبه وتطبيقه في البيئات العربية والإسلامية؛ فالتعريف الأصلي المستند إلى أطروحات شبزانجر يمزج بين التدين الروحي والتصوف الكوني العام والتأمل الفلسفي، بينما يتخذ التدين في السياق الإسلامي والعربي طابعاً شاملاً يتداخل فيه الاعتقاد الإيماني بالتشريع والسلوك المجتمعي والالتزام العملي اليومي، مما تطلب من الباحثين العرب إجراء تعديلات عميقة على صياغة البنود لاستيعاب مفهوم التدين الإسلامي بشكل موضوعي.

وعلى الرغم من هذه التحديات، فقد نجحت دراسات التعريب والتقنين (مثل دراسات مقياس القيم للشباب في البيئات العربية) في إثبات الصدق الظاهري وصدق البناء للمقياس بعد تكييفه سياقياً، مما يبرهن على أن جوهر التوجهات الستة يلامس أبعاداً إنسانية عابرة للحدود الجغرافية، شريطة الوعي بالخصوصيات الثقافية أثناء تفسير الدرجات والنتائج وتجنب إسقاط المعايير الغربية حرفياً على مجتمعات ذات خلفيات حضارية متباينة.

خاتمة واستشراف مستقبلي لمكانة المقياس في علم نفس الشخصية

في الختام، يظل مقياس دراسة القيم لأولبورت وفيرنون وليندزي علامة فارقة في مسيرة القياس النفسي وعلم نفس الشخصية؛ فبفضل رؤيته المتبصرة التي جمعت بين رصانة الفلسفة التأويلية وإحكام التجريبية السيكومترية، فتح المقياس آفاقاً واسعة أمام فهم الطبيعة البشرية من خلال ما يقدره الإنسان ويبجله في حياته، متجاوزاً بذلك المفهوم الاختزالي للشخصية كمجرد مجموعة من السمات الساكنة.

إن استمرار تطبيق هذا المقياس حتى يومنا هذا، بعد تحديثاته المستمرة وملاءمته الرقمية، يعكس متانة المنطلقات الفكرية لشبزانجر والجهد المنهجي الفائق لأولبورت وفيرنون وليندزي. يذكرنا هذا النموذج دائماً بأن السلوك البشري ليس مجرد استجابات آلية للمثيرات البيئية أو دوافع غريزية مكبوتة، بل هو سعي هادف وواعٍ نحو تحقيق منظومة من القيم الرفيعة التي تمنح الحياة الإنسانية معناها واتساقها وجمالها المتفرد.

المراجع

  • Allport, G. W., Vernon, P. E., & Lindzey, G. (1960). A Study of Values: A scale for measuring the dominant interests in personality (3rd ed.). Houghton Mifflin.
  • Allport, G. W. (1937). Personality: A psychological interpretation. Henry Holt and Company.
  • Kopelman, R. E., Rovenpor, J. L., & Guan, M. (2003). The Study of Values: Construction of the fourth edition. Journal of Vocational Behavior, 62(2), 203–220. https://doi.org/10.1016/S0001-8791(02)00048-0
  • Rokeach, M. (1973). The nature of human values. Free Press.
  • Schwartz, S. H. (1992). Universals in the content and structure of values: Theoretical advances and empirical tests in 20 countries. In M. P. Zanna (Ed.), Advances in experimental social psychology (Vol. 25, pp. 1–65). Academic Press. https://doi.org/10.1016/S0065-2601(08)60281-6
  • Spranger, E. (1928). Types of men: The psychology and ethics of personality (P. J. W. Pigors, Trans.). Max Niemeyer Verlag. (Original work published 1914).
  • Vernon, P. E., & Allport, G. W. (1931). A test for personal values. The Journal of Abnormal and Social Psychology, 26(3), 231–248. https://doi.org/10.1037/h0073055

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 26). دراسة القيم لأولبورت وفيرنون وليندزي: الدليل الأكاديمي الشامل للمقياس وتطبيقاته. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/allport-vernon-lindzey-study-of-values-sov/
looti, Mohammed. “دراسة القيم لأولبورت وفيرنون وليندزي: الدليل الأكاديمي الشامل للمقياس وتطبيقاته.” عرب سايكلوجي, 26 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/allport-vernon-lindzey-study-of-values-sov/.
looti, Mohammed. “دراسة القيم لأولبورت وفيرنون وليندزي: الدليل الأكاديمي الشامل للمقياس وتطبيقاته.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 26, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/allport-vernon-lindzey-study-of-values-sov/.