تُشكّل قيم الكينونة (B-Values أو Being-Values) واحدة من أرقى المفاهيم التأسيسية التي صاغها عالم النفس الأمريكي الشهير أبراهام ماسلو ضمن إطار علم النفس الإنساني والدافعية العليا. تُعبّر هذه القيم عن الغايات الوجودية الجوهرية والصفات المتعالية التي ينشدها الأفراد الذين بلغوا مرحلة تحقيق الذات، حيث تتجاوز دوافعهم مجرد سد النقص الفسيولوجي أو النفسي اليومي إلى الانغماس في معانٍ مطلقة كالحقيقة والخير والجمال. إن دراسة قيم الكينونة تمثل نقطة تحول جذرية في تاريخ الفكر السيكولوجي، إذ نقلت بؤرة الاهتمام من التركيز على الاضطرابات والقصور العصابي إلى دراسة أقصى إمكانات الارتقاء البشري والنمو الإيجابي للشخصية.
السياق الفكري والتاريخي لنشوء قيم الكينونة
انبثق مفهوم قيم الكينونة من رغبة ماسلو العميقة في تأسيس “قوة ثالثة” في علم النفس تقف نداً قوياً لكل من المدرسة التحليلية النفسية الفرويدية، التي رأى أنها ركّزت بإفراط على المرض والصراع اللاشعوري والانحرافات النفسية، والمدرسة السلوكية التي اختزلت الإنسان في مجرد آلة استجابة ميكانيكية للمثيرات البيئية الخاضعة للاشراط. شعر ماسلو أن كلا الاتجاهين أهمل الجوانب الإيجابية المضيئة في الطبيعة الإنسانية، مثل الإبداع، والإيثار، والتسامي، والبحث عن المعنى، الأمر الذي قاده إلى دراسة عينة من الأفراد الأكثر نضجاً وإنجازاً وصحة نفسية في التاريخ البشري، بغية استكشاف خصائصهم البنائية والدوافع التي تحركهم.
خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين، ومع تطور نظرية التدرج الهرمي للحاجات، أدرك ماسلو أن هرم الحاجات التقليدي (الذي يتدرج من الحاجات الفسيولوجية، مروراً بالأمان، والانتماء، وصولاً إلى تقدير الذات) لا يفسر بشكل كامل سلوك الأشخاص الذين أشبعوا بالفعل هذه الحاجات الأساسية. تبيّن له أن هؤلاء الأفراد لا يعيشون في حالة خمول أو ركود دافعي، بل تنبثق لديهم منظومة جديدة كلياً من الدوافع أطلق عليها اسم “الدوافع العليا” (Metamotivations). هذه الدوافع لا تستند إلى التخلص من توتر ناتج عن حرمان، بل تستند إلى رغبة وجودية في التماهي مع قيم مطلقة أطلق عليها “قيم الكينونة”، لتصبح هذه القيم محور النشاط النفسي والروحي للإنسان المكتمل نمائياً.
لم يكن هذا الطرح مجرد تنظير فلسفي مجرد، بل كان مدعوماً بملاحظات إكلينيكية ودراسات نوعية استمرت لسنوات، تتبع فيها ماسلو سير شخصيات تاريخية ومعاصرة فذة مثل ألبرت أينشتاين، وإليانور روزفلت، وباروخ سبينوزا. وقد خلص إلى أن هؤلاء الأفراد يشتركون في إدراك موحد للعالم، تحكمه قيم تتجاوز الأنانية الضيقة، وتتصل اتساماً عضوياً بما أسماه “علم نفس الكينونة” (Being-Psychology)، الذي يدرس الوجود الإنساني في أبهى تجلياته، بعيداً عن مفردات العجز والافتقار التي صبغت السيكولوجيا الكلاسيكية لعقود طويلة.
الأسس النظرية: التمييز بين دوافع النقص ودوافع الكينونة
يرتكز الفهم المعمق لقيم الكينونة على التفرقة الجوهرية التي أقامها ماسلو بين نمطين رئيسيين من الدوافع الإنسانية: دوافع النقص أو العوز (Deficiency Motives أو D-Motives)، ودوافع الكينونة أو النمو (Being Motives أو B-Motives). ترتبط دوافع النقص بالحاجات الفسيولوجية والنفسية الأساسية التي يشعر الفرد تجاهها بافتقار حاد، مثل الجوع، أو الخوف، أو الرغبة في القبول الاجتماعي، وتكون السمة الغالبة على سلوك الفرد حينها هي السعي نحو خفض التوتر واستعادة التوازن البيولوجي والنفسي الداخلي. في هذا النمط، تُرى الأشياء والموضوعات والأشخاص الخارجيين بوصفهم أدوات لإشباع هذا العوز الشخصي فقط، مما يجعل الإدراك نفعياً ونزعياً ومقيداً بالحاجة المباشرة.
في المقابل، تمثل دوافع الكينونة مستوى متقدماً لا يهدف إلى إزالة النقص، بل يسعى إلى إثراء الخبرة الذاتية والتعبير عن الطاقات الكامنة، حيث لا يكون الهدف غاية خارجية بل هو النشاط ذاته وقيمته الذاتية الكامنة فيه. يُطلق على الإدراك المرتبط بهذا المستوى “إدراك الكينونة” (B-Cognition)، وهو نمط من الإدراك المتأمل غير النفعي، الذي يعاين الموضوعات والأشخاص والكون بذاتها دون إسقاط رغبات ذاتية أو أغراض نفعية عليها. يرى الفرد هنا الواقع بموضوعية فائقة، ودون تشويه ناجم عن القلق أو الرغبة في التملك، مما يمهد الطريق للاتصال المباشر بقيم الكينونة والتمتع بها كغايات نهائية لا كوسائل لبلوغ أهداف أخرى.
يترتب على هذا التمييز تباين جذري في طبيعة الحب والعلاقات؛ إذ فرّق ماسلو بين “حب النقص” (D-Love)، وهو حب قائم على الاستهلاك العاطفي واستغلال الآخر لملء الفراغ الذاتي، وبين “حب الكينونة” (B-Love)، وهو حب غير أناني، يُعجب بالآخر ويقدره كما هو في كينونته الفريدة، دون رغبة في تغييره أو استغلاله. إن قيم الكينونة تعمل كمحرك وموجه لهذا المستوى الراقي من الوعي، حيث يتماهى الفرد مع العالم ويصبح جزءاً من نسيج الحقيقة والجمال المطلقين، بدلاً من الانعزال داخل شرنقة الدوافع الدفاعية أو التعويضية.
قائمة قيم الكينونة وتصنيفاتها البنائية
حدد ماسلو مجموعة من القيم الجوهرية المتكاملة التي تشكل في مجموعها نسيج “قيم الكينونة”، مؤكداً أن هذه القيم ليست منفصلة تماماً عن بعضها البعض في الواقع المعاش، بل تتداخل وتترابط ترابطاً عضوياً بحيث تدل كل قيمة منها على بقية القيم في بنيتها العميقة. تشمل هذه المنظومة القيمية النقاط الآتية:
- الحقيقة (Truth): وتتمثل في النزاهة الفكرية، والوضوح، والواقعية، ورفض التزييف والمداهنة، وإدراك الواقع كما هو دون أقنعة أو أوهام إسقاطية.
- الخير (Goodness): ويعني الاستقامة الأخلاقية، والإيثار الأصيل، والتصرف انطلاقاً من محبة عميقة للكون والكائنات دون طلب لمكافأة أو خوف من عقاب.
- الجمال (Beauty): ويتجلى في التناسق، والتألق الحسي والروحي، والابتهاج بالنظام التعبيري للأشياء، والقدرة على تذوق البهاء الكامن في الطبيعة والفن والروح الإنسانية.
- الوحدة والكلية (Wholeness / Unity): وتتضمن إدراك الترابط العضوي بين عناصر الوجود، والتوجه نحو التكامل النفسي الداخلي، ورفض التجزئة والتشتت في فهم الظواهر.
- الحيوية والحركية (Aliveness / Vitality): وهي التدفق التلقائي للنشاط، والتمتع بالطاقة الحيوية والقدرة على التجدد المستمر ومقاومة الجمود والتبلد العاطفي.
- التفرد (Uniqueness): ويقصد به تقدير الخصوصية الفردية والأصالة التامة لكل كائن وحادثة، والابتعاد عن التنميط والتقليد الأعمى.
- الكمال والضرورة (Perfection & Necessity): ويعني إدراك أن الأشياء تسير وفق نظام متقن وأن كل تفصيلة في الوجود لها مغزاها التكويني المناسب، ومقاومة العشوائية الزائفة.
- الاكتمال والإنجاز (Completion / Finality): وهو النزوع نحو إتمام الأمور وبلوغ نهاياتها الطبيعية العادلة، والراحة العميقة عند إغلاق الدوائر النفسية والمادية.
- العدالة والنظام (Justice & Order): وتتجلى في الإنصاف الشامل، وسيادة القانون القيمي، وبغض الظلم، والرغبة في استتباب النظام المعنوي والكوني.
- البساطة (Simplicity): وتعني التحرر من التعقيد الزائف، والصدق المباشر، والتركيز على الجوهر دون التشتت في المظاهر الزخرفية السطحية.
- الثراء والوفرة (Richness / Totality): ويشير إلى اتساع الأفق الداخلي، وتعقد البنية النفسية الخصبة القادرة على احتواء التناقضات واستيعاب تنوع الحياة.
- السهولة واليسر (Effortlessness): وهي الأداء السلس الخالي من التكلف أو التشنج، حيث يبدو الإبداع والإنجاز كأنه فيض طبيعي وسهل للشخصية المتكاملة.
- المرح والبهجة (Playfulness): وهو التمتع بروح الفكاهة الرفيعة والبهجة الخالصة والابتهاج باللعب والحرية الإبداعية المتجاوزة للجدية الصارمة الجافة.
- الاكتفاء الذاتي والاستقلال (Self-Sufficiency): ويعني الاستقلال عن الضغوط البيئية والاجتماعية غير العقلانية، والاعتماد على مركز تقييم داخلي راسخ وثابت.
قيم الكينونة والخبرات الذروية (Peak Experiences)
ترتبط قيم الكينونة ارتباطاً وثيقاً بظاهرة خبرة الذروة (Peak Experience)، وهي لحظات استثنائية من الوعي المتعالي، يعيش فيها الإنسان حالة من النشوة والانخطاف والخشوع الداخلي العميق، حيث يبدو العالم فيها ككل متناغم وكامل. خلال هذه اللحظات الذروية، تتكشف قيم الكينونة للفرد ليس كمفاهيم نظرية مجردة، بل كحقائق وجودية حية وملموسة يعاينها ويتحد معها مباشرة. في الخبرة الذروية، يتلاشى الإحساس بالزمن والمكان، وتنكسر الحواجز النفسية بين الذات وموضوع التأمل، مما يولد يقيناً عميقاً بقيمة الحياة ومعناها الجوهري.
بيّن ماسلو أن اختبار خبرات الذروة يتيح للفرد معاينة قيم الكينونة بشكل نقي ومتحرر من شوائب المنفعة؛ فالجمال يُرى في أقصى صفائه، والحقيقة تبدو جلية لا غبار عليها، والعدالة تبدو المبدأ الطبيعي الذي ينظم حركة الوجود. تؤدي هذه المعاينة إلى إحداث تحول نوعي مستديم في بنية الشخصية، حيث يعود الفرد من خبرة الذروة برؤية جديدة للعالم خالية من القلق التافه والمخاوف العصابية، معززاً بقدرة أكبر على التسامح والعطاء والحب غير المشروط، ومحتمياً بدرع قيمي متين ضد الإحباطات اليومية وضغوط الواقع المادي المعقد.
علاوة على ذلك، وسّع ماسلو هذا المفهوم لاحقاً ليشمل ما سماه “خبرات الهضبة” (Plateau Experiences)، وهي حالة من الوعي القيمي الهادئ والمستقر، حيث يعيش الفرد في حضور دائم لقيم الكينونة دون الحاجة إلى النشوة الانفعالية الجارفة التي تصاحب خبرة الذروة المباغتة. تصبح قيم الكينونة في هذا المستوى المتقدم بمثابة المناخ النفسي العام الذي يتنفسه الإنسان يومياً، بحيث يرى الإعجاز في أبسط تفاصيل الحياة، ويحافظ على حالة دائمة من الامتنان والشكر والشعور بالقداسة تجاه الوجود، وهو ما يمثل ذروة النضج السيكولوجي والروحي في النموذج الإنساني.
أمراض الحرمان القيمي (Metapathologies)
من أهم الإسهامات التي قدمها ماسلو في سياق تنظيره لقيم الكينونة هو فرضه القائل بأن هذه القيم ليست خيارات كمالية أو ترفاً فلسفياً يستغني عنه الإنسان دون عواقب، بل هي حاجات نفسية عليا بيولوجية الأساس تكوينياً (Instinctoid). بناءً على ذلك، فإن حرمان الفرد من هذه القيم يؤدي حتماً إلى نشوء اعتلالات وأمراض نفسية خاصة، أطلق عليها ماسلو اسم “أمراض الحرمان القيمي” أو “الأمراض الفوقية” (Metapathologies). هذه الاضطرابات لا تنجم عن صدمات الطفولة أو كبت الغرائز الجنسية كما تقرر مدارس التحليل النفسي التقليدية، بل تنبع مباشرة من العيش في بيئة تفتقر إلى المعنى والصدق والعدالة والجمال.
تتعدد مظاهر أمراض الحرمان القيمي تبعاً لطبيعة القيمة الغائبة أو المشوهة في حياة الفرد ومحيطه؛ فعندما يُحرم الإنسان من قيمة “الحقيقة”، ويتعرض لبيئة تسودها الأكاذيب والتضليل الإعلامي أو الاجتماعي، يصاب بحالة من الشكوكية المرضية، وفقدان الثقة، والبارانويا، والسخرية الهدامة (Cynicism). وحين يُحرم من قيمة “الجمال” ويُحاصر بالقبح والتلوث والابتذال البصري والبيئي، يعاني من مشاعر الاكتئاب والضيق الحسي وفقدان الحماس والفتور الروحي. كذلك يؤدي غياب قيمة “العدالة” في المجتمع وانتشار المحسوبية والظلم إلى توليد مشاعر الغضب العاجز، واليأس، والتمرد العدمي، وانعدام الأمان القيمي والاجتماعي.
تؤدي هذه الأمراض في مجملها إلى حالة واسعة الانتشار في المجتمعات الحديثة تُعرف باسم “الاغتراب الوجودي”، والخواء الداخلي، واللاجدوى والملل المزمن (Anomie). ورأى ماسلو أن الكثير من حالات الاكتئاب والتمرد والسلوكيات الإدمانية في العصر الحديث ليست سوى صرخات احتجاج غير واعية ضد غياب قيم الكينونة في النظم الاجتماعية والتربوية والاقتصادية السائدة. من هنا، فإن علاج هذه الأمراض لا يتم بالعقاقير الطبية أو بالتحليل التقليدي وحده، بل يتطلب علاجاً قيمياً وجودياً يستعيد من خلاله الفرد اتصاله بمصادر الحقيقة والخير والجمال في حياته اليومية.
التقاطعات المنهجية: قيمة B في القياس النفسي ونظرية الاستجابة للمفردة
على الرغم من أن مصطلح “قيمة B” يرتبط في المقام الأول بنظرية ماسلو الإنسانية، إلا أن له دلالة علمية مركزية أخرى في حقل القياس النفسي (Psychometrics)، وتحديداً ضمن نظرية الاستجابة للمفردة (Item Response Theory – IRT). في هذا الإطار المنهجي الإحصائي، يرمز الرمز ($b$) إلى “معلمة صعوبة المفردة” (Item Difficulty Parameter أو $b$-value)، وهو مؤشر كمي يحدد موقع المفردة أو السؤال على متصل السمة الكامنة المقاسة، مثل الذكاء، أو القلق، أو التحصيل الأكاديمي.
تُعرّف قيمة $b$ في النماذج اللوجستية (مثل نموذج راش أحادي المعلمة أو النماذج ثنائية وثلاثية المعلمات) بأنها مستوى قدرة المفحوص أو السمة الكامنة ($ heta$) التي يكون عندها احتمال الإجابة الصحيحة أو الإيجابية عن المفردة مساوياً تماماً لـ 0.50 (أي 50%). كلما ارتفعت قيمة$b$ عددياً (على مقياس يمتد غالباً من -3.00 إلى +3.00 وحدة معيارية / لوجيت)، دل ذلك على أن المفردة صعبة للغاية وتتطلب مستوى عالياً جداً من السمة الكامنة لدى الفرد ليتمكن من اجتيازها أو الموافقة عليها، في حين تشير القيم المنخفضة أو السالبة إلى مفردات سهلة يجيب عنها معظم الأفراد بنجاح.
تتجلى الأهمية البالغة لمعلمة الصعوبة هذه في تطوير الاختبارات النفسية المقننة والاختبارات التكيفية المحوسبة (Computerized Adaptive Testing – CAT). فمن خلال معرفة قيمة $b$ الدقيقة لكل مفردة في بنك الأسئلة، يستطيع النظام البرمجي توجيه مفردات تتناسب تماماً مع المستوى المقدر لقدرة المفحوص، مما يرفع من دقة القياس ويقلل من خطأ القياس المعياري إلى أدنى حد ممكن. ورغم الاختلاف التام في الطبيعة المعرفية بين الاستخدام الإنساني لماسلو والاستخدام السيكومتري الإحصائي، فإن كلاً من المفهومين يشترك في محاولة استكشاف وتحديد أقصى أبعاد الأداء والسلوك البشري بدقة ورصانة.
التطبيقات المعاصرة في الإرشاد النفسي والتنمية التنظيمية
أثبتت منظومة قيم الكينونة فاعلية استثنائية عند تطبيقها في ميادين الإرشاد النفسي والعلاج الوجودي والإنساني المعاصر. يستخدم المرشدون النفسيون هذه المنظومة كبوصلة لتشخيص مواطن الخلل في المعنى لدى العملاء الذين يعانون من الصراعات الوجودية وأزمات منتصف العمر وفقدان الهدف. من خلال مساعدة المسترشد على استكشاف مدى حضور قيم الحقيقة والجمال والتفرد في مسار حياته، يمكن إعادة بناء دافعيته نحو النمو الشخصي بدلاً من البقاء أسيراً للآليات الدفاعية السلبية، مما يسرع من عمليات الشفاء النفسي والوصول إلى تحقيق الذات.
وفي مجال السلوك التنظيمي وإدارة الموارد البشرية، ألهمت أفكار ماسلو حول قيم الكينونة حركة “الإدارة التنويرية” (Eupsychian Management)؛ حيث تسعى المنظمات الحديثة الرائدة إلى خلق بيئات عمل تتجاوز الحوافز المادية التقليدية (التي تخاطب دوافع النقص فقط) لتخلق مناخاً تنظيمياً يشبع قيم الكينونة لدى الموظفين. يشمل ذلك إرساء مبادئ الشفافية التامة (الحقيقة)، وإتاحة الفرص للإبداع والابتكار (التفرد والحرية)، والاهتمام بجماليات بيئة العمل المادية والمعنوية (الجمال والنظام)، وضمان العدالة في الترقيات والأجور (العدالة)، الأمر الذي يقود إلى مستويات غير مسبوقة من الرضا الوظيفي والولاء والإنتاجية العالية.
كذلك تتبنى النظم التربوية والتعليمية المتقدمة مفاهيم قيم الكينونة لإصلاح المناهج وطرائق التدريس؛ إذ يُنظر إلى الطالب ليس كوعاء فارغ يجب حشوه بالمعلومات لاجتياز الاختبارات (دافع نقص)، بل ككينونة فريدة تمتلك رغبة فطرية في اكتشاف الحقيقة وتذوق الجمال وممارسة التفكير النقدي المستقل. إن دمج هذه القيم في الفلسفة التربوية يسهم في تنشئة أجيال تتمتع بالاستقلال الفكري والمناعة النفسية والوعي الأخلاقي الرفيع، مما يقي المجتمعات من الانزلاق نحو المادية المفرطة والنزعات الاستهلاكية المدمرة للروح الإنسانية.
خاتمة
تمثل قيم الكينونة حجر الزاوية في الفهم الإنساني المتقدم للدافعية والنمو البشري السوي، مقدمةً رؤية متفائلة وعميقة لقدرة الإنسان على التسامي وتجاوز حدود حاجاته البيولوجية والنفسية الأولية نحو آفاق المعنى المطلق. ومن خلال تمييزها الدقيق بين دوافع العوز ودوافع النماء، وتحذيرها من أمراض الحرمان القيمي التي تعصف بالمجتمعات المعاصرة، تظل هذه المنظومة نموذجاً إرشادياً رفيعاً للباحثين والممارسين في مجالات الصحة النفسية والتربية والقياس. إن إحياء الاتصال بقيم الكينونة كالحقيقة والخير والجمال لا يمثل فقط سبيلاً لتحقيق الذات الفردية، بل هو شرط لا غنى عنه لارتقاء الحضارة الإنسانية واستعادة التوازن الوجودي المفقود في عالم اليوم.
المراجع
- مازلو، أبراهام. (1998). نحو سيكولوجية كينونة (ترجمة كامل حسين الرشيدي). دار المعارف.
- مازلو، أبراهام. (2007). الدافعية والشخصية (ترجمة صالح حزين). دار عالم الفكر.
- عويضة، كامل محمد. (1996). علم النفس الإنساني وتطبيقاته التربوية. دار الكتب العلمية.
- Maslow, A. H. (1968). Toward a psychology of being (2nd ed.). Van Nostrand Reinhold.
- Maslow, A. H. (1970). Religions, values, and peak-experiences. Penguin Books.
- Maslow, A. H. (1971). The farther reaches of human nature. Viking Press.
- Embretson, S. E., & Reise, S. P. (2000). Item response theory for psychologists. Lawrence Erlbaum Associates Publishers.
- Hoffman, E. (1988). The right to be human: A biography of Abraham Maslow. Jeremy P. Tarcher, Inc.
- van der Linden, W. J., & Hambleton, R. K. (Eds.). (1997). Handbook of modern item response theory. Springer-Verlag.