يمثل علم نفس الكينونة (Being-Psychology) إحدى أعمق النقلات الإبستيمولوجية في تاريخ العلوم السلوكية، إذ ينقل بؤرة الاهتمام من دراسة الدوافع الناتجة عن العوز والحرمان إلى استكشاف الوجود الإنساني في أسمى حالات اكتماله ونضجه. لقد صاغ عالم النفس الأمريكي أبراهام ماسلو هذا المنظور ليكون الأساس الفلسفي والتجريبي لما يُعرف بـ “القوة الثالثة” في علم النفس، متجاوزاً بذلك الحتمية البيولوجية والغرائزية للمدرسة التحليلية، والنزعة الميكانيكية السلوكية الخاضعة للاشتراط الخارجي. يرتكز هذا الاتجاه على مسلمة جوهرية تفيد بأن الوجود الإنساني الأصيل لا يمكن فهمه حق الفهم من خلال رصد الاضطرابات والعلل وحدها، بل يتطلب غوصاً منهجياً في إمكانات الارتقاء، والتسامي بالذات، وتجليات الخبرة الإنسانية الخالصة.
السياق التاريخي والفكري لنشوء علم نفس الكينونة
نشأ علم نفس الكينونة في منتصف القرن العشرين استجابةً لأزمة إبستيمولوجية وميثودولوجية عصفت بالعلوم الإنسانية، حيث هيمنت رؤيتان رئيستان على المشهد السيكولوجي؛ الرؤية التحليلية النفسية الكلاسيكية بزعامة سيغموند فرويد، والتي اختزلت الكائن البشري في صراعات لاواعية محكومة بنوازع الغريزة وكبت الطفولة، والمدرسة السلوكية بزعامة جون واطسون وبي إف سكينر، والتي تعاملت مع الإنسان بوصفه صندوقاً أسود يستجيب آلياً للمثيرات البيئية من دون اعتبار للوعي أو الإرادة الحرة. رأى ماسلو ومعاصروه من رواد علم النفس الإنساني أن كلا النموذجين يعانيان من عجز هيكلي في تفسير الأبعاد الأكثر رفعة في الشخصية الإنسانية، مثل الإيثار، والإبداع، وتذوق الجمال، والبحث عن المعنى، والتضحية في سبيل القيم العليا.
تأثر هذا المنظور الجديد بالمدارس الفلسفية الأوروبية، لا سيما الوجودية والظاهراتية (الفينومينولوجيا)، حيث تبنى ماسلو فكرة أن الإنسان ليس مجرد كيان ساكن يُدفع من الخلف بحتميات ماضيه، بل هو مشروع دائم التشكل والتحقق، يتجه نحو الأمام مدفوعاً بغايات وقيم مستقبلية. استلهم ماسلو أطروحات فلاسفة مثل مارتن هايدغر وسورين كيركغور في تأكيدهما على مفهوم “الوجود-في-العالم” وأهمية الأصالة الإنسانية، إلا أنه جرد الوجودية من مسحتها التشاؤمية ونزعتها العدمية، مطعماً إياها بنزعة تفاؤلية عضوية تؤمن بالإمكانات البيولوجية التطورية الكامنة في الطبيعة الإنسانية السوية. ومن هذا التمازج بين الفلسفة الوجودية والملاحظة الإكلينيكية، تبلور مفهوم “الكينونة” كحالة وجودية تصف الذات حين تتحرر من القلق العصابي وتتحرك في فضاء الحرية والنمو الخالص.
توج ماسلو هذه الصياغة في كتابه التأسيسي الرائد الصادر عام 1962 بعنوان نحو سيكولوجية للكينونة (Toward a Psychology of Being)، والذي أعلن فيه بوضوح أن دراسة العينات العصابية أو السريرية لا يمكن أن تسفر إلا عن “علم نفس معاق ومبتور”. ومن ثم، دعا إلى إعادة بناء المنهج العلمي السيكولوجي من خلال دراسة أكثر الأفراد صحة ونضجاً ونبوغاً وإبداعاً في المجتمع، معتبراً أن هؤلاء يمثلون الطليعة التطورية للنوع البشري، وأن دراسة خصائصهم النفسية هي السبيل الوحيد لاكتشاف القوانين الحقيقية للكينونة الإنسانية في صورتها المثلى.
الثنائية المحورية: دافعية النقص مقابل دافعية الكينونة
يقيم علم نفس الكينونة تفريقاً جوهرياً بين نمطين من الدوافع يحكمان السلوك الإنساني: دافعية النقص أو العوز (Deficiency Motivation أو D-Motivation)، ودافعية الكينونة أو دافعية النمو (Being Motivation أو B-Motivation). يرتبط النمط الأول بمحاولات الفرد المستمرة لسد فجوات وحاجات حيوية ونفسية ملحة؛ مثل الجوع، والأمن، والانتماء، والمكانة، والتقدير الاجتماعي. تعمل هذه الدوافع وفق مبدأ التوازن الفسيولوجي والنفسي (Homeostasis)، حيث ينشأ التوتر بفعل الحرمان ويسعى السلوك إلى خفض التوتر واستعادة حالة الاستقرار. يرى ماسلو أن الحياة الواقعة تحت هيمنة دافعية النقص وحدها تجعل الفرد أداة وظيفية في بيئته، بحيث يُنظر إلى العالم الخارجي والآخرين كمصادر للإشباع أو كمصادر للإحباط والتهديد.
في المقابل، تظهر دافعية الكينونة (B-Motivation) حين يتم إشباع الحاجات الأساسية بصورة كافية، مما يفسح المجال لظهور دوافع لا تستهدف خفض التوتر، بل تسعى إلى إثرائه وتوسيع آفاق الوعي والخبرة. لا تنبع هذه الدوافع من حالة فقر أو عوز باطني، وإنما تنبثق من فيض الامتلاء الداخلي والرغبة التلقائية في تفجير الطاقات الكامنة، والتعبير عن الهوية الذاتية بأقصى درجات الشفافية والنقاء. فالشخص الذي تحركه دافعية الكينونة لا يتعلم من أجل نيل شهادة أو اعتراف مجتمعي، ولا يتودد للآخرين لاكتساب عطفهم، بل ينغمس في النشاط لذاته بدافع الشغف الداخلي الخالص والارتباط الجوهري بالمعرفة والجمال والخير.
يترتب على هذا التمايز انقسام إبستيمولوجي عميق بين نمطين من الإدراك المعرفي:
- إدراك النقص (D-Cognition): وهو إدراك انتقائي، براغماتي، ونفعي؛ حيث يرى الفرد الموضوعات والأشخاص من زاوية فائدتهم العملية وما يمكن أن يقدموه لسد حاجاته العوزية، مما يؤدي إلى تشويه إدراك الواقع وتقليص ثرائه إلى أبعاد وظيفية ضيقة.
- إدراك الكينونة (B-Cognition): وهو إدراك كلي، شمولي، وموضوعي بحت؛ حيث يُرى الموضوع أو الشخص في ذاته وبذاته، ككيان فريد مكتمل ومقدس، ومستقل تماماً عن حاجات المراقب ورغباته، وهو نوع من التأمل النقي الذي يتسم بالحياد الإيجابي والتسامي عن الأحكام الذاتية المسبقة.
قيم الكينونة (B-Values): المحاور الأونطولوجية للنمو الإنساني
حدد ماسلو مجموعة من القيم الجوهرية التي تمثل الغايات النهائية للوجود الإنساني السوي، وأطلق عليها اسم “قيم الكينونة” (Being-Values أو B-Values)، واصفاً إياها بأنها ليست مجرد معايير أخلاقية نسبية تكتسب بالتلقين الثقافي، بل هي حاجات بيولوجية وماورائية متأصلة في الطبيعة الوراثية للنوع الإنساني، أطلق عليها مصطلح “الحاجات العليا” أو “الحاجات الماورائية” (Metaneeds). عندما يصل الفرد إلى مستوى تحقيق الذات، تصبح هذه القيم هي الموجهات الديناميكية لسلوكه واختياراته اليومية وحالته الوجدانية.
تضم هذه المنظومة قيماً مترابطة يفيض بعضها إلى بعض، ولا يمكن فصل أحدها عن الآخر فصلاً تعسفياً، ومن أبرزها:
- الحقيقة (Truth): الرغبة في التحرر من الأوهام والزيف، والبحث عن الصدق العاري والشفافية التامة، ورؤية الأشياء كما هي في واقعها الأونطولوجي المستقل.
- الخير (Goodness): النزوع التلقائي نحو الصلاح، والعدالة، والرحمة، ليس التزاماً بقواعد وقوانين قمعية، بل كاستجابة طبيعية متسقة مع وحدة الوجود الإنساني.
- الجمال (Beauty): تذوق التناسق، والتألق، والإتقان، والفرادة الشكلية والجوهرية في الطبيعة والفن والروح الإنسانية.
- الوحدة والكلية (Wholeness): إدراك الترابط البنيوي بين عناصر الوجود، والبحث عن التناغم، وتجاوز الثنائيات المصطنعة والتناقضات الظاهرية.
- الحيوية والعفوية (Aliveness and Spontaneity): التدفق الطبيعي للنشاط الإنساني دون تكلف أو اصطناع، والعمل بكفاءة كاملة تشبه كفاءة النظم العضوية في الطبيعة.
- العدالة والانتظام (Justice and Order): التطلع إلى شيوع الإنصاف والقانون الطبيعي الخالي من التحيز أو الفوضى العبثية.
- البساطة والغنى (Simplicity and Richness): القدرة على التعبير عن التعقيد الشديد من خلال البساطة الجوهرية الخالية من الحشو والتعقيد الزائف.
ذهب ماسلو إلى أبعد من ذلك في تنظيره حين افترض أن الحرمان المزمن من هذه القيم يؤدي إلى ظهور أنماط محددة من المعاناة النفسية لم ترصدها كتب الطب النفسي التقليدية بدقة، وهي ما أسماها “الأمراض الفوقية” أو “الاعتلالات الماورائية” (Metapathologies). فعندما يعيش الفرد في بيئة يسودها القبح والزيف وانعدام العدالة، فإن حرمانه من قيم الحقيقة والجمال لا يمر دون ثمن نفسي؛ إذ يصاب الفرد بحالات من الخدر الوجودي، واللامعنى، واليأس، والتهكم الساخر (Cynicism)، والاغتراب العميق عن الحياة، وهي حالات لا تعالج بالعقاقير الطبية بل بإعادة ربط الإنسان بقيم الكينونة الأصيلة.
حب الكينونة (B-Love) وتسامي العلاقات البينشخصية
يمتد التحليل الأونطولوجي لعلم نفس الكينونة ليشمل طبيعة الروابط الإنسانية والمشاعر العاطفية، حيث يفرق ماسلو تفريقاً قاطعاً بين نمطين متناقضين من الحب: حب النقص (Deficiency-Love أو D-Love) وحب الكينونة (Being-Love أو B-Love). يعبر حب النقص عن حاجة أنانية مستميتة لامتلاك الآخر واستنزاف عواطفه لتعويض شعور باطني بالنقص، أو الفراغ العاطفي، أو تدني احترام الذات. هذا النمط من الحب يتسم بالغيرة المرضية، والاعتمادية التبادلية، والرغبة في السيطرة والتشكيل القسري للطرف الآخر ليتلاءم مع توقعات المحب وحاجاته الشخصية، وهو نمط مهدد دائماً بالقلق والزوال بمجرد توقف الإشباع المتبادل.
أما حب الكينونة (B-Love)، فيمثل أعلى مراتب النضج العلائقي والوجداني؛ إنه حب غير تملكي، قائم على الإعجاب العميق والاحترام التام لكينونة الطرف الآخر وفرادته واستقلاليته الذاتية. في هذا النمط، يحب الفرد شريكه لذاته كما هو، بعيوبه ومواطن قوته، دون رغبة في تغييره أو استغلاله لسد فجوات عاطفية خاصة. يمنح حب الكينونة الطرف الآخر مساحة مطلقة للنمو والتحقق، ويتسم بالفرح الخالص بوجوده وبازدهاره واستقلاله، حتى وإن تعارض ذلك مع المصالح المباشرة للمحب.
يتميز حب الكينونة بقدرته الفائقة على النفاذ الإدراكي، حيث يرى المحب إمكانات كامنة وجوانب مضيئة في المحبوب قد تخفى عن عيون الملاحظين العاديين الغارقين في إدراك النقص. إن هذا الحب لا يسبب القلق أو التوتر العصابي، بل يخلق حالة من الطمأنينة الوجودية، والبهجة العميقة، والتسامي المشترك، ويسهم إسهاماً جذرياً في تسريع عملية تحقيق الذات لكلا الطرفين، بوصفه تجربة تمنح الحياة معناها وجمالها الأقصى.
تجارب الذروة وتجارب الهضبة: تجليات الوعي المتعالي
تحتل “تجارب الذروة” (Peak Experiences) موقع الصدارة في بنية علم نفس الكينونة، بوصفها اللحظات الأكثر كثافة وامتلاءً في الخبرة الإنسانية. وصف ماسلو تجربة الذروة بأنها ومضات خاطفة من النشوة والوجد الصوفي العلماني، يشعر خلالها الفرد بأنه متوحد تماماً مع الكون، وبأن كل التناقضات والشكوك قد زالت في لحظة كشف كلي تتجلى فيها حقيقة الوجود. تحدث هذه التجارب في سياقات متنوعة للغاية؛ أثناء الإبداع الفني أو العلمي، أو عند تذوق مشهد طبيعي مهيب، أو في خضم تجربة عاطفية حميمة، أو أثناء ولادة طفل، أو الإنجاز الرياضي الفائق.
تتميز تجارب الذروة بجملة من الخصائص الفينومينولوجية الصارمة التي رصدها ماسلو في أبحاثه الإكلينيكية والوصفية:
- تجاوز الزمان والمكان: يفقد الفرد خلال التجربة إحساسه المعتاد بمرور الزمن وتتساقط حدود المكان، حيث تبدو اللحظة العابرة وكأنها أبدية مستمرة.
- سقوط الخوف والأنانية: يتلاشى القلق والتشكيك الدفاعي، وتتحرر الذات من الرقابة المفرطة والهموم الشخصية، مما يتيح استجابة عاطفية نقية خالية من الدفاعات النفسية.
- إدراك وحدة الوجود والجمال المطلق: يبدو العالم في هذه اللحظات ككيان واحد متناغم ومبرر بحد ذاته، ويكتسب الوجود معنى ذاتياً لا يحتاج إلى تفسير خارجي.
- الشعور بالامتنان والتحول الروحي: تترك التجربة في نفس الفرد أثراً علاجياً عميقاً ومستداماً، وتغرس فيه شعوراً بالرهبة والامتنان، وتسهم في إعادة تشكيل منظومته القيمية نحو مزيد من الرحمة والتواضع.
ومع تطور أفكار ماسلو في سنواته الأخيرة، ميز بين “تجارب الذروة” العاصفة والمفاجئة، وبين مفهوم آخر أسماه “تجارب الهضبة” (Plateau Experiences). تمثل تجربة الهضبة حالة أكثر هدوءاً واستقراراً ورسوخاً من الوعي التأملي؛ إنها انتقال من النشوة اللحظية إلى حالة دائمة من التقدير الواعي المضيء لكل تفاصيل الحياة اليومية، حيث يعيش الفرد على “هضبة” من الرؤية المضيئة التي يمتزج فيها الدنيوي بالمقدس، ويصبح الوجود العادي بحد ذاته معجزة تستوجب الشكر والدهشة المستمرة.
المقاربة الإبستيمولوجية والميثودولوجية: نحو علم تكاملي للكينونة
لم يكتفِ علم نفس الكينونة بتقديم مفاهيم نظرية جديدة، بل طالب بثورة ميثودولوجية تعيد النظر في أسس البحث العلمي الوضعي وتطبيقاته في دراسة الإنسان. انتقد ماسلو بشدة ما أسماه “عبادة المنهج” (Method-Centrism)، وهي النزعة الأكاديمية التي تعطي الأولوية لسلامة الإجراءات التقنية والإحصائية على حساب أهمية المشكلة الإنسانية المدروسة وأصالتها. وأكد أن حصر العلم السيكولوجي في المختبرات الضيقة واستخدام الأدوات الكمية الصارمة وحدها أدى إلى التضحية بأعمق وأعقد جوانب النفس البشرية لصالح دقة قياس وهمية لا تقدم فهماً حقيقياً للكائن البشري.
دعا ماسلو بدلاً من ذلك إلى علم نفس يجمع بين الموضوعية الصادقة والتعاطف الظاهراتي المتفهم، وهو ما عُرف لاحقاً بالمقاربة التوسعية للعلم (Comprehensive or Sacralized Science). في هذا النموذج المنهجي، لا يقف الباحث ككيان بارد ومنفصل عن موضوع دراسته، بل ينخرط في حوار وجودي ومعرفي مع المشاركين، معترفاً بأن الخبرة الذاتية والاستبطان الواعي يمثلان بيانات علمية أولية لا تقل أهمية أو مصداقية عن القياسات الفسيولوجية والسلوكية الظاهرة. يتطلب علم نفس الكينونة باحثاً قادراً على ممارسة “إدراك الكينونة” تجاه موضوع دراسته، متحرراً من الرغبة في التفكيك والاختزال التعسفي.
إن هذا التحول الإبستيمولوجي يدمج الفن والفلسفة مع العلم التجريبي، مما يمهد السبيل لبناء نظرة شاملة (Holistic-Dynamic) تنظر إلى الإنسان كنسق كلي عضوي لا يمكن فهم سلوك أجزائه إلا في ضوء الغاية الشاملة التي تتجه إليها الشخصية بكليتها؛ وهي تحقيق الإمكانات الكامنة والارتقاء نحو الكينونة الأصيلة.
التطبيقات الإكلينيكية والمجتمعية لعلم نفس الكينونة
أحدثت أطروحات علم نفس الكينونة تحولات جذرية في الممارسات التطبيقية عبر قطاعات متعددة، وفي مقدمتها العلاج النفسي؛ حيث لم يعد الهدف النهائي للعلاج مقتصراً على إزالة الأعراض المرضية أو تكييف المريض مع واقعه الاجتماعي المشوه، بل ارتقى الهدف إلى مساعدة الفرد على تحقيق النمو الذاتي وتفعيل دافعية الكينونة لديه. يركز المعالج المتأثر بهذا الاتجاه على إيقاظ الإمكانات الإبداعية، وتفكيك آليات الدفاع العصابية التي تعيق التعبير الأصيل عن الذات، ومساعدة العميل على تجاوز القلق العوزي واكتشاف قيمه العليا التي تمنح وجوده المعنى والاتجاه.
وفي الحقل التربوي، أرسى هذا التوجه دعائم “التربية الإنسانية”؛ حيث لم تعد وظيفة التعليم حشو الأدمغة بالمعارف الجاهزة أو إعداد الطلاب ليكونوا تروساً طيعة في عجلة الإنتاج الاقتصادي. تركز التربية الموجهة بالكينونة على مساعدة المتعلم على معرفة نفسه، وتنمية مواهبه الفريدة، والارتقاء بوعيه الجمالي والأخلاقي، وتعزيز الفضول المعرفي التلقائي الذي يمثل جوهر إدراك الكينونة، مما يحول العملية التعليمية إلى مسار مستمر لاكتشاف الذات والعالم.
كذلك امتدت تطبيقات هذا المنظور إلى ميادين القيادة والإدارة عبر ما أسماه ماسلو “الإدارة اليوسيكانية” (Eupsychian Management)؛ وهي رؤية تنظيمية تفترض أن العاملين يمتلكون دافعاً أصيلاً للإتقان والإبداع وتحمل المسؤولية، متى ما وفرت لهم البيئة التنظيمية ظروف الإشباع التقديري والحرية والاستقلالية. وتتجلى اليوم أصداء هذه الأفكار بقوة في حركة علم النفس الإيجابي التي أسسها مارتن سليغمان في أواخر التسعينيات، والتي استعادت، بصياغات إمبريقية معاصرة، مفاهيم الكينونة، والفضائل الأخلاقية، والتدفق النفسي (Flow)، والازدهار الإنساني التي بذر ماسلو بذورها الأولى قبل عقود.
الانتقادات والمناظرات النقدية
على الرغم من المكانة الرفيعة التي حازها علم نفس الكينونة والتأثير الواسع لأفكاره، إلا أنه تعرض لموجة عاتية من الانتقادات المنهجية والنظرية من قِبل تيارات متعددة داخل المجتمع الأكاديمي. انصبت الانتقادات السلوكية والتجريبية الصارمة على ما اعتبرته “هشاشة ميثودولوجية” في أبحاث ماسلو، مشيرة إلى أن العينات التي اعتمد عليها لصياغة نظريته حول المحققين لذواتهم كانت عينات صغيرة للغاية وغير ممثلة إحصائياً، وجرى اختيارها وفق معايير انطباعية وذاتية وضعها الباحث بنفسه، مما يفتح الباب واسعاً أمام التحيز التأكيدي والتعميم غير المبرر علمياً.
من منظور الفلسفة الوجودية الأوروبية، وجه علماء ومفكرون كبار مثل رولو ماي وفيكتور فرانكل نقداً بنيوياً لماسلو، معتبرين أن تصوره للطبيعة الإنسانية اتسم بنزعة رومانسية مثالية مفرطة في التفاؤل، قللت من شأن البعد المأساوي في الوجود الإنساني؛ المتمثل في القلق الوجودي الحتمي، والذنب، والصراع التراجيدي مع الموت والعدم. ورأى هؤلاء النقاد أن التركيز على النمو التلقائي وقيم الكينونة قد يوحي بأن الإنسان كائن خير بصورة آلية ومحسومة، متجاهلاً النزعات التدميرية والظلال النفسية العميقة التي تتطلب صراعاً ومسؤولية أخلاقية مستمرة للتغلب عليها.
علاوة على ذلك، استهدفت الانتقادات الثقافية والاجتماعية المركزية الغربية الكامنة في أطروحات ماسلو، إذ يرى علماء النفس عبر الثقافي أن نموذج “تحقيق الذات” والكينونة يرتكز بقوة على النزعة الفردانية الأمريكية التي ترفع من شأن الاستقلال الفردي والتحقق الشخصي، في حين قد تبدو هذه المفاهيم قاصرة أو غير متوافقة مع الثقافات الجمعية (الشرقية والأفريقية وغيرها) التي تعرّف الكينونة الإنسانية والامتلاء الروحي من خلال الاندماج في الجماعة، والتضحية، والوفاء بالواجبات الأسرية والمجتمعية التكافلية.
خاتمة
يظل علم نفس الكينونة، برغم ما واجهه من انتقادات وتحفظات منهجية، إنجازاً ثورياً أعاد للإنسان كرامته الروحية ومكانته الوجودية في صلب السيكولوجيا الحديثة. لقد نجح هذا النموذج الرائد في انتشال علم النفس من مستنقع النظرة المرضية والاختزالية الآلية، مقدماً أفقاً أونطولوجياً رحباً يحتفي بالحياة، ويبرز أسمى ما في الطبيعة البشرية من توق إلى الحقيقة والخير والجمال. إن العودة إلى استلهام مبادئ الكينونة اليوم تبدو أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، في عالم معاصر يتسم بالتشظي والتشيؤ والاستهلاك المادي المفرط، لتظل هذه النظرية منارة فكرية تذكر البشرية بإمكاناتها اللانهائية في الارتقاء والتسامي وبلوغ الوجود الأصيل المكتمل.
المراجع
- Frankl, V. E. (2006). Man’s search for meaning. Beacon Press. (Original work published 1959).
- Hoffman, E. (1988). The right to be human: A biography of Abraham Maslow. Jeremy P. Tarcher.
- Maslow, A. H. (1962). Toward a psychology of being. D. Van Nostrand Company.
- Maslow, A. H. (1970). Motivation and personality (2nd ed.). Harper & Row.
- Maslow, A. H. (1971). The farther reaches of human nature. Viking Press.
- May, R. (1983). The discovery of being: Writings in existential psychology. W. W. Norton & Company.
- Rogers, C. R. (1961). On becoming a person: A therapist’s view of psychotherapy. Houghton Mifflin.
- Seligman, M. E. P., & Csikszentmihalyi, M. (2000). Positive psychology: An introduction. American Psychologist, 55(1), 5–14. https://doi.org/10.1037/0003-066X.55.1.5