تاريخ علم النفسعلم النفس التجريبيعلم النفس المعرفي

الموقف الشعوري (Bewusstseinslage): المفهوم، الجذور التاريخية، والأثر في علم النفس المعرفي

يستعرض هذا المقال الأكاديمي الموسع مفهوم الموقف الشعوري (Bewusstseinslage) في علم النفس التجريبي، مسلطاً الضوء على نشأته في مدرسة فورتسبورغ، وجدل الفكر غير المصور، وأثره في بحوث علم النفس المعرفي الحديث.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 30 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 30 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يمثل مفهوم الموقف الشعوري (المعروف في الأدبيات السيكولوجية بالألمانية باسم Bewusstseinslage) إحدى المحطات المفصلية الأكثر إثارة للجدل في تاريخ علم النفس التجريبي وبحوث الإدراك البشري. برز هذا المفهوم في مطلع القرن العشرين ليتحدى النماذج الاختزالية السائدة التي حاولت حصر محتويات الوعي الإنساني في صور حسية وانفعالات أولية قابلة للتفكيك الميكانيكي. يشير هذا المصطلح، في جوهره الإبستمولوجي والظاهراتي، إلى تلك الحالات الذهنية المعقدة وغير المصورة التي يختبرها الفرد كإدراك كلي لمعنى أو اتجاه معرفي، دون أن تتوسطها صور ذهنية ملموسة أو إحساسات عضلية واضحة، مما جعله حجر الزاوية في إرساء دعائم دراسة الفكر المجرد وعمليات التفكير العليا.

الجذور التاريخية وسياق النشأة في مدرسة فورتسبورغ

نشأ مفهوم الموقف الشعوري في كنف مدرسة فورتسبورغ (Würzburg School) لعلم النفس التجريبي تحت رعاية العالم البارز أوزوالد كولبه (Oswald Külpe)، الذي كان تلميذاً مباشراً لمؤسس علم النفس الحديث فيلهلم فونت في لايبزيغ. رأى كولبه ورفاقه، وعلى رأسهم كارل ماربه (Karl Marbe) ونارسيس آخ (Narziss Ach) وكارل بولر (Karl Bühler)، أن القيود الصارمة التي فرضها فونت على دراسة العمليات المعرفية العليا داخل المختبر التجريبي كانت قيوداً اعتباطية تعيق فهم الطبيعة الحقيقية للتفكير البشري.

كان فونت يعتقد جازماً أن الاستبطان التجريبي لا يمكن تطبيقه إلا على العمليات النفسية الدنيا كالإحساس والإدراك الحسي الأولي، في حين يجب إحالة دراسة التفكير واللغة إلى علم النفس الشعوبي (Völkerpsychologie) القائم على الملاحظة التاريخية والأنثروبولوجية. إلا أن باحثي فورتسبورغ، وخصوصاً كارل ماربه في أبحاثه الرائدة حول سيكولوجية الحكم عام 1901، لاحظوا ظاهرة غريبة تكررت في تقارير المفحوصين المدربين: عند اتخاذ قرارات أو إصدار أحكام، لم يستطع المشاركون تحديد أي صور حسية أو تمثلات بصرية ترافق لحظة الفهم أو التقدير، بل وصفوا حالات من “الوعي الاتجاهي” أو “المواقف الذهنية المباشرة” التي لم تخضع لقوانين الترابط الحسي الكلاسيكي.

تلقف كارل بولر وماربه هذه الملاحظات وصاغا مصطلح Bewusstseinslage ليعكسا به تلك الوضعيات الخاصة بالوعي التي تحضر فيها المعاني بوضوح تام، ولكن في غياب مطلق لأي مضمون حسي استبطاني مباشر. كان هذا الاكتشاف التجريبي بمثابة زلزال معرفي ضرب النموذج الذري (Atomistic Model) للبنيوية، وفتح الباب أمام الاعتراف بالأنشطة المعرفية اللامادية أو ما عرف لاحقاً بـ “الفكر غير المصور” (Imageless Thought).

التعريف المفاهيمي والخصائص البنيوية للموقف الشعوري

يُعرَّف الموقف الشعوري سيكولوجياً بأنه حالة وعي كلية غير قابلة للاختزال، تتسم بحضور المعنى الدلالي أو التوجه العقلي بصورة فورية ومباشرة دون الحاجة إلى تمثلات حسية وسيطة كالصور الذهنية أو الأصوات الباطنية. إنها تجربة سيكولوجية تعبر عن الموقف الداخلي للشخص حيال محتوى تفكيري معين، كحالات الشك، واليقين، والتردد، والقبول، والمفاجأة، أو الاستيعاب المفاجئ لطبيعة المشكلة المعرفية المطروحة.

تمتلك المواقف الشعورية مجموعة من الخصائص البنيوية التي تميزها عن بقية عناصر الوعي الكلاسيكية، ومن أهم هذه الخصائص:

  • اللاصورية (Unanschaulichkeit): تتميز هذه الحالات بأنها مجردة تماماً من الطابع الأيقوني أو البصري؛ فلا يمكن للشخص أن يصف لوناً أو شكلاً أو صوتاً يجسد الموقف الشعوري ذاته، وإنما يصف معناه ووظيفته التوجيهية في مجرى التفكير.
  • الطبيعة الكلية والوحدوية (Holistic Quality): يختبر الفرد الموقف الشعوري ككتلة موحدة ومستمرة من الإدراك الباطني، وليس كشظايا أو ذرات نفسية متراكمة تتجمع وفق آليات التداعي الآلي.
  • الخاصية التوجيهية والوظيفة الدينامية (Intentional & Directive Function): ترتبط المواقف الشعورية ارتباطاً وثيقاً بالقصدية؛ فهي ليست انفعالات سالبة، بل هي توجهات عقلية تهدف إلى حل معضلة، أو ترقب إجابة، أو تنظيم المسار اللاحق لتدفق الأفكار.
  • السيولة الزمنية والسرعة الفائقة: تحدث هذه المواقف غالباً في فترات زمنية بالغة القصر (تُقاس بأجزاء من الثانية) ضمن الفجوة الانتقالية بين طرح السؤال والوصول إلى الإجابة، مما يجعل رصدها يتطلب تدريباً استبطانياً فائق الدقة.

الجدل التاريخي: مدرسة فورتسبورغ في مواجهة فونت وتيتشنر

أثار طرح مفهوم الموقف الشعوري وفكرة “الفكر الخالي من الصور” واحداً من أشرس النزاعات النظرية والمنهجية في تاريخ العلوم السلوكية، وهو النزاع الذي عُرف في الأدبيات السيكولوجية بـ “جدل الفكر غير المصور” (The Imageless Thought Controversy). تصدى فيلهلم فونت بضراوة لنتائج مدرسة فورتسبورغ، مجادلاً بأن التجارب التي أجراها كولبه وبولر لا تستوفي المعايير العلمية الصارمة، لأنها اعتمدت على استجواب المفحوصين بعد أداء المهمة، مما جعل تقاريرهم عرضة للتأمل الفلسفي والتذكر الرجعي المشوه بدلاً من الاستبطان الخالص المتزامن مع التجربة.

من جانبه، قاد إدوارد برادفورد تيتشنر، زعيم البنيوية في الولايات المتحدة من جامعة كورنيل، هجوماً منهجياً مضاداً لإثبات عدم صحة مفهوم الموقف الشعوري. جادل تيتشنر بأن ما أسماه علماء فورتسبورغ “مواقف شعورية مجردة” ليس في الواقع سوى إحساسات حركية خافتة (Sensory kinaesthetic strain)، أو تقلصات عضلية مجهرية في الحنجرة أو الوجه، أو صور ذهنية عابرة وضعيفة للغاية عجز مفحوصو فورتسبورغ عن ملاحظتها بسبب افتقارهم إلى التدريب الكافي في التحليل البنيوي الدقيق.

أدى هذا الاستقطاب الحاد إلى أزمة إبستمولوجية كبرى في علم النفس؛ حيث أظهرت التجارب في جامعة كورنيل وجود صور حسية في كل ومضة تفكير، بينما أظهرت التجارب في فورتسبورغ غياب هذه الصور تماماً في مواقف عديدة. لم يقتصر هذا الجدل على طبيعة الموقف الشعوري فحسب، بل طال صلاحية الاستبطان التجريبي برمته كأداة موثوقة للبحث العلمي، مما ساهم لاحقاً وبشكل غير مباشر في ظهور الثورة السلوكية بقيادة جون واطسون، الذي قرر التخلص نهائياً من الوعي ومفاهيمه الاستبطانية من ساحة علم النفس التجريبي.

المنهجية الاستبطانية في دراسة العمليات المعرفية العليا

لتجاوز عيوب الاستبطان الفونتتيكي السطحي ورصد المواقف الشعورية بدقة، طوّر باحثو فورتسبورغ ما أسموه “الاستبطان التجريبي المنهجي” (Systematische experimentelle Selbstbeobachtung). استندت هذه التقنية إلى تقسيم العملية المعرفية المعقدة إلى مراحل زمنية ومسارات جزئية خضعت للدراسة المتكررة، بغية التقاط تلك التموجات الذهنية الصامتة التي تفلت من الإدراك الميكانيكي السريع.

كان يتم تقديم منبه فكري للمفحوص (كالكلمات المترابطة، أو المسائل الفلسفية المعقدة، أو الأمثال الشعبية التي تتطلب فهم المعنى المجازي)، ومطالبته بأداء مهمة ذهنية تتضمن إصدار حكم أو الوصول إلى استنتاج. وعقب الانتهاء المباشر من التجربة، يخضع المفحوص لاستجواب دقيق وموجه ومقسم إلى فترات زمنية دقيقة:

  • مرحلة التحضير والاستقبال (Vorbereitung): وفيها تظهر المواقف الشعورية المرتبطة بالاستعداد النفسي واستيعاب طبيعة المهمة المطروحة وتحديد الاتجاه العام للحل.
  • مرحلة معالجة المنبه (Einwirkung des Reizes): وهي الفترة الفاصلة التي تظهر فيها المواقف الشعورية الدالة على الحيرة، أو محاولة استحضار المفاهيم، أو التردد بين عدة مسارات منطقية.
  • مرحلة إصدار الاستجابة (Reaktion): وتتضمن الشعور المفاجئ بالانبثاق الدلالي (لحظة الـ Aha-Erlebnis) واليقين المعرفي بصحة الاستنتاج قبل صياغته في قوالب لغوية.

أظهرت هذه المنهجية أن الموقف الشعوري لا يعمل كعنصر استاتيكي معزول، بل يتفاعل باستمرار مع ما أطلق عليه نارسيس آخ “الميول المحددة” (Determinierende Tendenzen) و”النية الواعية” (Aufgabe)، مما يثبت أن الوعي ينقاد بنية مسبقة ترتب محتوياته وتوجه مواقفه نحو هدف محدد دون حاجة لتمثيلات صورية دائمة.

الأنماط والتجليات الوظيفية للمواقف الشعورية

صنف علماء النفس التجريبي في بداية القرن العشرين المواقف الشعورية إلى عدة أنماط وظيفية، مستندين إلى نوعية التجربة الذاتية والدور الذي تؤديه في تدفق التفكير المنطقي والمعرفي. لا تشكل هذه الأنماط حالات وجدانية بالمعنى الانفعالي الساذج، بل هي تجليات لمعالجة المعلومات داخل النفس الإنسانية:

1. موقف الوعي بالمعنى أو القصد (Bewusstsein der Bedeutung)

يتمثل هذا الموقف في الفهم المباشر والآني للكلمات والمفاهيم المجردة دون استحضار أي صورة ذهنية مطابقة لها. فعندما يسمع الفرد كلمة مثل “العدالة” أو “النسبية”، فإنه يستوعب معناها الوظيفي في سياق العبارة فوراً عبر موقف شعوري كلي، دون أن يضطر ذهنه لرسم ميزان أو معادلة رياضية لتأكيد حدوث الفهم، مما يدل على استقلالية الدلالة الذهنية عن التجسيد البصري.

2. موقف الشك والتردد (Zweifel und Zögern)

يختبر المفحوص هذا الموقف حين تتعارض المعطيات المعرفية المتوفرة لديه، حيث يتجلى كحالة من التعليق الواعي للحكم؛ إذ يشعر العقل بالوقوف أمام مفترق طرق معرفي. يتسم هذا الموقف بتوتر ذهني مجرد يوجه الانتباه نحو فحص الفرضيات البديلة، وهو الآلية الأساسية التي تمنع الاندفاع وتتيح التفكير النقدي التأملي.

3. موقف اليقين والتصديق (Gewissheit)

يبرز هذا الموقف عندما تتطابق النتيجة التي توصل إليها الفكر مع الهدف الموضوع للمهمة المعرفية. إنه ليس مجرد انفعال بالراحة، بل هو إقرار عقلاني باطني بصحة الحل يسبق التعبير اللفظي عنه. وقد وصف كارل بولر هذا المظهر بأنه جوهر الإدراك الحدسي الذي تتكئ عليه الاستدلالات الرياضية والمنطقية.

4. موقف الاستعداد والمواءمة الذهنية (Einstellung)

يشير هذا النمط إلى الموقف الشعوري الذي يهيئ المنظومة الإدراكية للتعامل مع فئة معينة من المثيرات بناءً على التعليمات السابقة؛ فعندما يُطلب من الفرد البحث عن “الأضداد”، يتخذ الوعي وضعية معرفية خاصة تُقصي تلقائياً كل الترابطات القائمة على المترادفات أو التناغم الصوتي، مما يوضح الوظيفة التكيفية البالغة للمواقف الشعورية في ترشيد الموارد الانتباهية.

الموقف الشعوري في ضوء الفلسفة الظاهراتية ونظرية القصدية

يتشابك مفهوم الموقف الشعوري تشابكاً عضوياً مع التيارات الفلسفية المعاصرة لنشأته، ولا سيما الفلسفة الظاهراتية (الفينومينولوجيا) التي أسسها إدموند هوسرل، والتي تأثرت بدورها بأطروحات فرانز برنتانو حول “القصدية” (Intentionality). يرى برنتانو أن السمة الأساسية للظواهر النفسية هي إشارتها الدائمة إلى محتوى، أو توجهها الدائم نحو موضوع ما (الوعي هو دائماً وعيٌ بشيء ما).

قدمت مدرسة فورتسبورغ عبر مفهوم الموقف الشعوري برهاناً سيكولوجياً تجريبياً للأطروحة الفينومينولوجية القائلة بوجود أفعال عقلية قصدية محضة لا تستند إلى مواد حسية خام (Hyle). فعندما يمارس الوعي فعل التذكر، أو الشك، أو المقارنة، فإن الفاعل النفسي يختبر مباشرة بنية المعنى المقصود كوضعية شعورية خالصة دون حاجة إلى وساطة مادية تخييلية.

وقد أثنى هوسرل في كتاباته المنطقية على محاولات تيار فورتسبورغ لتخليص سيكولوجية التفكير من براثن النزعة النفسانية الساذجة والارتباطية الفيزيولوجية التي اختزلت المعنى في مجرد حركات عضوية أو ترابطات آلية بين الصور. إن الموقف الشعوري بهذا المعنى يمثل النظير السيكولوجي التجريبي للرؤية الظاهراتية للبصيرة الحدسية (Wesensschau)، حيث يتم إدراك الماهيات والعلاقات المجردة كوقائع وعي مباشرة لا تتجزأ.

الامتدادات في علم النفس المعرفي المعاصر والعلوم العصبية

على الرغم من تراجع تداول المصطلح التقني الألماني Bewusstseinslage لعقود من الزمن نتيجة صعود المدرسة السلوكية ثم تسيّد النماذج الحاسوبية الأولى لمعالجة المعلومات، إلا أن الجوهر المفاهيمي للمصطلح عاد ليتبوأ موقع الصدارة في أبحاث علم النفس المعرفي والعلوم العصبية الإدراكية الحديثة، متخذاً مسميات ومفاهيم جديدة تعكس نفس الحقيقة الظاهراتية:

1. ما وراء المعرفة والشعور المعرفي (Metacognition & Cognitive Feelings)

تعتبر مفاهيم مثل “الشعور بالمعرفة” (Feeling of Knowing – FOK) وظاهرة “على طرف اللسان” (Tip-of-the-Tongue phenomenon)، وحكم التعلم (Judgments of Learning) الورثة المباشرين لمفهوم المواقف الشعورية. يقر علماء النفس المعرفي اليوم بأن البشر يختبرون بانتظام حالات ذهنية نوعية تخبرهم بأنهم يمتلكون المعلومة المطلوبة في ذاكرتهم، أو تنبههم إلى عدم اتساق المنطق في حجة معينة، وذلك قبل القدرة على استرجاع أي دليل لفظي أو تصويري ملموس.

2. التمثيل القضوي مقابل التمثيل التصويري (Propositional Representations)

أعاد الجدل المعرفي الشهير في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته بين زانون بيليشين (Zenon Pylyshyn) وستيفن كوسلين (Stephen Kosslyn) حول طبيعة التصور الذهني إنتاج نقاش فورتسبورغ-تيتشنر ذاته؛ حيث جادل بيليشين بأن البنية العميقة للتفكير الإنساني هي بنية قضوية مجردة ورمزية وغير مصورة، وأن الصور الذهنية التي نختبرها ليست سوى ظواهر عرضية مرافقة (Epiphenomena) لا تقوم بأي دور حسابي جوهري في عمليات الاستدلال، وهو ما يتطابق في جوهره مع ما توصل إليه كولبه وماربه بصدد الموقف الشعوري.

3. المعالجة الضمنية والحدس الإدراكي في العلوم العصبية

تكشف دراسات التصوير الدماغي الحديثة (مثل الرنين المغناطيسي الوظيفي fMRI والتخطيط الدماغي المغناطيسي MEG) أن القرارات التقييمية وحالات الحدس تنشأ في شبكات عصبية واسعة النطاق تشمل قشرة الفص الجبهي الأمامي والقشرة الحزامية الأمامية قبل أن تتاح لآليات التعبير الصوري أو اللغوي الواعي. هذه الحالات التوجيهية المبكرة التي ترصدها الأجهزة العصبية هي التجسيد البيولوجي لتلك المواقف الشعورية التي عكف باحثو مدرسة فورتسبورغ على تسجيلها عبر أقلام الاستبطان الدقيق قبل أكثر من مائة عام.

الانتقادات والتحديات الإبستمولوجية التي واجهت المفهوم

رغم الرؤى العميقة التي قدمها مفهوم الموقف الشعوري، إلا أنه واجه عوائق منهجية وإبستمولوجية بالغة التعقيد حالت دون استقراره كنظرية قياسية في علم النفس الأكاديمي في زمنه، وتتمثل أبرز هذه التحديات في النقاط التالية:

  • معضلة الذاتية المفرطة للاستبطان: اعتمد إثبات أو نفي وجود الموقف الشعوري بالكامل على التقارير اللفظية الذاتية للمفحوصين. وقد أدى عجز المختبرات المتنافسة عن تكرار النتائج ذاتها باستقلالية وموضوعية إلى التشكيك في علمية المفهوم برمته وفق المعايير الوضعية التجريبية.
  • التداخل اللغوي وتأثير الإيحاء التجريبي: وجه النقاد اتهاماً لباحثي فورتسبورغ بأنهم، من خلال أسئلتهم الموجهة أثناء الاستجواب، كانوا يوحون لمفحوصيهم بوجود حالات لاصورية، مما جعل الموقف الشعوري يبدو وكأنه نتاج للطريقة التجريبية المصطنعة وليس مكوناً أصيلاً وطبيعياً من مكونات الوعي.
  • صعوبة التحديد الإجرائي والقياس الكمي: عانى المفهوم من ضبابية تعريفية حادة؛ فكان يُستخدم أحياناً لوصف عملية انتباهية، وأحياناً كشعور وجداني معرفي، وتارة أخرى كإدراك دلالي خالص، مما جعل من الصعب بمكان عزله كمتغير مستقل أو تابع يخضع للمقاييس السيكومترية أو الفيزيولوجية بدقة تامة.

الخاتمة والخلاصة التركيبية

يقف مفهوم الموقف الشعوري (Bewusstseinslage) في تاريخ الفكر النفسي كشاهد بارز على المحاولات المبكرة والجريئة لتحرير سيكولوجية التفكير من قيود النظرة الميكانيكية والذرية الضيقة. استطاع هذا المفهوم، المنبثق من مختبرات فورتسبورغ، أن يقوض الزعم القائل بأن العقل البشري مجرد شاشة ساذجة تتراكب عليها الصور الحسية المستقاة من البيئة الخارجية، مؤكداً في المقابل على الفاعلية الذاتية، والتنظيم الموجه، والأبعاد المجردة اللامادية للفكر البشري.

وعلى الرغم من اندثار المعارك المنهجية التي ولّدتها الاستبطانات التجريبية القديمة، يظل الموقف الشعوري حياً في صلب النماذج المعرفية المعاصرة التي تدرس ما وراء المعرفة، والحدس، والتمثيلات القضوية، والعمليات الضمنية. لقد أثبتت التطورات العلمية الحديثة أن ذلك الحيز الصامت والمجرد من الوعي، الذي انتبه إليه رواد فورتسبورغ قبل قرن من الزمان، ليس وهماً استبطانياً، بل هو المحرك الأساسي لأرقى ملكات الفكر والإبداع والتأمل التي تميز الكائن الإنساني.

المراجع

  • Ach, N. (1905). Über die Willenstätigkeit und das Denken. Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht.
  • Boring, E. G. (1950). A History of Experimental Psychology (2nd ed.). New York: Appleton-Century-Crofts.
  • Bühler, K. (1907). Tatsachen und Probleme zu einer Psychologie der Denkvorgänge: I. Über Gedanken. Archiv für die gesamte Psychologie, 9, 297–365.
  • Külpe, O. (1912). Über die moderne Psychologie des Denkens. In Internationale Monatsschrift für Wissenschaft, Kunst und Technik (Vol. 6, pp. 1069–1110). Berlin: Georg Reimer.
  • Marbe, K. (1901). Experimentell-psychologische Untersuchungen über das Urteil: Eine Einleitung in die Logik. Leipzig: Wilhelm Engelmann.
  • Mandler, G., & Mandler, J. M. (1964). Thinking: From Association to Gestalt. New York: John Wiley & Sons.
  • Titchener, E. B. (1909). Lectures on the Experimental Psychology of the Thought-Processes. New York: Macmillan.
  • Wundt, W. (1907). Über Ausfrageexperimente und über die Methoden zur Psychologie des Denkens. Psychologische Studien, 3, 301–360.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 30). الموقف الشعوري (Bewusstseinslage): المفهوم، الجذور التاريخية، والأثر في علم النفس المعرفي. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/bewusstseinslage-psychology-concept/
looti, Mohammed. “الموقف الشعوري (Bewusstseinslage): المفهوم، الجذور التاريخية، والأثر في علم النفس المعرفي.” عرب سايكلوجي, 30 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/bewusstseinslage-psychology-concept/.
looti, Mohammed. “الموقف الشعوري (Bewusstseinslage): المفهوم، الجذور التاريخية، والأثر في علم النفس المعرفي.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 30, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/bewusstseinslage-psychology-concept/.