يُمثّل مفهوم الجمهور العرضي (Casual Crowd) إحدى اللبنات التأسيسية الأكثر إثارة للاهتمام في حقل علم النفس الاجتماعي ودراسات السلوك الجمعي؛ إذ يُشير إلى ذلك التجمع المؤقت لمجموعة من الأفراد في حيز مكاني وجغرافي واحد دون وجود تخطيط مسبق أو غاية بنيوية مشتركة تجمعهم. يتسم هذا النمط من التجمعات بهشاشة الروابط الاجتماعية واللحظية المطلقة، حيث تتقاطع مسارات الأفراد بدافع الصدفة المحضة أو استجابةً لعامل جذب عابر وسريع الزوال، مثل التوقف المفاجئ لمشاهدة عازف طريق أو التجمع اللحظي حول حادث سير بسيط. وعلى الرغم من غياب التنظيم المؤسسي أو الهوية الجماعية الموحدة لدى هذا النمط، فإن تحليله السيكولوجي يكشف عن مستويات معقدة من التفاعل الكامن، والمسافات البينية، والجاهزية النفسية للتحول إلى أشكال جمعية أكثر تعقيداً وخطورة عند تغير الظروف البيئية المحيطة.
الجذور التاريخية والتأطير النظري في سيكولوجيا الجماهير
تعود الإرهاصات الأولى لفهم الجماهير وتصنيفاتها إلى نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حيث برزت مؤلفات الطبيب وعالم النفس الاجتماعي الفرنسي غوستاف لو بون، لا سيما في كتابه الشهير "سيكولوجية الجماهير" (1895). وعلى الرغم من أن لو بون ركّز جل اهتمامه على "الجمهور النفسي" المؤدلج أو الانفعالي الذي يفقد فيه الفرد استقلاليته العقلية ويخضع للعدوى العاطفية، إلا أن أطروحاته فتحت الباب واسعاً أمام علماء الاجتماع اللاحقين للتمييز بين المستويات المختلفة للتجمع البشري، وفصل التجمعات الانفعالية المنومة مغناطيسياً عن التجمعات العادية التي تحتفظ فيها الذات الفردية بكامل وعيها ونضجها النقدي.
تطور المفهوم بشكل منهجي دقيق مع صعود مدرسة شيكاغو لعلم الاجتماع، وتحديداً من خلال إسهامات المفكر الأمريكي روبرت إي بارك وخليفته هربرت بلومر (Herbert Blumer). قام بلومر في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين بوضع تصنيف كلاسيكي رائد للبنى الجمعية، قسّم فيه الجماهير إلى أربعة أنماط أولية: الجمهور العارض، والجمهور التقليدي، والجمهور التعبيري، والجمهور الفاعل. وفي هذا الإطار، احتل الجمهور العرضي القاعدة التأسيسية للتصنيف، باعتباره أبسط صور التواجد الفيزيائي المشترك وأقلها تماسكاً من الناحية الوجدانية والتنظيمية، مما وفر للباحثين أداة تحليلية فارقة لفهم كيفية تشكل البنى الاجتماعية المعقدة من رحم التفاعلات الأولية اللحظية.
امتدت المقاربات النظرية لاحقاً لتشمل نظريات التفاعل الرمزي لـ إرفينغ غوفمان، الذي درس بتعمق "النظام العام" والسلوك في الأماكن المشتركة. بيّن غوفمان أن التواجد في حشد عارض لا يعني غياب القواعد السلوكية، بل يخضع لبروتوكولات دقيقة وغير معلنة من "الإهمال المهذب" (Civil Inattention)، حيث يتبادل الأفراد نظرات خاطفة تؤكد إدراك كل منهم للآخر دون التعدي على مساحته الخاصة أو إشعاره بالتهديد. وبذلك، انتقل الجمهور العرضي من مجرد كونه فراغاً سيكولوجياً إلى بنية مشحونة بالتوقعات السلوكية الهادئة والضبط الذاتي غير المرئي.
الخصائص البنيوية والديناميكية للجمهور العرضي
يتميز الجمهور العرضي بجملة من الخصائص السيكولوجية والفيزيائية التي تمنحه هويته الفريدة ضمن ظواهر السلوك الجمعي. الخاصية الأولى والجوهرية هي غياب التماسك والترابط الاجتماعي المسبق؛ فالأفراد المكونون لهذا الحشد لا يتشاركون قيماً موحدة في تلك اللحظة، ولا تجمعهم روابط قرابة أو صداقة أو عضوية أيديولوجية مشتركة. يتجلى هذا الضعف البنيوي في سرعة تشكل الحشد وسرعة انفضاضه؛ إذ يظل كل فرد مستقلاً بأهدافه ومساراته الذاتية، ولا يرتبط بالآخرين إلا بمجرد المشاركة العابرة في نقطة جذب زمنية ومكانية مؤقتة، سرعان ما تتلاشى بمجرد زوال المثير الخارجي.
الخاصية الثانية تتمثل في المستوى المتدني جداً للاستقطاب العاطفي ومقاومة فقدان التفريد (Deindividuation). على النقيض من الجماهير الهائجة أو الجماهير الرياضية والسياسية، يحتفظ الفرد داخل الجمهور العرضي بهويته الفردية ووعيه الذاتي الكامل، وتظل آلياته الرقابية الذاتية ومعاييره الأخلاقية الشخصية في قمة فاعليتها. لا توجد هنا "روح جمعية" بالمعنى اللوبوني تطمس الإرادة الشخصية، بل تظل المسافة النفسية بين الذات والآخرين قائمة، ويظل التفكير العقلاني التحليلي هو الحاكم الأساسي لاستجابات الفرد، مما يجعل الحشد محصناً نسبياً ضد التحريض السريع ما لم يطرأ تهديد مباشر.
أما الخاصية الثالثة فهي سيولة الحدود وانفتاحها الدائم. لا يمتلك الجمهور العرضي أي معايير للإقصاء أو القبول، ولا توجد قيود على الدخول فيه أو الخروج منه؛ فالمارة يدخلون ضمن إطار الحشد بمجرد التباطؤ في السير أو الالتفات نحو المركز المثير، ويغادرونه بمجرد استئناف خطواتهم. هذه السيولة الفائقة تجعل من الصعب تحديد النطاق الدقيق للحشد في أي لحظة، وتفرض طابعاً ديناميكياً متغيراً باستمرار على كثافته وتوزيع أفراده في المكان، مما يجعله أشبه بحالة تدفق فيزيائي تخضع لقوانين الحركة المكانية أكثر من خضوعها للتنظيم السوسيولوجي.
المقارنة التصنيفية: الجمهور العرضي في مواجهة الأنماط الجمعية الأخرى
لتحديد الدلالة الدقيقة للجمهور العرضي، ينبغي وضعه في سياق المقارنة المباشرة مع الأنماط الثلاثة الأخرى التي صاغها هربرت بلومر في تصنيفه الرباعي للسلوك الجمعي:
- الجمهور العارض (Casual Crowd): يتميز بوجود مثير مؤقت، ومستوى اهتمام متدنٍ، وغياب كامل للتنظيم، وانعدام الروابط الانفعالية المشتركة (مثال: متفرجون يتوقفون لحظياً لمشاهدة واجهة متجر جديدة).
- الجمهور التقليدي (Conventional Crowd): يتجمع الأفراد فيه وفق خطة مسبقة وضمن سياق مؤسسي محدد، وتضبط سلوكهم قواعد ومعايير اجتماعية واضحة المعالم (مثال: الحضور في قاعة محاضرات جامعية أو ركاب رحلة طيران).
- الجمهور التعبيري (Expressive Crowd): يتشكل هذا النمط لتحقيق إشباع وجداني أو التعبير عن شحنات عاطفية عميقة، ويسوده مناخ من الحماس المشترك والنشوة الجماعية (مثال: الجماهير في المهرجانات الموسيقية أو الطقوس الدينية الروحية).
- الجمهور الفاعل أو النشط (Acting Crowd): يُعد أكثر الأنماط اندفاعاً، حيث يركز على هدف محدد ويكون مدفوعاً بدوافع انفعالية حادة كالعدوان أو الذعر، متجهاً نحو إحداث تغيير فيزيائي ملموس (مثال: حشود الشغب أو المتظاهرين الغاضبين أو حشود الهروب من كارثة).
يكشف هذا التباين التصنيفي أن الجمهور العرضي يُمثّل الحالة الصفرية للتنظيم الجمعي؛ إذ تنعدم فيه المعايير الخاصة بالجماعة (بخلاف الجمهور التقليدي)، وتغيب عنه الشحنة الانفعالية المتبادلة (بخلاف الجمهور التعبيري)، ويفتقر إلى الغاية الموجهة نحو الفعل المادي (بخلاف الجمهور الفاعل). ومع ذلك، تتسم هذه الحالة بالمرونة والتقلب؛ فالجمهور العرضي يشكل في كثير من الأحيان البيئة الخصبة أو الحاضنة التي قد ينبثق منها جمهور فاعل بصورة فجائية ومباغتة.
الآليات السيكولوجية وسلوك الأفراد في الحشود العارضة
على الرغم من بساطة التكوين الظاهري للجمهور العرضي، إلا أنه يخضع لتفاعلات سيكولوجية عميقة تُنظم سلوك الأفراد وحركاتهم اللاواعية. أولى هذه الآليات هي إدارة المسافة الشخصية والحيز المكاني، وهو الحقل الذي درسه عالم الأنثروبولوجيا إدوارد تي هول تحت مسمى علم البيئة المكانية (Proxemics). في الحشد العارض، يُجبر الأفراد على التواجد في حيز تلاصق مكاني مع غرباء تماماً، مما ينشط آليات دفاعية هادئة لتقليل التوتر الناجم عن اختراق "المجال الشخصي"؛ فيعمد الفرد إلى تجنب التواصل البصري المستمر، واستخدام لغة جسد منغلقة، والتظاهر بالانهماك في الهواتف الذكية أو مراقبة المشهد العام، كنوع من رسم الحدود النفسية الوهمية.
تتمثل الآلية الثانية في ظاهرة تأثير المتفرج (Bystander Effect) وتشتت المسؤولية الاجتماعية (Diffusion of Responsibility)، وهما الظاهرتان اللتان وثقهما بيب لاتاني وجون دارلي في أبحاثهما الرائدة. عندما يقع طارئ داخل جمهور عرضي—كسقوط شخص مغشياً عليه أو تعرض فرد لاعتداء—يميل كل عضو في الحشد إلى مراقبة ردود أفعال الآخرين لتحديد طبيعة الموقف (الجهل التعددي). ونظراً لأن الجميع يحاولون الحفاظ على هدوئهم الظاهري، يُفسر الأفراد الموقف على أنه غير خطير أو يفترضون أن شخصاً آخر سيتدخل، مما يؤدي إلى شلل نسبي في المبادرة الأخلاقية الجماعية، وهي سمة ملازمة للحشود التي تفتقر إلى القيادة والتنظيم المسبق.
الآلية الثالثة ترتبط بـ الانتباه اللحظي الانتقائي والتحيز المعرفي للمثير. ينجذب الفرد في الجمهور العرضي إلى المثيرات التي تتسم بالجدة، أو الغموض، أو الحركة المفاجئة. وتعمل آليات العدوى الحسية السريعة—مثل توجيه عدة أفراد لأبصارهم نحو أعلى مبنى ما—على تحفيز فضول المارة الآخرين بصورة انعكاسية غير واعية، في ظاهرة تُعرف بالتوجيه الاجتماعي للانتباه (Social Gaze Cuing). هذه الاستجابة العصبية التلقائية تُفسر سرعة تضخم الحشود العارضة في فترات زمنية وجيزة حول أحداث تافهة لا تنطوي على أي قيمة موضوعية حقيقية.
ديناميات التحول الجمعي: من حشد عارض إلى حشد فاعل أو ذعري
تُعد قابلية التحول المفاجئ للجمهور العرضي من أهم موضوعات البحث في سيكولوجيا الطوارئ والأزمات. فالجمهور العرضي ليس كياناً ثابتاً، بل هو حالة عدم استقرار بنيوي يمكن إعادة تشكيلها جذرياً بواسطة مثير بيئي صادم. إذا تحول مثير الفضول العابر إلى مصدر تهديد وجودي، مثل سماع دوي انفجار أو انهيار واجهة بناء، فإن الحشد ينقلب في غضون ثوانٍ معدودة من حالة التشتت والفضول الهادئ إلى "جمهور فاعل مذعور" (Panic Acting Crowd)، حيث تنهار العقلانية الفردية لتحل محلها آليات البقاء البيولوجية والاندفاع العشوائي نحو مخارج النجاة.
تُفسر نظرية المعيار الناشئ (Emergent Norm Theory) لعالمي الاجتماع رالف تيرنر ولويس كيليان (Ralph Turner & Lewis Killian) جانباً آخر من هذا التحول؛ إذ ترى أن الحشد العارض عندما يواجه موقفاً غامضاً أو غير مسبوق، تنشأ بين أفراده معايير سلوكية جديدة عفوية تقودها سلوكيات القلة الأكثر جرأة أو صوتاً في تلك اللحظة. على سبيل المثال، إذا قام رجل شرطة بالاعتداء على بائع متجول وسط جمهور عارض في سوق عام، فإن الصيحات الاستنكارية الصادرة من بعض الأفراد قد تتبلور كمعيار جمعي فوري، مُحولةً جمعاً من المارة المحايدين إلى حشد تظاهري غاضب يهاجم عناصر الأمن دفاعاً عن الضحية، فيما يُعرف بسيرورة التسييس العفوي للحشد.
يلعب مفهوم العدوى العاطفية السريعة دور الوقود في هذا التحول؛ فالملامح التعبيرية والصرخات ولغة الجسد المذعورة تنتقل بين الأفراد عبر الجهاز العصبي المرآتي (Mirror Neuron System) بسرعة تفوق قدرة التفكير الواعي على التقييم المنطقي. هذا التحول السريع يطرح تحدياً أمنياً وسيكولوجياً هائلاً للأجهزة المعنية بإدارة التجمعات العامة، إذ يكشف أن الاستقرار الظاهري للجمهور العرضي خادع ومحفوف باحتمالات انفجار انفعالي غير متوقع إذا توفرت الشروط النفسية المحفزة.
التطبيقات المعاصرة في التخطيط الحضري وسيكولوجيا الاستهلاك
اكتسبت دراسة الجمهور العرضي أهمية استراتيجية بالغة في العصر الحديث، لا سيما في مجالات تخطيط المدن، وهندسة الفضاءات العامة، وإدارة الحشود الحضرية (Crowd Dynamics). يعتمد مهندسو العمارة الحضرية ومصممو محطات النقل والمطارات على نماذج المحاكاة الحاسوبية المعتمدة على السلوك السيكولوجي للحشود العارضة؛ لفهم وتوقع خطوط السير ونقاط الاختناق وتوزيع الكثافات في الردهات والساحات، مما يسهم في منع تدافع المشاة وضمان انسيابية الحركة البشرية دون التسبب في مشاعر الضيق والاختناق النفسي لدى الأفراد.
في سياق سيكولوجيا المستهلك والتسويق التجاري، يُعد استثمار الجمهور العرضي حجر الزاوية في تصميم المراكز التجارية (Shopping Malls) وواجهات العرض الحديثة. يسعى خبراء التسويق العصبي والمعماريون التجاريون إلى إبطاء حركة "الجمهور العرضي" للمشاة عمداً، عبر تقنيات مثل الإضاءة الترحيبية، والروائح الجذابة، وتنسيق الموسيقى الخلفية، فيما يُعرف بـ "تأثير غروين" (Gruen Effect)؛ حيث يتم تحويل المتسوق العابر غير المهتم من حالة المرور السريع إلى حالة الاندماج العاطفي والاستهلاك الاندفاعي، محولين الحشد العرضي غير المنظم إلى قوة شرائية فعلية تخدم المنظومة التجارية.
كما فرضت الرقمنة نمطاً مستحدثاً يمكن تسميته بـ "الجمهور العرضي الرقمي" (Digital Casual Crowd) على منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث يجتمع مستخدمون غرباء تماماً حول منشور واسع الانتشار (Viral Post) أو بث مباشر لحدث غير متوقع. يتصرف هذا الجمع الافتراضي بخصائص تشبه تماماً الجمهور العرضي التقليدي: تجمع لحظي بدافع الفضول، تفاعل عابر، وسرعة في الانفضاض والتشتت فور انتهاء المثير الخاطف، مما يفتح آفاقاً جديدة لأبحاث السلوك الجمعي في البيئات الافتراضية المعاصرة.
التقييم النقدي والاتجاهات البحثية المستقبلية
على الرغم من الرسوخ التاريخي لتصنيف بلومر ودور مفهوم الجمهور العرضي في ضبط تصنيفات السلوك الجمعي، إلا أن المفهوم لم يخلُ من مراجعات نقدية معمقة من قِبل علماء النفس المعاصرين. يرى بعض نقاد علم النفس المعرفي أن مصطلح "العارض" يحمل استبطاناً خادعاً يُوحي بالعشوائية التامة واللافاعلية، بينما تُظهر التحليلات السلوكية الحديثة أن الأفراد داخل هذا الحشد يمارسون درجات عالية جداً من المعالجة المعرفية المعقدة للمعلومات، وتقييم المخاطر البيئية، وتأطير المشاهد الاجتماعية، متصرفين وفق قرارات عقلانية موجهة بدقة وإن بدت حركاتهم السطحية متبلدة أو متفرجة.
انتقدت دراسات الحشود النقدية (Critical Crowd Studies) التصور الذي يختزل الحشود العارضة في كيانات سلبية قابلة للتوجيه والتلاعب السهل عبر الإشاعات أو المحفزات المادية. وأشارت إلى أن الجمهور العرضي يُظهر في كثير من البيئات المتأزمة نضجاً أخلاقياً استثنائياً، حيث تشهد حالات الإجلاء المفاجئ في مترو الأنفاق أو المراكز التجارية نماذج من الإيثار المنظم والتعاون التلقائي بين الغرباء، مما يدحض الفرضية القائلة بأن غياب الروابط المسبقة يقتضي بالضرورة الفوضى أو غياب الحس الجمعي المشترك عند الشدائد.
تتجه الأبحاث الراهنة نحو دمج تقنيات التتبع العيني (Eye-Tracking) والذكاء الاصطناعي مع البيانات البيومترية لتحليل تدفقات الحشود العارضة في الوقت الفعلي داخل المدن الذكية. تهدف هذه المقاربات متعددة التخصصات إلى فك شفرة "العقل الجمعي غير المرئي" لتلك الحشود، وتحديد اللحظة الحرجة (Tipping Point) التي يتبدل فيها مسار التجمع العفوي من الحياد المطلق إلى حالة الفعل أو الخطر، مما يُمكّن صانعي القرار من استشراف السلوك الإنساني وإدارته وفق مقاربات وقائية وعلمية دقيقة.
في الختام، يظل الجمهور العرضي نموذجاً تحليلياً فذاً في سيكولوجيا السلوك الجمعي، حيث يُجسد البساطة الظاهرية التي تُخفي تحتها شبكة متداخلة من الدوافع الفردية، والضبط المعرفي، والمسافات المكانية المنضبطة. وتُبرز مراجعة هذا المفهوم أن التواجد البشري المشترك لا يفقد معناه النفسي بمجرد انعدام التنظيم الرسمي أو الروابط العاطفية؛ فالجمهور العرضي يُمثّل المحيط الاجتماعي الحيوي الذي يتنفس فيه مجتمع المدينة المعاصرة، وحلقة الوصل التأسيسية التي تُظهر كيف يمكن لشرارة طارئة أن تُعيد صياغة جمع من الغرباء إلى قوة جمعية فاعلة ومؤثرة في مجريات الواقع.
المراجع
- Blumer, H. (1951). Collective behavior. In A. M. Lee (Ed.), New Outline of the Principles of Sociology (pp. 167-222). Barnes & Noble.
- Goffman, E. (1963). Behavior in Public Places: Notes on the Social Organization of Gatherings. Free Press.
- Hall, E. T. (1966). The Hidden Dimension. Doubleday.
- Latané, B., & Darley, J. M. (1970). The Unresponsive Bystander: Why Doesn't He Help?. Appleton-Century-Crofts.
- Le Bon, G. (1895). Psychologie des Foules. Félix Alcan.
- Turner, R. H., & Killian, L. M. (1987). Collective Behavior (3rd ed.). Prentice-Hall.
- لو بون، غوستاف. (1991). سيكولوجية الجماهير (ترجمة هاشم صالح). دار الساقي.