علم النفس المعرفيعلم النفس النمائي

التمركز المعرفي: المفهوم والأسس النظرية والتطبيقات النمائية

التمركز المعرفي (Centration) هو مفهوم رئيسي في نظرية بياجيه للنمو المعرفي، يصف ميل الطفل للتركيز على سمة واحدة للموقف وتجاهل السمات الأخرى، وتأثير ذلك على الإدراك والتفكير المنطقي.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 2 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 2 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يُعد التمركز المعرفي (Centration) أحد المفاهيم الجوهرية والركائز البنيوية التي شيد عليها عالم النفس السويسري الشهير جان بياجيه نظريته الرائدة في النمو المعرفي وتطور الفكر البشري خلال مرحلة الطفولة المبكرة. يصف هذا المفهوم ميل الطفل الحصري إلى تركيز انتباهه الإدراكي وتوجيهه نحو سمة بارزة واحدة فقط من سمات الموقف أو المنبه الماثل أمامه، مع التجاهل التام والتغافل اللاإرادي عن سائر السمات والخصائص الأخرى ذات الصلة الوثيقة، مهما بلغت درجة أهميتها المنطقية. يترتب على هذه النزعة الإدراكية قصور واضح في محاكمة الواقع الخارجي وتقييمه بصورة متوازنة وشاملة، مما يقود الطفل في مرحلة ما قبل العمليات إلى صياغة استنتاجات منطقية خاطئة وتفسيرات إدراكية غير موضوعية تشوه بنية الحكم العقلي لديه.

التأصيل النظري والمفهوم البنيوي للتمركز

يشير التمركز من المنظور الإبستيمولوجي والمعرفي إلى حالة من القيد الإدراكي الصارم التي تخضع لها المنظومة الفكرية للطفل الصغير، حيث يعجز الجهاز المعرفي النامي عن معالجة أبعاد متعددة لحدث أو موضوع معين في آن واحد وبشكل متزامن. ينبثق هذا العجز البنيوي من عدم اكتمال العمليات المعرفية العليا وغياب المرونة الإدراكية، الأمر الذي يجعل الإدراك الحسي المباشر هو الموجه الأساسي للتفكير بدلاً من التفكير المنطقي التجريدي. وعليه، فإن الظواهر السطحية الأكثر وضوحاً وجاذبية للبصر تطغى على جوهر العلاقات الكمية أو المكانية، مما يحرم الطفل من إمكانية الوصول إلى تمثيل ذهني متسق للواقع الموضوعي.

يتجلى التمركز في جوهره كآلية أحادية الاتجاه تحكم معالجة المعلومات، حيث يُخفق الطفل في إدراك أن الأشياء والمواقف تمتلك شبكة معقدة من الصفات المترابطة والمتداخلة التي تؤثر في كينونتها. فعندما يُعرض على الطفل مثير يتضمن متغيّرين فيزيائيين متناقضين أو متكاملين، مثل الطول والعرض، أو الارتفاع والحجم، يُبدي عقله انصياعاً كلياً لأحد هذين البعدين دون الآخر، متناسياً أن التغير الحاصل في أحدهما قد يُعوض بالضرورة بالتغير الحاصل في الآخر. يمثل هذا النمط الإدراكي المحدود سمة مميزة لمرحلة ما قبل العمليات الإجرائية (Preoperational Stage)، التي تمتد تقريباً ما بين سن الثانية وسن السابعة من عمر الطفل وفقاً لتصنيف بياجيه التطوري.

ويرتبط التمركز بصورة وشيجة بمفهوم آخر صاغه بياجيه وهو التمركز حول الذات (Egocentrism)، على الرغم من وجود فارق مفاهيمي دقيق بينهما؛ فبينما يمثل الأخير عجزاً عن الفصل بين المنظور الشخصي ومنظور الآخرين على الصعيد الاجتماعي والعقلي، فإن التمركز الإدراكي يمثل عجزاً بنيوياً في نطاق الإدراك الفيزيائي والتعامل مع السمات المادية للعالم الخارجي. إن هذا التماهي بين الرؤية الحسية الأحادية والافتقار إلى المرونة العقلية يؤسس لحالة معرفية تجعل الطفل أسيراً للحظة الراهنة والانطباع البصري الخاطف، دون القدرة على الربط بين التحولات التراكمية التي تطرأ على الأشياء.

السياق التاريخي في نظرية جان بياجيه للنمو المعرفي

قام جان بياجيه بصياغة مفهوم التمركز استناداً إلى ملاحظاته الإكلينيكية الدقيقة والمتكررة على أطفاله وعلى عينات واسعة من أطفال رياض الأطفال والمدارس الابتدائية في جنيف خلال النصف الأول من القرن العشرين. جاء هذا المفهوم في إطار محاولته الدؤوبة لتفسير سبب وقوع الأطفال في أخطاء منهجية متطابقة عند إخضاعهم لاختبارات عقلية معينة، وهي أخطاء ليست ناتجة عن نقص المعرفة أو قلة الذكاء، بل تنبع من بنية معرفية ونمط تفكير مختلف كلياً عن النمط البالغ. وجد بياجيه أن عقل الطفل ليس نسخة مصغرة من عقل الراشد، بل هو جهاز فكري يمر بمراحل كيفية متمايزة ذات منطق داخلي متكامل خاص بها.

تموضع مفهوم التمركز كحجر زاوية في وصف مرحلة ما قبل العمليات، وهي المرحلة التي تمتد بين المرحلة الحسية الحركية (Sensorimotor Stage) ومرحلة العمليات المادية أو العيانية (Concrete Operational Stage). في هذه الحقبة النمائية، يكون الطفل قد اكتسب القدرة على استخدام الرموز اللغوية والتمثيلات الذهنية المبدئية، لكنه يظل عاجزاً عن تنفيذ ما أسماه بياجيه العمليات المنطقية العكوسة (Mental Reversibility). ويشكل التمركز المعرفي السبب الأعمق وراء هذا العجز؛ إذ يمنع الذهن من التنقل الحر بين المنطلقات والنتائج، ويبقيه مشدوداً إلى الصورة البصرية الثابتة التي ترتسم في نهاية كل تغيير فيزيائي.

وقد أثبتت أبحاث بياجيه وبولينتين بربيل وأندريه ري، أن تجاوز مرحلة التمركز لا يحدث من خلال التلقين المباشر أو التعليم المجرد، بل عبر النضج العصبي الحيوي والتفاعل النشط والتجريبي للطفل مع بيئته الفيزيائية والاجتماعية. إن هذا التطور التدريجي يفضي إلى بزوغ عملية عقلية مضادة تُعرف باسم اللاتمركز (Decentration)، وهي الكفاءة المعرفية التي تسمح للطفل بالانتقال إلى مرحلة التفكير الإجرائي الحسي، حيث يصبح قادراً على النظر إلى المواقف من زوايا متعددة وإجراء الموازنات الذهنية الدقيقة التي تحرر حكمه المنطقي من سطوة الحواس الخادعة.

الآليات المعرفية الكامنة وراء التمركز

لفهم كيفية عمل التمركز المعرفي على المستوى السيكولوجي والذهني، ينبغي تفكيك الآليات الإدراكية التي تتحكم في المعالجة العقلية لدى الطفل في هذه المرحلة الحساسة. تنطوي هذه الظاهرة على قصور وظيفي في عدة مكونات عقلية تشمل الانتباه الانتقائي، والذاكرة العاملة، والمرونة المعرفية، وآليات الكبح والتحكم التنفيذي:

  • الانتباه الانتقائي المفرط والمقيد: يفشل الطفل الصغير في توزيع موارده الانتباهية المحدودة على منظومة متكاملة من المدخلات الحسية، حيث يجذبه المؤشر الإدراكي الأكثر سطوعاً أو ضخامة أو بروزاً، مما يجعله يحتجز كامل طاقته الانتباهية في هذا العنصر المفرد، مهملاً كافة العناصر المتزامنة الأخرى.
  • محدودية سعة الذاكرة العاملة: تفتقر الذاكرة العاملة للطفل في مرحلة ما قبل العمليات إلى السعة التخزينية والمعالجة الديناميكية التي تمكنها من الاحتفاظ بمعلومتين متناقضتين في وقت واحد. فالاحتفاظ بمعلومة “الزيادة في الطول” يطرد تلقائياً معلومة “النقصان في السمك”، مما يجعل الاستنتاج النهائي مقتصراً على ما تم حفظه حصرياً في فضاء الذاكرة المؤقت.
  • الجمود المعرفي وضعف الكبح التنفيذي: تقتضي معالجة المواقف المتراكبة قدرة الجهاز العصبي على كبح الاستجابة الأولية المندفعة؛ بيد أن الطفل في هذه المرحلة يعاني من ضعف وظائف الكبح (Inhibition Deficit)، مما يجعله عاجزاً عن تثبيط استجابته الانفعالية الأولية للمظهر السطحي، فيستجيب له مباشرة دون إتاحة الفرصة للمحاكمة العقلية المتأنية.
  • انعدام القابلية للانعكاس أو العكوسية (Irreversibility): ترتبط هذه الآلية بعجز الطفل عن إعادة بناء التسلسل الزمني للأحداث في مخيلته بالاتجاه المعاكس؛ فهو لا يستطيع العودة عقلياً بالمادة إلى حالتها الأصلية ليتأكد من ثبات كميتها، ولذلك يظل حبيس الصورة النهائية الناتجة عن التحول، وهو المظهر الذي يتمركز حوله تفكيره.

المهام البياجيتية الكلاسيكية ودور التمركز في إخفاق الحفظ

قدم جان بياجيه ومساعدوه عدداً من التجارب العبقرية والمقننة التي عُرفت باسم مهام الحفظ أو البقاء (Conservation Tasks)، والتي جسدت بجلاء كيف يقود التمركز الإدراكي الأطفال إلى استنتاجات منطقية خاطئة بصورة منهجية ولافتة. تكمن الفلسفة المنهجية لهذه التجارب في تعديل الشكل الظاهري لكمية ما من المادة، مع إبقاء الكمية ذاتها دون زيادة أو نقصان، وملاحظة كيف يعالج الطفل هذا التناقض بين المظهر والجوهر.

مهمة حفظ السوائل (Conservation of Liquid)

تُعد هذه المهمة من أشهر التجارب في تاريخ علم النفس النمائي؛ حيث يُعرض على الطفل إناءان زجاجيان متطابقان تماماً في الشكل والسعة (أ و ب)، ويُسكب فيهما مقدار متساوٍ من العصير الملون، ويُسأل الطفل عما إذا كان الإناءان يحتويان على الكمية نفسها، فيجيب بالإيجاب. بعد ذلك، وأمام عيني الطفل مباشرة، يقوم الباحث بسكب السائل من الإناء (ب) في إناء ثالث (ج) يكون أطول وأضيق بكثير، ثم يطرح السؤال الجوهري: “أيهما يحتوي على كمية أكبر من العصير، الإناء (أ) أم الإناء (ج)، أم أنهما متساويان؟”.

في هذه اللحظة، يتجلى التمركز في أوضح صوره؛ فالطفل في سن الرابعة أو الخامسة يجيب دون تردد بأن الإناء الطويل (ج) يحتوي على عصير أكثر، معللاً ذلك بقوله: “لأن العصير يصل إلى مستوى أعلى هنا”. يركز الطفل انتباهه بالكامل على ارتفاع عمود السائل متجاهلاً عرضه الضيق؛ لقد تمركز الطفل حول بُعد الارتفاع وفشل في رؤية أن النقص في العرض قد عوّض الارتفاع تماماً. إن هذا التمركز البصري يطغى على الحقيقة المنطقية القائلة بأن شيئاً لم يُضف ولم يُحذف من السائل الأصلي.

مهمة حفظ العدد والكمية المنفصلة (Conservation of Number)

في اختبار حفظ العدد، يضع الباحث صفين متوازيين من الأزرار أو القطع النقدية، يحتوي كل صف على ست قطع موزعة بنفس المسافات الفاصلة بدقة متناهية. يقر الطفل بوضوح بأن الصفين متساويان في عدد القطع. بعد ذلك، يقوم الفاحص بمد المسافات بين قطع أحد الصفين ليبدو أطول بكثير من الصف الآخر، دون إضافة أو إنقاص أي قطعة، ثم يُسأل الطفل مرة أخرى عما إذا كان الصفان ما زالا يحتويان على العدد نفسه.

تُظهر استجابات الأطفال الخاضعين لتأثير التمركز قناعة تامة بأن الصف الممتد يحتوي على عدد أكبر من القطع، والسبب هو تمركز الطفل حول طول الصف الإجمالي بوصفه الخاصية الأكثر لفتاً للانتباه بصرياً، متجاهلاً كلياً كثافة توزيع القطع أو عددها الفعلي الذي شهد توزيعها للتو. يعجز الطفل عن الموازنة بين امتداد الصف والفراغات المتزايدة بين الأزرار، مما يقوده إلى الاعتقاد الخاطئ بأن الطول المكاني يرادف بالضرورة الكثرة العددية.

مهمة حفظ المادة أو الكتلة (Conservation of Mass)

تُطبق هذه التجربة باستخدام كرتين متطابقتين تماماً من الطين الصلصالي، حيث يتأكد الطفل من تساويهما التام في الكتلة والوزن المبدئي. ثم يعمد المجرب إلى دحرجة إحدى الكرتين أمام الطفل وتحويلها إلى شكل أسطواني طويل يشبه النقانق، تاركاً الكرة الأخرى على حالتها الأصلية. عندما يُسأل الطفل عما إذا كانت القطعتان تحتويان على المقدار ذاته من الصلصال، يميل الطفل المتمركز إدراكياً إلى القول بأن القطعة الطويلة تحتوي على طين أكثر نظراً لطولها، أو في بعض الأحيان يقول إنها تحتوي على طين أقل لأنها أصبحت أنحف.

في الحالتين السابقتين، يتضح أن الطفل يتمركز حول خاصية واحدة فقط: إما الطول المفرط أو النحافة الطارئة، ولا يستطيع دمج الخاصيتين معاً في بناء عقلي متكامل يقر بأن الشكل الفيزيائي الخارجي قد تغير بينما ظلت المادة الجوهرية ثابتة ومحفوظة.

التمركز في مقابل اللاتمركز: ديناميات التحول النمائي

يمثل الانتقال من حالة التمركز إلى حالة اللاتمركز (Decentration) قفزة نوعية وثورة حقيقية في مسار الارتقاء العقلي للطفل، حيث تؤسس هذه القفزة لدخول الطفل عتبة التفكير العملياتي المنطقي. يُعرف اللاتمركز بأنه القدرة العقلية المكتسبة على تركيز الانتباه على جوانب وخصائص متعددة للموقف في وقت واحد، والموازنة بينها لإنتاج حكم منطقي وموضوعي متكامل لا يخضع لسيطرة المظهر البصري السطحي.

يمكن توضيح الفوارق البنيوية بين النمطين من خلال دراسة محاور التمايز التالية:

  • طبيعة المعالجة: في التمركز، تكون المعالجة أحادية البعد (Unidimensional)، حيث ينحصر التركيز في متغير واحد يفرضه الإدراك الحسي، بينما تكون المعالجة في اللاتمركز متعددة الأبعاد (Multidimensional)، حيث ينفتح الفكر على شبكة المتغيرات المتفاعلة.
  • التبعية للمظهر: ينطوي التمركز على خضوع كامل للحالة الراهنة والمظهر البصري الخادع، في حين يتميز اللاتمركز بالقدرة على إدراك الواقع الحقيقي الكامن وراء التغير الشكلي العابر، عبر التمييز الدقيق بين المظهر والجوهر (Appearance-Reality Distinction).
  • المرونة العكوسية: يعجز التفكير المتمركز عن التحرك الرجعي، بينما يقوم اللاتمركز على منطق العكوسية؛ حيث يستطيع الطفل أن يُدرك ذهنياً أنه إذا أعدنا صب السائل في إنائه الأصلي، فسيستعيد شكله الأولي، مما يثبت بقاء الكمية دون مساس.
  • التعويض المنطقي: يتيح اللاتمركز للطفل فهم مبدأ التعويض (Compensation)، كأن يقول: “هذا الإناء أطول، نعم، ولكنه أضيق، لذا فالطول يعوض الضيق والكمية تظل واحدة”؛ وهو استدلال يغيب تماماً عن مدارك الطفل في حالة التمركز.

إن هذا التحول النمائي لا يتم بطريقة مفاجئة أو قاطعة، بل يتطور تدريجياً عبر ما وصفه بياجيه بـ الإزاحة النمائية الأفقية (Horizontal Décalage)، حيث ينجح الطفل في تطبيق اللاتمركز في مهمة حفظ الأعداد أولاً (في سن 6 سنوات تقريباً)، ثم في حفظ السوائل والكتلة (في سن 7-8 سنوات)، ولاحقاً في حفظ الوزن والمساحة (في سن 9-10 سنوات)، وأخيراً في حفظ الحجم (في سن 11-12 سنة). ويعكس هذا التدرج الزمني كيف تتفكك قيود التمركز شيئاً فشيئاً تماشياً مع تعقيد المفهوم الفيزيائي المطروح.

المظاهر السلوكية والاجتماعية للتمركز في الطفولة المبكرة

لا تقتصر آثار التمركز على الإخفاق في حل المسائل الفيزيائية واختبارات الحفظ المختبرية فحسب، بل تمتد لتلقي بظلالها الوثيقة على مجمل البنية السلوكية والاجتماعية والانفعالية للأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة ومرحلة الطفولة المبكرة. يظهر التمركز في التفاعلات اليومية كعائق أمام الفهم المتكامل لسلوكيات الآخرين ودوافعهم والمواقف الاجتماعية المركبة.

على صعيد الأحكام الأخلاقية، أشار بياجيه إلى أن الطفل في مرحلة الواقعية الأخلاقية (Moral Realism) يقع تحت وطأة التمركز عند تقييم الأفعال الخاطئة. يتمركز الطفل حول النتيجة المادية الملموسة للفعل مهملاً بالكامل النية والقصد الداخلي للفاعل. فإذا قام طفل بكسر خمسة أكواب زجاجية بالخطأ أثناء محاولته مساعدة والدته، بينما قام طفل آخر بكسر كوب واحد عمداً وهو يحاول سرقة الحلوى، فإن الطفل المتمركز يحكم بأن الطفل الأول أكثر ذنباً ويستحق عقاباً أشد، لأنه تمركز فقط حول النتيجة الظاهرة (خمسة أكواب مقابل كوب واحد)، دون الالتفات إلى البعد الأخلاقي الحاسم المتمثل في القصد والدافع.

أما في سياق العلاقات الاجتماعية والتواصل البينشخصي، فإن التمركز يؤدي إلى ما يُعرف بـ الحديث المتمركز حول الذات (Egocentric Speech)، حيث يتحدث الأطفال في مجموعات دون أن يوجهوا كلامهم فعلياً لبعضهم البعض؛ فالطفل يركز على تدفقه اللفظي الخاص وأفكاره الذاتية، عاجزاً عن التمركز حول احتياجات المستمع أو إدراك ما إذا كان الطرف الآخر يفهم مقصده. وبالمثل، في ألعاب القواعد الجماعية، قد يتمركز الطفل حول قاعدة واحدة تعجبه ويهمل بقية قواعد اللعبة، أو يتمركز حول رغبته الشخصية في الفوز متناسياً الإطار التشاركي الذي يحكم النشاط بأسره.

كما يتجلى التمركز في تصنيف الأشياء والموجودات؛ فعندما يُطلب من طفل في سن الرابعة فرز مجموعة من الأشكال الهندسية المتنوعة في اللون والحجم (دوائر ومربعات، حمراء وزرقاء، كبيرة وصغيرة)، فإنه يتمركز عادة حول بُعد واحد، كأن يجمع كل القطع الحمراء معاً، وإذا طُلب منه إعادة فرزها وفق معيار آخر كالشكل أو الحجم، يجد صعوبة بالغة في التحرر من المعيار الأول؛ فالارتباط الإدراكي باللون يعمي بصيرته عن إمكانية تصنيف الأشياء ذاتها بناءً على زواياها أو أحجامها.

الأهمية والتطبيقات في سياق التربية والتعليم

يحمل فهم آليات التمركز الإدراكي والتحول نحو اللاتمركز دلالات تربوية ومنهجية هائلة للمعلمين والمربين ومصممي المناهج الدراسية للطفولة المبكرة والصفوف الابتدائية الأولى. إن إدراك أن تفكير الطفل خاضع بطبيعته لقيود التمركز يفرض إعادة صياغة جذرية للاستراتيجيات التعليمية المتبعة:

  • تجنب التعليم التجريدي المبكر: إن محاولة تلقين المفاهيم الرياضية أو العلمية المجردة لأطفال لم يتجاوزوا بعد مرحلة التمركز هي محاولة محكوم عليها بالفشل. فالطفل لن يستوعب العمليات الحسابية كالجمع والطرح أو مفاهيم القياس إلا إذا قُدمت له عبر وسائط حسية ملموسة تُراعي إدراكه الأحادي وتساعده تدريجياً على توسيعه.
  • استخدام الوسائل التعليمية المجسمة والمتنوعة: للتغلب على قيود التمركز، يجب على المربين استخدام خامات متعددة الخصائص (كالمكعبات الملونة بأحجام مختلفة)، وتوجيه أسئلة تحث الطفل عمداً على النظر إلى أبعاد أخرى: “لاحظنا أن هذا البرج أطول، ولكن هل هو أعرض أيضاً أم أنحف؟”. يساعد هذا التدخل التوجيهي على تفكيك التمركز الحسي وتدريب مسارات الانتباه على التبديل بين الخصائص.
  • تفعيل التعلم التعاوني وتعارض الآراء (Cognitive Conflict): يُعد وضع الأطفال في مجموعات صغيرة لمناقشة حلول مشكلات معينة من أقوى الأدوات لتحفيز اللاتمركز. فعندما يرى طفل تمركز حول الطول أن زميله يرى الأمر من زاوية العرض، ينشأ داخل عقله صراع معرفي إيجابي يدفعه إلى الشك في حكمه الأحادي وإعادة النظر في المسألة برمتها من زاوية أكثر شمولاً.
  • تصميم مناهج تراعي التدرج النمائي: ينبغي ألا تتطلب المناهج المدرسية للأطفال دون سن السابعة مهارات تفكير تتطلب عكوسية منطقية كاملة أو حكماً متعدداً على المتغيرات في آن واحد، بل يجب أن تركز على إثراء الخبرة الاستكشافية الحرة والتجريب العملي باليد والحواس الذي يمهد الطريق للنضج المعرفي التلقائي.

النقد العلمي والدراسات المعاصرة لما بعد بياجيه

على الرغم من المكانة التاريخية والريادية التي حظيت بها طروحات بياجيه حول التمركز، إلا أن العقود الأخيرة من القرن العشرين ومطالع القرن الحادي والعشرين شهدت حركة نقدية مكثفة قادها علماء النفس المعرفيون وعلماء النفس النمائي الحديث (Neo-Piagetians). تركزت هذه الانتقادات على أن بياجيه ربما قلل بشكل كبير من القدرات العقلية الحقيقية للأطفال الصغار، وأن ظاهرة التمركز قد لا تكون قيداً بنيوياً مطلقاً كما صورها.

أثبتت أبحاث العالمة النفسية البارزة مارغريت دونالدسون (Margaret Donaldson) في كتابها المفصلي أفكار الأطفال (Children’s Minds)، أن اللغة المعقدة وغير المألوفة التي استخدمها بياجيه في صياغة أسئلته هي التي كانت تدفع الأطفال في كثير من الأحيان إلى التمركز حول جانب واحد. عندما أعادت دونالدسون وزملاؤها تصميم مهام بياجيه باستخدام سياقات ذات مغزى إنساني حقيقي ومألوف للطفل (مثل استخدام شخصيات شرطي ولص بدلاً من المجسمات الهندسية الجافة)، أظهر الأطفال في سن مبكرة (الثالثة والرابعة) قدرة مدهشة على اللاتمركز وتبني وجهات نظر مكانية مختلفة، مما كشف أن التمركز يزداد أو يقل بحسب درجة ملاءمة المهمة وإلفتها لعالم الطفل.

من جانب آخر، أظهرت تجارب روشيل غيلمان (Rochelle Gelman) حول إدراك الأعداد، أن الأطفال دون سن الرابعة قادرون بالفعل على حفظ العدد وتجاوز التمركز حول الامتداد المكاني، إذا تم تقليص عدد العناصر في الاختبار إلى ثلاثة أو أربعة أزرار بدلاً من الأعداد الكبيرة التي تثقل كاهل الذاكرة العاملة. استنتجت غيلمان أن إخفاق الأطفال في مهام بياجيه لم يكن عجزاً منطقياً كاملاً عن اللاتمركز، بل كان ناتجاً عن العبء المعرفي الزائد المفروض على سعة المعالجة الذهنية والانتباه التنفيذي لديهم.

كما أسهمت نظريات معالجة المعلومات الحديثة وأبحاث التصوير العصبي في تقديم تفسير بديل لظاهرة التمركز؛ حيث يُنظر إليها اليوم لا بوصفها مرحلة فكرية مقفلة، بل كتعبير عن عدم نضج الفص الجبهي وقشرة ما قبل الجبهية (Prefrontal Cortex) المسؤولة عن الوظائف التنفيذية والسيطرة الانتباهية. ومع التدريب وتطور المسارات العصبية والميالين في الدماغ، يتعلم الطفل تدريجياً كيف يقمع التثبيت الإدراكي على المنبه الأبرز وينقل بؤرة انتباهه بمرونة بين التفاصيل المختلفة للموقف.

خاتمة

يمثل مفهوم التمركز علامة فارقة في فهمنا العلمي لكيفية تشكل وتطور الفكر البشري من بساطته الحسية الأولى إلى مدارجه المنطقية الرفيعة؛ إذ يوضح كيف يمكن للسمات الفيزيائية المباشرة أن تأسر العقل النامي وتقيده برؤية أحادية المظهر. وعلى الرغم من أن الأبحاث الحديثة قد برهنت على أن الأطفال يمتلكون بذور المرونة المعرفية في عمر أبكر مما تصوره بياجيه، يظل التمركز نموذجاً تفسيرياً بالغ الأهمية يشرح الأخطاء الإدراكية النمطية في الطفولة المبكرة، ويضع بين أيدي المربين وعلماء النفس خريطة طريق واضحة لكيفية مساعدة العقل الصغير على التحرر من أغلال المظهر الحسي المباشر، والانطلاق نحو آفاق التفكير المتعدد، والمنطق المتزن، والاستدلال الموضوعي الرصين.

المراجع

  • بياجيه، جان. (1970). علم النفس والتربية (ترجمة أحمد زكي بدوي). دار المعارف.
  • دونالدسون، مارغريت. (1978). أفكار الأطفال (ترجمة طلعت منصور). مكتبة الأنجلو المصرية.
  • منصور، طلعت، وشخص، عبد العزيز، وحليم، سوزان. (2003). أسس علم النفس العام والنمائي. مكتبة الأنجلو المصرية.
  • Gelman, R. (1969). Conservation acquisition: A problem of learning to attend to relevant attributes. Journal of Experimental Child Psychology, 7(2), 167–187.
  • Piaget, J. (1952). The origins of intelligence in children. International Universities Press.
  • Piaget, J., & Inhelder, B. (1969). The psychology of the child. Basic Books.
  • Siegler, R. S., & Alibali, M. W. (2005). Children’s thinking (4th ed.). Prentice Hall.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 2). التمركز المعرفي: المفهوم والأسس النظرية والتطبيقات النمائية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/centration-cognitive-development/
looti, Mohammed. “التمركز المعرفي: المفهوم والأسس النظرية والتطبيقات النمائية.” عرب سايكلوجي, 2 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/centration-cognitive-development/.
looti, Mohammed. “التمركز المعرفي: المفهوم والأسس النظرية والتطبيقات النمائية.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 2, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/centration-cognitive-development/.