التفكير النقديالفلسفة والمنطقعلم النفس المعرفي

الاستدلال الدائري

الاستدلال الدائري أو المصادرة على المطلوب هو نمط معرفي ومغالطة منطقية تفترض فيها الحجة صحة النتيجة في مقدماتها، مما ينشئ حلقة مغلقة تعوق التفكير النقدي وتغذي الانحيازات النفسية والاضطرابات الإدراكية.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 3 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 3 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يُمثّل الاستدلال الدائري (Circular Reasoning)، المعروف تاريخياً في الأوساط المنطقية والفلسفية بمصطلح المصادرة على المطلوب (Petitio Principii)، أحد أكثر الأنماط الإدراكية والمغالطات الجدلية تعقيداً وتشابكاً في دراسات الفلسفة، والمنطق، وعلم النفس المعرفي. تتجلى هذه الظاهرة عندما تُبنى النتيجة المستخلصة من حجة معينة على مقدمة تفترض مسبقاً صحة تلك النتيجة ذاتها، مما يخلق حلقة مفرغة من البرهنة المغلقة التي تعيد إنتاج ذاتها دون تقديم أي قيمة برهانية أو معرفية مضافة. لا تقتصر خطورة هذا النمط التفكيري على كونه خللاً في البناء الصوري للمناظرات الفكرية، بل تمتد آثاره العميقة إلى صميم المنظومة الإدراكية للإنسان، حيث يُشكّل درعاً دفاعياً نفسياً يُحصّن المعتقدات الذاتية الراسخة ضد التمحيص الموضوعي، ويغذي آليات التبرير اللاواعية التي تقود في كثير من الأحيان إلى ترسيخ أنماط التفكير المرضية والممارسات المعرفية المنحرفة.

الجذور التاريخية والتطور الفلسفي للمفهوم

تعود الإرهاصات الأولى لتقعيد هذا المفهوم إلى الفيلسوف الإغريقي أرسطو في مصنفه الشهير «التحليلات الأولى» (Prior Analytics)، حيث استحدث مصطلح «المصادرة على النتيجة الأصلية» ليوصف به ذلك المسار الجدلي الذي يفترض فيه المحاجج الشيء ذاته الذي يروم إثباته برهانياً. رأى أرسطو أن الغاية الجوهرية من القياس المنطقي هي الانتقال الفكري من مقدمات معلومة ومسلّم بصحتها إلى نتيجة مجهولة تتكشف بفضل الرابطة المنطقية؛ غير أن الاستدلال الدائري يخلخل هذه الغاية التوليدية للبرهان، جاعلاً النتيجة المبتغاة متوارية بصورة صريحة أو ضمنية في صلب المقدمة، مما يعطل وظيفة الاستدلال التحويلية ويحيلها إلى تحصيل حاصل عقيم لا يحمل في طياته أي كشف جديد.

مع تطور الفلسفة المدرسية في العصور الوسطى والفكر الحديث، خضع الاستدلال الدائري لتشريح فلسفي دقيق تناول الفروق الدقيقة بين المغالطة الصورية والمغالطة غير الصورية. فمن الناحية الصورية البحتة، قد تبدو الحجة الدائرية سليمة البناء لأن صحة المقدمات تضمن بالضرورة صحة النتيجة بحكم تماهيهما، بيد أن العيب يكمن في فقرها الإبستيمولوجي؛ إذ تفشل الحجة في أداء وظيفتها الأساسية المتمثلة في الإقناع القائم على أرضية استدلالية مستقلة. وقد تناول فلاسفة المعرفة، مثل جون لوك وديفيد هيوم، هذه الظاهرة بالتحليل في سياق نقد النظم العقائدية الميتافيزيقية المغلقة، مشيرين إلى أن الأنظمة الاعتقادية التي تؤسس لنفسها عبر معاييرها الخاصة تقع بالضرورة في شرك التدوير المعرفي العاجز عن ملامسة الواقع الموضوعي أو الانفتاح على براهين خارج نطاق منظومتها الذاتية.

في الفلسفة المعاصرة والمنطق البراغماتي، تجاوز الباحثون النظرة الكلاسيكية التبسيطية للاستدلال الدائري بوصفه مجرد خطأ ساذج يمكن رصده بيسر. فقد أوضح علماء المنطق الحجاجي، ومنهم دوغلاس والتون، أن الدائرية المنطقية تتدرج في مستويات من التعقيد والتستر، حيث تظهر تارة في صورة مباشرة وجلية، وتتخفى تارة أخرى وراء شبكات مترامية من القضايا المتسلسلة والمفاهيم المترادفة التي تفصل بين المقدمة والنتيجة بسلاسل استدلالية وهمية توهم السامع أو القارئ بوجود تقدم منطقي، بينما الحقيقة هي عودة متقنة إلى نقطة البداية ذاتها، متوشحة برداء من الألفاظ البلاغية التي تضلل آليات التفكير النقدي لدى المتلقي.

البنية المنطقية والآلية الإبستيمولوجية للاستدلال الدائري

تتسم البنية المنطقية للمصادرة على المطلوب بطابع انعكاسي يربك موازين التقويم المنطقي التقليدي. في صورتها القياسية المجردة، يمكن صياغة الحجة كالتالي: «القضية (أ) صحيحة لأن القضية (ب) صحيحة، والقضية (ب) صحيحة لأن القضية (أ) صحيحة». هذا النموذج الثنائي البسيط، على الرغم من سهولة كشفه نظرياً، يمارس تأثيراً خفياً عندما يُترجم إلى سياقات لغوية يومية أو أكاديمية معقدة. تعتمد الآلية الإبستيمولوجية هنا على مبدأ التحايل الدلالي، حيث يُعاد تغليف المفهوم المراد إثباته بمفردات متباينة تُعطي انطباعاً زائفاً بأنها تقدم دليلاً مستقلاً، بينما هي في الواقع ليست سوى إعادة صياغة للمفاهيم ذاتها بألفاظ مترادفة تتستر خلف الحصانة الدلالية.

تتمثل المشكلة المعرفية الجوهرية في هذا النمط من التفكير في انتهاك شرط «أسبقية الدليل واستقلاليته». يقتضي التحقيق المعرفي السليم أن يتمتع الدليل بمصداقية مستقلة تسبق معرفياً النتيجة التي يستند إليها، بحيث يمتلك وزناً إثباتياً قائماً بذاته لا يعتمد على قبول النتيجة سلفاً. وفي غياب هذا الشرط، يتحول الاستدلال الدائري إلى فخ إبستيمولوجي مغلق يُفقد المعرفة طابعها التراكمي والنقدي؛ فالافتراض المسبق يسبغ على النتيجة حصانة مطلقة من الدحض، ويحرم العملية الفكرية برمتها من أي احتكاك حقيقي بالواقع التجريبي أو بالمبادئ العقلانية البديهية التي تتيح تصحيح المسارات الفكرية وتعديل النماذج المعرفية المنحازة.

علاوة على ذلك، يتقاطع الاستدلال الدائري بنيوياً مع مفهوم «الحلقات المفرغة» في نظرية النظم وتداول المعلومات. فعندما تنغلق شبكة القضايا على ذاتها، تصبح المنظومة الفكرية بمثابة دائرة صدى داخلية تعيد تدوير الفرضيات التأسيسية باعتبارها مخرجات برهانية. هذا الإحكام الزائف في التماسك الداخلي يخلق وهماً خطيراً يسمى «التماسك المعرفي المصطنع»، حيث يشعر الشخص أو الجماعة بأن الحجة متماسكة بصورة لا تقبل الشك نظراً لغياب أي تناقض ظاهري بين عناصرها الداخلية، متناسين تماماً أن هذا التماسك ليس سوى انعكاس لغياب المدخلات الخارجية وللهروب الممنهج من تقديم بينة تجريبية مستقلة تدعم صحة البناء برمته.

الأبعاد النفسية والمعرفية لظاهرة المصادرة على المطلوب

من منظور علم النفس المعرفي، لا يُنظر إلى الاستدلال الدائري بوصفه مجرد قصور في التدريب المنطقي، بل بوصفه نتاجاً لتشابك عميق بين انحيازات إدراكية منهجية وآليات الدفاع النفسي عن الذات المعرفية. يقف الانحياز التأكيدي (Confirmation Bias) في مقدمة هذه العوامل؛ فالأفراد يميلون بطبيعتهم البيولوجية والنفسية إلى البحث عن الأدلة التي تدعم فرضياتهم المسبقة وتأكيدها، متجاهلين أو مسقطين أي بيانات تتناقض معها. في سياق الاستدلال الدائري، يبلغ الانحياز التأكيدي ذروته من خلال إعادة تفسير الأدلة المحايدة أو حتى المتناقضة بصورة تجعلها تنصاع للفرضية الأصلية، مما يجعل المعتقد مبرراً لذاته في حلقة إدراكية حصينة.

تلعب ظاهرة «استمرار المعتقد» (Belief Perseverance) دوراً جوهرياً في تغذية النزوع نحو التفكير الدائري. تظهر الدراسات النفسية أن الأفراد، بمجرد أن يتبنوا تصوراً معيناً عن أنفسهم أو عن العالم، يجدون صعوبة بالغة في التخلي عنه حتى عند مواجهتهم بدحض قاطع للأدلة الأولية التي أسست لذلك التصور. هنا، يتدخل الاستدلال الدائري كوسيلة تكيفية لاواعية لترميم البناء الإدراكي المهدد؛ حيث يبدأ العقل في توليد حجج مساندة تستند في جوهرها إلى المعتقد المهدد ذاته، متخذاً من يقينه الداخلي دليلاً كافياً على صحته، وذلك بهدف تجنب المشاعر المؤلمة المرتبطة بحالة التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance).

كذلك، يرتبط الاستدلال الدائري بنمط التفكير القائم على «الاستدلال المدفوع» (Motivated Reasoning)، حيث تتحدد مسارات الاستنتاج المنطقي وفق رغبات الفرد واحتياجاته الانفعالية بدلاً من الانقياد وراء المعطيات الموضوعية. عندما تكون التكلفة النفسية لتغيير رأي ما مرتفعة للغاية—كالآراء المرتبطة بالهوية الشخصية أو الانتماءات الأيديولوجية أو المعتقدات الوجودية الكبرى—فإن الدماغ يُجند مهاراته الذكائية والمنطقية لا للبحث عن الحقيقة، بل لبناء أسوار حجاجية دائرية تعيد إنتاج تلك القناعات وتمنحها شرعية زائفة تعفي صاحبها من مشقة المراجعة النقدية المؤلمة وإعادة هيكلة بنيته النفسية.

الاستدلال الدائري في السياق الإكلينيكي والاضطرابات النفسية

يتحول الاستدلال الدائري في ميدان علم النفس السريري والعلاج النفسي من مجرد خلل نظري إلى آلية مرضية مركزية تسهم في نشأة الاضطرابات النفسية واستمرارها. يُبرز العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، الذي أرسى دعائمه آرون بيك، أن كثيراً من الأنماط التفكيرية غير التكيفية تتخذ شكلاً دائرياً صلباً. ففي حالة الاكتئاب الجسيم، على سبيل المثال، يقع المريض غالباً في شرك استدلالي مدمر: «أنا شخص فاشل لأن كل ما أقوم به محكوم عليه بالإخفاق، والدليل على أن كل ما أقوم به فاشل هو أنني إنسان فاشل بطبيعتي». هذه البنية المغلقة تجعل المريض يفسر حتى النجاحات الجزئية كاستثناءات تؤكد القاعدة، مما يرسخ مشاعر العجز واليأس المكتسب.

في سياق اضطرابات القلق ونوبات الهلع، يظهر الاستدلال الدائري من خلال تفسير الإشارات الجسدية الطبيعية باعتبارها أدلة حتمية على خطر وشيك. قد يقول مريض الهلع: «تسارع نبضات قلبي يعني أنني أتعرض لأزمة قلبية حادة، والسبب في يقيني من حدوث هذه الأزمة هو تسارع هذه النبضات وإحساسي الفطري بالخطر». هذا النمط الاستدلالي يغذي حلقة مفرغة من التغذية الراجعة البيولوجية والنفسية؛ فالقلق الناشئ عن الفكرة يرفع من معدل ضربات القلب، وارتفاع النبضات يُوظف كدليل إضافي قاطع يثبت صحة الفكرة الأولية، مما يقود في نهاية المطاف إلى تصاعد النوبة وصولاً إلى الذعر الشامل.

أما في اضطراب الوسواس القهري (OCD)، فيمارس الاستدلال الدائري دور المحرك الرئيس للطقوس القهرية والاجترار الفكري. يعتقد المصاب أن فكرة الشك (مثلاً: عدم نظافة اليدين أو عدم إغلاق الباب) تحمل خطراً حقيقياً لمجرد أنها ظهرت في وعيه، وتكون حجته أن «القلق الذي أشعر به دليل على وجود تلوث حقيقي، والدليل على وجود التلوث هو أنني ما زلت أشعر بالقلق ولا بد لي من غسل يدي». لا يتوقف الاجترار المعرفي هنا لأن الإجراء السلوكي القهري نفسه مبني على منطق دائري يفشل في فك الارتباط بين الإحساس الذاتي بالخطر والوجود الموضوعي للتهديد، مما يجعل الاستقرار النفسي رهيناً بدوامات استدلالية لا نهائية.

التجليات الاجتماعية والسلوكية والمؤسسية للمصادرة على المطلوب

لا يقتصر أثر التفكير الدائري على البناء الفردي، بل يتمدد ليصيغ أنماط التفاعل الاجتماعي وديناميات الجماعة. تُمثل ظاهرة «تفكير الجماعة» (Groupthink) بيئة خصبة لترعرع الاستدلال الدائري وتأصيله في القرارات المصيرية. في الجماعات ذات التماسك المفرط، تصبح صحة قرارات القائد أو توجهات الجماعة مفترضة مسبقاً لأنها تنبع من هذه القيادة الموثوقة، وأي نقد يُوجه إليها يُعتبر لاغياً لأن المعيار الوحيد لتقييم صحة الطروحات هو مدى موافقتها لتلك المنظومة القيادية ذاتها، مما يقود في حالات موثقة تاريخياً إلى اتخاذ سياسات كارثية عجز الأفراد عن التنبؤ بفشلها بسبب الركون إلى هذا التبرير المغلق.

في الفضاءات الرقمية المعاصرة وشبكات التواصل الاجتماعي، تفاقم «غرف الصدى» (Echo Chambers) الاستدلال الدائري الجمعي بصورة غير مسبوقة. يحيط المستخدمون أنفسهم بمصادر معلومات ومجتمعات افتراضية تتبنى نفس الرؤى، حيث تُعد مصداقية المعلومة مستمدة من موافقتها للرأي السائد في المجموعة، والدليل على صدق توجهات المجموعة هو هذه المعلومات المعاد تدويرها باستمرار. هذا الانغلاق التواصلي يعطل القدرة على المحاكمة المنطقية المستقلة، ويصنع استقطاباً فكرياً حاداً ترفض فيه كل فئة الاستماع للأخرى، استناداً إلى قناعة دائرية مفادها أن كل ما يأتي من خارج الدائرة غير موثوق به بحكم كونه خارجاً عنها فقط.

تتجلى هذه الإشكالية أيضاً في البنى المؤسسية والبيروقراطية المتصلبة، حيث يُبرر الإجراء القائم بأنه الإجراء الصحيح لمجرد أنه القانون المتبع تاريخياً، وتُمنح اللوائح صفة العصمة بناءً على سلطة النظام التي تستند بدورها إلى تلك اللوائح ذاتها دون أي مساءلة لمدى ملاءمتها للواقع العملي المتغير. يقود هذا الدوران المؤسسي إلى جمود معرفي وإداري يقاوم التطور، ويعامل أي مبادرة للإصلاح باعتبارها انحرافاً، لكونها تتجرأ على كسر حلقة التبرير الذاتي التي تجعل الإجراء غاية في ذاته بدلاً من كونه وسيلة لتحقيق أهداف مجتمعية مرنة وفاعلة.

الاستدلال الدائري المنهجي في البحث العلمي والتشخيص النفسي

على الرغم من الصرامة المفترضة في المناهج العلمية، فإن تاريخ العلوم، ولا سيما العلوم الإنسانية والنفسية، يشهد وقائع سقطت فيها نظريات وتصنيفات في شرك الدائرية المنهجية. من أبرز هذه الإشكاليات ما يشار إليه في إبستيمولوجيا الطب النفسي بـ«الدائرية التشخيصية» (Diagnostic Circularity). تظهر هذه المعضلة عندما يُعرّف اضطراب نفسي ما استناداً إلى مجموعة من الأعراض السلوكية، ثم يُستخدم اسم الاضطراب ذاته كتفسير سببي لتلك الأعراض بعينها؛ كأن يُقال إن المريض يعاني من نقص الانتباه وفرط الحركة لأن لديه تشتتاً وحركة مفرطة، والدليل على سبب تشتته وحركته المفرطة هو إصابته بهذا الاضطراب.

هذا النوع من الخلط بين التسمية الوصفية والتفسير السببي يمثل مصادرة صريحة على المطلوب تُعطل استكشاف الأسباب البيولوجية العصبية أو البيئية الحقيقية للاضطرابات. وقد وجّه فلاسفة العلم، مثل كارل بوبر، تحذيرات بالغة ضد النظريات التي تنظم نفسها بحيث تفسر كل شيء مقدماً، مشيراً إلى أن النظرية التي لا تقبل الدحض التجريبي تتحول حتماً إلى بناء استدلالي دائري يحمي نفسه من التمحيص الموضوعي عن طريق استيعاب الشواهد المضادة وإعادة تدويرها كشواهد مؤكدة على صحته الشاملة.

يمتد هذا التحدي إلى تصميم أدوات القياس والاستبانات النفسية. فعندما يصمم الباحث مقياساً لقياس سمة نفسية معينة (مثل الذكاء العاطفي أو الصلابة النفسية)، فإن خطر الدائرية يلوح في الأفق إذا تم التحقق من صدق المقياس عبر مقارنته بسلوكيات هي في الأصل مكونات التعريف الإجرائي المشتق منه المقياس نفسه. لتجنب هذا الانزلاق المنهجي، تفرض مناهج البحث المتقدمة اعتماد استراتيجيات «الصدق التقاربي والتمايزي» الصارمة وربط القياسات النفسية بمتغيرات مستقلة تماماً وموضوعية وقابلة للقياس الحيوي أو السلوكي المستقل لضمان كسر حلقة التغذية الذاتية للمفاهيم الإجرائية.

استراتيجيات المواجهة والتفكيك المعرفي

يتطلب تفكيك الاستدلال الدائري لدى الأفراد والمؤسسات عملاً منهجياً يجمع بين التفكير النقدي المنطقي والتدريب النفسي على ما وراء المعرفة (Metacognition). تتضمن الخطوة الأولى في هذا المسار تنمية «اليقظة المنطقية»، وهي القدرة على رصد التماثل الدلالي المستتر بين المقدمات والنتائج وفصل الدعوى عن البينة المقدمة لدعمها. يُطالب المتحدث أو المتفكر هنا بتقديم إجابة واضحة عن السؤال الجوهري: «ما هو الدليل المستقل الذي نملكه على صحة هذه المقدمة دون اللجوء إلى افتراض صحة النتيجة مسبقاً؟».

في إطار العلاج المعرفي، تُستخدم تقنية «المساءلة السقراطية» (Socratic Questioning) كأداة قوية لزعزعة الحلقات التفكيرية المفرغة التي تحبس المسترشد في معتقدات مؤذية. يقوم المعالج بتفكيك الأنماط التلقائية للمريض من خلال توجيه أسئلة تكشف الطبيعة الدائرية لاستنتاجاته؛ مما يساعد الفرد على إدراك أنه يتخذ من مشاعره الذاتية أو مخاوفه غير المثبتة براهين دامغة على حقائق خارجية، وبالتالي يتم تدريبه على البحث عن أدلة ملموسة ومستقلة تقع خارج مدار استدلاله المغلق وقابلة للاختبار التجريبي الواقعي.

تشمل الاستراتيجيات الفعالة أيضاً تعزيز فضيلة «التواضع الفكري» (Intellectual Humility) وقبول مبدأ القابلية للخطأ (Fallibilism). إن الاعتراف بأن قناعاتنا الأكثر رسوخاً قد تحتمل الخطأ يقلل من وطأة الدافع النفسي لبناء أسوار استدلالية دائرية لحمايتها. كما يسهم تشجيع بيئات الحوار المفتوحة التي ترحب بـ«محامي الشيطان» (Devil’s Advocate)—أي الشخص الذي يتولى عن عمد معارضة الأفكار السائدة لاختبار صلابتها—في كسر حلقات الإجماع الدائري المصطنع داخل المؤسسات وفرق العمل، مما يفتح الباب واسعاً أمام الرؤى البديلة والتفكير الإبداعي الأصيل.

خاتمة

في الختام، يتبين أن الاستدلال الدائري ليس مجرد عثرة منطقية عابرة تقع في خضم المناقشات النظرية، بل هو ظاهرة إدراكية ونفسية متعددة المستويات تعكس النزوع الإنساني الدفين إلى البحث عن اليقين السهل وتفادي مشقة المراجعة النقدية للذات والمنطلقات الفكرية. من أروقة الفلسفة الأرسطية القديمة إلى أحدث نظريات العلاج النفسي المعرفي وأبحاث السلوك المؤسسي، يظل تفكيك المصادرة على المطلوب حجر الزاوية في بناء وعي إنساني حر وعقلاني قادر على الانفتاح على الواقع الموضوعي بكل تعقيداته. إن تجاوز هذا الفخ المعرفي يتطلب يقظة مستمرة وشجاعة معرفية تعلي من شأن الدليل المستقل والتساؤل المستمر على حساب الراحة الزائفة التي توفرها الدوائر الاستدلالية المغلقة.

المراجع

  • أرسطو. (1980). منطق أرسطو: التحليلات الأولى (تحقيق عبد الرحمن بدوي). دار القلم.
  • بيك، آرون ت. (2011). العلاج المعرفي والاضطرابات الانفعالية (ترجمة عادل مصطفى). دار النهضة العربية.
  • مصطفى، عادل. (2007). المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري. المجلس الأعلى للثقافة.
  • بوبر، كارل. (2006). منطق الكشف العلمي (ترجمة ماهر عبد القادر محمد). دار المعرفة الجامعية.
  • Walton, D. (1991). Begging the question: Circular reasoning as a tactic of argumentation. Greenwood Press.
  • Kahneman, D. (2011). Thinking, fast and slow. Farrar, Straus and Giroux.
  • Nickerson, R. S. (1998). Confirmation bias: A ubiquitous phenomenon in many guises. Review of General Psychology, 2(2), 175-220. https://doi.org/10.1037/1089-2680.2.2.175
  • Baron, J. (2008). Thinking and deciding (4th ed.). Cambridge University Press.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 3). الاستدلال الدائري. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/circular-reasoning/
looti, Mohammed. “الاستدلال الدائري.” عرب سايكلوجي, 3 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/circular-reasoning/.
looti, Mohammed. “الاستدلال الدائري.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 3, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/circular-reasoning/.