اضطرابات انفصاليةعلم النفس الإكلينيكي

فقدان الذاكرة المحدد: دراسة إكلينيكية ونفسية شاملة

دراسة إكلينيكية متعمقة حول فقدان الذاكرة المحدد (الموضعي): أسبابه النيوروبيولوجية، معاييره التشخيصية في DSM-5، والتدخلات العلاجية النفسية المعتمدة.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 3 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 3 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يُعد فقدان الذاكرة المحدد (Circumscribed Amnesia)، والمعروف أيضاً باسم فقدان الذاكرة الموضعي (Localized Amnesia)، أحد أكثر الظواهر السيكولوجية إثارة للجدل والاهتمام في حقل علم النفس الإكلينيكي والطب النفسي العصبي. تتجلى هذه الحالة في عجز الفرد غير المبرر عضوياً عن استدعاء ذكريات ومعلومات ترتبط بفترة زمنية محددة ومحاطة بسياق صدمي أو ضاغط للغاية، في حين تظل الذاكرة العامة والقدرات المعرفية الأخرى سليمة وفاعلة. إن فهم هذا الاضطراب يستلزم سبر أغوار الآليات الدفاعية النفسية المعقدة، والمسارات النيوروبيولوجية التي تربط بين الاستجابة للضغط الحاد وتشفير الذاكرة واسترجاعها.

الإطار المفاهيمي والتاريخي لفقدان الذاكرة المحدد

يعود التأصيل النظري لاضطرابات الذاكرة الانفصالية إلى أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حيث برزت إسهامات الرواد الأوائل في دراسة العصاب والانفصال. كان الفيلسوف والطبيب النفسي الفرنسي بيير جانيه من أوائل الذين صاغوا مفهوم “الانفصال النفسي” (Psychological Dissociation)، مشيراً إلى أن العقل البشري يمتلك القدرة على عزل منظومات معرفية وعاطفية محددة عن الوعي الجمعي المركزي عندما تفوق شدة الخبرة طاقة التحمل التكيفية للأنا. واعتبر جانيه أن الذكريات الصدمية لا تُمحى كلياً، بل تُعزل ضمن بنية نفسية مستقلة تنفصل عن التيار الرئيسي للشعور، وهو ما يفسر حدوث فجوة محددة في الذاكرة السيرية للذات.

في السياق ذاته، تناول سيغموند فرويد هذه الظاهرة من منظور التحليل النفسي الكلاسيكي، مؤطراً إياها ضمن ديناميات “الكبت” (Repression). ووفقاً للنموذج الفرويدي، يعمل الكبت كآلية دفاع لاواعية تهدف إلى إبعاد التمثيلات المعرفية المحملة بالقلق والصراع والذنب عن حيز الإدراك الواعي لحماية الاستقرار النفسي. ومع أن الكبت يرتبط بالدوافع الغريزية والصراعات الباطنية، إلا أن فرويد وجوزيف بروير لاحظا في دراساتهما حول الهستيريا أن المرضى يفقدون غالباً القدرة على تذكر فترات زمنية دقيقة تزامنت مع صدمات نفسية حادة، وهو الوصف الإكلينيكي المبكر لما يُعرف اليوم بفقدان الذاكرة المحدد.

مع تطور أدلة التشخيص النفسي المعاصرة، مثل الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM) والتصنيف الدولي للأمراض (ICD)، أُدرج فقدان الذاكرة المحدد كنمط فرعي رئيسي ضمن مظاهر فقدان الذاكرة الانفصالي (Dissociative Amnesia). وقد استقر التعريف المعاصر على أنه إخفاق في تذكر جميع الأحداث التي وقعت خلال نافذة زمنية محددة ومقيدة، تمتد عادة من بضع ساعات إلى بضعة أيام، وفي حالات استثنائية لأسابيع، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بحدث صادم أو كارثي يمس سلامة الفرد أو من حوله، دون وجود أي تلف بنيوي في الدماغ أو تأثير ناتج عن مواد مخدرة أو عقاقير طبية.

الفارق الدقيق بين فقدان الذاكرة المحدد والأنماط الانفصالية الأخرى

يتطلب الفهم الإكلينيكي العميق لفقدان الذاكرة المحدد التمييز الدقيق بينه وبين الأنماط المتباينة لفقدان الذاكرة الانفصالي، حيث تتمايز هذه الأنماط بناءً على نطاق الفجوة التذكارية وطبيعة المحتوى المفقود ومداه الزمني. يمثل النمط المحدد أو الموضعي الشكل الأكثر شيوعاً في الممارسة السريرية، ويتميز بوجود حدود زمنية قاطعة؛ فالشخص على سبيل المثال، قد يتذكر بدقة تفاصيل ما قبل حادث سيارة مروع وما تلا وصوله إلى المستشفى، ولكنه يعاني من محو تام وشامل للذاكرة خلال الساعات الثلاث التي استغرقتها عملية الإنقاذ والاحتجاز داخل المركبة.

في المقابل، يختلف هذا النمط عن فقدان الذاكرة الانتقائي (Selective Amnesia)، والذي يُعرف بالقدرة على استدعاء بعض تفاصيل الحدث الصادم مع نسيان تفاصيل أخرى محددة ضمن الإطار الزمني عينه. ففي حين ينطوي فقدان الذاكرة المحدد على فراغ كلي وكامل للنافذة الزمنية المحددة، فإن النمط الانتقائي يشبه لوحة فُقدت بعض أجزائها بينما بقيت خطوطها العريضة ظاهرة؛ ومثال ذلك جندي يتذكر جميع أحداث المعركة ولكنه يعجز تماماً عن تذكر اللحظة المحددة التي شهد فيها مقتل رفيقه المقرب بجانبه.

كما يتباين هذا الاضطراب بصورة جذرية مع فقدان الذاكرة العام (Generalized Amnesia)، وهو حالة نادرة وشديدة تتسم بفقدان كلي للذاكرة السيرية الذاتية يشمل هوية الشخص وتاريخ حياته بالكامل، وكذلك مع فقدان الذاكرة المستمر (Continuous Amnesia)، حيث يعجز الفرد عن تذكر الأحداث المتتالية من نقطة زمنية معينة حتى الوقت الحاضر، وفقدان الذاكرة المنتظم (Systematized Amnesia)، الذي يتركز حول فئة محددة من المعلومات كالذكريات المتعلقة بشخص معين أو أفراد عائلة محددين. يوضح الجدول المفاهيمي التالي المعالم الفارقة بين هذه الأنماط:

  • فقدان الذاكرة المحدد (الموضعي): عجز تام وشامل عن استدعاء أحداث وقعت ضمن فترة زمنية محصورة وضيقة (مثل ساعات وقوع الصدمة).
  • فقدان الذاكرة الانتقائي: تذكر جزئي للفترة الصادمة مع إسقاط عناصر أو تفاصيل محددة وحرجة منها.
  • فقدان الذاكرة العام: نسيان شامل للهوية الشخصية وكامل التاريخ الحياتي والسيرة الذاتية السابقة.
  • فقدان الذاكرة المستمر: عدم القدرة على تشكيل أو استرجاع الذكريات من لحظة الحدث الصادم فصاعداً في تتابع زمني مستمر.
  • فقدان الذاكرة المنتظم: فقدان الذاكرة الموجه نوعياً نحو موضوع محدد أو شخص بعينه أو فئة نوعية من الأحداث بغض النظر عن توقيتها.

الآليات النيوروبيولوجية والسيكولوجية الكامنة

يقف وراء فقدان الذاكرة المحدد تآثر معقد بين استجابات الإجهاد البيولوجية الحادة والعمليات المعرفية المتغيرة. على المستوى الفسيولوجي العصبي، يؤدي التعرض لصدمة حادة ومباغتة إلى تنشيط مفرط للمحور الوطائي-النخامي-الكظري (HPA axis) والجهاز العصبي الودي، مما يؤدي إلى إغراق الدماغ بتدفقات هائلة من هرمونات التوتر، ولا سيما الكورتيزول والكاتيكولامينات مثل الإبينفرين والنورإبينفرين. تؤثر هذه التراكيز المفرطة بشكل مباشر وعميق على بنية الحصين (Hippocampus)، وهو المركز العصبي الجوهري المسؤول عن تعزيز الذاكرة التقريرية ونقلها من الذاكرة قصيرة المدى إلى الذاكرة طويلة المدى.

في الظروف الطبيعية، يعمل الحصين بتناغم وثيق مع اللوزة الدماغية (Amygdala)، التي تعالج المضامين الانفعالية والتهديدية للتجارب. غير أنه في ظل الصدمة الشديدة، يؤدي فرط إثارة اللوزة الدماغية إلى إحداث خلل وظيفي حاد وكابح في الحصين والقشرة الجبهية الأمامية (Prefrontal Cortex). يترتب على هذا الخلل تعطل آلية الدمج الزماني والمكاني للحدث، مما يعني أن عناصر الحدث الصادم لا تُشفر كقصة سردية متماسكة ومترابطة في الذاكرة الصريحة الواعية (Explicit Memory)، بل تتفكك وتُسجل في صورة شظايا حسية وانفعالية مشوهة ضمن أنظمة الذاكرة الضمنية (Implicit Memory).

من الناحية المعرفية والسيكودينامية، يمثل الانفصال أثناء الصدمة (Peritraumatic Dissociation) درعاً وقائياً يلجأ إليه العقل البشري لتجنب الانهيار النفسي التام عندما يستحيل الهروب المادي أو المقاومة. ينشط الدماغ دفاعاً معرفياً يعزل الوعي عن الواقع المؤلم، مما يحجب المعالجة المعرفية الواعية للأحداث الجارية في تلك اللحظات. نتيجة لهذا الانفصال الانتباهي الحاد، لا تدخل التفاصيل الصادمة إلى مسار التشفير المعرفي العادي، أو تُشفر بطريقة يستحيل معها استدعاؤها لاحقاً عبر مفاتيح الاسترجاع اللفظية والواعية التقليدية، مما يخلق ثغرة زمنية محددة تعكس جوهر فقدان الذاكرة المحدد.

المظاهر الإكلينيكية ومعايير التشخيص التشخيصية

تتسم الصورة السريرية للأفراد المصابين بفقدان الذاكرة المحدد بخصائص لافتة غالباً ما تثير حيرة الفاحص غير المتمرس. قد يحضر المريض إلى العيادة النفسية محالاً من قبل ذويه أو الجهات القانونية والطبية، وقد يكون على دراية تامة بوجود فجوة زمنية في ذاكرته ويعبر عن قلقه حيالها، أو قد يكون غير مدرك نهائياً لهذا الانقطاع الزمني إلا حين يُسأل عن تفاصيل تقع ضمن تلك الفترة، وهو ما يُعرف في الأدبيات الإكلينيكية بـ “العمى عن النقص الذاكراتي” (Amnesic Anosognosia). يظهر المريض في الغالب هادئاً بشكل غير متناسب مع هول الحادث الذي تعرض له، في ظاهرة وصفت تاريخياً بـ “اللامبالاة الجميلة” (La belle indifférence).

وفقاً لمعايير الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس للاضطرابات النفسية (DSM-5-TR)، يشترط لتشخيص فقدان الذاكرة الانفصالي بنمطه المحدد تحقق المعايير الآتية:

  • المعيار (أ): عجز غير قادر على التفسير عن استرجاع معلومات هامة تتعلق بالسيرة الذاتية، ذات طبيعة صادمة أو مسببة للضغط عادة، ولا يتسق هذا العجز مع النسيان الطبيعي المعتاد، ويكون محصوراً في فترة زمنية معينة.
  • المعيار (ب): أن تسبب هذه الأعراض ضيقاً سريرياً واضحاً أو تدهوراً وتراجعاً في الأداء الاجتماعي، المهني، أو المجالات الوظيفية الحيوية الأخرى.
  • المعيار (ج): ألا يُعزى هذا الاضطراب إلى الآثار الفسيولوجية المباشرة لتعاطي مادة معينة (مثل الكحول أو المواد المهدئة) أو لحالة عصبية أو طبية عامة (مثل ارتجاج الدماغ أو الصرع).
  • المعيار (د): ألا يُفسر هذا الاضطراب بصورة أفضل من خلال اضطراب الهوية الانفصالي، أو اضطراب كرب ما بعد الصدمة، أو اضطراب الكرب الحاد، أو الاضطرابات الجسدية ذات الصلة.

من المهم سريرياً الإشارة إلى أن فقدان الذاكرة المحدد نادراً ما يأتي معزولاً بصورة نقية دون أعراض مصاحبة؛ إذ غالباً ما يترافق مع أعراض تفارق أخرى مثل تبدد الشخصية (Depersonalization) أو تغرب الواقع (Derealization)، واضطرابات في النوم وكوابيس ليلية، واستجابات إجفال مفرطة، بالإضافة إلى تقلبات مزاجية وقلق حاد ناجم عن الشعور بالغموض الذي يكتنف الفترة المنسية.

العوامل المسببة والمحفزات الصدمية

تتنوع المحفزات المسببة لفقدان الذاكرة المحدد تنوعاً كبيراً، غير أن القاسم المشترك بينها جميعاً هو التهديد الوجودي العميق، أو الشعور بالعجز المطلق، أو التعرض لانتهاك جسدي أو نفسي فادح. تأتي الحروب والنزاعات المسلحة في مقدمة هذه المحفزات؛ حيث يوثق التاريخ العسكري آلاف الحالات لجنود ومحاربين فقدوا تماماً الذاكرة المتعلقة بساعات محددة من المعارك الضارية التي شهدت قصفاً عنيفاً أو موت رفقائهم، وهو ما كان يُصنف قديماً تحت مسميات مثل “عصاب الحرب” أو “صدمة القذائف”.

تُعد حوادث العنف بين الأشخاص، مثل الاعتداءات الجسدية العنيفة والاغتصاب والاحتجاز القسري، من أقوى مسببات فقدان الذاكرة المحدد. في سياق جرائم الاعتداء الجنسي الحاد، يُظهر الناجون في كثير من الأحيان فقداناً تاماً للذاكرة يبدأ مع لحظة بدء الهجوم وحتى استيقاظهم في بيئة آمنة، حيث يعمل الانفصال الدفاعي كوسيلة بيولوجية ونفسية لعزل الألم الحسي والرعب النفسي عن الوعي الحاضر. كما تتسبب الكوارث الطبيعية المدمرة كالزلازل والفيضانات، والحوادث الصناعية وحوادث الطرق المميتة، في ظهور حالات متماثلة تتبع مباشرة الصدمة العنيفة.

علاوة على الصدمات المفاجئة، يمكن أن يؤدي التراكم الطويل والمستمر للانتهاك والإساءة في مرحلة الطفولة إلى تطور قابلية عالية للانفصال النفسي، مما يجعل هؤلاء الأفراد أكثر عرضة لتطوير فقدان الذاكرة المحدد عند مواجهة أي أزمة أو ضغط نفسي في مرحلة الرشد. إن الاستعداد الفردي، والهشاشة الوراثية في تنظيم هرمونات التوتر، وغياب الدعم الاجتماعي بعد الحدث، تلعب مجتمعة دوراً محورياً في تحديد ما إذا كان الفرد سيطور فقداناً للذاكرة أم سيحتفظ بذكرى مفرطة الوضوح للحدث الصادم كما هو الحال في اضطراب كرب ما بعد الصدمة.

التشخيص التفريقي واستبعاد الأسباب العضوية

يفرض فقدان الذاكرة المحدد تحدياً تشخيصياً دقيقاً يتطلب من الطبيب النفسي والفاحص الإكلينيكي اتباع نهج استقصائي صارم لاستبعاد الأسباب العضوية والنورولوجية التي قد تحاكي هذا الاضطراب. يوضح الأطباء دوماً أن فقدان الذاكرة النفسي هو تشخيص يُبنى على الإثبات الإكلينيكي والاستبعاد المتزامن للاعتلالات الدماغية العضوية والتلف العصبي.

تشمل الفحوصات التشخيصية التفريقية الأساسية ما يلي:

  • إصابات الرأس الرضحية (Traumatic Brain Injury): قد تؤدي الضربات المباشرة على الجمجمة إلى فقدان ذاكرة رجعي (Retrograde) أو فقدان ذاكرة تقدمي (Anterograde). يتميز الفقدان الناتج عن إصابة الرأس بوجود دلائل جسدية موضوعية، وفقدان أولي للوعي، وتغيرات واضحة في تخطيط كهربية الدماغ (EEG) أو صور الرنين المغناطيسي (MRI)، كما يتبع نمطاً متدرجاً في التعافي يختلف عن الانفراج المفاجئ المحتمل في الحالات النفسية.
  • نوبات فقدان الذاكرة الشامل العابر (Transient Global Amnesia): هي متلازمة عصبية حادة ومفاجئة تتميز بعجز تام ومؤقت عن تكوين ذكريات جديدة، وتكرار دائم لنفس الأسئلة من قبل المريض، وتستمر عادة أقل من 24 ساعة، وتحدث غالباً لدى كبار السن دون ارتباط مباشر بصدمة نفسية محددة.
  • الصرع الفصي الصدغي (Temporal Lobe Epilepsy): يمكن أن تتسبب النوبات الصرعية البؤرية في الفص الصدغي في حدوث فجوات في الذاكرة وسلوكيات أوتوماتيكية لا يتذكرها المريض، ويتم استبعادها بواسطة التخطيط الكهربائي الدماغي المطول بالفيديو.
  • تأثير المواد والعقاقير (Substance-Induced Amnesia): يؤدي التسمم الكحولي الحاد إلى ما يعرف بـ “الانقطاع الكحولي” (Alcohol Blackout)، كما تؤدي الأدوية المهدئة مثل البنزوديازيبينات ومخدرات الاغتصاب (مثل الفلونيترازيبام والـ GHB) إلى تعطيل دمج الذاكرة كيميائياً. يُستبعد هذا الاحتمال عبر التحاليل المخبرية للسموم وتاريخ التعاطي الدقيق.
  • التمارض والاضطراب المفتعل (Malingering & Factitious Disorder): قد يدعي بعض الأفراد، لا سيما في السياقات الجنائية والقضائية، فقدان الذاكرة تهرباً من المسؤولية الجنائية أو للحصول على مكاسب مادية. يتطلب التفريق استخدام اختبارات نفسية عصبية متخصصة للكشف عن الجهد والتمارض مثل اختبار تقييم أعراض الذاكرة (TOMM).

الاستراتيجيات العلاجية والتدخلات النفسية الإكلينيكية

لا يقتصر علاج فقدان الذاكرة المحدد على محاولة استعادة الذكريات المفقودة بحد ذاتها، بل يركز في المقام الأول على توفير بيئة علاجية آمنة ومعالجة الصدمة النفسية الكامنة وتخفيف الضيق الانفعالي المصاحب. إن محاولة استرجاع الذكريات بشكل قسري أو متسرع قد تؤدي إلى إعادة صدم المريض (Retraumatization) وتدهور حالته النفسية، ولذلك يجب أن تسير الخطة العلاجية بخطى محسوبة وممنهجة.

يأتي العلاج النفسي الفردي في طليعة التدخلات المعتمدة، وخاصة العلاج المعرفي السلوكي المركز على الصدمات (Trauma-Focused CBT). يهدف هذا النهج إلى مساعدة المريض على تفكيك المعتقدات المشوهة المرتبطة بالحدث الصادم، وتعلم استراتيجيات التكيف مع القلق، وإعادة بناء السردية الشخصية بطريقة آمنة ومتكاملة. كما يُستخدم علاج إزالة التحسس وإعادة المعالجة بحركات العين (EMDR) بفاعلية لتقليل الاستثارة الانفعالية المرتبطة بالمثيرات الصدمية، مما يمهد الطريق لدمج الذكريات المفككة واستعادتها دون إغراق وجداني.

يحتل التنويم الإيحائي الإكلينيكي (Clinical Hypnotherapy) مكانة تاريخية وحالية في التعامل مع حالات فقدان الذاكرة الانفصالي؛ إذ يتيح الوصول إلى مستويات معدلة من الوعي تسمح بتخفيف الرقابة الدفاعية واستكشاف الذكريات المحجوبة بأمان. ومع ذلك، يجب توخي الحذر الشديد عند استخدام التنويم الإيحائي لتجنب غرس ذكريات كاذبة (False Memories) ناجمة عن قابلية المريض العالية للإيحاء أثناء الجلسات. ومن الناحية الدوائية، لا توجد عقاقير مخصصة لعلاج فقدان الذاكرة الانفصالي بذاته، غير أن مضادات الاكتئاب (مثل مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية SSRIs) ومضادات القلق تُستخدم بشكل واسع لإدارة الاضطرابات المصاحبة كالاكتئاب ونوبات الهلع واضطراب كرب ما بعد الصدمة.

المآل الإكلينيكي والاعتبارات الأخلاقية والقانونية

يُعد مآل فقدان الذاكرة المحدد جيداً وإيجابياً بوجه عام في معظم الحالات السريرية. غالباً ما يكون الاضطراب مؤقتاً، وتستعيد الغالبية العظمى من الأفراد ذكرياتهم المفقودة تلقائياً أو بمجرد إبعادهم عن البيئة المهددة وشعورهم بالأمان النفسي والجسدي. تبدأ عملية الاستعادة عادة بصورة تدريجية عبر ومضات تذكارية (Flashbacks) أو في الأحلام، قبل أن تتكامل الذاكرة بشكل كلي، غير أن بعض الحالات المزمنة قد تشهد استمراراً للفجوة التذكارية لفترات طويلة، خاصة إذا لم يتلق المريض التدخل العلاجي المناسب.

يثير هذا الاضطراب إشكاليات قانونية وأخلاقية شائكة في ساحات المحاكم والطب الشرعي، لا سيما في القضايا الجنائية حيث يدعي المتهمون بارتكاب جرائم قتل أو اعتداء عنيف أنهم عانوا من فقدان ذاكرة محدد خلال وقت ارتكاب الجريمة. تؤكد الأدبيات القانونية والطبية أن فقدان الذاكرة بحد ذاته لا يُعفي الفرد تلقائياً من المسؤولية الجنائية إذا ثبت أنه كان متمتعاً بالأهلية والقدرة على التمييز وقت وقوع الفعل، ولكن يجب تقييم ما إذا كان هذا الفقدان حقيقياً ومؤثراً على قدرته على التعاون مع محاميه وتقديم دفاع ملائم عن نفسه.

كما تطرح قضية “الذكريات المستعادة” (Recovered Memories) معضلات مهنية بالغة التعقيد للممارسين الصحيين؛ إذ يجب التمييز الصارم بين الذاكرة الحقيقية والذاكرة المصنوعة أو المتأثرة بالإيحاء العلاجي، لحماية المريض من الصدمات الثانوية ولصيانة العدالة في القضايا ذات الطابع الجرمي والمدني.

خاتمة

يمثل فقدان الذاكرة المحدد نافذة بارزة تكشف عن مدى تعقيد العقل البشري وقدرته الفائقة على التكيف والدفاع عن نفسه في مواجهة الأهوال النفسية والصدمات العنيفة. إن هذه الظاهرة ليست مجرد خلل وظيفي في استرجاع المعلومات، بل هي استجابة نفسية-عصبية معقدة تهدف إلى حماية الفرد من الانهيار التام من خلال عزل شظايا التجربة المؤلمة عن وعيه المباشر. يتطلب التعامل مع هذه الحالات فهماً عميقاً لأبعادها التشخيصية والتفريقية، ونهجاً علاجياً متوازناً يضع أمان المريض وتكامله النفسي في صدارة الأولويات، وصولاً إلى إعادة بناء نسيج الذاكرة السيرية وتعزيز التعافي الشامل.

المراجع

  • American Psychiatric Association. (2022). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed., text rev.). American Psychiatric Publishing. https://doi.org/10.1176/appi.books.9780890425787
  • Brand, B. L., Loewenstein, R. J., & Spiegel, D. (2014). Dispelling myths about dissociative identity disorder treatment: An empirically based approach. Psychiatry: Interpersonal and Biological Processes, 77(2), 169-189. https://doi.org/10.1521/psyc.2014.77.2.169
  • Bremner, J. D. (2006). Traumatic stress: Effects on the brain. Dialogues in Clinical Neuroscience, 8(4), 445-461. https://doi.org/10.31887/DCNS.2006.8.4/jbremner
  • Janet, P. (1907). The major symptoms of hysteria: Fifteen lectures given in the medical school of Harvard University. Macmillan.
  • Loewenstein, R. J. (2018). Dissociation debates: Everything you know is wrong. Dialogues in Clinical Neuroscience, 20(3), 229-242. https://doi.org/10.31887/DCNS.2018.20.3/rloewenstein
  • Spiegel, D., Lewis-Fernández, R., Lanius, R., Vermetten, E., Simeon, D., & Friedman, M. (2013). Dissociative disorders in DSM-5. Annual Review of Clinical Psychology, 9, 299-326. https://doi.org/10.1146/annurev-clinpsy-050212-185531
  • Staniloiu, A., & Markowitsch, H. J. (2014). Dissociative amnesia. The Lancet Psychiatry, 1(3), 226-241. https://doi.org/10.1016/S2215-0366(14)70279-2
  • World Health Organization. (2019). International statistical classification of diseases and related health problems (11th ed.). World Health Organization. https://icd.who.int/

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 3). فقدان الذاكرة المحدد: دراسة إكلينيكية ونفسية شاملة. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/circumscribed-amnesia/
looti, Mohammed. “فقدان الذاكرة المحدد: دراسة إكلينيكية ونفسية شاملة.” عرب سايكلوجي, 3 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/circumscribed-amnesia/.
looti, Mohammed. “فقدان الذاكرة المحدد: دراسة إكلينيكية ونفسية شاملة.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 3, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/circumscribed-amnesia/.