التعلم والذاكرةالعمليات الذهنيةعلم النفس المعرفي

الاستراتيجية المعرفية

تعد الاستراتيجية المعرفية مساراً عقلياً منظماً يتبناه الفرد لمعالجة المعلومات وتخزينها وحل المشكلات بفاعلية. يستعرض هذا المقال الشامل تعريف المفهوم، وتطوره التاريخي، وأبرز أنماطه وتطبيقاته الإكلينيكية والتربوية.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 3 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 3 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تُعدّ الاستراتيجية المعرفية (Cognitive Strategy) إحدى الركائز الجوهرية في دراسة العقل البشري وتحليل كفاءة الأداء الذهني؛ إذ تمثل الأسلوب المنهجي والمسار الواعي أو شبه الواعي الذي يسلكه الفرد لمعالجة المعلومات واستيعابها، فضلاً عن تنظيمها وتخزينها واسترجاعها وتطبيقها في سياقات حل المشكلات واتخاذ القرارات. وفي سياق علم النفس المعرفي والعلوم العصبية الإدراكية، لا يُنظر إلى هذه الاستراتيجيات بوصفها مجرد مهارات آلية جامدة، بل هي بنيات وظيفية ديناميكية تعكس التفاعل المعقد بين البنية العصبية للدماغ والخبرات السلوكية التكيفية. إن فهم ماهية الاستراتيجيات المعرفية يتيح للباحثين والممارسين تشخيص الصعوبات الإدراكية، وتصميم البرامج العلاجية، وتطوير النماذج التعليمية المتقدمة التي ترتقي بالقدرات العقلية من مستوياتها الفطرية إلى أقصى إمكاناتها التحليلية والتطبيقية.

المفهوم والتعريف الأكاديمي للاستراتيجيات المعرفية

تُعرّف الاستراتيجية المعرفية في الأدبيات النفسية الرصينة بأنها خطة عمل ذهنية موجهة نحو تحقيق هدف محدد، يتبناها الفرد لضبط وتسهيل اكتساب المعرفة والتعامل مع المدخلات البيئية المعقدة. تتميز هذه الاستراتيجيات بطبيعتها القصدية، حيث تتجاوز العمليات المعرفية الأولية التلقائية لتشكل نسقاً مترابطاً من السلوكيات العقلية التي تخضع لدرجات متفاوتة من الضبط الواعي. وتعمل هذه الأدوات الفكرية كواسطة حيوية بين المثيرات الخام التي تستقبلها الحواس وبين الاستجابات السلوكية أو القرارات المعرفية النهائية، مما يقلل من العبء الواقع على الجهاز الإدراكي ويزيد من كفاءة المعالجة الذهنية وسرعتها.

يميز علماء النفس بصورة قاطعة بين القدرة المعرفية العامة والاستراتيجية المعرفية؛ فالقدرة تشير إلى السعة البيولوجية أو الاستعداد الفطري الكامن (مثل سرعة المعالجة أو سعة الذاكرة الخام)، في حين تعبر الاستراتيجية عن الكيفية النوعية والوسيلة الإجرائية التي يوظف بها الفرد تلك القدرات المتاحة. ومن هذا المنطلق، يمكن لفردين يتمتعان بمستوى الذكاء العام نفسه أن يحققا مستويات أداء متفاوتة تماماً في مهمة معقدة، ويعود هذا التباين أساساً إلى كفاءة ونضج الاستراتيجيات المعرفية المنتقاة وتوقيت تطبيقها. وتتجلى أهمية هذا التمايز في مجالات التأهيل العصبي والتربية الخاصة، حيث يُبرهن على أن تدريب الأفراد على استراتيجيات بديلة يمكن أن يعوض القصور الجزئي في بعض القدرات المعرفية الأساسية.

علاوة على ذلك، ترتبط الاستراتيجيات المعرفية ارتباطاً وثيقاً بنظرية معالجة المعلومات، حيث يُنظر إلى العقل البشري كمنظومة حاسوبية فائقة التعقيد تستقبل البيانات، وترمزها، وتخزنها، ثم تسترجعها وفق أوامر وبرمجيات دقيقة. تمثل الاستراتيجيات في هذا الإطار الخوارزميات المنطقية والتوجيهات التنفيذية التي تحكم مسار تدفق البيانات داخل المنظومة الإدراكية، مانعةً التشتت والارتباك الناتج عن التدفق الهائل للمحفزات الخارجية، ومحققةً أعلى درجات الاتساق الداخلي للمخططات الذهنية القائمة.

التطور التاريخي والجذور الفكرية

تعود الجذور التاريخية لمفهوم الاستراتيجية المعرفية إلى أعمال الرواد الأوائل في منتصف القرن العشرين، عندما شهد علم النفس ما يُعرف بـ “الثورة المعرفية” التي تمردت على النماذج السلوكية الراديكالية المغالية في اختزال السلوك البشري في ثنائية (المثير والاستجابة). في عام 1956، قدّم جيروم برونر وزملاؤه جاكلين جودناو وجورج أوستن عملاً تأسيسياً بارزاً في كتابهم دراسة في التفكير (A Study of Thinking)، حيث درسوا بدقة كيفية اكتساب المفاهيم وصياغة الفرضيات، مستنتجين أن الأفراد لا يكتسبون المعرفة عشوائياً، بل يتبنون مسارات منتظمة أطلقوا عليها صراحة مصطلح “الاستراتيجيات”.

مع تطور نظريات الذاكرة في أواخر الستينيات والسبعينيات، ولا سيما نموذج أتكينسون وشيفرين (1968)، برزت الحاجة إلى تفسير العمليات الوسيطة التي تنقل المعلومات من مخزن الذاكرة قصيرة المدى إلى الذاكرة طويلة المدى. ههنا أدرك الباحثون أن هذه النقلة لا تتم تلقائياً، بل تتطلب عمليات تحكم استراتيجية واعية كالتكرار الصوتي والترميز الدلالي. وقد مهّد هذا الفهم الطريق أمام علماء مثل إرنست روثكوف وجون فلافيل لتعميق البحث في العمليات الذاتية النشطة التي يبذلها المتعلم للسيطرة على بيئته المعرفية الذاتية، مما نقل حقل علم النفس من وصف الظواهر الخارجية إلى سبر أغوار البنى الذهنية الخفية.

في حقبتي الثمانينيات والتسعينيات، تبلورت نماذج شاملة لتصنيف هذه الاستراتيجيات، قادتها أبحاث كلير واينشتاين وريتشارد ماير وبول بينتريش. تحولت النظرة إلى الاستراتيجيات المعرفية من كونها مجرد حيل تذكّرية أو آليات لحل الألغاز المنطقية إلى اعتبارها جزءاً لا يتجزأ من منظومة التعلم المنظم ذاتياً والذكاء التكيفي. وقد ترافق هذا التحول مع ظهور أساليب القياس السيكومتري الدقيقة والمقابلات السريرية التي هدفت إلى قياس تفضيل الأفراد لاستراتيجيات بعينها، مما أسس لمرحلة جديدة ربطت بين علم النفس المعرفي الصرف والتطبيقات الميدانية في التربية والعلاج النفسي.

التصنيف النظري والأنماط الرئيسية للاستراتيجيات المعرفية

تتعدد الاستراتيجيات المعرفية بتعدد المهام الإدراكية وطبيعة الأهداف المتوخاة، إلا أن الإجماع الأكاديمي يصنفها عادةً إلى فئات بنيوية رئيسية تعكس مستويات معالجة المعلومات، ومن أبرزها:

  • استراتيجيات التسميع والتكرار (Rehearsal Strategies): وتعتمد على تكرار المعلومات لفظياً أو ذهنياً للحفاظ عليها نشطة داخل حدود الذاكرة العاملة، ومنع اضمحلالها السريع. وتتراوح هذه الاستراتيجية بين التكرار البسيط (الصيانة الحرفية) والتكرار المعقد المرتبط بالسياق، وتعد الفئة الأساسية للمهام ذات المدى الزمني القصير كحفظ سلاسل الأرقام أو المفردات الجديدة.
  • استراتيجيات التوسع والتفصيل (Elaboration Strategies): تمثل مستوى أعمق من المعالجة؛ حيث يقوم الفرد بدمج المعلومات الجديدة مع بنيته المعرفية السابقة عبر خلق روابط دلالية غنية. تشمل هذه الفئة صياغة التشبيهات والمجازات، واستخدام فنون الاستذكار البصرية والمكانية (Mnemonics)، وتلخيص الأفكار بالصياغة الشخصية، وطرح الأسئلة الاستقصائية لتوليد إجابات تفسيرية تعزز الفهم العميق.
  • استراتيجيات التنظيم (Organizational Strategies): تهدف إلى إعادة هيكلة المادة الخام وتحويلها إلى شكل يسهل استيعابه عبر فرض نظام منطقي عليها. يتضمن ذلك التجميع العنقودي (Chunking)، ورسم الخرائط المفاهيمية، والتشجير الهرمي، والجداول المقارنة. تساعد هذه الاستراتيجية في تحويل كميات هائلة من المعطيات المتفرقة إلى كتل متماسكة تقلل العبء الإدراكي العام.
  • استراتيجيات حل المشكلات واتخاذ القرار (Problem-Solving Strategies): وتشتمل على الاستدلال الاستقرائي والاستنباطي، والاستدلال التجريبي الإرشادي (Heuristics) كالتحليل عبر تجزئة الوسائل والغايات (Means-Ends Analysis)، واستراتيجيات المحاكاة الذهنية للمسارات المحتملة، واستخدام الخوارزميات الحسابية الممنهجة عند توفر خطوات قطعية للحل.

تختلف هذه الأنماط فيما بينها من حيث الجهد العقلي المستهلك وعمق الأثر المعرفي المتحقق؛ فالاستراتيجيات السطحية كالتكرار البسيط تتطلب طاقة ذهنية منخفضة نسبياً لكنها تؤدي إلى استبقاء مؤقت وقابل للنسيان السريع، بينما تتطلب استراتيجيات التفصيل والتنظيم جهداً استدلالياً وتنسيقياً عالياً ينعكس إيجابياً على ثبات الأثر في الذاكرة طويلة المدى، والقدرة على نقل أثر التعلم إلى مواقف جديدة غير مألوفة.

الآليات والركائز العصبية الإدراكية الكامنة

ترتبط كفاءة تفعيل الاستراتيجيات المعرفية ارتباطاً مباشراً بسلامة ونضج شبكات الوظائف التنفيذية المتمركزة في الفص الجبهي للدماغ، وتحديداً قشرة الفص الجبهي الظهري الوحشي (Dorsolateral Prefrontal Cortex). تلعب هذه المنطقة الحيوية دور الموجه العام الذي يقوم باختيار الاستراتيجية الملائمة لسياق المشكلة الراهنة، وتثبيط الاستراتيجيات غير المجدية أو الآلية التي قد تعيق الوصول إلى الحل الأمثل.

تؤثر سعة الذاكرة العاملة تأثيراً جذرياً على قدرة الفرد على اختيار وتطبيق الاستراتيجية المعرفية المناسبة، إذ تُظهر الدراسات العصبية الإدراكية أن تطبيق الاستراتيجيات المعقدة يتطلب مساحة تخزين وتلاعب ذهني واسعة لمعالجة المدخلات ومقارنة البدائل. وعندما تتعرض الذاكرة العاملة للتحميل الزائد وفقاً لما تقترحه “نظرية العبء المعرفي” (Cognitive Load Theory)، يضطر الجهاز العصبي إلى الارتداد نحو استراتيجيات بدائية وأقل جهداً، حتى لو كانت أقل فاعلية في بلوغ الهدف، وذلك تفادياً للانهيار الوظيفي للمنظومة العقلية.

كذلك تساهم مناطق الدماغ المرتبطة بالذاكرة التصريحية، وعلى رأسها الحصين (Hippocampus) ومناطق القشرة الصدغية الإنسية، في توفير المخزون الدلالي والتجريبي الذي تعتمد عليه استراتيجيات التوسع والربط المفاهيمي. ويضمن التنسيق المستمر عبر الحزم العصبية العريضة بين الفصوص الجبهية ومناطق الدماغ الخلفية تدفقاً متزناً للمعلومات، يتيح تحديث الاستراتيجيات بمرونة فائقة حال تبين عدم جدواها، وهي الخاصية المعروفة عصبياً بالمرونة الإدراكية (Cognitive Flexibility).

العلاقة التفاعلية بين الاستراتيجيات المعرفية وما وراء المعرفة

لا يمكن فهم الآلية التشغيلية للاستراتيجيات المعرفية دون سبر علاقتها الجدلية مع مفهوم ما وراء المعرفة (Metacognition)، والذي صاغه جون فلافيل للإشارة إلى إدراك الفرد لعملياته المعرفية الذاتية ومراقبته لها. فبينما تُستخدم الاستراتيجيات المعرفية مباشرة لتنفيذ التقدم الذهني وإنجاز المهمة (مثل تذكر نص أو حل معادلة)، تُعنى الاستراتيجيات ما وراء المعرفية بمراقبة ذلك التقدم وتقييمه وتوجيهه بصورة مستمرة.

تتضمن المنظومة ما وراء المعرفية ثلاث مراحل حاسمة تحكم تفعيل الاستراتيجية المعرفية وتكييفها:

  • التخطيط المسبق (Planning): اختيار الاستراتيجية الأكثر ملاءمة لطبيعة المهمة ومستوى صعوبتها والوقت المتاح لإنجازها.
  • المراقبة الآنية (Monitoring): التفقد الواعي أثناء التنفيذ للتحقق مما إذا كانت الاستراتيجية تؤتي ثمارها بفاعلية، والكشف المبكر عن الأخطاء والانسدادات الذهنية.
  • التقييم البعدي (Evaluating): قياس النتيجة النهائية وتحديد ما إذا كان ينبغي تثبيت هذه الاستراتيجية في المواقف المستقبلية أم التخلي عنها والبحث عن بدائل أكثر كفاءة.

إن غياب الوعي ما وراء المعرفي يقود إلى ما يسمى بالجمود الاستراتيجي، وفيه يستمر الفرد في تطبيق استراتيجية معرفية غير ملائمة تكراراً رغم إخفاقها المتواصل في حل المشكلة. في المقابل، يمتلك الخبراء في شتى المجالات قدرة رفيعة على التبديل السلس بين الاستراتيجيات، والجمع بين استراتيجيات متعددة في آنٍ واحد، نظراً لامتلاكهم رؤية ما وراء معرفية ناضجة تمكنهم من معايرة جهدهم العقلي وتوجيهه بدقة بالغة وفق متطلبات الموقف.

التطبيقات الإكلينيكية والعلاج النفسي

تمثل الاستراتيجيات المعرفية قطب الرحى في العلاجات النفسية المعاصرة، ولا سيما في إطار العلاج المعرفي السلوكي (CBT) الذي أرسى دعائمه آرون بيك وألبرت أليس. ينطلق هذا التوجه الإكلينيكي من فرضية مفادها أن الاضطرابات النفسية والانفعالية، مثل الاكتئاب واضطرابات القلق، ليست نتاجاً مباشراً للمواقف الضاغطة بذاتها، بل هي وليدة الاستراتيجيات المعرفية غير التكيفية التي يوظفها الفرد في تأويل تلك الأحداث والتعاطي معها.

يعتمد المعالجون النفسيون على تقنية “إعادة الهيكلة المعرفية” (Cognitive Restructuring)، بوصفها استراتيجية عليا تهدف إلى تدريب المستبصر على رصد وتحليل التشوهات الإدراكية كالتفكير الكارثي، والتعميم المفرط، والتجريد الانتقائي. من خلال هذه الاستراتيجية البديلة، يتعلم العميل كيفية جمع الأدلة الموضوعية، وتوليد تفاسير بديلة وأكثر واقعية للمواقف المهددة، مما يسهم مباشرة في خفض مستويات الاستثارة الانفعالية السلبية وتعديل الاستجابات السلوكية المرتبطة بها.

علاوة على ذلك، أولت دراسات علم النفس الصحي اهتماماً خاصاً باستراتيجيات التنظيم الانفعالي المعرفي (Cognitive Emotion Regulation Strategies). وتبرز هنا استراتيجيات تكيفية فارقة مثل: إعادة التقييم الإيجابي للموقف، ووضع الأمور في نصابها الواقعي، وإعادة التركيز الإيجابي؛ في مقابل استراتيجيات ممرضة تديم المعاناة النفسية مثل الاجترار الفكري (Rumination)، واللوم الذاتي المفرط، وإسقاط المسؤولية بالكامل على العوامل الخارجية. ومن ثم، فإن إعادة توجيه الاستراتيجيات المعرفية يمثل جوهر التدخل العلاجي لتحقيق التعافي والمرونة النفسية الدائمة.

التطبيقات التربوية ونماذج التعلم الاستراتيجي

في الحقل التربوي، أحدثت أبحاث الاستراتيجيات المعرفية نقلة نوعية في فلسفة التعليم؛ حيث تحول التركيز من تلقين المحتوى المعرفي الصرف إلى تعليم مهارات التفكير وكيفية التعلم ذاتياً (Learning How to Learn). أثبتت الدراسات أن تعليم التلاميذ كيفية استخدام استراتيجيات معالجة النصوص وحل المسائل الرياضية بوعي يرفع تحصيلهم الدراسي بصورة ملحوظة ويزيد من دافعيتهم الذاتية نحو الإنجاز.

وقد طوّر مايكل بريسلي وزملاؤه نموذج “تعليم الاستراتيجيات المعرفية المباشر” (Cognitive Strategy Instruction – CSI)، والذي يقوم على تفكيك الاستراتيجيات الذهنية المعقدة إلى خطوات إجرائية واضحة تُقدّم للمتعلمين عبر النمذجة الصريحة (Explicit Modeling). يقوم المعلم في هذا النموذج بالتفكير بصوت مسموع أمام الطلاب، كاشفاً عن العمليات الذهنية والاستراتيجيات التي يوظفها لمواجهة غموض نص معين أو تفكيك مسألة معقدة، تلي ذلك مراحل من التدريب الموجه بمساعدة السقالات التعليمية (Scaffolding) حتى يصل المتعلم إلى الاستقلالية التامة في توظيف الاستراتيجية.

يندرج هذا التوجه أيضاً ضمن أطر “التعلم المنظم ذاتياً” (Self-Regulated Learning)، حيث يؤكد باري زيمرمان أن المتعلمين المتفوقين هم أولئك الذين يستطيعون تكييف استراتيجياتهم المعرفية وفقاً لأهدافهم الفردية وللتغذية الراجعة التي يتلقونها من بيئتهم التعليمية. إن إتقان الاستراتيجيات التنظيمية كالتخطيط وتدوين الملاحظات التفاعلية وتوليد الملخصات الدلالية يمنح المتعلم شعوراً راسخاً بالكفاءة الذاتية، ويقلل من نسب التسرب الأكاديمي، ويعزز مهارات التفكير النقدي الضرورية لمواكبة متطلبات العصر المعرفي الحديث.

الفروق الفردية والتحديات المنهجية في البحث والقياس

تتأثر فاعلية استخدام الاستراتيجيات المعرفية بمجموعة واسعة من الفروق الفردية النمائية والنفسية والبيئية. فعلى الصعيد النمائي، لا تتبلور الاستراتيجيات المعرفية المتقدمة إلا تدريجياً مع تقدم العمر ونضج الألياف العصبية للفص الجبهي؛ إذ يعاني الأطفال الصغار غالباً مما يُعرف بـ “عجز الإنتاج” (Production Deficiency)، وفيه يعجز الطفل عن توليد الاستراتيجية تلقائياً رغم قدرته على استخدامها بنجاح إذا طُلب منه ذلك، أو “عجز الاستفادة” (Utilization Deficiency) حيث لا ينعكس استخدام الاستراتيجية على الفور تحسناً في الأداء بسبب الاستهلاك الزائد للطاقة الإدراكية أثناء تطبيقها لأول مرة.

كما تؤثر الحالات الانفعالية والوجدانية الحادة، مثل القلق المزمن أو التوتر الحاد، على انتقاء وتفعيل الاستراتيجية الملائمة. فالقلق يستهلك جزءاً كبيراً من موارد الذاكرة العاملة عبر الأفكار التطفلية المقلقة، مما يدفع الفرد إلى الاعتماد على استراتيجيات تفكير متصلبة ومختزلة وغير مرنة تجنباً للإجهاد الإدراكي. وتلعب الخلفية الثقافية دوراً حاسماً كذلك في تفضيل استراتيجيات شمولية تركز على السياق الكلي مقابل استراتيجيات تحليلية تركز على الأجزاء المنفصلة، وهو ما أظهرته الدراسات المقارنة بين المجتمعات الشرقية والغربية.

على المستوى المنهجي، تواجه أبحاث الاستراتيجيات المعرفية تحديات جسيمة في أدوات القياس؛ إذ يعتمد جزء كبير من البيانات على تقارير الاستبطان الذاتي (Self-Report Inventories) والمقابلات، وهي أدوات عرضة لقصور الذاكرة والتحيزات الاجتماعية والرغبة في الظهور بمظهر المتزن معرفياً. للتغلب على هذه العقبات، يتجه الباحثون اليوم نحو توظيف تقنيات متطورة وموضوعية، مثل تتبع حركات العين (Eye-Tracking)، وبروتوكولات التفكير بصوت مسموع المزامنة للنشاط، والتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، لتحليل مسارات المعالجة الاستراتيجية في الوقت الحقيقي وبدقة تجريبية غير مسبوقة.

الخاتمة

تُشكل الاستراتيجية المعرفية الجسر الحيوي الرابط بين الإمكانات العصبية المجردة والأداء السلوكي الفعلي للإنسان في مواجهة تحديات البيئة المعقدة. إنها التعبير الأسمى عن قدرة العقل البشري على التكيف الذاتي والمرونة وتجاوز المحدودية البيولوجية الأولية لأجهزته الإدراكية، من خلال التنظيم الذاتي الواعي للجهد الذهني واستثمار الخبرة السابقة بأقصى كفاءة ممكنة. ومع التقدم المتسارع لعلوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي، يزداد اليقين بأن تمكين الأفراد من اكتساب الاستراتيجيات المعرفية المتنوعة وإتقان إدارتها ما وراء المعرفية هو المفتاح الجوهري لتعزيز الإبداع، وبناء الصحة النفسية المستدامة، وترقية التعلم مدى الحياة في عالم يتسم بالتدفق المعلوماتي المتسارع والمتواصل.

المراجع

  • Atkinson, R. C., & Shiffrin, R. M. (1968). Human memory: A proposed system and its control processes. In K. W. Spence & J. T. Spence (Eds.), The Psychology of Learning and Motivation (Vol. 2, pp. 89–195). Academic Press.
  • Beck, A. T. (1979). Cognitive Therapy of Depression. Guilford Press.
  • Bruner, J. S., Goodnow, J. J., & Austin, G. A. (1956). A Study of Thinking. John Wiley & Sons.
  • Flavell, J. H. (1979). Metacognition and cognitive monitoring: A new area of cognitive-developmental inquiry. American Psychologist, 34(10), 906–911.
  • Garnefski, N., Kraaij, V., & Spinhoven, P. (2001). Negative life events, cognitive emotion regulation and emotional problems. Personality and Individual Differences, 30(8), 1311–1327.
  • Mayer, R. E. (1988). Learning strategies: An overview. In C. E. Weinstein, E. T. Goetz, & P. A. Alexander (Eds.), Learning and Study Strategies: Issues in Assessment, Instruction, and Evaluation (pp. 11–22). Academic Press.
  • Pressley, M., & Woloshyn, V. (1995). Cognitive Strategy Instruction That Really Improves Children’s Academic Performance (2nd ed.). Brookline Books.
  • Sweller, J. (1988). Cognitive load during problem solving: Effects on learning. Cognitive Science, 12(2), 257–285.
  • Weinstein, C. E., & Mayer, R. E. (1986). The teaching of learning strategies. In M. C. Wittrock (Ed.), Handbook of Research on Teaching (3rd ed., pp. 315–327). Macmillan.
  • Zimmerman, B. J. (2002). Becoming a self-regulated learner: An overview. Theory Into Practice, 41(2), 64–70.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 3). الاستراتيجية المعرفية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/cognitive-strategy/
looti, Mohammed. “الاستراتيجية المعرفية.” عرب سايكلوجي, 3 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/cognitive-strategy/.
looti, Mohammed. “الاستراتيجية المعرفية.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 3, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/cognitive-strategy/.