الاتصال وتعديل السلوكعلم النفس الاجتماعيعلم النفس المعرفي

الإقناع القائم على الإدراك: الأسس النظرية، العمليات السيكولوجية، والتطبيقات المعاصرة

دراسة أكاديمية شاملة في علم النفس تتناول الإقناع القائم على الإدراك: أسسه النظرية، نموذج احتمالية التمعن، العمليات المعرفية المتضمنة، وتطبيقاته الإكلينيكية والاجتماعية.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 3 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 3 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يمثل الإقناع القائم على الإدراك (Cognitively Based Persuasion) ركيزة جوهرية في دراسات علم النفس الاجتماعي وعلم النفس المعرفي، بوصفه العملية المنهجية التي يتم من خلالها تعديل الاتجاهات والمعتقدات والسلوكيات عبر استهداف البنى العقلية والمنطقية للفرد. يعتمد هذا النمط من الإقناع على افتراض محوري مفاده أن الإنسان كائن معالج للمعلومات، يبحث بطبيعته عن الدقة والاتساق المنطقي عند تقييم القضايا والموضوعات المعقدة. على النقيض من الاستمالات العاطفية أو السطحية، يسعى الإقناع المعرفي إلى تنشيط الفكر التأملي، واستدعاء الحجج الموضوعية والبيانات التجريبية لتشكيل مواقف مستقرة وقابلة للاستمرار على المدى البعيد.

المفهوم والتعريف الأكاديمي للإقناع القائم على الإدراك

يُعرّف الإقناع القائم على الإدراك في الأدبيات السيكولوجية بأنه الاستراتيجية التواصلية التي تستهدف تغيير الاتجاه من خلال التأثير على المكون المعرفي (Cognitive Component) للاتجاه النفسي، والذي يشمل المعتقدات، والمعارف، والأفكار، والتقييمات العقلانية المرتبطة بموضوع الإقناع. ينطلق هذا المفهوم من نظرية التكوين الثلاثي للاتجاهات (Tripartite Model of Attitudes)، التي تقسم الاتجاه النفسي إلى ثلاثة أبعاد رئيسية: بعد عاطفي (Affective)، وبعد سلوكي (Behavioral)، وبعد معرفي (Cognitive). وعندما تكون المرتكزات الأساسية لموقف الفرد مبنية على معلومات ووقائع وحقائق مادية، فإن محاولات التأثير الناجحة يجب أن تخاطب هذا المكون بصورة حصرية ومباشرة.

يرتكز الإقناع المعرفي على ما يُعرف في نظريات معالجة المعلومات بـ “المعالجة المنهجية” (Systematic Processing)، حيث لا يكتفي المتلقي باستقبال الرسالة بصورة سلبية، بل يُخضع كل برهان وحجة لعمليات تفكيك وتدقيق واعية ومستفيضة. يتضمن هذا التقييم مقارنة الحجج الواردة في الرسالة بالمعارف والخبرات السابقة المخزنة في الذاكرة طويلة المدى، وتحديد مدى اتساق الرسالة منطقياً وخلوها من المغالطات الاستدلالية. ومن هنا، يكتسب الاتجاه المشكَّل عبر هذا المسار صلابة استثنائية تجعله مقاوماً لمحاولات الإقناع المضادة، وأكثر قدرة على التنبؤ بالسلوك الفعلي للفرد في المواقف اللاحقة.

يميز علماء النفس المعاصرون بوضوح بين الإقناع المعرفي والإقناع العاطفي؛ فالأول يزدهر في سياق الموضوعات الفكرية والقرارات المصيرية والخيارات التي تستلزم تحليلاً دقيقاً للمكاسب والخسائر، مثل القرارات الاستثمارية، والسياسات الصحية العامة، والمواقف العلمية. في المقابل، يعتمد الإقناع العاطفي على إثارة الانفعالات كالمخاوف والبهجة أو التعاطف السريع، وهي استجابات قد تكون سريعة الزوال إذا لم تُدعم بهيكل معرفي متين وواضح المعالم، مما يمنح الإقناع الإدراكي وزناً نوعياً استثنائياً في بحوث تعديل السلوك المستدام.

الجذور التاريخية والتطور الفكري لبحوث الإقناع المعرفي

تعود الجذور التأسيسية لبحوث الإقناع في علم النفس الحديث إلى برنامج أبحاث الاتصال وتغيير الاتجاهات الذي قاده عالم النفس الأمريكي كارل هوفلاند (Carl Hovland) وزملاؤه في جامعة ييل خلال فترة الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين. ركزت دراسات “مدرسة ييل” على تتبع خطوات المعالجة المعرفية للرسالة الإقناعية، والتي تشمل: الانتباه (Attention)، والفهم (Comprehension)، وقبول الرسالة (Acceptance)، والاحتفاظ بها (Retention). وقد وفرت هذه الأبحاث الأرضية الميدانية لفهم كيف يؤثر تقديم المعلومات والحجج العقلانية في تفكيك الاتجاهات المسبقة وإعادة هيكلتها وفق مدخلات معرفية جديدة.

شهدت مرحلة الستينيات والسبعينيات تحولاً ثورياً في فهم العمليات الإدراكية مع ظهور “نظرية الاستجابة المعرفية” (Cognitive Response Theory) التي صاغها أنتوني جرينوالد (Anthony Greenwald) عام 1968. أكدت هذه النظرية أن التغيير الفعلي في الموقف لا ينشأ مباشرة من محتوى الرسالة في حد ذاته، بل من الأفكار والاستجابات المعرفية الذاتية التي يولدها المتلقي أثناء تعرضه للرسالة الإقناعية. إذا ولّد المستمع أفكاراً مؤيدة ومعززة للحجج المعروضة (Favorable Thoughts)، فإنه يميل إلى تبني الموقف؛ أما إذا استدعى أفكاراً وتفنيدات مضادة (Counterarguments)، فإن جهود الإقناع تفشل بل قد تسفر عن أثر عكسي (Boomerang Effect).

تزامن هذا التحول الفكري مع تصاعد الاهتمام بنظريات الاتساق المعرفي، لا سيما نظرية التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance Theory) التي وضعها ليون فيستنجر (Leon Festinger). أوضحت هذه الدراسات أن إدراك التناقض بين المعتقدات الراسخة والمعلومات المستحدثة يولد حالة من التوتر النفسي الدافع للبحث عن أدلة عقلانية تزيل هذا التنافر. وهكذا تبلورت عبر عقود من البحث التجريبي رؤية علمية تؤكد أن التغيير الدائم في السلوك الإنساني هو بالأساس نتاج لعمليات إعادة التقييم الإدراكي، وليس مجرد استجابة شرطية لمؤثرات بيئية عابرة.

النماذج النظرية المفسرة للإقناع القائم على الإدراك

تبلورت أرقى النماذج المعرفية لتفسير الإقناع في أواخر القرن العشرين من خلال نماذج المعالجة المزدوجة (Dual-Process Models)، ويأتي في مقدمتها نموذج احتمالية التمعن (Elaboration Likelihood Model – ELM) الذي طوره العالمان ريتشارد بيتي وجون كاسيوبو (Petty & Cacioppo). يقترح النموذج مسارين متمايزين لمعالجة الرسائل الإقناعية: المسار المركزي (Central Route) والمسار المحيطي (Peripheral Route). ويشكل المسار المركزي جوهر الإقناع القائم على الإدراك، حيث يتطلب من الفرد بذل جهد عقلي مكثف لتقييم جودة الحجج المنطقية، ومراجعة الأدلة المقدمة، والتفكير النقدي في أبعاد القضية المطروحة.

وفقاً لنموذج (ELM)، لا يتم تفعيل المسار المعرفي المركزي إلا بتوافر شرطين أساسيين متزامنين: الدافعية (Motivation) والقدرة (Ability). تشمل الدافعية رغبة الفرد الذاتية في التوصل إلى الحقيقة، وتتأثر بمدى الارتباط الشخصي بالموضوع (Personal Relevance). أما القدرة فتعني امتلاك الفرد للموارد الإدراكية اللازمة، والمعرفة المسبقة بالمجال، والوقت الكافي، وغياب المشتتات الذهنية. وعند توافر هذين العاملين، تصبح قوة الحجة العقلانية ومصداقيتها البرهانية العامل الحاسم الوحيد في تحديد نجاح العملية الإقناعية، ويكون التغير الناتج عن ذلك عميقاً وثابتاً زمنياً ومقاوماً للتشكيك.

النموذج الموازي الآخر هو نموذج المعالجة المنهجية والاستدلالية (Heuristic-Systematic Model – HSM) الذي وضعته شيلبي تشايكن (Shelly Chaiken). في هذا الإطار، يُعرّف الإقناع القائم على الإدراك بالمعالجة المنهجية (Systematic Processing)، حيث يفحص الأفراد الرسائل التواصيلة فحصاً تدقيقياً لتجاوز حد العتبة المعرفي المطلوب لليقين (Sufficiency Threshold). يقارن العقل البشري في هذه الحالة بين كمية الثقة المعرفية المتوفرة حالياً وتلك المطلوبة لاتخاذ القرار، فإذا شعر بعدم كفاية المعلومات السطحية، ينتقل فوراً إلى تشغيل التفكير التحليلي المعرفي المعمق لاستخلاص النتائج البرهانية الحاسمة.

الآليات السيكولوجية والعمليات المعرفية المتضمنة

يتطلب الإقناع القائم على الإدراك سلسلة متصلة من العمليات الذهنية المعقدة التي تبدأ بتركيز الانتباه الانتقائي (Selective Attention). لا يمكن لأي عملية تفكير منطقي أن تنشط دون توجيه حواس المتلقي وموارده الإدراكية بصورة مقصودة نحو الحجج الجوهرية للرسالة وتجاهل المثيرات البيئية المشتتة. يلي ذلك مرحلة الاستيعاب المنهجي (Comprehension)، حيث يتم تفكيك البنية اللغوية والدلالية للمعلومات وتحويلها إلى تمثيلات معرفية تفاعلية تتوافق مع الأطر الذهنية القائمة مسبقاً لدى الفرد المستهدف.

بمجرد اكتمال الفهم، تبدأ مرحلة التوليد الفكري النشط (Elaboration). في هذا الطور، يقوم الدماغ بدمج الحجج المستوعبة مع المعارف المخزنة لاستنباط النتائج المنطقية؛ وتبرز هنا عدة عمليات متزامنة:

  • التقييم النقدي لجودة الأدلة: التدقيق في سلامة البيانات الإحصائية، وصحة المقدمات المنطقية، وموثوقية المصادر العلمية المستشهد بها في الرسالة.
  • توليد الاستجابات المعرفية الداعمة: صياغة استدلالات فكرية ذاتية تعزز من حجج المتحدث، مما يسهم في تثبيت الاقتناع الداخلي عبر المعالجة الشخصية.
  • كبح المحاجة المضادة (Inhibition of Counterarguing): يحدث هذا عندما تتسم الحجة الإقناعية بالقوة والصلابة المنطقية التامة، بحيث تُبطل افتراضات المتلقي المسبقة وتمنع ذهنه من ابتكار ردود داحضة قابلة للاعتداد بها.
  • إعادة الهيكلة المعرفية (Cognitive Restructuring): تعديل شبكة المفاهيم والمخططات المعرفية (Schemas) القائمة في الذاكرة لتستوعب المعطيات والحقائق الجديدة المستقرة.

تتوج هذه السلسلة المعرفية بظاهرة ما وراء المعرفة (Metacognition)، ولا سيما ثقة الفرد في تفكيره الخاص (Self-Validation). وفقاً لبحوث بابلو برينيول وريتشارد بيتي (Brinol & Petty)، فإن توليد الأفكار المنطقية ليس كافياً بحد ذاته لإحداث الإقناع، بل يجب أن يشعر الفرد بيقين معرفي داخلي وثقة عقلية تامة بصحة هذه الأفكار لكي يستدمجها كجزء أصيل من منظومته التقييمية وموجهات سلوكه المستقبلي.

المحددات الفردية والوسائط النفسية للإقناع المعرفي

لا يستجيب جميع الأفراد للمحفزات المعرفية بالدرجة نفسها؛ إذ تلعب الفروق الفردية في السمات الشخصية والمحددات السيكولوجية دوراً وسيطاً في فاعلية الإقناع الإدراكي. وتتصدر هذه السمات سمة الحاجة إلى المعرفة (Need for Cognition – NFC)، التي صاغ مقياسها كاسيوبو وبيتي. يميل الأفراد ذوو المستويات المرتفعة من هذه السمة إلى الاستمتاع الطبيعي بالأنشطة العقلية المعقدة، ويبحثون تلقائياً عن المسائل المنطقية والتحليلية، مما يجعلهم أكثر قابلية للتأثر بالحجج العقلانية القوية وأقل اكتراثاً بالمؤثرات العاطفية أو المظاهر الشكلية للمتحدث.

يمثل متغير “المعرفة السابقة بالموضوع” (Prior Knowledge) وسيطاً جوهرياً آخر؛ فالخبراء والمتعلمون في مجال معين يمتلكون مخططات معرفية ثرية تمكنهم من رصد الثغرات المنطقية والضعف الاستدلالي في أي رسالة إقناعية بسرعة فائقة. وبالتالي، فإن إقناع الفرد ذي المعرفة التخصصية العالية يتطلب بالضرورة استخدام لغة إدراكية تتسم بالدقة الموضوعية والبيانات الدامغة، بينما قد تؤدي الاستمالات المعرفية السطحية إلى استنفار دفاعاته الفكرية وتوليد رفض معرفي حاسم.

علاوة على ذلك، تؤثر الطاقة المعرفية المتوفرة وحالة الفرد الذهنية—مثل مستوى الإرهاق الإدراكي (Cognitive Depletion)—على قدرته على المعالجة التحليلية. عندما تستنزف الموارد التنفيذية للدماغ نتيجة للإجهاد أو تعدد المهام في آن واحد، تتراجع قدرة الشخص على الانخراط في المعالجة المركزية المنطقية، ويميل لا شعورياً إلى الاعتماد على البدائل الاستدلالية السريعة والحدسية (Heuristics)، مما يعيق نجاح استراتيجيات الإقناع المعرفي المتعمقة حتى لو كانت الحجج المتاحة منطقية تماماً.

الاستراتيجيات والتكتيكات التطبيقية للإقناع القائم على الإدراك

يتطلب التصميم الفعال للرسائل الإقناعية المعرفية تطبيق حزمة من التكتيكات البنائية التي تحفز التفكير النقدي وتلبي معايير المعالجة المنهجية. تشمل هذه الأساليب:

  • بناء الحجج ثنائية الجانب مع التفنيد (Two-Sided Refutational Arguments): تقديم القضية مع الإقرار بوجود الآراء المعارضة ودحضها منطقياً بالأدلة الموضوعية، وهي استراتيجية تزيد من المصداقية المعرفية وتلقح المتلقي ضد أي محاولات إقناع مضادة مستقبلاً.
  • التأطير القائم على البيانات والأدلة الإحصائية (Statistical Evidence Framing): تقديم الحقائق المجردة المدعومة بالنسب المئوية والدراسات التجريبية بدلاً من الاقتصار على الروايات الفردية (Anecdotal Evidence)، مما يشبع رغبة المتلقي في التيقن التجريبي.
  • استراتيجية التلقيح المعرفي (Attitude Inoculation): تعريض المتلقي لجرعات ضعيفة من الحجج المضادة مع توفير أدوات الرد الفكري عليها، مما يبني مناعة عقلية تحمي المعتقدات المكتسبة من التراجع أمام الضغوط الفكرية اللاحقة.
  • إبراز الاتساق المنطقي والتماسك الداخلي: صياغة الرسالة وفق مقدمات استدلالية تسفر حتماً وبصورة بديهية عن النتائج المطروحة، مما يقلل من احتمالات الاحتكاك المعرفي ويرفع درجة القبول العقلي.

تثبت الأبحاث الميدانية أن تقديم الحجج القوية الموضوعية يؤدي إلى تغيير اتجاهي ثابت في حال كانت لغة العرض واضحة وخالية من الغموض الاصطلاحي. فالغموض المصطنع قد يدفع المتلقي للإعراض عن بذل الجهد الذهني والانسحاب من مسار المعالجة المركزية، في حين أن الشفافية المفاهيمية تحفز الطاقة التحليلية للمتلقي وتدفعه لتبني الموقف عن اقتناع عقلاني مستنير وتام.

المجالات التطبيقية للإقناع المعرفي في علم النفس والعلوم السلوكية

تتعدد التطبيقات الإكلينيكية والاجتماعية للإقناع الإدراكي؛ إذ يشكل هذا النمط جوهر العلاج المعرفي السلوكي (CBT) الذي طوره آرون بيك (Aaron Beck)، بالإضافة إلى العلاج العقلاني الانفعالي السلوكي (REBT) لألبرت إليس. يعتمد المعالج في هذه السياقات على الحوار السقراطي (Socratic Dialogue) والجدل المنطقي لإقناع المريض بوجود تشوهات معرفية وأفكار لاعقلانية تعطل جودة حياته، وإرشاده عقلانياً لاستبدالها بتمثيلات موضوعية واقعية تقضي على أعراض القلق والاكتئاب.

في مجال الاتصال الصحي الوقائي، يبرز الإقناع المعرفي كأداة حاسمة في توجيه المجتمعات نحو تبني سلوكيات وقائية صحيحة، مثل الإقلاع عن التدخين أو تلقي اللقاحات. تشير الدراسات إلى أن التوعية الصحية التي تعتمد على تفصيل الآليات البيولوجية للمرض والمنافع الإحصائية الدقيقة للعلاج تؤدي إلى التزام سلوكي طويل الأمد، مقارنة بحملات التخويف الصرفة التي غالباً ما تثير آليات دفاعية إنكارية لدى المتلقين وتفقدهم الدافعية العقلانية للتغيير.

يمتد الأثر التطبيقي إلى مجالات التواصل السياسي والاقتصادي الرشيد؛ ففي بناء السياسات العامة، تتطلب استمالة الفئات المستنيرة تقديم دراسات جدوى وتحليلات للتكلفة والعائد الملموس. كما يتجلى ذلك في قطاعات التسويق للمنتجات التقنية والخدمات الاستثمارية المعقدة (B2B)، حيث يتخذ صناع القرار خياراتهم بناءً على معايير الجدوى الوظيفية والمواصفات الفنية المحضة، بعيداً عن المظاهر الإعلانية الاستعراضية، مما يبرز تفوق الاستمالة المعرفية في البيئات الاحترافية المقننة.

النقد والحدود السيكولوجية للإقناع القائم على الإدراك

على الرغم من النجاح النظري والتجريبي للإقناع المعرفي، فإنه يواجه حدوداً وتحديات سيكولوجية عميقة تنبع من طبيعة العقل البشري بوصفه “مقتصداً معرفياً” (Cognitive Miser). يميل الدماغ البشري غريزياً إلى توفير الطاقة الحيوية وتجنب التفكير التحليلي المجهد متى ما استطاع ذلك، مما يجعل تفعيل المسار المعرفي المركزي أمراً صعب التحقيق في الظروف التفاعلية اليومية المليئة بالتدفق السريع للمعلومات والمشتتات الرقمية المتواصلة.

يشكل الانحياز التأكيدي (Confirmation Bias) والاستدلال المدفوع بالرغبة (Motivated Reasoning) حجر عثرة أساسياً أمام فاعلية الحجج المنطقية الصرفة. فعندما تتعارض الأدلة الموضوعية مع الهوية الأيديولوجية أو المعتقدات المحورية للشخص، فإنه لا يتعامل مع تلك الأدلة بحيادية رياضية، بل يجند قدراته التحليلية لاكتشاف عيوب افتراضية في البرهان المقدم لتبرير موقفه المسبق؛ وهي ظاهرة تعرف بـ “تأثير الاستقطاب المعرفي”، حيث تؤدي الحقائق الدامغة أحياناً إلى زيادة تمسك الفرد بآرائه الخاطئة.

تثبت الأبحاث أن فصل المكون المعرفي عن المكون العاطفي بشكل مصطنع قد لا يكون واقعياً في العديد من السياقات الإنسانية؛ إذ إن المشاعر والانفعالات الوجدانية تعمل غالباً كأطر مرجعية توجه وتحدد مسار التفكير المنطقي ذاته (Somatic Markers Hypothesis). ومن ثم، فإن المحاولات الإقناعية التي تهمل البعد الوجداني كلياً وتكتفي بالجفاف الإحصائي قد تواجه بالبرود وعدم الاكتراث، مما يؤكد ضرورة مراعاة التعقيد الديناميكي للنفس البشرية عند تصميم استراتيجيات التأثير والتغيير.

الخلاصة والآفاق المستقبلية

يمثل الإقناع القائم على الإدراك أحد أكثر النماذج رسوخاً وموثوقية في علم النفس لفهم كيفية إحداث تغيير جذري ومستدام في السلوك والاتجاهات الفردية والمجتمعية. من خلال الارتكاز على الحجج المنطقية، وجودة الأدلة، والتحفيز النشط للعمليات الذهنية المنهجية، ينجح هذا النموذج في بناء مواقف فكرية راسخة قادرة على الصمود ومقاومة التغيير مقارنة بالاستمالات العاطفية اللحظية.

تتجه الآفاق البحثية المستقبلية في عصر الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة نحو دراسة كيفية تكييف الحجج الإدراكية وتخصيصها (Cognitive Customization) لتناسب الأنماط المعرفية الفردية للمتلقين بدقة متناهية. إن فهم التفاعل المعقد بين الشبكات العصبية للدماغ، والسمات الشخصية، والسياقات الثقافية سيظل يمثل ميداناً حيوياً لتطوير نظريات الإقناع المعرفي وتعظيم تطبيقاتها في تعزيز الوعي الإنساني، والرفاه النفسي، وصنع القرارات الرشيدة في المجتمعات الحديثة.

المراجع

  • Beck, A. T. (1979). Cognitive therapy of depression. Guilford Press.
  • Briñol, P., & Petty, R. E. (2009). Persuasion: Insights from the self-validation hypothesis. Advances in Experimental Social Psychology, 41, 69-118.
  • Cacioppo, J. T., & Petty, R. E. (1982). The need for cognition. Journal of Personality and Social Psychology, 42(1), 116-131.
  • Chaiken, S. (1980). Heuristic versus systematic information processing and the use of source versus message cues in persuasion. Journal of Personality and Social Psychology, 39(5), 752-766.
  • Festinger, L. (1957). A theory of cognitive dissonance. Stanford University Press.
  • Greenwald, A. G. (1968). Cognitive objective response: A basis for attitude change. In A. G. Greenwald, T. C. Brock, & T. M. Ostrom (Eds.), Psychological foundations of attitudes (pp. 147-170). Academic Press.
  • Hovland, C. I., Janis, I. L., & Kelley, H. H. (1953). Communication and persuasion: Psychological studies of opinion change. Yale University Press.
  • Petty, R. E., & Cacioppo, J. T. (1986). The elaboration likelihood model of persuasion. Advances in Experimental Social Psychology, 19, 123-205.
  • Petty, R. E., Cacioppo, J. T., & Goldman, R. (1981). Personal involvement as a determinant of argument-based persuasion. Journal of Personality and Social Psychology, 41(5), 847-855.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 3). الإقناع القائم على الإدراك: الأسس النظرية، العمليات السيكولوجية، والتطبيقات المعاصرة. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/cognitively-based-persuasion-psychology-2/
looti, Mohammed. “الإقناع القائم على الإدراك: الأسس النظرية، العمليات السيكولوجية، والتطبيقات المعاصرة.” عرب سايكلوجي, 3 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/cognitively-based-persuasion-psychology-2/.
looti, Mohammed. “الإقناع القائم على الإدراك: الأسس النظرية، العمليات السيكولوجية، والتطبيقات المعاصرة.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 3, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/cognitively-based-persuasion-psychology-2/.