علم النفس الاجتماعيعلم النفس المعرفينظريات الشخصية

التعزيز الذاتي التعويضي: درع النفس الخفي

استكشف مفهوم التعزيز الذاتي التعويضي في علم النفس، وجذوره النظرية، وآلياته المعرفية والعصبية في حماية الأنا والتكيف مع الإخفاقات اليومية.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 4 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 4 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يعد مفهوم التعزيز الذاتي التعويضي (Compensatory Self-Enhancement) واحداً من أبرز الآليات النفسية التي تكشف عن ديناميكيات الدفاع عن الأنا وحماية الصورة الذاتية في مواجهة التهديدات الوجودية والاجتماعية. حينما يواجه الفرد إخفاقاً مدمراً، أو تقييماً سلبياً ينال من كفاءته في مجال حيوي معين، لا يقف الجهاز النفسي مكتوف الأيدي، بل يسارع إلى إعادة بناء التوازن الداخلي عبر تسليط الضوء على مكامن قوة بديلة وغير ذات صلة بالتهديد المباشر. تستعرض هذه المقالة الأكاديمية الشاملة الأصول النظرية لهذه الظاهرة، ونماذجها المعرفية، ودورها الحيوي في الحفاظ على الصحة النفسية، فضلاً عن انعكاساتها السلوكية وتطبيقاتها المعاصرة.

مدخل مفاهيمي: تعريف التعزيز الذاتي التعويضي وسياقه التاريخي

يمثل تعزيز الذات أحد الدوافع الإنسانية الأساسية التي ترتكز عليها نظريات علم النفس الاجتماعي وعلم نفس الشخصية؛ إذ ينزع البشر بطبيعتهم الفطرية إلى تكوين رؤية إيجابية عن أنفسهم والمحافظة عليها أمام التقلبات الحياتية. يتجاوز التعزيز الذاتي التعويضي مجرد الرغبة العامة في الظهور بمظهر جيد؛ إذ يُعرّف إجرائياً بأنه استجابة تكيفية يقوم من خلالها الفرد بالمبالغة في تأكيد تفوقه أو كفاءته في بُعد أو مجال محدد، وذلك كاستجابة مباشرة لرد فعل سلبي أو فشل تلقاه في بُعد آخر غير مرتبط به تماماً. هذا التحول التكتيكي في التركيز الذهني يُفرغ شحنة التهديد النفسي ويمنع الانهيار الشامل لقيمة الذات.

تعود الجذور الفكرية لهذه الديناميكية إلى بواكير التحليل النفسي الكلاسيكي، وتحديداً في كتابات ألفريد أدلر الذي صاغ نظرية «عقدة النقص» وتحدث باستفاضة عن آليات «التعويض النفسي» كوسيلة يسعى من خلالها المرء للتغلب على جوانب ضعفه المتخيلة أو الحقيقية. ومع تطور علم النفس الاجتماعي التجريبي خلال النصف الثاني من القرن العشرين، تحول الاهتمام من الدوافع اللاواعية المبهمة إلى دراسة العمليات المعرفية القابلة للقياس والملاحظة المخبرية. وقد أثبتت الدراسات الرائدة أن الأفراد يمتلكون ترسانة معرفية متطورة للدفاع عن هويتهم، تتيح لهم إعادة توجيه انتباههم بمرونة فائقة عند التعرض لصدمات التقييم الخارجي.

في البيئات الأكاديمية والمهنية المعاصرة، يتجلى التعزيز الذاتي التعويضي كإستراتيجية مرنة وفعالة للغاية لإدارة التوتر الإدراكي والوجداني؛ فالطالب الذي يحصل على علامة متدنية في اختبار الرياضيات قد يلجأ فوراً، وبشكل شبه تلقائي، إلى تذكير نفسه والآخرين ببراعته الرياضية أو جاذبيته الاجتماعية الفائقة. هذا النمط من التفكير لا ينفي الفشل الأصلي بصورة إنكارية مرضية، بل يحيطه بإطار جديد يُقلل من وزنه النسبي ضمن المنظومة الكلية للذات، محققاً بذلك استقراراً وجدانياً مؤقتاً يحمي الفرد من الانزلاق إلى مشاعر الدونية أو العجز المكتسب.

الأطر النظرية المفسرة للتعزيز الذاتي التعويضي

لفهم الآليات الدقيقة التي تحكم التعزيز الذاتي التعويضي، لا بد من استعراض النظريات المركزية التي وفرت الأساس التجريبي والتفسيري لهذه الظاهرة داخل علم النفس الحديث:

1. نظرية تأكيد الذات (Self-Affirmation Theory)

طوّر عالم النفس الأمريكي كلود ستيل (Claude Steele) في أواخر الثمانينيات نظرية تأكيد الذات، والتي تعد الركيزة الأساسية لفهم الاستجابات التعويضية. تنص هذه النظرية على أن الهدف الأسمى للنظام الذاتي ليس الحفاظ على صورة مثالية ومحددة في كل مجال على حدة، بل الحفاظ على «النزاهة العامة للذات» (Self-Integrity)، والشعور الشامل بكون الفرد شخصاً جيداً، وأخلاقياً، وقادراً على التكيف ومواكبة متطلبات الواقع.

وفقاً لرؤية ستيل، فإن المنظومة الذاتية تعمل كنظام متكامل ومرن؛ وحين يتعرض جزء من هذا النظام لضربة موجعة أو تهديد مباشر، فإن النظام لا يحتاج بالضرورة إلى حل هذا التهديد في نطاقه الخاص لإعادة التوازن. بدلاً من ذلك، يمكن استعادة الشعور بالنزاهة والقيمة من خلال التأكيد على جوانب إيجابية في مجالات أخرى متباينة تماماً. تبرهن التجارب على أن إتاحة الفرصة للمشاركين للتعبير عن قيمهم الجوهرية (كالقيم الفنية أو الدينية أو العلاقات الأسرية) يُبطل تماماً حاجتهم إلى التبرير الدفاعي أو تشويه الحقائق عند إخفاقهم في مهمات معرفية لاحقة.

2. نظرية الحفاظ على التقييم الذاتي (Self-Evaluation Maintenance Model)

قدم أبراهام تيسر (Abraham Tesser) نموذج الحفاظ على التقييم الذاتي، مبيناً كيف يتأثر إدراكنا لأنفسنا بأداء الأشخاص المقربين منا في سياقات مقارنة محددة. يوضح النموذج أنه عندما يتفوق شخص قريب منا في مجال نعتبره محورياً لهويتنا، فإننا نشعر بتهديد مؤلم لقيمتنا الذاتية؛ الأمر الذي يدفعنا إلى تفعيل آليات تعويضية حاسمة لاستعادة التوازن المفقود.

تشمل هذه الآليات التعويضية التقليل من أهمية المجال الذي فشلنا فيه، أو المبالغة في تقدير تفوقنا في مجال مغاير لا ينافسنا فيه ذلك الشخص، أو حتى تباعد المسافة النفسية بيننا وبينه. يبرز هذا النموذج الطبيعة الاجتماعية الصارمة لعملية التعويض؛ فالأمر لا يتعلق فقط بالأداء المجرد، بل بكيفية تموضع هذا الأداء مقارنة بالآخرين المحيطين بنا في الفضاء الاجتماعي المشترك.

3. نظرية إدارة الرعب والتهديد الوجودي (Terror Management Theory)

تذهب نظرية إدارة الرعب، التي صاغها بFocusValue كل من سولومون وغرينبيرغ وبيشينسكي، إلى أبعد من التهديدات اليومية العادية، مؤكدة أن أعمق تهديد يواجهه الوعي البشري هو إدراك حتمية الفناء والموت. تشير النظرية إلى أن تقدير الذات العالي يعمل كدرع وقائي وظيفته امتصاص القلق الوجودي الدفين وتخفيف حدة الهلع الكامن في اللاوعي.

في هذا السياق المتطرف، يُنظر إلى التعزيز الذاتي التعويضي كآلية دفاعية كبرى؛ فعند تذكير الأفراد بموتهم المحتوم في ظروف تجريبية، يميل هؤلاء تلقائياً إلى المبالغة في تقدير سماتهم الإيجابية، والتفاخر بانتماءاتهم الثقافية أو القومية، وإظهار مشاعر التفوق الأخلاقي والمعرفي. هذه الاستجابة التعويضية تثبت أن الذات تستخدم التعزيز كآلية حماية وجودية متكاملة تضمن صمود الجهاز النفسي أمام التهديدات العميقة والسطحية على حد سواء.

الديناميكيات الإدراكية والعصبية للتعويض الذاتي

لا تحدث عملية التعزيز التعويضي في فراغ معرفي أو عصبي مجرد، بل تحركها مجموعة معقدة من العمليات الإدراكية الدقيقة والمسارات البيولوجية العصبية المتفاعلة. على الصعيد الإدراكي، يعتمد العقل على ظاهرة «الانتباه الانتقائي» و«الذاكرة المتحيزة»؛ فحين يتلقى الفرد تقييماً سلبياً، يُطلق الدماغ حالة استنفار وجداني تُشبه الاستجابة للضغط الحاد، محفزاً البحث التلقائي في الذاكرة طويلة المدى عن أدلة وسجلات سابقة تثبت التفوق والنجاح في مجالات موازية، وذلك لتحييد الأثر الهدام للرسالة السلبية.

تُظهر الدراسات التي تستخدم تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) أن التهديد الاجتماعي الموجه للذات ينشط القشرة الحزامية الأمامية الظهرية (dACC) والجزيرة الأمامية، وهما منطقتان تشتركان في معالجة الألم الجسدي والألم الاجتماعي النفسي على حد سواء. وعندما ينخرط الفرد في سلوكيات التعزيز الذاتي التعويضي (مثل تذكر نجاحاته أو تأكيد قيمه الجوهرية)، يُسجل انخفاض ملحوظ في نشاط هذه المناطق الحزامية المؤلمة، مترافقاً مع زيادة واضحة في نشاط مناطق المكافأة في الدماغ، مثل المخطط البطني (Ventral Striatum) وقشرة الفص الجبهي الإنسي (VMPFC).

تؤكد هذه البيانات البيولوجية أن التعزيز الذاتي ليس مجرد حيلة كلامية سطحية يلجأ إليها المرء لحفظ ماء وجهه، بل هو مسار فسيولوجي عصبي أصيل لإعادة تنظيم المشاعر وتسكين الألم العصبي الناجم عن الجروح النرجسية. ومن خلال هذا التحول الكيميائي العصبي في الدماغ، يستعيد الفرد مستويات الدوبامين الطبيعية، مما يتيح له تجاوز مشاعر الخيبة العارمة واستعادة صفائه الذهني والقدرة على مواصلة التفاعل الوظيفي مع بيئته المحيطة بكفاءة وثبات.

التعزيز المباشر في مقابل التعزيز التعويضي

من الضروري في التحليل السيكولوجي التمييز بدقة بين إستراتيجيات الدفاع الذاتي المختلفة التي يتبناها الأفراد عند التعرض للمواقف الضاغطة؛ حيث يخلط الكثيرون بين التعزيز المباشر والتعزيز التعويضي غير المباشر:

  • التعزيز الذاتي المباشر (Direct Self-Enhancement): يركز الفرد هنا على المجال المهدد نفسه عبر إنكار النتائج، أو الطعن في مصداقية التقييم، أو لوم الآخرين، كأن يقول الطالب الراسب: «إن الاختبار كان ظالماً وغير موضوعي»، أو «المعلم لا يمتلك الكفاءة لتصحيح إجاباتي». هذا النمط يتسم بالمقاومة الصريحة للواقع وقد يقود إلى نتائج عكسية إذا اصطدم بحقائق موضوعية دامغة لا يمكن نكرانها.
  • التعزيز الذاتي التعويضي (Compensatory Self-Enhancement): يقر الفرد ضمنياً (أو على الأقل لا يهاجم بضراوة) حقيقة الفشل في النطاق الأول، ولكنه يقوم بمناورة إدراكية ذكية تقوده للارتقاء بقيمته في مجال منفصل ومحمي من الشك، كأن يقول: «ربما لم أوفق في الرياضيات، لكن قدراتي الأدبية والإبداعية لا يُشق لها غبار».
  • تخفيض القيمة الانتقائي (Discounting): وسيلة مكملة للتعويض، حيث يقلل الفرد عمداً من الأهمية الشخصية للمجال الذي شهد الإخفاق («الرياضيات ليست مهمة لمستقبلي المهني على الإطلاق»)، بالتزامن مع إعلاء شأن المجال البديل («القدرات التواصلية هي أساس النجاح الحقيقي في العالم المعاصر»).
  • الانعكاس الاجتماعي (Basking in Reflected Glory): شكل غير مباشر من التعويض يعتمد على التماهي مع انتصارات ونجاحات الآخرين، كأن يرتدي الفرد قميص فريقه الرياضي الفائز غداة فشله في مشروع عمل، ليعوض إحساسه الشخصي بالعجز من خلال استعارة انتصار الجماعة.

إن ما يجعل التعزيز التعويضي أكثر نضجاً من الناحية التكيفية هو قدرته على حماية سلامة البناء النفسي دون الحاجة إلى تشويه سافر للحقائق الواضحة؛ فهو يسمح للفرد بالاعتراف بحدوده في مناطق معينة مع التمسك الصارم بشعوره العام بالجدارة والأهلية الإنسانية الكاملة.

الأبعاد الثقافية والفروق الفردية في ممارسة التعويض الذاتي

تتباين الأنماط التعبيرية للتعزيز الذاتي التعويضي تبايناً جذرياً عبر الثقافات المتعددة، كما تتأثر تأثراً بالغاً بالسمات الشخصية والبنى المعرفية للأفراد في مختلف المجتمعات الإنسانية:

1. السياق الثقافي: الفردانية في مقابل الجماعية

في الثقافات الفردانية (مثل الولايات المتحدة ودول غرب أوروبا)، تتمحور الذات حول الاستقلالية والتفرد والتميز عن الآخرين. في هذه البيئات، يميل التعزيز التعويضي إلى التركيز على السمات الفردية المطلقة كالكفاءة الشخصية، والذكاء، والموهبة القيادية، والاستقلالية المادية. يُنظر إلى التراجع في أي من هذه السمات كتهديد قاتل للأنا يستوجب رداً تعويضياً سريعاً يثبت تميز الفرد وتفرده التام.

على النقيض من ذلك، تبرز في الثقافات الجماعية (مثل دول شرق آسيا والعديد من المجتمعات العربية والشرق أوسطية) مركزية «الذات المترابطة» (Interdependent Self). في هذا السياق، قد لا يظهر التعويض التعزيزي عبر التفاخر بالقدرات الشخصية الفجة، بل من خلال تأكيد التوافق الاجتماعي، والولاء العائلي، والالتزام بالواجبات الأخلاقية والبر بالوالدين. الشخص الذي يخفق في مهمة مهنية قد يعوض نفسياً بالتأكيد على أنه ابن بار، أو صديق وفي، أو فرد يضحي من أجل مصلحة الجماعة؛ مما يثبت أن محتوى التعويض تصوغه القيم المركزية السائدة في ثقافة المجتمع.

2. السمات الشخصية: هشاشة النرجسية ومرونة تقدير الذات

تلعب بنية الشخصية دوراً حاسماً في نوع وكثافة التعويض الممارس؛ فالأفراد الذين يتمتعون بـ تقدير ذات آمن ومستقر (Secure High Self-Esteem) لا يحتاجون بالضرورة إلى تعويض حاد وعدواني، بل تكفيهم تأكيدات بسيطة وواقعية لقيمهم الروحية والإنسانية لتجاوز التهديدات العابرة بثبات وهدوء.

في المقابل، يُظهر الأفراد الذين يعانون من النرجسية الهشة أو تقدير الذات المتذبذب (Defensive/Fragile High Self-Esteem) ردود فعل تعويضية مفرطة وغير متناسبة، وغالباً ما تتسم بالاستعراض العدواني والتصريح المتعالي بالاستحقاق الاستثنائي. مثل هذه الاستجابات لا تهدف إلى استعادة التوازن الداخلي فحسب، بل تسعى إلى إجبار البيئة المحيطة على التصفيق للذات المهددة لتفادي الانكشاف النفسي أمام الضعف الدفين.

التطبيقات السلوكية في الحياة اليومية والمؤسسات

يمتد تأثير التعزيز الذاتي التعويضي إلى مختلف مناحي السلوك البشري اليومي، متجلياً في سلوكيات المستهلك، وديناميكيات القيادة، والبيئات التعليمية والتنظيمية المتطورة:

1. سلوك المستهلك والشراء التعويضي (Compensatory Consumption)

تستثمر الشركات العالمية والوكالات الإعلانية هذه الديناميكية النفسية بدقة متناهية؛ فالأفراد الذين يتعرضون لمواقف تُشعرهم بضعف القوة أو تراجع المكانة الاجتماعية يتجهون مباشرة إلى ما يُعرف بـ «الاستهلاك التعويضي». يقوم المستهلك هنا بشراء سلع فاخرة ذات علامات تجارية بارزة، أو سيارات باهظة الثمن، ليس لحاجته الفعلية إلى خصائصها المادية، بل لتوظيفها كرموز تعويضية تعيد له هيبته المتصدعة وتمنحه إحساساً زائفاً أو مؤقتاً بالسيادة والرفعة.

2. البيئة التنظيمية وأداء الموظفين

في بيئات العمل، يمكن لمس التعزيز الذاتي التعويضي بوضوح خلال جولات تقييم الأداء السنوي. عندما يتلقى الموظف ملاحظات نقدية قاسية حول مهاراته الفنية أو التنظيمية، غالباً ما يلجأ إلى التعويض عبر التباهي بعلاقاته العامة الممتازة داخل المؤسسة، أو التشدد في التمسك بالانضباط الشكلي والمظهري. يدرك المديرون المتمرسون هذه الآلية، ويعمدون إلى تقديم النقد البناء بطريقة متوازنة؛ حيث يسبقون النقد بتأكيد نقاط القوة الحقيقية للموظف في مجالات أخرى، مما يقلل من حاجته إلى السلوك التعويضي الدفاعي ويوجه طاقته المعرفية نحو تصحيح الخلل الفعلي.

3. العلاقات العاطفية والتفاعل بين الشركاء

في إطار العلاقات الزوجية والعاطفية، يؤدي التعويض الذاتي دوراً مزدوج الحدين؛ فعندما يشعر أحد الشريكين بتفوق الآخر الكاسح في الجانب المالي أو النجاح المهني، قد يلجأ الشريك الأقل نجاحاً إلى التعويض عبر فرض السيطرة الصارمة في الشؤون المنزلية أو تصيد الأخطاء الأخلاقية والتواصلية للشريك المتفوق. إذا لم تكن هناك بصيرة سيكولوجية واعية بهذا الدافع التعويضي، فقد تتحول العلاقة إلى ساحة حرب باردة من التنافس الهدام المستتر خلف مظاهر الصلاح والحرص الزائف.

الوظيفة التكيفية في مقابل الانحرافات المرضية

يطرح علماء النفس تساؤلاً جوهرياً حول الطبيعة الوظيفية للتعزيز الذاتي التعويضي: هل يمثل آلية تكيفية صحية تعزز المرونة النفسية، أم أنه مجرد عائق دفاعي يعطل النمو الحقيقي للفرد؟ تتوقف الإجابة العلمية على مدى مرونة استخدام هذه الآلية ودرجة ارتباطها بالواقع الموضوعي:

المنافع التكيفية للتعويض الذاتي:

  • حماية الصحة النفسية: يمنع التعويض السريع الانهيار الوجداني الحاد، ويقلل من احتمالية التعرض لنوبات الاكتئاب والقلق المرضي المرتبط بتدني تقدير الذات.
  • تعزيز المثابرة والمرونة: يساعد استدعاء النجاحات البديلة الفرد على استعادة مشاعر الفاعلية الذاتية (Self-Efficacy)، مما يمنحه الشجاعة لمواجهة التحديات المستقبلية بدلاً من الاستسلام لليأس.
  • خفض حدة التوتر الفسيولوجي: تسهم هذه الآلية في تقليل إفراز هرمونات التوتر مثل الكورتيزول، مما يحمي الجهاز القلبي الوعائي والمناعي من التبعات السلبية للضغط النفسي المزمن.

المخاطر والانحرافات غير التكيفية:

  • إعاقة التعلم من الأخطاء: إذا أفرط الفرد في القفز السريع نحو التعويض دون التوقف لفهم أسباب الفشل وتحليلها، فإنه يفقد فرصة ثمينة لتطوير مهاراته الضعيفة ومعالجة أوجه القصور الحقيقية لديه.
  • توليد الصراعات الاجتماعية: التعويض الفج والمصحوب بالتفاخر المتعالي يثير حفيظة الآخرين في البيئة الاجتماعية، ويؤدي إلى عزل الفرد اجتماعياً نتيجة نظر المحيطين إليه كشخصية مغرورة وغير واقعية.
  • تشويه الواقع المعرفي: الاستخدام المزمن للتعويض قد يفصل الفرد تدريجياً عن الحقائق الملموسة، ويخلق هوة سحيقة بين «الذات الحقيقية» و«الذات المثالية المتخيلة»، وهي الهوة التي تمثل جوهر الاضطرابات العصابية المعقدة.

إستراتيجيات التوجيه السليم لآليات التعويض في العلاج النفسي

يمثل التعامل مع الآليات التعويضية ركيزة بالغة الأهمية في مسار العلاج النفسي بمختلف مدارسه، وخاصة في العلاج المعرفي السلوكي (CBT) وعلاج القبول والالتزام (ACT). لا يهدف المعالج النفسي الحصيف إلى تحطيم آليات التعويض لدى العميل بصورة عنيفة وفورية، لأن تجريد الفرد من دفاعاته دون بناء بدائل تكيفية قوية قد يعرضه لانهيار وجداني غير محمود العواقب. بدلاً من ذلك، تتبع الخطط العلاجية خطوات متدرجة ومنهجية تضمن التحول الآمن نحو النضج النفسي:

تبدأ العملية العلاجية بتعزيز «الوعي الذاتي التأملي»، حيث يُشجع العميل على مراقبة أفكاره التلقائية وردود أفعاله العاطفية في اللحظات التي تلي مواقف الرفض أو الخيبة. من خلال هذا الرصد الواعي، يتعلم العميل التمييز بين رغبته المشروعة في تهدئة مشاعره الجريحة وبين الانجراف التلقائي نحو التفاخر المفرط أو استهلاك الموارد في سلوكيات تعويضية غير مجدية. هذا الإدراك الموضوعي يُعري الدوافع الخفية ويضعها تحت سيطرة الإرادة الواعية بدلاً من تركها تعمل كبرامج عقلية لاواعية.

تنتقل المرحلة التالية إلى ممارسة ما يُعرف في العلاج المعرفي بـ «تقبل الذات غير المشروط» (Unconditional Self-Acceptance)، وهي الفلسفة التي رسخها ألبرت إليس في العلاج العقلاني الانفعالي. يتم تدريب العميل على التوقف تماماً عن ربط قيمته الإنسانية الكلية بإنجازاته الجزئية في أي نطاق؛ فالإنسان يمتلك قيمة جوهرية أصيلة لا تزيد بالنجاح ولا تنقص بالفشل. حين يتبنى الفرد هذا المعتقد العميق، تتلاشى حاجته المرضية إلى ممارسة التعزيز التعويضي الدفاعي، ويتحول تركيزه من حماية الأنا المذعورة إلى النمو الشخصي الهادئ والتعلم الصادق من تجارب الحياة.

خاتمة

يظل التعزيز الذاتي التعويضي نافذة علمية آسرة تعكس مدى براعة العقل البشري وقدرته على حماية سلامته واستقراره في مواجهة عواصف الإحباط والتهديدات الاجتماعية المتكررة. إنه ليس مجرد ضعف إنساني أو محاولة للمراوغة النفسية، بل هو سيف ذو حدين؛ إذا استُخدم بوعي ومرونة، وفّر درعاً وجدانياً يحمي الفرد من الانهيار ويجدد عزيمته، وإذا سيطر على سلوك الفرد دون بصيرة، تحول إلى قناع زائف يعيق التعلم ويعزل صاحبه عن الحقيقة ونماء الذات الصادق.

المراجع

  • Adler, A. (1956). The Individual Psychology of Alfred Adler: A systematic presentation in selections from his writings (H. L. Ansbacher & R. R. Ansbacher, Eds.). Basic Books.
  • Baumeister, R. F. (1998). The self. In D. T. Gilbert, S. T. Fiske, & G. Lindzey (Eds.), The Handbook of Social Psychology (4th ed., Vol. 1, pp. 680–740). McGraw-Hill.
  • Greenberg, J., Solomon, S., & Pyszczynski, T. (1997). Terror management theory of self-esteem and cultural worldviews: Empirical assessments and conceptual refinements. Advances in Experimental Social Psychology, 29, 61–139. https://doi.org/10.1016/S0065-2601(08)60016-7
  • Sedikides, C., & Gregg, A. P. (2008). Self-enhancement: Food for thought. Perspectives on Psychological Science, 3(2), 102–116. https://doi.org/10.1111/j.1745-6916.2008.00068.x
  • Steele, C. M. (1988). The psychology of self-affirmation: Sustaining the integrity of the self. Advances in Experimental Social Psychology, 21, 261–302. https://doi.org/10.1016/S0065-2601(08)60229-4
  • Tesser, A. (1988). Toward a self-evaluation maintenance model of social behavior. Advances in Experimental Social Psychology, 21, 181–227. https://doi.org/10.1016/S0065-2601(08)60227-0

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 4). التعزيز الذاتي التعويضي: درع النفس الخفي. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/compensatory-self-enhancement-2/
looti, Mohammed. “التعزيز الذاتي التعويضي: درع النفس الخفي.” عرب سايكلوجي, 4 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/compensatory-self-enhancement-2/.
looti, Mohammed. “التعزيز الذاتي التعويضي: درع النفس الخفي.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 4, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/compensatory-self-enhancement-2/.